|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصلُ الثاني: مسألةُ الزواجِ في لبنانَ

عرضٌ عامٌّ

مقدّمةٌ

يشعرُ كلٌّ منْ أتباعِ الدينِ المسيحيِّ والإسلاميِّ الذينَ يتقاسمونَ نظريّاً مناصفةً عددَ سكّانِ لبنانَ، بأنَّ الأرضَ اللبنانيّةَ، أرضُهم بالمعنى الدينيِّ، أيْ إنَّ الإسلامَ لا يرى في الأرضِ اللبنانيّةِ التي يرأسُ جمهوريّتَها مسيحيٌ أنَّها أرضُ حربٍ 168 بلْ دارُ سلامٍ، كذلكَ لا يشعرُ المسيحيُّ بأنَّ أرضَ لبنانَ، الذي يتولّى رئاسةَ مجلسيِ النوابِ والوزراءِ شخصيّاتٌ منَ الدينِ الإسلاميِّ، أنّها ديارٌ إسلاميّةٌ.

وتعودُ العلاقةُ الوثيقةُ بينَ الدولةِ اللبنانيّةِ والأديانِ السماويّةِ الثلاثِ إلى مرحلةِ نشأةِ لبنانَ حينَ تزاوجتْ ولادتُه الحديثةُ معَ المركَّبِ الدينيِّ ووجودِ الطوائفِ (أيْ ذلكَ البعدِ الاجتماعيِّ للأديانِ)، وبلغتْ هذهِ العلاقةُ درجةً عاليةً منَ الوثاقةِ إلى درجةِ اعتبارِ الطوائفِ اللبنانيّةِ التاريخيّةِ منْ مؤسّسي فكرةِ نشوءِ دولةِ لبنانَ، والتماهي في العلاقةِ بينَ الطوائفِ، وتُرْجِمَتْ بتماهٍ سياسيٍّ كرَّسَ هذهِ العلاقةَ في القوانينِ الوضعيّةِ 169 حيثُ إنَّ مراكزَ الدولةِ الأساسيّةِ وُزّعَتْ مناصفةً بينَ المسلمينَ والمسيحيّينَ (المادّةُ 95 منَ الدستورِ، المُعدَّلةُ وفقاً للقانونِ الدستوريِّ بتاريخِ 21 / 9 / 1990).

وأنْ يكونَ الزواجُ الدينيُّ في لبنانَ إلزاميّاً، هيَ إحدى خصائصِ نظامِ الأحوالِ الشخصيّةِ فيهِ. ويُعْتَبَرُ الطريقَ الوحيدَ الممكنَ استعمالُها داخلَ الأراضي اللبنانيّةِ منْ أجلِ تسجيلِ الوثائقِ الشخصيّةِ واكتسابِ أحكامِها المفاعيلَ القانونيّةَ المتوجّبةَ، وقدْ أقرَّ الدستورُ اللبنانيُّ لعام 1926 بصريحِ العبارةِ في المادّةِ 9 منهُ، بهذا التفويضِ في التشريعِ منْ قِبلِ الدولةِ نحو نظامِ الطوائفِ، إذْ نصَّتْ على أوجبِ الدولةِ ضمانَ احترامِ المصالحِ الدينيّةِ وأنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ التابعةِ لكلِّ طائفةٍ. أمّا المادّةُ 10 منهُ، فتنصُّ على حقِّ الطوائفِ في: "إنشاءِ مدارسِها الخاصّةِ، على أنْ تسيرَ في ذلكَ وفاقاً للأنظمةِ العامّةِ التي تُصْدِرُها الدولةُ بشأنِ المعارفِ العموميّةِ"، غيرَ أنَّ إطارَ العلاقةِ بينَ كلٍّ منَ السلطتينِ المدنيّةِ والدينيّةِ اتَّضحَ أكثرَ عبرَ القرارِ 60 ل.ر. الصادرِ سنةَ 1936 إذْ أقرَّ مبدأَ الحيادِ التامِّ، فلا تتدخَّلُ الدولةُ في تشريعاتِ الطوائفِ لجهةِ الزواجِ ومفاعيلِه ولا تتدخَّلُ الطوائفُ في القوانينِ التي تخرجُ عنْ دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ.

يتمتَّعُ لبنانُ بوجودِ نظامينِ قانونيّينِ متوازيينِ 170، يتكوَّنُ الأوّلُ منْ قانونٍ مدنيٍّ يرعى أمورَ جميعِ اللبنانيّينَ على مختلفِ المستوياتِ باستثناءِ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ، ومنهُ يتكوَّنُ النظامُ القانونيُّ الثاني المؤلَّفُ منَ التشريعاتِ الدينيّةِ والمرتبطُ بأتباعِ كلِّ ديانةٍ على حِدةٍ، ويطالُ أمورَ الخطبةِ والزواجِ وصحَّتِه ومفاعيلِه...

تعودُ صلاحيّةُ رجالِ الدينِ في التحكّمِ في قضايا الأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ إلى عام 1921، حينَ أعادَ حاكمُ لبنانَ الكبيرِ صلاحيّاتِ الرؤساءِ الروحيّينَ التي كانتْ معطّلةً أواخرَ أيّامِ السلطنةِ العثمانيّةِ، ثمَّ عادَ وأكّد صكُّ الانتدابِ على احترامِ أنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ والمصالحِ الدينيّةِ القائمةِ في أرضِ الواقعِ.

دخلَ المسيحيّونَ معَ اليهودِ ضمنَ فئةِ الطوائفِ "غيرِ الإسلاميّةِ"، وتمتّعوا بحكمٍ ذاتيٍّ منذُ أيّامِ السلطنةِ العثمانيّةِ 171، تحتَ رايةِ نظامِ الملّةِ، التي حكمتِ المنطقةَ لِمَا يزيدُ عنْ نصفِ قرنٍ. وكانَ على كلِّ رئيسِ طائفةٍ في وقتِها أنْ يستحصلَ على موافقةِ السلطنةِ والاعترافِ بهِ. ولحظَ الفرمانُ الهمايونيُّ "التنظيميُّ" عامَ 1839 الصادرِ عنِ السلطانِ عبدِ المجيدِ حمايةً واعترافاً كاملاً بالطوائفِ الدينيّةِ الموجودةِ على أرضِ السلطنةِ، وباعتبارِهم منَ الأممِ القائمةِ بذاتِها، ولكنْ ليسَ على أساسٍ إثنيٍ، وإنّما على أساسِ الدينِ. ثمَّ اعْتُبِرَ الخطُّ الهمايونيُّ لعام 1856 الصادرِ عنِ السلطانِ عبدِ الحميدِ الثاني، الوثيقةَ الأولى لقانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ خاصٍّ بالمسيحيّينَ، إذْ تمَّ التأكيدُ على مبدأِ المساواةِ بينَ جميعِ مواطني السلطنةِ، وإنشاءِ المحاكمِ المختلطةِ إسلاميّاً ومسيحيّاً، ما حتّمَ إصدارَ القوانينِ العلمانيّةِ الجديدةِ وإنشاءَ المحاكمِ القادرةِ على البتِّ في قضايا جميعِ المواطنينَ، دونَ أيِّ أسبقيّةِ أوْ أفضليّةٍ للدينِ "للمجتمعِ المسلمِ" على المجتمعاتِ الأخرى أوِ الأديانِ الأخرى.

المبحثُ الأوّلُ: الزواجُ في النظامِ الطائفيِّ للأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ

أعطتِ الدولةُ الفرنسيّةُ المنتدبةُ للبنانَ، الطوائفَ سلطةَ التقريرِ في مواضيعِ الأحوالِ الشخصيّةِ، فاستمرَّ الوضعُ على ما هوَ عليهِ. وكانَ القرارُ 60 ل. ر. عام 1936 الذي اشتهرَ بـ "قرارِ المفوضِ السامي دو مارتيل"، وهذا القرارُ ما زالَ معمولاً بهِ في لبنانَ حتّى اليومِ.

أنشأَ القرارُ 60 ل. ر. طائفةً جديدةً بقوّةِ القانونِ، أُضيفَتْ إلى الطوائفِ التقليديّةِ منْ مسيحيّينَ ومسلمينَ ويهودٍ، فكانتْ طائفةُ القانونِ العامِّ أوْ طائفةُ كلِّ مَنْ لا يدخلُ معتقدُه ضمنَ تعدادِ الطوائفِ المذكورةِ تاريخيّاً في متنِ القرارِ عينِه. وقدْ عجزتِ السلطةُ التشريعيّةُ حتّى اليومِ، عنْ إصدارِ دقائقِ تنفيذِه، ما يدلُّ على وجودِ فكرةِ الطائفةِ "اللاطائفيّةِ"، دونَ أنْ يكونَ لهذهِ الطائفةِ المدنيّةِ نظامٌ يرعاها كما هيَ حالُ الطوائفِ الدينيّةِ الأساسيّةِ في لبنانَ.

أسَّسَتِ المادّةُ الأولى منَ القرارِ 60 ل. ر. في 13 / 3 / 1936 ، لـ "نظامِ الطوائفِ الدينيّةِ" كنوعٍ منْ فدراليّةٍ قائمةٍ على الأشخاصِ 172، وصَبغَتْ قوّةُ القانونِ النظامَ الشخصيَّ للطوائفِ المعترفِ بها 173، وأعطاها الصلاحيّاتِ المعترفَ بها، والتي منها صلاحيّةُ الاحتفالِ بالزواجِ 174. أمّا تعدادُ هذهِ الطوائفِ فقدْ وردَ كالتالي: الطوائفُ المسيحيّةُ (الموارنةُ، الرومُ الأرثوذكسُ، الرومُ الكاثوليكُ، الأرمنُ الأرثوذكسُ، الأرمنُ الكاثوليكُ، السريانُ الأرثوذكسُ، السريانُ الكاثوليكُ، الآشوريّةُ، الكلدانُ، اللاتينُ، البروتستانتُ 175) وبالنسبةِ للطوائفِ الإسلاميّةِ (السُّنَّةُ، الشيعةُ-الجعفريّةُ، العلويّةُ، الإسماعيليّةُ، الدرزيّةُ) والإسرائيليّةُ (كنيسُ حلبَ، كنيسُ دمشقَ، وكنيسُ بيروتَ) وأمّا الطائفةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ فهيَ آخرُ طائفةٍ أُضيفَتْ بالقانونِ رقم 553 تاريخ 24 / 7 / 1996.

وتعرَّضَ القرارُ رقم 60 ل. ر. لعدّةِ تعديلاتٍ طالتْه عبرَ الزمنِ، إلّا أنَّ أيّاً منْ هذهِ التعديلاتِ لمْ تطُلْ فكرةَ ازدواجيّةِ القوانينِ في لبنانَ، والفصلِ التامِّ بينَ الشأنِ العامِّ والقانونِ المدنيِّ، والشأنِ الخاصِّ وقوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ الطائفيّةِ 176.

رفضَ المسيحيّونَ والمسلمونَ 177 القرارَ رقم 60 في بادئِ الأمرِ، بحجّةِ رفضِهم لتقديمِ أنظمتِهم الشخصيّةِ للدولةِ، ولعدمِ رغبتِهم بوصايةِ الدولةِ على المحاكمِ الروحيّةِ ثانياً، ولعدمِ موافقةِ المسلمينَ خصوصاً بالتخلّي عنِ الشرعِ الإسلاميِّ مصدرِ الحقوقِ لصالحِ القوانينِ المدنيّةِ ثالثاً، وأخيراً 178 لسماحِ المادّةِ 11 منَ القرارِ 60 / 1936 للمواطنِ الحقَّ في تغييرِ دينِه 179، وهوَ ما يُعْتَبَرُ في الإسلامِ نوعاً منْ أنواعِ الردَّةِ، التي يختلفُ الفقهاءُ اليومَ على أركانِها وشروطِها وعلى العقوبةِ المترتّبةِ على ذلكَ.

عمَّتِ المظاهراتُ على أثرِ صدورِ القرارِ 60، كلاً منْ لبنانَ وسوريا 180، وتَمَّ بنتيجتِها أبرزُ تعديلٍ على القرارِ المذكورِ، والقاضي باستثناءِ المسلمينَ منَ القرارِ. فأصدرَ المفوّضُ السامي الفرنسيُّ، وصاحبُ السلطةِ التشريعيّةِ أيّامَ الانتدابِ على لبنانَ، القرارَ الذي حملَ رقم 53 والصادرَ بتاريخِ 30 آذار 1939 أوكّد فيهِ على تكريسِ قوّةِ السلطةِ الدينيّةِ في التحكّمِ في مجرياتِ الأمورِ، وسمحَ للمسلمينَ، بالبقاءِ تحتَ إمرةِ الشريعةِ الإسلاميّةِ وقانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ.

وبخروجِ الطوائفِ الإسلاميّةِ منَ القرارِ 60، أصبحَ على الدولةِ اللبنانيّةِ إصدارُ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ للطوائفِ الإسلاميّةِ، معترفةً في الوقتِ نفسِه باستقلالِهم التشريعيِّ الشخصيِّ. وصدرتْ قوانينُ الطوائفِ تباعاً، الطائفةُ السنّيّةُ (1955)، والدرزيّةُ (1962)، والشيعيّةُ (1967)، وأخيراً العلويّةُ (1996). أمّا الطوائفُ المسيحيّةُ فتقدَّمتْ بأنظمةِ أحوالِها الشخصيّةِ بعدَ صدورِ قانونِ 2 نيسان 1952، الذي ينظّمُ صلاحيّاتِ المراجعِ المذهبيّةِ.

في لبنانَ عددٌ كبيرٌ منْ أتباعِ الدياناتِ غيرِ المذكورةِ في القرارِ 60 ل.ر. وتعديلاتِه، الذينَ إمّا كانوا موجودينَ أيّامَ الانتدابِ ولمْ ينالوا الاعترافَ أسوةً بباقي الأديانِ كالبهائيّةِ، وإمّا منَ الذينَ حصلوا على الجنسيّةِ اللبنانيّةِ بالزواجِ منْ لبنانيٍّ، وبَقوا على معتقداتِهم الخاصّةِ كالبوذيّةِ.

ونجدُ أيضاً في لبنانَ اليومَ، حالاتٍ لمكتومي القيدِ 181، أيْ إنَّ عقودَ زواجِهم وسجلّاتِ أولادِهم لا تُوَثَّقُ رسميّاً، ولا يستطيعونَ استصدارَ هويّةٍ خاصّةٍ بهم، أوْ جوازِ سفرٍ لهم. والأهمُّ أنْ لا قانونَ يرعى زواجَهم ومشاكلَهم الزوجيّةَ، إذْ همْ في حُكْمِ غيرِ الموجودينَ قانوناً، وهذا ما يضطرُّهم إلى سلوكِ قواعدِ الزواجِ الدينيِّ حُكماً، دونَ إمكانيّةِ تسجيلِه قانوناً، ودونَ أنْ يكونَ لهمْ حقُّ الاختيارِ، إذْ لا إمكانيّةَ لهم للسفرِ خارجاً بشكلٍ رسميٍّ.

ونأتِ السلطةُ التشريعيّةُ بنفسِها عنِ الولوجِ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ، بالرغمِ منْ وجودِ عدّةِ أسبابٍ قانونيّةٍ تسمحُ لها بذلكَ، واكتفتْ بالقانونِ الوضعيِّ اللبنانيِّ 182، بذِكْرِ حقِّ الزواجِ فقطْ في متنِ قانونِ الموجباتِ والعقودِ الصادرِ عامَ 1932، دونَ أنْ تُعرّفهُ أوْ تنصَّ على أيٍ منْ دقائقِ تطبيقِه، فالزواجُ بحسبِ المادّةِ 83 هوَ الحقُّ الذي لا يجوزُ لأيِّ شرطٍ تقييدُه أوْ منعُه.

وفي 2 نيسان 1951، صدرَ القانونُ الذي يحدّدُ صلاحيّاتِ المراجعِ المذهبيّةِ للطوائفِ المسيحيّةِ والطائفةِ الإسرائيليّةِ. وهذا القانونُ طلبَ في المادّةِ 33 منهُ أنْ تُقَدَّمَ الطوائفُ التي يشملُها هذا القانونُ، قانونَ أحوالِها الشخصيّةِ وقانونَ أصولِ المحاكماتِ لدى محاكمِها الروحيّةِ، وهيَ التي ذُكِرَتْ حصريّاً في النصِّ كطوائفَ مُعترفٍ بها في لبنانَ، ضمنَ تلكَ اللائحةِ المدرجةِ في المادّةِ الأولى منهُ، وهيَ التي يُسْتَنَدُ إليها للقولِ بوجودِ 11 طائفةً مسيحيّةً وطائفةً إسرائيليّةً، يضافُ إليها 5 طوائفَ إسلاميّةً. وكانَ ملحقُ القرارِ 60 ل. ر. قدْ حدَّدَها بحيثُ أصبحَ تعدادُ الطوائفِ في لبنانَ 17 طائفةً، وأُضيفَتْ إليها لاحقاً طائفةُ الأقباطِ الأرثوذكسِ، فأصبحَتِ المحصلةُ ثمانيَ عشرةَ طائفةً دينيّةً معترفاً بشخصيّتِها المعنويّةِ، وهذا يعني سماحَ القانونِ بوجودِ ثمانيةَ عشرَ نظامَ أحوالِ شخصيّةٍ خاصّاً بالمواطنينَ اللبنانيّينَ والمقيمينَ على أرضِه، وباستقلالٍ وغيابٍ تامٍّ عنْ تشريعاتِ الدولةِ. وبناءً على ذلكَ، يوجدُ اليومَ في لبنانَ خمسةَ عشرَ قانوناً ومحكمةً للأحوالِ الشخصيّةِ 183.

