المبحثُ الثاني: الزواجُ في المسيحيّةِ
في المسيحيّةِ، وجهاتُ نظرٍ متعدّدةٌ حولَ الزواجِ، تختلفُ باختلافِ المذاهبِ. فهناكَ مَنْ ينظرُ إلى الزواجِ كسرٍّ كنسيٍّ أوّلاً، مثلَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ، وهناك مَنْ يراهُ بعينِ العقدِ المدنيِّ المجرّدِ، كالكنائسِ الإنجيليّةِ، التي تعتبرُه: "عهدٌ يتمُّ عقدُه بواسطةِ الكنيسةِ بينَ رجلٍ وامرأةٍ بهدفِ الاتّحادِ في شركةٍ روحيّةٍ وتكوينِ عائلةٍ مسيحيّةٍ مستمرّةٍ، والاقترانِ الجنسيِّ الطبيعيِّ" 20. إنَّ اتّحادَ الرجلِ والمرأةِ، يؤلّفُ أيقونةً لكنيسةٍ بيتيّةٍ 21، وفي المفهومِ اللاهوتيِّ يمكننا تعريفُ الكنيسةِ بأنّها "عروس المسيح 22" والكنيسةُ بحسبِ هذا الإطارِ هي اصطلاحاً، جماعةُ المؤمنينَ الملتئمةُ بناءً على دعوةِ اللهِ في وقتٍ محدَّدٍ 23.
تتبنّى الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ خصوصاً، مفهومَ الزواجِ، كمدلولٍ كتابيٍّ للدلالةِ على الارتباطِ باللهِ، وترفضُ عموماً التمييزَ بينَ العزوبيّةِ والزواجِ منْ هذهِ الزاويةِ. ويمكننا الذهابُ أبعدَ منْ ذلكَ واعتبارُ عزوبيّةِ الكاهنِ أوِ الراهبِ والراهبةِ زواجاً أيضاً، حيثُ يكونُ الارتباطُ معَ المسيحِ وفي المسيحِ. وللدلالةِ على هذا الارتباطِ يحملُ الكثيرُ منْ أعضاءِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ الإكليريكيينَ 24 خاتمَ الزواجِ للدلالةِ على عفّتِهم ونذرِ أنفسِهم للربِّ.
أوّلاً، الزواجُ في العهدِ القديمِ
إنَّ النظرةَ إلى العهدِ القديمِ مبنيّةٌ على القراءةِ المسيحيّةِ لهُ طالما أنَّ نظرةَ الديانةِ اليهوديّةِ تخرجُ عنْ إطارِ هذهِ الدراسةِ.
يبدأُ الكتابُ المقدَّسُ بقصّةِ زواجِ وارتباطِ آدمَ وحوّاءَ الجدَّينِ الأوَّلينِ في الكتابِ الأوّلِ منَ العهدِ القديمِ "التكوين"، ويختمُ الكتابُ المقدَّسُ آخرَ كتبِه في العهدِ الجديدِ بعرسٍ، ولكنَّه منْ نوعٍ آخرَ هو عرسُ الحملِ في كتابِ "الرؤيا". لقدْ كُتِبَتْ قصّةُ اللهِ معَ شعبِه بينَ دفَّتي هذا الكتابِ المقدَّسِ. ويكونُ الزواجُ عادةً الاحتفالَ الأوّلَ في حياةِ الإنسانِ، وهوَ أكثرُ الأعمالِ وضوحاً في اشتراكِ المخلوقِ معَ الخالقِ في عمليّةِ الخلقِ، الذي هوَ صفةٌ إلهيّةٌ بامتيازٍ. وقدْ أفضى اشتراكُ حوّاءَ وآدمَ في المعصيةِ إلى الكثيرِ منَ النتائجِ، وأوّلُها الابتعادُ عنِ الشركةِ معَ اللهِ. إلّا أنَّه لمْ يؤدِّ إلى قطعِ الارتباطِ بينهما. بلْ على العكسِ، أكّدَ عليهِ وثبَّتَه ونظَّمَ توزيعَ الأعمالِ والسلطاتِ بينهما، كتنظيمٍ لارتباطٍ أبديٍّ. فالرجلُ مسؤولٌ عنْ توفيرِ الطعامِ، "بعرقِ جبينِك تأكلُ خبزَك"، والمرأةُ مسؤولةٌ عنِ الإنجابِ، "فبالمشقّةِ تلدينَ البنينَ" (تكوين 3: 16 – 19). وقدْ وجدَ النظامُ البطريركيُّ المعمولُ بهِ في حينِه في هذا النصِّ الكتابيِّ سنداً لهُ.
خلقَ اللهُ السماءَ والأرضَ ورأى أنَّ كلَّ شيءٍ حسنٌ (تكوين 1: 25). إلّا أنَّه عندما خلقَ الرجلَ، رأى أنَّه ليسَ حسناً أنْ يكونَ الإنسانُ وحدهُ (تكوين 2: 18)، فخلقَ منْ ضلعِ آدمَ زوجةً لهُ، راسمًا بذلكَ الصورةَ الجوهريّةَ لحياةِ الإنسانِ. فإذا ما أرادَ الإنسانُ الحياةَ الأفضلَ لهُ، عليهِ بالاقترانِ. الأمرُ الثاني الذي يُسْتَخْرَجُ منْ قصّةِ الخلقِ، هوَ المساواةُ الكاملةُ بينَ الرجلِ والمرأةِ. "هذهِ الآن عظمٌ منْ عظامي ولحمٌ منْ لحمي" الرجلُ والمرأةُ هما منْ نفسِ المصدرِ الخالقِ الذي هوَ اللهُ وبالتالي هما متساويانِ أقلُّه لجهةِ مصدرِ وجودِهما، ومتميّزانِ بعضُهما عنْ بعضٍ في أنَّ الأوّلَ رجلاً والثانيةَ امرأةً.
ونجدُ منذُ البدايةِ في سفرِ التكوينِ، الصورةَ الرمزَ للخليقةِ وهيَ العائلةُ "ذكراً وأنثى" (متّى 19: 4). "وهذانِ الاثنانِ" "يصيرانِ جسداً واحداً" (تكوين 2: 24) كتعبيرٍ عنْ مرحلةٍ منْ كمالٍ أعلى مرتجىً للحياةِ، فينطلقُ الإنسانُ منْ مرحلةِ الهيامِ Eros إلى مرحلةِ الحبِّ Agape، ويبقى على الرجلِ والمرأةِ، في صورةِ الجدَّينِ الأوَّلينِ، تنفيذُ الوصيّةِ إلهيّةِ التي تحملُ البركةَ إليهما، والتي تأمرُهما "انموا وأكثروا واملأوا الأرضَ" وهذهِ الوصيّةُ عادَ وأكّدَ عليها اللهُ الذي عادَ واستخدمَ فيما بعدُ مرحلةَ الطوفانِ معَ نوحٍ (تكوين 9: 1 - 2) التعابيرَ نفسَها. وهكذا شكَّلَتِ الوصيّةُ السابقةُ إحدى غاياتِ الزواجِ الدينيِّ التي هيَ إنجابُ الأولادِ وقدْ شدَّدتْ عليها كثيراً الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ.
وقدْ حمتْ شريعةُ موسى النواةَ الزوجيّةَ عبرَ ثلاثِ وصايا، الأولى هيَ الوصيّةُ الخامسةُ التي تؤسّسُ لإكرامِ الأبوينِ (خروج 20: 12) والثانية هيَ الوصيّةُ السابعةُ التي تحمي المؤسَّسةَ الزوجيّةَ عبرَ عدمِ الوقوعِ في الزنى (خروج 20:14)، والثالثةُ هيَ الوصيّةُ العاشرةُ التي تُشدّدُ على عدمِ اشتهاءِ زوجةِ الجارِ أوْ خادمتِه، ممّا يُبْرِزُ أهمّيّةَ مؤسَّسةِ الزواجِ في العهدِ القديمِ وضرورةَ حمايتِها عبرَ صبغةٍ إلهيّةٍ.
وأقامَ عزرا ونحميا إصلاحاتٍ في المجتمعِ اليهوديِّ بعدَ العودةِ منَ السَّبْيِ (نحميا 13: 26)، فحرَّما الزواجَ منَ الأجنبيّاتِ أيِ اللواتي هنَّ منْ خارجِ الدينِ اليهوديِّ. ويُسْتَنْتَجُ منْ هذا التحريمِ ضرورةُ المحافظةِ على النسبِ، كتعبيرٍ للأمانةِ إلى اللهِ. ومَنْ ينتهكُ هذهِ الأمانةَ يقعُ تحتَ طائلةِ التوبيخِ، حتّى لوْ كانَ ملكاً كسليمانَ الذي تزوَّجَ منْ نساءٍ أجنبيّاتٍ فوقعَ تحتَ الإثمِ.
وقدْ تعاطتْ كتبُ العهدِ القديمِ معَ الزواجِ كتعبيرٍ عنِ الارتباطِ باللهِ، كسفرِ راعوث وطوبيا، ونشيدِ الأناشيدِ حيثُ الحبُّ أقوى منَ الموتِ (نشيدُ الأناشيدِ 8: 6 - 7). أمّا منْ حيثُ التشريعِ، فقدْ سمحتْ فكرةُ شعبِ اللهِ القائمِ فوقَ أرضٍ محدَّدةٍ للتشريعاتِ الدينيّةِ أنْ تُماهيَ الحياةَ المدنيّةَ. وإنَّنا نجدُ، في نوعِ الزيجاتِ التي عقدَها ملوكُ اليهودِ معَ الأممِ خروجاً على التعاليمِ الدينيّةِ اليهوديّةِ. فالسلطةُ العسكريّةُ التي في يدِ الملوكِ، سمحتْ لهم بالقيامِ بهذهِ التجاوزاتِ رغمَ تحذيراتِ الحركةِ النبويّةِ المتكرّرةِ لهم. ونجدُ في قصّةِ إيليّا النبيِّ مثالاً واضحاً على واقعِ كثرةِ الزيجاتِ المختلطةِ معَ غيرِ اليهودِ، التي أدَّتْ إلى خللٍ في بنيةِ الالتزامِ الدينيِّ التوحيديِّ للدينِ اليهوديِّ، عبرَ إدخالِ الآلهةِ الوثنيّةِ في البيئةِ العائليّةِ اليهوديّةِ.
ثانياً، الزواجُ في العهدِ الجديدِ
كانتِ المساعدةُ ومعاضدةُ إحدى غاياتِ الزواجِ في العهدِ القديمِ. أمّا في العهدِ الجديدِ، فالزواجُ يساعدُ المؤمنَ على بناءِ العائلةِ المسيحيّةِ، وأقلُّه على عدمِ الوقوعِ في خطرِ الزنى (1 كورنثوس 7: 1 - 2) أوِ التحرقِ في الشهوةِ (1 كورنثوس 7: 9).
ولدَ يسوعُ منْ أبوينِ يهوديَّيْنِ بحسبِ الشريعةِ اليهوديّةِ. واختارَ بعضاً منْ تلاميذِه المتزوّجينَ كبطرسَ مثلاً، لكنَّه لمْ يتزوَّجْ هوَ بامرأةٍ خاصّةٍ. وقدْ أقرنَ الفكرُ اللاهوتيُّ يسوعَ بالكنيسةِ "عروساً لهُ"، ممّا يؤكّدُ على بديهيّةِ فكرةِ الزواجِ كصورةٍ طبيعيّةٍ وأساسيّةٍ في حياةِ الإنسانِ. وقدِ استعارَ بولسُ الرسولُ مشهدَ العرسِ في سياقِ حديثِه عنِ العلاقةِ بينَ المسيحِ والكنيسةِ التي هيَ "عروسُه"، وفي كلِّ الأحوالِ لا طلاقَ بينهما، بلْ لحمةٌ وانصهارٌ.
للزواجِ في العهدِ الجديدِ صورٌ ودلالاتٌ عديدةٌ، ولعلَّ إحداها ما وردَ في إنجيلِ متّى 19: 12 حيثُ يتمُّ بالارتباطِ بهِ بالإخلاصِ للعلاقةِ معهُ وحدهُ، "فهناكَ مَنْ خصوا أنفسَهم منْ أجلِ ملكوتِ السماواتِ". وفي إنجيلِ يوحنّا، يفتتحُ يسوعُ أولى آياتِه بعرسِ "قانا" 25، ويختمُ يوحنّا إنجيلَه أيضاً بعرسِ الصليبِ. نعم، لقدِ اشتركَ يسوعُ في عرسِ قانا الجليلِ (يوحنّا 2: 11)، ولكنْ منْ دونِ أيِّ تثمينٍ لطقسِ الزواجِ اليهوديِّ بحدِّ ذاتِه المعمولِ بهِ وقتَها، ولمْ يأتِ بكلمةٍ مباشرةٍ حولَه.
وفي موضعٍ آخرَ، ذكرَ العهدُ الجديدُ مشهدَ العرسِ كصورةٍ للفضائلِ معَ العذارى الحكيماتِ (متّى 15: 1 - 13). حيثُ تكلّمَ يسوعُ مباشرةً عنَ الزواجِ كقاعدةٍ طبيعيّةٍ للحياةِ استناداً إلى كتابِ "التكوين" الذي أرسى قاعدةً تقولُ "إنَّ اللهَ خلقَهما منذُ البدءِ ذكراً وأنثى... ويصيرانِ كلاهما جسداً واحداً" (متّى 19: 5) وأنَّ الرباطَ الزوجيَّ لا ينفكُّ إلّا بعلّةِ الزنى، وهذا ما سبقَ ونصَّتْ عليهِ شريعةُ موسى.
أمّا الرسولُ بولسُ فكانَ أكثرَ تفصيلاً لمفهومِ الزواجِ، منْ خلالِ رسائلِه التي عُنِيَتْ بمشاكلِ الكنيسةِ الأولى، وخاصّةً رسائلِه إلى أهلِ أفسسَ وأهلِ كورنثوسَ، ففي رسالتِه إلى أهلِ أفسسَ يعالجُ بولسُ الرسولُ صورةَ الزواجِ كسرٍّ، إذْ يعكسُ علاقةَ المسيحِ بالكنيسةِ بصورةِ العرسِ، ونراهُ في الفصلِ الخامسِ يتطرَّقُ إلى هذهِ المقابلةِ في العلاقةِ المنشودةِ بينَ الكنيسةِ ويسوعَ. كما يعالجُ في رسالتِه إلى أهلِ كورنثوسَ المشاكلَ الحياتيّةَ التي تعترضُهم، ومنْها واقعُ الحياةِ الزوجيّةِ بينَ المسيحيّينَ وغيرِ المسيحيّينَ، فيشيرُ رسولُ الأممِ إلى "أنَّ الزوجَ غيرَ المؤمنِ يتقدَّسُ بامرأتِه، والمرأةَ غيرَ المؤمنةِ تتقدَّسُ بالزوجِ المؤمنِ" (1 كور 7: 1 - 15).
ثمَّ يكملُ بولسُ في رسالتِه رسمَ إطارِ المبادئِ العامّةِ للزواجِ، إنْ منْ حيثُ ضرورةِ تكريسِ مبدأِ الاتّفاقِ بينَ الزوجينِ، وإنْ منْ حيثُ المساواةِ بينهما لناحيةِ السلطةِ على الجسدِ 26. وهذهِ السلطةُ معطاةٌ طوعاً للطرفِ الآخرِ 27 وستؤسّسُ لِمَا سيُعْرَفُ لاحقاً بأنَّ لكلِّ رجلٍ امرأةً واحدةً 28. أمّا ديمومةُ الزواجِ، فيقطعُها الموتُ. ومَنْ كانَ قدْ تزوَّجَ بطرفٍ غيرِ مسيحيٍّ، فليبقَ الزواجُ قائماً ودونَ الحاجةِ إلى إعادةِ إتمامِ مراسمِه، وأمّا الزواجُ الثاني، فيوصي بأنْ يكونَ في الربِّ، بمعنى أنْ يكونَ الزوجُ الثاني معمّداً – مسيحيّاً 29. ويؤكّدُ بولسُ، على مبدأِ الارتباطِ وفقَ درجتينِ: الأولى "الخطبة" والثانية "الزواج". ويمكنُ الانفصالُ أثناءَ الخطبةِ عموماً، أمّا الانفصالُ بعدَ الزواجِ لعلّةِ أنَّ الشريكَ الآخرَ غيرُ مسيحيٍّ فهيَ حجّةٌ غيرُ مقبولةٍ، إلّا إذْ كانَ الطرفانِ عندَ إتمامِ الزواجِ "الطبيعيِّ" غيرَ معمّدينِ، ومنْ ثمَّ بعدَ عمادِ أحدِهم، أصرَّ الطرفُ غيرُ المعمّدِ على هجرِ أوْ رفضِ مساكنةِ الطرفِ المعمّدِ بسلامٍ وهذا ما يُعْرَفُ بالإنعامِ البولسيِّ 30 في قوانينِ الزواجِ الكاثوليكيّةِ، وعندَها تفسخُ المحكمةُ الزواجَ الأوّلَ وتتيحُ للطرفِ المعمّدِ الزواجَ ثانيةً.
