المبحثُ الثاني: موقفُ الكنائسِ الأرثوذكسيّةِ والأرثوذكسيّةِ الشرقيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ
أوّلاً، موقفُ الرومِ الأرثوذكسِ
تنطلقُ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ في رؤيتِها للزواجِ من كونهِ سراً مقدساً يتجاوزُ العقودَ القانونيّةَ البحتةَ، حيثُ يُعتبرُ اتحاداً روحياً وجسدياً يُباركُه الروحُ القدسُ. وترى هذه الكنيسةُ أنَّ الزواجَ المدنيَّ يفتقرُ إلى البعدِ الإلهيِّ والمشاركةِ الفعليّةِ في حياةِ المسيحِ، ممّا يجعلُه في نظرِها مجرّدَ مساكنةٍ قانونيّةٍ لا ترقى إلى مرتبةِ الزواجِ الكنسيِّ الصحيحِ. وتؤكّدُ المراجعُ القانونيّةُ واللاهوتيّةُ للرومِ الأرثوذكسِ على ضرورةِ الإكليلِ كشرطٍ أساسيٍّ لاعتبارِ الرابطةِ الزوجيّةِ شرعيّةً من وجهةِ نظرٍ دينيّةٍ، معتبرةً أنَّ المؤمنَ الذي يكتفي بالعقدِ المدنيِّ يضعُ نفسَه في حالةِ قطيعةٍ مع التدبيرِ الكنسيِّ.
ثانياً، موقفُ السريانِ الأرثوذكسِ
لا يختلفُ موقفُ الكنيسةِ السريانيّةِ الأرثوذكسيّةِ في جوهرِهِ عن شقيقاتِها، فهي تتمسّكُ بالتقليدِ الكنسيِّ الذي يفرضُ مباركةَ الكاهنِ للزواجِ. وتعتبرُ الكنيسةُ أنَّ الزواجَ المدنيَّ يمثّلُ تحدياً للسلطانِ الروحيِّ للكنيسةِ على رعاياها في أحوالِهم الشخصيّةِ. ومن الناحيةِ الرعويّةِ، تتعاملُ الكنيسةُ بحزمٍ مع حالاتِ التوجّهِ نحو الزواجِ المدنيِّ، مُشددةً على أنَّ الأسرارَ الكنسيّةَ هي القناةُ الوحيدةُ لنيلِ النعمةِ في الحياةِ الزوجيّةِ.
ثالثاً، موقفُ الأقباطِ الأرثوذكسِ
تُبدي الكنيسةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ موقفاً صارماً وواضحاً برفضِ الاعترافِ بالزواجِ المدنيِّ كبديلٍ عن الزواجِ الدينيِّ. وتشدّدُ القوانينُ الكنسيّةُ القبطيّةُ على أنَّ عقدَ الزواجِ لا يكتملُ إلا بصلاةِ الإكليلِ والصلواتِ الطقسيّةِ المحدّدةِ. وفي حالِ إتمامِ زواجٍ مدنيٍّ لأبناءِ الكنيسةِ، فإنَّ ذلكَ لا يُرتّبُ أيَّ آثارٍ كنسيّةٍ، بل ويُعتبرُ الزوجانِ في حالةِ خطيئةٍ تستوجبُ التوبةَ والعودةَ لطلبِ البركةِ الكنسيّةِ لتصحيحِ وضعهِما أمامَ الجماعةِ المؤمنةِ.