المبحثُ الثالثُ: موقفُ الموحّدينَ الدروزِ منَ الزواجِ المدنيِّ
موقف الموحدين الدروز من الزواج المدني
يُعتبر موقفُ الموحدين الدروز من الزواج المدني امتدادًا لموقفهم من الشريعة الروحية والأحوال الشخصية التي تنظمها المؤسسة الدينية الرسمية (مشيخة العقل). ويستند هذا الموقف إلى خصوصية العقد الديني في المذهب، والذي يُعتبر ميثاقًا غليظًا يجمع بين الجانبين الروحي والزمني.
الرفض من المنظور الديني والتشريعي
يرفض المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، والمحاكم المذهبية الدرزية، الاعتراف بالزواج المدني الذي يُعقد فوق الأراضي اللبنانية، وذلك استنادًا إلى أحكام قانون الأحوال الشخصية الصادر في 24 شباط 1948. إن الزواج لدى الموحدين الدروز يجب أن يتم بموجب عقد شرعي يتولاه مأذونٌ ديني معين من قبل مشيخة العقل، وبحضور الشهود، ولا بد من توفر الرضا والقبول مع شروط خاصة تتعلق بالأهلية والمصاهرة ومنع تعدد الزوجات.
الزواج المدني المعقود في الخارج
على الرغم من الرفض المبدئي للزواج المدني الإلزامي أو الاختياري داخل الدولة، إلا أن المحاكم المذهبية الدرزية، تماشياً مع النظام العام في لبنان، تضطر للتعامل مع مفاعيل الزواج المدني المعقود في الخارج. وفي هذه الحالة، يتم تسجيله في سجلات النفوس، لكنه يبقى خاضعًا في تفاصيله لقانون الدولة التي عُقد فيها الزواج فيما يتعلق بآثار العقد، ما لم يتعارض مع أصول الدين ومبادئ التوحيد، وهو أمر يثير إشكاليات قانونية واجتماعية لدى العائلات الدرزية.
الهواجس الاجتماعية والديموغرافية
تتمحور المخاوف الأساسية لدى الموحدين الدروز من الزواج المدني حول قضية "الحفاظ على خصوصية الجماعة". فالزواج المدني يفتح الباب أمام الزواج المختلط (من غير الدروز)، وهو أمر محظور قطعًا في المذهب الدرزي، حيث لا يُسمح بالتحول إلى المذهب أو الدخول فيه من الخارج. لذا، يُنظر إلى الزواج المدني كتهديد للنسيج الاجتماعي والوحدة الدينية للطائفة، وقد يؤدي إلى ضياع الهوية المذهبية للأجيال القادمة.
الخلاصة الموقفية
إن الموقف الرسمي والشعبي العام للموحدين الدروز يميل إلى التمسك بالقضاء المذهبي والزواج الديني كضمانة لاستمرارية الطائفة. ويرى قضاة المذهب أن قانون الأحوال الشخصية الدرزي هو بالأصل قانون متطور تضمن بنودًا سبّاقة (مثل منع تعدد الزوجات ومنع الرجعة إلا بعقد جديد)، وبالتالي لا يجدون ضرورة للجوء إلى الزواج المدني الذي قد يفكك الروابط الأسرية القائمة على القواعد التوحيدية.