ثالثاً، الزواجُ في لاهوتِ الكنيسةِ
تُعرّفُ مجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ الكاثوليكيّةِ 31 لعام 1990 الزواجَ في المادّةِ (776)، بأنَّه "عهدٌ" صنعَه اللهُ ونظَّمَ شرائعَه، وجعلَ منهُ المسيحُ "سرَّ" وحدةٍ على صورةِ الوحدةِ بينَه وبينَ الكنيسةِ. ويُعرّفُ البندُ الأوّلُ منَ القانونِ (776) الوثاقَ الزوجيَّ بأنَّه "العهدُ الزوجيُّ الذي ينشئُ بهِ الرجلُ والمرأةُ شركةَ حياةٍ شاملةٍ، ويهدفُ بطبيعتِه إلى خيرِ الزوجينِ، وإنجابِ البنينَ وتربيتِهم. وقدْ رفعَه السيّدُ المسيحُ بينَ المعمّدينِ إلى درجةِ السرِّ".
ففي البداياتِ، انطلقَ الدينُ المسيحيُّ كفرعٍ منَ الديانةِ اليهوديّةِ، وتحوّلَ فيما بعدُ منْ ديانةٍ مضطهدةٍ وأقليّةٍ، إلى ديانةٍ قويّةٍ وأكثريّةٍ، حتّى طبعتِ الديانةُ المسيحيّةُ الإمبراطوريّةَ الرومانيّةَ، وأصبحَ عديدُها يؤلّفُ مجتمعاً يستطيعُ الاكتفاءَ بالزواجِ منْ أعضائِه. واعتمدتِ الكنيسةُ في علاقتِها معَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ، التقسيمَ الإداريَّ، والرموزَ الدينيّةَ التي أُبْقِيَ عليها، وأُضْفِيَ الطابعُ المسيحانيُّ على استدلالاتِها ومعانيها كاستعمالِ خاتمِ الزواجِ في طقسِ الاحتفالِ.
وطالما اتُّخِذَ الاتّحادُ الزوجيُّ صورةً حيّةً عنِ اتّحادِ المسيحِ بالكنيسةِ في العهدِ الجديدِ، وعنِ اتّحادِ اللهِ معَ شعبِه في العهدِ القديمِ. واستعملَ بولسُ علاقةَ يسوعَ بالكنيسةِ صورةً للزواجِ، تُفْهَمُ ضمنَ سياقِ العهدِ أوِ السرِّ. فالزواجُ خيرٌ للبشريّةِ كخيرِ الغذاءِ للجسدِ 32. ويكونُ الإنسانُ على صورةِ خالقِه عندما يتّحدُ الرجلُ بالمرأةِ بشركةِ حبٍّ ورابطٍ أبديٍّ. وتأسيسًا على هذهِ المفاهيمِ، قاربَ اللاهوتُ المسيحيُّ 33 الزواجَ بمصطلحاتٍ كتابيّةٍ "عهد" أوْ كنسيّةٍ "سرّ" أوْ مدنيّةٍ "عقد".
أ- الزواجُ عهدٌ
إذا أنعمنا النظرَ في الكتابِ المقدَّسِ، نجدُ في عبارةِ "العهد" ذلكَ المفهومَ الذي نبحثُ عنهُ. ويُقْسَمُ الكتابُ المقدَّسُ فعليّاً إلى قسمينِ: عهدٌ قديمٌ وعهدٌ جديدٌ، والعهدُ هوَ تلكَ الصورةُ التي ترمزُ أوّلاً إلى علاقةِ اللهِ معَ شعبِه منذُ آدمَ حتّى إبراهيمَ، وصولاً إلى العهدِ الجديدِ بيسوعَ المسيحِ. وقدِ استعملَ يسوعُ هذا المصطلحَ في العشاءِ التأسيسيِّ وقالَ "اشربوا هذا هوَ دمي للعهدِ الجديدِ". إنَّ عربونَ هذا العهدِ الذي يقدّمُه المسيحُ علامةً لهذا الارتباطِ هوَ دمهُ نفسُه.
ويؤكّدُ مفهومُ العهدِ على عدمِ وجودِ تكافؤٍ بينَ طرفيهِ، فاللهُ يلزمُ نفسَه بفعلِ حبٍّ لامتناهٍ معَ الإنسانِ الذي يخضعُ لهذا الحبِّ طوعاً وتسليماً، فيما تطغى إرادةُ اللهِ وبركتُه في صورةِ العهدِ، حيثُ الخالقُ يمنحُ مجّاناً المخلوقَ امتيازاً لا يستحقُّه. لذلكَ فإنَّ عدمَ التكافؤِ في العهدِ الزوجيِّ، إنّما يناظرُه مفهومٌ آخرُ هوَ مفهومُ الحبِّ الذي يعيدُ إلى عدمِ التكافؤِ بينَ التزاماتِ كلٍّ منْ طرفيهِ، توازنهُ. وقدْ تركتْ صورةُ العهدِ بصمتَها في أماكنَ عدّةٍ في الزواجِ المسيحيِّ. ولعلَّ المكانَ الأوّلَ يتمثَّلُ في النظرةِ إلى ديمومةِ رابطِ الزواجِ منْ حيثُ صلاحيّةُ مدَّتِه الزمنيّةِ، إذْ يصبحُ الزواجُ - العهدُ ارتباطاً أبديّاً. فإنَّ معيارَ الزمنِ والأجلِ الطويلِ، إنّما هوَ معيارٌ أساسيٌّ في فكرةِ العهدِ، ومنْ هنا أيضاً أهمّيّةُ استعمالِ مصطلحِ العهدِ للزواجِ منْ حيثُ إنَّه ارتباطٌ أبديٌّ، فلا يصحُّ الزواجُ وفقَ مفهومِ العهدِ إنْ كانَ مؤقّتاً. ويظهرُ مدى تأثيرِ مفهومِ العهدِ على الزواجِ في إطارٍ ثانٍ، إذْ نجدُه في طقسِ الاحتفالِ بالزواجِ عينِه، فطقسُ الاحتفالِ بالعرسِ شبيهٌ ومماثلٌ لطقسِ الاحتفالِ بالعهدِ. وذلكَ منْ بابِ تأكيدِ الترابطِ في ميدانِ الاحتفالِ بالعلاقةِ بينَ العهدِ والزواجِ، وما زلنا إلى اليومِ، نستخدمُ في العرسِ الدلالاتِ الملوكيّةَ لإظهارِ مدى نبلِ فعلِ الزواجِ كاستعمالِ الأكاليلِ وأقواسِ النصرِ، فنستخدمُ دلالاتِ العرسِ كما في حفلِ تنصيبِ الملكِ أوْ عندَ عودتِه منتصراً منَ المعاركِ.
ب- الزواجُ سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ
يقولُ بولسُ الرسولُ في الرسالةِ إلى أفسسَ عنِ الزواجِ "إنَّه سرٌّ عظيمٌ" (أفسس 5: 32). والأسرارُ في الكنيسةِ، هيَ أبوابُ السماءِ التي بها يدخلُ المؤمنُ إلى الملكوتِ 34، والسرُّ هوَ ما يُدْرَكُ في شركةِ الإيمانِ، وما يخفى عنْ غيرِ المؤمنِ منْ فهمٍ للرموزِ وللدلالاتِ، بسببِ عدمِ فهمِ ذلكَ الطابعِ الأسراريِّ. الزواجُ هوَ أحدُ الأسرارِ التي حُدّدَتْ حصراً في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ بسبعةٍ 35 ابتداءً منَ القرنِ الثاني عشرَ، وأيضاً منْ أسرارِ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ وإنْ بقيتْ منْ دونِ تعدادٍ صريحٍ. أمّا في الكنائسِ الإنجيليّةِ، فالزواجُ ليسَ بسرٍّ.
يُظهرُ السرُّ البعدَ الروحيَّ في كلِّ ما هوَ ملموسٌ. ويمكننا تعريفُ السرِّ الكنسيِّ بأنَّه نافذةٌ إلى الملكوتِ عبرَ طقوسٍ ملموسةٍ ومحسوسةٍ، وأنَّ لها بُعداً داخليّاً أوسعَ وأعمقَ، فتتجلّى المادّةُ وتظهرُ كأداةٍ للتقديسِ. إنَّه "سرٌّ" (أفسس 5: 32)، أيْ إنَّه تعبيرٌ ظاهريٌّ عنْ حقيقةِ حضورِ الروحِ القدسِ الذي يحقّقُ أسرارَ الكنيسةِ، ويعلنُ أنَّ
الزواجَ هوَ أداةُ خلاصٍ 36 للعائلةِ. إنّما يصبو الاتّحادُ الزوجيُّ إلى مكانٍ أبعدَ حيثُ تتعمَّقُ الخبرةُ الروحيّةُ والنظرةُ إلى المسيحِ عبرَ العلاقةِ الزوجيّةِ. ويصبغُ مفهومُ السرِّ على الزواجِ طابعَ القداسةِ فيرفعُه إلى مستوًى أعلى، حيثُ إنَّ المسيحَ هوَ مَنْ يخدمُه، وهوَ مَنْ يوحّدُ طرفيهِ ليصبحا جسداً واحداً. وامتداداً منْ نظرةِ العهدِ، تُسْتَكْمَلُ صورةُ الزواجِ عبرَ النظرةِ الأسراريّةِ، فتجعلُه قائماً منذُ الآنَ في الملكوتِ، ولا يفصلُ الموتُ عندَها طرفيهِ 37.
أمّا الأيقونةُ المثاليّةُ لعلاقةِ الزوجينِ، فتظهرُ عندما يرى كلُّ طرفٍ في الطرفِ الآخرِ تطبيقاً عمليّاً لتلكَ العلاقةِ بينَ المسيحِ والكنيسةِ. فالعريسُ هوَ الحملُ المذبوحُ حبّاً وخدمةً أمامَ عروستِه الشاهدةِ والأمينةِ لهُ. وكلُّ نفسٍ بشريّةٍ مدعوّةٌ لأنْ تصبحَ هذهِ الأيقونةُ. ومنْ هذا المثالِ، نجدُ أنَّ صورةَ الزواجِ باقيةٌ كمثالٍ أعلى في الحياةِ الرهبانيّةِ، حيثُ ما يزالُ الإنسانُ بالرغمِ منْ كلِّ انشغالاتِه، محافظاً على أمانتِه، ولمْ يزنِ في إيمانِه معَ آلهةٍ أخرى، بلْ بقيَ على حبِّه الأوّلِ، وحافظَ على براءةِ ثيابِ معموديّتِه نظيفةً منْ كلِّ نزفِ دمٍ غيرِ شرعيٍّ.
والسرُّ هوَ أكثرُ منْ مثالٍ، إنَّه نقطةُ بدايةٍ نحو مشروعٍ أبعدَ وأسمى. ويمكننا تعريفُ السرِّ على أنَّه تعاطٍ ماديٌّ معَ بُعْدٍ آخرَ يفوقُ المادّةَ، والانتقالُ منَ الصورةِ المرئيّةِ إلى البعدِ الماورائيِّ. ويبقى في حاجةٍ إلى عطيّةٍ منَ الروحِ القدسِ الذي يقدّسُ الأشياءَ، فنستعملُها كأداةٍ. ويقومُ السرُّ إذاً على التعاطي معَ اللهِ والتسليمِ لهُ، وبالتالي أخذُ عقدِ الزواجِ منْ مستوى الارتباطِ بينَ الرجلِ والمرأةِ إلى مستوى الشراكةِ معَ اللهِ، وذلكَ يتطلَّبُ تحضيراً مسبقاً لطالبي الزواجِ، ووعياً واضحاً حولَ هذا المفهومِ. وتقومُ المرحلةُ الأولى منْ إتمامِ السرِّ على الارتباطِ، وبعدَ ذلكَ يتدخَّلُ الطابعُ الإلهيُّ في مرحلةٍ ثانيةٍ، فيوحّدُ العروسينِ بينَ بعضِهما البعضِ، وبينهما كطرفٍ واحدٍ يقابلُه طرفٌ ثانٍ إلهيٌّ. إنَّ غايةَ السرِّ هوَ الوصولُ إلى القداسةِ، وبالتالي، أنْ يصبحَ مشروعُ الزواجِ محطّةً في طريقِ القداسةِ، وهوَ على أهمّيّتِه طبعاً، هدفٌ أبعدُ وأعمقُ منْ الارتباطِ بينَ شخصينِ. وتجعلُ النظرةُ الأسراريّةُ للزواجِ العلاقةَ الأفقيّةَ بينَ الزوجينِ ذاتَ بُعدٍ عاموديٍّ آخرَ معَ اللهِ.
ومنْ أكثرِ الدلالاتِ على تعاطي الكنيسةِ معَ الزواجِ على أنَّه سرٌّ، هيَ الرفضُ المبدئيُّ لحالةِ الإبطالِ أوِ الفسخِ التي تتناقضُ معَ الفكرةِ الأسراريّةِ لدى الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. وفي حالِ قرَّرَ الزوجانِ العودةَ إلى الحياةِ الزوجيّةِ بعدَ أنْ تمَّ إعلانُ فكِّ الارتباطِ الزوجيِّ، عندَها لا تطلبُ الكنيسةُ منهم إجراءَ عقدٍ جديدٍ، بلْ يكتفي الطرفانِ بالعودةِ إلى الحياةِ الزوجيّةِ بقرارٍ منَ المحكمةِ فقط، دونَ أيِّ إعادةٍ لمراسمَ أوْ لاحتفالٍ كنسيٍّ، وقدْ يُكتفى بصلاةٍ خاصّةٍ 38 عاديّةٍ.
لقدْ تبنَّتِ الكنيسةُ مفهومَ السرِّ للزواجِ باكراً، إلّا أنَّ الكنيسةَ الغربيّةَ لمْ تتبنَّ طقسَ الزواجِ كسرٍّ قائمٍ بذاتِه، إلّا في القرنِ التاسعِ. أمّا في الكنيسةِ الشرقيّةِ، وإنْ ذكرتِ المراجعُ الآبائيّةُ مبكّراً مسألةَ مباركةِ الأسقفِ للزواجِ، إلّا أنَّنا لسنا أمامَ حالةِ الزواجِ كنسيِّ الذي نعرفُه اليومَ. وعلينا أنْ ننتظرَ حتّى القرنِ الثاني عشرَ لنجدَ للزواجِ خدمةً قائمةً بذاتِها، أوْ شكلاً خاصّاً بهِ كما نعرفُه اليومَ.
ج- الزواجُ عقدٌ
يمكنُ إدخالُ الزواجِ ضمنَ تصنيفينِ اثنينِ فهو "عهدٌ وسرٌّ" لجهةِ البعدِ الروحيِّ، و"عقدٌ" لجهةِ البعدِ العلائقيِّ. فالزواجُ عقدٌ منْ حيثُ الشروطِ اللازمةِ لنشوئِه واستمراريّتِه وانحلالِه، أيْ إنَّ الإطارَ الماديَّ المباشرَ للعرسِ هوَ عقدٌ مدنيٌّ، ويتَّضحُ منْ حيثُ عناصرِ العقدِ الثلاثِ (الأهليّةُ- الرضى- الصيغةُ القانونيّةُ) وسنبحثُ هذهِ العناصرَ لاحقاً ضمنَ شروطِ صحّةِ الزواجِ.
النظرةُ إلى الزواجِ كعقدٍ، تجعلُه ينهي أجلَه كانتهاءِ أجلِ أيِّ عقدٍ آخرَ، أيْ بوفاةِ أحدِ الطرفينِ، فيصبحُ الطرفُ الثاني مطلقَ الحالِ ويستطيعُ الزواجَ مرّةً ثانيةً. أمّا النظرةُ الأسراريّةُ، فتجعلُه قائماً في الملكوتِ منذُ الآنَ ومتخطّياً كلَّ موتٍ، وهاتانِ النظرتانِ موجودتانِ في الكنيسةِ. وقدْ ساعدَ القانونُ الطبيعيُّ في تشكيلِ نظرةِ الكنيسةِ إلى العقدِ الزوجيِّ، وسمحتْ تفاصيلُ بنودِ الزواجِ بالتحكّمِ في زيادةِ حمايةِ أطرافِه وخصوصاً المرأةَ والأولادَ الذينَ همُ الحلقةُ الأضعفُ في هذا العقدِ.
