|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصلُ الخامسُ: الزواجُ المدنيُّ ومشروعُ الدولةِ المدنيّةِ في لبنانَ

مقدّمة

لقد عرضتُ في الفصل التمهيدي المنطلقات الأساسيّة للزواج في الفلسفة وفي كلٍّ من الدِّينَيْن المسيحيّ والإسلاميّ. ثمّ عرضتُ لواقع حال الزواج الدينيّ، ومكامن التحدّيات الضاغطة باتّجاه الزواج المدنيّ. وعرضْتُ بعد ذلك للمنطلقات اللاهوتيّة التي تُسهم في توجيه الأمور باتّجاه تحقيق الزواج المدنيّ؛ لنعرض في هذا الفصل المعاهدات الدوليّة ومفهوم الدولة المدنيّة لأنَّ هاتين المادّتَيْن تُشكّلان البوصلة التي تُرعي القوانين الدينيّة وتُوجّهها نحو تذليل العقبات التي تعترض سبيل تحقيق الزواج المدنيّ.

تنصُّ القوانين المدنيّة على أمور كثيرة وحسّاسة ينبغي الانتباه إليها، من عُمرٍ وأهليّة طالبي الزواج، وصولًا إلى حقوق وموجبات كلّ فرد، واستكمالًا لكلّ ما يتفرّع عن عمليّة الزواج من آثار قانونيّة. ولكن وإلى أن نصل إلى هذه المرحلة، يُلاحظ أنَّه قد حصل تبدّل لافت لدى الرأي العامّ، حيث أصبحت الملاحظات الدوليّة تجد المزيد من الأصداء المؤيّدة، ما لفت انتباه السلطة الدينيّة فكان لا بدّ لهذه السلطة من أن تعمل على تعديل القوانين الدينيّة بما يواكب اتّجاهات المجتمع الدوليّ، خصوصًا أنَّ السلطة الدينيّة تحتكر ميدان الأحوال الشخصيّة منذ ما قبل تأسيس لبنان كما أشرتُ سابقًا.

وقد تقاسمت المؤسّسات الدينيّة والمجتمع الدوليّ المعلومات حول الزواج عمومًا، ومن حيث هو حقٌّ من الحقوق الطبيعيّة للإنسان، وضروريّ للزواج المدنيّ، وهذا هو موضوع بحثنا لكونه نقطة الارتكاز في كلّ عمليّة تطوير تطرأ على موضوع المرأة، التي يتمّ العبور من خلال فضائها إلى الحياة العائليّة والاجتماعيّة.

وقد وقفت المؤسّسة الدينيّة حتّى الآن موقف المحافظ والمتخوّف من كلّ تغيير يطرأ على العائلة. وبحسب التصريحات الإعلاميّة رأت السلطة الدينيّة في تدخّل القوانين الدوليّة نوعًا من كسرٍ لسلطتها الاجتماعيّة، إذ شكَّل الزواج المدنيّ البوّابة الرئيسيّة للمجتمع الدوليّ، التي فرض عبرها وعلى مرّ التاريخ، مجموعةً من القوانين التي لا تستسيغها المؤسّسة الدينيّة، لا بل تُناهضها بشراسة، كزواج المثليّين 394 أو تشريع عمليّة الإجهاض 395 أو تشريع الأمّ العزباء أو السماح بالتبنّي الذي يمنعه الدين الإسلاميّ، ناهيك عن الحساسيّة التي تُبديها بعض الأديان لعقد الزواج المختلط دينيًّا، والتي ستزيد وتيرتها فيما لو سُمح بوجوده داخل لبنان.

أمّا من جهة المجتمع الدوليّ، فيُلاحظ اتّخاذُه موقف المطالب الشرس الذي يسعى إلى القفز فوق جميع الحواجز، بغية إرساء دعائم تحمي المرأة، وتطال جوانب عدّة من حياتها، بدءًا من الزواج وتفرّعاته عمومًا، إلى معضلة زواج القاصرات أو الزواج المبكّر التي تطال بنية المرأة الجسديّة والنفسيّة، ويُخرجها بشكلٍ عامّ من دائرة التعليم ومن الحياة الاقتصاديّة، وما ينتج عن ذلك من تأثير في مستوى الدخل القوميّ ومعدّل الإنتاج الفرديّ.

أمّا موضوع إنجاب البنين، وحقّها في تقرير عدد الولادات، فيستهلك طاقة المرأة وإنتاجيّتها وحقّها في التغيّب عن العمل من أجل رعاية مولودها وما يرافق ذلك من تقديمات اجتماعيّة وصحيّة. وصولًا إلى نتائج مرحلة انتهاء الزواج سواء بالوفاة أو انحلاله بالطلاق، وما يرافقها من إجراءات وحقوق، سواء أكان ذلك عبر عمليّة انتقال الأموال بالإرث، أو عند الطلاق، حتّى إشكاليّة حقوق المرأة في الوصول إليه.

لقد شكَّلت المعاهدات الدوليّة رأس حربة في تحريك الرأي العامّ المحليّ والعربيّ والدوليّ نحو المطالبة بإجراء قراءة جديدة لعمليّة الزواج الدينيّ، تُحاكي أحدث ما توصّل إليه الفكر الإنسانيّ من تصوّر لحياة الإنسان. والزواج المدنيّ هو هذا التطبيق الحديث للقيم والذي يخدم في نهاية المطاف رقيّ الإنسان وسعادته، كما وبناء السلام العالميّ وفق أسس متينة ودائمة.

لقد تنبَّه المجتمع الدوليّ إلى الخصوصيّات المحليّة من أعراف وعادات وتقاليد اجتماعيّة أو دينيّة أو إثنيّة، وحاولت النصوص القانونيّة أن تُحاكي التعدّديّة التي يريدها المجتمع الدوليّ، إلّا أنَّ واقع الحال وصعوبة المضيّ قدمًا في تحقيق الغايات المنشودة من تعديلات أساسيّة في ميدان الحقوق الشخصيّة نتيجة لهذه العادات، أجبر المشرّع الدوليّ على وضع النصوص الملزمة، وإن كانت عابرة للأديان أو للثقافات والحضارات، أو معارضةً لها في بعض البنود.

أوّلًا، الزواج في المعاهدات الدوليّة

الحقّ في الزواج هو من الحقوق اللصيقة بالإنسان التي لا تُباع ولا تُشترى. وهو من المواضيع الحياتيّة الملحّة لسلامة المجتمع وحفظه من الآفات التي تضرّ به. وهو بصيغته القانونيّة، يكفل شرعيّة العلاقة بين الزوجين. فالزواج من الأحداث العالميّة وإن كانت أبعاده محليّة بامتياز، إذ تقتصر على العائلة أو على المجتمع في بقعة جغرافيّة محدّدة.

وقد ساهمت عمليّات مناهضة التمييز ضدّ المرأة في بلورة قوانين العائلة، بعد أن عانت المرأة الكثير ضمن مؤسّسة الزواج. ونجد الأثر الإيجابيّ والمباشر لذلك، لجهة تحديد سنٍّ أدنى للزواج، ولحريّة المرأة في العمل، وخصوصًا في الوظائف القياديّة والاقتصاديّة، ومساواتها بالرجل، وطبعًا في الحماية الأبرز، التي هي حمايتها من العنف الأُسَريّ وما يستتبعه من ممانعة لتعدّد الزوجات، وذلك من باب صيانة الحالة النفسيّة للمرأة.

ونشأت نتيجة الزواج وتكوين الأسرة عدّة أبعاد قانونيّة واجتماعيّة واقتصاديّة ودينيّة. ونظرًا للمسؤوليّات الملقاة عليها، تجاه نفسها، وتجاه أولادها، وتجاه المجتمع، كان لا بدّ للتشريعات الهادفة إلى حمايتها من كلّ أشكال التمييز، أن تؤثّر بدورها في الأبعاد الأخيرة لتركيبة الأسرة وخاصّة الإطار القانونيّ للزواج ومفاعيله كافّة، كون المرأة هي العنصر الأضعف في هذه التركيبة. وهذه الأبعاد المختلفة والمسؤوليّات الناتجة عنها استدعت عدّة اتّفاقيّات ومواثيق، نذكر أهمّها:

أ- الزواج في شرعة حقوق الإنسان

نصّت المادّة (16) من شرعة حقوق الإنسان الصادرة في 10 كانون الأوّل 1948 والتي تشكّل الأساس للقانون الدوليّ لحقوق الإنسان على ثلاثة مبادئ تحكم الحياة العائليّة 396 وتُشكّل الحلقة الأساسيّة للحماية القانونيّة التي تُحيط بها، وتنصّ في الفقرة الأولى:

"1- للرجل والمرأة متى بلغا سنّ الزواج حقّ التزوّج وتأسيس أسرة دون أيّ قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه، وعند انحلاله.
2- لا يُبرم عقد الزواج إلّا برضى الطرفين الراغبين في الزواج، رضًى كاملًا لا إكراه فيه.
3- الأسرة هي الوحدة الطبيعيّة الأساسيّة للمجتمع، ولها حقّ التمتّع بحماية المجتمع والدولة."

أمّا المادّة 25 منه، فتنصّ على حقّ الأمّهات والأطفال 397 بـ "رعاية ومساعدة خاصّتين" و"حماية اجتماعيّة" وتنصّ على أنَّه:

"1- لكلّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحّة والرفاهة له ولأسرته، وخصوصًا على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبيّة وصعيد الخدمات الاجتماعيّة الضروريّة. وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تُفقده أسباب عيشه.
2- للأمومة والطفولة حقٌّ في رعاية ومساعدة خاصّتين. ولجميع الأطفال حقُّ التمتّع بذات الحماية الاجتماعيّة، سواء وُلدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار".

ب- الاتّفاقيّة الأميركيّة لحقوق الإنسان

أمّا المادّة (17) من الاتّفاقيّة الأميركيّة لحقوق الإنسان الصادرة عام 1969 فقد نصّت على حماية حقوق الأسرة:

1- الأسرة هي وحدة التجمّع الطبيعيّة والأساسيّة في المجتمع، وتستحقّ حماية المجتمع والدولة.
2- إنَّ حقّ الرجال والنساء الذين بلغوا سنّ الزواج في أن يتزوّجوا ويؤيّدوا أسرة، هو حقٌّ معترف به، إذا استوفوا الشروط التي تحدّدها القوانين المحليّة، طالما أنَّ هذه الشروط لا تتعارض مع مبدأ عدم التمييز الذي تُقرّه هذه الاتّفاقيّة.
3- لا ينعقد أيّ زواج إلّا برضى الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملًا لا إكراه فيه.
4- تتّخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة التي تضمن للزوجين مساواةً في الحقوق وتوازنًا ملائمًا في المسؤوليّات عند التزوّج وخلال فترة الزواج وعند انحلاله إذا حصل. وفي حال انحلال الزواج، يُحتاط لتوفير الحماية اللازمة للأولاد على أساس مصلحتهم المثلى وحسب.
5- يعترف القانون بحقوق متساوية لكلٍّ من الأولاد الشرعيّين (الذين يولدون ضمن نطاق الزوجيّة) والأولاد غير الشرعيّين (الذين يولدون خارج نطاق الزوجيّة).

ج- الميثاق الأفريقيّ لحقوق الإنسان والشعوب

تنصّ الفقرة الثالثة من المادّة (18) من الميثاق الأفريقيّ لحقوق الإنسان والشعوب الصادر عام 1981 في كينيا، والمتعلّقة بحقوق الأسرة، على أنَّه: "يتعيّن على الدولة القضاء على كلّ تمييز ضدّ المرأة، وكفالة حقوقها وحقوق الطفل، على نحو ما هو منصوص عليه في الإعلانات والاتّفاقيّات الدوليّة".

د- الاتّحاد الأوروبيّ في ميثاق الحقوق الأساسيّة

وذهب الاتّحاد الأوروبيّ في ميثاق الحقوق الأساسيّة الذي أقرّه عام 2000 ودخل حيّز التنفيذ في 2009 إلى ما ذهبت إليه الشرعة العالميّة من حيث ضرورة حماية حقّ الزواج وحقّ تأسيس العائلة بقوّة القانون في المادّة (9) منه. وتحدّثت المادّة (12) بالمطلق عن قوّة القانون 398 الذي يحمي الأسرة من أيّ تدخّل تعسّفيّ وأمّا المادّة (25) منه فقد تناولت الرابط القانونيّ وأقرّت معترفة بوجود رباط شرعيّ، وتوسّعت بالحديث عن رباط آخر غير شرعيّ من باب الحديث عن حماية الأطفال 399.

