|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

مقدّمةٌ عامّةٌ

يشكّلُ موضوعُ الزواجِ، منذُ بدءِ التاريخِ، مرحلةً أساسيّةً منْ صميمِ الحياةِ الاجتماعيّةِ، ولطالما قدَّسَ الإنسانُ عمليّةَ التناسلِ ورفعَها إلى مرحلةِ الاقترانِ، ومنْ ثمَّ أحاطَها بحالةٍ منَ القدسيّةِ، ليشيرَ عبرَها إلى ما يختزنُه الزواجُ منْ كثافةٍ اجتماعيّةٍ ونفسيّةٍ وروحيّةٍ أساسيّةٍ في بناءِ الفردِ كما في بناءِ وتطوّرِ الجماعةِ التي ينتمي إليها.

والزواجُ، في قاموسِ المعاني الجامع 1، هو ارتباطُ الرجلِ بالمرأةِ ضمنَ ميثاقٍ شرعيٍّ، بهدفِ تأسيسِ أسرةٍ؛ أمّا في لسانِ العربِ 2، فعبارةُ الزواجِ تشتقُّ منَ الزوجِ أيْ منَ الذي لهُ قرينٌ. والزواجُ أيِ الاقترانُ أقدمُ بكثيرٍ منَ الزواجِ الرسميِّ، إذْ يعودُ أقدمُ مصدرٍ للزواجِ إلى عامِ 2350 قبلَ الميلادِ في بلادِ ما بينَ النهرينِ. أمّا التشريعاتُ اللاحقةُ، فأتَتْ مواكبةً للتطوّرِ الاقتصاديِّ، حيثُ انتقلَ مفهومُ الأسرةِ منَ العشيرةِ إلى العائلةِ الصغيرةِ المكوّنةِ منْ أبٍ وأمٍّ، فالعشيرةُ تضفي الحمايةَ وتسمحُ بالبقاءِ على قيدِ الحياةِ، فتتوزَّعُ الأعباءُ على كاهلِ مجموعةٍ كبرى تعيشُ في وحدةٍ اجتماعيّةٍ كاملةٍ. وهذا ما أطَّرَتْه الحركةُ الفلسفيّةُ للزواجِ وما كرَّسَتْه القدرةُ الاقتصاديّةُ الذاتيّةُ التي أصبحَ يتمتَّعُ بها الفردُ بشكلٍ منفصلٍ عنْ عصبِه العائليِّ، بحيثُ أصبحَتْ هويّةُ الفردِ ككائنٍ عالميٍّ، نسخةً متجدّدةً لهويّتِه التي كانتْ مهمَّشةً مقابلَ صورةِ العشيرةِ التي لها الكيانُ الأمثلُ.

ويشكّلُ الزواجُ عمليّةً إجرائيّةً أساسيّةً وواضحةَ الخطواتِ. ففي كلِّ دولةٍ يسعى النظامُ الاجتماعيُّ إلى قوننةِ الزواجِ وتنظيمِ آثارِه معَ ما يستتبعُه منْ آثارٍ متعدّدةٍ على حياةِ الأسرةِ-النواةِ الأولى في المجتمعِ 3. نذكرُ منْ هذهِ التبعاتِ، عمليّةَ حفظِ النسلِ، وفضَّ الخلافاتِ الزوجيّةِ، وصولاً إلى أحكامِ الميراثِ والتبنّي والوصيّةِ... والزواجُ قانوناً هو الرابطُ الشرعيُّ الذي يربطُ الرجلَ بالمرأةِ بقصدِ تأسيسِ أسرةٍ، ومعيشةٍ مشتركةٍ، وتبادلِ المعونةِ والمساعدةِ. ورغمَ كونِ الزواجِ في الأصلِ عقداً رضائيّاً، إلّا أنَّ القانونَ يرتّبُ عليهِ مفاعيلَ مدنيّةً بالنظرِ إلى أهمّيّتِه المعنويّةِ، إذْ يجري تحريرُ الزواجِ في وثيقةٍ رسميّةٍ على يدِ موظَّفٍ مختصٍّ بتحريرِ وثائقِ الزواجِ والطلاقِ 4. وقدْ صُنِّفَ الزواجُ ضمنَ أقسامٍ: زواجٌ داخليٌّ (endogamy) هو الزواجُ القائمُ ضمنَ نفسِ المجموعةِ (القبيلة-الدين)، وزواجٌ خارجيٌّ (exogamy) وهو القائمُ بينَ شعوبٍ أوْ أديانٍ مختلفةٍ.

والزواجُ المدنيُّ 5 وهو العقدُ الذي تنظّمُه السلطةُ المدنيّةُ وتضبطُ أحكامَه وتنظرُ في مفاعيلِه، فينبعُ العقدُ المدنيُّ عنِ السلطةِ التشريعيّةِ صاحبةِ الاختصاصِ، التي تتحكَّمُ بتفاصيلِ تطبيقاتِه بإرادتِها الذاتيّةِ، وإنْ أتتْ هذهِ الإرادةُ معبّرةً عنْ تطلّعاتِ مختلفِ فئاتِ المجتمعِ وأبرزِها الفئاتُ الدينيّةُ. ويضافُ إلى أهمّيّةِ عنصرِ التشريعِ عنصرٌ ثانٍ لا يقلُّ أهمّيّةً عنِ الأوّلِ، هو أنَّ السلطةَ القضائيّةَ المدنيّةَ هي التي تنظرُ في فضِّ الخلافاتِ الناشئةِ عنهُ، سواءٌ سمحَ لها القانونُ باستعمالِ التشريعِ المدنيِّ أوْ بتطبيقِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ الخاصّةِ بكلِّ طائفةٍ.