د- دورُ رجلِ الدينِ المسيحيِّ في عقدِ الزواجِ
تُشيرُ النظرةُ إلى خادمِ سرِّ الزواجِ في الكنيستينِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ، إلى أنَّه متمّمٌ للطقسِ فقط. وتُعَلّمُ الكنيسةُ أنَّ اللهَ هوَ المشرّعُ، وهوَ واضعُ سرِّ الزواجِ. أيْ إنَّ تلكَ الشركةَ بينَ الزوجينِ قدْ أسَّسَها الخالقُ، وسنَّ قوانينَها، وبالتالي فإنَّ النظرةَ إلى العائلةِ لا تقومُ على مجرَّدِ نظرةٍ إنسانيّةٍ، وإنّما تقومُ على اعتبارِ العائلةِ مؤسَّسةً إلهيّةً ثابتةً لا تتغيَّرُ بحكمِ ثباتِ اللهِ المشرّعِ لها. إنَّ هذا الصَّهْرَ والذوبانَ بينَ الزواجِ والإرادةِ الإلهيّةِ لا يلغي العاملَ الاجتماعيَّ والثقافيَّ لدى المجتمعاتِ وطرقَ تعبيرِهم عنِ الارتباطِ.
"رجلُ الدينِ" المعروفُ بالكاهنِ، مصطلحٌ عُرِفَ في البيئةِ اليهوديّةِ، بأنَّه يقدّمُ الذبائحَ عنْ خطايا الشعبِ. أمّا معظمُ الكنائسِ فتستخدمُ عبارةَ "أب" للكاهنِ. ويعودُ ذلكَ إلى أنَّ يسوعَ نادى الجماعةَ التي تبعتْه بالتلاميذِ أوِ الرسلِ، ولمْ يقبلْ أنْ يستعملوا عبارةَ "أب"، ولا أنْ يقتدوا بالفريسيّينَ وخصائلِهم في مناداةِ الناسِ لهم بـ "معلّمي" لأنَّ أباهم واحدٌ في السماءِ. إلّا أنَّ الرسولَ بولسَ كرَّسَ استخدامَ عبارةِ "أب" منْ حيثُ إنَّه ولدَ المؤمنينَ في المسيحيّةِ عبرَ إعطائهم سرَّ المعموديّةِ. أمّا الكنائسُ الإنجيليّةُ فقدْ درجتْ على استخدامِ عبارةِ "قسّيس" لِمَنْ يخدمُ الجماعةَ في صلاتِها ووعظِها.
أخذَ الكاهنُ عدّةَ وظائفَ بحكمِ خدمتِه، فهو معلّمٌ منْ بابِ شرحِه لأحكامِ الطهارةِ، إذْ إنَّ النجاسةَ تدخلُ في بابِ الخطايا التي يتوجَّبُ التكفيرُ عنها، ومنْ بابِ النجاساتِ موضوعُ طمثِ المرأةِ، ولمسُ الميتِ، وداءُ البرصِ. وهوَ الكاهنُ محاسبٌ ماديّاً منْ بابِ تقبُّلِه لتقدماتِ العشرِ. أمّا بالنسبةِ إلى علاقةِ الكاهنِ بالزواجِ، فقدْ تطوَّرَ دورُ الكاهنِ 39 منْ شخصٍ يُراجعُ للتأكُّدِ منْ شروطِ صحّةِ الزواجِ قبلَ عقدِه، إلى دورِ شاهدٍ على الزواجِ 40، ومنْ ثمَّ في القرونِ اللاحقةِ أخذَ دورَه الحاليَّ كمتمّمٍ لعقدِ الزواجِ 41.
وأصدرَ عنِ الإمبراطورِ الرومانيِّ شارلمان "الفصلُ العامُّ" الذي يقضي بالتأكُّدِ منْ موافقةِ الزواجِ للشرعِ المسيحيِّ، وعدمِ وجودِ مانعٍ للزواجِ كالقربى، فكانَ اللجوءُ المسبقُ إلى الكاهنِ، الذي لمْ يكنْ لهُ دورٌ أساسيٌ في تشكيلِ عمليّةِ الزواجِ رسميّاً، ثمَّ بعدَ ذلكَ، منْ أجلِ محاربةِ الزيجاتِ السرّيّةِ غيرِ شرعيّةِ، إذْ كانَ لا بدَّ للسلطةِ الرومانيّةِ منْ أنْ تطالبَ بوجودِ كاهنٍ كشاهدٍ على العرسِ، لِيمنحَ صفةَ الديمومةِ للزواجِ، فلا يُعَدُّ مجرَّدَ عقدٍ. وعليهِ، لا تتعدَّى صلاحيّةُ الكاهنِ إطارَ البركةِ الروحيّةِ التي يعطيها الكاهنُ حتّى القرنِ التاسعِ. ولا تعودُ طرقُ حلِّ الزواجِ المدنيّةُ هيَ الساريةُ، وإنّما الطرقُ الكنسيّةُ، بالرغمِ منْ كلِّ المفاعيلِ التي يسبغُها حضورُ الكاهنِ على الزواجِ.
فأصبحَ دورُ رجلِ الدينِ منذُ القرنِ الحادي عشرَ حصريّاً، لا منازعَ لهُ لجهةِ التقريرِ في مسائلِ الهجرِ والطلاقِ منذُ أيّامِ مجمعِ تور 42 عام 1060. وفي أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ 43 أصبحَ الكاهنُ مسؤولاً عنِ التأكُّدِ منْ قانونيّةِ الزواجِ، والتحقُّقِ منْ عدمِ مخالفتِهما للقوانينِ الكنسيّةِ، خصوصاً لجهةِ قربى الدمِ، وهوَ الذي يستقبلُ العروسينِ أمامَ بابِ الكنيسةِ كتعبيرٍ ليتورجيٍّ، حاملينَ المصابيحَ والتقدمةَ منْ خبزٍ وخمرٍ أوْ منْ خمرٍ فقطْ، ويعلنانِ أمامَه رضاهما بالزواجِ. ومعَ الوقتِ درجتْ عادةٌ إسبانيّةٌ بأنْ يقدّمَ العريسُ العربونَ لعروستِه أمامَ المذبحِ 44.
والمفارقةُ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، أنَّ كاهناً أعزبَ يتمّمُ مراسمَ الزواجِ. وتاريخيّاً يعودُ القرارُ إلى البابا غريغوار السابع الذي فرضَ العزوبيّةَ على الكهنةِ في أوائلِ القرنِ الحادي عشرَ، لاشمئزازِه منْ تلويثِ القداسةِ بالعلاقاتِ الجنسيّةِ.
لمْ يكنْ لدورِ الكاهنِ في عمليّةِ عقدِ الزواجِ أهمّيّةٌ تذكرُ، وإنْ كانتِ التشريعاتُ والأنظمةُ التي كانتْ ترعاهُ سابقةً لدورِه بقرونٍ عديدةٍ. ورجلُ الدينِ المخوّلُ بإعطاءِ إذنٍ للزواجِ في المسيحيّةِ، هوَ المطرانُ، المرجعُ الأعلى للكنيسةِ المحليّةِ في الكنيستينِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ.
أمّا الخوري أوِ الكاهنُ، فهو مَنْ ينتدبُه المطرانُ للخدمةِ في رعيّةٍ معيّنةٍ، أو للخدمةِ على مذابحِ الأبرشيّةِ. وعليهِ، ولحُسْنِ سيرِ الطقوسِ، يؤمُّ الجماعةَ أو يرأسُها رجلُ دينٍ لهُ وظيفةٌ إجرائيّةٌ تقومُ على إقامةِ الأسرارِ وخدمتِها.
تفرضُ المادّةُ (828) إقامةَ سرِّ الزواجِ منْ كاهنٍ أو مطرانٍ، وهيَ نفسُ الشروطِ المطلوبةِ لإقامةِ سرِّ الإفخارستيّا، إذْ كانتْ رتبةُ الزواجِ تُقامُ ضمنَ خدمةِ القدَّاسِ الإلهيِّ، شرطَ إتمامِ العقدِ أمامَ المرجعِ الإكليريكيِّ المختصِّ وهوَ أمرٌ لا مفرَّ منهُ، وإلّا عرَّضَ غيابُه الزواجَ لاعتبارِه باطلاً. ويمكنُ الاستغناءُ عنْ حضورِ الكاهنِ والاكتفاءُ بالشهودِ فقطْ دونَ تعريضِ الزواجِ للبطلانِ، الذي يتمُّ فقطْ في حالةِ خطرِ الموتِ والتي ستمتدُّ ظروفُها إلى مدّةِ شهرٍ على الأقلِّ. وفي هذهِ الحالةِ تنصُّ المادّةُ (832 ف 3) إلى سعيِ الزوجينِ في أقربِ فرصةٍ للحصولِ على بركةِ الكاهنِ. وفي عام 1852 م صدرَ الدستورُ الفرنسيُّ، وأصبحَ بالإمكانِ عقدُ الزواجِ أمامَ موظَّفٍ رسميٍّ بدلاً منْ رجلِ الدينِ. ومنذُ ذلكَ الحينِ، انتهى دورُ رجلِ الدينِ "الموظف" في الدولةِ التي تعتمدُ القطعَ ما بينَ الدولةِ والكنيسةِ، واستمرَّ دورُ رجلِ الدينِ "الراعي" للأسرةِ.
رابعاً، الزواجُ بينَ السلطةِ الدينيّةِ المسيحيّةِ والسلطةِ المدنيّةِ
نجدُها في السردِ التاريخيِّ للزواجِ في المسيحيّةِ، علاقةً بينَ الزواجِ كعهدٍ، وسرٍّ، وعقدٍ، كما أنّنا نجدُ الصورةَ العمليّةَ لمختلفِ المراحلِ التي تشكَّلَ عبرَها الزواجُ. أعلنَ يسوعُ أنَّ مملكتَه ليستْ منْ هذا العالمِ، لكنْ بقيَ السؤالُ حولَ كيفيّةِ التلاقي معَ المجتمعِ المحليِّ المتعدّدِ الانتماءاتِ الدينيّةِ. وبقيَ أيضاً السؤالُ حولَ كيفيّةِ الانسجامِ معَ النظامِ الحقوقيِّ والسياسيِّ. فوُصِمَتِ الكنيسةُ بأنَّها تسعى إلى الانقلابِ السياسيِّ، كونَها لا تعترفُ بسلطةِ قيصرَ عليها، وأنَّها تخالفُ القوانينَ الرومانيّةَ، إذْ تدّعي أنَّ يسوعَ هوَ الملكُ الحقيقيُّ وإيّاهُ تعبدُ. وبقيَتِ العلاقةُ بينَ السلطتينِ الدينيّةِ-المسيحيّةِ والزمنيّةِ-السياسيّةِ مدارَ أخذٍ وردٍّ إلى يومِنا هذا.
في المرحلةِ الأولى، خيّمَ التضادُّ بينَ أهدافِ هاتينِ السلطتينِ، وسعى الإمبراطورُ إلى القضاءِ على المسيحيّينَ فعانوا طوالَ ثلاثةِ قرونٍ، إلى أنْ أصدرَ الملكُ قسطنطينُ مرسومَ ميلانو (عام 313 م) فتسامحَ معَ الدينِ المسيحيِّ، واعتبرَه أحدَ الأديانِ الموجودةِ على أرضِ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ، ويتمتَّعُ بالحقوقِ نفسِها كباقي الأديانِ، منْ حيثُ حريّةِ إقامةِ الشعائرِ الدينيّةِ. ولمْ ينتهِ القرنُ الرابعُ، حتّى أصبحَتِ المسيحيّةُ دينَ الإمبراطورِ نفسِهِ، لا بلْ دينَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ أيضاً. فأصبحَ الإمبراطورُ رجلَ دينٍ أيضاً ومدافعاً عنْ سلامةِ العقيدةِ. فلقبتِ الكنيسةُ الإمبراطورَ قسطنطينَ وأمَّه بـ "معادلي الرسلِ". واستمرَّتْ سلطةُ الإمبراطورِ على أنَّها مستمدّةٌ منَ اللهِ، وسعى قسطنطينُ إلى عقدِ المجمعِ المسكونيِّ الأوّلِ، وفرضَ بقوّةِ السلطةِ قراراتِه على جميعِ أنحاءِ الإمبراطوريّةِ، وأصبحَ كلُّ ما في القصرِ مقدَّساً، ولكنْ إلى حينٍ، إذْ أرادَ خليفتُه دعمَ تيّارِ آريوسَ المعاكسِ لتعاليمِ الكنيسةِ المعروفةِ، فشعرتِ الكنيسةُ عندئذٍ بالخطرِ منَ التمادي في إسباغِ صفةِ "المقدَّسِ" على السلطةِ الزمنيّةِ.
ساعدتِ المشاكلُ التي عانتْها الكنيسةُ منَ السلطةِ الزمنيّةِ على توضيحِ مواقفِ كلٍّ منهما بعضِهما منْ بعضٍ، وستتبلورُ معَ الزمنِ هذهِ المواقفُ في قضايا الأحوالِ الشخصيّةِ، معَ محاولاتِ إخضاعِ الأساقفةِ إلى سلطةِ الإمبراطورِ. في حينِ نجحَ أمبروسيوسُ أسقفُ ميلانو في الغربِ، بفرضِ قصاصِ توبةٍ على الإمبراطورِ ثيودوسيوسَ نفسِهِ، مدَّتُها ثمانيةُ أشهرٍ قبلَ عودتِه إلى حياةِ الشركةِ، ما أزالَ صفةَ المقدَّسِ عنِ السلطةِ الزمنيّةِ، التي ظهرتْ بمظهرِ المؤمنِ الذي لا يتمتَّعُ بامتيازاتٍ خاصّةٍ 45.
بدأتِ السلطةُ الدينيّةُ بالتوسّعِ شيئاً فشيئاً، وحظيتِ الكنيسةُ بامتيازاتٍ خاصّةٍ، وخصوصاً وضعَ إمكانيّاتِ الإمبراطوريّةِ بتصرّفِ الكنيسةِ، ولا سيّما في موضوعِ الحربِ على المهرطقينَ أوِ المبتدعينَ. ولكنْ في المقابلِ، بقيَتِ الدولةُ هيَ السلطةُ الأقوى، فعانَتِ الكنيسةُ منْ سطوةِ رجالِ الدولةِ وتدخّلِهم في حياةِ الكنيسةِ، إذْ سعوا إلى إرضاخِ رجالِ الدينِ تحتَ سيطرتِهم، فيستلمُ المطرانُ أسقفيّتَه بعدَ إذنِ الإمبراطورِ، ويُخْلَعُ ويُنْفى منها أيضاً بإذنِ الإمبراطورِ نفسِه.
وكانَ الزواجُ في هذهِ الفترةِ منَ الزمنِ خاضعاً للسلطةِ التنظيميّةِ الأقوى في الساحةِ الاجتماعيّةِ، وهيَ بطبيعةِ الحالِ السلطةُ الزمنيّةُ، حيثُ كانتِ الأولويّةُ للعاداتِ والطقوسِ. لمْ تكنِ الكنيسةُ تشعرُ أنَّ التنظيمَ القانونيَّ والسياسيَّ هوَ منْ مهمّاتِها أوْ أولويّاتِها، إذْ عاشتْ في ذاكَ الوقتِ مرحلةَ ضبطِ أنفاسٍ بعدَ صراعٍ طويلٍ معَ السلطةِ الحاكمةِ، قدَّمتْ خلالَه الكثيرَ منَ العذارى والشهداءِ للعريسِ السماويِّ. وفي المقابلِ، حافظتِ الكنيسةُ في الغربِ على سلطتِها الأخلاقيّةِ في إرشادِ الناسِ، وكانتْ للإمبراطوريّةِ الصفةُ الزمنيّةُ خصوصاً منْ بعدِ سقوطِها بيدِ البربرِ، ما استوجبَ التمييزَ بينَ مدينةِ اللهِ الباقيةِ والمدينةِ الأرضيّةِ الزائلةِ. ولنْ يكونَ الفصلُ القاطعُ بينَ السلطتينِ إلّا في اليومِ الأخيرِ، وهذا ما شدَّدَ عليهِ أُوغسطينُسُ 46.
تعاطى الآباءُ الرسوليّونَ معَ مشاكلِ الزواجِ منْ زوايا ثلاثٍ: الأولى، هيَ قضيّةُ الارتباطِ بينَ المؤمنِ والمهرطقِ، وقدْ أخذَ هذا الموضوعُ الحيّزَ الأكبرَ منِ اهتماماتِ المجامعِ الكنسيّةِ. والثانيةُ، هيَ قضيّةُ المفاضلةِ بينَ البتوليّةِ والزواجِ. أمّا الثالثةُ، فهيَ درجةُ القرابةِ بينَ الزوجينِ، ومَنْ يحقُّ لهما الزواجُ أوْ مَنْ يُمنعُ عنهم. ولا يزالُ التخوّفُ منَ الالتفافِ على هذهِ القضايا مُسْتَشْعراً بهِ لدى الكنيسةِ.