نلاحظ أنَّ تطوّرًا حصل على مفهوم حريّة الزواج، بدءًا من التحديد المباشر والضيّق لهذا الحقّ في الشرعة الدوليّة، لنجد أنفسنا من ثَمّ، مع الشرع اللاحقة، أمام مفهوم واسع يتناول الزواج ضمن نطاق أشمل قائم على مفهوم الأسرة وضرورة حمايتها، وخصوصًا حماية الطرفين الأضعف فيها وهما المرأة والطفل.

سمحت ضرورة حماية الأطفال من الأخطار المحيطة بعمليّة الإنجاب خارج الزواج، وعدم تعريض حياتهم للإجهاض، بتعديل القوانين لجهة مساواة الأولاد غير الشرعيّين بالأولاد الناجمين عن عقد شرعيّ، حتّى ولو كانت تلك العمليّة تتمّ على حساب عقد الزواج نفسه، ما أدّى إلى شيوع عدم الاكتراث بإتمام شكليّات عقد الزواج نفسه والاكتفاء بالمساكنة، التي هي من التصرّفات الممقوتة دينيًّا، يُضاف إليها محاربة الدين وتمييزه بين ولد شرعيّ وآخر غير شرعيّ.

وتكملةً لكلّ ما سبق، كان لا بدّ لنا من دراسة الزواج المدنيّ من خلال المعاهدات الدوليّة والعربيّة، للوقوف على دوافع ومنطلقات التطوّر الحاصل في الزواج، انطلاقًا من أنَّ الأديان تُشكّل مصدرًا أساسيًّا للشرعة العالميّة، وصولًا إلى ما يُعرف اليوم في لبنان بزمن التصادم بين الأديان والمجتمع الدوليّ، وعلامة هذا الصدام هو عدم إقرار الزواج المدنيّ أو مناقشته حتّى، تحت القبّة البرلمانيّة.

ثانيًا، إشكاليّة لبنان والزواج المنصوص عنه في المواثيق الدوليّة

وجَّه المجتمع الدوليّ عبر عدّة محطّات تاريخيّة، كان آخرها التعليق من لجنة حقوق الطفل على التقرير المقدّم من لبنان 400 في عام 2017، فنصّت الفقرة (ج) على "إجراء حوار وطنيّ مع الطوائف الدينيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ المعنيّة بغية إقرار قانون مدنيّ مشترك للأحوال الشخصيّة والميراث، يجب تطبيقه على الأطفال كافّة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينيّة". إنَّ المعاهدات الدوليّة الملزمة للبنان تنصّ على فكرة المساواة بين الذكر والأنثى، وعلى تطبيق القانون المدنيّ الذي هو الأداة العمليّة لتحقيق ذلك على الجميع من مواطنين أو مقيمين. والقول بحريّة الزواج دون قيد أو شرط دينيّ هو من صميم تلك المعاهدات. وبما أنَّ الواقع اللبنانيّ اليوم يؤكّد على غياب القانون المدنيّ وينصّ فقط على النظام الطائفيّ للأحوال الشخصيّة، فينطبق بالتالي عليه الوقوع في التمييز بين مواطنيه وسكّانه على أساس الدين، فهناك قوانين متعدّدة تُطبّق بحسب الانتماء الطائفيّ، وهناك من الناس مَن لا يستطيعون الاحتكام إلى أيّ قانون لانتمائهم الدينيّ لطائفة لم تنل شرف الاعتراف بها من قبل السلطة التشريعيّة. علمًا أنَّ الدولة التي تُخالف أحكام الشرعيّة الدوليّة، تُعتبر فاقدةً لشرعيّتها، ولا تتمتّع بما يؤهّلها للانضمام إلى المجتمع الدوليّ إذا ما استمرّت في هذا الرفض.

وتسعى المؤسّسات الدينيّة الوطنيّة في لبنان، إلى إظهار لبنان أمام العالم، بأنَّه بلد الرسالة والعيش الواحد. ولا تقبل بأيّ شكل أن تظهر المؤسّسة الدينيّة بمظهر المقيّد للحريّات تجاه من يعتبر نفسه ملحدًا، أو من يؤمن بدين لم تُعطِه الدولة بعد الشخصيّة المعنويّة القانونيّة التي تؤهّله لتقديم نظام أحواله الشخصيّة.

وينطلق معارضو طرح الزواج المدنيّ من القاعدة الدستوريّة "حريّة المعتقد"، ويُفسّرونها بما يوافق مصلحتهم. فالزواج الدينيّ في نظرهم هو حقٌّ دستوريٌّ، ينبغي العمل على حمايته، وإعطاؤه مرتبةً تعلو على القوانين العاديّة التي يندرج من ضمنها اقتراح مشروع الزواج المدنيّ. أمّا مناصرو الزواج المدنيّ، فيستندون بدورهم، إلى قاعدة الحريّات العامّة وعلى مبدأ المساواة أمام القانون، الذي يكفله الدستور أيضًا، في مقدّمته المعدّلة في العام 1990، التي أضيفت في المبحث (ج)، وهي تنصّ على أنَّ: "لبنان جمهوريّة، برلمانيّة ديمقراطيّة تقوم على احترام الحريّات العامّة، وفي طليعتها حريّة الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل". ويُساند الدستور أيضًا في مادّته السابعة ذلك المبدأ، فينصّ صراحةً أنَّ كلّ اللبنانيّين هم سواء لدى القانون، ويتمتّعون بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ذاتها، ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة من دون أيّ تفريق بينهم.

وتتضمّن حريّة المعتقد بُعدًا داخليًّا على صعيد الضمير، وبُعدًا آخر خارجيًّا على صعيد آليّة التعبير عن المعتقد أو حتّى التبشير به. وهذا الأخير له مظهر اجتماعيّ تنظّمه الدولة، وتكفل حُسن تطبيقه من دون أن تتدخّل فيه شرط المحافظة على النظام العامّ. لكنَّ عدم التدخّل هذا، يطال بطبيعة الحال الصعيد الداخليّ النفسيّ للمؤمن، أي ما يختلج في قلب الإنسان كما يطال أيضًا الوسائل المشروعة في التعبير عن الشعائر الدينيّة. وكلّ عمل إلزاميّ بهذا التوجّه يُعتبر ديكتاتوريًّا.

وقد أباحت جميع المعاهدات الدوليّة حريّة الزواج، واعتبرته من الحقوق الشخصيّة اللصيقة بالإنسان. فأشارت لجنة الأمم المتّحدة المعنيّة بحقوق الإنسان في البند (18) إلى الملاحظات الختاميّة حول التقرير 401 المقدّم من الحكومة اللبنانيّة عام 1997 إلى عدم التزام لبنان بتعهّداته الدوليّة لجهة احترام حريّة الزواج.
"... وتشعر اللجنة بالقلق كذلك إزاء توافق القوانين والأنظمة التي لا تسمح للمواطنين اللبنانيّين بأن يبرموا عقود زواج إلّا وفقًا لقوانين وإجراءات إحدى الطوائف الدينيّة المعترف بها، كون هذه القوانين والإجراءات لا تنصّ على المساواة في الحقوق للمرأة".
وقد ذهبت اللجنة إلى أبعد من مجرّد وصف الواقع القانونيّ للزواج في لبنان، فدعته إلى سنّ قوانين مدنيّة للزواج تكون متاحةً لكلّ إنسان، إذ جاء في البند (19) من الملاحظات الختاميّة للجنة ما حرفيّته:
"... بأن تُستحدث في لبنان، إضافةً إلى القوانين والإجراءات القائمة التي تنظّم الزواج، قوانينُ مدنيّة بشأن الزواج والطلاق متاحة لكلّ إنسان."

وبعد ثماني سنوات عادت اللجنة لتوصي في "الملاحظات الختاميّة على تقرير لبنان الجامع لتقريريه الدوريّين الرابع والخامس 402" في العام 2015 في البند (46) ما حرفيّته: "وتوصي اللجنة الدولة اللبنانيّة الطرف بأن:
(أ) تعتمد قانون أحوال شخصيّة مدنيًّا اختياريًّا مبنيّ على مبادئ المساواة وعدم التمييز، والحقّ في اختيار الانتماء الدينيّ بما يحمي المرأة ويخفّف من حدّة تهميشها قانونيّاً واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
(ب) تُلزم الطوائف الدينيّة بتدوين قوانينها وتقديمها إلى البرلمان للنظر في مدى توافقها مع الدستور وأحكام الاتّفاقيّة، وتنشئ آليّة للطعون، لتشرف على إجراءات المحاكم الدينيّة وضمان عدم تمييز تلك المحاكم ضدّ المرأة فيما تُصدره من أحكام.
(ج) تُحدّد السنّ القانونيّة الدنيا للزواج بواقع 18 عامًا للإناث والذكور، تماشيًا مع المعايير الدوليّة واتّخاذ التدابير اللازمة لمنع زواج الريفيّات فعليًّا في مرحلة الطفولة".

وقد اعتنى مرصد الحريّة الدينيّة الأميركيّة بإصدار تقرير سنويّ حول الوضع في لبنان. ولاحظ عدم الاعتراف بالزواج المدنيّ داخل الأراضي اللبنانيّة. وسجّل حالة البهائيّين 403 الذين يُسجّلون أنفسهم ضمن الأحوال الشخصيّة كشيعة من أجل تسجيل معاملاتهم الزوجيّة، بالرغم من أنَّهم تاريخيًّا كانوا من الطوائف الموجودة على الأراضي اللبنانيّة قبل الاستقلال (كما ذكرتُ في الفصل الأوّل)، إلّا أنَّ القانون لم يلحظ وجودهم رسميًّا.

ويمكننا ذكر حالة أخرى يستشهد بها التقرير الأميركيّ، وهي حالة بعض الكنائس الإنجيليّة التي يُفترض أن تنتمي إلى المجلس الأعلى للطائفة الإنجيليّة حُكمًا، بغية الاستفادة من الشخصيّة المعنويّة لأتباعها. ومن دون هذا الغطاء لا تُعطى الصفة الرسميّة للزيجات التي تعقدها هذه الطائفة.

إنَّ الاعتراف بأهمّيّة الزواج وبالحقّ بتكوين أسرة، عنوان عريض يتّفق حوله الجميع. ولكن ماذا عن القانون الذي يريد الطرفان الخضوع له؟ إنَّ حريّة المعتقد مطلقة في لبنان، وعليه يمكن للمواطن أن يعبّر عمّا يعتقده ويُعلن عنه ويُمارس طقوسه شرط عدم الإخلال بالنظام العامّ. وفي نطاق عقد الزواج، ألزمت المادّة (16) من قانون 2 نيسان 1951 ببطلان "كلّ زواج يُجريه في لبنان لبنانيّ ينتمي إلى إحدى الطوائف المسيحيّة والإسرائيليّة أمام مرجع مدنيّ".

المبحث الأوّل: مفهوم الزواج من خلال حقوق المرأة في المواثيق الدوليّة

يُشير كتاب التكوين 404 إلى شريعة مقدّسة بحكمٍ إلهيٍّ وهي أنَّ الرجل يسود على المرأة، وبقيت هذه هي حال الدنيا إلى ما بعد الحرب العالميّة الأولى، حيث قُتل الكثير من الرجال، وأصبحت الحياة وقفًا على المرأة بكلّ جوانبها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، فكان لا بدّ للتشريعات الدوليّة من أن تُواكب هذا النمط المستجدّ في الحياة، وتُعطي المرأة المزيد من الحريّات، التي ستضمن في نهاية المطاف هذه الحقوق مستقبلًا أفضل للمجتمع.

إنَّ العودة إلى تشريعات المرأة في المجتمع الدوليّ تُساعدنا على فهمٍ أفضل لمسيرة التطوّر في عقد الزواج، وسبب توقّف الكلام عن الزواج واحترام المعتقدات والمظاهر الاجتماعيّة، الذي هو من مسلّمات الأمور في الدبلوماسيّة والتشريعات الدوليّة، إلى الحديث عن زواج مدنيّ لا نكهة دينيّة خاصّة له. ويمكننا وصف ما كفلته الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، بـ "عولمة الزواج"، وكيف أنَّ موضوع الزواج المدنيّ وكلّ ما يلحق به من تبعات منذ إجراء العقد إلى مفاعيله الناتجة عنه، تحوّل عبر السنين إلى مطلب أساسيّ بغية تحقيق المساواة والعدالة والكرامة للمرأة.