أوّلاً، الزواجُ الدينيُّ داخلَ الأراضي اللبنانيّةِ

أعلنتِ المادّةُ الأولى منَ القرارِ رقم 53 ل.ر. / 1939، عدمَ تطبيقِ القرارِ 60 على المسلمينَ، ففَرَضَ ذلكَ على المؤسَّساتِ الشرعيّةِ الإسلاميّةِ تنظيمَ عقودِ زواجِها، وعلى القضاءِ المختصّ متابعةَ أمورِ أحوالِهما الشخصيّةِ. أمّا المادّةُ السادسةَ عشرةَ منْ قانونِ 2 نيسان 1951، فأبطلتْ كُلَّ زواجٍ يتمُّ في لبنانَ أمامَ مرجعٍ مدنيٍ للبنانيٍ ينتمي إلى المسيحيّةِ أوِ الإسرائيليّةِ. كما صدرَ عامَ 1948 قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ لطائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، ونصَّ في المادّةِ 16 منهُ والمعدَّلةِ بموجبِ قانونِ 1959 على أنَّ الزواجَ الصحيحَ هوَ الذي يُجْريهِ أحدُ شيخَيِ العقلِ، أوْ قاضي المذهبِ، أوْ مَنْ أنابَه عنهُ لإجرائِه، ويُسْتَشْفُّ منْ هذهِ المادّةِ رفضُ إقامةِ زواجِ مدنيٍ داخلَ لبنانَ لأيٍ منْ أبناءِ الطائفةِ.

لذلكَ، يُعْتَبَرُ الزواجُ في لبنانَ مؤسَّسةً دينيّةً 184 بمعنى عدمِ وجودِ القدرةِ القانونيّةِ على القيامِ بهِ خارجَ إطارِ المؤسَّساتِ الدينيّةِ المعترفِ بها في لبنانَ، أمّا الطوائفُ غيرُ المعترفِ بها قانوناً، فيبقى لديها قانونُها الخاصُّ، الذي يطبّقُه أتباعُها طوعاً، ولكنْ يتمُّ اللجوءُ إلى أحدِ القوانينِ النافذةِ دينيّاً، أوْ مدنيّاً خارجَ لبنانَ، منْ أجلِ إتمامِ المعاملاتِ الإداريّةِ الرسميّةِ.

يبقى أنَّ الزواجَ الممنوعَ دينيّاً في لبنانَ، أيِ الذي لا يُسمحُ بعقدِ الزواجِ بتاتاً دونَ أنْ يسبقَه إبدالُ مذهبٍ، هوَ الزواجُ بينَ بعضِ أتباعِ الطوائفِ التي لا تعترفُ بالطوائفِ الأخرى، كزواجِ السنّيِّ أوِ الشيعيِّ منْ فتاةٍ درزيّةِ، أوْ كزواجِ الأرثوذكسيِّ بِمَنْ هيَ غيرُ مسيحيّةٍ، أوْ زواجِ الموحّدِ الدرزيِّ بِمَنْ هيَ منْ خارجِ الطائفةِ. وهناك حالاتٌ تُمْنَعُ فيها بعضُ مفاعيلِ عقدِ الزواجِ كحالةِ الفتاةِ المسيحيّةِ المقترنةِ بمسلمٍ منْ ناحيةِ عدمِ حصولِها على الإرثِ في حالِ الوفاةِ.

لكلِّ مذهبٍ في لبنانَ تشريعُه الخاصُّ للأحوالِ الشخصيّةِ، فالكنيسةُ الكاثوليكيّةُ 185 تُطبّقُ التشريعَ اللاتينيَّ الصادرَ عامَ 1983. والكنائسُ الشرقيّةُ الكاثوليكيّةُ تحكمُها مجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ الصادرةِ عامَ 1990. أمّا الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ الأنطاكيّةُ، فيعودُ القانونُ الذي يرعى شؤونَها إلى 16 / 10 / 2003. كما يعودُ قانونُ طائفةِ الإنجيليّينَ إلى 1 نيسان 2005.

وما زالَ المسلمونَ السُّنَّةُ في لبنانَ يتبعونَ في قضائِهم الشرعيِّ 186 نظامَ الأحوالِ الشخصيّةِ للإمامِ أبي حنيفةَ النعمانِ، وقانونَ العائلةِ العثمانيَّ الصادرَ عامَ 1917، أيْ قبلَ سنةٍ واحدةٍ منْ سقوطِ السلطنةِ العثمانيّةِ وقانونَ محمّد قدري باشا (1821 - 1888)، معَ بعضِ ما اتُّفِقَ عليهِ منْ حالاتٍ أقرَّتْها المذاهبُ الإسلاميّةُ الأخرى، ونظامِ أحكامِ الأسرةِ 187 رقم 46 تاريخ 1 / 10 / 2011. أمّا عندَ الشيعةِ الجعفريّةِ فلهُم قانونُ أحوالِهم الشخصيّةِ الخاصُّ وفتاويهِم منذُ عامِ 1967. وقدْ حوى قانونُ حقوقِ العائلةِ العثمانيُّ، على أحكامِ الزواجِ والطلاقِ للمسلمينَ والمسيحيّينَ واليهودِ، وألغى امتيازاتِ الرؤساءِ الروحيّينَ، وجعلَ للقاضي الشرعيِّ الحكمَ الفصلَ في جميعِ النزاعاتِ الداخلةِ ضمنَ دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ.

أ- الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ المارونيّةِ

يقعُ الزواجُ الدينيُّ المارونيُّ ضمنَ مظلّةِ القوانينِ المختصّةِ، أيْ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للطوائفِ كاثوليكيّةِ الصادرُ عامَ 1952، ومجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ لعام 1990، والشرعُ الخاصُّ للكنيسةِ المارونيّةِ الصادرُ عامَ 1995، والدستورُ الرسوليُّ "الراعي الصالح" الصادرُ عامَ 1988.

ففي حالِ كانَ الزوجانِ مارونيَّينِ تُطْلَبُ في بعضِ الأبرشيّاتِ إفادةُ حضورِ دوراتِ إعدادِ الزواجِ، بالإضافةِ إلى ورقةِ الفحوصاتِ الطبيّةِ وشهادةِ المعموديّةِ وإخراجِ قيدٍ جديدٍ. أمّا في حالِ كانتِ العروسُ مارونيّةً والزوجُ منْ طائفةِ كاثوليكيّةٍ أخرى، فعليهِ إحضارُ كاهنِه، وتكونُ مراسمُ الإكليلِ بالاتّفاقِ بينَ الكاهنَيْنِ، معَ تفضيلِ إتمامِ المراسمِ بحسبِ طائفةِ الزوجِ.

أمّا إذا كانَ العريسُ مارونيّاً والعروسُ غيرَ مسيحيّةٍ، فبالإضافةِ إلى الأوراقِ السابقةِ، يتمُّ توقيعُ تعهُّدٍ منْ قِبلِ الزوجةِ، تعترفُ بهِ بسلطةِ المحكمةِ المارونيّةِ على زواجِها، وتتعهّدُ بتربيةِ الأولادِ مسيحيّاً، دونَ أنْ يُطْلَبَ منها إبدالُ المعتقدِ إلى المسيحيّةِ.

- الزواجُ الدينيُّ عندَ الرومِ الأرثوذكسِ

يُقيمُ الكاهنُ الأرثوذكسيُّ مراسمَ الزواجِ إذا كانَ أحدُ الزوجينِ أرثوذكسيّاً والشريكُ مسيحيّاً. وفي حالِ كانَ الشريكُ غيرَ مسيحيٍ، فيُصارُ إلى التأكُّدِ منْ قبولِه المسيحيّةَ بغضِّ النظرِ عنْ قضيّةِ طلبِ زواجِه. وفي الكثيرِ منَ الأبرشيّاتِ، يُصارُ إلى تعليمِ الشريكِ غيرِ المسيحيِّ قواعدَ المعتقدِ المسيحيِّ، ولمدّةِ قدْ تطولُ إلى سنتينِ، قبلَ مَنْحِه سرَّ العمادِ. وفي الكثيرِ منَ الأحيانِ تطلبُ الرئاسةُ الروحيّةُ تغييرَ قيدِ مذهبِ المعمَّدِ حديثاً، ليُصارَ إلى إعطاءِ الكاهنِ إذنَ الزواجِ لإتمامِ الطقوسِ.

أمّا في الحالاتِ العاديّةِ التي لا تستدعي معاملةً خاصّةً، فيُصارُ إلى التأكُّدِ منْ بياناتِ القيودِ الشخصيّةِ، وإتمامِ الفحوصاتِ الطبيّةِ، وتقديمِ إفادتينِ تُثبتُ الأولى معموديّتَه، وتُثبتُ الثانيةُ أنَّه غيرُ مرتبطٍ بخطبةِ كنسيّةٍ أوْ زواجٍ قائمٍ. وتُعْرَفُ هذهِ الوثيقةُ بـ "مطلق الحال". ومنْ بعدِ التأكُّدِ منِ اكتمالِ جميعِ البياناتِ، يُصارُ إلى طلبِ "إذن زواج" منَ المطرانِ، ليُصارَ منْ بعدِ مباركةِ الإكليلِ استصدارُ شهادةِ زواجٍ، تُسْتَعْمَلُ أوّلاً في دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ التابعةِ لمكانِ إتمامِ العقدِ، ومنْ ثمَّ لكيْ يتمَّ شطبُ قيدِ العروسِ منْ سجلِّ والدِها وتُضَمَّ إلى خانةِ سجلِّ عريسِها.

- الزواجُ الدينيُّ لدى طائفةِ الأقباطِ الأرثوذكسِ

تمَّ الاعترافُ بالكنيسةِ القبطيّةِ الأرثوذكسيّةِ عامَ 1996، وأُعْطِيَتِ الشخصيّةَ المعنويّةَ المستقلّةَ. وقدَّمتِ الطائفةُ قانونَ الأحوالِ الشخصيّةِ وأصولِ المحاكماتِ عامَ 2010.

يُشترطُ في زواجِ طائفةِ الأقباطِ الأرثوذكسِ اتّحادُ ديانةٍ وملَّةِ طالبي الزواجِ، بالإضافةِ إلى الأوراقِ الثبوتيّةِ المعهودةِ، والشهادةِ الطبيّةِ، وإكمالِ الدوراتِ الروحيّةِ. ولا يُعْقَدُ الزواجُ إلّا إذا كانَ الطرفانِ ينتميانِ إلى الكنيسةِ القبطيّةِ. والسببُ منْ وراءِ ذلكَ هوَ السماحُ للعروسينِ بتسجيلِ زواجهما في مصرَ، بالشكلِ الذي يسمحُ للكنيسةِ القبطيّةِ منْ حلِّ الخلافاتِ الناشئةِ، وإلّا طُبّقَ على عقدهما الشرعُ الإسلاميُّ لاختلافِ الملّةِ بينَ الزوجينِ.

- الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ السنّيّةِ

بناءً على أحكامِ المرسومِ الاشتراعيِّ رقم 18 / 1955 المعدَّلِ بموجبِ القرارِ رقم 5 الصادرِ في 2 آذار 1967، ولا سيّما المادّةُ رقم 1 منهُ، فإنَّ المسلمينَ السُّنَّةَ مستقلّونَ استقلالاً تامّاً في شؤونِهم الدينيّةِ وأوقافِهم الخيريّةِ، و"يتولَّونَ تشريعَ أنظمتِها وإدارتَها بأنفسِهم، طبقاً لأحكامِ الشريعةِ والقوانينِ والأنظمةِ المستمدّةِ منها..."

أمّا الأوراقُ المطلوبةُ لإجراءِ عقدِ النكاحِ، فتتضمَّنُ إخراجَ قيدٍ جديدٍ للعروسينِ لا يتعدّى تاريخُه الثلاثةَ أشهرٍ، وطلبَ زواجٍ يُجْريهِ مختارُ المحلّةِ، والتقريرَ الطبّيَّ المعهودَ. وعلى إثرِ التسجيلِ في سجلاّتِ المحكمةِ، تُسْتَصْدَرُ وثيقةُ زواجٍ يُعْمَلُ بموجبِها في دائرةِ النفوسِ.

هـ - الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ الشيعيّةِ

حصلتِ الطائفةُ الشيعيّةُ على استقلالِها التشريعيِّ في مجالِ الأحوالِ الشخصيّةِ، نتيجةَ عملٍ دؤوبٍ منَ الإمامِ موسى الصدرِ، فأصبحَ لها مجلسٌ أعلى للطائفةِ. وتنصُّ المادّةُ 1 منْ قانونِ 1967 على أنَّ: "الطائفةَ الإسلاميّةَ الشيعيّةَ مستقلّةٌ في شؤونِها الدينيّةِ وأوقافِها ومؤسَّساتِها، ولها ممثّلونَ منْ أبنائِها يتكلّمونَ بلسانِها، ويعملونَ باسمِها طبقاً لأحكامِ الشريعةِ الغرّاءِ، ولفقهِ المذهبِ الجعفريِّ في نطاقِ الفتاوى الصادرةِ عنْ مقامِ المرجعِ العامِّ للطائفةِ في العالمِ". أمّا التشريعُ المُرتبطُ بعقدِ النكاحِ، فهو عبارةٌ عنْ مراجعَ مُنْتَخَبَةٍ للمرجعِ السيّدِ أبي القاسم الموسوي الخوئي (العراق)، على سبيلِ المثالِ. وعادةً ما يُؤخذُ اليومَ بتقليدِ المرجعِ السيستاني في مثلِ هذهِ المسائلِ. وعلى خلفيّةِ الشكاوى منَ المحامينَ بشأنِ غيابِ التقنينِ، صاغَ رئيسُ المحكمةِ الجعفريّةِ العليا القاضي عبد الله نعمة في العامِ 1982 "دليلَ القضاءِ الجعفريِّ"، الذي يجمعُ ويُفسّرُ الموادَّ المتعلّقةَ بقضايا الزواجِ والطلاقِ والنَّسبِ وحضانةِ الأطفالِ، وغيرها منْ مسائلِ الأحوالِ الشخصيّةِ. إلّا أنَّ هذا الدليلَ غيرُ مُلزمٍ للقُضاةِ الجعفريّينَ.

يتمُّ عقدُ النكاحِ اليومَ في الحالاتِ العاديّةِ أمامَ شيخٍ. ولا يُشترطُ أنْ يكونَ هذا الشيخُ مسجّلاً في لائحةٍ رسميّةِ صادرةٍ عنِ المحكمةِ الشرعيّةِ الجعفريّةِ، إذْ يجبُ في جميعِ الأحوالِ أنْ يُسجَّلَ عقدُ الزواجِ لدى المحكمةِ الشرعيّةِ، للاستحصالِ على الورقةِ الخاصّةِ التي تُمكّنهم منَ التسجيلِ.

وبعدَ أنْ يتأكّدَ الشيخُ منْ بياناتِ القيودِ الشخصيّةِ، ومنْ إدراكِ الزوجينِ لِمَا يقْدِمانِ عليهِ، وبالإضافةِ إلى التأكُّدِ منَ الحالةِ التي تستوجبُ حضورَ وليٍّ للفتاةِ، ومنْ قيامِهم بالفحوصاتِ الطبيّةِ الإلزاميّةِ، ومنْ قبضِ الفتاةِ لِمَهْرِها (في هذهِ الأيّامِ يكثرُ أنْ يكونَ المؤخَّرُ عبارةً عنْ نسخةٍ منَ القرآنِ) يتمُّ عقدُ الزواجِ أمامَه. ومنْ ثمَّ يُسجّلهُ هذا العقدُ في المحكمةِ الشرعيّةِ، ليُصارَ إلى إصدارِ وثيقةِ الزواجِ التي بموجبِها يُسجَّلُ الزواجُ رسميّاً في قيودِ الأحوالِ الشخصيّةِ الرسميّةِ.

أمّا في الحالاتِ التي تشترطُ الزوجةُ شروطاً خاصّةً، كحصولِ الطلاقِ فيمَا لوْ تزوَّجَ الرجلُ عليها، أوْ كتوكيلِ الزوجِ لزوجتِه بتطليقِ ذاتِها بإرادتِها المنفردةِ، فعندَئذٍ تُذْكَرُ هذهِ الشروطُ في متنِ العقدِ. ويُنْصَحُ أيضاً بتسجيلِ جميعِ هذهِ الشروطِ عندَ كاتبِ عدلٍ لمزيدٍ منَ الحيطةِ ودرءاً للمشاكلِ الناتجةِ في المستقبلِ.

لا يُزوّجُ الشيخُ الشيعيُّ 188 إلا مَنْ كانَ مسلماً شيعيّاً أوْ سنّيّاً، أوْ كانَ مسلماً وزوجتُه كتابيّةً. وكلُّ ما عدا هذهِ الحالاتِ، فيُنْصَحُ الشيخُ الزوجينِ بعقدِ الزواجِ المدنيِّ خارجَ لبنانَ فلا يقعا في حالةِ الزنى.

- الزواجُ لدى طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ

يُمْنَعُ الزواجُ عندَ الدروزِ منْ خارجِ الطائفةِ، لأيٍّ سببٍ كانَ، أوْ مهما علا شأنُ أيِّ شخصٍ، وذلكَ وفقَ قانونِ الطائفةِ الصادرِ في 24 / 4 / 1948 والمعدَّلِ بقانونِ 2 / 7 / 1959 الذي طالَ عدّةَ موادَّ منهُ. وقدْ عُدّلَ أيضاً بقانونِ 9 / 6 / 2006 لجهةِ استبدالِ قاضي المذهبِ بعبارةِ أحدِ شيخيِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ، ثُمَّ عُدّلَ أخيراً 189 في 19 / 9 / 2017 ، فرُفِعَ الحدُّ الأدنى لسنِّ الزواجِ، وطالَ ناحيةَ المَهْرِ ونقاطاً أخرى منَ القانونِ القديمِ.

ويتمُّ عقدُ الزواجِ عندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ مباشرةً أمامَ المحكمةِ المذهبيّةِ، حيثُ يتمُّ تقديمُ الأوراقِ الثبوتيّةِ معَ الفحوصاتِ الطبيّةِ، بحضورِ شاهدينِ منْ أهلِ العروسِ وشاهدينِ منْ أهلِ العريسِ. وعلى قاضي المذهبِ أنْ يسمعَ بالألفاظِ الصريحةِ منَ الطرفينِ بالإيجابِ والقبولِ، ويمكنُ إحضارُ أحدِ الكُتّابِ المكلَّفينَ رسميّاً منَ القاضي إلى المنزلِ، حيثُ يتمُّ العقدُ ومنْ ثمَّ يُسجّلهُ الكاتبُ في المحكمةِ في اليومِ الثاني.