أ- قضيّةُ الزواجِ بالمهرطقينَ
لمْ تمانعِ الكنيسةُ في بداياتِها فكرةَ الزواجِ منْ غيرِ المسيحيِّ، إلّا أنّها اتّخذتْ موقفاً أكثرَ تعبيراً عنْ رفضِها للزواجِ معَ طرفٍ ينتمي إلى المهرطقينَ، أوِ المبتدعينَ الذينَ غيّروا أوْ بدَّلوا في متنِ العقيدةِ، وذلكَ حفاظاً على سلامةِ الإيمانِ وعدمِ تشويهِه. وقدْ نصَّ القانونُ اثنان وسبعون منْ مجمعِ ترولو 47 Trullo على أنَّه لا يجوزُ لرجلٍ أرثوذكسيٍّ أنْ يتزوَّجَ امرأةً مبتدعةً" أوِ العكسُ أيضاً، وإلّا اعْتُبِرَ زواجهما باطلاً، ويجبُ فسخُه. ومَنْ أصرَّ على الاستمرارِ في الارتباطِ الزوجيِّ بمبتدعٍ، فالقانونُ يأمرُ بقطعِه عنِ الشركةِ الكنسيّةِ. وهذا ما يفسّرُ أنَّ سلطةَ الكنيسةِ في ذلكَ الوقتِ، كانتْ سلطةً معنويّةً، لا تقومُ على إمكانيّةِ الزجرِ أوْ فرضِ الأحكامِ الكنسيّةِ بالقوّةِ، بلْ على التمنّي والإصرارِ منْ بابِ الأبوّةِ الروحيّةِ. وتُكْمِلُ المادّةُ الآنفةُ الذكرِ فتمّيزُ بينَ الحالاتِ المعروضةِ عليها، وتستثني منْ أحكامِها مَنْ تزوّجا قبلَ انضمامِ أحدِ الطرفينِ إلى المسيحيّةِ، إذْ عندَها تدعو الكنيسةُ إلى الاستمرارِ في الزواجِ تحقيقاً لقولِ الرسولِ بولس "أنَّ الرجلَ غيرَ المؤمنِ يتقدَّسُ بالمرأةِ المؤمنةِ" (1 كورنثوس 7: 14). إنَّ قاعدةَ "عدمِ الزواجِ معَ المبتدعينَ" قديمةٌ ومبنيّةٌ على أنَّ المرأةَ في الزواجِ تنتمي إلى عشيرةِ الزوجِ، وبالتالي تصبحُ المرأةُ المبتدعةُ بالزواجِ منتميةً إلى الكنيسةِ الأمِّ، ما قدْ يشوّهُ صورةَ الكنيسةِ، ويعرّضُ تعاليمَها للخطرِ. وبالرغمِ منْ وجودِ القاعدةِ الآنفةِ الذكرِ، يمكنُ أخذُ بناتِ المبتدعينَ كزوجاتٍ، منْ دونَ أنْ يكونَ العكسُ ممكناً، تحتَ شرطِ الوعدِ بأنْ يَصِرْنَ مسيحيّاتٍ بحسبِ القانونِ رقم 31 منْ مجمعِ اللاذقيّةِ 48.
ب- الزواجُ وضرورةُ طقسِ الاحتفالِ
عالجَ الآباءُ القدّيسونَ مشاكلَ ما قبلَ الزواجِ أوْ ما بعدَه، دونَ التطرّقِ إلى موضوعِ الزواجِ كطقسٍ. ويستشهدُ أثيناغوراسُ (القرن الثاني) في دفاعِه عنِ المسيحيّينَ أمامَ الإمبراطورِ مرقس أوريليوس في الفصلِ (33) منهُ، فيذكرُ أنَّ "كلَّ واحدٍ منّا نحنُ المسيحيّونَ يتزوَّجُ بمقتضى قوانينِكم الخاصّةِ".
أمّا في الشرقِ، فيوصي إغناطيوسُ الأنطاكيُّ بعدمِ الزواجِ دونَ إذنِ الأسقفِ. ويشدّدُ على الذينَ يتزوَّجونَ، أنْ يكونَ اتّحادُهم على يدِ الأسقفِ "حتّى يكونَ الزواجُ حسبَ الرغبةِ. ليصيرَ كلُّ شيءٍ إجلالاً للهِ 49".
بالرغمِ منَ التباينِ في الظاهرِ حولَ دورِ الأسقفِ في الزواجِ بينَ الشرقِ والغربِ، إلّا أنَّه كانَ علينا الانتظارُ حتّى القرنِ التاسعِ، لنحصلَ على خدمةٍ خاصّةٍ بالزواجِ مستقلّةٍ عنْ أيّةِ خدمةٍ ليتورجيّةٍ أخرى، وخصوصاً عنْ "القدَّاسِ الإلهيِّ"، الذي كانَ الحُضْنَ الأوّلَ لخدمةِ الزواجِ "البركة"، وحيثُ كانَ ترتليانوسُ يكتفي باشتراكِ الزوجينِ في المناولةِ الإلهيّةِ كعلامةٍ لبركةِ الكنيسةِ للعروسينِ. أمّا يوحنّا الذهبيُّ الفم (القرن الرابع)، فيعتبرُ أنَّ المشاركةَ في القدَّاسِ هوَ الدليلُ على التحوّلِ في النظرةِ الكنسيّةِ إلى الزواجِ منْ علامةٍ للرضى أوْ للمعاشرةِ والإنجابِ، إلى نوعٍ منْ محاربةِ الشهواتِ.
صحيحٌ أنَّ مكانَ انعقادِ سرِّ الزواجِ هوَ الكنيسةُ، وأنَّه كانَ يُقامُ في الأصلِ ضمنَ سرِّ الإفخارستيّا كعلامةِ للاتّحادِ غيرِ المرئيِّ، ومنْ ثمَّ يُقامُ في الكنيسةِ، ضمنَ وقتٍ وترتيبٍ منفصلينِ عنِ القدَّاسِ الإلهيِّ. لكنَّه معَ تقدّمِ العاداتِ الاجتماعيّةِ، أصبحَ بالإمكانِ إقامتُه خارجَ مبنى الكنيسةِ، معَ المحافظةِ على الخدمةِ في إتمامِ السرِّ، ونشاهدُ اليومَ عادةً أخرى تتمثَّلُ بِمَا يُعْرَفُ بالبركةِ الزوجيّةِ، أيْ أنْ يقومَ الكاهنُ بتلاوةِ بعضِ المقاطعِ على مَنْ تزوَّجَ أصلاً زواجاً مدنيّاً في الخارجِ، ورغبَ منْ ثمَّ في إقامةِ احتفالٍ خاصٍّ لإعلانِ زواجِه دونَ أنْ يُجْرِيَ معاملاتِ الزواجِ الكنسيِّ بكاملِها، فيكتفي ببعضِ صلواتٍ تكونُ ضمنَ برنامجِ الاحتفالِ. إنَّ هذهِ البركةَ أوِ الصلاةَ المقتضبةَ جدّاً، تلبّي في معظمِ الأحيانِ رغبةَ الأهلِ أوِ العروسينِ في إتمامِ ما هوَ أقربُ إلى ضميرِهم الكنسيِّ، الذي يطالبُهم بالبركةِ الإلهيّةِ لبدءِ الحياةِ الزوجيّةِ. لكنَّ هذا المنحى العمليَّ، يثيرُ قلقَ السلطةِ الدينيّةِ والتي تخافُ منْ تبدّلٍ في مفهومِ سرِّ الزواجِ نفسِه نتيجةً لهذهِ الممارساتِ، التي تؤسّسُ بطبيعةِ الحالِ لتقبّلِ فكرةِ الزواجِ الخارجِ عنْ إطارِ الكنيسةِ بالشكلِ وبالفعلِ أيضاً.
لا ترى الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ اليومَ، في الزواجِ معَ غيرِ المسيحيِّ خروجاً على تعاليمِ الكنيسةِ. ولا يُنظرُ أيضاً إلى مَنْ تزوَّجَ مدنيّاً في أوروبا على أنَّه واقعٌ مباشرةً في الزنى. ولكنَّنا نجدُ اليومَ نظرةً متشدّدةً تجاهَ الفتاةِ المسيحيّةِ، التي تقبلُ بكتبِ كتابِها إسلاميّاً دونَ التخلّي عنْ دينِها المسيحيِّ. إذْ تُعِدُّ السلطةُ هذا الفعلَ خروجاً عنِ الدينِ المسيحيِّ، ولا تجوزُ مناولتُها الأسرارَ إلّا بعدَ تصحيحِ وضعِها بالزواجِ في الكنيسةِ، ويمكنُ أنْ يُطلبَ أيضاً منَ الطرفِ غيرِ الكاثوليكيِّ أنْ يوقّعَ على استعدادِه لتقبّلِ سرِّ العمادِ.
ج- قضيّةُ الزواجِ والبتوليّةِ
أوّلُ ما تطالعُنا بهِ قراراتُ المجامعِ، هوَ قرارُ مجمعِ "غنغرة 50" المكانيِّ الذي يؤكّدُ على صوابيّةِ فكرةِ الزواجِ تحقيقاً لدعوةِ الربِّ "انموا وأكثروا" (تكوين 1:28) ويندّدُ بالأفكارِ التي ترى في البتوليّةِ شأناً أرفعَ، والتي تستندُ إلى الآياتِ الكتابيّةِ لدعمِ حجّتِها "مَنْ لا يزوّجها يفعلُ حسناً 51". وينصُّ في القانونِ الأوّلِ على إبسالِ كلِّ مَنْ يطعنُ في الزواجِ، واحتقارِ المرأةِ المؤمنةِ التقيّةِ لأنَّها لا تمارسُ الحياةَ الجنسيّةَ معَ زوجِها، ويزعمُ أنَّها لا تستطيعُ دخولَ الملكوتِ 52. إنَّ هذهِ القوانينَ ظهرتْ في القرنِ الرابعِ عامَ 340 معَ وجودِ قاماتٍ كبيرةٍ في الحياةِ النسكيّةِ، وبداياتِ ظهورِ الرهبنةِ بمفهومِها الحديثِ معَ أنطونيوسَ الكبيرِ وباخوميوسَ.
خامساً، الزواجُ في تاريخِ الكنيسةِ
بدأتِ الكنيسةُ منذُ انطلاقِها معَ الزواجِ بمحاربةِ الخطيئةِ، إذْ لمْ يكنْ عديدُ المنتسبينَ إليها يسمحُ بالتشدّدِ في فرضِ رؤيتِها الخاصّةِ للزواجِ كما نعرفُه اليومَ. كذلكَ لمْ يسمحِ المنصبُ الذي كانتْ تتحلّى بهِ الكنيسةُ منَ التفكيرِ بسنِّ قوانينَ خاصّةٍ تعبّرُ عنْ مفهومِها للزواجِ. ولذلكَ، دأبَ آباءُ الكنيسةِ على التعاطي معَ الزواجِ منَ البابِ الروحيِّ، فرفعَ إكليمنضسُ الإسكندريُّ (القرن الثاني) الزواجَ إلى مرتبةِ المشاركةِ في الخلقِ. وتناولَ الذهبيُّ الفم (القرن الرابع) الزواجَ كسلاحٍ لمحاربةِ الزنى ودواءٍ لمواجهةِ العُهْرِ 53.
أ- الزواجُ الواقعُ منَ القرنِ السادسِ إلى القرنِ التاسعِ
حاربتِ المسيحيّةُ التقاليدَ الوثنيّةَ وما ارتبطَ في حينِه بالزواجِ، واستندتْ إلى تعاليمِ الآباءِ منْ أجلِ تحقيقِ هذا الهدفِ. فوضعَ أُوغسطينُسُ 54 (القرن الخامس) عناصرَ الزواجِ الثلاثةَ، التي ما زالتْ متّبعةً إلى اليومِ وهيَ الإنجابُ والعهدُ والسرُّ. فالإنجابُ يقضي على الشهوةِ، والعهدُ يتطلَّبُ ولاءً كاملاً لزوجٍ واحدٍ، مُقصياً كلَّ فكرةٍ تسمحُ لتشريعِ تعدّدِ الزوجاتِ، أمّا السرُّ فيمثّلُ عمليّةَ تقديسِ الحبِّ ورفعِ شأنِ لهُ.
تعايشتِ الكنيسةُ الأولى معَ القانونِ الرومانيِّ للزواجِ حتّى بعدَ تحوّلِ الديانةِ المسيحيّةِ رسميّاً إلى ديانةِ الإمبراطورِ. فتشكَّلَ الزواجُ منِ التقاءِ المبادئِ المسيحيّةِ بالإطارِ المحدَّدِ في القانونِ الرومانيِّ، والمطبَّقِ بشكلٍ واسعٍ في العالمِ. ولمّا انقسمتِ الإمبراطوريّةُ الرومانيّةُ إلى قسمينِ: سقطَ القسمُ الغربيُّ أوّلاً منْ جرّاءَ هجماتِ البرابرةِ في القرنِ الخامسِ الميلاديِّ، ما تركَ بابا روما يجمعُ في ذاتِه السلطتينِ الروحيّةَ والزمنيّةَ 55. فتحوَّلَ البابا منْ رجلِ دينٍ إلى رجلِ دولةٍ، بعدَ أنْ كنّا شهدنا تحوّلَ الإمبراطورِ قسطنطينَ منْ إمبراطورٍ إلى رجلِ دينٍ 56. واستمرَّ الوضعُ على حالِه إلى القرنِ الثالثِ عشرَ، لتعودَ السلطتانِ الزمنيّةُ والروحيّةُ إلى الانفصالِ مجدَّداً ويسيرَ المجتمعُ نحو العلمانيّةِ الكاملةِ.
وحاولَ بابا روما جذبَ البرابرةِ الذينَ أصبحوا أباطرةً إلى اعتناقِ الدينِ المسيحيِّ، وسمحَ بواقعِ الحالِ بإدخالِ الشرائعِ المسيحيّةِ ضمنَ القوانينِ الوضعيّةِ، فكانَ التلاقحُ القانونيُّ بينَ المسيحيّةِ والقوانينِ الرومانيّةِ والأعرافِ 57.
فتبنَّتِ المسيحيّةُ عدّةَ ممارساتٍ كانَ القانونُ الرومانيُّ شرَّعها، ومنها مثلاً:
- حظرُ زواجِ الأقاربِ، الذي كانَ مقبولاً في الزواجِ اليهوديِّ، كأنْ يتزوَّجَ أخٌ زوجةَ أخيهِ المتوفّى مثلاً، ولكنَّ القانونَ الرومانيَّ كانَ يعتبرُها بمثابةِ أحدِ أفرادِ العائلةِ، وبالتالي لا يجوزُ تزويجُها بتاتاً منْ أخِ زوجِها.
- موافقةُ ربِّ العائلةِ والاحتفالُ العلنيُّ بالزواجِ معَ تقديمِ الخاتمِ كعربونِ ارتباطٍ، وعدمُ انحلالِ عقدِ الزواجِ.
وركَّزتِ الكنيسةُ كثيراً على قدسيّةِ الزواجِ ووحدتِه "يتركُ الرجلُ أباهُ وأمَّه ويتَّحدُ بامرأتِه فيصيرانِ كلاهما جسداً واحداً". وانطلاقاً منْ هذهِ الوحدةِ حاربتِ الكنيسةُ فكرةَ الطلاقِ وقيَّدَتْها بشروطٍ عدّةٍ وحصريّةٍ خوفاً منِ انحلالِ هذا الاتّحادِ. ويذكرُ الكاتبُ يوحنّا مايندورف أنَّ التشريعاتِ الرومانيّةَ، سمحتْ للكنيسةِ في القرنِ السادسِ، بكتابةِ عقدِ زواجٍ منْ دونَ أنْ يكونَ فرضاً موجباً قانونيّاً أوْ إلزاميّاً 58.
وكانَ علينا الانتظارُ إلى القرنِ السادسِ، للوقوفِ على أوّلِ مجموعةٍ قانونيّةٍ تُعْتَبَرُ مَصْدراً للتشريعِ الكنسيِّ معَ البطريركِ يوحنّا الأنطاكيِّ. وقدْ أتتْ هذهِ المجموعةُ القانونيّةُ محاولةً لتحويلِ الشرعِ المدنيِّ الرومانيِّ إلى الشرعِ الكنسيِّ. كما أصدرَ لاون الثالث في سنةِ 740 م كتابَ "إكلوغه" وهوَ كتابُ شرعٍ مسيحيٍّ، دامَ استعمالُ تشريعاتِه قرناً ونيّفاً، ومنْ ثمَّ أعيدَ استعمالُ مجموعةِ شرعِ يوستنيانوس الرومانيِّ 59.