في العام 2014، توصّلت الأمم المتّحدة إلى الحصول على تواقيع 143 دولة من أصل 195، عدّلت دساتيرها لتتضمّن قوانين تُحارب بها كلّ أنواع التمييز ضد المرأة، إنَّ هذا الكمّ من العمل الطويل ومن آثاره المتعدّدة على المستوى الدوليّ، يُرشدنا إلى خارطة طريق تُساعدنا على فهمٍ أفضل لكيفيّة تطوّر مفهوم الزواج المدنيّ، وللأهمّيّة التي أصبح يكتسبها إذ أضحى نوعًا من بطاقة دخول تُلزم الدول بالانضمام إلى النادي الدوليّ.

وأُبرمت في 7 تشرين الثاني من عام 1964، أوّل اتّفاقيّة دوليّة عن الأمم المتّحدة، حملت عنوان "اتّفاقيّة الرضا بالزواج والحدّ الأدنى لسنّ الزواج، وتسجيل عقود الزواج". وقد شكّلت هذه الاتّفاقيّة المدماك الأوّل والأساس بين حقوق المرأة في القانون الوضعيّ والممارسات والعادات التي تمسّ كرامة المرأة الإنسانيّة، كونها الهدف العامّ للنهوض بالمرأة. وقد أُدرجت في كلّ الاتّفاقيّات اللاحقة لتعزيز الاحترام والمراعاة العالمين لحقوق الإنسان، ودعم الحريّات الأساسيّة، ودون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة، وحتّى دون أيّ اعتبار لأيّ تمييز مبنيّ على الدين.

وقد ذكَّرت الاتّفاقيّة بالمبادئ الأساسيّة التي ينبغي أن تتضمَّنها كلّ قوانين الزواج، أي المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في الحقوق، فلا يُعقد زواج إلّا برضاهما فقط ويتساويان عند انحلال عقد الزواج. وهذا ما نصّت عليه المادّة (16) من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. أمّا القاعدة الثانيّة التي أُدرجت في مقدّمة هذه الاتّفاقيّة، فهي القرار (405) رقم 843 بتاريخ 17 كانون الأوّل 1954، الذي اعتُبر استفزازًا مباشرًا من المجتمع الدوليّ باتّجاه المجتمع المتديّن، إذ يحضّ الدول على تجاوز التقاليد والأعراف والقوانين الدينيّة التي تتعارض مع الإرادة الدوليّة.

وأسهت هذه الاتّفاقيّة بتوعية الدول الأعضاء في المجتمع الدوليّ وتنبيهه إلى الإطار العامّ الواسع والواجب الأخذ به. ومن الشروط الأساسيّة العامّة لاعتبار الزواج منعقدًا، الرضى، والعلانيّة، وحضور السلطة المختصّة التي تحمل سجلًّا خاصًّا بعقود الزواج، والشهود، وضرورة وضع سنٍّ أدنى لا يُسمح بالزواج لمن كان دونه. وستتحوّل هذه التوصيات مع الشرعات اللاحقة إلى خطوات عمليّة ينبغي تحقيقها. لكنَّ لبنان لم يوقّع على هذه الاتّفاقيّة إلى اليوم، فيما انضمّت إليها بعض الدول العربيّة 406 كالأردن وليبيا وتونس واليمن.

أوّلاً، المؤتمر العالميّ الأوّل للمرأة (المكسيك، 1975)

شكَّل مؤتمر المكسيك 407 خارطة طريق عالميّة ومبادئ عامّة أوّليّة، وتمَّكن المجتمع الدوليّ، دولًا وجمعيّات دوليّةً من الاسترشاد بها لتطوير قوانين أحوالها الشخصيّة. وقد انبثق عن المؤتمر معهد الأمم المتّحدة الدوليّ للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة، كما أُنْشئ صندوق الأمم المتّحدة الإنمائيّ للمرأة. لم يكن دخول المجتمع الدوليّ على ميدان الزواج هدفًا بحدّ ذاته، إذ كان الموضوع الاقتصاديّ للعائلة الشاغل الأوّل. وللحصول على النتائج المتوخّاة وإجراء عمليّة تطوير المجتمعات، كان لا بدّ من الدخول في ميدان الحريّة الفرديّة، أي الزواج الذي يُعتبر من أبرز نتائجها دون غير ذلك من الاعتبارات. وقد أرسى تقرير المؤتمر الدوليّ لمناسبة عام المرأة في مدينة مكسيكو، المبادئ العامّة والموحّدة لخطّة تمكين المرأة في أبرز ميادين عملها أي حياتها العائليّة، التي تتطلّب منها تكريس الكثير من الوقت، وترك بصمة واضحة في الحياة الاقتصاديّة على مستوى دخل العائلة أوّلًا، ومن ثَمّ على مستوى دخل المجتمع ثانيًا.

وتمّ الحديث في الفقرة (124) من أعمال المؤتمر عن العائلة في المجتمع المتمدّن، وأشارت هذه الفقرة إلى المنطلقات التي قارب بها المجتمع الدوليّ موضوع "العائلة". كما أشارت أيضًا إلى تغيّرات اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة، شهدتها مؤسّسة العائلة، وإلى وجوب أن تؤمّن هذه مؤسّسة الكرامة والمساواة والحماية لكلّ فرد منها... ومن أجل تطوير العائلة والمجتمع والاقتصاد، يجب تطوير دور المرأة بشكل مباشر ووثيق (فقرة 125). أمّا الفقرة (126) فقد ربطت العائلة بشكل مباشر بالمرأة، لأنّها تُعتبر المحرّك الأساسيّ للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. وإذا أردنا أن تُسهم المرأة في عمليّة التطوير، علينا أن نُعطيها الفرص المتكافئة في جميع الحقوق والموجبات مع الرجل، كما علينا أن نُعيد النظر دومًا في تصوّراتنا، حول الواجبات العائليّة وكيفيّة توزيعها بين الرجل والمرأة، وخصوصًا الأخذ بعين الاعتبار التغيّرات التي تطرأ على الحياة.

وأسبغت الفقرة (127) الشرعيّة والحماية على موضوع الأمّ العزباء، الذي يُشكّل الحدود الأولى للصراع بين الدِّينَيْن المسيحيّ والإسلاميّ من جهة، والتشريعات الدوليّة من جهة أخرى، إذ إنَّ للأمّ العزباء، وضعًا مستهجنًا ومرفوضًا في المجتمع المتديّن، الذي ينظر إليها نظرةً مهينةً. وتُضيف الفقرة (133) فتؤكّد على ضرورة حماية الأمّ العزباء، وتوفير كلّ أنواع المساعدة والمساواة في التعامل الإداريّ للأولاد، المعترف بهم أنَّهم من أمّ عزباء وللأولاد الناتجين عن زواج طبيعيّ، على قدم المساواة.

أمّا الفقرة (128) التي هي بيت القصيد، من حيث التدخّل بتشريعات الزواج مباشرةً. فقد نصّت بشكلٍ حرفيٍّ "على أنَّ قوانين الزواج يجب أن تتماشى مع النموذج الدوليّ، ويجب أن يكون الارتباط قائمًا على الموافقة الحرّة للعروسين فقط، وأنَّ يأخذ الحدّ الأدنى للزواج بعين الاعتبار متطلّبات إكمال المرأة لدراستها بشكل خاصّ. وفي دراسةٍ للباروميتر العربيّ عام 2018 حول وضع النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تجلّت الفجوة بين الواقع والأدوار 408. فقد أظهرت الإحصاءات ترابطًا وثيقًا بين ازدياد نسبة التعليم وبين إقرار المزيد من الأدوار للمرأة. وتبيّن أنَّ لبنان هو من أقلّ البلدان العربيّة لناحية اعتبار التعليم الجامعيّ للرجل أهمّ من ذاك للمرأة. وهذا يُثبت نظرة المجتمع اللبنانيّ إلى إعطاء الفتاة القدرة على التعلّم، وعدم تزويجها باكرًا، ويُعتبر لبنان من أكثر البلدان العربيّة تأييدًا لناحية تولّي المرأة منصبًا قياديًّا سياسيًّا كرئيسة جمهوريّة أو رئيسة مجلس وزراء. وسيكون الزواج المباشر ورفع تحديد سنّ الزواج من دون وسيط، في مواجهة التقاليد الدينيّة الإسلاميّة، لأنّها تُخالف الشرع. وأصبح هذا الموضوع مدار بحث طويل حتّى يومنا هذا.

وتنصّ الفقرة (129) صراحةً على وجوب أن تُعدّل جميع المؤسّسات والتقاليد النصوص والمبادئ العامّة، التي تتعارض مع ما ذُكر آنفًا، لتكفل عدم زواج الأطفال واحترام ميراث الأرامل. وتُعيد الفقرة (130) التأكيد على المساواة في الحقوق والواجبات من حيث تحمّل أعباء العمل والأعباء المنزليّة والمشاركة في القرارات التي تخصّ العائلة. وتُكمل الفقرة فتتكلّم عن مفاعيل انحلال الزواج، الذي يجب أن يكون متوفّرًا بالتساوي للرجل والمرأة أيضًا. أمّا من ناحية اقتسام الميراث وتوزيع الممتلكات بين الاثنين عند انحلال العقد، فإنَّ التقرير العامّ يُطالب بتعديل جميع الأحكام وبتحرير عقد الزواج من كلّ تقليد مخالف، وبأنَّ يُراعي حقّ الحضانة وما هو الأفضل للأولاد.

أمّا الفقرة (131) المتعلّقة بضرورة المساعدة المحترفة للعائلة، كإيجاد محكمة مختصّة مدنيّة تنظر في قضايا الزواج. أي إنَّ التقرير يسحب من المؤسّسة الدينيّة سلطة الإشراف على الحياة الزوجيّة. وهذه النقطة بالذّات هي حجر الزاوية في عولمة الزواج وإخراجه من العادات والأعراف الدينيّة، التي أصبحت لا تُجاري الزمن والتحدّيات المعاصرة وتطبيقات القواعد المدنيّة على الزواج. ثمّ تُطالب الفقرة (132) بإدخال التعديلات على البرامج التربويّة، بحيث يتمّ تأهيل المقبلين على الزواج، وشرح تلك المبادئ الدوليّة، التي قد تكون جديدة على المجتمع المحليّ، فعلى المدرسة مناهضة خطاب التمييز على أساس الجنس بين ذكر وأنثى. وقد أوصت الجلسة العامّة لعام 1975 بأنَّ الأعوام من 1976 إلى 1985 ستكون "عقد المرأة" وطلبت من الأمين العام العمل على المساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء التمييز ضدّها، وإنشاء معهد دوليّ للتدريب من أجل النهوض بها.

ثانيًا، اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (الجمعيّة العامّة، 1979)

تنطلق هذه الاتّفاقيّة في مقدّمتها من ضرورة إقامة نظام اقتصاديّ عالميّ جديد، واعتماد مبادئ الإنصاف والعدالة بهدف الوصول إليه. ومن أبرز المعوّقات لتحقيق ذلك، وضع المرأة والتمييز الحاصل لها على جميع الأصعدة العائليّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. لذلك، تُشكّل هذه الاتّفاقيّة نوعًا من عمليّة تقطير لمجهود آخر خمس سنوات من تاريخ الأمم المتّحدة في وقتها. ولم يكن تبرير التدخّل في الحياة العائليّة هدفًا بحدّ ذاته، وإنّما جاء تتويجًا لمرحلة طويلة من النضال، بغية تحديث المجتمعات وتقدّمها. وقد تمّ التدخّل في الحياة العائليّة والاحتكام إلى مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة على حساب التقاليد المحليّة، التي، وإن كانت في فترة نشأتها علامةً على تطوير المجتمع، إلّا أنَّ النظر إليها اليوم، قد أصبح معاكسًا ودليلًا على تخلّف المجتمع، وجعله بؤرةً خصبةً للعنف والإرهاب، وهذا ما يُهدّد سلام المجتمع الدوليّ باستمرار.

