|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

المبحثُ الثالثُ: الزواجُ في الإسلامِ

معَ بدايةِ انطلاقةِ الإسلامِ لمْ يكنْ للزواجِ أيُّ إطارٍ محدَّدٍ سوى النصارى واليهود109. فكانَ الزواجُ أهليّاً دونَ ضرورةٍ لوجودِ هيئةٍ دينيّةٍ أوْ قواعدَ ناظمةٍ لهُ فكانَ مدنيّاً110 بامتيازٍ لجهةِ ابتعادِه عنِ القواعدِ الدينيّةِ والتصاقِه بالقواعدِ والأعرافِ الاجتماعيّةِ. أمّا اليومَ في الشريعةِ، فهو عقدٌ مدنيٌ ذو طابعٍ علنيٍّ، وهو عقدٌ رسميٌ يُسجَّلُ في سجلاّتِ المحكمةِ، في جميعِ الدولِ الإسلاميّةِ111.

وقدْ تمَّ اليومَ، في أغلبِ البلدانِ العربيّةِ تجاوزُ قانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ، الذي كانَ يرعى النظمَ القانونيّةَ للزواجِ. ففي سوريا منذُ 1953؛ وفي مصرَ بشكلٍ جزئيٍ منذُ 1936؛ أمّا في لبنانَ فما زالَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ الخاصُّ بالطائفةِ السنّيّةِ يتبعُ ما صدرَ عنِ السلطنةِ العثمانيّةِ في آخرِ إصداراتِها كقانونٍ يتعلَّقُ بحقوقِ العائلةِ، ومنْ ضمنِها بابُ عقدِ النكاحِ. أمّا الطائفةُ الجعفريّةُ، فقدْ شرَّعَتْ لها قانوناً خاصّاً بها، يطبّقُ قانونَ حقوقِ العائلةِ العثمانيَّ في كلِّ ما لا يتعارضُ معَ أحكامِ أحوالِها الشخصيّةِ112. أمّا القانونُ العثمانيُّ، فقدِ اعتمدَ جملةً منَ المصادرِ113 وأهمّها مذهبُ أبي حنيفةَ، وبعضاً ممّا استقرَّ عليهِ الرأيُ منَ المذاهبِ الثلاثِ الأخرى. والأهمُّ أنَّه أخذَ بالعاداتِ والأعرافِ المستجدّةِ التي اختلفتْ بطبيعةِ الأمورِ عمّا وصلتْ إليهِ العلومُ في زمنٍ ما سابقاً، فكانَ لا بدَّ منْ تجميعِ هذهِ المصادرِ وسكبِها في نصٍّ موحَّدٍ يسهّلُ بالضرورةِ الوصولَ إلى الأحكامِ المناسبةِ لا يخلقُ بينها تناقضاتٍ واسعةً.

وفي تركيا114 التي بالرغمِ منَ المنحى العلمانيِّ في الجمهوريّةِ الحديثةِ الذي أقرَّه واعتمدَه مصطفى أتاتورك عام 1926 م حيثُ عدَّلَ الدستورَ، وألغى كلَّ النصوصِ المتعلّقةِ بالدينِ الإسلاميِّ، ونقلَ سلطةَ المحاكمِ الشرعيّةِ إلى اختصاصِ المحاكمِ المدنيّةِ، إلّا أنَّ تركيا اليومَ ومنذُ عام 2017 أجازتْ لرجلِ الدينِ التابعِ لرئاسةِ الشؤونِ الدينيّةِ، وهيَ مؤسَّسةٌ مرتبطةٌ بالحكومةِ التركيّةِ وتطالُ أتباعَ المذهبِ السنّيِّ منَ الإسلامِ حصراً، أجازتْ عقدَ القرآنِ، بعدَ أنْ كانَ يتمُّ حصريّاً عبرَ موظَّفٍ مدنيٍ، كرئيسِ البلديّةِ والمختارِ ورؤساءِ البعثاتِ الدبلوماسيّةِ.

وفي تونس، تمَّ توحيدُ القضاءِ عقبَ استقلالِها عام 1956، وأصبحَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ المدنيُّ يطبّقُ على جميعِ المواطنينَ دونَ استثناءٍ، ويُقدَّمُ إلى المجتمعِ كنوعٍ جديدٍ منْ إعادةِ قراءةٍ للشريعةِ الإسلاميّةِ، يمنعُ تعدّدَ الزوجاتِ، ويشترطُ الطلاقَ قضائيّاً، ويساوي بينَ المرأةِ والرجلِ. إلّا أنَّ تعديلاً حصلَ بصدورِ مرسومِ 1970 م حيثُ مُنِعَتِ المسلمةُ منَ الزواجِ منْ غيرِ المسلمِ، كما مُنِعَ الموظَّفونَ أيضاً منْ تسجيلِ هذهِ الحالةِ الأخيرةِ، وإنْ عُقِدَتْ خارجَ تونس115.

في إمارةِ أبو ظبي، صدرَ حديثاً، بتاريخ 7 تشرين الثاني 2021 قانونٌ جديدٌ للأحوالِ الشخصيّةِ لغيرِ المسلمينَ، حيثُ يتمُّ زواجُهم بالعقدِ المدنيِّ أمامَ موظَّفٍ رسميٍ، وتُحَلُّ خلافاتُهم أمامَ محاكمَ مدنيّةِ تأخذُ بمعاييرَ دوليّةٍ، بحيثُ يتمُّ الطلاقُ بحكمِ محكمةٍ، وتُفرضُ الحضانةُ المشتركةُ أيْ مناصفةً بينَ الزوجِ والزوجةِ، أمّا الميراثُ فليسَ فيهِ أيُّ نسبةٍ محفوظةٍ لأحدٍ منَ الأقاربِ.

وفي إيرانَ، يُفضَّلُ استعمالُ الزواجِ المؤقَّتِ كمرحلةٍ أولى تحلُّ مكانَ الخطبةِ. فإذا اتَّفقَ "الزوجانِ" يتمُّ تحويلُ الزواجِ المؤقَّتِ إلى زواجٍ دائمٍ. وينعقدُ الزواجُ أمامَ موظَّفٍ رسميٍ هوَ "قاضٍ" في المحكمةِ المدنيّةِ، وتتضمَّنُ ورقةُ الزواجِ خمسةَ عشرَ شرطاً تُضافُ إلى متنِ عقدِ الزواجِ، تستطيعُ المرأةُ طلبَها كشرطٍ لعدمِ زواجِ رجلِها منْ امرأةٍ أخرى إلّا بعدَ إذنِها (كزوجةٍ أولى). وتهدفُ هذهِ الشروطُ إلى المحافظةِ على الشريعةِ الإسلاميّةِ، فلا يتَّفقُ الزوجانِ بِمَا يُخالفُها كشرطِ عدمِ الزواجِ منْ امرأةٍ ثانيةٍ بالمطلقِ.

ثانياً، أنواعُ عقودِ الزواجِ

يعرفُ الإسلامُ عدّةَ أنواعٍ منْ عقودِ الزواجِ، وكلُّ عقدٍ ينفردُ بتسميةٍ خاصّةٍ، وبشروطٍ خاصّةٍ مميّزةٍ لهُ عنْ باقي العقودِ. وفي غالبِ الأحيانِ، يُنظرُ إلى هذا التنوّعِ في شروطِ عقدِ الزواجِ على أنَّه منْ بابِ التسامحِ واحترامِ التنوّعِ. ففي الإسلامِ، الدينُ يُسرٌ وليسَ عُسراً، ويجبُ سدُّ الذرائعِ، حتّى لا يقعَ الإنسانُ في الزنى. أمّا طائفةُ الموحّدينَ الدروزِ، فلا تعترفُ بأيٍّ نوعٍ منْ عقودِ الزواجِ سوى العقدِ المحدَّدِ قانوناً لديها، ولأيِّ سببٍ اجتماعيّاً كانَ أوِ اقتصاديّاً أوْ سياسيّاً.

والأصلُ في عقودِ الزواجِ التي تعترفُ المحاكمُ الشرعيّةُ بهِ، هوَ عقدُ الزواجِ الدائمِ الذي يمكنُ تسجيلُه في وثيقةٍ رسميّةٍ منْ سجلِّ المحكمةِ، ويتمُّ بموجبِه تعديلُ الوضعِ الشخصيِّ منْ عازبٍ إلى متزوّجٍ، وتُنقلُ الزوجةُ منْ خانةِ سجلِّ والدِها إلى خانةِ سجلِّ العريسِ لدى دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ اللبنانيّةِ.

وقدْ عرفَ عقدُ الزواجِ تطوّراً ملحوظاً مقارنةً بِمَا كانتْ عليهِ الحالُ قبلَ الإسلامِ وفي عصرِ صدرِ الإسلامِ، حيثُ كانتَ بعضُ عقودِ الزواجِ تتمُّ مشافهةً، فيما دُوّنَ بعضٌ آخرُ على ورقِ البردى في نهايةِ القرنِ التاسعِ ميلاديّ. وبينَ ما جرتْ عليهِ العادةُ في مصرَ في القرنِ الحادي عشرَ ميلاديّ116، وما هوَ معروفٌ اليومَ في العصرِ الحديثِ، حافظَ ركنُ الإيجابِ والقبولِ على مركزيّتِه، ولكنِ اختلفتْ أهمّيّةُ الشهودِ أوْ دورُ الوكيلِ.

ويحتمَلُ تعدّدُ أنواعِ عقودِ الزواجِ عبرَ مسمّياتٍ متعدّدةٍ، فوارقَ في الشروطِ والتبعاتِ، وهوَ أمرٌ واقعٌ في الإسلامِ. وهذا النمطُ منَ التفكيرِ بأنْ تنظّمَ المؤسَّسةُ الدينيّةُ إطاراً ليسَ معهوداً لدرءِ واقعٍ معيَّنٍ، إنّما يشيرُ إلى مدى رحابةِ صدرِ الإسلامِ في مقاربةِ المشاكلِ المستجدّةِ على المجتمعِ.