ب- الزواجُ منَ القرنِ العاشرِ إلى السادسِ عشرَ
الشكلُ الحاليُّ للزواجِ، كما نعرفُه اليومَ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، هوَ نتيجةٌ مباشرةٌ للإصلاحِ الغريغوريِّ 60، لذلكَ، فمرحلةُ العصرِ الوسيطِ مرحلةٌ مفصليّةٌ في مسيرةِ الزواجِ، وتطوّرِ نظريّتِه، وخصوصاً لجهةِ التشدّدِ في التعبيرِ عنِ الرضى الشخصيِّ لطرفي الزواجِ.
بدأَ الإصلاحُ الغريغوريُّ معَ البابا غريغوريوس السابع في أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ، وطاولَ بإصلاحاتِه سلطةَ البابا المركزيّةَ على جميعِ الأساقفةِ.
وما سمحَ للكنيسةِ بفرضِ تشريعاتِها الخاصّةِ، التي استقتْها منَ التشريعِ الرومانيِّ أوِ الجرمانيِّ، هوَ تحكّمُها بشرعيّةِ الزواجِ. فاستطاعتْ عبرَ هذهِ التشريعاتِ، فرضَ سلطتِها وسلطةِ رجالِ الدينِ خصوصاً على جميعِ أتباعِها، الذينَ كانوا يؤلّفون في حينِه معظمَ المجتمعِ الأوروبيِّ عامّةً. وكانتْ تعاقبُ مَنْ يُخالفُ الشروطَ التي تشرّعُ الزواجَ، بعقوبةِ "الحرمانِ منَ الشركةِ الكنسيّةِ 61"، التي كانتْ تؤدّي إلى نزعِ كلِّ شرعيّةٍ أوْ امتيازاتٍ خاصّةٍ عنْ أيِّ إنسانٍ يقعُ تحتَ حكمِها، ولا يستطيعُ أيُّ منصبٍ أوْ مركزٍ أنْ يكونَ بحصانةٍ منها، سواءٌ أكانتْ امتيازاتُه متأتّيةً نتيجةً لمنصبِه، أمْ للطبقةِ الاجتماعيّةِ التي كانَ ينتمي لها، حتّى لوْ كانَ رئيسَ السلطةِ المدنيّةِ أيِ الملكَ.
لمْ تشرّعِ الكنيسةُ نماذجَ مختلفةً للزواجِ بحسبِ الحالاتِ الاجتماعيّةِ أوِ المستجدّاتِ كالحروبِ. وإنّما بَقِيَتْ مخلصةً لنموذجٍ واحدٍ، هوَ رباطُ المسيحِ معَ الكنيسةِ، وهذا ما دفعَ بها إلى التشدّدِ في ضرورةِ الإبقاءِ على وحدةِ الأسرةِ، حتّى لوْ كانَ الزوجُ منخرطاً في حروبِ الإفرنجِ مثلاً، فلا يحقُّ لهُ الزواجُ منْ أخرى، ويُفضَّلُ ما عدا حالةَ زنى زوجتِه في البلدِ الأمِّ، أنْ يظهرَ لها المحبّةَ الإنجيليّةَ، ويغفرَ لها صوناً لوحدةِ العائلةِ 62.
في المجمعِ المسكونيِّ الثالث عشرَ عامَ 1245 م، المعروفِ بمجمعِ ليون الأوّلِ 63 للكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، وفي المادّةِ 16 منهُ، نجدُ التأكيدَ على إمكانيّةِ الزواجِ لِمَنْ ماتَ رجلُها، غيرَ أنَّه ليسَ للكهنةِ أنْ يباركوا مَنْ يتزوَّجونَ مرّةً ثانيةً. وبالتالي، وبالرغمِ منْ أنَّ الصيغةَ النهائيّةَ للزواجِ، كما نعرفُها اليومَ تشكَّلَتْ في هذهِ المرحلةِ، إلّا أنّنا أمامَ اعترافِ الكنيسةِ بإمكانيّةِ الزواجِ دونَ ضرورةِ وجودِ بركةِ كاهنٍ، أيْ بدونِ خدمةِ العرسِ برمّتِها، وهذا ما يؤكّدُ أنَّ للزواجِ بُعداً أنثروبولوجيّاً قبلَ أنْ يكونَ لهُ بُعدٌ أسراريٌ.
أمّا في مجمعِ التريدنتيني 64 عامَ 1563، وضمنَ "قوانين في شأنِ سرِّ الزواجِ المعروفِ بتامستي" وتحتَ طائلةِ الحرمانِ، نجدُ النصَّ على أنَّ الزواجَ هوَ سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ، وقاعدةَ منعِ تعدّدِ الزوجاتِ، وتحديدَ القرابةِ المانعةِ للزواجِ منْ دمويّةٍ، أوْ مصاهرةٍ، بسبعِ درجاتٍ، وعدمَ انحلالِ عقدِ الزواجِ لعلّةٍ استجدَّتْ بعدَ الزواجِ كسببِ حياةٍ مشتركةٍ لا تُطاقُ، كما نجدُ أنَّ جميعَ القضايا الزوجيّةِ هيَ منْ صلاحِيةِ القضاةِ الكنسيّينَ، وضرورةَ الإعلانِ ثلاثَ مرّاتٍ عنْ نيّةِ الزواجِ علانيةً في الكنيسةِ، مبطلةً بذلكَ ما كانَ يُعْرَفُ بالزواجِ في السرِّ، وأيضاً ضرورةَ إعلانِ رضى كلٍّ منَ الزوجِ والزوجةِ علانيةً برغبتِهما في الزواجِ، ونجدُ أخيراً منعَ عقدِ أيِّ زواجٍ منْ دونَ حضورِ الخوري وأمامَ شاهدينِ أوْ ثلاثةٍ، وإلّا عُدَّ باطلاً حُكماً.
ويمكنُ تلخيصُ تلكَ الفترةِ بأنَّ البابا على رأسِ الكنيسةِ كاثوليكيّةِ يصلّي، بينما الإمبراطورُ يأخذُ على عاتقِه الاهتمامَ بجميعِ الأمورِ التي تخرجُ عنْ نطاقِ الصلاةِ، وهيَ عديدةٌ طبعاً، وأبرزُها قيودُ الزواجِ ومفاعيلُه.
ج- الزواجُ ما بعدَ القرنِ السابعِ عشرَ
أصدرَ لويس الرابع عشر مرسومَ إلغاءِ اتفاقيّةِ التسامحِ الدينيِّ الموقَّعةِ منْ والدِهِ هنري الرابع، في نانت Nantes بتاريخ 18 تشرين الثاني 1685 بحيثُ أصبحَتْ فرنسا تدينُ فقطْ بالكاثوليكيّةِ، ولا يُسْمَحُ داخلَها بغيرِ قوانينِ تلكَ الكنيسةِ. وهذا ما دفعَ بالبروتستانتِ إلى الهجرةِ خارجَ فرنسا، أمّا مَنْ بقيَ فقدْ أُجْبِرَ على اعتمادِ شكلِ المساكنةِ بحكمِ عدمِ تمكّنِهم منْ تسجيلِ زواجِهم قانوناً، لعدمِ انطباقِ قوانينِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ على أوضاعِهم، وأشيرُ هنا إلى أنَّ المساكنةَ كانتْ تُعْتَبَرُ حالةً منَ الخطيئةِ. وبناءً على ذلكَ، أصدرَ الملكُ لويس السادس عشرَ عامَ 1787 قرارَ السماحِ للبروتستانتِ بالزواجِ المدنيِّ، منْ أجلِ حمايةِ أولئكَ الذينَ لا يتمتَّعون بحقِّ الزواجِ. وقدْ شكَّلَ هذا الأمرُ الضربةَ الأولى لاحتكارِ المؤسَّسةِ الدينيّةِ الكاثوليكيّةِ لعقدِ الزواجِ في فرنسا، ومنْ ثمَّ لاحقاً في بقيّةِ العالمِ التي اعتمدتِ الزواجَ المدنيَّ، وخصوصاً الإلزاميَّ منهُ.
معَ تأسيسِ الجمهوريّةِ الأولى الفرنسيّةِ والدستورِ الفرنسيِّ الصادرِ في 3 أيلول 1791 أصبحَ الطريقُ واسعاً أمامَ الزواجِ المدنيِّ 65 الذي أقرَّ في تاريخِ 20 أيلول 1792 مبدأَ الطلاقِ الذي قَبِلَتْه الكنائسُ البروتستانتيّةُ، ورفضَتْه الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ لكونِه يناقضُ مبدأَ ديمومةِ السرِّ. ومنذُ ذاكَ التاريخِ بدأتْ حقبةُ تحريرِ المرأةِ، وفكِّ الارتباطِ الزوجيِّ أمامَ الكثيرِ منَ الزيجاتِ المتعثّرةِ. واسْتُعْمِلَ فيما بعدُ النموذجُ الفرنسيُّ في الكثيرِ منْ قوانينِ الدولِ الأوروبيّةِ كإيطاليا (1866) وسويسرا (1874) وألمانيا (1874) وبلجيكا (1830) وهذا ما سمحَ بمزيدٍ منِ انتشارِ عولمةِ الزواجِ. ويُعْتَبَرُ قانونُ 1905 الفرنسيُّ عادةً المحطّةَ المفصليّةَ على الصعيدِ السياسيِّ للفصلِ النهائيِّ بينَ الدينِ والدولةِ، بعدَ أنْ تمَّ الاعترافُ بالبروتستانتيّةِ عامَ 1802 وباليهوديّةِ عامَ 1808. لمْ ينصَّ قانونُ 1905 في وقتِها على عبارةِ العلمانيّةِ حرفيّاً، إلّا أنَّ هذا القانونَ تحديداً يُعْتَبَرُ البداياتِ للعلمانيّةِ عالميّاً.
د- المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني: الدستورُ الرعويُّ "الكنيسةُ في عالمِ اليومِ"
اعتُبِرَ المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني محطّةً مفصليّةً في الكثيرِ منَ الأمورِ والقضايا التي تواجهُها الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ. ومنذُ عامِ 1962 وإلى اليومِ، لا يزالُ هذا المجمعُ مرجعاً متوثّباً. فالكنيسةُ الكاثوليكيّةُ ما بعدَه ليستْ هيَ نفسَها كما كانتْ قبلَه. لقدْ جاءَ الدستورُ الرعائيُّ "الكنيسةُ في عالمِ اليومِ" ليواكبَ تجديداتِ الكنيسةِ معَ المتغيّراتِ الطبيّةِ والأخلاقيّةِ، ويخلقَ مساحةً منَ الحوارِ بينَ الشؤونِ الكنسيّةِ والشؤونِ الأرضيّةِ خصوصاً في موضوعِ الأسرةِ. إذْ قدْ أدخلَ الدستورُ الرعويُّ على مفهومِ الزواجِ المسيحيِّ الكثيرَ منَ النظريّاتِ التي كانتْ تُطْرَحُ في الأوساطِ الكنسيّةِ والعلميّةِ. ومنْ بينِ هذهِ النظريّاتِ الاعترافُ بالأوضاعِ السيكواجتماعيّةِ 66 وتأثيرُها على مؤسَّسةِ الزواجِ. وتُعْتَبَرُ مواكبةُ الكنيسةِ في تدبيرِ شؤونِ أبنائِها في ما توصَّلتْ إليهِ العلومُ الإنسانيّةُ، مفتاحاً أساسيّاً، ينزعُ عنِ الزواجِ الهالةَ التقديسيّةَ التي لا تسمحُ بأيِّ تبديلٍ أوْ تغييرٍ، ويُضفي في الوقتِ نفسِه الثباتَ على جوهرِ الزواجِ، رغمَ تبدّلِ الأوضاعِ والتقاليدِ.
سادساً، الزواجُ في الشرعِ الكنسيِّ
أفضتِ المبادئُ المسيحيّةُ في العصرِ الحديثِ، إلى ظهورِ منظومةِ الحقوقِ العامّةِ كمصدرِ أساسيٍ لها. ثمَّ عادتِ القوانينُ الكنسيّةُ واستفادتْ منْ إرساءِ القواعدِ العامّةِ لحقِّ الزواجِ في شرعةِ حقوقِ الإنسانِ، لتعودَ الكنيسةُ وتؤكّدَ عليها داخليّاً في نصوصِ قوانينِها الملزمةِ للمعمّدِ المنتمي إليها، والتي وفقَ السلطةِ الأخلاقيّةِ يمتدُّ أثرُها ليطالَ شريحةً أوسعَ للعديدِ منَ الأبناءِ الروحيّينَ الذينَ ينتمونَ إليها. ومنْ هذهِ الحقوقِ، الحقُّ في الزواجِ: إذْ نصَّتْ مجموعةٌ منْ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ في المادّةِ (778) على ما يلي: "بوسعِ الجميعِ أنْ يتزوَّجوا ما لمْ يمنعْهم الشرعُ"، وأيضاً "يُقرُّ الشرعُ بمبدأِ التساوي بينَ الزوجينِ في الحقوقِ والواجباتِ، فيما يخصُّ شركةَ الحياةِ الزوجيّةِ" في المادّةِ (777).
الشرعُ الكنسيُّ 67 هوَ ما وضعتْه السلطةُ الكنسيّةُ منْ شرائعَ وأنظمةٍ تحدّدُ واجباتِ وحقوقَ أعضاءِ الكنيسةِ وعلاقاتِهم المتبادلةَ. ويُقْسَمُ الشرعُ الكنسيُّ منْ حيثُ البعدُ العلائقيُّ إلى شريعةٍ داخليّةٍ، تتعلَّقُ بالعلاقةِ الإيمانيّةِ بينَ اللهِ والمؤمنِ، وشريعةٍ خارجيّةٍ تتعلَّقُ بعلاقةِ أعضاءِ الكنيسةِ بعضِهم ببعضٍ. والشرعُ الكنسيُّ الأدبيُّ، هوَ شريعةٌ إلهيّةٌ تستمدُّ أحكامَها منْ يسوعَ مباشرةً، وتتعلَّقُ فقراتُه بالعقيدةِ المسيحيّةِ، ولا تتعدَّلُ إلّا وفقَ آليّاتٍ معقّدةٍ، وتتميَّزُ بديمومةِ أحكامِها، ويندرجُ منهُ نظامُ إدارةِ الكنيسةِ، وفيهِ نجدُ قانونَ الأحوالِ الشخصيّةِ. أمّا الشرعُ الكنسيُّ القانونيُّ، فهو الشريعةُ الدينيّةُ المستمدّةُ مبدأها منَ الرسلِ، كما منَ التلاقحِ معَ الحضاراتِ والمجتمعاتِ المختلفةِ. ويمكنُ تعديلُه وفقَ آليّاتٍ سهلةٍ، وتخدمُ بشكلِ لصيقٍ المستجدّاتِ منْ قضايا الناسِ المتغيّرةِ وفقَ الزمانِ أيضاً.
أ- شروطُ صحّةِ الزواجِ الكنسيِّ
الزواجُ منَ النواميسِ الطبيعيّةِ للحياةِ، وعليهِ يمكننا تبويبُه ضمنَ مجالِ القانونِ الطبيعيِّ. إلّا أنَّ الكنيسةَ تتعاطى معَه منْ حيثُ العلاقةِ بينَ الأعضاءِ، كفرعٍ منْ شريعةِ دينيّةٍ. وقدْ وجدتْ ما يستوجبُ التعاطي معَ الزواجِ باهتمامٍ كبيرٍ، وخصوصاً لِمَا لهُ منْ تأثيرٍ على العقيدةِ كحالةِ الارتباطِ معَ مهرطقٍ أوْ مبتدعٍ. وقدْ رفعتِ الكنيسةُ سرَّ الزواجِ إلى مرتبةِ الشريعةِ إلهيّةِ حيثُ إنَّ اللهَ واضعُه، وحرَّمَتِ الزواجَ محرَّمٌ بطبيعةِ الحالِ حفظاً وصوناً لعقيدةِ الكنيسةِ67.
إنَّ قواعدَ الزواجِ ثابتةٌ لا تتحوَّلُ إلى نسبيّةٍ ما، ولا تتلوَّنُ بحسبِ الأهواءِ وإنّما تبقى ثابتةً لا تتغيَّرُ، وعلى الأعضاءِ الالتزامُ بها كليّاً خوفاً منَ الانقساماتِ والانشقاقاتِ. وقدْ نصَّ قانونُ الكنائسِ الشرقيّةِ على أنَّ يسوعَ هوَ مشرّعُ الزواجِ68، بالرغمِ منْ أنَّ الزواجَ كانَ معروفاً قبلَه وممارساً. ويعودُ هذا الارتباطُ التشريعيُّ في جذورِه إلى اعتبارِ الزواجِ ليسَ ارتباطاً اجتماعيّاً فحسبْ، وإنّما هوَ صورةٌ لارتباطٍ روحيٍ.