أمّا المادّة (16) منه فقد لخّصت في فقرة أولى من عدّة نقاط، ما جاء في مؤتمر المكسيك في قالب قانونيّ صريح ومباشر، من ناحية إجراء عقد الزواج وتفاصيل مسيرة الزواج وانحلاله. واهتمّت في فقرة ثانية بموضوع زواج القاصرات وضرورة رفع سنّ الزواج بما يتناسب مع موضوع إكمال التعليم. وقد اعتمدت الجمعيّة العامّة في العام 1979 اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة على أنّها شرعة حقوق للمرأة. وقد صدّقت معظم الدول العربيّة عليها، لكن مع التحفّظ، باستثناء فلسطين، التي أقرّتها دون أيّ تحفّظ عام 2004. أمّا التحفّظ، فكان على المادّتَيْن (2) و(16) اللّتَيْن تحظران التمييز ضدّ المرأة في الدساتير والقوانين الوطنيّة. ولم تُصدّق إلّا بعض الدول العربيّة على البروتوكول الاختياريّ للاتّفاقيّة. أمّا تركيّا فقد انسحبت من هذه الاتّفاقيّة 410 مؤخّرًا في 23 آذار 2021، ما يُعزّز فرضيّة ابتعاد تركيا 411 عن العلمنة التي أقرّها مصطفى أتاتورك عام 1926.

ثالثًا، المؤتمر العالميّ لعقد الأمم المتّحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم (كوبنهاغن، 1980)

شكَّل هذا المؤتمر كنقطة انتصاف في فترة "عقد المرأة" الذي أقرّ في المكسيك. وكان لا بدّ من قراءة ما تحقّق، ووضع برنامج للفترة المتبقيّة منه. وأخذ المؤتمر بالمجمل طابع المدافعة عن المرأة في موضوع السلام حول العالم، متّخذًا من المرأة في جنوب أفريقيا وفلسطين والمرأة المهجّرة واللاجئة نموذجًا للدراسة. وقد سمح التعمّق في حياة المرأة والدراسات المتعدّدة التي تطال مختلف جوانبها، بذكر موضوع "العنف المنزليّ"، ولأوّل مرّة في وثيقة رسميّة للأمم المتّحدة. وتمّت إدانة هذا العنف في عدّة بنود منه، ووجد المجتمعون فوارق يجب الاعتراف بها، لأنّها قائمة بين الاعتراف بالحقوق وتسميتها وبين إمكانيّة تطبيقها والاستفادة منها. ولتحقيق المساواة والتنمية والسلام، فرض المؤتمر العمل في ثلاثة مجالات أساسيّة: أوّلًا، المساواة في الحصول على التعليم (التربية)؛ ثانيًا، المساواة في الحصول على فرص العمل (الاقتصاد)؛ وثالثًا، المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحيّة المناسبة (الصحّة العامّة). وقد دعا برنامج العمل الذي خرج به المؤتمر إلى اتّخاذ تدابير وطنيّة أقوى لضمان ملكيّة المرأة على ممتلكاتها وسيطرتها عليه، إضافة إلى إدخال تحسينات في مجال حقوق المرأة فيما يتعلّق بالميراث وحضانة الأطفال (وهما من أبرز مفاعيل عقد الزواج) وفقدان الجنسيّة.

رابعاً، المؤتمر العالميّ لاستعراض وتقييم إنجازات عقد الأمم المتّحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم (نيروبي، 1985)

في العام 1985 في نيروبي، عُقد المؤتمر العالميّ لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتّحدة للمرأة في مجالات المساواة والتنمية والسلم، وبحث في كيفيّة دفع الأمور إلى الأمام. وقد شعر المنظّمون، بعد مرور خمس سنوات، أنَّ أهداف مؤتمر المكسيك لم تتحقّق على نحوٍ كافٍ، كما أنَّ موضوع العنف المنزليّ لم يحظَ بالأهمّيّة المطلوبة. فشدّدت الفقرة (68) على ضرورة تنقيح القوانين المدنيّة بما يتلاءم مع الإرادة الدوليّة، ولا سيّما القوانين التي تتعلّق بالأسرة من أجل القضاء على الممارسات التمييزيّة حيثما وجدت، ومنها شروط أهليّة المرأة للزواج، وحدود اعتبارها قاصرة بغية منحها المساواة في الحقوق والواجبات مع الرجل. وضع مؤتمر نيروبي ثلاثة مقاييس أساسيّة لتقييم التقدّم المحرز، معتبرًا إيّاها "الرابط" بين التنظير العام الذي أرسته المؤتمرات السابقة وبين الحياة العمليّة المباشرة. أمّا المقاييس فهي: 1- التدابير الدستوريّة والقانونيّة. 2- المساواة في المشاركة الاجتماعيّة. 3- المساواة في المشاركة السياسيّة واتّخاذ القرار. ولم تجفَّ العاصفة التي بدأت في نيروبي حول موضوع العنف ضدّ المرأة. بل حظيت القضيّة بمزيد من المصداقيّة في يونيو 1993 في مؤتمر الأمم المتّحدة العالميّ حقوق الإنسان في فيينا إذ نصّت على "تعريف واضح وشامل للعنف ضدّ المرأة وبيان واضح للحقوق التي ينبغي تطبيقها لتأمين القضاء على العنف ضدّ المرأة بجميع أشكاله".

خامساً، المؤتمر العالميّ الرابع للمرأة (بيجين 1995)

في الذكرى الخمسين لإنشاء الأمم المتّحدة، أعرب المجتمع الدوليّ عن ملله من التقدّم البطيء لكلّ ما يتعلّق بحقوق المرأة، وعقد العزم على التقدّم بخطوات سريعة في تحقيق أهداف المساواة والتنمية والسلم لجميع النساء. فصدر إعلان بيجين بإجماع جميع الدول، كبيان سياسيّ ضمّ في بنوده فقرات مطوّلة كانت بالأمس مجرّد نقاط محدّدة بإطار ضيّق. ونصّ الإعلان على مجالات الاهتمام الحاسمة 412 التي ينبغي العمل عليها. ومن هذه المجالات قضيّة العنف ضدّ المرأة.

أمّا ما يهمّ دراستنا، فهو ما ورد في الفقرة (112) التي عرّفت العنف ضدّ المرأة. وقد شكّل هذا التعريف بحدّ ذاته، نقلة نوعيّة في مقاربة أوضاع النساء. إذ كُنّا، قبل إعلان بيجين، نتكلّم بصورة عامّة جدًّا عن المساواة بين الرجال والنساء. ومع مؤتمر نيروبي، اتَّخذ للكلام منحًى مغايرًا عن الأوضاع المحدّدة، وشجّع المؤتمر على العمل على تحسين ظروفها. إلى أن وصلنا مع مؤتمر بيجين إلى باب تجريم ومعاقبة كلّ تمييز تتعرّض له المرأة، ومنه العنف المنزليّ بكلّ أشكاله، وزواج القاصرات، وعدم إقرار الأهليّة الاقتصاديّة والقانونيّة للمرأة، ومدى حماية القوانين لها في حال تعرّض عقد الزواج للانحلال، وأيضًا لحصّة المرأة من الميراث العائليّ، فالعنف ضدّ المرأة ليس فقط الأذى الجسديّ أو النفسيّ أو الجنسيّ، بل بحسب الفقرة (أ) من الفقرة (113)، يشمل العنف أيضًا أعمال العنف المتعلّقة بالبائنة، المَهْر مثلها مثل اغتصاب الزوجة من قِبل الزوج.

تطرّق مؤتمر بيجين إلى قضيّة الزواج المبكّر، والزواج بالإكراه، من باب الإشارة إلى الخلل الكامن في عدم إحقاق حقوق المرأة، ومن باب الصحّة في مجال زواج الأطفال 413. وهذا الزواج المبكّر، المقبول دينيًّا والمرفوض دوليًّا، يُسهم في إخراج المرأة من ميدان التعليم، ويتبع ذلك إخراجها من عمليّة التنافس في سوق العمل 414. إنَّ القضاء على الممارسات الضارّة، ومنها الزواج المبكّر، هو أحد الأهداف الاستراتيجيّة 415 التي نصّ عليها المؤتمر. وعلى كلّ الحكومات، بالتعاون مع المنظّمات غير الحكوميّة، ووسائط الإعلام، والقطاع الخاصّ، والمنظّمات الدوليّة ذات الصلة، بما في ذلك هيئات الأمم المتّحدة، العمل على تنفيذها. وأتت الفقرة (274) بند "هـ" على ذكر العلاقة القائمة بين النصوص القانونيّة وحقوق المرأة، لناحية التركيز على قاعدة الرضى الكامل لطالبي الزواج حصرًا، وضرورة البلوغ الفكري وليس البلوغ الجسديّ المطلوب بالنصّ الدينيّ فقط لعقد الزواج، وقد نصّت على "سنّ وإنفاذ القوانين الكفيلة بأن لا يتمّ الزواج بغير الرضى الحرّ والكامل للمُقدمين على الزواج؛ ويُضاف إلى ذلك سنّ القوانين المتعلّقة بالحدّ القانونيّ الأدنى لسنّ الرشد والحدّ الأدنى لسنّ الزواج، وإنفاذ تلك القوانين بصرامة ورفع الحد الأدنى لسنّ الزواج عند الاقتضاء".

سادساً، ما بعد مؤتمر بيجين

شكَّل مؤتمر بيجين نقطة محوريّة في عمليّة النهوض بالمرأة ودفعها قدمًا، وأصبحت الخطط الموضوعة من بعده مجرّد تعداد واستكمال لما أرساه مؤتمر بيجين. ويتمّ كلّ خمس سنوات استعراض ما تمّ إنجازه. وقد جرى ذلك في السنوات 2000 و 2005 و 2010 و 2015 و 2020. في 2 تمّوز 2010، أجمعت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على إنشاء هيئة واحدة تابعة للأمم المتّحدة لتكليفها بتسريع التقدّم المحرز في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. ويدمج كيان الأمم المتّحدة الجديد المعنيّ بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة - هيئة الأمم المتّحدة للمرأة - أربع وكالات ومكاتب دوليّة وهي: صندوق الأمم المتّحدة الإنمائيّ للمرأة (اليونيفيم)، وشعبة النهوض بالمرأة، ومكتب المستشارة الخاصّة للقضايا الجنسانيّة، والمعهد الدوليّ للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة. وهذا يؤكّد على إصرار الإرادة الدوليّة المضيّ قدمًا في هذا المضمار، وما يعكسه على واقع الحياة الزوجيّة من تبعات. أمّا الآن، فقد ركّزت الأمم المتّحدة على خطّة التنمية العالميّة (2030) التي طوّرتها مؤخّرًا، والمكوّنة من 17 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة. وتلعب المرأة دورًا حاسمًا في كلٍّ من هذه الأهداف، مع إدراك العديد منها، وعلى وجه التحديد قضيّة المساواة بين المرأة والرجل، وتمكينها على حدّ سواء كجزء من الحلول المستدامة. ويهدف الرقم (5) من هذه الأهداف، إلى "تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات". أمّا الغايات المرافقة للهدف الخامس، فتدعو إلى القضاء على التمييز والعنف ضد النساء، وعلى جميع الممارسات الضارّة (كزواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري)، وإلى كفالة مشاركة النساء في جميع مستويات صُنع القرار في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والعامّة. ودعا الهدف الخامس أيضًا إلى ضمان حصول الجميع على خدمات الصحّة الجنسيّة والإنجابيّة والحقوق الإنجابيّة... ورغم كلّ ما سبق ذكره من مؤتمرات، ما زالت هناك حاجة لتغييرات قانونيّة وتشريعيّة عميقة لضمان حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم. وفي حين أنَّ 143 دولة ضمنت المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها بحلول عام 2014، إلّا أنَّ هناك 52 دولة ما زالت مُحجمة عن هذه الخطوة.