ثانياً، الزواجُ المعقودُ خارجَ لبنانَ

تعرَّضتْ مؤسَّسةُ الزواجِ، نتيجةَ الحربِ اللبنانيّةِ، لاهتزازاتٍ قويّةٍ تردَّدَ صِداها على صعيدِ استقرارِ الحياةِ الاجتماعيّةِ في لبنانَ، عبرَ الفرزِ الديموغرافيِّ للسكانِ والهجرةِ الخارجيّةِ بنوعٍ خاصٍّ. كما ساهمتِ الهجرةُ طلباً للعملِ أيضاً في ارتفاعِ وتيرةِ الزيجاتِ العابرةِ للبلدِ الواحدِ، كالزيجاتِ في أفريقيا أوْ فرنسا أوْ أميركا.

وقدْ أجازَ القرارُ 60 ل. ر. الاعترافَ بالزواجِ المعقودِ خارجَ لبنانَ وفقَ الشكلِ المتّبعِ في هذا البلدِ في المادّةِ (25) منهُ. أمّا في المادّةِ (27) فنقرأُ إنشاءَ "محكمةٍ قضائيّةٍ عليا تُكلَّفُ البتَّ في الخلافاتِ التي تتولَّدُ بينَ محاكمِ الأحوالِ الشخصيّةِ وبينَ هذهِ المحاكمِ..."

وحصرَ المشرّعُ اللبنانيُّ إمكانيّةَ اعتمادِ المحاكمِ المدنيّةِ للنظرِ في حالاتِ الزواجِ المدنيِّ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ، إذْ نصَّتِ المادّةُ (79) منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ على أنَّ "تختصُّ المحاكمُ اللبنانيّةُ المدنيّةُ بالنظرِ في المنازعاتِ الناشئةِ عنْ عقدِ الزواجِ الذي تمَّ في بلدٍ أجنبيٍ، بينَ لبنانيَّيْنِ أوْ بينَ لبنانيٍ وأجنبيٍ، بالشكلِ المدنيِّ المقرَّرِ في قانونِ ذلكَ البلدِ. وتُراعى أحكامُ القوانينِ المتعلّقةِ باختصاصِ المحاكمِ الشرعيّةِ والدرزيّةِ، إذا كانَ كلا الزوجينِ منَ الطوائفِ المحمّديّةِ وأحدهما على الأقلِّ لبنانيّاً".

لا تُطلبُ إذاً، جميعُ عقودِ الزواجِ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ، سوى أنْ تكونَ هذهِ العقودِ شرعيّةً بحسبِ القوانينِ الداخليّةِ المرعيّةِ الإجراءِ، وبحسبِ الاستقلالِ السياديِّ لكلِّ دولةٍ. ويبقى الاعترافُ بشرعيّةِ عقودِ الزواجِ المنعقدةِ في الخارجِ، وإنْ خالفَتْ أحكامَ القوانينِ الطائفيّةِ اللبنانيّةِ القائمةِ، كعقودِ الزواجِ المدنيِّ في الدولِ التي تُجيزُه كالدولِ الأوروبيّةِ مثلاً.

ومكَّنتِ المادّةُ 79 المسلمينَ منْ عقدِ زيجاتٍ خارجَ لبنانَ، ولكنْ تبقى صلاحيّةُ حلِّ الخلافاتِ منْ ضمنِ صلاحيّةِ المحاكمِ الشرعيّةِ والمذهبيّةِ، أيْ إنَّ المشرّعَ سَمحَ بالفصلِ بينَ منظومتينِ مختلفتينِ، أوْ إنَّه قطعَ الوصالَ في الحلقةِ الواحدةِ التي تجمعُ بينَ السلطةِ التي ينشأُ عقدُ الزواجِ ضمنَها، وبينَ السلطةِ التي يُفْتَرَضُ أنْ تُكْمِلَ رعايتَها لهذا العقدِ الذي ارتضى طرفا عقدِ الزواجِ، بحريّتِهما الكاملةِ، الاستمرارَ في كنفِها.

إنَّ إطارَ استخدامِ هذهِ النافذةِ للاعترافِ بالزواجِ المنعقدِ خارجَ لبنانَ، يُعتبرُ نوعاً منَ "التحايلِ المشرَّعِ" على أحكامِ القانونِ المحليِّ، بغيةَ إرغامِ المشرّعِ على إعطاءِ الصيغةِ التنفيذيّةِ لزواجٍ عقدَه مَنْ يرفضونَ، لأسبابِهم المتعدّدةِ، الخضوعَ للإطارِ الوحيدِ المتاحِ أمامَهم اليومَ، أيِ الزواجِ الدينيِّ. هنا تُطرحُ مسألةُ الملحدِ أوِ الذي يؤمنُ، فيمَا لا يدخلُ ضمنَ إطارِ ما هوَ معدَّدٌ ضمنَ طوائفِ لبنانَ المعترفِ بشخصيّتِها المعنويّةِ الخاصّةِ (المادّةُ 1 منَ القرارِ رقم 60 ل. ر.)، كالبهائيّينَ في لبنانَ.

إذًا، إنَّ إمكانيّةَ الاعترافِ بالزواجِ المنعقدِ خارجَ لبنانَ صحيحةٌ قانوناً، إلّا أنَّ هناكَ عقباتٍ داخليّةً تقفُ بالمرصادِ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بحلِّ الخلافاتِ الناشئةِ عنهُ، وفي الحالاتِ حيثُ الطرفانِ لا ينتميانِ للدينِ نفسِه.

عقدُ الزواجِ الإلكترونيُّ

سمحَ تقدُّمُ وسائلِ التواصلِ الإلكترونيِّ وثورةُ الإنترنت لميدانِ التجارةِ بالتقدُّمِ والتوسُّعِ. ثمَّ لَحِقَ بركْبِه الكثيرُ منَ الحاجاتِ، كالحاجةِ إلى الزواجِ لِمَنْ لا يستطيعُ الحضورَ معَ عروسِه في مجلسٍ واحدٍ.

وقدْ خلقتْ عاصفةُ الكورونا التي اجتاحتْ عالمَنا الحاجةَ إلى إيجادِ وسائلَ قانونيّةٍ لإتمامِ العقودِ، تُراعي طريقةَ التواصلِ الافتراضيِّ ولا تتطلَّبُ الاجتماعَ فعليّاً في مكانِ واحدٍ محدَّدٍ. وهذا النوعُ منَ العقودِ لا يتطلَّبُ الحضورَ فعليّاً إلى قاعةِ المحكمةِ، وبالتالي فهوَ مفيدٌ لكلِّ مَنْ يعاني صعوبةً في التنقّلِ لأسبابِ مرضيّةٍ، أوْ لأسبابِ قانونيّةٍ كعدمِ الحصولِ على تأشيرةِ سفرٍ، كما يُمْكِنُ الاستفادةُ منهُ لإتمامِ معاملاتِ "لَمِّ الشَّمْلِ".

فكانتْ عقودُ الزواجِ منْ بينِ العقودِ التي دخلتِ العالمَ الافتراضيَّ، وسبقتْها طريقةُ إتمامِ تسجيلِ كلِّ العقودِ عبرَ المنصّاتِ الخاصّةِ التي تُتيحُها الدولةُ، التي تُخفّفُ الأعباءَ الاقتصاديّةَ والوقتَ عنْ كاهلِ العروسينِ لإتمامِ هذهِ التسجيلاتِ.

أصبحتْ أوتوا أوّلَ ولايةٍ أميركيّةٍ تسمحُ بعقدِ زواجِ عروسينِ مُقيمَيْنِ خارجَ حدودِ الولايةِ، وتعتبرُ حضورهما الإلكترونيَّ بمثابةِ الحضورِ الجسديِّ في مكانِ عقدِ الزواجِ، أيْ إنَّهما يحضرانِ مجلسَ عقدِ الزواجِ بصورةٍ افتراضيّةٍ. وتنطلقُ الحجّةُ وراءَ هذا التطوّرِ في آليّاتِ العملِ منْ فلسفةِ الحبِّ الذي يكسرُ كلَّ القيودِ ويتخطّى كلَّ الحدودِ. أمّا على الصعيدِ التقنيِّ، فقدْ تمَّ هذا التطوّرُ انطلاقاً منِ اعتمادِ آليّةِ التوقيعِ الإلكترونيِّ الآمنِ على القيودِ، وقبولِه قانوناً.

وتحدَّثَ الإعلامُ في لبنانَ عنْ قيامِ أوّلِ زواجٍ أونلاين بينَ خليل رزق الله وزوجتِه نادين 190، مُتَحَدِّيَـيْنِ الجدلَ التاريخيَّ حولَ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ، وضاربَـيْنِ بعرضِ الحائطِ كلَّ المعوّقاتِ التي تقفُ بالمرصادِ لمنعِ حصولِ مثلِ هذا الزواجِ.

إنَّ اعتمادَ الزواجِ عن بُعْدٍ وبصورةٍ افتراضيّةٍ، سيُعيدُ خلطَ كلِّ الأوراقِ منَ الناحيةِ العملانيّةِ. أمّا ناحيةُ القيمِ الأخلاقيّةِ، فتبقى قائمةً حتّى وإنِ اعْتُمِدَ الزواجُ الإلكترونيُّ، معَ الحاجةِ إلى البحثِ عنْ تشريعِ الزواجِ المدنيِّ.

188189

المبحثُ الثاني: محاولاتُ تشريعِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ

يمكنُ تقسيمُ محاولاتُ تشريعِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ إلى ثلاثِ مراحلَ، المرحلةُ الأولى، العملُ على تقليصِ سلطةِ المحاكمِ الشرعيّةِ والروحيّةِ. المرحلةُ الثانيةُ، العملُ على إصدارِ مراسيمَ تطبيقيّةٍ منْ ضمنِ المنظومةِ الحقوقيّةِ الموجودةِ، باتّجاهِ إقرارِ الزواجِ المدنيِّ. أمّا المرحلةُ الثالثةُ، العملُ على إصدارِ قانونٍ واضحٍ وصريحٍ يُقرُّ بالزواجِ المدنيِّ.

قدْ سبقَ وتبيَّنَ لهيئةِ التشريعِ والاستشاراتِ في وزارةِ العدلِ، وذلكَ في الاستشارةِ رقم 1100 / 2012، أنَّه منَ الأساسيِّ الرجوعُ إلى مفهومِ عقدِ الزواجِ وضرورةِ صدورِه عنْ سلطةٍ مخوَّلةٍ التشريعَ، هيَ الدولةُ اللبنانيّةُ. وبعدَ أنْ تقاعستِ الدولةُ عنْ تأديةِ وظيفتِها بإصدارِ قانونٍ يُراعي أحوالَ اللبنانيّينَ الخاضعينَ للحقِّ العاديِّ لا ينتمونَ إلى طائفةٍ ما، ولا يُلجأُ وجوباً إلى "استعمالِ القياسِ أوِ المقارنةِ" في هذا المجالِ. وقدْ خلصتِ الهيئةُ إلى "ضرورةِ سَنِّ قانونٍ لانتماءِ اللبنانيِّ إلى غيرِ طائفتِه الدينيّةِ، وسَنِّ قانونٍ يرعى أحكامَ عقدِ الزواجِ المدنيِّ 191".

أوّلاً، العملُ على تقليصِ اختصاصِ المحاكمِ الشرعيّةِ والمذهبيّةِ

يُعْتَبَرُ القضاءُ الشرعيُّ في لبنانَ جزءاً منْ تنظيماتِ الدولةِ اللبنانيّةِ القضائيّةِ 192. وهوَ يرتبطُ بأعلى مرجعٍ إسلاميٍ في السلطةِ التنفيذيّةِ، الذي يتولّى شؤونَ موظّفيها وأمورَها الإداريّةَ والماليّةَ، أيْ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ. فيتولّى مكتبُ رئاسةِ مجلسِ الوزراءِ إدارةَ شؤونِ موظّفي القضاءِ الشرعيِّ وأمورِه الإداريّةِ والماليّةِ، فلا يخضعونَ لقانونِ القضاءِ العدليِّ، ولا لسلطةِ مجلسِ القضاءِ الأعلى. أمّا المحاكمُ الروحيّةُ المسيحيّةُ، فهيَ مستقلّةُ عنِ القضاءِ كليّاً، ولكنْ يُخَصَّصُ لرئيسِ كلِّ محكمةٍ بدلٌ محدَّدٌ، يكونُ مذكوراً في موازنةِ وزارةِ العدلِ. أمّا المحكمةُ المذهبيّةُ الدرزيّةُ فتُعْتَبَرُ جزءاً منْ تنظيماتِ الدولةِ القضائيّةِ 193 في وزارةِ العدلِ.

ورغمَ وجودِ أكثريّةٍ ساحقةٍ لأتباعِ دينٍ واحدٍ في العالمِ العربيِّ، إلّا أنَّ هناكَ عدّةَ أمثلةٍ لدولٍ تتَّخذُ أحكامَ الشريعةِ مَصْدراً لها، ولكنْ ترعى مواطنيها قوانينُ مدنيّةٌ. فمثلاً يرعى القانونُ المدنيُّ التركيُّ جميعَ المواطنينَ وهمْ بأغلبيّتِهم منَ السُّنَّةِ. وكذلكَ في تونس، حيثُ يُعدُّ القانونُ المدنيُّ الأكثرُ تقدّماً في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ في البلدانِ العربيّةِ. أمّا في مصرَ، فليسَ منْ محاكمَ شرعيّةٍ أوْ مذهبيّةٍ بتاتاً منذُ أيّامِ جمال عبد الناصر (1955)، رغمَ أنَّ نصوصَ قوانينِها مستلهمةٌ منَ الشريعةِ.

شكَّلَ صدورُ الأحكامِ عنِ القضاءِ المدنيِّ وباسمِ الشعبِ اللبنانيِّ، بشأنِ زواجاتٍ عُقِدَتْ في الخارجِ مُسْتَنِدَةً إلى قوانينَ لا تَمُتُّ إلى السيادةِ اللبنانيّةِ بصلةٍ، منْ حيثُ إنَّ الزواجَ عُقِدَ في الخارجِ، سبباً مباشراً للمطالبةِ بإيجادِ قانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ مدنيٍ لبنانيٍ.

وترعى المحاكمُ الشرعيّةُ أوِ المذهبيّةُ أوِ الروحيّةُ وبحسبِ كلِّ طائفةٍ، عقودَ الزواجِ المنعقدةَ وفقَ قوانينِها الداخليّةِ خصوصاً وفقَ مبدأِ "موازاةِ الصيغِ". ولكنَّ كثرةَ القوانينِ المذهبيّةِ، حوّلتِ اختصاصَ محاكمِ القضاءِ العدليِّ منْ مرتبةِ "الأصلِ"، وأصبحتْ تُمثّلُ حالةَ الاستثناءِ أمامَ القضاءِ الشرعيِّ، الذي يُعتبرُ بمثابةِ قضاءٍ خاصٍّ تُناطُ بهِ أمورٌ محدَّدةٌ تنازلَ عنها المشرّعُ طوعاً لصالحِ الطوائفِ الأساسيّةِ التاريخيّةِ، التي تحظى بالاعترافِ القانونيِّ دونَ غيرِها.

ويُعتبرُ نظرُ المحاكمِ المدنيّةِ في قضايا الزواجِ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ المثالَ الأرحبَ، إذْ وفقَ المادّةِ 79 منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ "تختصُّ المحاكمُ المدنيّةُ النظرَ في النزاعاتِ الناشئةِ عنْ عقدِ الزواجِ الذي تمَّ في بلدٍ أجنبيٍ بينَ لبنانيَّيْنِ أوْ بينَ لبنانيٍ وأجنبيٍ، بالشكلِ المدنيِّ المقرَّرِ في ذلكَ البلدِ. وتُراعى أحكامُ القوانينِ المتعلّقةِ باختصاصِ المحاكمِ الشرعيّةِ والدرزيّةِ، إذا كانَ كلا الزوجينِ منَ الطوائفِ المحمَّديّةِ، وأحدهما على الأقلِّ لبنانيٌ". ويتوافقُ منطقُ هذهِ المادّةِ معَ المادّةِ 25 الفقرةِ الأولى منَ القرارِ 60 ل. ر. التي بدورِها أقرَّتْ بقبولِ الزيجاتِ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ وفقَ قوانينِ البلدِ الذي عُقِدَ الزواجُ وفقَه.

وإنْ كانَ أحدُ طرفيِ العقدِ مسلماً، فيمكنُ بغيةَ عدمِ اللجوءِ إلى المحاكمِ الشرعيّةِ، الاتّفاقُ على عدمِ الدفعِ بعدمِ الاختصاصِ الوظيفيِّ للقضاءِ العدليِّ، وهيَ طريقةٌ قانونيّةٌ للاستفادةِ منهُ، إمّا بسببِ القانونِ الذي يرعى عقدَ الزواجِ وهوَ في هذهِ الحالةِ القانونُ الأجنبيُّ، وإمّا بسببٍ مِنْ رجاءٍ في سرعةِ المعاملاتِ لدى هذا القضاءِ.

وعلى أثرِ صدورِ قانونِ 1951 الذي يوسّعُ 194 صلاحيّاتِ المحاكمِ الروحيّةِ، أسوةً بصلاحيّاتِ محاكمِ الشرعيّةِ السنّيّةِ والجعفريّةِ 195، التي كانَ يرعاها المرسومُ الاشتراعيُّ رقم 6 الصادرُ في 6 شباط 1930، أعلنتْ نقابةُ المحامينَ إضراباً عامّاً 196 وشاملاً استمرَّ ما يقاربُ الثلاثةَ أشهرٍ، واعترضتْ عليهِ إذْ رأتْ فيهِ اقتصاصاً منْ سلطةِ الدولةِ، وقدَّمتْ على أثرِه مشروعَها لقانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ 197، فوافقتْ عليهِ وزارةُ العدلِ وأُحيلَ إلى مجلسِ الوزراءِ دونَ أنْ يسلكَ طريقَه إلى مجلسِ النوابِ. فقرَّرتْ عندئذٍ نقابةُ المحامينَ الإضرابَ الذي انتهى عندَ ورودِ خبرٍ منْ مديرِ غرفةِ رئاسةِ المجلسِ بوضعِ المشروعِ على جدولِ أعمالِ مجلسِ النوابِ، ولكنْ لمْ يُبْحَثْ فيهِ حتّى تاريخِه.