إنَّ العائلةَ تكتسبُ أهمّيّةً قصوى في المجتمعِ، ولا سيّما في حفظِ نظامِ الأمانِ الاجتماعيِّ. وتمَّ عبرَ الزمنِ تقنينُها وضبطُ أحكامِها في طريقٍ يهدفُ إلى التقليلِ منْ مخاطرِ الأمنِ الاجتماعيِّ. وقدْ أسهمَ الدينُ في عمليّةِ بناءِ الإنسانِ وتطوّرِه، فشكَّلَتِ القيمُ الدينيّةُ مصدراً أساسيّاً للتشريعاتِ الوضعيّةِ بغيةَ إرساءِ السلمِ الاجتماعيِّ وتنظيمِ أحكامِه. وربطَ الدينُ أفعالَ الإنسانِ بمصادرَ وأبعادٍ إلهيّةٍ تكفلُ حُسْنَ تطبيقِها والاستمرارَ باتّباعِها على مرِّ الزمنِ. أمّا العلاقةُ الزوجيّةُ، "المحورُ الأهمُّ في حياةِ الإنسانِ"، فكانَ لا بدَّ لها منْ أنْ تصطبغَ بالمبادئِ الدينيّةِ بحيثُ تتجلّى العلاقةُ الزوجيّةُ كنوعٍ آخرَ منْ أطرِ التعبيرِ عنْ ممارسةِ الشعائرِ الدينيّةِ وحفظِ الوصايا الإلهيّةِ. ويهتمُّ الدينُ بالبعدِ العلائقيِّ بينَ أتباعِه، إذْ يؤمّنُ للزوجينِ مظلّةً حياتيّةً متكاملةً، تُعنى بمختلفِ مراحلِ حياةِ الإنسانِ منَ الولادةِ حتّى المماتِ، مروراً بالمفصلِ الأساسِ الذي يضمنُ انتقالَ الحياةِ ويؤمّنُ استمراريّةَ شعبِ اللهِ أوِ الأمّةِ، وقدْ عنيتُ بهِ الزواجَ أيضاً.

وتخضعُ مفاعيلُ زواجِ المسيحيّينَ لشريعةِ الدولةِ الحاكمةِ، كما في مصرَ مثلاً وكثيرٍ منَ البلدانِ العربيّةِ. وفي أوروبا، يحيا المسلمونَ أيضاً وفقَ القانونِ المدنيِّ الإجباريِّ، كفرنسا مثلاً، لمْ يعرفْ أيٌّ منَ الدينينِ المسيحيِّ والإسلاميِّ نمطاً واحداً منغلقاً وفقَ بوتقةٍ منَ الإجراءاتِ القانونيّةِ الضيّقةِ، بلْ تكيَّفَ معَ العاداتِ والمستجدّاتِ بحسبِ كلٍّ منَ الزمانِ والمكانِ اللَّذَيْنِ يعاصرانِه.

أمّا في لبنانَ، فشكَّلَ موضوعُ غيابِ تشريعِ الدولةِ للزواجِ المدنيِّ عنِ الساحةِ الحقوقيّةِ، تجاذباً واسعَ النطاقِ بينَ مؤيّدٍ ومشجّعٍ ورافضٍ، وتناولتْ دراساتٌ كثيرةٌ هذهِ الإشكاليّةَ منْ زوايا عدّةٍ، انطلقَ أغلبُها منَ النظرةِ الحقوقيّةِ ومنَ الفلسفةِ والحريّاتِ العامّةِ، للمناداةِ بضرورةِ إقرارِ هذا نوعِ منَ العقودِ. ووقفَ لهُ بالمرصادِ بعضٌ منْ رجالِ الدينِ، مستندينَ إلى الحججِ ذاتِ المصدرِ الدينيِّ لإبقاءِ الزواجِ الدينيِّ العقدَ الوحيدَ المتاحَ قانوناً ضمنَ الأراضي اللبنانيّةِ.