المبحث الثاني: الزواج وحقوق المرأة في المواثيق العربيّة

كثيرًا ما يُنعت العالم الغربيّ والدوليّ في أوساط العالم العربيّ بأنَّه يحمل أجندة معادية للإسلام، وبأنَّ المعاهدات الدوليّة إنّما هي طريقة أخرى لتقويض الحياة الاجتماعيّة في العالم الإسلاميّ. وعليه، لا بدّ من التطرّق إلى المواثيق العربيّة، والتي هي نتاج المجتمع الإقليمي بكلّ مكوّناته المباشرة وخصوصًا الدين الإسلاميّ، لا سيّما أنَّ تلك المواثيق تناولت بشكل واضح مكانة المرأة، وما يُحسب لها من حياة أسريّة. وإن كانت المواثيق العربيّة تُعالج المشاكل التي يتخبَّط فيها العالم العربيّ، ولبنان بطبيعة الحال، فماذا عن إشكاليّات الزواج ومفاعيله؟ منذ إعلان شرعة حقوق الإنسان مع اللبنانيّ شارل مالك، حفظ لبنان مكانةً متقدّمة له في الدفاع عن حقوق الإنسان. ومع التوقيع على هذه الاتّفاقيّة، حافظ على ماء الوجه تجاه المجتمع الدوليّ. لكنَّه مع التحفّظات التي استتبعها أفرغ هذه الاتّفاقيّة من مضمونها، وذلك بحسب ما عبّر عنه التقرير المرفوع من الدنمارك إلى الأمين العام للأمم المتّحدة، من شكوك حول جديّة انضمام لبنان إلى هذه الاتّفاقيّة، كونه أسقط فكرة المساواة أو فرغها من مضمونها، وحاد عن هدفها وتحفّظ عليها. وبحسب المادّة (28) من الاتّفاقيّة عينها فقرة (2) لا يجوز إبداء أيّ تحفّظ يكون منافيًا لموضوع هذه الاتّفاقيّة وغرضها". فمن جهة، ضربت تحفّظات لبنان فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في ميدان الأحوال الشخصيّة، ومن جهة أخرى، كرّست بالقوّة نفسها وأسبغت هالةً من القدسيّة على قوانين الأحوال الشخصيّة المرعيّة الإجراء في لبنان، وجعلته في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدوليّ. وأصبحت القوانين الداخليّة، والتي تجد في التشريع الإلهيّ مصدرًا لها وتعتبر نفسها بطبيعة

الأحوال خادمة لفكرة المساواة في الحقوق بين الزوجين، جائرةً لا تُراعي الحدّ الأدنى من حقوق المرأة بالمقارنة مع المجتمع الدوليّ. وقد حضّت تحفّظات بعض الدول الإسلاميّة على هذه الاتّفاقيّة، على مخالفتها بالاستناد إلى الشريعة الإسلاميّة كالعراق، وليبيا، والكويت، وعمّان، وباكستان، وقطر، والمملكة العربيّة السعوديّة، والبحرين، والجزائر. وبينما نجد في تحفّظ مصر خطوة دفاعيّة إلى الأمام، عبر رفضها التشكيك في مبدأ المساواة بين الزوجين، الذي تحقّقه الشريعة الإسلاميّة، وتُعطي مثلًا للتوازن بين الالتزامات الماليّة الملقاة على الزوج من جهة، وعلى عدم إعطاء الزوجة حريّة طلب الطلاق بنفسها دون مراجعة القاضي من جهة مقابلة 416. وحذّر الشارع الإسلاميّ في لبنان من السير بهذه الاتّفاقيّة، وخصوصًا المادّة (16) منها الخاصّة بالأسرة، لأنّها أخطر مواد الاتّفاقيّة على الإطلاق، فهي تمثّل حزمة بنود تعمل على هدم قانون الأحوال الشخصيّة الدينيّة، بأهمّ فقراته من زواج وطلاق وقوامة ووصاية وولاية، وحقوق وواجبات الزوجين والأبناء. وباختصار، إنَّ هذه المادّة تمسّ بقوّة كلّ ما يمسّ الأسرة كمؤسّسة ونظام وقيم، فهي تمثّل نمط الحياة الغربيّة، وتتجاهل معتقداتنا العربيّة وقيمنا، وتدعو إلى تجاوز الدين وإبداله بأنظمة غربيّة تؤدّي إلى تخريب المجتمع اللبنانيّ وأُسره وأنظمته العائليّة والاجتماعيّة. وبما أنَّ الفوارق الاقتصاديّة بين الرجل والمرأة هي لصالح الرجل، دار البحث عن حلول لتلك المعضلة، وانسحب ذلك على متن رابط الزواج نفسه. وتركَّز الحديث عن الزواج نفسه من أجل تحقيق عادل ومتوازن للوضع الاقتصاديّ للمرأة من جهة، وعن العمل على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أيضًا من جهة أخرى، وهذا ما سمح بالتطرّق إلى وضع المرأة الذي يفترض المساواة بحسب المادّة الأولى من الإعلان.

تستقي هذه القوانين المجحفة بحقّ المرأة، روحيّتها من الشرائع الدينيّة. وتجد فيها أيضًا السدّ المنيع لمواجهة عمليّات التحديث. وهذا يؤدّي بطبيعة الحال، إلى نوع من الصراع بين ما يُرضي الله وما يُرضي البشر. ويمكننا اعتبار هذا التحوّل محطّة جديدة في العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان. فبعد أن كانت الأديان مصدرًا أوّلًا وأساسيًّا لحقوق الإنسان، نجد اليوم أنفسنا أمام تحدٍّ كبير بين كلٍّ من الطرفين الدوليّ والدينيّ المحليّ. وتُسهم مناهضة أساليب التمييز والعنف ضدّ المرأة في احتدام الجدل وتزايد لغة التحدّي بين الدين والسلطة الدوليّة. وبناءً على ذلك، يقوم المجتمع الدوليّ بتعديل الاتّفاقيّات الدوليّة، والتدخّل المتنافي مع الخصوصيّات التي للدول الأعضاء. فلا عجب من أنَّ قوانين محاربة التمييز ضدّ المرأة تجد لها الرفض الواسع في الدول التي يُعتبر فيها البعد الدينيّ المكوّن الأساسيّ في عمليّة تسيير المجتمع وفي تحريك ديناميكيّة أعضائه. صدر الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان دون أيّ صوت معارض، وإنّما بتمنّع 8 دول عن التوقيع. ويمكن تقسيم محور الممانعة هذا إلى مجموعة من دول المعسكر الشرقيّ والمملكة العربيّة السعوديّة. أمّا إعلان القاهرة، فقد صدر عام 1990 من قِبل مجلس وزراء خارجيّة منظّمة التعاون الإسلاميّ 417 كموقف موحّد، يُلهم الدول الأعضاء، ويُحاكي منظومة حقوق الإنسان من وجهة نظر دينيّة وخصوصًا من الشرع الإسلاميّ. ونصّت بنوده على حماية الأسرة في المادّة الخامسة منه، إذ ليس من مانع للزواج بسبب العرق أو اللون أو الجنسيّة، وعلى الدولة حماية الأسرة ورعايتها. ومن ثَمّ نصَّت المادّة السادسة منه، على المساواة في الكرامة بين الرجل والمرأة التي لها الذمّة الماليّة المستقلّة. أمّا خطّة عمل منظّمة التعاون الإسلاميّ للنهوض بالمرأة، "أوباو" المعتمدة في الدورة السادسة للمؤتمر الوزاريّ لمنظّمة التعاون الإسلاميّ حول دور المرأة في التنمية (في إسطنبول 2016)، فقد تطرّقت إلى عدّة ميادين تتعلّق بالعنف اللاحق بالمرأة، والتعليم، والمشاركة في القرارات. إلّا أنّها لم تتطرّق ولو بكلمة واحدة إلى المرأة والعائلة، وما ينتج عن الزواج من تحدّيات، فبقيت الحاجة إلى معالجة موضوعيّة ودقيقة لا غنى عنها. وعقدت الإسكوا، بالتعاون مع جامعة الدول العربيّة ووزارة التنمية الاجتماعيّة في الأردن، الاجتماع الإقليميّ العربي الأوّل لمتابعة مؤتمر بيجين، وذلك في عمّان، من 25 إلى 29 أيلول 1996. واعتمد الاجتماع الوزاريّ برنامج عمل عربيّ موحّدًا للمرأة، ركّز على ثلاث أولويّات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة هي: التخفيف من حدّة الفقر، والأسرة العربيّة، والمشاركة السياسيّة للمرأة العربيّة. ووُضع في هذا الاجتماع برنامج العمل العربيّ الموحّد الذي أقرّه مجلس وزراء الشؤون الاجتماعيّة العربيّة عام 1997. ويُعتبر صوت الجمعيّات النسائيّة المحرّك الأوّل لتعديل قوانين الأحوال الشخصيّة، لتصبح أكثر توافقًا مع المعايير الدوليّة. ونأخذ مثلًا قضيّة زواج القاصرات حيث 6 % من الفتيات في لبنان 418 يتزوّجن قبل سن 18، وواحد في المئة يتزوّجن قبل سن 15. وكان من الضروريّ رفع الحدّ الأدنى لسنّ الزواج 419، فرفعت الطائفة السنّيّة في لبنان السنّ الأدنى إلى 18 سنة، بعد أن كان 12 سنة للذكور و 9 سنوات للإناث (منشور في الجريدة الرسميّة بتاريخ 22 نيسان 2021)، واشترطتْ لتعديل السماح بالزواج لمن هم فوق 15 عامًا الحصول على موافقة القاضي الشرعيّ، بعد التأكّد من الصحّة النفسيّة والجسديّة والعقليّة.

أوّلاً، مؤتمر قمّة المرأة العربيّة الثاني في عمّان

عُقد مؤتمر قمّة المرأة العربيّة الثاني في عمّان، عاصمة المملكة الأردنيّة الهاشميّة، بين 3 و 4 تشرين الثاني 2002، تحت شعار "المرأة العربيّة رؤية جديدة" 420. وأقرّ المؤتمر إضفاء صفة الاستعجال على التشريعات المتعلّقة بقضايا الأحوال الشخصيّة. واعتمد المبادئ الأساسيّة للاستراتيجيّة التالية: تقوم هذه الاستراتيجيّة على المبادئ والأسس المشتركة بين الدول العربيّة، ومن أهمّها القيم الدينيّة والروحيّة التي توفّر الكرامة الإنسانيّة، والعدالة، والحريّة، والمسؤوليّة للرجل والمرأة، بما يضمن المشاركة الفعّالة في صناعة الحاضر والمستقبل. وتُقرّ الاستراتيجيّة بدور المرأة العربيّة باعتبارها شريكًا أساسيًّا في التنمية وعائداتها؛ فهي تمثّل نصف الطاقة البشريّة للمجتمع، وهي طاقة لم يتمّ استثمارها بعد بشكل كامل ولا الاستفادة من مساهمتها. ولكن ماذا عن الزواج المدنيّ المعقود في الخارج؟ وهل يتمّ تسجيله لدى الدوائر الرسميّة المختصّة في الدولة؟ ومَن هي الجهة القضائيّة المختصّة للنظر بالنزاعات التي قد تنشأ عنه؟ ففي الجمهوريّة العربيّة السوريّة 421 مثلًا، لا يعترف القانون بالزواج المدنيّ المعقود في الخارج، ولا يتمّ تسجيله لدى الدوائر الرسميّة المختصّة. ويجب على الزوجين إجراء عقد زواج شرعيّ أمام القاضي الشرعيّ حتّى يتمّ تسجيله. وبذلك تكون المحكمة الشرعيّة هي الجهة القضائيّة المختصّة للنظر في النزاعات التي قد تنشأ عنه.

ثانياً، التقارير حول وضع المرأة العربيّة لعام 2017 "العنف ضدّ المرأة"

صدر تقرير عن منظّمة "الإسكوا" حول وضع المرأة في البلدان العربيّة. والمثير للاهتمام، تأكيده على الترابط بين قضيّة العنف ضدّ المرأة، وموضوع الزواج السائد في المجتمعات العربيّة، وهذا يُفسّر ضرورة وضع التشريعات اللازمة بغية حماية المرأة. ويتعلّق بعض هذه التشريعات بعقد الزواج ومفاعيله. وشدّد التقرير على أنَّ العنف الناتج عن الشريك، هو من أكثر أنواع العنف ضررًا على حياة المرأة وأشدّه إيلامًا. ورغم أنَّ للبنان قانونًا خاصًّا يُحارب موضوع العنف ضدّ المرأة، إلّا أنَّ دستوره لم يأتِ على أيّ نصّ صريح بهذا الشأن كما هي الرغبة الدوليّة. ويُشير التقرير إلى تدخّل النفوذ الدينيّ في هذه القوانين، وإلى مسؤوليّة السلطة الدينيّة في حذف بند الاغتصاب الزوجيّ، عن القانون رقم 293 الصادر بتاريخ 2014، والمعروف بقانون "حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسريّ" 423، الذي عدَّل له قانون العقوبات اللبنانيّ وأصول المحاكمات الجزائيّة وتشديد العقوبات المقرّرة بحقّ المعتدي، ومنح الضحيّة الحماية القانونيّة. وقد نصّت المادّة (22) منه صراحةً على إبقاء جميع قوانين الأحوال الشخصيّة واختصاص المحاكم الروحيّة دون أيّ تعديل. وهذا يؤكّد مدى صرامة السلطة الدينيّة، وعدم رغبتها بالتفريط بأيّ حرف من مكتسباتها على صعيد الأحوال الشخصيّة. ويمكننا اعتبار المادّة الآنفة الذكر، عيّنةً تُعبّر عن واقع الحال في لبنان، من حيث إمعان السلطة التشريعيّة بالمضيّ قدمًا، دون الأخذ بعين الاعتبار توصيات "دليل الأمم المتّحدة" للتشريعات المتعلّقة بالعنف ضدّ المرأة 424، الصادر عام 2010 وخصوصًا ما يُشير صراحةً إلى حالة تضارب الصلاحيّات بين القوانين الدينيّة والمدنيّة. وعندها يمكن أن تستفيد الضحيّة مِمّا يُراعي حقوق الإنسان أكثر، ويُحقّق بشكل أفضل مبدأ المساواة بين الجنسين. وذكر تقرير "هيومن واتش" أنَّ جمعيّة "كفى" أبلغت عن مقتل 25 سيّدة ما بين 2010 و 2013 على أيدي أقاربهن 425، وبالرغم من صدور قانون 93 / 2014 لقيت 14 سيّدة مصرعهنّ، نتيجة عنف منزليّ حتّى عام 2017. مِمّا ذهب بتوصيات معهد عصام فارس في الجامعة الأميركيّة للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة 426 إلى مطالبة القضاء بالتشدّد في أعمال الرقابة على محاكم الأحوال الشخصيّة للطوائف، حيث تبرز مثل هذه التعدّيّات. ويمكن اعتبار هذا الطرح نقطة وسط بين المطالبة بإطلاق يد القضاء من باب حماية المرأة، وترك الأمور بيد القضاء الدينيّ المستند إلى معايير مختلفة، لا تُسهم في إحقاق المساواة الذي كفلته الشرائع الدوليّة والدستور اللبنانيّ.