وتراقبُ الهيئةُ العامّةُ لمحكمةِ التمييزِ المدنيّةِ القراراتِ والأحكامَ الصادرةَ عنِ المحاكمِ المذهبيّةِ للطوائفِ المسيحيّةِ، وتلكَ الصادرةَ عنِ المحاكمِ الشرعيّةِ للطوائفِ الإسلاميّةِ، في نقطتينِ رئيسيّتينِ، بحسبِ مرسومٍ اشتراعيٍ رقم 90 صادرٍ بتاريخِ 16 أيلول/سبتمبر 1983، المادّةُ 95 فقرة 4 منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ:

التحقُّقُ منَ المرجعِ الصالحِ لإصدارِ هذهِ الأحكامِ أوِ القراراتِ المبرمةِ لجهةِ الاختصاصِ والصلاحيّةِ.

مخالفةُ الحكمِ أوِ القرارِ المبرمِ المطعونِ فيهِ لصيغٍ جوهريّةٍ تتعلَّقُ بالانتظامِ عامِّ 198. فيتحدَّدُ بذلكَ إطارُ رقابةِ الهيئةِ العامّةِ لمحكمةِ التمييزِ المدنيّةِ على الأحكامِ والقراراتِ المبرمةِ الصادرةِ عنِ المحاكمِ المذهبيّةِ والشرعيّةِ، في:

البتِّ في الطعونِ المرفوعةِ إليها ضدَّ هذهِ الأحكامِ لجهةِ عدمِ الاختصاصِ والصلاحيّةِ 199.

البتِّ في الطعونِ في مخالفةِ الأحكامِ للصيغِ الجوهريّةِ المتعلّقةِ بالنظامِ العامِّ، وهيَ المخالفاتُ في إجراءاتِ المحاكمةِ التي تشكّلُ عيباً في الشكلِ.

حَصْرُ الاعتراضِ في القراراتِ المبرمةِ (أيِ الحكمُ أوِ القرارُ الذي لمْ يعدْ قابلاً للطعنِ بأيِّ طريقٍ منْ طرقِ الطعنِ العاديّةِ وغيرِ العاديةِ). فلا يمكنُ الاعتراضُ على أيِّ قرارٍ أوْ حكمٍ قبلَ اكتسابِه الصيغةَ النهائيّةَ المبرمةَ (مثلاً: لا يمكنُ الاعتراضُ على قرارِ منعِ سفرٍ لكونِه تدبيراً مؤقّتاً وليسَ مبرماً، فلا يُعتبرُ منَ القراراتِ المقصودةِ في المادّةِ 95 منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ).

وقدِ اعتبرتِ الخطّةُ الوطنيّةُ لحقوقِ الإنسانِ، الصادرةُ عنْ لجنةِ حقوقِ الإنسانِ النيابيّةِ 200 في ملفِّ استقلالِ القضاءِ، أنَّ المحاكمَ الطائفيّةَ هيَ قطاعٌ خاصٌ وضخمٌ منْ أطرِ العدالةِ، ويجبُ العملُ على إدخالِه ضمنَ مفهومِ دولةِ القانونِ، وأنَّه يجبُ تعديلُ المادّةِ 95 الآنفةِ الذكرِ، بما يسمحُ لمحكمةِ التمييزِ منْ ممارسةِ أوسعَ للرقابةِ، فتتصدّى لمخالفةِ الأحكامِ القانونيّةِ وفقَ معاييرِ المحاكمةِ العادلةِ بمفهومِها الحديثِ.

واتَّخذتِ اجتهاداتُ محكمةِ التمييزِ 201 منذُ العامِ 2007 منحىً إيجابيّاً، حيثُ استندتْ إلى مفهومِ "القاصرِ المعرَّضِ للخطرِ"، منْ أجلِ رَدِّ اعتراضِ المحاكمِ الدينيّةِ على قراراتِ قاضي الأحداثِ، وهذا نوعٌ منْ أنواعِ الرقابةِ التي تُمارسُها المحاكمُ المدنيّةُ والتي وجدتْ أسباباً قانونيّةً لتتوسَّعَ فيها، وردوداً 202 طالتْ قانونَ حمايةِ النساءِ وسائرِ أفرادِ الأسرةِ منَ العنفِ الأُسَريِّ رقم 293، الصادرِ في نيسان 2014 في الإعلامِ. وهذهِ ليستْ سوى استشعارٍ منَ السلطةِ المدنيّةِ بهذا التوسُّعِ الذي يتّخذُه المشرّعُ والقضاءُ المدنيُّ للتضييقِ على المنظومةِ الدينيّةِ.

حالات خروج اختصاص المحاكم الدينية عن النظر في عقود الزواج

- حالةُ اللبنانيَّيْنِ اللَّذَيْنِ يعقدانِ زواجَهما خارجَ لبنانَ

في هذهِ الحالةِ يُعْتَبَرُ القضاءُ العدليُّ صاحبَ الاختصاصِ، أمّا القانونُ المطَبَّقُ فهوَ قانونُ الدولةِ التي يتمُّ عقدُ الزواجِ على أراضيها 203، استناداً إلى المادّةِ 79 منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ اللبنانيِّ، ووفقَ القاعدةِ القانونيّةِ "المكانُ يسودُ العقدَ"، وهذا ما استقرَّتْ عليهِ اجتهاداتُ المحاكمِ المدنيّةِ، فمثلاً لبنانيّانِ عقدا زواجَهما في قبرصَ فإنَّ المحاكمَ المدنيّةَ اللبنانيّةَ هيَ صاحبةُ الاختصاصِ، وتُطَبّقُ القانونَ القبرصيَّ على زواجِهما.

- حالةُ الزواجِ المنعقدِ في الخارجِ، وأحدُ الطرفينِ غيرُ لبنانيٍ

تُفضي هذهِ الحالةُ 204 أيضاً إلى صلاحيّةِ القضاءِ العدليِّ والقانونُ الواجبُ تطبيقُه هوَ قانونُ البلدِ مكانِ العقدِ، خصوصاً إذا كانَ الطرفانِ ليسا منَ الطوائفِ المحمَّديّةِ، كمثلِ طلبِ الطلاقِ لعقدِ زواجٍ حصلَ في بريطانيا والزوجُ لبنانيٌ درزيٌ والزوجةُ إيرانيّةٌ بهائيّةٌ، ففي مثلِ هذهِ الحالةِ تُعْلِنُ المحاكمُ المدنيّةُ لا الدينيّةُ أنّها صاحبةُ الاختصاصِ، وتُطَبّقُ القانونَ الإنكليزيَّ.

- الزواجُ خارجَ لبنانَ لطرفٍ مسلمٍ لا تعترفُ دارُ الفتوى بزواجِه شرعاً

تنصُّ الفقرةُ الثانيةُ منَ المادّةِ 25 منَ القرارِ 60 ل.ر. / 1936 على أنَّه: "إذا كانَ نظامُ الأحوالِ الشخصيّةِ التابعُ لهُ الزوجُ لا يقبلُ بشكلِ الزواجِ ولا بمفاعيلِه، كما هيَ ناتجةٌ عنِ القانونِ المحتفلِ بالزواجِ وفاقاً لهُ، فيكونُ الزواجُ خاضعاً في سوريا ولبنانَ للقانونِ المدنيِّ".

وطالما أنَّه بالإمكانِ إجراءُ عقدِ زواجٍ خارجَ لبنانَ لزوجينِ أوْ أحدِهما لبنانيٌ مسلمٌ، ويحظى هذا العقدُ بالصيغةِ التنفيذيّةِ، ويُسجَّلُ رسميّاً في قيودِ دائرةِ النفوسِ الرسميّةِ، عندئذٍ تُطرحُ مسألةُ الحدودِ التي تقفُ عندَها اختصاصُ هذهِ المحاكمِ، فيمَا لوِ اعْتُبِرَ عقدُ الزواجِ المنعقدُ قانوناً خارجَ لبنانَ باطلاً منْ وجهةِ نظرِ الشرعِ 205! وتُطرحُ هذهِ المسألةُ في حالةِ زواجِ مسلمةٍ منْ زوجٍ لا ينتمي إلى الإسلامِ، وقدْ يكونُ كتابيّاً أوْ غيرَ كتابيٍ، أوْ حالةِ مَنْ أسلمتْ بعدَ زواجِها دونَ الشريكِ الآخرِ، في مثلِ هاتينِ الحالتينِ يُعْتَبَرُ منْ وجهةِ نظرِ المحاكمِ الشرعيّةِ اللبنانيّةِ الزواجُ باطلاً، ما يستتبعُ شرعاً جوازَ التفريقِ بينَ الزوجينِ لعلّةِ اختلافِ الدينِ. إلّا أنَّ مأمورَ قيودِ النفوسِ لا يُنَفّذُ مثلَ هذهِ الأحكامِ، ويُبقي على قيودِ الزواجِ المسجَّلةِ قانوناً لديهِ دونَ أيِّ تعديلٍ.

يُخرجُ اختصاصُ المحاكمِ الشرعيّةِ الحالةَ الآنفةَ الذكرِ منْ دائرةِ اختصاصِها، وتُحالُ القضيّةُ إلى المحاكمِ المدنيّةِ وفقاً للمبدأِ القانونيِّ، "حيثُ لا يجوزُ إحقاقُ الحقِّ" فتضطرُّ المحاكمُ المدنيّةُ إلى النظرِ في تلكَ القضايا.

- حالةُ الزواجِ المنعقدِ داخلَ لبنانَ وأحدُ الزوجينِ ينتمي إلى بلدٍ أجنبيٍّ

طالما أنَّ لبنانَ لا يسمحُ حتّى اليومَ بعقدِ زواجٍ مدنيٍ داخلَ أراضيهِ، بلْ يسمحُ فقطْ بزواجٍ دينيٍ، ففي هذهِ الحالةِ تستعيدُ صلاحيّاتُ المحكمةِ العدليّةِ اختصاصَها منَ المحاكمِ الدينيّةِ، طالما أنَّ أحدَ الطرفينِ ينتمي إلى بلدٍ أجنبيٍّ. ولكنَّ القانونَ الذي ينبغي أنْ تُطَبّقَه المحاكمُ المدنيّةُ، هوَ قانونُ الطائفةِ 206 التي عُقِدَ الزواجُ تحتَ كنفِها. فمثلاً، في مسألةِ طلبِ طلاقٍ بينَ مصريٍّ ولبنانيّةٍ عقدا زواجَهما أمامَ قاضي مذهبِ الطائفةِ الإنجيليّةِ الوطنيّةِ في بيروتَ، تكونُ صلاحيّةُ النظرِ في الدعوى وفقَ القانونِ المصريِّ هيَ للمحاكمِ المدنيّةِ اللبنانيّةِ التي تُطَبّقُ قانونَ الأحوالِ الشخصيّةِ للطائفةِ الإنجيليّةِ في لبنانَ.

ثانياً، العملُ على إلزامِ وزارةِ الداخليّةِ بتسجيلِ الزواجِ المدنيِّ المنعقدِ داخلَ لبنانَ

فقدْ عُرضَ على وزارةِ الداخليّةِ أكثرَ منْ ثلاثينَ طلباً لتسجيلِ زواجٍ مدنيٍ عُقِدَ داخلَ لبنانَ، إضافةً إلى مشاريعِ القوانينِ. ولكنْ لمْ يصلْ أيٌّ منها إلى أيِّ خاتمةٍ سعيدةٍ، ولمْ تصدرْ أيُّ مبادرةٍ ملموسةٍ بهذا الاتّجاهِ.

ما يُسجَّلُ كنقطةٍ سوداءَ على أعمالِ لبنانَ، منْ منظورِ لجنةِ مراقبةِ حريّةِ المعتقدِ الأميركيّةِ في تقريرِها 207 لعام 2017.

وفي 10 تشرين الثاني 2012، وافقَ الوزيرُ مروان شربل على أوّلِ وآخرِ زواجٍ مدنيٍ في لبنانَ (خلود سكّريّة ونضال درويش). وحظيتْ هذهِ الموافقةُ منَ الوزيرِ بتهنئةِ الرئيسِ ميشال سليمان عبرَ تغريدتِه على تويتر 208. لكنْ بقيَتْ هذهِ الموافقةُ يتيمةً 209 إلى اليومِ، ودونَ أنْ تمتدَّ إلى دفاترِ القيدِ الشخصيّةِ، وذلكَ لغيابِ المراسيمِ التطبيقيّةِ التي ترعاها. وقدْ شكَّلَ قبولُ الوزيرِ مروان شربل سابقةً، أعطتْ أملاً كبيراً لطلاّبِ الزواجِ المدنيِّ بأنَّ حلاً ما يرتسمُ في الآتي القريبِ. غيرَ أنَّ الأيّامَ بيَّنتْ أنَّ هذا الموضوعَ يحتاجُ إلى مزيدٍ منْ وسائلِ الضغطِ، ولا سيّما تلكَ المحرّكةِ للرأيِ العامِّ بغيةَ الوصولِ إلى حلٍّ قانونيٍ متكاملٍ.

قامتِ الطريقةُ التي اعْتُمِدَتْ للوصولِ إلى هذا الهدفِ، على فكرةِ تقديمِ طلبٍ 210 بسيطٍ أوّلاً، بواسطةِ مختارِ المحلّةِ إلى مأمورِ النفوسِ يهدفُ إلى إلغاءِ خانةِ المذهبِ 211 منْ بيانِ إخراجِ القيدِ الفرديِّ أوِ العائليِّ، ما يؤدّي بطبيعةِ الحالِ إلى عدمِ الإقرارِ بأيٍ منْ أنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ الطائفيّةِ في لبنانَ، التي يمكنُ أنْ تُطَبَّقَ على طالبي الزواجِ. وهذا الواقعُ يُعيدُ المواطنَ اللبنانيَّ إلى القانونِ المدنيِّ حُكماً، إذْ لا يجوزُ حرمانُه منْ حقِّ الزواجِ بحجّةِ عدمِ وجودِ ما يُسمّى "طائفةَ الحقِّ المدنيِّ" ضمنَ أسماءِ الطوائفِ التاريخيّةِ.

إنَّ الموظَّفَ الرسميَّ الذي عقدَ زواجَ خلود ونضال هوَ كاتبُ العدلِ في الشياح "جوزف بشارة"، وقدْ صدرَ عنْ هيئةِ التشريعِ والاستشاراتِ 212، رأيٌ يستندُ على حريّةِ المعتقدِ (م 9 من الدستور) و (م 10 من القرار 60 ل.ر.) ويُعْتَبَرُ كاتبُ العدلِ الشخصَ المختصَّ بتنظيمِ وتصديقِ عقدِ الزواجِ المدنيِّ، لأنَّ الزواجَ لا يمنعُه القانونُ، كذلكَ عقدُ الزواجِ أيضاً بحسبِ نظامِ كتابةِ العدلِ. وللزوجينِ الحريّةُ في اختيارِ القانونِ المدنيِّ ليرعى عقدَ زواجِهما.

إنَّ إلغاءَ القيدِ المذهبيِّ يعطّلُ تطبيقَ قانونِ 1952 الذي يبطلُ الزواجَ المدنيَّ داخلَ لبنانَ لأتباعِ الطوائفِ المسيحيّةِ والإسرائيليّةِ حصراً، ما يحتّمُ على وزارةِ الداخليّةِ إتمامَ قيدِ عقدِ الزواجِ المنعقدِ أمامَ كاتبِ العدلِ، الذي يُعْتَبَرُ الموظَّفَ الرسميَّ الموكَّلَ بتسجيلِ هذهِ العقودِ. وهذهِ طريقةٌ أخرى يتمُّ استغلالُها كوسيلةٍ عمليّةٍ للالتفافِ على عدمِ وجودِ قانونٍ مدنيٍ صريحٍ وواضحٍ.

ثالثاً، العملُ على إصدارِ قوانينَ خاصّةٍ بالزواجِ المدنيِّ وكاملِ مفاعيلِه

اصطدمتْ مشاريعُ قوانينِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ بسدٍّ منيعٍ يقفُ حائلاً دونَ إبصارِه النور، سدٌّ يتمركزُ خلفَه رجالُ الدينِ منْ مختلفِ الأديانِ والطوائفِ، ويستعملونَ شدَّ العصبِ الدينيِّ لتحفيزِ المجتمعِ على مناهضتِه ارتجالاً، وقدْ نجحوا في إسقاطِ تلكَ المشاريعِ في الشارعِ وعلى منابرِ وسائلِ الإعلامِ.

ولذلكَ، وجدتِ الدولةُ نفسَها بينَ سِندانِ المجتمعِ الداخليِّ ومطرقةِ المجتمعِ الدوليِّ. فتحمَّلتْ هذهِ الدولةُ الكثيرَ منَ الضغوطاتِ منَ المجتمعِ الدوليِّ، الذي طالبَها بمزيدٍ منَ الحريّةِ وبإقرارِ الزواجِ المدنيِّ قانوناً كشرطٍ لانضمامِ لبنانَ إلى المجتمعِ الدوليِّ. وقدْ وقَّعتِ الدولةُ اللبنانيّةُ بالفعلِ على الكثيرِ منَ الاتّفاقيّاتِ المتعلّقةِ بالعملِ على تشريعِ الزواجِ المدنيِّ، ولكنْ منْ دونَ أنْ تتحرَّكَ قيدَ أُنملةٍ باتّجاهِ تنفيذِ هذهِ التعهُّداتِ. أوِ العملِ على إخراجِ تلكَ المشاريعِ منْ أدراجِ مجلسِ النوّابِ إلى النورِ في الجلساتِ العامّةِ المعدّةِ للتصويتِ النهائيِّ.