أ- عقدُ المسيارِ

المسْيار117 في اللغةِ العربيّةِ، صيغةُ مبالغةٍ على وزنِ مِفعالٍ، فتقولُ رجلٌ مسيارٌ، أيْ كثيرُ السيرِ. وسُمّيَ بهِ الرجلُ المتزوّجُ بهذا النوعِ منَ الزواجِ، لأنَّه يسيرُ إلى زوجتِه في أيِّ وقتٍ يشاءُ، ولا يُطيلُ المكوثَ عندَها، ولا يبيتُ. ويذهبُ البعضُ إلى أنَّ كلمةَ مسيارٍ، كلمةٌ عاميّةٌ تُسْتَعْمَلُ في إقليمِ نجدٍ بالمملكةِ العربيّةِ السعوديّةِ، بمعنى الزيارةِ النهاريّةِ. وأُطلِقَ هذا الوصفُ على هذا النوعِ منَ الزواجِ، لأنَّ الرجلَ يذهبُ إلى زوجتِه غالباً في زياراتٍ نهاريّةٍ شبيهةٍ بِمَا يكونُ في زياراتِ الجيرانِ.

والمسيارُ هوَ منْ عقودِ الزواجِ التي تطلبُ جميعَ الشروطِ المعروفةِ بعقدِ الزواجِ، ولكنْ يُعفى فيها الرجلُ منْ تأمينِ السكنِ، إذْ هوَ الذي ينتقلُ إلى الحياةِ معَ زوجتِه، وعادةً ما تكونُ هذهِ الزوجةُ هيَ الزوجةُ الثانيةُ بحيثُ تخفُّ نفقةُ الرجلِ عليها.

وليسَ لهذا الزواجِ أصلٌ في الفقهِ الإسلاميِّ، بلْ هوَ مأخوذٌ منَ الواقعِ، ولمْ يذكرْه الفقهاءُ القدامى. ولذا، فإنَّ العلماءَ يجتهدونَ في توصيفِه. يقولُ الشيخُ يوسفُ القرضاوي في دفاعِه عنِ القبولِ بهذا النوعِ منَ عقودِ الزواجِ، بالأخذِ بضروراتِ الحياةِ المستجدّةِ، وبالتطوّرِ الاجتماعيِّ، وبقاعدةٍ فقهيّةٍ "ما لا يُدْرَكُ كلُّه لا يُتْرَكُ جُلُّه". إنَّه زواجٌ شرعيٌ يتميّزُ عنِ الزواجِ العاديِّ، بأنَّ الزوجةَ تتنازلُ فيهِ عنْ بعضِ حقوقِها، كأنْ لا تطالبَه بالنفقةِ، ولا بالمبيتِ الليليِّ إنْ كانَ متزوّجاً بغيرِها، كما هيَ حالُ المذهبِ الإسلاميّةِ. ويكونُ زواجُ المسيارِ غالباً، هوَ الزواجُ الثاني أوِ الثالثُ، وهوَ نوعٌ في تعدّدِ الزوجاتِ. وأبرزُ ما فيهِ أنّها تتنازلُ بإرادةٍ تامّةٍ واختيارٍ ورضا عنْ بعضِ حقوقِها.

ويقولُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيع: إنَّه زواجٌ مستكملٌ لجميعِ أركانِه وشروطِه. فهو يتضمَّنُ إيجاباً وقبولاً بينَ طرفيِ العقدِ. وشروطَه المعروفةَ منْ رضا الطرفينِ والولايةِ والشهادةِ والكفاءةِ بينَ الزوجينِ. وفيهِ المهرُ المتّفقُ عليهِ. وكما هوَ حالُ الزواجِ العاديِّ، لا يصحُّ زواجُ المسيارِ إلّا بانتفاءِ الموانعِ الشرعيّةِ. وبعدَ إتمامِ العقدِ، يثبتُ لطرفيهِ جميعُ الحقوقِ المترتّبةِ على العقدِ منْ حيثُ النسلِ والميراثِ، والعدّةِ، والطلاقِ، واستباحةِ الجماعِ، والسكنِ، والنفقةِ. إلّا أنَّ الزوجينِ ارتضيا واتَّفقا على ألّا يكونَ للزوجةِ حقٌّ في المبيتِ أوِ القسْمِ (تقاسم المبيت بين الزوجات). والأمرُ راجعٌ للزوجِ متى رغبَ بزيارةِ زوجتِه في أيِّ ساعةٍ منْ ساعاتِ الليلِ118.

يُكتبُ عقدُ المسْيار ويُوثَّقُ على أنَّه زواجٌ عاديٌ منْ دونِ أيِّ شروطٍ فيهِ. وما كانَ بينهما منْ شروطٍ يكونُ على التراضي بينهما. وبهذا تُحفظُ حقوقُ الأولادِ والزوجةِ119.

انتشرَ هذا النوعُ أوّلاً في منطقةِ القصيمِ بالمملكةِ العربيّةِ السعوديّةِ، ثمَّ انتشرَ في المنطقةِ الوسطى. وكانتْ لهُ صورٌ مشابهةٌ قبلَ عقودٍ. وكانوا يسمّونَه سابقاً، الزواجَ السرّيَّ، وزواجَ الملفا (كان التاجر يتزوّج في مكان سفره)، وزواجَ الخميسِ (حين كان يذهب إلى زوجته أيّام الخميس)120.

ومنْ أهمِّ الأسبابِ وراءَ ظهورِ هذا النوعِ منَ الزواجِ، وجودُ عددٍ كبيرٍ منَ النساءِ اللواتي بلغنَ سنَّ الزواجِ ولمْ يتزوَّجن بعدُ، أوْ تزوَّجن وفارقَهُنَّ الأزواجُ لموتٍ أوْ طلاقٍ. كما أنَّ كثيراً منَ النساءِ يرفضنَ تعدّدَ الزوجاتِ، فيلجأُ الرجالُ إلى زواجِ المسيارِ121.

لكنِ اختلفَ الفقهاءُ المعاصرونَ في حُكْمِ زواجِ المسيارِ على ثلاثةِ أقوالٍ:

القولُ الأوّلُ: الإباحةُ معَ الكراهةِ أحياناً

لأنَّه يفتقرُ إلى ما يتميّزُ بهِ الزواجُ العاديُّ منَ السَّكنِ النفسيِّ، والإشرافِ على الأهلِ والأولادِ، ورعايةِ الأسرةِ، وهوَ ممّا يتنافى معَ مقاصدِ الشريعةِ. كما اعتبرَه بعضُ الفقهاءِ مهيناً لكرامةِ المرأةِ وإنِ ارتضتْ هذا النوعَ منَ العقودِ122.

القولُ الثاني: التحريمُ

ومَنْ قالَ بالتحريمِ استندَ إلى أنَّ زواجُ المسيارِ يتنافى معَ مقاصدِ الزواجِ الشرعيّةِ. وحرَّمَه بعضُهم منْ بابِ سدِّ الذرائعِ، لأنَّ كلَّ ما أدّى إلى حرامٍ فهو حرامٌ. وإنَّ النتائجَ الضارّةَ لزواجِ المسيارِ متوقَّعٌ حدوثُها عادةً، وليستْ منَ الأمورِ الطارئةِ أوِ النادرةِ. ولأنَّ الزوجَ يتخفَّفُ منْ مسؤوليّاتِه كزوجٍ، ويصبحُ الزواجُ لقضاءِ الحاجةِ الجنسيّةِ وحسبْ، تحتَ مظلّةٍ شرعيّةٍ123.

القولُ الثالثُ: التوقّفُ في إصدارِ حُكْمِ الإباحةِ أوِ التحريمِ

والفقهاءُ الذينَ توقَّفوا عنْ إصدارِ حُكْمٍ شرعيٍ في زواجِ المسيارِ، لمْ يظهرْ لهم كُنْهُهُ حتّى يرجّحوا أيّاً منَ الحُكْمَيْنِ عليهِ، ولا بدَّ منْ دراسةِ تفاصيلِه وحيثيّاتِه قبلَ ذلكَ124.

ب- العقدُ المؤقَّتُ أوْ زواجُ المتعةِ

اشتهرَ هذا النوعُ منَ العقودِ لدى الرجالِ البعيدينَ عنْ أوطانِهم بحالِ السفرِ أوِ الحربِ، حتّى لا يقعوا في حالةِ زنىً. ومنْ عناصرِ الزواجِ الشرعيِّ، أنْ يكونَ الزواجُ غيرَ محدَّدٍ بمدّةٍ، ويُقْصدُ عادةً بالزواجِ الاستمرارُ طبعاً منْ دونِ تحديدِ أجلٍ مسبقٍ. ولكنْ بوجودِ هذا النوعِ منَ العقودِ، إنّما يُقصدُ بهِ الزواجُ لمدّةٍ محدَّدةٍ قدْ تكونُ ساعةً أوْ سنةً، ويرفضُ السنّةُ هذا العقدَ بينما يقبلُه الشيعةُ. وعندما يحلُّ الأجلُ المتّفقُ عليهِ فإنَّ العقدَ ينحلُّ حُكماً دونَ الحاجةِ إلى طلاقٍ ولا يلتزمُ الزوجُ بمسكنٍ أوْ بنفقةٍ بعدَ الطلاقِ، وإنّما عليهِ فقطْ دفعُ المهرِ. وهذا النوعُ منَ العقودِ لا يقيمُ أيَّ وزنٍ لحقوقِ المرأةِ وهوَ ممقوتٌ في معظمِ الأحوالِ، ولا يُسجَّلُ في المحكمةِ الشرعيّةِ، إلّا إذا تنازلَ الرجلُ عنِ المدّةِ، ومنْ ثمَّ تمَّ عقدُ زواجٍ دائمٍ.