مسوّغاتُ الاختيارِ ودوافعُه

ولمّا كانَ لبنانُ يتخبَّطُ عبرَ العديدِ منَ الأزماتِ الداخليّةِ والخارجيّةِ، التي تضغطُ على الحالةِ الإنسانيّةِ، وتحملُ اللبنانيّينَ على التفكيرِ جديّاً بالهجرةِ منهُ، كانَ اللجوءُ إلى الزواجِ المدنيِّ أبرزَ نتائجِ معاملاتِ الهجرةِ. فقدِ اخترتُ أمامَ هذا الواقعِ الأليمِ، أنْ أدرسَ ما يبدو لي مدماكاً أساسيّاً أوْ مفتاحاً لعمليّةِ النهوضِ بلبنانَ منْ كبوتِه، وهوَ موضوعُ الزواجِ المدنيِّ الأكثرُ جدلاً على مرِّ هذهِ السنينِ، وسأتطرَّقُ خصوصاً إلى أسبابِ عدمِ إقرارِه إلى اليومِ، بالرغمِ منَ العديدِ منَ المطالباتِ والأبحاثِ والمناظراتِ الإعلاميّةِ والسياسيّةِ والحقوقيّةِ. لقدْ حُتِّمَ على مَنْ يودّونَ عقدَ هذا النوعِ منَ الزواجِ، السفرُ إلى خارجِ الوطنِ، لذا نجدُ الزواجَ المدنيَّ عندَ اللبنانيّينَ المقيمينَ في الخارجِ حيثُ يُقْدِمونَ على هذا النوعِ منَ العقودِ منْ أجلِ إتمامِ معاملاتِهم الرسميّةِ حسبما تتطلَّبُ القوانينُ المرعيّةُ الإجراءِ في تلكَ البلادِ.

وقدْ رأيتُ منْ واجبي، كباحثٍ في ميدانِ العلاقاتِ الإسلاميّةِ المسيحيّةِ، أنْ أتركَ مساهمةً تسمحُ بمقاربةٍ مختلفةٍ لموضوعٍ يرتبطُ بمفاصلَ عدّةٍ منَ الحياةِ في هذا الوطنِ. فالزواجُ عمليّةٌ معقّدةٌ تتداخلُ فيها العلومُ الإنسانيّةُ كافّةً، منْ علمِ الاجتماعِ والفلسفةِ والتاريخِ والأديانِ وعلومِ السياسةِ أوِ القانونِ إلى غيرِها منَ العلومِ، بما يسمحُ لهذهِ النواةِ الهامّةِ منَ المجتمعِ، بالمضيِّ قدماً وتخفيفِ العراقيلِ والمحظوراتِ التي تُفْرَضُ بغيرِ إرادةِ أصحابِها.

وقدْ أردْتُ منِ اختيارِ هذا الموضوعِ أنْ أُبْرِزَ أهمّيّةَ تداخلِ الحياةِ الاجتماعيّةِ والسياسيّةِ والاقتصاديّةِ في لبنانَ ضمنَ العلاقاتِ الإسلاميّةِ المسيحيّةِ. فالزواجُ يشكّلُ أحدَ الجسورِ العابرةِ للطوائفِ أوْ للحالةِ الاجتماعيّةِ، والمظهرَ الأكثرَ تعبيراً عنِ القيمِ الدينيّةِ في الحياةِ العامّةِ.

ويلجأُ اليومَ كثيرونَ إلى الزواجِ مدنيّاً خارجَ لبنانَ، وذلكَ لأسبابِ أصبحَتْ معروفةً وقدْ ذكرتُ بعضَها آنفاً، وأضيفُ عليها سهولةَ الإجراءاتِ والكلفةَ المتدنيّةَ (للسفرِ، ولحفلِ الزواجِ). أمّا السببُ الأكثرُ شيوعاً المكوَّنُ لدى الرأيِ العامِّ، فهو المزيدُ منَ الوضوحِ في معاملاتِ الطلاقِ، وآليّةِ إجراءاتِه في مقابلِ تعقيداتِ الزواجاتِ الدينيّةِ المعروفةِ في لبنانَ. وقدْ طرحَ شيوعُ استعمالِ الزواجِ المدنيِّ سؤالاً عنْ جديّةِ عدمِ إقرارِه داخليّاً إلى اليومِ، كحلٍّ وسطيٍّ يفتحُ المجالَ أمامَ الراغبينَ باعتمادِه دونَ تكبّدِ تبعاتِه الاقتصاديّةِ، وخاصّةً لِمَنْ لا يريدونَ تغييرَ المعتقدِ الدينيِّ منْ أجلِ عقدِ زواجِهم.

إنَّ المطالبةَ بضرورةِ وجودِ قانونِ أحوالِ شخصيّةٍ مدنيٍّ في لبنانَ، ليسَ ترفاً فكريّاً أوْ محاولةً للمواجهةِ بينَ السلطةِ السياسيّةِ والسلطةِ الدينيّةِ، إنّما كانَ وما يزالُ صوتَ المتألّمينَ، إمّا لعدمِ اكتراثِ الوطنِ لوجودِهم خارجَ الطوائفِ المسمّاةِ قانوناً، أوْ لعدمِ إنصافِهم منْ خلالِ القوانينِ الطائفيّةِ. وقدْ برزَتْ حالةٌ منَ التصادمِ بينَ لبنانَ وإرادةِ المجتمعِ الدوليِّ، الذي يطالبُ بإيجادِ التنظيماتِ التطبيقيّةِ الملائمةِ لإقرارِ خيارِ الزواجِ المدنيِّ ضمنَ التشريعاتِ القانونيّةِ. وقدْ جاءتِ المطالبةُ الدوليّةُ بالزواجِ المدنيِّ ضمنَ سلّةٍ منَ المطالبِ، تطالُ واقعَ المرأةِ المهدورةِ حقوقُها، والتي تتعرَّضُ للغبنِ جرّاءَ اتّباعِ الأنظمةِ التقليديّةِ الدينيّةِ في الزواجِ الدينيِّ، وخاصّةً القضايا المنبثقةَ منْ هذا العقدِ كحقِّ طلبِ الطلاقِ والميراثِ والنفقةِ وما إلى ذلكَ.