ثالثاً، المرأة في وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك 427

عام 2019، وفي ظل جائحة كورونا، وقع البابا فرنسيس 428 بمشاركة شيخ الأزهر الشريف الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، على وثيقة الأخوة الإنسانية كخطوة تؤكد على أهمية الرجوع إلى المشتركات بين الأديان وإلى معنى "الأخوة" في القاموس العائلي، بهدف تثبيت أواصر العيش المشترك. على أن تشكل هذه الوثيقة، بحسب مقدمتها، "دليلًا للأجيال القادمة" وأن تترجم إلى تشريعات ومواد تعليمية، فتكون مصدر إلهام لصناع القرار على المستويين الدولي والمحلي. وحذت الوثيقة حذو الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، فأكدت على حق المساواة في الكرامة الإنسانية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع مكونات المجتمع، وبين الإنسان وأخيه الإنسان (أي بين الرجل والمرأة ضمنًا). وتناولت الوثيقة عدة نقاط، كمواجهة خطاب الكراهية، وحرية المعتقد، وشؤون المستضعفين (ومنها شأن المرأة كمثال للتحديات المشتركة والآنية والتي ينبغي على المسلمين والمسيحيين العمل معًا على تذليل عقدها). وأقرت الوثيقة بخطوطها العريضة، ما تناولته المواثيق الدولية من حاجة إلى تعديل التشريعات الحالية، من أجل الوصول بالمرأة إلى حقوقها 429. وهذا يعني إقرارًا بنقص التشريعات المحلية في العالم العربي تحديدًا، في سد الفراغ المستجد من جراء مقتضيات الحياة اليومية من تبعات اقتصادية واجتماعية، وبضرورة حماية المرأة من كل استغلال. ولم تتطرق الوثيقة بشكل مباشر إلى موضوع الزواج أو مفاعيله، ولكنها تعاطت مع المتفرعات منه أي حق المرأة بالتعلم، ما يفيد ضمنًا وبشكل غير مباشر ضرورة محاربة زواج القاصرات. وقد ساعد عدم الغوص في مشاكل المرأة والدخول في التفاصيل على بقاء الوثيقة في مستوى المبادئ العامة، وفوت في الوقت نفسه على الموقعين الوصول إلى نهايات سعيدة تبلسم جراح الواقع. ويستشف من قضية المواطنة التي قاربتها الوثيقة أنها تبحث عن أرضية مدنية مشتركة، تحفظ حقوق الجميع، وهو مطلب الأقليات عامة: كالمسيحيين في البلاد العربية، والمسلمين في بلاد الغرب. كما تذكر الوثيقة أتباع غير الديانات أو حتى غير المؤمنين.

المبحث الثالث: دور الزواج المدني في ترسيخ الدولة المدنية

ظهر مفهومان جديدان في مقابل الدولة الدينية، هما الدولة المدنية والدولة العلمانية. لكنهما لا يحملان المعنى عينه، وإن قابلا الدولة التي يتربع عليها شرع إحدى الديانات. فالدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على منظومة متكاملة من القوانين ترعى جميع الحقوق، وتستند إلى مبدأ المساواة أمام القانون، فيخضع مواطنوها وسكانها لقانون واحد يرعى جميع أعمالهم. بينما الدولة العلمانية فهي الدولة التي تقوم على مبدأ الفصل التام بين السلطة المدنية والسلطة الدينية. عندما نتكلم عن الدولة المدنية 430، نقصد عادةً من وراء ذلك، حماية جميع أعضاء المجتمع، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الفكري أو الاجتماعي. ويستعمل حديث المفكرين والحقوقيين عن مدلول الزواج المدني كتعبير عن إرادة إقصاء الزواج الديني، وفرنسا نموذج على ذلك. ولا يفترض الوصول حكمًا إلى هذا الهدف، إذ عرفت المجتمعات الكثير من الأنظمة التي تسمح بتعاون كبير بين الدولة القانونية والمراكز الدينية، كألمانيا مثلًا. وتستقي القيم المدنية مدلولاتها من القيم الدينية، ولكنها تتأخر عنها نظرًا لقلة عدد أتباعها مقارنة بعدد أتباع الدولة. ويتضح التلاقح بين البعد الديني والبعد المدني في نشأة الأخير وفي الكثير من القيم المشتركة بين الاثنين كالحرية والإخاء والمساواة. وقد صورت المؤسسة الدينية الرافضة لطرح الزواج المدني الدولة المدنية وكأنها نقيض الدولة أو اللادولة أو الدولة التي تخلت عن قيمها لصالح ضم جميع المواطنين في بوتقة واحدة هشة. بينما الدولة المدنية هي دولة علمانية تفصل بين الدين والسياسة، ولكنها لا تفصل بين الدين والمجتمع 431، فالدولة تقوم على الدستور لا على الفتاوى. إن تأسيس الدولة في لبنان حيث تتعدد الطوائف الدينية (18 طائفة)، لم تفضِ إلى مجتمع متوازن. وبعد فترة الحرب التي عصفت بلبنان مؤخرًا، تطالب بعض الأحزاب السياسية والمجتمع الحقوقي والمدني بتأسيس دولة تقوم على عقد اجتماعي مدني يضمن التخلص من الآفات التي يعاني منها لبنان اليوم كالطائفية السياسية، انطلاقًا من طرح مشروع الزواج المدني وإقراره. وقد أعرب الرئيس ميشال عون في تصريح 432 حديث لدى استقباله وفد لجنة الحوار المسيحي - الإسلامي الأسقفية، عن نظرته إلى الوضع الداخلي، وشدد على أن "ما يمنع اللبنانيين من التعايش الحقيقي هو عدم وجود قانون موحد للأحوال الشخصية، لأنه من دون تغيير الواقع الحالي، سيبقى اللبنانيون مجموعات ولن يحصل الاختلاط المطلوب". وتشدد جميع الأدبيات 433 التي تعنى بحقوق الإنسان، على أن الاستغراق في الطائفية والمذهبية يعطل المسار الوطني باتجاه الحياة المدنية. وتعتبر عملية دمج جميع المواطنين والقاطنين على الأراضي اللبنانية، وخصوصًا من كان منهم خارج القيد الطائفي المعهود، ضمن قوانين الدولة صاحبة السيادة المطلقة، عمليةً محورية تسمح برفع منسوب الحس الوطني لدى جميع أبناء الدولة، دون أي تمييز بينهم. وفي حين يلعب المجتمع المدني أيضًا دور الرقابة على أعمال السلطة، يمكننا تقسيم المجتمع المدني غير الحكومي إلى مجتمع ديني ومجتمع غير ديني. كما يمكننا ملاحظة الدور المتكامل الذي لعبته السلطة الدينية، كما في دول أوروبا الشرقية، حيث قامت الكنيسة مع الجمعيات التطوعية والنقابات الحرة بعملية تفكيك النظم الديكتاتورية. ولا ينقضي عام إلا ويطالب بالزواج المدني، إما مباشرةً بتقديم مشروع قانون في هذا الشأن، وإما بطريقة غير مباشرة بالضغط باتجاه إقرار هذا النوع من الزواج، عبر وسائل الإعلام ومن خلال محاولات المجتمع المدني، أفرادًا وجمعيات.

أولاً، إلغاء الطائفية السياسية

أنهى اتفاق الطائف عام 1990 مرحلةً داميةً من الاقتتال الداخلي بدأت عام 1975 واستمرت مدى خمسة عشر عامًا متواصلًا. وقد نص هذا الاتفاق على إلغاء الطائفية السياسية والتحول ضمن مهلة 5 سنوات من نظام طائفي إلى نظام مدني. ونصت فقرة الإصلاحات السياسية في البند (ز) على خطة انتقالية، ومراحل محددة وفاصلة بين مرحلة وأخرى، يقضي أبرزها بإلغاء المذهب على بطاقة الهوية. لأن ذكر المذهب على الهوية يكرس قاعدة النظام الطائفي، ويبقي حكمًا على الزواج الديني. أما إلغاء المذهب لجميع اللبنانيين، فهو إشارة واضحة إلى رغبة المشرع الدستوري في اعتماد آلية مدنية منصوص على أحكامها قانونًا، يعامل فيه الجميع على قدم المساواة، لا كأتباع لطوائفهم، ويشجع على الولاء للبنان أولًا. وبعد مرور ربع قرن على انقضاء المهلة الدستورية دون أي خطوة تذكر نحو الدولة المدنية، ما زال لبنان يتخبط في تركيبته وهويته، وهذا ما دفع بالمزيد من الباحثين إلى التركيز على أهمية إيجاد آلية للزواج المدني تكون مقدمةً مفصلية أمام ترسيخ الدولة المدنية.

ثانياً، المواطنة الحاضنة للتنوع

يبنى مفهوم الدولة المدنية على قاعدة "الدين لله والوطن للجميع". أما الدولة العلمانية فهي نقيض الدولة الدينية، دون أن تكون أطر التعاطي بينهما بالضرورة صراعًا، إنما يمكن التوفيق بينهما من خلال الدولة المدنية الحاضنة للتنوع. وغالبًا ما يتم الدمج بين الدولة المدنية والدولة العلمانية رغم أن المفهومين ليسا مترادفين. وقد نصت وثيقة الاتفاق الوطني على نمط علاقة الدين والدولة، وأرسته على "قاعدة الاحترام والانسجام". وللتأكيد على ذلك، أعطت الوثيقة رؤساء الطوائف الدينية حق مراجعة المجلس الدستوري في أربع مواضيع حصرية، أولها قوانين الأحوال الشخصية 434. ولم تؤسس القوانين المدنية لدين جديد 435 يقوم على عقيدة خاصة ملحدة أو مناهضة للأديان، أو يمارس أتباعه طقوسًا محددة يبشرون بها أو يدعون باقي المواطنين إلى اتباعها ومناصرتها، وإنما تشكل فضاءً يتساوى فيه جميع أبناء الوطن في الموجبات والحقوق. يصور المجتمع المدني على أنه في مواجهة مع السلطة السياسية أو نقيضها، بينما يرينا التاريخ، وخصوصًا تاريخ أوروبا الشرقية الحديث، صورةً إضافيةً ومختلفةً للمجتمع المدني الذي يساند السلطة السياسية في صنع قرارات أكثر ملاءمةً، ويراعي فيها خير المجتمع العام. لكن منذ متى تتدخل الآلهة في موضوع الزواج وتفاصيله؟! إن العلاقة بين منظومة القيم وشروط استمرار الحياة 436 وثيقة، وتأثير كل طرف على الآخر كبير جدًا. والحياة المدنية مسيرة طويلة في عملية رقي الإنسان وتطوره ومحاربته كل أشكال التمييز القائمة على الدين أو العرق أو الجنس. وهذا ما يعرف بنظرية حقوق الإنسان التي يقوم عليها السلم الأهلي والدولي. ليس الزواج المدني زواجًا طارئًا أو دخيلًا على مجتمعنا اللبناني. فقد أوجد الناس منذ القدم طريقة تحفظ بها ما أنجزه اجتماعيًّا، بالشكل الذي يصون عرضهم وأخلاقهم وإيمانهم. ولطالما تكيف المواطن مع قوانين دولته، فاختار منها ما يتوافق مع قناعاته، وأخضع نفسه لقوانينها بغية الحفاظ على الحريات في المجتمع. وكلما كان الإطار الذي تنعقد فيه الزيجات واسعًا، كانت القوانين في خدمة الناس وتعدد مذاهبهم، وكلما قيدت الأنظمة إرادة المواطن، لجأ "هذا المواطن" من بعدها إلى طرق ومنافذ يعبر من خلالها عن الانسجام بين قناعاته وممارسته. إن تقدم المجتمعات يقوم على الحوار البناء بين جميع أطراف المجتمع الواحد من أجل الوصول بجميع مكوناته إلى كلمة سواء، وقد ضاق المجتمع المحلي ذرعًا بعدم مواكبة القوانين الوضعية لحاجاته ومستجدات العالم الذي يحيا فيه