وزواجُ المتعةِ، هوَ الزواجُ المحدَّدُ الأجلِ لقاءَ بدلٍ يُدفعُ، وينتهي بانتهاءِ أجلِه حُكماً، دونَ الحاجةِ إلى طلاقٍ أوْ دفعِ نفقةٍ. وزواجُ المتعةِ منْ أكثرِ المسائلِ الفقهيّةِ اختلافاً بالرأيِ بينَ المذهبِ السنّيِّ الرافضِ لهُ، والمذهبِ الجعفريِّ الموافقِ عليهِ، والذي يعتبرُه الإمامُ موسى الصدرُ حلاً شرعيّاً لمنعِ انحلالِ الأخلاقِ125 وأيضاً حلاً عمليّاً للحؤولِ دونَ اللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ.

وقدْ حُلِّ لَ زواجُ المتعةِ بالآية (24) منْ سورةِ النساء: ﴿حُرِّ مَتْ عَليْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وبَناتُكُمْ وأخَواتُكُمْ وعَمَّاتُكُمْ وخالاتُكُمْ وبَناتُ الْأخِ وبَناتُ الْأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتي أرْضَعْنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِّنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ورَبائِبُكُمُ اللَّاتي في حُجُورِكُمْ مِّن نِّسائِكُمُ اللَّاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَليْكُمْ وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿ ٢٣ ﴾ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَليْكُمْ وأُحِلَّ لَكُم مَّا وَراءَ ذلِكُمْ أن تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَليْكُمْ فِيما تَراضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكِيماً﴾ (النساء: 23 - 24).

زواجُ المتعةِ منَ المسائلِ الفقهيّةِ التي احتملتْ جدلاً واسعاً، فقدْ وُجدَ هذا النوعُ منَ العقودِ وأُبيحَ أكثرَ منْ مرّةٍ، وتمَّ تحريمُه أيضاً أكثرَ منْ مرّةٍ. والملفتُ هوَ السببُ الموجبُ الكامنُ وراءَ تحليلِه، وهوَ الظرفُ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ الخاصُّ. ومنْ تلكَ الأسبابِ، وقوعُ الغزوِ126 البعيدِ أوِ السفرِ الطويلِ. ويُعْتَبَرُ زواجاً كاملاً بفارقِ التوقيتِ، إذْ هوَ محدَّدٌ لأجلٍ معيَّنٍ مسبقاً منَ الناحيةِ الشرعيّةِ لا منَ الناحيةِ الرسميّةِ.

- الزواجُ العُرفيُّ

هوَ منسوبٌ إلى العُرفِ، والعُرفُ في لغةِ العربِ هوَ العلمُ، والتعريفُ هوَ الإعلامُ. أمّا في المصطلحِ، فقدْ عرَّفَه الدكتورُ عبدُ الفتّاح عمرو بأنَّه "عقدٌ مستكملٌ شروطَه الشرعيّةِ، إلّا أنَّه لمْ يُوَثَّقْ أيٌ منهُ بدونِ وثيقةٍ رسميّةٍ كانتْ". وسُمّيَ هذا الزواجُ بـ "العُرفيِّ" أيضاً، لأنَّ المسلمينَ تعارفوا عليهِ منذُ عهدِ الرسولِ وصحابتِه، ولمْ يهتمّوا في تلكَ الأيّامِ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ في مؤسَّساتٍ تابعةٍ للدولةِ، ولمْ يجدوا حرجاً في ذلكَ127.

وقدْ بدأتْ كتابةُ العقودِ، عندما راحَ المسلمونَ يؤخّرونَ دفعَ المهورِ أوْ شيئاً منها للزوجةِ. وأصبحَتْ هذهِ الوثائقُ التي يُدَوَّنُ فيها المَهْرُ المؤخَّرُ أحياناً وثيقةً لإثباتِ الزواجِ نفسِه128. فالزواجُ العرفيُّ لا يختلفُ عنِ الزواجِ الرسميِّ إلّا منْ حيثُ التوثيقِ الرسميِّ في الدوائرِ المختصّةِ. في المقابلِ، لا يجبُ شرعاً تسجيلُ عقدِ الزواجِ، ويكفي أنْ يستكملَ الشروطَ129. والفارقُ هنا، أنَّ الزواجَ المسجَّلَ رسميّاً، ثابتٌ قطعاً، ولا يمكنُ الطعنُ فيهِ وفي نتائجِه. أمّا الزواجُ العرفيُّ، وبسببِ عدمِ تسجيلِه، يقبلُ الطعنَ فيهِ، ويقبلُ الإنكارَ في المحكمةِ الشرعيّةِ130. والإلزامُ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ يندرجُ في بابِ السياسةِ الشرعيّةِ، ويمكنُ لوليِّ الأمرِ (الحاكم) إلزامُ الناسِ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ لِمَا في ذلكَ منْ مصالحَ131.

أمّا أسبابُ اللجوءِ إلى الزواجِ العرفيِّ في الزمنِ الراهنِ فهيَ عديدةٌ، منها القيودُ التي فرضتْها قوانينُ الأحوالِ الشخصيّةِ على الزواجِ، ومنها حقُّ الزوجةِ في طلبِ الطلاقِ في حالةِ زواجِ زوجِها مرّةً ثانيةً، وحقُّ الزوجةِ الثانيةِ طلبِ الطلاقِ إنْ لمْ تكنْ تعلمْ أنَّ زوجَها متزوّجٌ منْ قبلِها، ووجوبُ إعلامِ الزوجةِ الأولى بنيّتِه الزواجَ منْ ثانيةٍ، وإعطاءُ المطلَّقةِ حقَّ الحضانةِ والسكنِ في مسكنِ الزوجيّةِ معَ أطفالِها. ومنها أيضاً الصعوباتُ الماديّةُ منْ غلاءِ المهورِ والمبالغةِ في تكاليفِ الزواجِ، والدراسةِ، وقلّةِ الأجورِ، وعدمِ توافرِ المسكنِ الملائمِ، وضعفِ الوازعِ الدينيِّ، وعدمِ الرغبةِ في التنازلِ عنِ الراتبِ التقاعديِّ للزوجِ المتوفّى132.

- زواجُ السرِّ

زواجُ السرِّ وهوَ ما كُتِمَ أمرُه وخَفِيَ، حينَ يُوصى الشهودُ أثناءَ العقدِ بكتمانِه، أوْ أُوصِيَ غيرُهم بالكتمانِ. ولهُ صورتانِ:

الصورةُ الأولى

أنْ يكونَ الزواجُ بينَ الزوجينِ فقطْ دونَ حضورِ الوليِّ أوِ الشاهدينِ، أوْ بحضورِ الوليِّ دونَ الشاهدينِ، ثمَّ يتواصونَ بكتمانِه. وهذا الزواجُ باطلٌ عندَ عامّةِ الفقهاءِ، لفقدِه شَرْطَيِ الوليِّ والشاهدَيْنِ. أمّا لوْ حضرَ الشاهدانِ ولمْ يحضرِ الوليُّ وتواصوا بكتمانِه عنِ الوليِّ وعامّةِ الناسِ، فهو أيضاً منَ العقدِ الباطلِ.

الصورةُ الثانيةُ

أنْ يتمَّ الزواجُ مستوفياً لأركانِه وشروطِه منَ الإيجابِ والقبولِ والوليِّ والشهودِ. ولكنَّهم اتَّفقوا كلُّهم على كتمانِ الزواجِ عنْ عامّةِ الناسِ أوْ عنْ طائفةٍ منهم. وقدِ انقسمَ الفقهاءُ في حُكْمِهِ إلى رأيينِ:

الأوّلُ

ذهبَ جمهورٌ منَ الفقهاءِ الحنفيّةِ والشافعيّةِ والحنابلةِ إلى أنَّ الزواجَ صحيحٌ معَ الكراهةِ، لأنَّه بوجودِ الشاهدَيْنِ لمْ يعدِ الزواجُ سرّاً.

الثاني

ذهبَ المالكيّةُ إلى أنَّ هذا الزواجَ باطلٌ ويُفْسَخُ، لأنَّ المقصودَ منْ شهادةِ الشهودِ الإعلانُ والإظهارُ، وهوَ شرطٌ لصحّةِ الزواجِ 133.

إنَّ تعدّدَ أنواعِ عقودِ الزواجِ عبرَ مسمّياتٍ متعدّدةٍ يحتملُ فوارقَ في الشروطِ والتبعاتِ، وهوَ أمرٌ واقعٌ في الإسلامِ وهذا النمطُ منَ التفكيرِ بأنْ تُنظّمَ المؤسَّسةُ الدينيّةُ إطاراً ليسَ معهوداً لدرءِ واقعٍ معيَّنٍ، إنّما يشيرُ إلى مدى رحابةِ صدرِ الإسلامِ في مقاربةِ المشاكلِ المستجدّةِ على المجتمعِ.

هـ - الزواجُ بشرطِ الطلاقِ

هذا النوعُ منَ الزواجاتِ موجودٌ في الفقهِ القديمِ، لكنَّه أُثيرَ أخيراً بعدَ كثرةِ الابتعاثِ إلى الخارجِ للدراسةِ. ثمَّ العودةِ إلى البلدانِ الأصليّةِ، أوْ بسببِ الهجرةِ بهدفِ اكتسابِ الجنسيّةِ، وعدمِ الاستقرارِ في بلدٍ واحدٍ لدوافعِ العملِ أوِ التجارةِ، فيتزوَّجُ المسافرُ بنيّةِ تطليقِ زوجتِه عندما يعودُ إلى بلدِه، أوْ عندما يغيّرُ مكانَ إقامتِه. أمّا الموقفُ الفقهيُّ منهُ فهو إباحتُه عموماً، ما دامَ أنَّ نيّةَ الطلاقِ غيرُ منصوصٍ عليها في العقدِ، وإلّا أصبحَ أشبهَ بنكاحِ المتعةِ، أوِ الزواجِ المؤقّتِ. لكنَّ بعضَ الفقهاءِ قالوا بكراهتِه، دونَ أنْ يحرّموهُ.