أضفْ إلى ذلكَ، بروزَ المطالبةِ بالدولةِ المدنيّةِ، التي تستقطبُ اليومَ مزيداً منَ الأصواتِ الداعيةِ إليها، كحلٍّ لمعضلةِ الحياةِ السياسيّةِ في لبنانَ. وقدْ تشكَّلَ هذا المفهومُ بالموازاةِ بينَ الضروراتِ الدوليّةِ والأبعادِ الاجتماعيّةِ والسياسيّةِ والاقتصاديّةِ والدينيّةِ في لبنانَ. إذْ شكَّلَتِ المدنيّةُ حالةً في مقابلِ حالةِ البداوةِ، وأنظمةً سياسيّةً مدنيّةً مقابلَ الأنظمةِ العسكريّةِ، حتّى بدأَ التيّارُ المدنيُّ في الفترةِ الأخيرةِ يتميَّزُ عنْ تيّارِ العلومِ الدينيّةِ عبرَ مطالباتِه بتوحيدِ المعاييرِ في التعاملِ بينَ كلِّ المواطنينَ والمقيمينَ على الأراضي اللبنانيّةِ. لذلكَ يشكّلُ الحديثُ عنِ الدولةِ المدنيّةِ وإمكانيّةِ بنائِها عبرَ سلّمٍ منَ الأحكامِ وخصوصاً عمليّةَ إجراءِ الزواجِ، مفصلاً أساسيّاً في بناءِ الدولةِ الحديثةِ.

ما بُحِثَ سابقاً وما يجبُ بحثُه

لقدْ تقاسمتْ أطرافٌ عدّةٌ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ، تراصفتْ بعضُها مقابلَ البعضِ الآخرِ. وانطلقتِ الدراساتُ السابقةُ التي تناولتْ هذا الموضوعَ منْ مقارباتٍ عدّةٍ، يمكنُ تقسيمُها إلى مجموعتينِ أساسيّتينِ: المجموعةُ الأولى التي تشكَّلَتْ حولَ الرؤيةِ الحقوقيّةِ، لحقوقِ الإنسانِ أوْ للمواثيقِ الدوليّةِ أوْ للقانونِ المدنيِّ، فصبَّتْ اهتمامَها على الشقِّ القانونيِّ والحقوقيِّ لفكرةِ الزواجِ المدنيِّ مبتعدةً عنِ التدخّلِ في أعمالِ رجالِ الدينِ، ومستعينةً بالفضاءِ الأوسعِ الذي هو شقُّ المواطنةِ الفاعلةِ. وسأذكرُ ضمنَ متنِ البحثِ أبرزَ هذهِ المواقفِ الحقوقيّةِ بشكلٍ مستقلٍّ. وفي المقابلِ، تشكَّلَتْ مجموعةٌ ثانيةٌ تضمُّ أصواتَ رجالِ الدينِ الذينَ ذهبوا بإشكاليّاتِهم إلى ما يُلِمّونَ بهِ، أيِ الميدانَ الدينيَّ تحديداً، وتشدَّدَتْ كلُّ مرجعيّةٍ دينيّةٍ على إبرازِ قراءتِها الآنيّةِ للزواجِ المدنيِّ، مستندةً إلى الحججِ الدينيّةِ ومستنهضةً إيّاها بحدّةٍ بالغةٍ وهذا ما سأتوسَّعُ في عرضِه ضمنَ البحثِ، منْ خلالِ عرضِ مواقفِ مختلفِ المرجعيّاتِ الدينيّةِ.

أمّا ما يجبُ بحثُه لاحقاً فهوَ يتناولُ كلَّ أثرٍ منْ آثارِ عقدِ الزواجِ على حدةٍ، كمفاعيلَ كالإرثِ والتبنّي أوْ طرقِ إنهاءِ عقدِ الزواجِ، والعملِ على تشريحِها وفقَ نفسِ الآليّةِ المتّبعةِ. وهذهِ الدراساتُ تتطلَّبُ غوصاً منفصلاً في أحكامِ كلٍّ منها، لكثرةِ ما فيها منْ تشعّباتٍ وحالاتٍ متعدّدةٍ تتغيَّرُ وفقَ أيِّ تعديلٍ قدْ يطرأُ على الاعترافِ الدينيِّ الذي أقرَّتْه الدولةُ في أحكامِ قيودِها الشخصيّةِ.