نلاحظُ أنَّ القدرةَ على التنفيذِ، هيَ منْ متطلّباتِ التشريعِ. ومعَ بدايةِ نشوءِ المسيحيّةِ، لمْ نجدْ إلّا التشريعاتِ العامّةَ المتعلّقةِ بالعقيدةِ وبالخطوطِ العريضةِ لنظامِ الإدارةِ. ولكنْ معَ تطوّرِ الحياةِ وسرعةِ انتشارِ المسيحيّةِ، خاصّةً معَ دخولِها إلى قصرِ الإمبراطورِ، معَ ما يعنيهِ هذا الأمرُ منْ سلطةٍ تنفيذيّةٍ، أصبحنا نجدُ شيئاً فشيئاً اتّساعَ رقعةِ القوانينِ والميادينِ التنفيذيّةِ التي تطالُها.
وبدأتْ عمليّةُ التحوّلِ في نظرةِ الكنيسةِ إلى رتبةِ الزواجِ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ معَ الإمبراطورِ البيزنطيِّ لاون السادس الحكيم (912) عبرَ المرسومِ (98) الذي فرضَ مباركةَ الكنيسةِ كخطوةٍ أولى لاعتبارِ الزواجِ شرعيّاً، دونَ المرورِ بدائرةِ سجلِّ الزواجِ الرومانيِّ. ومنْ أسبابِ تلكَ الخطوةِ التي شكَّلَتْ منعطفاً تاريخيّاً، نجدُ الموازاةَ بينَ موضوعي الزواجِ والتبنّي، واقتصارَ هذا الإجراءِ على فئةِ الأحرارِ في الإمبراطوريّةِ دونَ العبيدِ. الارتباطُ الوثيقُ المعبّرُ عنهُ في هذا المرسومِ بينَ السلطتينِ المدنيّةِ والدينيّةِ، هوَ منَ العواملِ المسهّلةِ الأساسيّةِ. وكانَ على العبيدِ الانتظارُ إلى ما يقاربُ المائةَ عامٍ ليحصلوا معَ الإمبراطورِ ألكسيوس الأوّل (1081-1118) على حقِّ عقدِ الزواجِ كنسيِّ.
وقدْ تضرَّرَتْ ثلاثُ فئاتٍ منْ هذا الدمجِ المستجدِّ بالمرسومِ (89)، فكانتْ فئةٌ تلجأُ إلى عقدِ زواجٍ ثالثٍ أو رابعٍ، وفئةٌ إلى الزواجِ المختلطِ، وفئةُ الأقاربِ منَ الدرجاتِ المقبولةِ مدنيّاً. وكانَ عملُ هذهِ الفئاتِ مقبولاً مدنيّاً ومرفوضاً كنسيّاً. والعقابُ المفروضُ كنسيّاً تجلّى بمنعِ المناولةِ المقدَّسةِ عنها لفترةٍ منَ الزمنِ، ومنْ غرائبِ التاريخِ، أنْ يضطرَّ الإمبراطورُ لاون نفسُه إلى اللجوءِ إلى الكنيسةِ بغيةَ عقدِ زواجٍ رابعٍ لهُ، الأمرُ الذي أحرجَ الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ وأدخلَها في بابِ المساوماتِ. بالإضافةِ إلى مسألةِ الزواجِ المختلطِ وإعطاءِ المناولةِ الإلهيّةِ لغيرِ المعمّدِ.
أمّا الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ فقدِ استلمتْ ملفَّ عقدِ الزيجاتِ، وبدلاً منْ أنْ تفرضَ نظرتَها للزواجِ، وجدتْ نفسَها مضطرّةً، إلى الأخذِ بعينِ الاعتبارِ مختلفَ المركّباتِ الاجتماعيّةِ عبرَ إعطائِها حقَّ عقدِ الزيجاتِ الحصريِّ. وبالتالي، فإنَّ مبدأَ فصلِ خدمةِ الزواجِ عنْ سرِّ الشكرِ أصبحَ حاجةً ملحّةً. ونلاحظُ أنَّ الكنيسةَ أبقتْ على مبدأِ تناولِ القرابينِ لِمَنْ هوَ مستوفٍ شروطَ الانتماءِ إلى الكنيسةِ، أمّا الغيرُ المستوفي لشروطِ الكنيسةِ القانونيّةِ69، فكانَ يتناولُ خمراً مباركاً فقطْ.
ألقى المرسومُ (89) عبئاً على كاهلِ الكنيسةِ، إذْ كانَ عليها أنْ تستوفيَ الشروطَ المدنيّةَ والكنسيّةَ، وأنْ تشرّعَ نصوصاً خاصّةً، تعمّمُها على جميعِ الكنائسِ داخلَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ. وأدخلَ منحُ الكنيسةِ سلطةَ عقدِ الزيجاتِ في ميدانِ معالجةِ المشاكلِ المتأتّيةِ عنهُ، وخاصّةً حالاتِ الطلاقِ أوْ إبطالِ وفسخِ الزواجِ.
ب- موانعُ الزواجِ في المسيحيّةِ
المانعُ هوَ ظرفٌ موضوعيٌ يمنعُ أوْ يعرقلُ عمليّةَ الزواجِ. ويكونُ بحسبِ المصدرِ الذي ينبثقُ عنهُ إمّا نتيجةً لشرعٍ إلهيٍّ، غيرِ قابلٍ للتفسيحِ، كالقربةِ منَ الدرجةِ الثانيةِ مثلاً. وإمّا نتيجةَ ظرفٍ إنسانيٍّ كسنِّ الزوجينِ الذي لا يصلُ إلى السنِّ المسموحِ بهِ قانوناً للزواجِ.
أمّا موانعُ الزواجِ، فهيَ نوعانِ: جوهريٌ وشكليٌ. المانعُ الأوّلُ إذاً جوهريٌ ويطالُ السنَّ، القرابةَ، الأهليّةَ، الشرعيّةَ، الرضى، اختلافَ الدينِ، عدمَ وجودِ زواجٍ سابقٍ، عدمَ ارتباطِ الزوجِ بالدرجةِ المقدَّسةِ، وانتهاءَ العدّةِ للمرأةِ. أمّا المانعُ الثاني، فشكليٌ يتعلَّقُ بإجراءاتِ معاملاتِ الزواجِ، ويُقْسَمُ بحسبِ مراحلِ الإعدادِ لهذهِ المعاملاتِ على الشكلِ التالي: مانعُ المناداةِ، مانعُ النقصِ في الأوراقِ الثبوتيّةِ، ومانعُ النقصِ في صيغةِ الزواجِ.
ويمكنُ التمييزُ بينَ موانعِ الزواجِ بحسبِ العقوبةِ المتأتّيةِ عنْ هذا المنعِ. وأمّا الموانعُ70 فهيَ قسمانِ: مانعٌ تحتَ طائلةِ البطلانِ، ومانعُ تحتَ طائلةِ العقوبةِ.
ومنَ الموانعِ المطلقةِ، كونُ أحدِ الطرفينِ متزوّجاً قبلاً، ولمْ ينحلَّ زواجُه السابقُ بتاريخِ عقدِ الزواجِ الثاني، أوْ كونُ أحدِ طرفيِ الزواجِ غيرَ مسيحيٍّ (قانونٌ أرثوذكسيٌّ71)، أوْ إذا كانتْ درجةُ القرابةِ لصيقةً بينَ العروسينِ، أوْ إذا لمْ تكنْ هناكَ موافقةُ الوليِّ لِمَنْ همْ تحتَ السنِّ القانونيِّ. ومنَ الموانعِ النسبيّةِ المؤدّيةِ إلى عقوبةٍ مؤقَّتةٍ، بعضُ أنواعِ القرابةِ الدمويّةِ، أوِ المصاهرةِ، أوِ القرابةِ الروحيّةِ. ومنَ الموانعِ التي دخلتْ حديثاً مجالَ صحّةِ الزواجِ، هوَ المانعُ النفسيُّ الذي يُعْتَبَرُ منَ الموانعِ العلميّةِ التي تُثبتُ بتقريرِ خبيرٍ مختصٍّ. ويمكنُ استعراضُ هذهِ الموانعِ بالتفصيلِ لتبيانِ أيٍّ منها يعودُ إلى سببٍ دينيٍّ، وأيُّ يعودُ إلى سببٍ مدنيٍّ اجتماعيٍّ:
مانعُ السنِّ
إنَّ تقييدَ الحقِّ الطبيعيِّ للزواجِ بعمرٍ معيَّنٍ هوَ منْ بابِ خلقِ التوازنِ بينَ الحقوقِ الطبيعيّةِ التي لا يجبُ تقييدُها، وبينَ بلوغِ درجةٍ منَ النضوجِ الجسميِّ والجسديِّ يؤهّلُ الزوجينِ منْ ممارسةِ حقّهما بسلامةِ ونجاحٍ.
ويعودُ مانعُ السنِّ لناحيةِ العمرِ إلى التشريعِ الرومانيِّ، الذي كانَ يمنعُ الزواجِ لِمَنْ همْ دونَ مرحلةِ البلوغِ أوِ الأهليّةِ للقيامِ بأعباءِ الزواجِ، أيْ دونَ الثانية عشرة للمرأةِ والرابعة عشرة للرجلِ. وإنّما يعودُ التمييزُ بينَ الذكرِ والأنثى، إلى القدرةِ على الإنجابِ منْ جهةِ المرأةِ خصوصاً، وعلى مدى قدرةِ تحمّلِه للمسؤوليّاتِ، وسدِّ الأعباءِ الحياتيّةِ والماليّةِ، وتحمّلِ مسؤوليّاتِ الأولادِ وتربيتِهم منْ جهةِ الرجلِ. ولهذا نلاحظُ الفرقَ بينَ سنِّ المرأةِ الذي هوَ عادةً أصغرُ، وسنِّ الرجلِ. ويؤمنُ القانونُ إجمالاً بالمساواةِ بينَ الرجلِ والرجلِ، ويحدّدُ سنَّ الثامنة عشرة كسنِّ بلوغِ الأهليّةِ القانونيّةِ. وقدْ حدَّدتِ الطوائفُ المسيحيّةُ سنَّ عقدِ الزواجِ، الذي يُعْتَبَرُ بنظرِ جميعِ الطوائفِ عقداً لمدى الحياةِ. وهنا تكمنُ المفارقةُ بينَ النظرةِ الموضوعيّةِ لطبيعةِ عقدِ الزواجِ وبينَ النظرةِ الاجتماعيّةِ ومدى تقبّلِها. وهذا ما يُبْرِزُ مدى الترابطِ بينَ ما هوَ مقرّرٌ دينيّاً وما هوَ متّبعٌ في المجتمعِ المحليِّ. وإذا ما تبدَّلتْ نظرةُ المجتمعِ إلى متطلّباتِ الحياةِ، تبدَّلتْ مقابلَها نظرةُ التشدّدِ الدينيّةِ.
ويُلْبسُ الدينُ الشروطَ الاجتماعيّةَ عباءةَ "المقدَّسِ" فيحترمُها الأفرادُ ويطبّقونَها خوفاً منَ العقابِ الأخلاقيِّ الدينيِّ. وكلّما عدَّلَ الناسُ في نظرتِهم إلى مجرياتِ الأمورِ، نجدُ إسقاطاً آليّاً للاعتباراتِ المقرَّرةِ دينيّاً، فيعودُ، بعدَ فترةٍ، رجالُ الدينِ لإقامةِ نوعٍ منَ الإصلاحِ حولَ نصِّ أحوالِها الشخصيّةِ، بغيةَ مجاراةِ الواقعِ المستجدِّ والمطبَّقِ عفوًا كعادةٍ اجتماعيّةِ مقبولةٍ منَ الجميعِ.
ويميّزُ الأرثوذكسُ، أيضاً بينَ سنِّ الذكرِ السابعة عشرة، والأنثى الخامسة عشرة72. أمّا الإنجيليّونَ فجعلوها ثمانية عشر عاماً للذكرِ، وستّة عشر للأنثى. بينما حدَّدتِ الكنيسةُ الغربيّةُ سنَّ الزواجِ بالستّة عشر عاماً للرجلِ
والرابعة عشر للمرأةِ 73. وطبعاً، منْ أجلِ متابعةِ واقعِ الحالِ لجميعِ أنواعِ المجتمعاتِ المحليّةِ، يمكنُ السماحُ بتجاوزِ هذا المانعِ، بإذنٍ خاصٍّ منَ السلطةِ الكنسيّةِ، كالمحكمةِ عندَ الإنجيليّينَ والرئاسةِ الكنسيّةِ المحليّةِ للطوائفِ الأخرى.
القرابةُ المانعةُ منَ الزواجِ
هناك ثلاثةُ أنواعٍ منها: القرابةُ الدمويّةُ والأهليّةُ والروحيّةُ. منها ما هوَ معروفٌ ومقبولٌ اجتماعيّاً وتاريخيّاً، ومنها ما هوَ منْ صنيعِ الدينِ وطقوسِه. أمّا القرابةُ الدمويّةُ، فبالرغمِ منْ أحكامِ الزواجِ التي تمنعُها بينَ الأقاربِ، فقدِ استمرَّ العملُ بها في الكنيسةِ، باعتبارِ أنَّ جميعَ المسيحيّينَ إخوةٌ وأبناءٌ لآبٍ سماويٍّ واحدٍ. وسيتمُّ تفصيلُ ذلكَ لاحقاً ضمنَ مبحثِ الزواجِ في الشرعِ الكنسيِّ.
كانَ الزواجُ في الإمبراطوريّةِ البيزنطيّةِ قائماً على مفهومِ الحريّةِ، فبينما كانتِ المساكنةُ دليلاً كافياً على الزواجِ في بعضِ الأماكنِ، إلّا أنَّ الشرعَ المدنيَّ الرومانيَّ المحفوظَ عندَ موذيستينوس لمْ يأخذْ بهِ، لأنَّ "الزواجَ يتحقَّقُ بالعيشِ معاً لا بالمساكنةِ". والعيشُ معاً لا يمكنُ أنْ يتمَّ منْ دونِ إرادةٍ حرّةٍ. ولهذا، فالأمَةُ لا يمكنها العيشُ معَ شخصٍ آخرَ منْ دونِ حريّةِ القرارِ الذي لا تتمتَّعُ بهِ، وهذا ما يُعْتَبَرُ حجرَ الزاويةِ لمفهومِ (الزوج - العقد) لدى الكثيرِ منَ التشريعاتِ الغربيّةِ. وطالما أنَّ الإرادةَ الحرّةَ هيَ شرطُ الزواجِ، فهذا دليلٌ على أنَّه لمْ يكنْ يحتاجُ إلى موافقةِ طرفٍ ثالثٍ للمصادقةِ عليهِ. إذْ إنَّ العيشَ معاً يفرضُ ضمنيّاً وجودَ الإرادةِ، والقبولَ بالزواجِ، وعلانيّةَ الزواجِ. أمّا دورُ السلطةِ الرومانيّةِ، فكانَ لتسهيلِ تسجيلِ عقودِ الزواجِ في السجلاّتِ منْ أجلِ حفظِها والرجوعِ إليها عندَ نشوءِ أيِّ خلافٍ.
القرابةُ الدمويّةُ
تقومُ هذهِ القرابةُ على رابطِ الدمِّ، أيْ بينَ الأشخاصِ المتناسلينَ بعضِهم منْ بعضٍ، أوِ الذينَ يعودونَ إلى أصلٍ واحدٍ. ويعودُ المنعُ هنا إلى مفهومِ العائلةِ الواحدةِ، التي لا يمكنُ أنْ تتجزَّأَ. ففي القرابةِ الدمويّةِ المانعةِ عندَ الكاثوليكِ تنصُّ المادّةُ (809) البندُ (1) على مانعِ الزواجِ بأيِّ ارتباطٍ منَ الخطِّ المستقيمِ، كأنْ يتزوَّجَ ابنةَ زوجتِه. وفي الدرجةِ الثانيةِ منَ الخطِّ المنحرفِ، كأنْ يتزوَّجَ شخصٌ زوجةَ أخيهِ المتوفّى. وعندَ الأرثوذكسِ حتّى الدرجةِ الرابعةِ، وأمّا الإنجيليّونَ فقدْ حدَّدوا القرابةَ بتعدادٍ حصريٍّ.
القرابةُ الأهليّةُ
تُعْتَبَرُ أهليّةً عندما تكونُ بينَ أصلينِ، أيْ حيثُ يرتبطُ أحدُ الزوجينِ وأنسباءُ غيرِ الدمويّينَ، بالمصاهرةِ مثلاً. وقدْ تبنَّتِ الكنيسةُ التشريعَ الرومانيَّ في بداياتِها حيثُ كانَ التحريمُ يطالُ الأقاربَ للدرجةِ الثالثةِ. أمّا منذُ القرنِ السابعِ، فاتَّبعتِ الكنيسةُ في تشريعاتِها التقليدَ الجرمانيَّ 74 السائدَ، الذي يطالُ تحريمَ الزواجِ بينَ الأقاربِ منَ الدرجةِ الرابعةِ فقطْ.