وصورةُ هذا الزواجِ، هيَ أنَّ الزوجَ يعقدُ الزواجَ على امرأةٍ وهوَ يضمرُ في نفسِه نيّةَ التطليقِ متى تغيّرتْ ظروفُه أوْ مكانُ إقامتِه، دونَ أنْ ينصَّ على ذلكَ صراحةً في العقدِ 134.

- الزواجُ بشرطِ الشَّغارِ

اشتهرَ زواجُ الشَّغارِ في الجاهليّةِ، وهوَ يقومُ على أنْ يُزوِّجَ أحدٌ ابنتَه أوْ أختَه بشرطِ أنْ يُزوِّجَه الآخرُ كذلكَ، وليسَ بينهما صداقٌ. وسُمّيَ بالبَدَلِ أوْ بالشَّغارِ لشغورِه منَ المَهْرِ. وقدْ صحَّحَ العلماءُ هذا النكاحَ بفرضِ مَهْرِ المِثْلِ منَ النساءِ. أمّا ابنُ تيميّةَ فرفضَ الزواجَ إلّا بِمَهْرٍ.

ثالثاً، شروطُ صحّةِ عقدِ الزواجِ الشرعيِّ

اشترطَ الإسلامُ شروطاً عدّةً ليكونَ عقدُ الزواجِ صحيحاً، ويُستطاعُ توثيقُه رسميّاً، ويُعْتَدُّ بهِ في المحاكمِ الشرعيّةِ، ويصحُّ فيهِ نسبُ البنوّةِ وكاملُ مفاعيلِ عقدِ الزواجِ، وما يترتَّبُ عليهِ منْ ميراثٍ. وفي حالِ عدمِ اكتمالِ أركانِ الزواجِ، يُستطاعُ فسخُ العقدِ لعيبٍ اعتُبِرَ سابقاً لتاريخِ عقدِه. ويمكنُ تقسيمُ شروطِ صحّةِ الزواجِ إلى شروطِ انعقادٍ (الإيجاب والقبول والصيغة الدالّة على ذلك، الإشهار)، وهذهِ الشروطُ تُمسي أركاناً للعقدِ، ومنْ دونِها لا يمكنُ القولُ بانعقادِ الزواجِ أصلاً. وشروطٍ عاديّةٍ، وهيَ التي تُصيبُ عقدَ الزواجِ بعيبٍ بالرغمِ منِ انعقادِه أصولاً (كأنْ تكونَ المرأةُ في عدَّتِها).

واختلفَ فقهاءُ المذاهبِ كثيراً حولَ ما يدخلُ في أركانِ العقدِ خاصّةً، وبينَ المذهبِ الحنبليِّ والمذاهبِ الأخرى، حيثُ يعتمدُ الحنابلةُ كلَّ شرطٍ ملزمٍ إلّا ما خرجَ بالدليلِ الشرعيِّ كالنصِّ القرآنيِّ. أمّا المذاهبُ الأخرى فتطلبُ النصَّ الشرعيَّ للقولِ بأركانِ العقدِ للالتزامِ بهِ.

أ- طرفا العقدِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّ الزواجَ يتمُّ، بالعقدِ المشتملِ على الإيجابِ والقبولِ منَ المخطوبةِ والخاطبِ، أوْ مَنْ ينوبُ عنهما كالوكيلِ والوليِّ، ولا يتمُّ بمجرَّدِ التراضي بينهما دونَ عقدٍ 135.

وبحسبِ الطوائفِ الإسلاميّةِ، على طرفيِ العقدِ أنْ يكونا خاليينِ منْ أيِّ مانعٍ كالقرابةِ الدمويّةِ المانعةِ، أوِ القرابةِ بالرضاعةِ، أوْ أنْ تكونَ المرأةُ مرتبطةً بزواجٍ لمْ ينحلَّ بعدُ، أوْ لمْ تُنْهِ مدّةَ عدَّتِها منْ بعدِ الطلاقِ، أوْ بسببِ اختلافِ الدينِ بالنسبةِ للمسلمةِ عندَ السنّةِ والشيعةِ، إذْ يجوزُ عقدُ الزواجِ عندَ الطائفةِ السنّيّةِ والجعفريّةِ بينَ مسلمٍ ومسلمةٍ أوْ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ. وكلُّ ما عدا ذلكَ في حالِ وقوعِه يُعتبرُ باطلاً لعلّةِ اختلافِ الدينِ.

ولا ينصُّ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للموحّدينَ الدروزِ على نصٍّ واضحٍ يمنعُ فيهِ تزويجَ الموحّدِ الدرزيِّ منْ غيرِ ملَّتِه. غيرَ أنَّ المادّةَ الثامنةَ منْ قانونِ تنظيمِ القضاءِ المذهبيِّ الدرزيِّ يحصرُ النظرَ فيهِ على القضايا المتعلّقةِ بتطبيقِ أحكامِ الشرعِ والتقاليدِ الدرزيّةِ، فيُستشفُّ منَ العُرفِ عدمُ جوازِ عقدِ زواجٍ على طرفٍ غيرِ درزيٍ لعدمِ اختصاصِ المحاكمِ المذهبيّةِ بالنظرِ في الخلافاتِ الناشئةِ عنهُ.

ب- الرضى

إنَّ شرطَ الرضى موجودٌ في النظريّةِ العامّةِ للعقودِ ومعروفٌ منذُ أيّامِ الشرعِ الرومانيِّ. ولكنَّ شروطَ وجودِه في عقدِ الزواجِ دفعَ بالكثيرِ منَ الفقهاءِ المسلمينَ إلى القولِ إنَّ عقدَ الزواجِ الإسلاميَّ إنّما هوَ عقدٌ مدنيٌ في مضمونِه، ولا تعارضَ بينهما منَ الناحيةِ الفقهيّةِ، فجوهرهما واحدٌ إذْ هما منَ العقودِ الرضائيّةِ 136، وما المقصودُ بشرطِ الرضى سوى الابتعادِ عنْ كلِّ إكراهٍ في الزواجِ، فالرضى مطلوبٌ منَ الطرفينِ 137 أوْ منَ الرجلِ ومِمَّنْ يمثّلُ المرأةَ كالوليِّ في الحالاتِ التي لا تستطيعُ توكيلَ نفسِها.

إنَّ طريقةَ التعبيرِ عنِ الرضى يجبُ أنْ تكونَ صريحةً 138 وعلانيّةً لا لُبسَ فيهما، ولا يُقبلُ الإبهامُ بتاتاً في عقدِ الزواجِ. ولدى طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ (كما عندَ بقيّةِ الطوائفِ الإسلاميّةِ)، في حالِ تَعنّتِ وكيلِ الفتاةِ لغيرِ سببٍ محقٍّ منَ السماحِ بالزواجِ بابنتِه، يحقُّ لشيخِ العقلِ أوْ لقاضي المذهبِ أنْ يأذنَ لها بنفسِه (المادّةُ السادسةُ منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للطائفةِ الدرزيّةِ الصادرِ بتاريخِ 24 / 2 / 1972؛ وبالمعنى ذاتِه نجدُ المادّةَ الثامنةَ منْ قانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ الصادرِ بتاريخِ 25 / 10 / 1917. إنَّ ضرورةَ وجودِ وكيلٍ عنِ الفتاةِ دليلٌ على أهمّيّةِ قبولِ المجتمعِ لحالةِ الزواجِ، فالزوجانِ لا يُعتدُّ بإرادتِهما المنفردةِ، وإنْ كانَ رضاهما أساسيّاً في إتمامِ العقدِ.

ج- الوليُّ

يقومُ الوليُّ بولايتِه عنِ الذكرِ في حالِ كانَ قاصراً تحتَ السنِّ الأدنى للزواجِ فقطْ. وتستمرُّ ولايةُ الأبِ على ابنتِه وإنْ أصبحَتْ راشدةً 139. أمّا وليُّ المرأةِ في الزواجِ عندَ السنّةِ، فهو العصبةُ بنفسِه على الترتيبِ الآتي: الأبُ ثمَّ الأخُ ثمَّ الجدُّ للأبِ ثمَّ العمُّ. وإلّا فيكونُ القاضي عندئذٍ هوَ الوليَّ في الزواجِ.

ويتداخلُ موضوعُ الوليِّ بشرطِ الرضى بالنسبةِ إلى الفتاةِ، حيثُ يُشترطُ رضاها. ولكنَّ الوليَّ هوَ مَنْ يعبّرُ عنها. وهذا ما يخلقُ حالاتٍ منْ عدمِ الوضوحِ حولَ درجةِ التدخّلِ الذي يمارسُه الوليُّ. وقدِ اتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ الشرعيّةِ منْ شافعيّةِ ومالكيّةِ وحنبليّةِ على عدمِ إمكانيّةِ تزويجِ الفتاةِ لنفسِها، والسببُ منْ وراءِ ذلكَ لهُ مظهرٌ اجتماعيٌ: إذْ إنَّ الفتاةَ الزانيةَ هيَ مَنْ تقومُ بذلكَ ونكاحُها باطلٌ 140، أمّا المذهبُ الحنفيُّ فأقرَّ للمرأةِ البالغةِ العاقلةِ الحقَّ في تزويجِ نفسِها.