الإشكاليّةُ والفرضيّاتُ

يتعارضُ الزواجُ المدنيُّ معَ الزواجِ الدينيِّ عندَ المسيحيّينَ والمسلمينَ على حدٍّ سواءٍ. وفيما يتعارضُ بشكلٍ بارزٍ في المسيحيّةِ عموماً عندَ مرحلةِ عقدِ الزواجِ، يضافُ إليها مرحلةُ انحلالِ العقدِ لدى الطوائفِ الكاثوليكيّةِ بشكلٍ خاصٍّ، تظهرُ إشكاليّةُ الزواجِ المدنيِّ عندَ المسلمينَ، في مرحلةِ مفاعيلِ الزواجِ أكثرَ منهُ في مرحلةِ انعقادِ العقدِ. لذا، كانَ منَ الضروريِّ تبيانُ كيفيّةِ تخطّي هذهِ العقباتِ، التي على أهمّيّتِها، تبقى ثانويّةً أمامَ ريادةِ الأديانِ في مجالِ الخيرِ العامِّ. وفي كلِّ الأحوالِ، يجبُ على طموحِ الأديانِ، التي هي مصدرٌ لحقوقِ الإنسانِ، أنْ يكونَ أسمى منَ القوانينِ، وأكثرَ مساهمةً في القانونِ الدوليِّ، إذْ إنَّ للأديانِ تشريعاً ذا صبغةٍ إلهيّةٍ، بينما التشريعاتُ الدوليّةُ هي قوانينُ منْ وضعِ الإنسانِ. لذلكَ تتمثَّلُ الإشكاليّةُ الأبعدُ بالإجابةِ عنِ السؤالِ المطروحِ: "كيفَ يكونُ الزواجُ المدنيُّ في لبنانَ حاجةً دينيّةً؟"

أمّا الإشكاليّةُ الأولى فتتمثَّلُ حيثُ يحكمُ الدينُ اليومَ مفاصلَ الحياةِ بأدقِّ تفاصيلِها، حتّى أصبحَتِ الأمانةُ لشعائرِ التزاوجِ رمزاً للأمانةِ للهِ، فهلْ على اللهِ أنْ يرافقَ الإنسانَ في نموِّه الفكريِّ أمْ على الإنسانِ أنْ يأسرَ نفسَه في حدودِ الطقوسِ فيما إذا تعدَّلَتِ الحاجاتُ والمطالبُ؟ وهلِ الزواجُ هوَ عقدٌ أمْ عقدةٌ!

يلعبُ هنا العصبُ الدينيُّ دوراً ممانعاً لولادةِ الزواجِ المدنيِّ إلى اليومِ. وهذهِ ليستْ فرضيّةً، وإنَّما واقعاً ملموساً، ولكنْ لا تقفُ كلُّ الطوائفِ موقفاً موحَّداً رافضاً، بلْ هناكَ مَنْ يجنحُ إلى اليمينِ، فيقبلُ مناصروه بالزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ؛ وهناكَ مَنْ يجنحُ يساراً فيرفضُه؛ وهناكَ مَنْ يقفُ في مكانٍ آخرَ، فييسعى إلى ما هوَ بعدَ إقرارِ الزواجِ المدنيِّ، أيْ إلى الدولةِ المدنيّةِ الكاملةِ كهدفٍ أخيرٍ لهُ. فكيفَ يمكنُ للزواجِ المدنيِّ أنْ يسهمَ في صنعِ لبنانَ جديدٍ؟

أمّا البحثُ عنْ طريقٍ، فيستندُ إلى المسوّغِ الدينيِّ المحضِ، ويسهمُ في خلقِ جوٍّ منَ التجانسِ بينَ البيئةِ الدينيّةِ الملتزمةِ والبيئةِ المواطنيّةِ. وذلكَ مطلبٌ أساسيٌّ، إذْ إنَّه ينبغي الردُّ على الحجّةِ الدينيّةِ ليسَ بحجّةٍ حقوقيّةِ أوْ دستوريّةِ، وإنَّما بحجّةِ دينيّةِ توازيها، فإنَّ البحثَ العامَّ يتناولُ الزواجَ المدنيَّ حتّى اليومِ، انطلاقاً منْ واقعِ الزواجِ الطائفيِّ الحاليِّ في لبنانَ، ومحاولاتِ تشريعِه وإيجادِ حلٍّ للتحدّياتِ التي تواجهُه.

وقدِ انطلقتْ عدّةُ فرضيّاتٍ حاكَتْ إشكاليّةَ طرحِ الزواجِ المدنيِّ، فمنها ما يتعلَّقُ بآراءِ الطوائفِ بالزواجِ المدنيِّ. فهناك رأيٌ أوّلٌ يقولُ بأنَّ الزواجَ المدنيَّ هوَ عاملٌ مهدِّدٌ لاستقرارِ المجتمعِ المبنيِّ والقائمِ على عقدٍ اجتماعيٍّ قوامُه الطوائفُ الدينيّةِ، ويستتبعُ الاعترافَ بزواجِ المثليّينَ وهذا ما ترفضُه علناً معظمُ الكنائسِ المسيحيّةِ منْ كاثوليكَ وأرثوذكسَ وبعضٍ منَ الكنائسِ الإنجيليّةِ، كما يرفضُه الإسلامُ أيضاً في جميعِ الدولِ التي يتواجدُ فيها.

