المبحثُ الرابعُ: نحو قراءةٍ إسلاميّةٍ تتجانسُ معَ الزواجِ المدنيِّ
أوّلاً، الزواجُ والمصلحونَ الجددُ
يذهبُ بعضُ المصلحينَ الجددِ، ومنْ يُعرَفونَ بفقهاءِ المهجرِ، إلى ضرورةِ إيجادِ قراءةٍ إسلاميّةٍ مُعاصرةٍ تتوافقُ معَ تحوّلاتِ العصرِ، وتحديداً في مسألةِ الزواجِ المدنيِّ. يرى هؤلاءِ أنّ المصلحةَ العامّةَ، ومقاصدَ الشريعةِ في حفظِ الأسرةِ واستقرارِ المجتمعِ، تقتضي إعادةَ النظرِ في الأطرِ التقليديّةِ لعقدِ الزواجِ، خاصّةً للمسلمينَ المقيمينَ في دولٍ علمانيّةٍ أو تعدديّةٍ.
ويركّزُ هذا التوجّهُ على أنّ جوهرَ الزواجِ في الإسلامِ هو الرضا والإشهارُ وتوثيقُ الحقوقِ، وهي عناصرُ تتحقّقُ في الزواجِ المدنيِّ الذي تشرفُ عليهِ الدولةُ. لذا، فإنّ الاعترافَ القانونيَّ بالزواجِ يُعدُّ مصلحةً شرعيّةً لا تصطدمُ معَ الثوابتِ إذا ما استوفتِ الأركانَ الأساسيّةَ منْ منظورٍ مقاصديٍّ.
ثانياً، قراءةٌ في الفقهِ الإسلاميِّ تُحاكي أسبابَ الاعتراضاتِ على الزواجِ المدنيِّ
تتمحورُ الاعتراضاتُ الفقهيّةُ التقليديّةُ على الزواجِ المدنيِّ حولَ عدّةِ نقاطٍ جوهريّةٍ، يحاولُ المصلحونَ معالجتَها منْ خلالِ إعادةِ قراءةِ النصوصِ والاجتهاداتِ التاريخيّةِ:
أ- قراءةٌ للزواجِ المنعقدِ بينَ الإسلامِ وأهلِ الكتابِ
تستندُ هذهِ القراءةُ إلى أنّ التفاعلَ الإنسانيَّ والاجتماعيَّ بينَ المسلمينَ وغيرِهم في المجتمعاتِ الحديثةِ يفرضُ نمطاً منَ العلاقةِ يقومُ على المواطنةِ المتساويةِ، ممّا يستوجبُ توسيعَ دائرةِ القبولِ الفقهيِّ للعقودِ التي تُنظّمُ هذهِ العلاقاتِ خارجَ الإطارِ الدينيِّ الضيقِ.
ب- زواجُ المسلمِ منْ كتابيّةٍ
يرى الفقهاءُ المعاصرونَ أنّ إباحةَ زواجِ المسلمِ منَ الكتابيّةِ (اليهوديّةِ والنصرانيّةِ) هي نقطةُ انطلاقٍ للتأكيدِ على أنّ الشريعةَ لمْ توصدِ الأبوابَ أمامَ التداخلِ الأُسريِّ معَ الآخرِ الدينيِّ، وأنّ العقدَ المدنيَّ في هذهِ الحالةِ يضمنُ حمايةَ حقوقِ الزوجةِ غيرِ المسلمةِ في ظلِّ قوانينِ الدولةِ.
ج- زواجُ المسلمِ منْ غيرِ أهلِ الكتابِ
في هذا الجانبِ، تبرزُ اجتهاداتٌ نادرةٌ تحاولُ التمييزَ بينَ "المشركينَ" المحاربينَ في صدرِ الإسلامِ وبينَ غيرِ المسلمينَ في العصرِ الحديثِ ممّنْ لا يعادونَ الدينَ، وذلكَ لفتحِ أفقٍ أوسعَ للتعايشِ في المجتمعاتِ التعدديّةِ.
د- زواجُ المسلمةِ منْ أهلِ الكتابِ
تُعدُّ هذهِ المسألةُ منْ أكثرِ القضايا شائكةً، حيثُ يحاولُ بعضُ الباحثينَ المحدثينَ تقديمَ قراءاتٍ تعتمدُ على مبدأِ "علّةِ الحكمِ"، مشيرينَ إلى أنّ التحريمَ كانَ مرتبطاً بضعفِ حالِ المسلماتِ قديماً وخشيّةَ الفتنةِ في الدينِ، وهي ظروفٌ قدْ تتغيّرُ في ظلِّ قوانينِ المواطنةِ الحديثةِ التي تحمي حريّةَ المعتقدِ.
ثالثاً، قراءةٌ للزواجِ المنعقدِ في البلادِ التي لا تُطبّقُ الشريعةَ الإسلاميّةَ (فقهُ المهجرِ)
برزَ ما يُسمّى بـ "فقهِ الأقليّاتِ" أو "فقهِ المهجرِ" ليعالجَ إشكاليّةَ المسلمينَ في الغربِ. يذهبُ هذا الفقهُ إلى أنّ العقدَ المدنيَّ المُسجّلَ في الدوائرِ الرسميّةِ للدولِ غيرِ الإسلاميّةِ هو عقدٌ ملزمٌ وشرعيٌّ منْ حيثُ الآثارُ المترتّبةُ عليهِ، لأنّ المسلمَ في تلكَ البلادِ مُطالبٌ بالوفاءِ بالعقودِ والالتزامِ بقوانينِ البلدِ الذي يعيشُ فيهِ، ما لمْ تُجبرهُ على معصيةٍ صريحةٍ.
ويعتبرُ أصحابُ هذا الرأيِ أنّ إجراءاتِ الزواجِ المدنيِّ تتضمّنُ الإيجابَ والقبولَ والتوثيقَ، وهي مقاصدُ شرعيّةٌ كافيةٌ لاعتبارِ الزواجِ صحيحاً، معَ التوصيةِ بإضافةِ صيغةٍ دينيّةٍ بسيطةٍ لإراحةِ الضميرِ الدينيِّ للمتعاقدينَ دونَ أنْ يكونَ ذلكَ شرطاً لمدنيّةِ العقدِ وقانونيّتِهِ.