الوليُّ في الزواجِ عندَ الطوائفِ الإسلاميّةِ هوَ العصبةُ منَ الذكورِ على الترتيبِ (أيِ الذكرُ في العائلةِ، ودائماً لجهةِ الأبِ: الأبُ ثمَّ الأخُ ثمَّ الجدُّ للأبِ ثمَّ العمُّ) ويشترطُ أنْ يكونَ مكلَّفاً، فلا ولايةَ للصبيِّ والمجنونِ والمعتوهِ على أحدٍ أصلاً. والوليُّ عندَ الشيعةِ الإماميَّةِ هوَ الأبُ والجدُّ فقطْ نظراً لمدى حرصِهما على حقوقِ الزوجةِ. وبما أنَّ ضرورةَ وجودِ مَنْ يتولَّى إعلانَ الموافقةِ عنِ المرأةِ، فهذا يدلُّ على أنَّ فكرةَ التزاوجِ تتعدَّى في أثرِها الاجتماعيِّ ما يدورُ بينَ

الطرفينِ ذاتهما وتمتدُّ للتوسّعِ لتطالَ فكرةَ المصاهرةِ بينَ العشيرتينِ أوِ القبيلتينِ، خصوصاً أنَّ حالةَ القبائلِ معَ انطلاقةِ الإسلامِ لمْ تكنْ تجيزُ للمرأةِ حقَّ الموافقةِ. أمّا عندَ مَنْ أجازَ موافقتَها، فكانتْ هذهِ الموافقةُ تتعطَّلُ، إذا كانَ العريسُ ابنَ العمِّ141. هذا كانَ واقعُ الحالِ، الذي يبرزُ أهمّيّةَ رابطةِ الدمِّ والنسبِ عندَ القبائلِ العربيّةِ وفي شبهِ الجزيرةِ العربيّةِ تحديداً.

ومنْ أنواعِ الولايةِ، ولايةُ الجبْرِ، وهيَ اقتصارُ الرضى في الزواجِ على الوليِّ وإنْ رفضتِ الزوجةُ ذلكَ، وهيَ موجودةٌ عندَ الشافعيّةِ والمالكيّةِ والحنبليّةِ. أمّا عندَ مذهبِ الحنيفةِ فالأفضلُ استعمالُ "ولايةِ الاستحبابِ" والتي هيَ "ولايةُ مشاركةِ" الفتاةِ لوليّها بالقرارِ وسماحِها لهُ بتنظيمِ عقدِ الزواجِ. وقدْ رفضتْ معظمُ الدولِ العربيّةِ، عبرَ تحديثِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ، ولايةَ الإجبارِ وأبقتْ على ولايةِ المشاركةِ حتّى للصغيرةِ.

وعندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، لشيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ، أنْ يأذنَ بالزواجِ للمراهقِ الذي أكملَ السادسةَ عشرةَ منْ عمرِه ولمْ يكملِ الثامنةَ عشرةَ، إذا ثبتَ لديهِ طبّيّاً أنَّ حالتَه تتحمَّلُ ذلكَ، على أنْ يكونَ إذنُ أحدِ شيخيِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ موقوفاً على إذنِ وليِّ المراهقِ. ولشيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ أنْ يأذنَ بالزواجِ للمراهقةِ التي أكملتِ الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ ولمْ تكملِ السابعةَ عشرةَ، إذا ثبتَ لديهِ طبّيّاً أنَّ حالَها يتحمَّلُ ذلكَ، وأذِنَ وليُّها142.

وإذا طلبتِ الكبيرةُ التي يتراوحُ سنُّها بينَ السابعةَ عشرةَ والحاديةِ والعشرينَ أنْ تتزوَّجَ بشخصٍ، فشيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ يبلّغُ ذلكَ لوليّها، وإذا لمْ يعترضِ الوليُّ في مدّةِ خمسةَ عشرَ يوماً منْ تاريخِ تبليغِه أوِ اعترضَ ورُؤيَ اعتراضُه في غيرِ محلِّه، أذِنَ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ بزواجهما143.

د- إشهارُ الزواجِ

المقصودُ بإشهارِ الزواجِ تسجيلُه، بحيثُ يكتسبُ صفةَ العلانيّةِ ويزيلُ عنْ عقدِ الزواجِ الصفةَ السرّيّةِ، التي قدْ توقعُ الزوجانِ في شبهةِ الزنى. كما إنَّ مفهومَ الإشهارِ يحمي مؤسَّسةَ الزواجِ منَ التنكّرِ لهُ بفعلِ الضغوطاتِ الاجتماعيّةِ أوِ الاقتصاديّةِ ويحفظُ مصالحَ الزوجينِ وحقوقَ الأولادِ. ويُستكملُ الإشهارُ قانوناً عندَ تسجيلِ عقدِ الزواجِ في الدوائرِ الرسميّةِ، فيُسْتَحْصَلُ على شهادةٍ بذلكَ.

هـ- الصيغةُ القانونيّةُ للزواجِ

الصيغةُ القانونيّةُ هيَ الصيغةُ المعتمدةُ للدلالةِ على الإيجابِ والقبولِ، ويجبُ أنْ يتوافقَ القبولُ معَ الإيجابِ تماماً. ويجوزُ للأخرسِ الإشارةُ إلى القبولِ بالإيماءِ144. إنَّ مجرَّدَ التقاءِ الإيجابِ والقبولِ بينَ الطرفينِ يسمحُ باعتبارِ الزواجِ قائماً. ومنْ أشهرِ العباراتِ المستعملةِ في الصيغةِ القانونيّةِ، كأنْ تقولَ المرأةُ أوّلاً زوّجتُك نفسي بمهرٍ قدرُه... ويقولُ الرجلُ قبلتُ التزويجَ. وقصرَ الشافعيّةُ والحنابلةُ ألفاظَ الصيغةِ على عبارتي النكاحِ والتزويجِ145، أمّا الحنفيّةُ والمالكيّةُ فأجازوا التزويجَ باستعمالِ كلِّ لفظٍ يدلُّ على ذلكَ146، فالعبرةُ في العقودِ بالمقصودِ لا بالألفاظِ والمباني.

و- الشاهدانِ

وجودُ الشهودِ هوَ منْ بابِ إشهارِ الزواجِ، ويُسمّى الشاهدانِ عدلاً. ويمكنُ أنْ يكونا منْ أصولِ أوْ فروعِ الخاطبِ أوِ المخطوبةِ. والمقصودُ بضرورةِ وجودِهما هوَ الإشهارُ بعمليّةِ الزواجِ، الذي قدْ يكونُ في حدّهِ الأدنى شاهدانِ اثنانِ147 فقطْ، ووجودُ الشهودِ غيرُ مطلوبٍ عندَ الشيعةِ في الزواجِ وإنّما للطلاقِ، بعكسِ أهلِ السنّةِ الذينَ لا يوجبونَ حضورَ الشاهدينِ عندَ الطلاقِ. وعندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، ضرورةُ حضورِ أربعةِ شهودٍ على الأقلِّ.

والشاهدانِ هما منَ الذكورِ، ودورهما التأكُّدُ منْ عمليّةِ احترامِ قواعدِ عقدِ الزواجِ، وهما ضروريّانِ بعكسِ حالةِ وليِّ أمرِ الزوجةِ، إذْ هوَ مطلوبٌ في حالاتٍ وفي حالاتٍ أخرى غيرُ مطلوبٍ وجودُه.

ز- رجلُ الدينِ

يتطلَّبُ تسجيلُ الزواجِ رسميّاً، حضورُ الزوجينِ إلى المحكمةِ الشرعيّةِ منفردَيْنِ، أوْ بحضورِ الشيخِ الذي يعقدُ الزواجَ، ومنْ ثمَّ هوَ يتولّى هوَ عمليّةَ التسجيلِ منعاً للوقوعِ في علاقةِ حرامٍ ومنْ أجلِ تسجيلِ الأولادِ رسميّاً.

والمأذونُ هوَ الشخصُ المعيّنُ بحسبِ القانونِ الشرعيِّ، وتقومُ مهمَّتُه على إتمامِ عقدِ الزواجِ وتسجيلِه، بحيثُ تنتفي إشكاليّةُ الشيخِ الصوريِّ، الذي لا يُعْتَدُّ بعقدِه في بعضِ الدولِ وخصوصاً في مصرَ مثلاً.

عندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ لا يكونُ العقدُ صحيحاً إلّا إذا أجراهُ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ أوْ مَنْ أنابَه عنهُ لإجرائِه. ويُعيَّنُ المأذونَ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ في كلِّ قضاءٍ. وعلى المأذونِ بعدَ إتمامِ عقدِ الزواجِ أنْ يرسلَه إلى شيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ منْ أجلِ المصادقةِ عليهِ148.

بذلكَ إذاً، يكونُ دورُ رجلِ الدينِ في عقدِ الزواجِ موثّقاً لهُ فقطْ، ويمكنُ الاستغناءُ عنهُ شرعاً149، إذْ يمكنُ أنْ يقومَ مقامَه أيُّ شخصٍ آخرَ، وخصوصاً أنَّ الإسلامَ أيضاً لا يشترطُ إتمامَ عمليّةِ الزواجِ داخلَ المسجدِ أوْ أيِّ مكانِ عبادةٍ خاصٍّ150. وفي فتوى151 شهيرةٍ لمفتي الجمهوريّةِ اللبنانيّةِ الشيخ حسن خالد عام 1958 عُمِّمَتْ على البعثاتِ الدبلوماسيّةِ، سمحَ بموجبِها لهم بعقدِ الزواجِ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ، على أنَّ يُزوَّدَ كلُّ ممثلٍ في الخارجِ باستنابةٍ خارجيّةٍ تُعطى منَ المحاكمِ الشرعيّةِ صاحبةِ الشأنِ في لبنانَ تخوّله عقدَ الزواجِ.

ح- المَهْرُ

ويُطلقُ عليهِ الصَّداقُ، بكسرِ الصادِ وفتحِها. وسُمّيَ المهرُ صداقاً، لأنَّه يدلُّ على صدقِ رغبةِ باذلِه في النكاحِ، الذي هوَ الأصلُ في إيجابِ المهرِ152. ويُسْتَحُصُّ في المهرِ ألّا ينقصَ عنْ عشرةِ دراهمَ فضيّةٍ. وقالَ أبو حنيفة: "لا يجوزُ أقلُّ منْ ذلكَ". وقالَ مالك: "الصداقُ ربعُ دينارٍ ذهبيٍ". ويستحقُّ المهرُ عندَ الوطءِ أوْ عندَ موتِ الزوجِ153.