وهناك رأيٌ ثانٍ يقولُ بضرورةِ أنْ يتمَّ العملُ على إلغاءِ الطائفيّةِ السياسيّةِ في لبنانَ، ويتحوَّلُ النظامُ السياسيُّ اللبنانيُّ إلى نظامٍ علمانيٍّ يضمنُ حقوقَ جميعِ مواطنيهِ، فتكونُ الوظيفةُ الرسميّةُ فيه لِمَنْ هوَ الأكفأُ، بعيداً عنْ أيِّ محاصصةٍ للطوائفِ، التي غالباً ما تُغَلَّبُ شرطُ التوازنِ فيها قائماً على حسابِ الكفاءةِ العلميّةِ والشروطِ الموضوعيّةِ.

أمّا الرأيُ الثالثُ فينطلقُ منَ المعاهداتِ الدوليّةِ التي وقَّعَ عليها لبنانُ، والتي تفرضُ الزواجَ المدنيَّ بقوّةِ القانونِ فوقَ رؤوسِ جميعِ اللبنانيّينَ، دونَ الأخذِ بعينِ الاعتبارِ موقفَ رجالِ الدينِ المتشدّدينَ حيالَ طرحِ الزواجِ المدنيِّ.

لكنّي أنطلقُ في هذهِ الدراسةِ منْ فرضيّةٍ تقومُ على الدراسةِ الموضوعيّةِ لمفهومِ الزواجِ الدينيِّ المسيحيِّ والإسلاميِّ في السياقِ اللبنانيِّ، للوقوفِ على مدى جديّتِه أوْ قابليّتِه للموالفةِ معَ الزواجِ المدنيِّ، وذلكَ عبرَ استنهاضِ صُلْبِ الدينِ.

المنهجيّةُ المعتمدةُ ومخطَّطُ البحثِ

نظراً إلى تشعّبِ موضوعِ الزواجِ المدنيِّ في السياقِ الدينيِّ اللبنانيِّ، كانَ لزاماً علينا اعتمادُ كلٍّ منَ المنهجِ التاريخيِّ ومنهجِ التحليلِ والمقارنةِ، لنعرضَ مواقفَ المرجعيّاتِ الطائفيّةِ الدينيّةِ منهُ، ومنْ ثمَّ تحليلُ هذهِ المواقفِ ومحاولةُ رسمِ طريقٍ يوصلُ إلى لبنانَ أفضلَ.

وقدِ استندتُّ إلى المنهجِ التاريخيِّ لأُبْرِزَ التطوّرَ التاريخيَّ للطرقِ التي اعتمدتْها المؤسَّساتُ الدينيّةُ المسيحيّةُ والإسلاميّةُ في تعاطيها معَ المجتمعاتِ والدولِ التي دخلتْ إليها. لكنَّ هذا التعاطيَ لمْ يعرفْ نمطاً واحداً، بلْ تطوَّرَ وتبدَّلَ بحسبِ الظروفِ والمستجدّاتِ، فكانَ ضروريّاً أنْ نعودَ إلى التاريخِ لتحليلِ تلكَ التطوّراتِ، ورصدِ مدى توسّعِها أوِ انغلاقِها في ملفِّ الزواجِ، على مستوى الرؤيةِ ومستوى المفهومِ، ومستوى التعديلاتِ القانونيّةِ التي رافقتْ كلاً منْ هذينِ المستويينِ، لأنَّ معرفةَ المسبّباتِ هي مفتاحٌ أساسيٌّ لفهمٍ أفضلَ للنظرةِ الدينيّةِ الآنيّةِ إلى الزواجِ المدنيِّ.

أمّا لناحيةِ المنهجِ المقارنِ، فكانَ منَ الضروريِّ اعتمادُه لأنَّ كلاً منَ المسيحيّةِ والإسلامِ عرفا تعدّداً في المذاهبِ، وبالتالي تعدّداً في الآراءِ والحاجاتِ والمقرَّراتِ؛ كما كانَ منَ الضروريِّ أيضاً اللجوءُ إلى المقارنةِ منْ أجلِ فهمٍ أفضلَ لظاهرةِ الزواجِ المدنيِّ، نظراً إلى تعدّدِ الطوائفِ المعترفِ بها، وتعدّدِ مواقفِها منْ هذا الرباطِ. وكلُّ ذلكَ، بهدفِ الوصولِ إلى خارطةِ طريقٍ، وتبيانِ الأسسِ الدينيّةِ التي يمكنُ الاتّكالُ عليها، والقولِ بوجودِ إمكانيّةٍ

منهجية الدراسة ومحاورها

لاستيعابِ المؤسَّسةِ الدينيّةِ لموضوعِ الزواجِ المدنيِّ أمْ عدمِه، فقدِ اخترتُ أنْ أعتمدَ في هذهِ الدراسةِ طرقاً رئيسيّةً ثلاثاً.

الطريق الأول: الإطار التاريخي والدولي

تطرَّقتُ فيهِ للزواجِ عموماً وللزواجِ في لبنانَ بوجهِ الخصوصِ، وفي المقابلِ سجَّلتُ الموقفَ الدوليَّ المصمّمَ على إيجادِ نظامٍ للأحوالِ الشخصيّةِ محايداً عنِ التقاليدِ الدينيّةِ.