طُرِحَ عبرَ التاريخِ التشريعيِّ اللبنانيِّ، ما يقاربُ التسعةَ منْ مشاريعِ القوانينِ في مجلسِ النوّابِ 213، ومِمَّنْ نادوا بالزواجِ المدنيِّ نذكرُ منْ بينهم ريمون إده وحزبَ الكتائبِ اللبنانيِّ 214. أمّا منْ أولى مشاريعِ القوانينِ، فهو مشروعٌ قدَّمَه النائبُ أوغسيت باخوس عنِ الحزبِ الديمقراطيِّ عامَ 1974، وعُرِفَ باسمِ مشروعِ عبد الله لحود وجوزف مغيزل 215. وقدْ نُشِرَ في كتيّبٍ خاصٍّ عامَ 1971، وأُعيدَ طرحُه عامَ 1976 منْ قِبلِ تكتّلِ النوابِ المسيحيّينَ المستقلّينَ الذي كانَ النائبُ الياس الهراوي أحدَهم. وفي عام 1997 تقدَّمَ الحزبُ السوريُّ القوميُّ الاجتماعيُّ أيضاً بمشروعِ "قانونٍ اختياريٍ للأحوالِ الشخصيّةِ" واعْتُبِرَ نسخةً طبقَ الأصلِ عنْ مشروعِ لحود-مغيزل، وإنْ كانَ التنويهُ في مقدّمةِ المشروعِ يشيرُ إلى مبادئِ الحزبِ، وإلى مقترحاتِ النائبِ أوغسيت باخوس. وقدْ جاءَ اقتراحُ القانونِ هذا انطلاقاً منْ أنَّ الحزبَ السوريَّ حزبٌ غيرُ طائفيٍ، وعليهِ العملُ في المجلسِ وفقَ هذا النهجِ.

وكانَ عبد الله لحود 216 صاحبَ فكرةِ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ، قدِ استوحى مشروعَه منَ القانونِ التونسيِّ، ونصَّ على المساواةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، المبدأِ المنصوصِ عنهُ في الشرعةِ الدوليّةِ، كما نصَّ كتيّبُ المشروعِ الذي يضمُّ 263 مادّةً، على الحفاظِ على الروابطِ العائليّةِ وتنظيمِ الطلاقِ.

أمّا أكثرُ مشاريعِ القوانينِ شهرةً، فهو الذي أقرَّه مجلسُ الوزراءِ اللبنانيُّ في 18 آذار 1998 تحتَ اسمِ "الزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ"، وقدْ عُرِفَ، فيمَا بعدُ، بمشروعِ الرئيسِ الياس الهراوي، وهوَ أيضاً يستلهمُ الكثيرَ منْ مشروعِ لحود-مغيزل. أمّا منْ مشاريعِ القوانينِ 217 التي قُدّمَتْ ولمْ تُبصرِ النورَ: مشروعُ "قانونٍ مدنيٍ اختياريٍ للأحوالِ الشخصيّةِ" عنِ اللقاءِ الوطنيِّ (75 حزباً وجمعيّةً منْ كلِّ لبنانَ) عامَ 1999 لأوغاريت يونان (رئيسةُ جامعةِ اللاعنفِ وحقوقِ الإنسانِ) والناشطِ اللاعنفيِّ وليد صليبي عامَ 2009. مشروعُ "قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الاختياريِّ" للمحامي والوزيرِ السابقِ يوسف تقلا عامَ 2010. اقتراحُ "قانونِ تنظيمِ زواجِ القاصرينَ" للنائبِ السابقِ غسّان مخيبر عامَ 2014. اقتراحُ "قانونِ حمايةِ الأطفالِ منَ التزويجِ المبكّرِ" للنائبِ إيلي كيروز عامَ 2017.

تتقاطعُ مشاريعُ قوانينِ هذهِ التي قُدّمَتْ إلى المجلسِ النيابيِّ اللبنانيِّ في الكثيرِ منَ النقاطِ، فبحسبِ هذهِ المشاريعِ يقومُ الزواجُ فقطْ على الرضى 218 الكاملِ بينَ طرفيهِ، أمّا شرطُ موافقةِ الوليِّ فهيَ مُحَبَّذَةٌ دونَ أنْ تُشكّلَ عائقاً أمامَ عقدِ الزواجِ 219. أمّا النقاطُ المشتركةُ الأخرى فتتمثّلُ بالنصِّ على مبدأِ الزواجِ بينَ رجلٍ وامرأةٍ 220 فقطْ دونَ إقرارِ زواجِ المثليّينَ، ومنعِ الزواجِ بينَ الأقاربِ لغايةِ الدرجةِ الرابعةِ 221، ورفضِ إمكانيّةِ تعدّدِ الزوجاتِ 222، وعدمِ تزويجِ القاصراتِ 223، والمساواةِ الكاملةِ في الحقوقِ والواجباتِ بينَ الزوجينِ 224، كما أنَّ حقَّ الطلاقِ متاحٌ

(224) م 30 (مشروعُ الحزبِ السوريِّ القوميِّ الاجتماعيِّ) م 19 (مشروعُ الرئيسِ الهراوي)

لطرفيِ الزواجِ بالتساوي225. والأهمُّ منْ ذلكَ، وضْعُ عقدِ الزواجِ ضمنَ اختصاصِ القضاءِ المدنيِّ للنظرِ فيهِ وفقَ القواعدِ القانونيّةِ.

هناكَ في أحكامِ هذهِ المشاريعِ طريقٌ يسهّلُ على المؤسَّسةِ التشريعيّةِ إقرارَه، إذْ يُمثّلُ القانونُ الاختياريُّ للأحوالِ الشخصيّةِ بطبيعةِ الحالِ، تهديداً أقلَّ للمؤسَّسةِ الدينيّةِ، التي ترفضُ بمعظمِها كلَّ ما يَمُتُّ بصلةٍ إلى فكرةِ الزواجِ المدنيِّ.

رابعاً، تدخّلُ السلطةِ المدنيّةِ بإجراءاتِ الزواجِ المدنيِّ

عامَ 1994 صدرَ المرسومُ الاشتراعيُّ رقم 334 الذي عدَّلَ المرسومَ الاشتراعيَّ رقم 78 تاريخ 9 / 9 / 1983 القاضي بفرضِ شرطٍ صحيٍ منْ خارجِ شروطِ الزواجِ الدينيِّ التقليديِّ لجميعِ الطوائفِ، وهوَ شرطُ "الإفادةِ الطبيّةِ" التي تُفيدُ خلوَّ العروسينِ منْ بعضِ الأمراضِ التي تُحدّدُها وزارةُ الصحّةِ، وفي المادّةِ الأولى منهُ ينصُّ على "أنَّه على كلِّ طالبٍ أوْ طالبةٍ للزواجِ أنْ يستحصلَ قبلَ إجراءِ عقدِ الزواجِ لدى أيِّ مرجعٍ دينيٍ أوْ مدنيٍ على شهادةٍ طبيّةٍ...." إنَّ هذا الشرطَ الذي وضعتْه السلطةُ المدنيّةُ يُعتبرُ نوعاً منْ تدخّلِ الدولةِ بالحياةِ العائليّةِ، بحيثُ إنَّه لوِ استوفيتْ جميعُ الشروطِ ولمْ يُستوفَ شرطُ الإفادةِ الطبيّةِ، فإنَّه يفرضُ على عاقدِ الزواجِ دفعَ غرامةٍ ماليّةٍ. أمّا الطبيبُ الذي يعطي شهادةً غيرَ موافقةٍ، فيُحالُ على المجلسِ التأديبيِّ لنقابةِ الأطباءِ وعلى النيابةِ العامّةِ، بناءً على طلبِ وزارةِ الصحّةِ. إنَّ شرطَ الإفادةِ الطبيّةِ يُدْرجُ في طريقةِ التعاملِ نوعاً منْ أعمالِ التلاقحِ بينَ المجتمعِ الدينيِّ والمجتمعِ المدنيِّ، ويسمحُ بوجودِ حالةٍ منِ انسجامٍ وطنيٍ تصبُّ في آخرِ المطافِ في خيرِ الإنسانِ ونموهِ ومواكبتِه في أمورٍ لمْ تكنْ معروفةً في زمنِ التشريعِ الدينيِّ، وتلتزمُ اليومَ جميعُ الطوائفِ طوعاً وأخلاقيّاً بطلبِ هذا التقريرِ قبلَ إعطاءِ الإذنِ بعقدِ الزواجِ.

المبحثُ الثالثُ: المشاكلُ الناتجةُ عنْ عدمِ إقرارِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ

إنَّ عدمَ إقرارِ الزواجِ المدنيِّ إلى اليومِ طرحَ على بساطِ البحثِ الكثيرَ منَ التحدّياتِ التي تواجِهُ المجتمعَ وعلى صُعُدٍ مختلفةٍ. فهيَ على صعيدٍ أوّلَ تطالُ لبنانَ وجوهرَ نظامِه الحقوقيِّ وصولاً إلى عدمِ تطبيقِ لبنانَ لالتزاماتِه الدوليّةِ. وعلى صعيدٍ ثانٍ، تطالُ علاقةَ أفرادِ المجتمعِ بعضِهم ببعضٍ، وخصوصاً في ميدانِ الزيجاتِ المختلطةِ والتحدّياتِ الاقتصاديّةِ التي يرزحونَ تحتَها، فما هيَ هذهِ التحدّياتُ؟ وكيفَ يعقدُ أبناءُ الطوائفِ غيرِ المعترفِ بها في لبنانَ زيجاتِهم؟

ليسَ الدافعُ وراءَ عقدِ زواجٍ مدنيٍ خارجَ لبنانَ إجراءَ زواجٍ "مختلطٍ دينيّاً"، إذْ إنَّ هناكَ حالاتٍ كثيرةً يعقدُ فيها زوجانِ ينتميانِ إلى الدينِ نفسِه، وأحياناً إلى المذهبِ نفسِه زواجاً مدنيّاً خارجَ لبنانَ، وذلكَ لأسبابٍ عدّةٍ، منْها هرباً منْ تكلفةِ الزواجِ بحسبِ عاداتِ المجتمعِ، التي قدْ تكونُ باهظةً، وأحياناً هروباً منْ نظامِ المحاكمِ الشرعيّةِ أوِ المذهبيّةِ أوِ الروحيّةِ، والمماطلةِ في قضيّةِ إبطالِ الزواجِ بسرعةٍ كافيةٍ، وأحياناً أخرى نرى في طلبِ الزواجِ المدنيِّ سببَ عدمِ إمكانيّةِ تسجيلِ الزواجِ الدينيِّ الذي لمْ يحصلْ على اعترافٍ قانونيٍ بنظامِ أحوالِه الشخصيّةِ. وأخيراً يشكّلُ الزواجُ المدنيُّ لدى بعضٍ منَ الناسِ نوعاً منْ موقفٍ أخلاقيٍ لمناهضةِ احتكارِ السلطةِ الدينيّةِ للزواجِ في لبنانَ.

أوّلاً، تحدّياتُ الحريّاتِ العامّةِ

ساهمتِ الأديانُ والفلسفةُ والثوراتُ الاجتماعيّةُ في بلورةِ فكرةِ حقوقِ الإنسانِ ودفعِها قدماً، إذْ إنّها المِرْساةُ الكبرى لعدمِ الدخولِ في حروبٍ عالميّةٍ جديدةٍ. ومنْ أهمِّ مبادئِ الحريّاتِ العامّةِ هوَ مبدأُ المساواةِ بينَ جميعِ المواطنينَ والمساواةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ. ولتحقيقِ هذهِ المساواةِ يجبُ إيجادُ هيئةٍ قضائيّةٍ واحدةٍ ترعى جميعَ الأحوالِ، وتُجسّدُ مبدأَ سيادةِ الدولةِ على الجميعِ، وتضمنُ للجميعِ المعاملةَ بالمثلِ.

قضيّةُ الأحوالِ الشخصيّةِ226 وعلى رأسِها الزواجُ، هيَ منَ القضايا الجوهريّةِ المشتركةِ، والواقعةِ بينَ حقوقِ الإنسانِ والأديانِ، وهيَ منْ نقاطِ الخلافِ على مستوى الصلاحيّاتِ بينَ الدولةِ والمؤسَّساتِ الدينيّةِ، وقدْ واكبتْ وسائلُ الإعلامِ والجمعيّاتُ المدنيّةُ هذا الملفَّ الشائكَ باهتمامٍ بالغٍ، لِمَا لهُ منْ تأثيرٍ مباشرٍ على سلَّمِ القيمِ، وانعكاسٍ لصورةِ المؤسَّسةِ الدينيّةِ على الخلفيّةِ الاجتماعيّةِ والقانونيّةِ للمواطنينَ. وانطلاقاً منْ أنَّ غايةَ القانونِ هيَ حفظُ السلمِ الأهليِّ، كانَ منَ الضروريِّ أنْ نتطرَّقَ إلى قضيّةِ الأحوالِ الشخصيّةِ والحريّاتِ العامّةِ كركيزةٍ منْ ركائزِ الوطنِ الأساسيّةِ.

ونصَّتِ الفقرةُ "ج" منْ مقدّمةِ الدستورِ على أنَّ: "لبنانُ جمهوريّةٌ ديمقراطيّةٌ برلمانيّةٌ، تقومُ على احترامِ الحريّاتِ العامّةِ وفي طليعتِها حريّةُ الرأيِ والمعتقدِ، وعلى العدالةِ الاجتماعيّةِ والمساواةِ في الحقوقِ والواجباتِ بينَ جميعِ المواطنينَ منْ دونِ تمايزٍ أوْ تفضيلٍ". أمّا بالنسبةِ إلى مبدأِ المساواةِ، فإنَّ المادّةَ السابعةَ منَ الدستورِ تنصُّ على أنَّ: "كلُّ اللبنانيينَ سواءٌ لدى القانونِ وهمْ يتمتَّعونَ بالسواءِ بالحقوقِ المدنيّةِ والسياسيّةِ، ويتحمَّلونَ الفرائضَ والواجباتِ العامّةَ دونما فرقٍ بينهم".

ورغمَ أنَّ لبنانَ جمهوريّةٌ ديمقراطيّةٌ227، إلّا أنَّ الأحوالَ الشخصيّةِ فيهِ دينيّةٌ. وقدْ شكَّلَ النظامُ الطائفيُّ فيهِ، منْ حيثُ طريقةُ إدارتِه الذاتيّةِ للأحوالِ الشخصيّةِ، نظاماً شبهَ احتكاريٍ بإلزامِه المواطنينَ فيهِ، لدى إتمامِ معاملاتِهم المتعلّقةِ بالأحوالِ الشخصيّةِ، أنْ يكونوا منتمينَ إلى إحدى الطوائفِ المُعترفِ بها رسميّاً. فمثلاً، لا يستطيعُ الزواجَ أوِ التوريثَ في لبنانَ سوى الذي يضعُ نفسَه تحتَ مظلّةِ طائفةٍ دينيّةٍ، يعترفُ الدستورُ بنظامِ أحوالِها الشخصيّةِ في القانونِ العامِّ، حتّى وإنْ كانَ هذا الوضعُ ظاهريّاً أوْ صوريّاً، أوْ أحياناً مزيّفاً منْ حيثُ الاعتقادِ الداخليِّ المرتبطِ بجوهرِ الإيمانِ.

إنَّ اعتبارَ لبنانَ دولةً مدنيّةً منْ دونِ نظامِ قيدٍ مدنيٍ للأحوالِ الشخصيّةِ، واضحٌ ومحدَّدٌ منذُ إعلانِ استقلالِه عامَ 1943 إلى اليومِ. وهذا يشيرُ إلى نوعٍ غيرِ مألوفٍ منَ التعاملِ بينَ الدولةِ ومواطنيها منْ جهةٍ، وبينَ الدولةِ وسكّانِ أراضيها منْ جهةٍ أخرى. فصحيحٌ أنَّ جميعَ المواطنينَ متساوونَ في الحقوقِ والموجباتِ228 دونَ أيِّ تمييزٍ أوْ تفضيلٍ، إلّا أنَّه عمليّاً يُفرضُ الانتماءُ فرضاً وبقوّةِ الواقعِ إلى إحدى الطوائفِ الكبرى المنصوصِ عنها في القرارِ 60 ل. ر. الصادرِ عامَ 1936 بهدفِ الاستفادةِ منَ التغطيةِ القانونيّةِ للأحوالِ الشخصيّةِ، دونَ الأخذِ بعينِ الاعتبارِ المبادئَ الدستوريّةِ وخاصّةً مبدأَ حريّةِ المعتقدِ المطلقةِ أوْ مبدأَ المساواةِ، وهذا مأخذٌ أوّليٌ، أمّا المأخذُ الثاني فيتمثّلُ بعدمِ رعايةِ الدولةِ لحاجاتِ سكّانِ أرضِها الذينَ لا ينتمونَ إلى الأديانِ المعروفةِ في لبنانَ.

ولمْ تحظَ بعضُ الأقلّيّاتِ منَ الطوائفِ، تحتَ الانتدابِ الفرنسيِّ، كالبهائيّةِ "بالمعاملةِ بالمثلِ" أسوةً بالطوائفِ الكبرى كالمسيحيّةِ والإسلاميّةِ. ولمْ تنلْ شخصيّتَها المعنويّةَ المستقلّةَ، أوْ لمْ يُسْمَحْ لها بتقديمِ قانونِ أحوالِها الشخصيّةِ الخاصِّ بها، ما يفسّرُ عدمَ تمتّعِها بالشخصيّةِ المعنويّةِ المستقلّةِ. وبالتالي عدمُ وجودِ قانونِ أحوالِ شخصيّةٍ خاصٍّ بهم يحظى بالصيغةِ التنفيذيّةِ القانونيّةِ، يحتّمُ عليهم استخدامَ قوانينِهم الداخليّةِ بشكلٍ عرفيٍ دونَ التمكّنِ منْ إعطاءِ عقودِ زواجِهم الصفةَ الرسميّةَ. وهذا ما يفرضُ عليهم البقاءَ في مظلّةِ أسماءِ طوائفَ أخرى لا يعتقدونَ بها أوْ يُجبرونَ على عقدِ الزواجِ خارجَ لبنانَ.