وإنْ لمْ يُسَمَّ المهرُ في العقدِ، صحَّ عقدُ النكاحِ، ووجبَ مهرُ مثلِه منْ نساءِ الأقاربِ. أمّا عندَ مالك فيُبطلُ النكاحُ154. والأصلُ منْ وراءِ المهرِ فيهِ ما وردَ في الآيةِ الرابعةِ منْ سورةِ النساء: ﴿ وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾ (النساء: 4).

على العروسينِ الاتّفاقُ مسبقاً على المَهْرِ. والمهرُ كانَ يُدفعُ معجَّلاً ولا يؤخَّرُ. إلّا أنَّه، بعدَ أنْ كثرَ لدى المسلمينَ الزواجُ وتأخيرُ دفعِ المَهْرِ، تمَّ اشتراطُ تسجيلِه في عقودِ الزواجِ، حتّى تستقيمَ الأمورُ وإنْ طالَ الزمنُ، ولا يُنسى مبلغُ المهرِ. ودرجتْ عادةُ تسجيلِ عقودِ الزواجِ في سجلاّتٍ رسميّةٍ تُحفظُ في المحاكمِ الشرعيّةِ.

وعندَ الموحّدينَ الدروزِ، المهرُ هوَ الذي يجبُ بالزواجِ. ويترتَّبُ على الزوجِ للزوجةِ بمجرّدِ العقدِ الصحيحِ عليها. وهوَ قسمانِ معجَّلٌ ومؤجَّلٌ. يترتَّبُ المعجَّلُ على الزوجِ بمجرّدِ العقدِ الصحيحِ. أمّا المؤجَّلُ فيجبُ على الزوجِ عندَ حلولِ أحدِ الأجلينِ، الطلاقُ أوِ الوفاةُ155.

رابعاً، محرَّماتُ الزواجِ

يُشترطُ في صحّةِ عقدِ الزواجِ خلوُّ المرأةِ منَ الموانعِ، أيْ أنْ تكونَ محلاً صالحاً للعقدِ. والموانعُ قسمانِ: نسبٌ، وفيهِ سبعةُ أصنافٍ تقتضي التحريمَ المؤبَّدَ؛ وسببٌ، فيهِ عشرةُ أصنافٍ، منها ما يوجبُ التحريمَ المؤبَّدَ، ومنها التحريمُ المؤقَّتُ.

أ- محرَّماتُ النسبِ:

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّ النساءَ اللاتي يحرمنَ بالنسبِ هنَّ سبعٌ:

أوّلاً: الأمُّ، وتشملُ الجدَّاتِ لأبٍ أوْ لأمٍّ.

ثانياً: البنتُ، وتشملُ بناتِ الابنِ وبناتِ البنتِ وإنْ نزلنَ.

ثالثاً: الأختُ، سواءٌ أكانتْ لأبٍ أوْ لأمٍّ.

رابعاً: العمّاتُ.

خامساً: الخالاتُ.

سادساً: بناتُ الأخِ وإنْ نزلنَ.

سابعاً: بناتُ الأختِ وإنْ نزلنَ.

والأصلُ في ذلكَ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾156 (النساء: 23).

أمّا عندَ الموحّدينَ الدروزِ، فإنَّ زواجَ النساءِ ذواتِ الرحمِ المحرَّمِ برجلٍ بينَه وبينهنَّ قرابةٌ نسبيّةٌ ممنوعٌ وباطلٌ. والنساءُ المذكوراتُ أربعةُ أصنافٍ:

1 - أمُّ الرجلِ وجدَّاتُه.

2 - البناتُ والحفيداتُ.

3 – الأخواتُ وبناتُ الإخوةِ والأخواتِ مطلقاً وحفيداتُهنَّ.

4 - العمّاتُ والخالاتُ مطلقاً 157.

كما يُمنعُ تزوّجُ الرجلِ بمرضعتِه أوْ بأختِ الرضاعةِ.

ب- أمّا التحريمُ بالسببِ فهو:

أوّلاً، المصاهرةُ

وقدِ اتَّفقَ الفقهاءُ على التحريمِ بسببِ المصاهرةِ في الحالاتِ التاليةِ:

أوّلاً: تُحَرَّمُ زوجةُ الأبِ على ابنِه وإنْ نزلَ، بمجرَّدِ العقدِ على الزوجةِ، سواءٌ دخلَ بها أمْ لمْ يدخلْ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (22) منْ سورةِ النساء (ولا تنكحوا ما نكحَ آباؤكم منْ قبلُ).

ثانياً: تُحَرَّمُ زوجةُ الابنِ على أبيهِ وإنْ علا، بمجرَّدِ العقدِ عليها. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء (وحلائلُ أبنائِكم الذينَ منْ أصلابِكم).

ثالثاً: تُحَرَّمُ أمُّ الزوجةِ وإنْ علَتْ بمجرَّدِ العقدِ على ابنتِها، إنْ لمْ يدخلْ عليها زوجُها. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء (وأمهاتُ نسائِكم).

رابعاً: لا تُحَرَّمُ ابنةُ الزوجةِ على العاقدِ بمجرَّدِ العقدِ على أمّها. فيجوزُ لهُ الزواجُ بها قبلَ أنْ يدخلَ على الأمِّ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء ﴿... و ر با ئبُكُمُ اللَّا تي في حُجُو ركُم مِّ ن ن سا ئكُمُ اللَّا تي د خلْتُم بِ هِنَّ ف إن لَّمْ ت كُونُوا د خلْتُم بِ هِنَّ ف لا جُ نا حَ ع ليْكُمْ... ﴾ وقالَ الحنفيّةُ والمالكيّةُ، بخلافِ الجعفريّةِ والشافعيّةِ والحنابلةِ، إنَّ اللمسَ والنظرَ بشهوةٍ يوجبُ تحريمَ ابنةِ الزوجةِ، وهما تماماً كالدخولِ على الأمِّ 158.

المحرمات بالمصاهرة عند الموحدين الدروز

أمّا عندَ الموحّدينَ الدروزِ، فإنْ تزوَّجَ الرجلُ النساءَ الذي بينَه وبينهنَّ مصاهرةٌ، فذلكَ ممنوعٌ وباطلٌ. والنساءُ المذكوراتُ أربعةُ أصنافٍ:

أوّلاً: زوجاتُ الأبناءِ والحفدةِ.

ثانياً: أمّهاتُ الزوجاتِ وجدّاتُهنَّ مطلقاً.

ثالثاً: زوجاتُ الآباءِ والأجدادِ.

رابعاً: بناتُ الزوجاتِ وحفيداتُهنَّ.

خامساً، الجمعُ بينَ المحارمِ

منَ الثابتِ في الإسلامِ تحريمُ الجمعِ بينَ الأختينِ طبقاً للآية (22) منْ سورةِ النساء (وأنْ تجمعوا بينَ الأختينِ). واتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ، على تحريمِ الجمعِ بينَ امرأةٍ وعمّتِها أوْ بينَها وخالتِها، لأنَّ عندَهم قاعدةً تقولُ: لوْ كانتْ إحداهما ذكراً لَحُرِمَ عليهِ تزويجُ الأخرى، فلوْ فرضنا العمّةَ ذكراً لكانتْ عَمّاً. ولا يجوزُ لهُ الزواجُ منِ ابنةِ أخيهِ، ولوْ فرضنا ابنةَ الأخِ ذكراً، لكانَ ابنَ الأخِ، ولا يجوزُ لابنِ الأخِ الزواجُ منْ عمّتِه. وكذلكَ هوَ القياسُ بالنسبةِ إلى الخالةِ.

واختلفَ فقهاءُ الجعفريّةِ. فمنْهم مَنْ قالَ بقولِ المذاهبِ الأربعةِ. لكنَّ أكثرَهم ذهبَ إلى أنَّه إذا تزوَّجَ أوّلاً ببنتِ الأخِ، أوْ بنتِ الأختِ، فلهُ أنْ يتزوَّجَ العمّةَ أوِ الخالةَ، وإنْ لمْ تأذنْ لهُ بنتُ الأخِ أوْ بنتِ الأختِ. أمّا إذا تزوَّجَ العمّةَ أوِ الخالةَ أوّلاً، فلا يجوزُ لهُ أنْ يعقدَ على ابنةِ الأخِ أوِ ابنةِ الأختِ، إلّا إذا أذِنَتْ لهُ العمّةُ أوِ الخالةُ. واستدلوا بالآية (24) منْ سورةِ النساء (وأُحِلَّ لكُم مَّا ورآءَ ذلِكُمْ). فبعدَ أنْ عدَّدتِ الآيةُ المحرَّماتِ أباحتْ غيرَهنَّ. وهذهِ الإباحةُ تشملُ الجمعَ بينَ العمّةِ وبنتِ الأخِ وبينَ الخالةِ وبنتِ الأختِ. ولوْ كانَ هذا الجمعُ محرَّماً لنصَّ عليهِ القرآنُ، كما نصَّ على تحريمِ الجمعِ بينَ الأختينِ 159.

أ- الزنى

قالَ الشافعيّةُ والمالكيّةُ: "إنَّ ابنةَ الزنى تبقى أجنبيّةً عليهِ، ولا يجري بينهما توارثٌ ولا نفقةٌ. وليستْ بنوتُها البيولوجيّةُ مانعاً منَ الزواجِ بها". أمّا الحنفيّةُ والجعفريّةُ والحنابلةُ فقالوا: "تُحَرَّمُ ابنةُ الزنى على الأبِ، كما تُحَرَّمُ البنتُ الشرعيّةُ، لأنّها متكوّنةٌ منْ مائِه. هيَ ابنتُه لغةً وعُرفاً. ونفيُها شرعاً يوجبُ نفيَ الآثارِ الشرعيّةِ فقطْ منْ توارثٍ ونفقةٍ". وقالَ الإماميَّةُ: "مَنْ زنى بامرأةٍ أوْ دخلَ بها شبهةً، وهيَ متزوّجةٌ أوْ معتدّةٌ منْ طلاقٍ رجعيٍ تُحَرَّمُ عليهِ مؤبَّداً. أمّا لوْ زنى بها وهيَ خليّةٌ منْ زوجٍ، أوْ كانتْ معتدّةً عدّةَ وفاةٍ، أوْ منْ طلاقٍ بائنٍ (نهائيٍّ) فلا تُحَرَّمُ عليهِ، أيِ العقدُ عليها. وعندَ المذاهبِ الأربعةِ لا يوجبُ الزنى العقدَ لاحقاً بينَ الزاني والزانيةِ سواءٌ أكانتْ صاحبةَ زوجٍ خلالَ الزنى أمْ كانتْ خاليةً منْ زوجٍ 160.