الطريق الثاني: موقف الطوائف والواقع الاجتماعي

أبيّنُ عبرَه موقفَ الطوائفِ اللبنانيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ والمسائلِ التي تطرحُها الحياةُ الاجتماعيّةُ اليومَ على طاولةِ البحثِ، ولا تجدُ إلّا في الزواجِ الدينيِّ حلاً مناسباً لها.

الطريق الثالث: صميم الزواج الديني وبحث الحلول

سأبحثُ في صميمِ الزواجِ الدينيِّ، ومدى إمكانيّةِ الاستفادةِ منهُ منْ خلالِ تعاطي المؤسَّسةِ الدينيّةِ معَ إشكاليّةِ عقدِ الزواجِ، لأعودَ بعدَ ذلكَ وأتطرَّقَ إلى المسائلِ السابقِ بحثُها، للوقوفِ على مدى حاجتِنا اليومَ إلى الزواجِ المدنيِّ، وبالتالي مدى جديّةِ الدفوعِ الدينيّةِ التي تقفُ بوجهِ الزواجِ المدنيِّ!

أقسام الدراسة

تقومُ هذهِ الدراسةِ على خمسةِ فصولٍ، يتقدَّمُها فصلٌ أوّلٌ تمهيديٌّ يبيّنُ جوهرَ الزواجِ في نظرِ الفلاسفةِ والحضاراتِ، وفي كلٍّ منَ الدينينِ المسيحيِّ والإسلاميِّ. ثمَّ تناولْتُ في الفصلِ الثاني مسألةَ الزواجِ في لبنانَ وواقعَ حالِه، والمحاولاتِ التشريعيّةِ التي قاربتْ صلبَ الموضوعِ، والتحدّياتِ الناتجةِ عنْ غيابِ التشريعِ للزواجِ المدنيِّ كصورةٍ ومثالٍ عنِ الحاجاتِ الملحّةِ في هذا المضمارِ.

كما أفردتُّ الفصلَ الثالثَ، للزواجِ المدنيِّ في السياقِ الدينيِّ المسيحيِّ مستعرضاً مواقفَ طوائفِه الدينيّةِ المسيحيّةِ منهُ، والحججَ التي تبني كلٌّ منها عليها رأيَها، واستعرضتُّ اللاهوتَ المسيحيَّ الذي يسمحُ بعمليّةِ التجانسِ معَ الزواجِ المدنيِّ منْ وجهةِ نظرٍ دينيّةٍ. كما عرضْتُ في الفصلِ الرابعِ الموقفَ الإسلاميَّ، وفقَ المنهجيّةِ عينِها التي استعملتُها في الفصلِ السابقِ، عبرَ عرضِ آراءِ المرجعيّاتِ الأساسيّةِ، وآراءِ ومواقفِ المصلحينَ الجددِ الذينَ ما يزالونَ يسهمونَ في عمليّةِ التوفيقِ بينَ الآراءِ الفقهيّةِ والنظرةِ المدنيّةِ. أمّا في الفصلِ الخامسِ والأخيرِ، فأستعرضُ المواثيقَ الدوليّةَ التي تشكّلُ قوّةَ ضغطٍ مستمرّةً باتّجاهِ المنظومةِ الدينيّةِ نحو تطويرِ التشريعاتِ المتعلّقةِ بالأحوالِ الشخصيّةِ والتي تسمحُ بعمليّةِ بناءِ الدولةِ المدنيّةِ.

ما يخرجُ عنْ هذهِ الدراسةِ

يسمحُ موضوعُ الزواجِ المدنيِّ ونظرةُ الدينِ المسيحيِّ والإسلاميِّ لهُ بالتوسّعِ في القضايا التي تطالُ المرأةَ، التي هيَ الطرفُ الأضعفُ في هذا العقدِ، حيثُ ينعكسُ الاهتمامُ بها على تشكيلِ النصوصِ القانونيّةِ التي ترعى الزواجَ. إلّا أنَّ ما يخرجُ عنْ دراستِنا، وإنْ تقاطعتْ فيهِ المفاهيمُ، فهو حالةُ الأمِّ العزباءِ، والتي تستحقُّ المقاربةَ بموضوعٍ مستقلٍّ؛ فهيَ تخرجُ عنْ إطارِ هذهِ الدراسةِ لأنَّها تشكّلُ موضوعاً مستقلاً عنْ إشكاليّةِ الزواجِ، يستحقُّ دعمَه وإيلاءَه الأهمّيّةَ اللازمةَ.

كما تخرجُ عنْ إطارِ هذهِ الدراسةِ أيضاً المواضيعُ المتعلّقةُ بحقوقِ الطفلِ، رغمَ أنَّ الطوائفَ الكاثوليكيّةَ تعتبرُ أنَّ هدفَ الزواجِ الأساسيَّ هوَ الإنجابُ. ورغمَ أنَّ حقوقَ الطفلِ غيرُ مطبَّقةٍ بشكلٍ كليٍّ في المجتمعِ اللبنانيِّ، ورغمَ أنَّ القوانينَ الدوليّةَ التي ترعى الطفلَ قدْ تطرَّقتْ إلى موضوعِ الزواجِ، إلّا أنَّ الطفلَ يشكّلُ سبباً غيرَ مباشرٍ في الزواجِ، بحيثُ يمكنُ عقدُه دونَ الاعتدادِ بهِ، فلذلكَ آثرتُّ عدمَ التطرّقِ إليهِ.