ومنَ المواقفِ الشهيرةِ 75 التي اتَّخذتْها الكنيسةُ في تأكيدِ نظرتِها إلى رابطِ الدمِّ، الحُرْمُ الذي أطلقتْه في مجمعِ ليون عامَ 518، والذي كانَ بوجهِ "إتيان" الذي أرادَ الزواجَ منْ أختِ زوجتِه، وهذا الحُرْمُ منَ الشركةِ الكنسيّةِ طالَ كلَّ مَنْ ساعدَهم على الزواجِ، ومنْهم الملكُ نفسُه.
في القرنِ السابعِ 76، أصبحَ القانونُ الكنسيُّ هوَ القانونُ المدنيُّ، وبالتالي أصبحَ بالإمكانِ معاقبةُ كلِّ مَنْ يخالفُ شرطَ القرابةِ الدمويّةِ بالوقوعِ في سفاحِ القربى، فيُمْنَعُ مَنْ تولّي أيِّ وظيفةٍ عامّةٍ، ويُعاقَبُ بمصادرةِ أملاكِه والتي تعودُ ملكيّتُها إلى أهلِه بطبيعةِ الحالِ.
القرابةُ الروحيّةُ والتبني
القرابةُ الروحيّةُ نجدُها في البعدِ الدينيِّ الواضحِ بشكلٍ كبيرٍ. إذْ إنَّ هناكَ نوعاً آخرَ منَ القرابةِ بينَ الناسِ، غيرُ الرباطِ الدمويِّ والرباطِ الزوجيِّ، وهوَ كفيلُ طالبِ المعموديّةِ، والذي يصبحُ بمنزلةِ الوالدِ أيضاً 77 فيمتنعُ أنْ يتزوَّجَ ابنُ العرّابِ الأختَ بالروحِ، أوْ أنْ يتزوَّجَ أخو العرّابِ أختَ ابنِ العرّابِ 78. ولكنَّ هذا المانعَ قابلٌ للتفسيحِ عنهُ منْ قبلِ السلطةِ الكنسيّةِ، ممّا يؤكّدُ وجودَ مراعاةِ للحالاتِ المستجدّةِ، فلا تخسرُ الكنيسةُ أعضاءَها بسببِ بعضِ موانعَ يمكنُ تخطّيها.
والقرابةُ بالتبنّي، تُنْشِئُ رابطاً بينَ المتبَنّى والمتبَنّي كرابطةِ الأبِ معَ ابنِه 79. ويُعاملُ وفقَ هذهِ القاعدةِ، فلا يُقبلُ زواجُه كزواجِ الأخِ منْ أختِه.
ج- الرضى
إنَّ شرطَ الرضى واضحٌ ومثبَّتٌ مصدرُه، إذْ يعودُ إلى الشرعِ الرومانيِّ المدنيِّ، حيثُ يُعتبرُ الزواجُ أحدَ أنواعِ العقودِ التي تتطلَّبُ إعلانَ الرضى بشكلٍ واضحٍ لثبوتِه وقيامِه. وهذا الإعلانُ يُفترضُ أنْ يكونَ صريحاً في الزواجِ الكاثوليكيِّ، ويُقالُ جهاراً. أمّا في الزواجِ الأرثوذكسيِّ، فيُستدلُّ عليهِ ضمناً منْ حضورِ العروسينِ، والمشاركةِ في صلواتِ رتبةِ الزواجِ، حيثُ ما زالَ طابعُ هذهِ الرتبةِ يميلُ إلى طلبِ البركةِ الروحيّةِ منَ اللهِ أكثرَ منهُ إتمامَ عقدٍ أمامَ مرجعٍ مختصٍ.
وشرطُ الرضى منصوصٌ عنهُ في جميعِ القوانينِ، وأيُّ عيبٍ يشوبُه، كعدمِ الإدراكِ وعدمِ الإرادةِ، أوِ الخداعِ والإكراهِ، يؤدّي بالزواجِ إلى بطلانِه، مثلما هيَ الحالُ في أيِّ نوعٍ منَ العقودِ المدنيّةِ.
يدخلُ الرضى بينَ الزوجينِ كدليلٍ حاسمٍ على تأثّرِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ بفكرةِ العقدِ لسرِّ الزواجِ، والذي يعودُ إلى النظامِ القانونيِّ الرومانيِّ 80. ويسبقُ الزواجَ إقامةُ الخطبةِ كدليلٍ أوّليٍ على رضى الطرفينِ، الذي يسمحُ للمجتمعِ أيضاً بالعلمِ بالزواجِ، فيعلنُ المخطوبانِ نيّتَهما بالارتباطِ. وتُعبّرُ موافقةُ رئيسِ العشيرةِ حيثُ المجتمعُ القبليُّ متحمكّمٌ، عنْ رضى الطرفينِ، ولا حاجةَ إلى مراجعتهما مباشرةً، فالكلمةُ الفصلُ هيَ لرئيسِ العشيرةِ. إنَّ انتفاءَ الرضى بينَ الطرفينِ، يبطلُ الزواجَ إبطالاً مطلقاً. وهنا نلاحظُ أنَّ استعمالَ مصطلحِ "البطلان للزواج" إنّما هوَ مصطلحٌ قانونيٌ بَحْتٌ، ففي المصطلحِ الكتابيِّ تُستعملُ كلمةُ "الطلاق".
يطرحُ الكتابُ المقدَّسُ مصطلحَ الطلاقِ الذي يعالجُ مسألةً طارئةً في مرحلةِ الحياةِ الزوجيّةِ. أمّا المسائلُ المتعلّقةُ بفترةِ نشوءِ الزواجِ، فلا يتطرَّقُ إليها، إذْ إنَّ العادةَ الاجتماعيّةَ في حينِه كانتْ تُحتّمُ قبولَ العشيرةِ الذي يُعْتَبَرُ شرطاً أساسيّاً. فالهويّةُ الفرديّةُ للزوجينِ لمْ تكنْ قدْ تشكَّلَتْ بالشكلِ الذي نعرفُه اليومَ، وكانَ علينا الانتظارُ حتّى القرنِ الثاني عشرَ للتأكيدِ على ضرورةِ الأخذِ بموافقةِ العروسِ، وإنْ كانَ والدُها قدْ أعطى موافقتَه المسبقةَ على الزواجِ، فالعبرةُ لموافقةِ الطرفينِ الصريحةِ 81.
ونجدُ منذُ أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ، في المناطقِ الانكلو-ساكسونيّةِ كالنورمنديِّ 82 مثلاً، طقوساً خاصّةً برتبةِ الزواجِ، بالشكلِ الذي نعرفُه اليومَ، حيثُ يستقبلُ الكاهنُ العروسينِ أمامَ بابِ الكنيسةِ. فيعلنانِ هناكَ رضاهما بالارتباطِ الزوجيِّ، ومنْ ثمَّ يسيرُ الكاهنُ أمامهما ويدخلانِ الكنيسةِ لإتمامِ طقسِ الزواجِ المقدَّسِ.
إنَّ وجودَ شرطِ الرضى هوَ السِّمةُ الأولى لاعتبارِ الزواجِ عقداً. إلّا أنَّ للرضى أهمّيّةً روحيّةً أيضاً، إذْ تدلُّ على الإرادةِ الحرّةِ التي تتقبَّلُ الأسرارَ وتشتركُ بها طوعاً. وفي جميعِ طقوسِ الزواجِ، يُستعملُ الاسمُ الأوّلُ كتأكيدٍ علنيٍ على الرضى، فيُقالُ "يُكَلَّلُ فلان على فلانة باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ".
وإذا كانَ الدخولُ في الزواجِ مبنيٌّ على حريّةِ الارتباطِ، إلّا أنَّ الخروجَ منْ هذا العقدِ لا يتمُّ برضى الطرفينِ، وإنّما برضى الكنيسةِ التي شهدتْ على الزواجِ.
د- عدمُ اختلافِ الدينِ
إنَّ مصدرَ البعدِ الدينيِّ واضحٌ. ولهذا، تشترطُ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ أنْ يكونَ الزوجانِ معمّدَينِ وينتميانِ إلى الدينِ المسيحيِّ. وهوَ شرطٌ مطلوبٌ تحقيقُه منْ قبلِ طرفيِ العقدِ. أمّا في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، فبعدَ المجمعِ الفاتيكانيِّ الثاني، وما أدخلَه منْ إصلاحاتٍ، أصبحَ مطلوباً منْ أحدِ طرفيِ العقدِ فقطْ.
هـ- عدمُ وجودِ زواجٍ سابقٍ قائمٍ
تُعْرَفُ المسيحيّةُ بأنّها لا تقبلُ بتعدّدِ الزوجاتِ، ولا تقبلُ إقامةَ عقدِ زواجٍ ثانٍ قبلَ التأكُّدِ منِ انحلالِ عقدِ الزواجِ الأوّلِ. وتعودُ هذهِ النظريّةُ إلى مبدأِ "عدمِ انحلالِ" عقدِ الزواجِ، ما يحتمُ وجوبَ اعتبارِه. وكلُّ تعدّدِ للزوجاتِ إنّما يضربُ هذا المبدأَ عرضَ الحائطِ.
وقدْ عرفَ مصطلحُ تعدّدِ الزوجاتِ تطوّراً. ففي البدايةِ، الارتباطُ بزوجةٍ واحدةٍ في نفسِ الوقتِ، إنّما هوَ أمرٌ بديهيٌ. وكانَ يُقصدُ بمصطلحِ "تعدّدِ الزوجاتِ" التعدّدَ بعدَ ارتباطٍ سابقٍ، كالزواجِ الثالثِ والرابعِ. وهذا ما نجدُه في القانونِ (80) لمجموعةِ باسيليوس الكبير والذي استعملَ هذا المصطلحَ الآنفَ شرحَه، وفرضَ عليهِ العقابَ وعاملَه معاملةَ الزاني. ونستشفُّ منَ القانونِ (40) أنَّ فكرةَ إعلانِ الزواجِ هوَ للتأكيدِ على أنَّ الزوجةَ حرّةٌ وليستْ عبدةً تحتَ سلطةِ شخصٍ آخرَ، وإلّا عُدَّ الزواجُ باطلاً 83. ولا نجدُ في هذهِ القوانينِ أيَّ ذكرٍ لشرطٍ خاصٍ أوْ لطقسٍ ما للزواجِ بحسبِ النظرةِ الدينيّةِ.
فهذا المنعُ إذاً، لمْ يكنْ أصلاً موجوداً في المسيحيّةِ، والآنَ ينصُّ عليهِ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيُّ صراحةً في المادّةِ (23) منهُ أوْ في المادّةِ (34) للطائفةِ الإنجيليّةِ. وقدْ ذهبتِ الكنيسةُ كاثوليكيّةُ مذهباً متشدّداً في وجوبِ احترامِ هذا الشرطِ إلى طلبِ إعادةِ درسِ أسبابِ انحلالِ الزواجِ الأوّلِ في حالِ كانَ أحدُ طرفيهِ كاثوليكيّاً، ولوْ بعدَ صدورِ قرارٍ مبرمٍ منَ المحكمةِ الروحيّةِ الكنسيّةِ الأخرى.
و- المانعُ لارتباطٍ بدرجةٍ مقدَّسةٍ
يمكنُ للكاهنِ (والشمّاسِ) أنْ يكونَ متزوّجاً قبلَ رسامتِه الكهنوتيّةِ. ويُحْرَمُ الزواجُ عليهِ إذا ما رُسِمَ كاهناً وعادَ بعدَ ذلكَ ليتزوَّجَ. ويقومُ في هذهِ المنزلةِ أيضاً، مَنْ كانَ راهباً أوْ راهبةً وحصلَ على الإسكيمِ الكبيرِ. ونلاحظُ في القوانينِ الكنسيّةِ الأرثوذكسيّةِ، أنَّ خدمةَ زواجِهم تصحُّ بعدَ تخلّيهم عنْ نذرِهم الأوّلِ، وتُعْقَدُ لهم مراسمُ الزواجِ وفقَ الرتبةِ الخاصّةِ بالزواجِ الثاني، حيثُ يُعتبرُ نذرُهم أوْ رسامتُهم الأولى، بمثابةِ زواجٍ أوّلٍ. ويطبّقُ بهذا المفهومِ، الشرطُ السابقُ أيْ "مانعُ وجودِ زواجٍ سابقٍ". والجديرُ ذكرُه أنَّ زواجَ القساوسةِ في الكنيسةِ الإنجيليّةِ بعدَ رسامتِهم أمرٌ مباحٌ صراحةً.
ز- شرطُ انتهاءِ عدّةِ المرأةِ
يُعَدُّ هذا الشرطُ اليومَ منْ بديهيّاتِ الأمورِ، حيثُ أصبحَ بالإمكانِ بواسطةِ التقنيّاتِ الطبيّةِ الحديثةِ، التأكُّدُ منْ خلوِّ رحمِ المرأةِ منْ أيِّ حملٍ قدْ يؤدّي إلى اختلاطِ الأنسابِ. وهذا الموضوعُ نصَّ عليهِ قانونُ العقوباتِ 84 المدنيُّ، ويلزمُ القانونُ الأرثوذكسيُّ المرأةَ بفترةِ أربعةِ أشهرٍ منَ الانتظارِ 85، قبلَ عقدِ زواجٍ ثانٍ. بينما جعلتْها الطائفةُ الإنجيليّةُ ثلاثمائةَ يومٍ منْ تاريخِ الانفصالِ بينَ الزوجينِ. وجعلتِ الكنيسةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ 86 العدّةَ عشرةَ أشهرٍ ميلاديّةٍ، سواءٌ توفّي زوجُها أوِ انحلَّ زواجُها منهُ. أمّا الكنيسةُ المارونيّةُ، فتطبّقُ أيضاً العدّةَ على حالةِ وفاةِ المتزوّجِ أيضاً، وهيَ عشرةُ أشهرٍ. والملاحظُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لمْ ينصَّ على أحكامِ العدّةِ ومدَّتِها، وهذا ما يبرزُ الطابعَ الاجتماعيَّ الكامنَ وراءَ هذا المنعِ، والذي يهدفُ بطبيعةِ الحالِ إلى تثبيتِ البنوّةِ للأولادِ الشرعيّينَ معَ ما يستتبعُ ذلكَ منْ إقرارٍ وحفظٍ للحقوقِ.
ح- مانعُ العجزِ النفسيِّ
العجزُ النفسيُّ 87 هوَ منْ أكثرِ المعاييرِ جدّةً ومواكبةً لتطوّرِ الحياةِ، وللدرجةِ التي وصلَ إليها فهمُ الحالةِ الإنسانيّةِ ومعوّقاتِها. وهوَ يطالُ أحياناً أبعاداً غيرَ منظورةٍ في تصرّفاتِ الزوجينِ، ولكونِه معياراً يصعبُ ضبطُه بمعاييرَ لا تقبلُ الأخذَ والردَّ، أوجبَ القانونُ للاعتدادِ بهِ أنْ تترافقَ حالةُ العجزِ بعواملَ إضافيّةٍ أخرى، كاشتراطِ أنْ يكونَ العجزُ سابقاً للزواجِ ومؤبَّداً وغيرَ قابلٍ للشفاءِ بالطرقِ الطبيّةِ المعروفةِ. ويختلفُ مانعُ العجزِ النفسيُّ عنْ مانعِ العقمِ. إذْ إنَّ العاملَ يؤثّرُ على الأعضاءِ التناسليّةِ، ويمنعُها منَ القيامِ بوظيفتها رغمَ وجودِ القدرةِ على الإنجابِ بالفحصِ المخبريِّ. إنَّ اجتهاداتِ محكمةِ الروتا أوِ المحاكمِ الروحيّةِ لها دورٌ رئيسيٌ في توضيحِ هذا المنعِ وطرائقِ تطبيقِه 88.
إنَّ العجزَ النفسيَّ يؤثّرُ بشكلٍ مباشرٍ في إدراكِ الشخصِ والتعبيرِ عنْ رضاهُ بالزواجِ أوْ عنْ فهمِه للموجباتِ الزوجيّةِ فيصبحُ الزواجُ وفقَ هذا العجزِ فارغاً منْ مضمونِه 89.
سابعاً، الشروطُ الشكليّةُ
إنَّ الشروطَ الشكليّةَ تُشكّلُ عادةً مانعاً جديّاً وحقيقيّاً فلا يمكنُ عقدُ الزواجِ. وأمّا الموانعُ الشكليّةُ فهيَ: شرطُ الصيغةِ للزواجِ، وشرطُ المناداةِ.