يُبحثُ موضوعُ تحدّي الزواجِ المدنيِّ والحريّاتِ العامّةِ بشكلٍ مكثَّفٍ في النقاشاتِ الدائرةِ بينَ المفكّرينَ والسلطةِ الدينيّةِ، فيستندُ كلُّ طرفٍ إلى حريّةِ الرأيِ والتعبيرِ كما وإلى حريّةِ الاعتقادِ لِيُدْلِيَ بدلوِه. ومنَ الحالاتِ التي شكَّلتْ تحدّياً مباشراً لقضيّةِ الزواجِ المدنيِّ والحريّاتِ العامّةِ، أذكرُ قضيّةَ الكاتبِ جلال الدين العظم الذي ألَّفَ كتاباً "في الحبِّ والحبِّ العذريِّ" وطالبَ فيهِ بأنْ يكونَ عقدُ الزواجِ محدَّدَ المدّةِ. وهذا يُخالفُ جميعَ القوانينِ الدينيّةِ

"باستثناءِ حالةِ زواجِ المتعةِ المقبولِ شرعاً بحسبِ الطائفةِ الشيعيّةِ" فتعرَّضَ للانتقادِ وخصوصاً أنَّه طالبَ بتحريرِ المرأةِ229 منْ كلِّ قيودِها التقليديّةِ وارتباطاتِها الاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ والعشائريّةِ.

وقدِ ادُّعيَ عليهِ أمامَ محكمةِ الجزاءِ في بيروتَ الناظرةِ في قضايا المطبوعاتِ، بتهمةِ التحريضِ وإثارةِ النعراتِ الطائفيّةِ، على إثرِ صدورِ كتابِه "نقد الفكر الديني" الذي تعرَّضَ فيهِ للمقدَّساتِ في النصِّ الدينيِّ المسيحيِّ والإسلاميِّ.

جميعُ هذهِ الحالاتِ المذكورةِ أعلاهُ تدفعُ بالمواطنِ اللبنانيِّ، رغماً عنهُ، إلى الشعورِ بعدمِ المساواةِ، وتدفعُه إلى اللجوءِ إلى سيادةٍ أجنبيّةٍ بهدفِ إتمامِ زواجِه شرعاً، في حالِ لمْ يُرِدْ ولأيِّ سببٍ كانَ، أنْ يعقدَ زواجَه وفقَ الآليّاتِ المتَّبعةِ!

أما بالنسبةِ إلى حريّةِ الدينِ والمعتقدِ، فلقدْ ضَمنَ القرارُ 60 / ل.ر/ 1936 هذهِ الحريّةَ، التي تشملُ حريّةَ تغييرِ الدينِ بنوعٍ خاصٍّ، إلّا أنَّ هذهِ الحريّةَ بقيتْ محصورةً ضمنَ الطوائفِ والأديانِ المعترفِ بها، ولمْ يَجْرِ الاعترافُ بأديانٍ أخرى موجودةٍ لدى اللبنانيينَ أوِ الوافدينَ على الأراضي اللبنانيّةِ. فقدْ نصَّتِ المادّةُ 11 على حقِّ: "كلُّ مَنْ أدركَ سنَّ الرشدِ وكانَ متمتّعاً بقواهُ العقليّةِ أنْ يتركَ أوْ يعتنقَ طائفةً ذاتَ نظامٍ شخصيٍ معترفٍ بها...".

ثانياً، تحدّي عدمِ تطبيقِ المعاهداتِ الدوليّةِ

شكَّلتِ الأديانُ مَصْدراً أوّليّاً وأساسيّاً سمحَ لمفاهيمِ الحريّاتِ العامّةِ بأنْ تتطوّرَ وتتبلورَ وتتقطَّرَ قانونيّاً وفلسفيّاً لِتُصبحَ على ما هيَ عليهِ اليومَ. ومنْ أبرزِ تلكَ العناوينِ نجدُ موضوعَ الحريّةِ والمساواةِ230.

المسيحيّةُ كما الإسلامُ والأديانُ الأخرى، سمحتْ للعقلِ البشريِّ بالارتقاءِ قدماً، فكلُّ دينٍ جاءَ لخيرِ الإنسانِ و"لتكونَ لهمْ حياةٌ أوفرُ" (يوحنّا 10: 10). فالمساواةُ في الخلقِ منَ الطينِ (السجدة: 7) بينَ الرجلِ والمرأةِ، إضافةً إلى كونِهما معاً "آدم وحوّاء" يشكّلانِ المثالَ الأوّلَ للعائلةِ، سمحتْ بمزيدٍ منَ الحمايةِ للمرأةِ، وكلٌّ حسبَ الزمنِ الذي ظهرَ فيهِ هذا الدينُ.

لمْ يكنْ للمرأةِ شأنٌ في الحياةِ اليهوديّةِ، إلّا أنّنا نجدُ معَ يسوعَ إكراماً خاصّاً لها، ونجدُ في شخصِ مريمَ الصورةَ الأكثرَ إشراقاً للمرأةِ. وفي زمنِ محمّدٍ كانتِ الطفلةُ الأنثى تُوأدُ حيّةً مخافةَ الوقوعِ في السبيِ، فكرَّمَها وسمحَ بحدِّ تعدّدِ الزوجاتِ، الذي كانَ يفوقُ عددَ الأربعةِ منْ بابِ المحافظةِ عليهنَّ.

وتجدُ المبادئُ الأساسيّةُ لحقوقِ الإنسانِ والأسرةِ الكثيرَ منْ ينابيعِها في النصوصِ الدينيّةِ. إلّا أنَّ المستجدّاتِ الحاصلةَ في البيئةِ الاجتماعيّةِ وخاصّةً بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى والثانيةِ، والنقصَ في أعدادِ الرجالِ نتيجةَ الحروبِ، سمحَ بإطلاقِ ثورةِ النساءِ منْ أجلِ اكتسابِ المزيدِ منَ الحقوقِ واستعمالِها منْ أجلِ إعادةِ ترميمِ المجتمعاتِ اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً.

واعْتَنَتِ الأسرةُ الدوليّةُ بالنواةِ الأولى للمجتمعِ، أيِ الأسرةُ العائليّةُ، وأضفتْ عليها الحمايةَ القانونيّةَ وشرَّعتِ الزواجَ واعتبرتْه منَ الحقوقِ الأساسيّةِ للفردِ في المجتمعِ. ومعَ أنّها قامتْ بتحديدِ البعدِ القانونيِّ إلّا أنّها في بداياتِها، لمْ تَنْفِ عنْ موضوعِ الزواجِ البعدَ الدينيَّ الحاضنَ والضامنَ لهُ.

كما تناولتِ المعاهداتُ الدوليّةُ قضيّةَ الزواجِ المدنيِّ كفرعٍ أساسيٍ لقضيّةٍ أكبرَ هيَ واقعُ المرأةِ ودورُها في المجتمعِ، فأعطتِ المادّةُ التاسعةُ الطوائفَ الدينيّةَ المعترفَ بها استقلالاً ذاتيّاً في إدارةِ شؤونِها ومصالحِها الدينيّةِ، وذلكَ استناداً إلى الدستورِ. وأشارتْ مقدّمةُ اتّفاقِ الطائفِ صراحةً إلى التزامِ لبنانَ مواثيقَ الأممِ المتّحدةِ، والإعلانِ العالميِّ لحقوقِ الإنسانِ. وتُجسّدُ الدولةُ هذهِ المبادئَ في جميعِ الحقولِ والمجالاتِ دونَ استثناءٍ، فقدْ نصَّتْ مقدّمةُ الدستورِ في الفقرةِ (ب) على أنَّ لبنانَ: "عربيُّ الهويّةِ والانتماءِ، وهوَ عضوٌ مؤسّسٌ وفاعلٌ في جامعةِ الدولِ العربيّةِ وملتزمٌ مواثيقَها، كما هوَ عضوٌ مؤسّسٌ وفاعلٌ في منظَّمةِ الأممِ المتّحدةِ وملتزمٌ مواثيقَها والإعلانِ العالميِّ لحقوقِ الإنسانِ. وتُجسّدُ الدولةُ هذهِ المبادئَ في جميعِ الحقولِ والمجالاتِ دونَ استثناءٍ".

غيرَ أنَّ أحكامَ القرارِ 60 ل. ر. الصادرِ العامَ 1936، التي كانتْ أوّلَ مَنْ شرَّعَ للنظامِ الطائفيِّ استقلاليّتَه، لحظتْ في المادّةِ (14) منهُ، ضرورةَ إنشاءِ قانونِ "طائفةِ القانونِ العاديِّ" لكلِّ مواطنٍ لا يقعُ انتماؤه الدينيُّ تحتَ اسمِ إحدى الطوائفِ التاريخيّةِ التي كانتْ موجودةً في حينِه على الأراضي اللبنانيّةِ، أوْ حتّى إنَّه لا يعتنقُ أيَّ دينٍ البتّةَ. إذاً، منْ حيثُ النصُّ، هناكَ الإطارُ. أمّا منْ حيثُ تطبيقاتُ هذا الإطارِ، فمنذُ تاريخِه إلى اليومِ، ما زالَ المشرّعُ اللبنانيُّ يفتقرُ إلى إيجادِ مراسيمَ تطبيقيّةٍ كاملةٍ، أيْ إنَّ الفكرةَ القانونيّةَ منْ حيثُ المبدأُ موجودةٌ، ولكنّها منَ الناحيةِ العمليّةِ، وُلِدَتْ سَقْطاً.

وفي عام 1979، صدرتِ اتّفاقيّةُ "القضاءِ على جميعِ أشكالِ التمييزِ ضدَّ المرأةِ" أوْ "سيداو"، التي أصبحَتْ تُعْرَفُ بالشرعةِ الدوليّةِ لحقوقِ المرأةِ. ونصَّتِ المادّةُ (16) منْ هذهِ الاتّفاقيّةِ على ما يلي:

1. تتّخذُ الدولُ الأطرافُ جميعَ التدابيرِ المناسبةِ للقضاءِ على التمييزِ ضدَّ المرأةِ في الأمورِ المتعلّقةِ بالزواجِ والعلاقاتِ الأُسَرِيّةِ كافّةً، وتضمنُ بوجهٍ خاصٍّ، على أساسِ تساوي الرجلِ والمرأةِ:
أ( الحقوقَ نفسَها في عقدِ الزواجِ.
ب( الحقوقَ نفسَها في اختيارِ الزوجِ، وعدمِ عقدِ الزواجِ إلّا برضاها الحرِّ الكاملِ.
ج( الحقوقَ والمسؤوليّاتِ نفسَها أثناءَ الزواجِ وعندَ فسخِه.
د( الحقوقَ نفسَها وأيضاً المسؤوليّاتِ كوالدةٍ، في الأمورِ المتعلّقةِ بأطفالِها، بغضِّ النظرِ عنْ حالتِها الزوجيّةِ. وفي جميعِ الأحوالِ، تكونُ مصالحُ الأطفالِ هيَ الراجحةَ.
هـ( الحقوقَ نفسَها في أنْ تقرّرَ بحريّةٍ وبشعورِ منَ المسؤوليّةِ عددَ أطفالِها، والفترةَ بينَ إنجابِ طفلٍ وآخرَ، وفي الحصولِ على المعلوماتِ، والتثقيفِ، والوسائلِ الكفيلةِ بتمكينِها منْ ممارسةِ هذهِ الحقوقِ.
و( الحقوقَ والمسؤوليّاتِ نفسَها فيمَا يتعلَّقُ بالولايةِ، والقِوامةِ، والوصايةِ على الأطفالِ وتبنّيهم، أوْ ما شابهَ ذلكَ منَ الأنظمةِ المؤسَّسيّةِ الاجتماعيّةِ، حينَ توجدُ هذهِ المفاهيمُ في التشريعِ الوطنيِّ، وفي جميعِ الأحوالِ تكونُ مصالحُ الأطفالِ هيَ الراجحةَ.
ز( للزوجِ والزوجةِ الحقوقُ الشخصيّةُ نفسُها، بِمَا في ذلكَ الحقُّ في اختيارِ اسمِ الأسرةِ، والمهنةِ، والوظيفةِ.
ح( لكلا الزوجينِ الحقوقُ نفسَها فيمَا يتعلَّقُ بالممتلكاتِ وحيازتِها، والإشرافِ عليها، وإدارتِها، والتمتُّعِ بها، والتصرُّفِ بها.

2. لا يكونُ لخطوبةِ الطفلِ أوْ زواجِه أيُّ أثرٍ قانونيٍ، وتُتَّخَذُ جميعُ الإجراءاتِ الضروريّةِ، بِمَا فيها التشريعُ، لتحديدِ سنٍّ أدنى للزواجِ ولجعلِ تسجيلِ الزواجِ في سجلٍّ رسميٍ أمراً إلزاميّاً.

لكنْ، وبعدَ مرورِ 17 عاماً على توقيعِ لبنانَ الاتّفاقيّةَ، والانضمامِ إليها بموجبِ القانونِ رقم 572 الصادرِ بتاريخِ 24 / 7 / 1996 لمْ يجدْ هذا التوقيعُ قبولاً شاملاً بجميعِ أحكامِ وبنودِ هذهِ الاتّفاقيّةِ، بلْ قرنَ لبنانُ اسمَه بشرطِ التحفّظِ وعدمِ الالتزامِ بِمَا يلي:
1 - البند " 2 " منَ المادّةِ (9) المتعلّقِ بمَنْحِ المرأةِ حقّاً مساوياً لحقِّ الرجلِ فيمَا يتعلَّقُ بجنسيّةِ أطفالِها231.
2 - « الفقرات ج، د، و، ز منَ البند 1 منَ المادّةِ (16) » المتعلّقةِ بالحقوقِ المتساويةِ في الزواجِ، وبحقوقِ الوالدةِ في الأمورِ الخاصّةِ بأطفالِها، وبالولايةِ والقِوامةِ والوصايةِ على الأطفالِ وتبنّيهم وفيمَا يتعلَّقُ باسمِ الأسرةِ.
3 - التحكيمُ: استناداً إلى البند " 2 " منَ المادّةِ (29) والمتعلّقِ بحقِّ رفضِ البند 1 منَ المادّةِ عينِها والمتعلّقةِ بعرضِ الخلافاتِ بينَ الدولِ على التحكيمِ ومنْ ثمَّ على محكمةِ العدلِ الدوليّةِ حولَ تفسيرِ الاتّفاقيّةِ أوْ تطبيقِها.

وبالرجوعِ إلى هذهِ التحفّظاتِ، نجدُ أنّها تتناولُ قسمَ "ما بعدَ إجراءِ عقدِ الزواجِ أوْ نطاقِ مفاعيلِه منْ حيثُ فسخِ العقدِ والولايةِ على الطفلِ".

يجدُ صوتُ المرأةِ في لبنانَ صدىً واسعاً ومنبراً يمتدُّ منْ بيروتَ، ويصلُ إلى كلِّ بقاعِ البلدانِ العربيّةِ. وبالرغمِ منْ ذلكَ، تعاطتِ السلطةُ التنفيذيّةُ في لبنانَ معَ شؤونِ المرأةِ بكثيرٍ منَ التحفّظِ والذكوريّةِ232.

فبالإضافةِ إلى ما ذُكِرَ آنفاً حولَ موقفِ الدولةِ اللبنانيّةِ منِ اتّفاقيّةِ "سيداو"، نشيرُ إلى موقفِ لبنانَ أيضاً منَ الاتّفاقيّاتِ المعنيّةِ بالقضاءِ على التمييزِ ضدَّ المرأةِ في الدورةِ الأربعينَ233 المنعقدةِ منْ 14 كانون الثاني إلى

(233) الأممُ المتّحدةُ-حقوقُ الإنسانِ،"اتّفاقيّةُ القضاءِ على جميعِ أشكالِ التمييزِ ضدَّ المرأةِ"، 1997.233 Viewed 13/1/2022.

1 شباط 2008، وقدْ نصَّتِ التعليقاتُ الختاميّةُ للجنةِ المعنيّةِ بالقضاءِ على التمييزِ ضدَّ المرأةِ في لبنانَ، في الفقرةِ (26) على ما يلي:

"لا يزالُ القلقُ يساورُ اللجنةَ إزاءَ استمرارِ العنفِ ضدَّ المرأةِ والفتاةِ، بِمَا في ذلكَ العنفُ العائليُّ، والاغتصابُ، والجرائمُ المرتكبةُ باسمِ الشرفِ، وذلكَ بإزاءِ غيابِ نهجٍ شاملٍ للتصدّي للعنفِ ضدَّ المرأةِ. وتكرّرُ اللجنةُ أيضاً التأكيدَ على قلقِها إزاءَ المادّةِ (562) منْ قانونِ العقوباتِ اللبنانيِّ، التي تُتيحُ تخفيفَ العقوبةِ على الجرائمِ المرتكبةِ باسمِ الشرفِ، والتي ما زالتْ ساريةً. ويساورُ اللجنةَ القلقُ كذلكَ، إزاءَ ما وردَ في قانونِ العقوباتِ اللبنانيِّ منْ أحكامٍ أخرى تتّسمُ بالتمييزِ، ولا سيّما المادّةُ (503) التي تتغاضى عنِ ارتكابِ الاغتصابِ في إطارِ الزواجِ، والمادّةُ (522) التي تسمحُ بإسقاطِ التهمِ في قضايا الاغتصابِ.

وتحثُّ اللجنةُ الدولةَ الطرفَ على سحبِ تحفّظِها على الفقرةِ 1 (ج) و (د) و (و) و (ز) منَ المادّةِ (16) منَ الاتّفاقِيةِ. وتدعو الدولةَ الطرفَ إلى كفالةِ مساواةِ المرأةِ بالرجلِ في الزواجِ، وفسخِه منْ خلالِ مَنْحِ النساءِ حقوقاً متساويةً معَ الرجالِ، لدى تقاسمِ الممتلكاتِ التي تجمَّعتْ أثناءَ فترةِ الزواجِ، على ضوءِ المادّةِ (16) منَ الاتّفاقيّةِ والتوصيةِ العامّةِ رقم (21) للجنةِ بشأنِ المساواةِ في الزواجِ والعلاقاتِ الأسريّةِ".