وبما أنَّ القوانينَ الدينيّةَ وكثيراً منَ القوانينِ المدنيّةِ العالميّةِ تُعرّفُ الزواجَ على أنَّه ارتباطٌ بينَ رجلٍ وامرأةٍ، فقدْ آثرنا أيضاً عدمَ التطرّقِ لزواجِ المثليّينَ ومنعِ ربطِه بالزواجِ المدنيِّ، سواءٌ أكانَ لإقرارِه، أمْ للتنبيهِ منْ خطرِ تسلُّلِه عبرَ الزواجِ المدنيِّ، الذي سيشكّلُ منفذاً لتشريعِه رغمَ معارضةِ المرجعيّةِ الدينيّةِ الرافضةِ لكلِّ أنواعِ المساوماتِ حولَه. أضفْ إلى ذلكَ أنَّه لمْ يُقدَّمْ أيُّ مشروعِ قانونٍ إلى مجلسِ النوابِ بشأنِ زواجِ المثليّينَ.

وأخيراً تخرجُ عنْ هذهِ الدراسةِ نظرةُ الطائفةِ اليهوديّةِ في لبنانَ إلى الزواجِ المدنيِّ، بالرغمِ منْ أنَّها منَ الطوائفِ المعترفِ بها قانوناً في لبنانَ، إلّا أنَّ عديدَها ووجودَها الرسميَّ ومواقفَها هي معدومةٌ في لبنانَ، ولذلكَ أبقيتُّ بحثي هذا على الدينينِ المسيحيِّ والإسلاميِّ فقط.

أهمّيّةُ الدراسةِ وأهدافُها

هلْ يكونُ الزواجُ المدنيِّ خشبةَ خلاصٍ للبنانَ، يسمحُ باستقرارِ العلاقاتِ بينَ أبنائِه وسكّانِ أراضيهِ؟ قدْ تُسهمُ نتائجُ هذا البحثِ عالميّاً في بلورةِ المزيدِ منَ الأمثلةِ التي توفّقُ بينَ البعدينِ الدينيِّ والمدنيِّ، لا سيّما وأنَّنا نعيشُ في ظلِّ أزمةٍ عالميّةٍ تبحثُ في الأساليبِ الناجعةِ لانخراطِ المهاجرينَ منْ دولِ الشرقِ وأفريقيا في الدولِ التي استضافتْهم، ومنْ أبرزِ قواعدِ الانخراطِ إيجادُ قواعدَ دينيّةٍ تساعدُ الملتزمَ دينيّاً على الانسجامِ معَ القوانينِ المدنيّةِ وخاصّةً في موضوعِ الزواجِ.

قدْ يسمحُ البحثُ في المسوّغِ الدينيِّ والنظرةِ الدينيّةِ للزواجِ عموماً، وإلى الزواجِ المدنيِّ خصوصاً، بتجديدِ الخطابِ الدينيِّ انطلاقاً منْ حيثيّةِ الدينِ ذاتِها. فلطالما تغنّى لبنانُ بوحدتِه وبأنَّه بلدُ "الرسالةِ"، ولطالما افتخرَ بتعايشِه المشتركِ وبتركيبتِه الفريدةِ بينَ الدولِ لجهةِ عدمِ طغيانِ مذهبٍ أوْ دينٍ على باقي المذاهبِ والأديانِ، وهذا ما سيسمحُ مرّةً أخرى بتناولِ عقدِ الزواجِ المدنيِّ ودراستِه، بما يسهمُ في تحديثِ الخطابِ الوطنيِّ الداخليِّ والخطابِ العابرِ للطوائفِ، ممّا يدعمُ فكرةَ تقدّمِ لبنانَ ومكانتِه.

الأهداف المباشرة للدراسة

1. تحليلُ الإطارِ التاريخيِّ، وكيفيّةُ تطوّرِ منظومةِ الزواجِ في المسيحيّةِ والإسلامِ منْ خلالِ تبيانِ خصائصِ الزواجِ في كلٍّ منَ الدينينِ، وتقاطعِ عناوينِها معَ المجتمعِ المدنيِّ.

2. دفعُ دائرةِ الحوارِ حولَ موضوعِ الزواجِ المدنيِّ قدماً عبرَ تقديمِ السندِ الدينيِّ الذي يسمحُ بعمليّةِ تفكيرٍ داخليّةٍ تستوعبُ الحالةَ الوطنيّةَ اللبنانيّةَ، ممّا يعيدُ إلى المؤسَّسةِ الدينيّةِ قيمتَها الأخلاقيّةَ كمدافعةٍ عنِ الإنسانِ.

3. تبيانُ الأسسِ التي يمكنُ أنْ تقومَ عليها الدولةُ المدنيّةُ في لبنانَ، وما هيَ أطرُ التعاونِ التي يمكنُ، في موضوعِ الزواجِ المدنيِّ، العملُ عليها سويّاً بالاشتراكِ معَ السلطةِ الدينيّةِ والمجتمعِ الأهليِّ.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.