أ- صيغةُ الاحتفالِ بالزواجِ
تطلبُ جميعُ الكنائسِ إقامةَ رتبةٍ مقدَّسةٍ لِتَمْنحَ البركةَ المقدَّسةَ بواسطةِ كاهنٍ مرخَّصٍ لهُ، وبعدَ التأكُّدِ منَ الرضى ومنْ عدمِ وجودِ أيِّ مانعٍ للزواجِ. وقدْ نصَّ القانونُ على هذهِ الشروطِ كافّةً. وبحسبِ قوانينِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ المادّةُ (828) "ليستِ الزيجاتُ صحيحةً إلّا التي يُحْتَفَلُ بها بطقسٍ مقدَّسٍ أمامَ الرئيسِ الكنسيِّ المحليِّ... وأمامَ شاهدَيْنِ لا أقلَّ، لكنْ وفقاً لأحكامِ القوانينِ". أمّا المادّةُ 13 منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيِّ (2003) الفقرتانِ "و" و "ز" فتنصّانِ على إقامةِ صلاةِ الإكليلِ بحضورِ طالبي الزواجِ شخصيّاً. ويضافُ إليهما حضورُ اثنينِ على الأقلِّ عدا العروسينِ والإشبينينِ (م 15) كما تخلو مراسمُ الزواجِ الأرثوذكسيّةِ منْ أيِّ إعلانٍ عن الرضى بالزواجِ منْ قبلِ العروسينِ وما يستتبعُه ذلكَ منْ خلوِّ المراسمِ منْ أيّةِ صيغةٍ محدَّدةٍ للاحتفالِ الطقسيِّ. وينصُّ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للسريانِ الأرثوذكسِ في المادّةِ 20 منهُ على أنْ " يجرى عقدُ الزواجِ بحفلةٍ علانيّةٍ..." والمادّةُ 39 منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للأرمنِ الأرثوذكسِ تنصُّ على إقامةِ الإكليلِ في الكنيسةِ.
ب- المناداةُ أوِ الطابعُ العلنيُّ
يُستدلُّ تاريخيّاً على الطابعِ العلنيِّ للزواجِ منذُ لحظةِ انعقادِ الزواجِ في القدَّاسِ الإلهيِّ بحضورِ الجماعةِ المسيحيّةِ كلِّها. ويُستدلُّ عليهِ أيضاً منْ ضرورةِ وجودِ شاهدينِ 90 على الزواجِ هما الإشبينانِ أوْ بحسبِ بعضِ القوانينِ وجودُ اثنينِ على الأقلِّ عدا الزوجينِ والإشبينينِ 91. وفي الفكرِ اللاهوتيِّ الشرقيِّ، يُعتبرُ الإشبينانِ كما العرّابانِ في سرِّ المعموديّةِ، كفلاءُ حُسْنِ العيشِ في هذا الرباطِ أمامَ اللهِ.
وعليهِ، تدحضُ العلانيّةُ فكرةَ الزواجِ السرّيِّ، ومنَ الإجراءاتِ الداعمةِ لمبدأِ العلانيّةِ، كانتْ فكرةُ "المناداةِ 92" قبلَ الزواجِ لإعلامِ الجميعِ باقترابِ موعدِ الزفافِ، أقلُّه قبلَ موعدِ الزواجِ 93 بثلاثِ آحادٍ أوْ ثلاثةِ أيّامٍ 94. ولِيُعلنَ مَنْ عندَه سببٌ مبطلٌ للعقدِ أمامَ السلطةِ الكنسيّةِ. وهذا ما حُدّدَ منذُ مجمعِ لاتران Latran الرابعِ 95 عامَ 1215، إذْ نصَّ في الفصلِ (51) تحتَ عنوانِ منعِ الزواجاتِ السرّيّةِ ما يلي: " في اقتفاءٍ لآثارِ أسلافِنا، نمنعُ منعاً قاطعاً الزواجاتِ السرّيّةِ، كما يُمنعُ أيُّ كاهنٍ منْ حضورِ مثلِ هذهِ الزواجاتِ. ولهذا، فإنَّنا نمدُّ عادةً اختصَّتْ بها بعضُ الأمكنةِ إلى الأمكنةِ الأخرى جميعِها، ونُقرُّ بأنْ يُعلنَ الكهنةُ في الكنائسِ الزواجاتِ المنويِّ عقدُها في مهلةٍ موافقةٍ ومحدَّدةٍ، يتمكَّنُ فيها الراغبُ والقادرُ أنْ يكشفَ أيَّ عائقٍ شرعيٍ. وعلى الكهنةِ أنفسِهم أنْ يتحرّوا أيَّ مانعٍ منْ شأنِه أنْ يقفَ في وجهِ الزواجِ".
فإنْ طلَّقها فلا تحلُّ لهُ منْ بعْدُ حتَّىٰ تنْكحَ زوْجاً غيْرهُ فإنْ طلَّقها فلا جُناحَ عليهما أنْ يتراجَعا إنْ ظنَّا أنْ يُقيما حُدُودَ اللََّّهِ وتلْكَ حُدُودُ اللََّّهِ يُبيّنُها لقوْمٍ يعْلمُونَ (البقرة: 230). هنا عبارةُ تنكحُ تعني الوطءَ. أمّا في كتابِ السنّةِ، فالحديثُ عنْ أبي عبّاس "وُلِدْتُ منْ نكاحٍ لا منْ سفاحٍ".9697
اهتمَّ الإسلامُ بالزواجِ واعتبرَه منْ ضمنِ بابِ المعاملاتِ، وإنْ جرى البعضُ حديثاً على اعتبارِه منَ العباداتِ98 فالمعاملاتُ هيَ منْ فقهِ العلاقاتِ البشريّةِ التي تتغيَّرُ بتغيّرِ الظروفِ والأسبابِ، وإنِ استمدَّتْ منَ الشريعةِ خطوطَها الأساسيّةَ. أمّا العباداتُ فهيَ العلاقةُ باللهِ وهيَ ثابتةٌ لا تتغيّرُ. بكلِّ حالٍ، الزواجُ يدخلُ في الأحوالِ الشخصيّةِ التي أحاطَها القرآنُ بمجموعةٍ منَ الواجباتِ والمستحبّاتِ والمحرَّماتِ والمكروهاتِ، وكلُّ ما يُحاكُ حولَ الزواجِ منْ حقوقٍ وواجباتِ إنّما يدخلُ في الإسلامِ ضمنَ فقهِ الاجتماعِ الزوجيِّ العامِّ99. ويُعْتَبَرُ الامتناعُ عنَ الزواجِ مبغوضاً للخالقِ.
في سورةِ الذارياتِ في القرآنِ، (الآية 49) نجدُ مفهومَ الثنائيّةِ كقاعدةٍ تحكمُ العلاقاتِ. ﴿ ومنْ كُلِّ شيءٍ خلقْنا زوْجيْنِ لعلَّكُمْ تذكَّرُونَ ﴾ (الذاريات: 49) أيْ إنَّ قاعدةَ الثنائيّةِ تحثُّ على الزواجِ بديهيّاً. وفي سورةِ القاف أيضاً ﴿ والأرْضَ ممددْناها وألْقيْنا فيها رواسيَ وأنبتْنا فيها منْ كُلِّ زوْجٍ بهيجٍ ﴾ (القاف: 7).
وفي سورةِ الرومِ الآية (الآية 21)، نجدُ التعريفَ الأشهرَ للزواجِ عندَ الكتّابِ المسلمينَ المعاصرينَ100، إذْ تنصُّ على ﴿ ومنْ آياتِهِ أنْ خلقَ لكُم مّنْ أنفُسكُمْ أزْواجاً لّتسْكُنُوا إليْها وجعلَ بيْنكُم مَّودَّةً ورحْمةً إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لّقوْمٍ يتفكَّرُونَ ﴾ (الروم: 21) فالمودّةُ والرحمةُ هما المصدرانِ اللَّذانِ يقومُ عليهما مفهومُ الزواجِ، وهما يشكّلانِ بطبيعتِهما مصدرينِ أبديينِ غيرِ محدَّدينِ، ويصلحانِ للاستنباطِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ. كما يمكنُ الإضافةُ إليهما عاملَ المعروفِ إذْ ذُكِرَ في سورةِ النساء (الآية 19) ﴿ وعاشرُوهُنَّ بالْمعْرُوفِ ﴾. ويستوعبُ مفهومُ المعروفِ الكثيرَ منَ العاداتِ الاجتماعيّةِ والتبدّلاتِ الثقافيّةِ. إلّا أنَّه ولأهمّيّةِ موضوعِ الزواجِ، أتى القرآنُ على تفاصيلَ كثيرةٍ تُحْكِمُ الرباطَ الزوجيَّ معَ كلِّ ما يتفرَّعُ عنهُ منْ آثارٍ بتدقيقٍ كبيرٍ. ونجدُ أيضاً في سورةِ الحُجُرات (الآية 13): ﴿ يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقْناكُم مّن ذكرٍ وأُنثىٰ وجعلْناكُمْ شُعُوباً وقبائلَ لتعارفُوا إنَّ أكْرمكُمْ عندَ اللََّّه أتقاكُمْ إنَّ اللََّّه عليمٌ خبيرٌ ﴾ (الحُجُرات: 13).
وذكرَ القرآنُ الزواجَ في أمكنةٍ عدّةٍ وبعدّةِ جوانبَ لهُ، فهو عمليّةٌ جنسيّةٌ بَحْتةٌ. وأيضاً يُعْتَبَرُ المتزوّجُ مكمّلاً لنصفِ دينِه. منَ الآياتِ الشهيرةِ التي تذكرُ الزواجَ على أنَّه عمليّةُ نكاحٍ، وتسمحُ بقاعدةِ تعدّدِ الزوجاتِ الآيةُ الثالثةُ الواردةُ في سورةِ النساء: ﴿ وإنْ خفْتُمْ ألَّا تُقْسطُوا في الْيتامىٰ فانْكحُوا ما طابَ لكُمْ مّنَ النّساءِ مثْنىٰ وثُلاثَ ورُباعَ فإنْ خفْتُمْ ألَّا تعْدِلُوا فواحدةً أوْ ما ملكتْ أيْمانُكُمْ ذلكَ أدْنىٰ ألَّا تعُولُوا ﴾ (النساء: 3).
تعرَّضَ الفقهاءُ المسلمونَ المعاصرونَ لأسبابٍ أخرى في الزواجِ، منْها إنجابُ الأطفالِ والتعاونُ بينَ الزوجينِ. السيّدُ محمّد حسين فضل الله يُعَنْوِنُ أحدَ فصولِ كتابِه عنِ الزواجِ بـ: "الرباط المقدَّس"101 وهذا العنوانُ يهدفُ إلى مقاربةٍ لصيقةٍ أكثرَ للعصرِ الذي نحيا فيهِ اليومَ.
يرفضُ الإسلامُ منطقَ الرهبنةِ، أيِ البتوليّةَ الطوعيّةَ استناداً إلى الآية (27) منْ سورةِ الحديدِ ﴿ورهبانيّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾102 (الحديد: 27). ويقولُ البعضُ إنَّ الإسلامَ بينَ الفجورِ والانقطاعِ عنِ الزواجِ، إلّا في حالةِ العجزِ الجنسيِّ، ويعدّهما منَ المعاصي لإرادةِ اللهِ. غيرَ أنَّ الإسلامَ لا يشترطُ لعقدِه وجودَ رجلِ دينٍ، أوْ طقسٍ محدَّدٍ، أوْ مكانٍ محدَّدٍ لإتمامِ طقسِ الزواجِ. وإنّما يتّفقُ المسلمونَ سنّةً وشيعةً على ضرورةِ استعمالِ صيغةٍ محدَّدةٍ للقولِ بصحّتِه. ولقدْ رأى بعضُ الفقهاءِ في هذا الزواجِ، بمعنىً منَ المعاني، عقداً مدنيّاً كاملاً.
ولمْ يعرفِ الإسلامُ مفهومَ العزوبيّةِ كطريقةِ حياةٍ قائمةٍ بذاتِها، وإنّما اتَّخذَ الزواجَ منهجاً للحياةِ. فالزواجُ يحقّقُ استمرارَ الخلافةِ على الأرضِ، وهيَ أحدُ مقاصدِ اللهِ في الإنسانِ، وهيَ فطريّةُ المنشأِ. منْ هنا تمَّ تحريمُ العزوبيّةِ (إلّا لأسبابٍ خاصّةٍ) والتشجيعُ على التزاوجِ لِمَنْ كانَ قادراً عليهِ. ويُروى عنْ عائشةَ الحديثُ الصحيحُ عنِ الرسولِ بقولِه: "ومَنْ كانَ لهُ ما يتزوَّجُ بهِ ولمْ يتزوَّجْ فليسَ منّا"103 والشائعُ اعتبارُ فعلِ الزواجِ في الإسلامِ يوازي نصفَ الالتزامِ الدينيِّ.
ولكيْ نفهمَ واقعَ المرأةِ في الإسلامِ، علينا العودةُ إلى الفترةِ التي عاشتْ فيها المرأةُ قبلَ الإسلامِ، وهوَ وضعٌ إذا ما قسناهُ بمقياسِ اليومِ لا تُحسدُ عليهِ. فقدْ كانتِ المرأةُ غيرَ متمتّعةٍ بأيٍّ حقٍّ اجتماعيٍّ أوْ سياسيٍّ أوْ دينيٍّ. وكانَ زواجُ المرأةِ يقومُ على إرادةِ القبيلةِ فقطْ، وفي الجاهليّةِ كانتْ عادةُ مقايضةِ المرأةِ معروفةً وتمَّ النهيُ عنها في الإسلامِ، هذا دونَ ذكرِ عادةِ وأدِ الفتاةِ وهيَ حيّةٌ104.
وزَّعَ الإسلامُ الأعباءَ العائليّةَ أوِ الالتزاماتِ بينَ الزوجِ والزوجةِ بحسبِ إمكانيّةِ كلٍّ منهما. فللزوجِ الحقُّ بالجماعِ الجنسيِّ باستثناءِ فترةِ الحيضِ، وللزوّجةِ الحقُّ بالمطالبةِ بالمصاريفِ المنزليّةِ وبالحياةِ الجنسيّةِ. واليومَ، ينظّمُ الإسلامُ الزواجَ، ويجعلُ منْ فكرةِ إشهارِ عقدِ الزواجِ القاعدةَ، وينصُّ على شكليهِ الشفويِّ والخطيِّ بحضورِ شاهدينِ ومأذونٍ لإتمامِ عقدِ الزواجِ، وبحضورِ الوليِّ رمزاً لموافقةِ العائلةِ على التزويجِ.
تاريخُ عقدِ الزواجِ الإسلاميِّ
كانَ الزواجُ في الجاهليّةِ عندَ العربِ هوَ الأصلَ. وكانَ يُسمّى بزواجِ البعولةِ. وينشأُ بالخطبةِ والعقدِ والمهرِ. وقدْ أقرَّه الإسلامُ، ودعاهُ الزواجَ الشرعيَّ. لكنْ وُجِدَتْ في المقابلِ، أنكحةٌ أخرى رفضَها الإسلامُ105. ومنْها الاستبضاعُ، فالرجلُ في الجاهليّةِ الذي كانَ يريدُ أنْ يكونَ لهُ فتىً نجيباً وشجاعاً، يطلبُ منْ زوجتِه أنْ تذهبَ إلى مَنْ يتّصفُ بهذهِ الصفاتِ فتستبضعَه. فإذا حملتْ منهُ، اعتزلَها زوجُها حتّى تلدَ ولدَها منْ ذاكَ الرجلِ. فإذا ولدتْ نُسِبَ الولدُ إلى زوجِها106. ومنْها أيضاً، المضامدةُ، وهيَ معاشرةُ الفقيرةِ لغيرِ زوجِها الذي يدفعُ بامرأتِه في زمنِ القحطِ إلى مضامدةِ رجلٍ غنيٍّ. تحبسُ نفسَها عندَه، حتّى إذا غنيَتْ بالمالِ والطعامِ عادتْ إلى زوجِها107. ومنْها أيضاً، المُخادنةُ، وهيَ في اللغةِ المصاحبةُ. وكانتْ تُطلقُ في الجاهليّةِ على معاشرةِ رهطٍ منَ الرجالِ لامرأةٍ واحدةٍ. فإذا حملتْ ووضعتْ حَمْلَها، أرسلتْ إلى الرجالِ، ولا يستطيعُ واحدٌ منهم أنْ يمتنعَ. فتقولُ لهم: "قدْ عرفتمْ ما كانَ منْ أمري، وقدْ ولدتُ، فهو ابنُك يا فلان." فتقولُ فتقولُ لهم: "قدْ عرفتمْ ما كانَ منْ أمري، وقدْ ولدتُ، فهو ابنُك يا فلان." فتسمّي مَنْ أحبَّتْ باسمِه108.