إنَّ الزواج المدنيّ ضرورة للمجتمع الدينيّ نفسه، إذ بوجوده تعود السلطة الدينيّة إلى جوهر وظيفتها، فيبعث الأمل في نفوس الأتباع ويحضّهم على احترام كلّ أنواع الاختلافات. وأمّا ما نشهده من احتكار للأحوال الشخصيّة، فإنَّه يسمح بإيجاد منابر عديدة لخطاب الكراهيّة، واشتداد سعير الحرب الداخليّة. إنَّ السنين التي تآخى فيها النصّ الدينيّ مع النصّ الوضعيّ، أكثر بكثير من تلك التي استأثر فيها أحدهما بزمام السلطة. وكلّ عمليّة تُعارض تغليب واحدة على الأخرى لم تلْقَ النصيب الوافر. فالمعيار دومًا هو سعادة الإنسان وتقدّمه، وكلّ ما يخدم هذا المعيار يُعلي شأن الدين والقانون المدنيّ على حدّ سواء. لقد سمح لبنان عبر نافذة بقبول تسجيل عقد الزواج المنعقد خارجًا ضمن القيود الرسميّة للدولة، مع ما يترتّب على ذلك من مفاعيل قانونيّة، والاحتكام إلى القضاء المدنيّ من أجل حلّ الخلافات، وقد سمح هذا بوجود قناة ثانية بقوّة القانون لطالبي الزواج المدنيّ. كما انضمّ لبنان إلى المجتمع الدوليّ وله الباع الطويل في شرعة حقوق الإنسان. لكنَّ الحرب الداخليّة التي تخبّط بها لبنان منذ 1974 وحتّى 1990، أعاقت التقدّم ومواكبة المستجدّات المطروحة على طاولة البحث الدوليّة، ولم تتوسّع مروحة العمل في حقوق الإنسان كثيرًا بعد الانتهاء من الحرب، مع العلم أنَّ مطلب إقرار الزواج المدنيّ مع حماية المرأة من العنف الأسريّ شكّلا نقاط البحث الأكثر إلحاحًا طوال العشر سنوات الأخيرة. وقد التزم لبنان أمام المجتمع الدوليّ بإقرار الزواج المدنيّ، ولكن جُمّد هذا الطرح بفعل إصرار السلطة الدينيّة المسيحيّة والإسلاميّة على عرقلته، وبالفم الملآن، وجُعل من الزواج المدنيّ خصمًا لدودًا لهاتين السلطتين، كما جُعل من لبنان ساحة اصطفاف بين مَن يريد اتّباع الدين في دقائق أموره، كطرف أوّل، وبين مَن يبحث عن المواطنة الشاملة خارج القيد الطائفيّ كطرف ثانٍ. أمّا العلمانيّة التي نشأت على أرضيّة الغرب كموقف فكريّ وفلسفيّ، مع كلّ ما تبعه من تحرّكات فلسفيّة وحقوقيّة، فقد أوصلت إلى مبدأ الفصل التامّ بين الدولة والدين. لكنَّ هذه الأرضيّة بقيت غريبةً عن المجتمع اللبنانيّ، بالرغم من كلّ الجهود التي قامت بها جمعيّات المجتمع المدنيّ، بدليل عدم القدرة على إيصال أيّ مشروع لقانون الزواج المدنيّ إلى جلسة المناقشة العامّة. وشجّع اجتماع السلطة الدينيّة، دار الإفتاء أو المجلس الشرعيّ وبطريركيّة الكنيسة المارونيّة، بشكل خاصّ وملفت للغاية على مواجهة الزواج المدنيّ. فهم لم يوحّدوا موقفهم حول أيّ موضوع وطنيّ آخر، كما توحّدوا للتعبير عن رفضهم لطرح الزواج المدنيّ. واستلهم الفريق الثاني، من حقوقيّين وجمعيّات مدنيّة، القوانين والأبحاث الحقوقيّة كسند فكريّ يُلهمون به الشارع العام، ولكنّهم لم يبحثوا يوماً في الأبعاد الدينيّة الصرفة، ولم يُبيّنوا للرأي العامّ أنَّ لا تعارض بين الزواج الدينيّ كعقد مثل باقي العقود، وبين البعد الدينيّ والصورة التي عُرف بها لبنان كبلد رسالة وعيش مشترك للأديان. أمّا الأحزاب اللبنانيّة فقد وقفت موقفاً مرحّباً من مشروع الرئيس الهراوي، باستثناء حزب الله الذي رفضه وأكّد على بقاء الزواج الدينيّ في لبنان، ولو تمّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة فيه. ومن الأحزاب الداعمة للمشروع كان الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ الذي اعتبره مقدّمةً لبناء مجتمع مدنيّ. والحزب الشيوعيّ الذي استنكر الضجّة التي لجأ إليها البعض، واعتبر أنَّ رفض المشروع لا يستند إلى وقائع صحيحة. أمّا رئيس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، فرأى فيه خطوةً مهمّةً للحؤول دون تكريس الطائفيّة على حساب وحدة المجتمع. وشدّد حزب الكتائب على أنَّ الزواج المدنيّ خطوة باتّجاه تجاوز الحالة الطائفيّة، وبلوغ الحالة الوطنيّة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة. لقد صنع رجال الدين الرافضون للزواج المدنيّ من هذا العقد ماردًا عظيمًا ومسخًا حمّلوه كلّ ما يُخيف الإنسان اللبنانيّ، وكأنَّ الزواج المدنيّ سيبيد الأديان أو يُضعف الإيمان، أو سيمهّد لزواج الشاذّين جنسيّاً، أو أنَّه الأداة التي من خلالها ستُطبَّق المؤامرة الغربيّة على لبنان وتُفكّك مجتمعه. وجعلوا من الزواج المدنيّ إلهًا آخر يتصارع مع الله، إله الأديان المعترف بها قانونًا، دون أيّ اعتبار للأديان الأخرى الموجودة على أرض الواقع اللبنانيّ، كديانات شرق آسيا والبهائيّة في لبنان. في حين أنَّ المطالبة بقبول عقد الزواج المدنيّ داخل الأراضي اللبنانيّة، إنّما هو فرصة أخرى تسمح بتمتين العلاقات الأسريّة المختلطة ضمن المجتمع اللبنانيّ الواحد. أو تسمح للكثير من اللبنانيّين الذين لا ينتمون إلى الطوائف المعترف بها إداريًّا، بأن يجدوا لهم احترامًا وقبولًا وفرصةً للاعتراف بهويّتهم. كما وتسمح بعدم دفع الذين لا يجدون قبولًا لنظام أحوالهم الشخصيّة بحسب انتمائهم الدينيّ، على القبول مُكْرهين بما لا يتوافق مع إرادتهم، لمجرّد عدم إمكانيّة السفر خارجًا لعقد زواجهم مدنيًّا. وتسمح أخيرًا للمجتمع الإداريّ المحليّ، من بلديّة أو مختار أو كاتب عدل، من تطوير مهامهم، لمن يرغب بعقد زواجه ضمن نطاقهم. ما يُعتبر أفضل من اللجوء إلى موظّف أجنبيّ أو قانون أجنبيّ مجهولة تفاصيله، هروباً من الواقع اللبنانيّ. ورغم ذلك، لم تتّخذ المرجعيّات الدينيّة موقفًا صارمًا من عاقدي الزواج المدنيّ، كحرمانهم علنًا من المناولة أو الصلاة، أو طلب إخراجهم من الدين، وهذا يُفيد بنوعٍ من القبول الاجتماعيّ لتلك العقود، ويُعزّز لاحقاً ضرورة اعتماده. أمّا السلطة اللبنانيّة، فأبقت على مبدأ الفصل بين ميدان السياسة الذي تُعنى هي به، وميدان الدين الذي تتحكّم به السلطة الدينيّة، دون أن يسري مبدأ الفصل على السلطة الدينيّة، والتي استعانت بردودها كلًّا من البُعدين الدينيّ-السياسيّ والدينيّ-الحقوقيّ أيضًا.

ثالثاً، قانون الزواج المدنيّ الاختياريّ

طُرح في لبنان حلًّا وسطًا يقوم على فكرة الزواج المدنيّ الاختياريّ 437 كمحاولة تقريب للأطراف المتنافرة والمتضادّة من سلطة دينيّة ومجتمع حقوقيّ - مدنيّ، تسمح برؤية مصير هذا العقد على أرض الواقع، وطريقة تعامل اللبنانيّين معه عمليّاً، أملًا بأن يسمح للبنان باستعادة صورته المُشرقة أمام الهيئات الدوليّة من حقوق الإنسان وحقوق المرأة أو الطفل. يكاد لا يخلو موضوع آخر أجمعتْ عليه المرجعيّات الدينيّة المارونيّة والسنّيّة والشيعيّة، كإجماعهم على رفض أيّ طرح للزواج المدنيّ، يُعقد داخل لبنان. ويُستدلّ على وجود نوع من "زواج مارونيّ" حصل بين المرجعيّات الدينيّة الثلاث المارونيّة والسنّيّة والشيعيّة، بحيث تُعوّل كلّ مرجعيّة على موقف الطائفة الأخرى الرافض لأيّ مشروع يُجري تغييرًا في قواعد الأحوال الشخصيّة المعمول بها، والقائمة على القيد الطائفيّ. فالطائفة المارونيّة ترفض حقّ الاختيار ما بين الزواج المدنيّ والزواج الدينيّ، ثمّ تُنادي بموافقتها على إقرار الزواج المدنيّ الملزم للجميع، في حين أنَّها من ناحية أخرى، تعلم يقينًا بعدم إمكان قبول الطوائف الإسلاميّة له. ومن ناحية معاكسة تستند المرجعيّات الإسلاميّة على موقف الكنيسة المارونيّة من طرح الزواج المدنيّ، لتقول إنَّ محاولة إقرار الزواج المدنيّ هي خروج عن الميثاقيّة في النظام السياسيّ اللبنانيّ. وتُجمع الترويكا الدينيّة على نوع واحد من العقوبات بحقّ أبنائها المطالبين بالزواج المدنيّ، بتهديدهم بإخراجهم عن دينهم، وبسحب الغطاء الدينيّ عن السياسيّين المنتمين إليها وتمثيلهم النيابيّ، أو عن مواقعهم في مجلس الوزراء. أمّا طائفة الروم الأرثوذكس والطائفة الإنجيليّة وطائفة الموحّدين الدروز، فيُظهرون نوعاً من ليونة ملحوظة في التشجيع على المضي قدماً بزواج مدنيّ اختياري لجميع اللبنانيّين، ولكن من دون وجود أيّ تنسيق مسبق فيما بينهم، وكأنّهم يُعبّرون عن رأيهم من باب التمنّي لا من باب تشكيل ورقة ضغط اجتماعيّة أو سياسيّة، ودون انتظار أيّ تغيير في مواقف الطوائف الرافضة للمشروع، والتي هي أكثر عدداً. وفي جميع الأحوال تبرز آراء الطوائف المذكورة آنفاً على أنَّها تُشكّل حراكاً فكريًّا وفلسفيًّا باتّجاه تدوير الزوايا للوصول إلى إجماع وطنيّ حول الزواج المدنيّ، وهو ما يُعتبر عملًا شبه مستحيل بمواجهة الجدار المنيع الممثّل بالمرجعيّات الدينيّة الرافضة للتخلّي عن مكتسباتها التاريخيّة، ولغير المستعدّة لتغيير موقعها قيد أُنملة. وبقوّة القانون عينه، يُشكّل الزواج المدنيّ مساحةً ضروريّةً، أقلّه لنوعَيْن من الأشخاص: النوع الأوّل، يُشكّل مساحةً من حقّ الاختيار لِمن لا يريدون اتّباع أنظمة أحوالهم الشخصيّة المعترف بها قانونًا في لبنان. والنوع الثاني، يسمح لِمَن لم تُقدّم طائفته نظام أحوالها الشخصيّة للدولة، بممارسة حقّ الزواج في لبنان الذي هو من الحقوق الأساسيّة للإنسان. وبالتالي فإنَّ حقّ الخيار بين الزواج المدنيّ والزواج الدينيّ يسمح أيضًا بإقامة ذلك الزواج في لبنان الوطن الأمّ. فالحريّة حقٌّ، والحقّ في الاختيار ضمانة للحريّة وصيانة لها من أن تتحوّل إلى ديكتاتوريّة علنيّة في الأنظمة الشاملة، أو إلى ديكتاتوريّة مقنّعة عند فقدان حقّ الاختيار بين الأنظمة. لقد صُورتْ قضيّة الزواج المدنيّ في وسائل الإعلام في لبنان، على أنَّها قضيّة مواكبة للحداثة، وخصوصًا للواقع المستجدّ في الحياة الاقتصاديّة للمرأة. إلّا أنَّني أجد إضافةً إلى ذلك، أنَّها قضيّة محض دينيّة. نعم دينيّة، لأنَّ الدين لا يُجيب على كلّ مسائل الحياة، ولأنَّ الزواج المدنيّ يُسهم في مواكبة الإنسان ويُذلّل أمامه كلّ عقبة أمام اكتمال الحبّ وإحقاق سعادته.