لكنْ، لا تزالُ الكثيرُ منَ الدولِ الأعضاءِ في الأممِ المتّحدةِ إلى اليومِ، تنصُّ في متنِ قوانينِها على التمييزِ بينَ الرجلِ والمرأةِ في موضوعِ الزواجِ وما يستتبعُه منْ مفاعيلَ. مثلاً، على صعيدِ الميراثِ أوِ الطلاقِ، وما ينسحبُ ذلكَ منْ تحمّلِ أعباءٍ إضافيّةٍ على كاهلِ المرأةِ خصوصاً، لمْ تُطْرَحْ يوماً قضيّةٌ تتعلَّقُ بإجحافٍ ما، يتعرَّضُ لهُ الرجلُ. بينما نجدُ وبشكلٍ خاصٍّ منذُ السبعيناتِ، حركةً نسويّةً متزايدةً قوّتُها معَ السنينِ، وتهدفُ إلى تمكينِ المرأةِ، ومنعِ جميعِ أشكالِ التمييزِ التي تتعرَّضُ لها أوْ أشكالِ العنفِ المباشرةِ كحالاتِ الضربِ مثلاً، أوْ غيرِ المباشرةِ كحالاتِ عدمِ المساواةِ معَ الرجلِ أمامَ القانونِ أوْ أمامَ المحاكمِ.

وسيتمُّ البحثُ في هذا التحدّي في فصلٍ خاصٍّ لِمَا يكتسبُ منْ أهمّيّةٍ في مقاربةِ الزواجِ المدنيِّ.

ثالثاً، تحدّي عدمِ تطبيقِ الدستورِ

يُعرّفُ الدستورُ اللبنانيُّ في مقدّمتِه دولةَ لبنانَ، بأنّها وطنٌ عربيٌ وجمهوريّةٌ ديمقراطيّةٌ برلمانيّةٌ. ولا يشيرُ بأيِّ نوعٍ منَ المصطلحاتِ القانونيّةِ، إلى أنَّ لبنانَ بلدٌ دينيٌ يقومُ على اتّخاذِ دينٍ ما محدَّدٍ كعقيدةٍ.

لكنَّ لبنانَ يدينُ بفرضِ الإجلالِ إلى اللهِ، ولا يرتكزُ على نظرةٍ أحاديّةٍ للهِ دونَ غيرِها منَ الأديانِ أوِ المذاهبِ، مخالفاً معظمَ البلدانِ العربيّةِ التي نصَّتْ على عكسِ ذلكَ صراحةً في متنِ دساتيرِها، كالسعوديّةِ234 أوْ إيرانَ235، أوْ كدستورِ تونس المميزِ، الذي يعلنُ منْ جهةٍ أنَّ دينَ الدولةِ هوَ الإسلامُ، بينما منْ جهةٍ أخرى في المادّةِ الثانيةِ منهُ ينصُّ على أنَّ تونس دولةٌ مدنيّةٌ تقومُ على المواطنةِ وإرادةِ الشعبِ.

تُشيرُ المادّةُ التاسعةُ منَ الدستورِ اللبنانيِّ إلى العلاقةِ الوثيقةِ القائمةِ بينَ الدولةِ والأديانِ على مبدأِ الاحترامِ، وتكفلُ الدولةُ فيها أيضاً حريّةَ إقامةِ الشعائرِ الدينيّةِ، وتحترمُ نظامَ الأحوالِ الشخصيّةِ والمصالحِ الدينيّةِ الخاصّةِ بكلِّ طائفةٍ.

ونصَّتِ المادّةُ السابعةُ منَ الدستورِ اللبنانيِّ "على أنَّ اللبنانيينَ سواءٌ لدى القانونِ، وهمْ يتمتَّعونَ بالحقوقِ المدنيّةِ والسياسيّةِ ذاتِها، ويتحمَّلونَ الفرائضَ والواجباتَ العامّةَ دونما فرقٍ بينهم". وهذهِ المساواةُ المفترضةُ حُكماً تتعرَّضُ على أرضِ الواقعِ للتمييزِ على أساسِ الدينِ، ومَصْدَرُه القوانينُ المرعيّةُ الإجراءِ التي نصَّ عليها المشرّعُ في أنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ للطوائفِ اللبنانيّةِ تجاهَ كلِّ مَنْ لا يتبعُ قوانينَ هذهِ الطوائفِ، ودونَ الإمكانيّةِ بالاعتدادِ بعدمِ دستوريّتِها منْ قِبلِ القضاءِ اللبنانيِّ تبعاً لمبدأِ الفصلِ بينَ السلطاتِ الثلاثِ، وخصوصاً بينَ السلطةِ التشريعيّةِ والسلطةِ القضائيّةِ.

تسمحُ المساواةُ بينَ سكّانِ البلدِ الواحدِ بوجودِ قانونٍ ما يرعى حالاتِ الزواجِ لدى جميعِ المواطنينَ، وهوَ غيرُ متوفّرٍ طالما هناكَ مواطنونَ لبنانيّونَ لا ينتمونَ إلى الطوائفِ التاريخيّةِ. أمّا الخرقُ الثاني لمبدأِ المساواةِ، فهو أقلُّه بينَ المواطنينَ منْ جهةٍ والمقيمينَ في لبنانَ منْ غيرِ اللبنانيينَ، إذْ يُمنعُ عليهم الحصولُ على زواجِ مدنيٍ داخلَ لبنانَ بحسبِ قوانينِ بلادِهم التي تسمحُ بذلكَ.

رابعاً، التحدّي الاقتصاديُّ والزواجُ المدنيُّ

الزواجُ مرحلةٌ أساسيّةٌ في حياةِ الإنسانِ، يُتَحَضَّرُ لها قبلَ فترةٍ طويلةٍ، وقدْ أصبحَتِ الأعباءُ الماديّةُ التي يفرضُها العرفُ الاجتماعيُّ في لبنانَ خصوصاً، تُشكّلُ كتلةً ماليّةً كبيرةً ينبغي الإعدادُ لها منذُ وقتٍ طويلٍ، بهدفِ تأمينِ كافّةِ مستلزماتِ العرسِ كنوعٍ منَ الاحتفالاتِ الكبرى، والذي يُدعى إليهِ الكثيرُ منَ الأقاربِ والأصحابِ.

وللهروبِ منْ هذهِ المستلزماتِ، أصبحَ اللجوءُ إلى الزواجِ المدنيِّ في الخارجِ يشكّلُ سبباً اقتصاديّاً مشروعاً، دونَ الخوضِ في لائحةِ التحضيراتِ الطويلةِ واقتصارِها على ما هوَ ضروريٌ وضيّقٌ. هذا كانَ في السابقِ، أمّا اليومَ وبسببِ الضائقةِ الاقتصاديّةِ التي ضربتْ لبنانَ منذُ 2019، فقدْ أصبحَ الزواجُ المدنيُّ حتّى في تركيا أوْ قبرصَ الدولتينِ الأقربِ إلى لبنانَ مكلفاً جدّاً، ما يؤشّرُ إلى ازديادِ الحاجةِ إلى طرحِ قضيّةِ الزواجِ المدنيِّ مجدّداً في الساحةِ الداخليّةِ.

- التحدّي الاقتصاديُّ ووضعُ المرأةِ

إنَّ تأثيرَ الزواجِ على الحياةِ الاقتصاديّةِ يُحسبُ لهُ الحسابُ، فالمرأةُ تشكّلُ نصفَ المجتمعِ ونصفَ اليدِ العاملةِ المهمَّشةِ في عالمِ المالِ. وقدْ تعاظمَ دورُ المرأةِ الاقتصاديُّ خاصّةً بعدَ انتهاءِ الحربِ العالميّةِ الأولى والثانيةِ، نتيجةً لارتفاعِ نسبةِ عددِ الرجالِ الذينَ توفّوا أثناءَ الحربِ.

إنَّ تطويرَ الحياةِ الاقتصاديّةِ يتطلَّبُ الاستثمارَ في عالمِ المرأةِ بشكلٍ مباشرٍ وفي جميعِ ما يرتبطُ بها، منْ تربيةٍ في المنزلِ أوْ دراسةٍ مدرسيّةٍ أوْ جامعيّةٍ، أوْ تولّي العملِ التجاريِّ، أوْ زواجٍ وما ينتجُ عنهُ منْ مفاعيلَ كالإرثِ مثلاً، إذْ شكَّلتْ هذهِ المواضيعُ نقطةَ ارتكازِ القوانينِ الدوليّةِ والقوّةِ الدوليّةِ الضاغطةِ في سبيلِ تقدّمِ المرأةِ وحصولِها على المساواةِ في الحقوقِ معَ الرجلِ.

يتمُّ توزيعُ الثرواتِ خارجَ نطاقِ التعاملِ التجاريِّ بالوصايةِ أوْ بالإرثِ، وهما منْ أبرزِ المفاعيلِ المحرّكةِ لتوزيعِ الثرواتِ، التي تُعْتَبَرُ في الوقتِ نفسِه أحدَ مفاعيلِ عقدِ الزواجِ.

وقدْ وضعتِ اللجنةُ النيابيّةُ لحقوقِ الإنسانِ خطّتَها الوطنيّةَ الخماسيّةَ236 لأعوامِ 2014 - 2019، ولحظتْ في متنِ البندِ المتعلّقِ بحقوقِ المرأةِ أنَّ النظامَ الطائفيَّ اللبنانيَّ القائمَ يُسهمُ باستقرارٍ تشريعيٍ "بالمعنى السلبيِّ" أيْ إنَّه لا يسمحُ باستصدارِ تشريعاتٍ مدنيّةٍ موحَّدةٍ في مجالِ الأحوالِ الشخصيّةِ بِمَا يعزّزُ تحقيقَ المساواةِ بينَ المرأةِ والرجلِ.

- التحدّي الاقتصاديُّ ومخصَّصاتُ المحاكمِ الشرعيّةِ والروحيّةِ

تُعْتَبَرُ المحاكمُ الشرعيّةُ المحمَّديّةُ في لبنانَ تابعةً لرئاسةِ مجلسِ الوزراءِ، بينما تُعْتَبَرُ المحاكمُ المسيحيّةُ تابعةً لوزارةِ العدلِ. وقدْ بلغَ مجموعُ237 نفقاتِ الدولةِ للمحاكمِ الشرعيّةِ والمذهبيّةِ في لبنانَ حوالي 32 مليارَ ليرةٍ ضمنَ موازنةِ 2020. وتنفقُ الدولةُ على المحاكمِ الدينيّةِ منْ جيبِ المواطنينَ، بينما تعودُ سلطةُ هذهِ المحاكمِ إلى طائفةِ كلِّ مذهبٍ، وتصدرُ أحكامَها باسمِ كلِّ مذهبٍ لا باسمِ الشعبِ اللبنانيِّ. لقدْ بلغتْ موازنةُ المحاكمِ الدينيّةِ منْ محمَّديّةٍ وغيرِ محمَّديّةٍ ما يفوقُ موازنةَ كلٍّ منْ وزاراتِ الصناعةِ والبيئةِ والشبابِ والرياضةِ مجتمعةً.

خامساً، تحدّياتُ الزيجاتِ المختلطةِ

الزواجُ المختلطُ هوَ الزواجُ المعقودُ معَ اختلافٍ في الإيمانِ والاعتقادِ الدينيِّ لمذهبينِ أوْ دينينِ مختلفَيْنِ. ولطالما اعْتُبِرَتِ المصاهرةُ بينَ العائلاتِ أوِ العشائرِ أوِ الملوكِ طريقاً لتثبيتِ السلامِ في المجتمعِ، وهيَ قديمةٌ قِدمَ وجودِ الدياناتِ وليستْ أبداً طارئةً على المجتمعِ.

يمكنُ حصولُ هذا الزواجِ المختلطِ ضمنَ التشريعاتِ المذهبيّةِ للكنيسةِ الكاثوليكيّةِ 238، والكنائسِ المتّحدةِ معها كالكنيسةِ المارونيّةِ، أوْ ضمنَ الطائفةِ السنّيّةِ في المحكمةِ الشرعيّةِ، أوِ الطائفةِ الشيعيّةِ ضمنَ المحكمةِ الجعفريّةِ، بحيثُ يُعقدُ القرانُ بينَ زوجٍ مسلمٍ على كتابيّةٍ أوْ مسيحيّةٍ. بينما الزواجُ المختلطُ دينيّاً غيرُ ممكنٍ ضمنَ قوانينِ طائفةِ الأرثوذكسِ، بحيثُ يوجبُ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيُّ أنْ يكونَ الزوجانِ مسيحيَّيْنِ. أمّا عندَ الموحّدينَ الدروزِ فالزواجُ الشرعيُّ يشترطُ أنْ يكونَ الطرفانِ درزيَّيْنِ حُكماً.

يُمكنُ اعتبارُ الزواجِ المختلطِ دينيّاً، الذي يدورُ بينَ طرفٍ مسيحيٍ وآخرَ مسلمٍ منَ الصورِ الشائعةِ. إلّا أنَّ واقعَ الأمورِ يفرضُ نفسَه في لبنانَ، فالزواجُ بينَ أتباعِ مذهبِ السُّنَّةِ معَ شريكٍ منْ مذهبِ الشيعةِ في بعضِ البيئاتِ اللبنانيّةِ غيرُ محبَّذٍ، والزواجُ بينَ السُّنَّةِ أوِ الشيعةِ معَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ غيرُ ممكنٍ شرعاً، وزواجُ الدروزِ معَ باقي الطوائفِ غيرُ ممكنٍ، ما يحتّمُ على طالبي الزواجِ اللجوءَ إلى الزواجِ خارجَ لبنانَ، وتحديداً إلى الزواجِ المدنيِّ.

وقدْ يكونُ مَنْ يلجأونَ إلى الزواجِ المدنيِّ همْ أيضاً وفي بعضِ الحالاتِ منَ المذهبِ أوِ الدينِ نفسِه، وقدْ يقومونَ بذلكَ لأسبابٍ متعدّدةٍ، منْها عدمُ الاعتقادِ بالدينِ نفسِه، أوْ بالطقوسِ المكلِّلةِ للزواجِ، أوْ خوفاً منْ طولِ الفترةِ الزمنيّةِ لإجراءاتِ الطلاقِ المعقّدةِ، مقارنةً بإجراءاتِ الطلاقِ في المحاكمِ المدنيّةِ، إلّا أنَّ الشائعَ هوَ لجوءُ الزيجاتِ المختلطةِ إلى الزواجِ المدنيِّ كنوعٍ منْ حيادٍ ما بينَ الأديانِ.

يقفُ رجالُ الدينِ منَ الطوائفِ السنّيّةِ والشيعيّةِ والمارونيّةِ موقفَ المعارضِ العلنيِّ لكلِّ ما يَمُتُّ بصلةٍ لحالةِ الزواجِ المختلطِ، وكأنَّ هناكَ اتّفاقاً ضمنيّاً بينهم على مناهضتِه علناً بغيةَ احتفاظِ كلِّ ملّةٍ بشعبِها. ومنَ العواملِ المؤثّرةِ والمساهمةِ على الصعيدِ الاجتماعيِّ الشعبيِّ، منْ حيثُ تقبُّلُ فكرةِ الزواجِ المدنيِّ بينَ فئاتِ المجتمعِ، هوَ التداخلُ الاقتصاديُّ والفكريُّ 239. وفي النهايةِ، تُعْتَبَرُ مساحةُ لبنانَ ثالثَ أصغرِ مساحةٍ بينَ الدولِ العربيّةِ، ما يعزّزُ نسبةَ التداخلِ والتبادلِ التجاريِّ بينَ جميعِ مكوّناتِ البلدِ لأيِّ معتقدٍ انتموا.

وقدْ وجدتِ النظرةُ إلى الفردِ، بغضِّ النظرِ عنْ دينِه، مساحةً كبيرةً لها، خصوصاً أنَّ الحربَ الداخليّةَ في لبنانَ استغلّتِ البعدَ الدينيَّ واستنفدتْه كوقودٍ للحربِ الداخليّةِ، ما ساهمَ باتّجاهٍ معاكسٍ للتعاملِ على أساسِ النظرةِ الشخصيّةِ للإنسانِ، وما زالتْ نظرةُ رجالِ الدينِ الرافضةِ للزواجِ المختلطِ تُنبّهُ إلى أنّنا نحيا ضمنَ الحربِ الداخليّةِ وإنْ بطريقةٍ مستترةٍ وغيرِ علنيّةٍ.

وشكَّلَ الفرزُ الديموغرافيُّ للسكانِ على أساسِ الانتماءِ الدينيِّ، نوعاً منْ قطعِ العلاقاتِ بينَ أبناءِ الوطنِ الواحدِ، ما أدّى إلى مزيدٍ منَ الانغلاقِ والتمسّكِ بعصبيّةٍ بأشكالِ التعبيرِ عنِ الهويّةِ، التي أصبحتْ مرتبطةً بجغرافيا محدَّدةٍ، تعبّرُ هيَ أيضاً عنِ الانتماءِ الدينيِّ الخاصِّ والمميّزِ لسكانِها (بيروت الشرقية "المسيحية" وبيروت الغربية "المسلمة"). وقدْ شكَّلَ هذا الواقعُ نوعاً منْ تقليدٍ شعبيٍ متعارفٍ عليهِ يشجّعُ على نبذِ كلِّ مَنْ يخرجُ عنهُ، ويدفعُ خصوصاً بطالبي الزواجِ المختلطِ دينيّاً إلى اللجوءِ إلى خارجِ لبنانَ في كثيرٍ منَ الحالاتِ، منْ أجلِ عقدِ زواجٍ مدنيٍ يشكّلُ نوعاً منْ طريقةٍ عادلةٍ ومنصفةٍ ومحترمةٍ لدينِ كلِّ عائلةٍ منَ الزوجينِ.

وسيظلُّ موضوعُ الزواجِ المختلطِ شاغلاً الرأيَ العامَّ في لبنانَ. إذْ يرى فيهِ العلايلي 240 أنَّه عقبةٌ تحولُ دونَ التآخي الوطنيِّ الكاملِ، وعاملاً مؤجّجاً للصراعِ عندَ كلِّ مناسبةٍ، أيّةً كانتِ الظروفُ أوِ الأحوالُ. فقضيّةُ الزواجِ المختلطِ مقبولةٌ اجتماعيّاً عندَ البعضِ، ومرفوضةٌ عندَ البعضِ الآخرِ، أوْ لا يُقبلُ البحثُ فيها. وفي المحصلةِ، لا بدَّ للزوجينِ إمّا أنْ يتزوّجا مدنيّاً خارجَ لبنانَ، أوْ أنْ يُخفيا ما يضمرانِ بهِ، فيبقيانِ على الشكليّاتِ ويتزوّجانِ بحسبِ طريقةِ المذهبِ في الحالاتِ التي تسمحُ بهِ.