ب- عددُ الزوجاتِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّه يجوزُ للرجلِ أنْ يجمعَ بينَ أربعِ نساءٍ، ولا تجوزُ لهُ الخامسةُ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (3) منْ سورةِ النساء (فانكحوا ما طابَ لكم منَ النساء مَثْنَى وثُلاثَ وثُباعَ). فإذا خرجتْ إحداهنَّ منْ عصمةِ الزوجِ بطلاقٍ أوْ وفاةٍ جازَ لهُ التزوّجُ منْ أخرى. وقالَ الإماميَّةُ والشافعيّةُ: "إذا طلَّقَ إحدى زوجاتِه الأربعِ طلاقاً رجعيّاً، فلا يجوزُ لهُ أنْ يعقدَ على أخرى حتّى تنتهيَ عدَّتُها. أمّا إذا كانَ الطلاقُ بائناً فيجوزُ لهُ ذلكَ". وقالتْ سائرُ المذاهبِ الأخرى: "ليسَ لهُ أنْ يعقدَ على غيرِها حتّى تنتهيَ عدَّتُها، ولا أنْ يعقدَ على أختِ المطلَّقةِ إلّا بعدَ انقضاءِ العدّةِ. لا فرقَ في ذلكَ بينَ طلاقٍ رجعيٍ أوْ بائنٍ" 161.

ج- اللّعانُ

إذا قذفَ رجلٌ زوجتَه بالزنى أوْ نفى مَنْ وُلِدَ لهُ على فراشِ الزوجيّةِ، وأكذبتْه هيَ، ولا بيّنةَ لهُ، جازَ لهُ أنْ يلاعنَها. أمّا كيفيّةُ الملاعنةِ فهيَ أنْ يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ أنَّه منَ الصادقينَ فيمَا رماها بهِ، ثمَّ يقولُ في الخامسةِ أنَّ لعنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ منَ الكاذبينَ. ثمَّ تشهدُ المرأةُ أربعَ شهاداتٍ باللهِ أنَّه منَ الكاذبينَ. ثمَّ تقولُ في الخامسةِ إنَّ غضبَ اللهِ عليها إنْ كانَ منَ الصادقينَ. فإنِ امتنعَ هوَ عنِ الملاعنةِ أُقيمَ عليهِ حدُّ القذفِ. وإذا لاعنَ وامتنعتْ هيَ أُقيمَ عليها الحدُّ. وإذا تمَّتِ الملاعنةُ بينهما يسقطُ الحدُّ عنهما، ويُفَرَّقُ بينهما، ولا يلحقُ الولدُ بهِ الذي نفى نسبتَه إليهِ. والأصلُ فيهِ الآية 7 منْ سورةِ النور ﴿ وا لَّذِي نَ يَرْمُونَ أ زْ واجَهُمْ و لَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَداء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهادةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللََّّ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللََّّ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللََّّ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللََّّ عَلَيْها إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ (النور: 7). واتّفقوا جميعاً على وجوبِ التفرقةِ بينهما بعدَ الملاعنةِ. واختلفوا هلِ التحريمُ بينهما مؤبَّدٌ أمْ مؤقَّتٌ. فقالتِ الشافعيّةُ والإماميَّةُ والحنابلةُ بالقولِ الأوّلِ. وقالتِ الحنفيّةُ إنَّ الملاعنةَ كالطلاقِ، فلا تُحَرَّمُ مؤبَّداً 162.

د- عددُ الطلقاتِ

اتّفقوا على أنَّ الرجلَ إذا طلَّقَ زوجتَه ثلاثاً بينهما طلقتانِ رجعيّتانِ حُرِمَتْ عليهِ. ولا تحلُّ لهُ حتّى تتزوَّجَ رجلاً آخرَ ثمَّ يطلّقَها. وعليهِ، فإنَّ الطلاقَ الثالثَ منْ أسبابِ موانعِ الزواجِ، وهوَ التحريمُ مؤقَّتٌ لا مؤبَّدٌ. لكنَّ الإماميَّةَ قالوا: لوْ تكرَّرتْ حالاتُ الطلاقِ والرجعةِ والتحليلِ بعدَ الطلاقِ الثالثِ، ثلاثَ مرّاتٍ حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً، أيْ لوْ طلَّقَ المرأةَ تسعاً طلاقَ العدّةِ حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً، بمعنى أنَّ زوجَها لوْ طلَّقَها ثمَّ راجعَها وواقعَها ثمَّ طلَّقَها ثانيةً فراجعَها وواقعَها، وطلَّقَها ثالثةً فلا تعودُ إليهِ إلّا بمُحَلّلٍ. فإذا تكرَّرتِ الطلقاتُ الثلاثُ على المنحى نفسِه، مرّتينِ أُخريينِ، حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً 163.

هـ- اختلافُ الدينِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّه لا يجوزُ للمسلمِ ولا للمسلمةِ الزواجُ بِمَنْ لا كتابَ سماويّاً لهُ، أوْ لا شبهةَ كتابٍ. والمقصودُ عبدةُ الأوثانِ والنيرانِ والشمسِ والنجومِ، وكذلكَ الملحدينَ. واتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ السنّيّةِ الأربعةِ على أنَّ مَنْ لديهم شبهةُ كتابٍ لا يجوزُ الزواجُ منهم. والمقصودُ بهم مثلاً المجوسُ الذينَ يُقالُ إنَّه كانَ لديهم كتابٌ سماويٌ ثمَّ بدَّلوه. واتَّفقتِ المذاهبُ الأربعةِ أيضاً على جوازِ زواجِ المسلمِ منَ الكتابيّةِ، النصرانيّةِ أوِ اليهوديّةِ. لكنْ لا يجوزُ زواجُ المسلمةِ منَ الكتابيِّ. أمّا فقهاءُ الإماميَّةِ فاتَّفقوا على تحريمِ زواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ كما هوَ قولُ المذاهبِ الأربعةِ. واختلفوا فيما بينهم في زواجِ المسلمِ منْ كتابيّةٍ. فبعضُ الإماميَّةِ قالَ لا يجوزُ ذلكَ، واستدلّوا بالآية 10 منْ سورةِ الممتحنة (ولا تمسكوا بعصمِ الكوافرِ). وقالَ آخرونَ يجوزُ زواجُ المسلمِ منْ كتابيّةٍ، والأصلُ فيهِ الآية 5 منْ سورةِ المائدة (والمحصناتُ منَ المؤمناتِ والمحصناتُ منَ الذينَ أوتوا الكتابَ منْ قبلِكم) 164.

و- الرضاعُ

اتَّفقوا جميعاً على صحّةِ الحديثِ النبويِّ: "يُحَرَّمُ منَ الرضاعِ ما يُحَرَّمُ منَ النسبِ". وعليهِ، فكلُّ امرأةٍ حُرِمَتْ منَ النسبِ تُحَرَّمُ كذلكَ في الرضاعِ. وأيُّ امرأةٍ تصيرُ بسببِ الرضاعِ، أمّاً أوْ بنتاً أوْ أختاً أوْ عمّةً أوْ خالةً أوِ ابنةَ أخٍ أوِ ابنةَ أختٍ، يحرمُ الزواجُ منها بالاتّفاقِ. واختلفوا في الشروطِ، فقالَ الإماميَّةُ يُشترطُ أنْ يحصلَ لبنُ المرأةِ منْ نكاحٍ صحيحٍ. فلوْ درَّ لبنُها منْ دونِ زواجٍ أوْ بسببِ الحملِ منْ زنىً، فلا يؤدّي الرضاعُ في هذهِ الحالةِ إلى تحريمِ الزواجِ منَ الأمِّ بالرضاعةِ قياساً على محارمِ النسبِ. أمّا الحنفيّةُ والشافعيّةُ والمالكيّةُ فقالوا: لا فرقَ بينَ أنْ تكونَ المرأةُ بكراً أوْ ثيّباً، ولا بينَ أنْ تكونَ متزوّجةً أوْ غيرَ متزوّجةٍ، متى كانَ لها لبنٌ يدرُّ منها ويشربُ منهُ الرضيعُ. وقالَ الحنابلةُ لا تترتَّبُ أحكامُ الرضاعِ شرعاً إلّا إذا درَّ اللبنُ بسببِ الحملِ. ولمْ يشترطوا أنْ يكونَ الحملُ بزواجٍ صحيحٍ165.

ز- العدّةُ

اتّفقَ الفقهاءُ على أنَّ المعتدّةَ لا يجوزُ عقدُ الزواجِ عليها كالمتزوّجةِ تماماً، سواءٌ أكانتْ عدَّتُها لوفاةِ الزوجِ، أوْ طلاقِها منهُ طلاقاً رجعيّاً أوْ بائناً. والأصلُ فيهِ الآية 228 منْ سورةِ البقرة (والمطلقاتُ يتربصنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قروءٍ)، والآية 234 منْ سورةِ البقرة (والذينَ يتوفّونَ منكم ويذرونَ أزواجاً يتربصنَ بأنفسِهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً). وقالَ الإماميَّةُ لا يجوزُ العقدُ على المعتدّةِ الرجعيّةِ أوِ البائنةِ. وإذا عُقِدَ عليها معَ العلمِ بالعقدِ وبالحرمةِ بطلَ النكاحُ، وحُرِمَتْ مؤبَّداً، سواءٌ أدخلَ عليها أمْ لمْ يدخلْ. ومعَ الجهلِ بالعدّةِ وبالحرمةِ لا تُحَرَّمُ مؤبَّداً إلّا إذا دخلَ عليها166.