رابعاً، المدينة في الفكر الإسلامي

إنَّ الإسلام دين ودولة، هي عبارة يكثر تردادها ويُجمع عليها الكثيرون نظرًا لِما ينصّ عليه القرآن الكريم في آيات تحكُم علاقة المسلم بالله، وآيات تحكُم علاقة الناس بعضهم ببعض، جعلتْ من النبيّ قائدًا دينيًّا ومؤسّسًا لمشروع سياسيّ وحَّد فيه الشعب والأرض والسلطة. فالإسلام دين على الأرض كما هو دين السماء. وبالرغم من شيوع هذا التزاوج بين مفهوم الدين والدولة، إلّا أنَّ الإسلام أيضًا هو مشروع دين ومدينة، والدليل شيوع الاستشهاد بأنَّ عقد الزواج الإسلاميّ هو عقد مدنيّ بامتياز، ولا يقوم على السلطة الدينيّة في إنشائه، إنّما يحتكم إلى شرائع الدين لتمكين تطبيقاته، والتحكّم في آثاره. وقد اجتهدت المدنيّة الإسلاميّة في تقبّل جميع الأديان، إذ لا إكراه في الدين. والقاعدة أنَّ دين الإسلام هو دين الفطرة، إذ إنَّ الدين عند الله الإسلام. وقد أخذت الدولة المدنيّة عدّة أشكال، وتلوَّنت بحسب النظام القانونيّ المتَّبع فهي الدار، والخلافة، والسلطنة، والمملكة، والبلاد، ولا تُعارض المطالبة بالدولة المدنيّة الرؤية الإسلاميّة للإنسان، وأهمّها الاحتكام إلى إرادة الشعب في عمليّة بناء الدولة، فلا يجوز تولية الحُكْم عن طريق الانقلابات العسكريّة، أو فرض القوانين التي لم تعد تتماشى مع متطلّبات الحياة اليوميّة بجميع معاملاتها، ومنها عمليّة التزاوج. وتسمح العودة إلى النصّ القرآني، كما بسطنا سابقًا، بالتوسّع في ميادين عديدة، منها ما قد عالجها وينبغي التحديث فيها، ومنها الجديد وباب الاجتهاد مفتوح فيها. ويقوم الاجتهاد فقهًا على إعادة قراءة النصوص القانونيّة، لكن على ضوء الحاجة الآنية في الزمان والمكان، وهذا ما يعيشه المسلمون في ديار مدنيّة من دون أيّ مواجهة أو شعور بالعداء مع النظام الحاكم، وتقول القاعدة الفقهيّة التي يمكن البناء عليها: "كلّ شرط لا يُحرّم حلالًا ولا يُحلّل حرامًا نحن موافقون عليه" 438. كما يمكن إعمال قاعدة "المصلحة" حيث تُراعى مصلحة الفرد والمجتمع في عمليّة إعادة النظر في القوانين النافذة، وقاعدة الاستحسان التي وتُستعمل عند غياب النصّ الواضح في إحدى المسائل. هذه القواعد الفقهيّة تسمح بالعمل وتطوير الشرائع الدينيّة أوّلًا، وتقبّل الشرائع المدنيّة ثانيًا. ليست الدولة الثيوقراطيّة النظام الناجع أو الأفضل الذي يُطالب به المسلمون، ولا تُفسح في المجال أمام بقيّة مكوّنات المجتمع من التمتّع بفرصة متساوية في الاستفادة من القوانين التي ترعى أمورهم.

خامساً، المدينة في الفكر المسيحي

قال ديغول مرّةً إنَّ دولة فرنسا هي علمانيّة، أمّا فرنسا فهي مسيحيّة 439. وعلى الرغم من قانون 1905 الذي كرّس مبدأ الفصل التامّ بين الدولة والدين، إلّا أنَّ نواحي هذا الفصل وميادينه لم تتوضَّح بالشكل الكافي إلى اليوم. وهذا يُؤكّد على صعوبة هذا الموضوع وضرورة التبحّر فيه أكثر. ويُشاع أنَّ المسيحيّة تعتمد مبدأ الفصل التامّ في ما هو لقيصر وما هو لله. غير أنَّ التاريخ يُخبرنا كيف تولَّت المسيحيّة زمام السلطة المدنيّة طوال أكثر من أحد عشر قرنًا 440 من الزمن، وكيف تلاقح الاثنان وتعايشا سويّةً، وكيف عرفت الكنيسة أن تستوعب النظام الديمقراطيّ القائم على حُكْم الشعب، والنظام العلمانيّ القائم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وهو الأصعب، إلّا أنَّه ليس مستحيلًا. وقد نبَّه البابا بيوس الثاني عشر إلى أنَّ دعوة المسيح في أداء "ما لقيصر لقيصر" ليست بالوصيّة الملزمة، وأنَّه يتفهَّم الارتباط الوثيق، لا بل الواحد بين ميدان عمل الكنيسة والعلمانيّة. وذكر البابا يوحنّا بولس الثاني أنَّ مفهوم العلمانيّة ليس بعيدًا عن خطاب الكنيسة، وخصوصًا لناحية العقيدة الاجتماعيّة، وبالتالي نستطيع الحديث عن علمانيّة شرعيّة ضمن الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ، وقد ساهم ذلك في تطوّر نظرة الكنيسة للعلمنة، فكانت التعدّديّة الدينيّة سمتها البارزة لدى جميع الدول. تضمن العلمانيّة التوازن بين قوًى ثلاث، تتتمَّل بحريّة الدولة في العمل بالاستقلال عن السلطة الدينيّة، والأخيرة وضمان الدولة للسلطة الدينيّة حريّة العمل والتنظيم والتعليم باستقلال ودون تدخّل الدولة، وطبعًا ضمن سقف عدم خرق النظام العامّ، وهاتان المعادلتان كثيرتا الشيوع، إلّا أنَّ هناك القوّة الثالثة التي غالبًا ما يتمّ تهميشها من قِبل الدولة، وهي حريّة الأفراد في الاختيار بين ما تُقدّمه الدولة وما تُقدّمه السلطة الدينيّة. كما تضمن العلمانيّة حريّة الإيمان وحريّة اختيار النظام الاجتماعيّ المنسجم معها، وتضمن بالتالي الحريّة والتعدّديّة الدينيَّتَيْن الكفيلتَيْن بتحقيق المساواة بين جميع الأطراف، وخصوصًا بين هذه القوى التي ذكرتها آنفًا. كان على الكنيسة أن تتعاون مع الدولة في أعمالها، لكنّها لم تفصل بين طقوسها وعباداتها، وبين أعمال الرحمة والخير التي تُديرها في المجتمع، من خلال مسؤوليّاتها وتعهّداتها لشؤون الأرض، لكي تبلغ مدًى أقصى يطال جميع الناس من مؤمنين وغير مؤمنين أو مؤمنين بمعتقدات خاصّة. يُمكن الوصول إلى الاحترام والتعامل الإنسانيّ وعدم وجود نيّات مُضْمَرة وكل المبادئ الدينيّة الأخرى، عبر التعاون بطريقة أفضل بين المؤسّستَيْن الدينيّة والمدنيّة لِمَا فيه خير الإنسان، فتظهر الكنيسة كصوت نبويّ في المجتمع، وتُوضح غايات ومعاني حياة الإنسان، وتُدافع عن المظلوم والمهمَّش. ويمكن الاستدلال على هذا النوع من الخطاب في الخطاب الذي توجّه به البابا فرنسيس أمام الاتّحاد الأوروبيّ 441 عام 2014، للتذكير بأنَّ الإنسان هو المحور الأساس وراء قيام الاتّحاد، الذي عليه أن يُجسد هذا الطموح عبر تشريعاته.

خلاصة

لقد أشرتُ في هذا الفصل إلى موقف المجتمع الدوليّ من الزواج المدنيّ بغية فهم أفضل لإلحاح الإرادة الدوليّة حول موضوع الزواج المدنيّ، ففهم الأسباب يسمح بتبيان المواقف والتعاطي معها بشكل أفضل، طالما أنَّ الهدف الأخير هو المحافظة على الخير العام ودعم المجتمع من أجل إرساء دعائم السلام في العالم. والدعامة الأساسيّة في عمليّة استنهاض المجتمع تقوم كما عرضنا على تحسين شروط حياة المرأة وتحريرها من القيود الاجتماعيّة أو الدينيّة للوصول بها إلى فضاء أوسع من الحريّات العامّة. إنَّ هذا التحرير سيسمح للمرأة عبر اعتماد أنظمة زواج مدنيّة مزيد من المرونة والطواعية واللذين سيسمحان لها في نهاية المطاف من بلوغ أهدافها. المجتمع الدوليّ له الأجندة الخاصّة به والتي عبّرت عنها المواثيق الدوليّة بشكل واضح إلّا أنَّ هذه الإرادة واكبتها إرادة محليّة تمثّلت في المواثيق العربيّة والتي هي بطبيعة حال تتعاطى بشكل لصيق مع الحاجات المحليّة والأهم أنَّ هذه المواثيق صدرت بالمراعاة للشريعة الإسلاميّة مِمّا يُمثل تقدّمًا مطردًا باتّجاه اعتماد هذه السياسات الإقليميّة. إنَّ الإرادة الدوليّة لا تستهدف القيم الإسلاميّة أو المسيحيّة، ولا تسعى إلى هدم الأسرة أو تقويض سلطة الدين، إذ جلّ ما في الأمر أنَّها تبحث عن فضاء أوسع، مؤسّس على شريعة قابلة لمواكبة حياة الإنسان المعاصر مع التغيّرات السريعة والمتطوّرة التي يحيا بها عالم اليوم. وما نلاحظه من هذا الاستعراض، أنَّ الإرادة الدوليّة لم تُواجه في كلّ إعلاناتها الإرادة الدينيّة بصورة "كباش مباشر"، وإنّما حاولت جاهدةً تحييد الصبغة الدينيّة لعدّة أهداف، منها عدم خلق حالة نفور بين أتباع الديانات المختلفة والمجتمع الدوليّ. وبالتأكيد، يُرجّح الحوار بين مؤسّسات المجتمع كفّة العمل البنّاء على الكفّة الأخرى، حيث الصراع ولغة الإقصاء. ومَن يلعب هذا الدور بطريقة أفضل من الدولة الراعية لجميع مواطنيها، فتُدير عمليّة الحوار، وتجمع تحت كنفها جميع القوى الفاعلة من دينيّة وغير دينيّة. هذا وقد حاول المجتمع الدوليّ العمل ضمن الفضاء المسموح به دينيًّا، وطالب المجتمعات الدينيّة المحليّة أحيانًا بتقديم تنازلات، كإلغاء المحاكم الدينيّة أو تقبّل وجود حلول أخرى، بحيث تُترك للأفراد والمجموعات الدينيّة خصوصًا حريّة الأخذ بها.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.