ح- الإحرامُ

قالَ الإماميَّةُ والشافعيّةُ والمالكيّةُ والحنابلةُ يُحَرَّمُ للمحرمِ منْ أجلِ أداءِ الحجِّ أوِ العمرةِ أنْ يتزوَّجَ أوْ يُزوّجَ، رجلاً كانَ أوِ امرأةً، وكيلاً أوْ وليّاً. وإنْ حصلَ الزواجُ كانَ باطلاً. والأصلُ فيهِ الحديثُ النبويُّ: "لا ينكحُ المحرمُ ولا يُنكحُ ولا يخطبُ". وقالَ الحنفيّةُ: الإحرامُ لا يمنعُ الزواجَ. وقالَ الإماميَّةُ إذا حصلَ الزواجُ معَ العلمِ بالتحريمِ فُرِّقَ بينهما، وحُرِمَتِ المرأةُ مؤبَّداً، بخلافِ رأيِ المذاهبِ الأخرى167.

خلاصةٌ

بالرغمِ منَ التشابكِ الكثيفِ لكثيرٍ منَ الاعتباراتِ المتقاطعةِ حولَ الزواجِ، إلّا أنّنا نستطيعُ تمييزَ ثلاثِ مراحلَ للزواجِ في أوروبا الغربيّةِ بشكلٍ خاصٍّ لكونِ عاداتِ هذهِ المنطقةِ قدْ طبعتْ صورةَ الزواجِ عالميّاً. المرحلةُ الأولى، حيثُ كانَ الزواجُ يتمُّ بعدَ وقتٍ قدْ يطولُ أوْ لاحقاً، لحينِ تحقيقِ إنجابِ الأولادِ، فيتمُّ الزواجُ عندئذٍ.

المرحلةُ الثانيةُ، معَ بداياتِ القرنِ الثامنِ عشرَ والثورةِ الاقتصاديّةِ وعصرِ الأنوارِ، تبلورتْ وبصورةٍ سريعةٍ أحقيّةُ اختيارِ الشريكينِ بعضِهما لبعضٍ بناءً على عاملٍ واحدٍ هوَ الحبُّ دونَ أيِّ اعتبارٍ آخرَ للزواجِ المدبّرِ أوِ القسريِّ. فمسألةُ الزواجِ مسألةٌ شخصيّةٌ بحتةٌ، بدلاً منِ اعتبارِها قضيّةَ نظامٍ سياسيٍ أوْ إثنيٍ أوْ طبقيٍ.

إنَّ تقاطعَ الزواجِ معَ عدّةِ محاورَ تطالُ حياةَ الإنسانِ، يُؤَسّسُ لفهمٍ أفضلَ لحيثيّةِ الزواجِ، ولمدى تداخلِ كلٍّ منَ العاملِ السياسيِّ والاجتماعيِّ والدينيِّ. أمّا في تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، فاللهُ هوَ المشرّعُ وهوَ واضعُ سرِّ الزواجِ. أيْ إنَّ تلكَ الشركةَ بينَ الزوجينِ قدْ أسَّسَها الخالقُ، وهوَ مَنْ سنَّ قوانينَها. وبالتالي، إنَّ النظرةَ إلى العائلةِ، لا تقومُ على مجرَّدِ نظرةٍ إنسانيّةٍ، وإنّما على اعتبارِ العائلةِ مؤسَّسةً إلهيّةً ثابتةً، لا تتغيَّرُ بحكمِ ثباتِ اللهِ المشرّعِ لها. فهلْ يلغي هذا الصهرُ والذوبانُ العاملَ الاجتماعيَّ والثقافيَّ لدى المجتمعاتِ، بينَ الزواجِ والإرادةِ الإلهيّةِ؟

يُشكّلُ الزواجُ محطّةً في المسيرةِ الروحيّةِ، إذْ خلقَ اللهُ الرجلَ والمرأةَ أحدَهما للآخرِ، فليسَ حسناً أنْ يبقى الإنسانُ وحدَه. والاتّحادُ بينهما يُنشئُ رباطاً جديداً، فيصبحانِ كلاهما جسداً واحداً. أيْ إنَّ الزواجَ يؤسّسُ لوحدةٍ لا تنفصمُ على كلِّ المستوياتِ. وعلى المستوى الأفقيِّ، يتركُ الرجلُ أباهُ وأمّهُ ويَلزمُ امرأتَه، وعلى المستوى العاموديِّ أيضاً، لا يمكنُ لأحدٍ غيرِ اللهِ أنْ يدخلَ بينهما.

إنَّ النظرةَ إلى الزواجِ تتمثَّلُ بقيمٍ عُليا، التي إذا ما نظرنا إليها نظرةً شاملةً، نظنُّ أنفسَنا في الفردوسِ. وبالتالي، فالنظرةَ إلى الزواجِ هيَ نظرةٌ شاملةٌ أخرويّةٌ، تضعُ الأسسَ العامّةَ وتتعاطى معَ الموضوعِ كاستباقٍ للملكوتِ وللخيراتِ الآتيةِ. والمثالُ الأعلى لكلِّ زوجينِ، إنّما هوَ زواجُ المسيحِ بالكنيسةِ-العروسِ بحسبِ ما أسَّسَه الرسولُ بولسُ في رسالتِه إلى أهلِ أفسسَ. حتّى إنَّ الطلاقَ لا يُنظرُ إليهِ نظرةً عاديّةً، فالطلاقُ هوَ نتيجةٌ لقساوةِ القلبِ في التغلّبِ على الضعفِ البشريِّ المتمثّلِ بالخطيئةِ.

وتتراجعُ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ النظرةُ لقيمةِ الزواجِ العُليا أمامَ البتوليّةِ، فيصبحُ الزواجُ مجرَّدَ شأنٍ منْ "شؤونِ هذا الدهرِ العابرِ". أمّا الرباطُ بينَ الزوجينِ فهو الحبُّ، الذي هوَ صورةٌ عنِ المحبّةِ الإلهيّةِ الخالقةِ للإنسانِ، والمتجلّيةِ في أنَّه على صورةِ اللهِ ومثالِه. وهذا الحبُّ هوَ فطريٌ، ونزعةٌ إنسانيّةٌ متمركزةٌ في كلِّ نفسٍ بشريّةٍ. وليسَ الزواجُ سوى تلبيةٍ للدعوةِ الإلهيّةِ، إذْ قالَ "انموا وأكثروا واملأوا الأرضَ وأخضعوها".

يبقى أنَّ التداخلَ كبيرٌ بينَ الأعرافِ الاجتماعيّةِ والممارساتِ الطقوسيّةِ للاحتفالِ بالزواجِ، وإذا أضفنا البعدَ السياسيَّ عبرَ الاستئثارِ بالسلطةِ منْ قبلِ الكنيسةِ، أصبحَتِ الصورةُ التي تُقَدَّسُ فيها جميعُ الممارساتِ والتقاليدِ واضحةً منْ حيثُ ينابيعِها ومنْ حيثُ مراميها. إنَّ إدخالَ الزواجِ ضمنَ الشرعيّةِ الكنسيّةِ، فتحَ البابَ واسعاً أمامَ الكنيسةِ للدخولِ في فضاءِ الأخلاقِ المسيحيّةِ، منْ بابِ القوّةِ الجبريّةِ كسلطةٍ معترفٍ بها قانوناً وليسَ فقطْ منْ بابِ الوعظِ والتمنّي.

اختفى الحدُّ الفاصلُ بينَ كلٍّ منَ التشريعِ المدنيِّ (العقد) والتشريعِ الكنسيِّ (الإلهيِّ)، وأصبحَ العقدُ والسرُّ صورةً واحدةً لحالةٍ واحدةٍ. وبدلاً منْ أنْ تأخذَ الكنيسةُ على عاتقِها رفعَ الناسِ وحملَهم إلى الملكوتِ، انزلقتْ إلى زواريبِ مشاكلِ الناسِ بمختلفِ حالاتِهم وإلى دخولِ الأسرارِ في يوميّاتِ الناسِ.

أمّا الزواجُ في الإسلامِ فهو رباطٌ دينيٌ تنظيميٌ اعتنى بهِ، ووُضِعَتْ أحكامُه منذُ بداياتِ ظهورِ الإسلامِ. وعُرِفَ الزواجُ بمرونةٍ عاليةٍ سمحتْ للدينِ أنْ يرافقَ الحالاتِ المختلفةَ والأوضاعَ المستجدّةَ على الحياةِ لدرءِ الوقوعِ في المفاسدِ، هذهِ الديناميكيّةُ في التعاطي معَ الزواجِ سمحتْ في تقنينِ الكثيرِ منَ الأوضاعِ، التي لوِ اعْتُمِدَتْ واحدةٌ منها في الزواجِ، لاعْتُبِرَتِ الحالاتُ المتبقيّةُ غيرَ صحيحةٍ.

ويأخذُ الإسلامُ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ بمجملِ المنظومةِ الحقوقيّةِ، ولا يقبلُ بفكِّ الارتباطِ بينَ الزواجِ ومفاعيلِه، وبينَ أحكامِ الدينِ عينِه. لقدِ اختلفَ الفقهاءُ في كثيرٍ منَ النقاطِ التي يصعبُ تلخيصُها ولقدْ نُظِرَ إلى هذا الاختلافِ لا منْ بابِ التفاضلِ بينَ المذاهبِ، بلْ منْ بابِ الاحترامِ وتقبّلِ الاختلافِ، ولطالما بَقِيَتِ الثوابتُ ضمنَ إطارِ النصِّ الدينيِّ ولمْ تخرجْ عنْ صريحِ ما هوَ مذكورٌ فيها.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.