يُفضي اللجوءُ إلى عقدِ زواجٍ دونَ الاعتقادِ بالمنظومةِ الدينيّةِ التي تؤدّيهِ إلى عراقيلَ في حياةِ الزوجينِ. وقدْ يلجأُ البعضُ إلى عقدِ ثلاثةِ عقودِ زواجٍ: واحدٌ لإرضاءِ أهلِ العروسِ، وآخرُ بحسبِ دينِ أهلِ العريسِ، وثالثٌ مدنيٌ منْ أجلِ تسجيلِ الزواجِ في دائرةِ النفوسِ. وهذا كلُّه يسبّبُ إرهاقاً لقدرةِ العروسينِ. ورغمَ وفرةِ هذهِ الحالاتِ، لا يوجدُ إحصاءٌ عنها.

سادساً، زواجُ أبناءِ الطوائفِ غيرِ المسجَّلةِ في لبنان- البهائيّةُ نموذجاً

يرجعُ تاريخُ تأسيسِ الدينِ البهائيِّ إلى عام 1817، تاريخُ ولادةِ المؤسّسِ للدينِ البهائيِّ، الملقَّبِ ببهاءِ اللهِ، وقدِ اعترفتِ الأممُ المتّحدةُ بـ "الجامعةِ البهائيّةِ العالميّةِ" كمنظَّمةٍ عالميّةٍ غيرِ حكوميّةٍ عامَ 1948، ولا تزالُ دولةُ لبنانَ ترفضُ الاعترافَ بالبهائيّةِ كديانةٍ، بلْ تعتبرُها كجمعيّةٍ نالتِ الاعترافَ "العلم والخبر" عامَ 1969.

ليسَ الزواجُ في البهائيّةِ شرطاً كالصلاةِ والصومِ 241، بلْ هوَ منَ المستحبّاتِ. وقدْ وُجِدَتِ الطائفةُ البهائيّةُ في لبنانَ منذُ ما قبلَ الاستقلالِ، نتيجةً لجوِّ التسامحِ الذي كانَ موجوداً معَ الدياناتِ الأخرى. وبالرغمِ منْ ذلكَ، لمْ تدخلْ ضمنَ تعدادِ الطوائفِ المؤسِّسةِ للبنانَ في القرارِ رقم 60 ل. ر. وللبهائيّةِ روضةٌ أبديّةٌ (مدافن) في كلٍّ منْ منطقتي خلدة ومشغرة. أمّا التنظيمُ المكانيُّ للطائفةِ ففي كلِّ منطقةٍ جغرافيةٍ يتجاوزُ فيها تسعةُ أشخاصٍ بهائيّينَ، يحقُّ لهم تنظيمُ هيئةٍ روحيّةٍ محليّةٍ تهتمُّ بشؤونِ البهائيّينَ في المنطقةِ، ولدورةٍ مدَّتُها عامٌ. وتتألَّفُ الهيئةُ الروحانيّةُ المركزيّةُ أيضاً من 9 أشخاصٍ منتخبينَ لمدّةِ عامٍ، تُديرُ شؤونَ الهيئةِ على المستوى الوطنيِّ.

لا يُعْرَفُ تعدادُ البهائيّينَ في لبنانَ، خصوصاً أنَّ العديدَ منهم ما زالَ يحافظُ على ديانةِ الأجدادِ التي تسبقُ الانتماءَ إلى البهائيّةِ في سجلّاتِ قيدِه نظراً لعدمِ وجودِ وسيلةٍ قانونيّةٍ تسمحُ بتغييرِ المعتقدِ إلى الطائفةِ البهائيّةِ أسوةً بباقي الطوائفِ المعترفِ بها قانوناً.

وفي مقابلةٍ شخصيّةٍ، صرَّحَ أحدُ أعضاءِ الهيئةِ الروحانيّةِ المركزيّةِ في لبنانَ، أنَّ البهائيّينَ يقدِمونَ على الزواجِ المدنيِّ خارجَ لبنانَ مُكْرهينَ، أنَّهم يشعرونَ بعدمِ المساواةِ أمامَ القانونِ، تجاهَ باقي الطوائفِ.

وتؤيّدُ البهائيّةُ في لبنانَ وجودَ الزواجِ المدنيِّ فيهِ، إذْ يوفّرُ عليهم مشقّةَ الزواجِ مدنيّاً خارجَ لبنانَ بهدفِ تثبيتِ زواجِهم أصولاً. وباستثناءِ ذلكَ يعتبرُ البهائيُّونَ أنَّ الزواجَ الدينيَّ هوَ الأساسُ وهمْ ملزمونَ بإقامتِه، خصوصاً أنَّه يشكّلُ التعبيرَ الروحانيَّ لمبادئِ البهائيّةِ ونظرتِها الخاصّةِ إلى الزواجِ.

تسبقُ الزواجَ فترةُ خطوبةٍ لا تتعدّى 95 يوماً. ويتطلَّبُ إتمامُ مراسمِ عقدِ الزواجِ موافقةَ الطرفينِ، وموافقةَ الأهلِ التي هيَ ملزمةٌ. ولا يُعْقَدُ زواجٌ بدونِ موافقتِهم وتوقيعِهم على عقدِ الزواجِ خطّيّاً. وفي حالِ عدمِ موافقةِ الأهلِ لا يتمُّ عقدُ الزواجِ أبداً، وهنا يتدخَّلُ المصلحونَ لتقريبِ وجهاتِ النظرِ.

يُضافُ إلى تواقيعِ العروسينِ وأهلِهم على عقدِ الزواجِ، توقيعُ شاهدينِ وممثّلٍ عنِ الهيئةِ الروحانيّةِ المحليّةِ على عقدِ الزواجِ، ويُسجَّلُ العقدُ في سجلاّتٍ خاصّةٍ لهذهِ الغايةِ. وعلى إثرِ ذلكَ، يُعتبرُ عقدُ الزواجِ صحيحاً.

تؤمنُ البهائيّةُ بوحدةِ الجنسِ البشريِّ، ولذلكَ لا مانعَ عندَ البهائيّينَ منْ إتمامِ عقدِ زواجٍ بهائيٍ لِمَنْ يطلبونَ ذلكَ لمنفعةٍ روحيّةٍ وإنْ كانَ الطرفانِ منْ غيرِ أبناءِ الطائفةِ، كما لا تُمانعُ البهائيّةُ منْ إتمامِ عَقْدَي زواجٍ في حالِ كانَ الزواجُ مختلطاً دينيّاً، فيُقامُ الزواجُ الأوّلُ بحسبِ التعاليمِ البهائيّةِ، والثاني بحسبِ طائفةِ الشريكِ ولأيِّ دينٍ انتمى. وفي حالِ كانَ الشريكُ الآخرُ منَ الطوائفِ المعترفِ بنظامِ أحوالِها الشخصيّةِ في لبنانَ، فعندَئذٍ يُسجَّلُ هذا العقدُ في القيودِ الرسميّةِ، ولا ضرورةَ لتكبّدِ مشقّةِ السفرِ لعقدِ زواجٍ مدنيٍ. ويُقامُ العقدانِ ضمنَ مهلةِ أربعٍ وعشرينَ ساعةً لضمانِ المساواةِ في النظرةِ والاحترامِ بينَ العقدينِ، وفي حالِ تمَّ الحصولُ على حُكْمِ طلاقٍ منَ المحكمةِ التي ينتمي إليها الشريكُ غيرُ البهائيِّ، فالبهائيّةُ تقبلُ بهذا الحُكْمِ ولا تشترطُ إعادةَ النظرِ في ملفِّ الطلاقِ.

تَعْتَقِدُ البَهائِيَّةُ بِالمُساواةِ الكامِلَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ وَحَقِّ طَلَبِ الطَّلاقِ فِي البَهائِيَّةِ، وَيَتَقاسَمُهُ العَروسانِ سَواسِيَةً. أَمّا الحُكْمُ فِي الطَّلاقِ فَلا يَعودُ إِلى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَإِنَّما لِلهَيْئَةِ الرّوحِيَّةِ المَكانِيَّةِ، الَّتِي تَحْكُمُ أَوَّلاً بِفَصْلِ مَقَرِّ إِقامَةِ العَروسَيْنِ عَنْ بَعْضِهِما لِمُدَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً بُغْيَةَ تَدَخُّلِ المُصْلِحينَ، وَفِي حالِ لَمْ تُفْلِحْ مَساعِي الصُّلْحِ، فَعِنْدَئِذٍ يُحْكَمُ بِالطَّلاقِ. وَهُنا أَيْضاً يَتَحَمَّلُ مَنْ تَزَوَّجَ مَدَنِيّاً أَوْ سُجِّلَ العَقْدُ بِحَسَبِ قَيْدِهِ الرَّسْمِيِّ مَشَقَّةَ إِتْمامِ مُعامَلاتِ الطَّلاقِ مُجَدَّداً بِهَدَفِ تَثْبِيتِ الطَّلاقِ رَسْمِيّاً.

لَيْسَ فِي البَهائِيَّةِ مَفْهومُ "رَجُل دِين" كَما فِي المَسِيحِيَّةِ. وَحُضورُ مَنْدوبٍ عَنِ الهَيْئَةِ الرّوحِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ لِمَراسِمِ الزَّواجِ هُوَ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ إِتْمامِ شَكْلِيّاتِ العَقْدِ بِجَميعِ تَفاصيلِهِ، وَلا يَتَدَخَّلُ مَنْدوبُ الهَيْئَةِ فِي طُقوسِ الزَّواجِ بَلْ يُكْتَفى بِتَوْقيعِهِ عَلى العَقْدِ.

وَتَقومُ الصِّيغَةُ المُلْزِمَةُ لِلتَّعْبيرِ عَنِ القَبولِ وَالإِيجابِ عَلى تَرْدادِ العَريسِ أَمامَ الكُلِّ آيَةً مِنَ الكِتابِ الأَقْدَسِ "إِنّا كُلٌّ لِلَّهِ راضونَ"، وَتُجيبُ العَروسُ "إِنّا كُلٌّ لِلَّهِ راضِياتٌ".

المَهْرُ مُخَصَّصٌ لِلْعَروسِ، وَيُؤْخَذُ كَرَمْزٍ لِتَحَمُّلِ الزَّوْجِ مَسْؤُولِيَّةَ العَروسِ، وَعادَةً يَكونُ 19 مِثْقالاً مِنَ الفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ.

يُرافِقُ سِنَّ الزَّواجِ سِنُّ البُلوغِ المُحَدَّدُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لِلشّابِّ وَلِلْفَتاةِ. وَيُسْمَحُ بِالإِرْثِ بَيْنَ مُخْتَلِفي الدِّينِ فِي البَهائِيَّةِ، وَإِنَّما يُفَضَّلُ أَنْ يَقومَ كُلُّ بَهائِيٍّ بِعَقْدِ وَصِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ الإِعْلانَ عَنِ الِالْتِزامِ الدِّينِيِّ. وَلا يَتَضَمَّنُ تَوْزِيعُ المِيراثِ حِصَصاً مَحْفوظَةً فِي البَهائِيَّةِ.

أَخِيراً، يَقْتَرِبُ عَقْدُ الزَّواجِ البَهائِيُّ فِي تَفاصيلِهِ مِنْ عَقْدِ الزَّواجِ الإِسْلامِيِّ، إِلّا أَنَّنا لا نَجِدُ فِي واقِعِ الحالِ ما يُعَبِّرُ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي شَأْنِ الزَّواجِ المَدَنِيِّ فِي الصُّحُفِ أَوِ الدِّراساتِ الَّتِي تَتَناوَلُ هَذا الشَّأْنَ، لِكَوْنِهِمْ مِنَ الأَقَلِّيّاتِ الَّتِي لا تُشَكِّلُ ثِقْلاً انْتِخابِيّاً فِي لُبْنانَ.

خُلاصَةٌ

ضاقَ الخِناقُ عَلى اللُّبْنانِيِّينَ وَعَلى المُقيمينَ عَلى أَرْضِهِ مِنْ غَيْرِ اللُّبْنانِيِّينَ، فِي مَجالٍ يُعْتَبَرُ اليَوْمَ مِنْ بَديهِيّاتِ الحَياةِ وَالحُقوقِ، هُوَ الحَقُّ فِي الزَّواجِ. وَلَمْ يَحْصِرِ المُشَرِّعُ الزَّواجَ ضِمْنَ الإِطارِ الدِّينِيِّ فَقَطْ، وَإِنَّما حَصَرَهُ بِتَعْدادٍ حَصْرِيٍ لِلأَدْيانِ الَّتِي تَقْبَلُ عُقودَ زَواجِها قانوناً.

صَحِيحٌ أَنَّ العَدَدَ الأَكْبَرَ مِنَ اللُّبْنانِيِّينَ يَدْخُلُونَ ضِمْنَ تَعْدادِ الطَّوائِفِ الرَّسْمِيَّةِ، وَلَكِنَّ الحُقوقَ الأَساسِيَّةَ لا تَعْرِفُ النِّسَبَ المِئَوِيَّةَ. لِذَلِكَ بِالإِضافَةِ إِلى الحالاتِ الَّتِي تَتَوافَقُ مَعَ واقِعِ الحالِ، هُناكَ عِدَّةُ دَوائِرَ تَسْمَحُ بِمُقارَبَةٍ أَوْسَعَ لِمَشاكِلِ إِتْمامِ عَقْدِ الزَّواجِ، فَيَنْطَلِقُ البَعْضُ مِمّا هُوَ مُتاحٌ مِنْها فِي القَوانينِ الوَضْعِيَّةِ، فِيما يُشَدِّدُ البَعْضُ الآخَرُ عَلى مَزيدٍ مِنَ التَّشْريعاتِ، الَّتِي تَضَعُ الحُلولَ فِي قالِبٍ واضِحٍ لا غُبارَ عَلَيْهِ. وَالتَّشْريعُ الأَوْضَحُ هُوَ الَّذِي يَتَمَثَّلُ بِصُدورِ قانونٍ مَدَنِيٍ، سَواءٌ أَكانَ إِلْزامِيّاً أَمِ اخْتِيارِيّاً، يُنْهِي بِهِ المُشَرِّعُ هَذا التَّخَبُّطَ فِي الآراءِ.

وَيُفْضِي هَذا التَّعْدادُ الحَصْرِيُّ لِعُقودِ الزَّواجِ الدِّينِيِّ كُلَّ يَوْمٍ، إِلى بُروزِ التَّساؤُلاتِ لا بَلِ المُطالَباتِ بِمَزيدٍ مِنَ التَّشْريعاتِ الَّتِي تُواكِبُ تَطَوُّرَ الحَياةِ وَمُسْتَجَدّاتِها، وَبِمَزيدٍ مِنَ الحُرِّيّاتِ وَتَقْليصٍ لِلْقُيودِ. التَّحَدِّياتُ اليَوْمَ كَبيرَةٌ وَمُتَشَعِّبَةٌ وَقَدْ فَرَضَتِ العَوْلَمَةُ نَفْسَها وَجَعَلَتْ مِنَ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ قَرْيَةً صَغيرَةً مُتَخَطِّيَةً حُدودَ البِلادِ وَقارِعَةً الأَبْوابَ الموصَدَةَ.

لَيْسَ طَرْحُ الزَّواجِ المَدَنِيِّ فِي لُبْنانَ اسْتيراداً لِمَفْهومٍ خارِجِيٍ، وَإِنَّما هُوَ مَطْلَبٌ داخِلِيٌ تَتَأَجَّجُ المُواجهةُ وَالحَديثُ حَوْلَهُ كُلَّ عامٍ بِفَعْلِ المُطالَبِ الشَّعْبِيَّةِ. وَلِمُقارَبَةِ هَذا التَّحَدِّي الحَياتِيِّ، صَدَرَ عَنِ المَرْجَعِيّاتِ الدِّينِيَّةِ الكَثيرُ مِنَ المَواقِفِ المُعَبِّرَةِ عَنْ مُقارَباتِها لِهَذِهِ المُطالَبِ، الَّتِي تَتَجاذَبُ فِي الكَثيرِ مِنْ تَفاصيلِ الحُلولِ المُقْتَرَحَةِ، ما يَحْتَمُ الوُقوفَ عَلَيْها وَمُقارَبَتَها وَدَرْسَها، وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ المَواقِفِ الشَّرْعِيَّةِ وَالمَواقِفِ الفِقْهِيَّةِ، وَإِمْكانِيَّةِ التَّوْفيقِ بَيْنَهُما.

لَقَدْ جُلْنا فِي هَذا الفَصْلِ فِي فَضاءِ الزَّواجِ الدِّينِيِّ فِي لُبْنانَ، كَعَرْضٍ لِواقِعِ الحالِ بِحَسَبِ الطَّوائِفِ وَأَحْكامِها الشَّخْصِيَّةِ، وَخُصوصاً الحُدودَ الَّتِي تَقِفُ عِنْدَها وَالحالاتِ الَّتِي لا تَرْعاها، ما يُبْرِزُ الحاجَةَ إِلى مُقارَبَةٍ تَسْمَحُ بِتَحْقيقِ العَدالَةِ وَالمُساواةِ فِي المُجْتَمَعِ، عَبْرَ اسْتيعابِ جَميعِ مُرَكَّباتِهِ المُخْتَلِفَةِ. وَقَدْ طالَتِ المُقارَباتُ ثَلاثَ نِقاطٍ، النُّقْطَةُ الأُولى، هِيَ العَمَلُ بِمَا هُوَ مُتاحٌ، إِذْ إِنَّ نُصوصَ التَّشْريعاتِ الطّائِفِيَّةِ تَخْرُجُ عَنِ الرَّقابَةِ القانونِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ ارْتِباطَ المَحاكِمِ الطّائِفِيَّةِ بِطَريقَةٍ أَوْ بِأُخْرى بِالدَّوْلَةِ يَسْمَحُ بِمَزيدٍ مِنَ العَمَلِ عَلى مُراقَبَتِها أَوْ سَحْبِ صَلاحِيَّةِ الِاخْتِصاصِ مِنْ يَدِها. النُّقْطَةُ الثّانِيَةُ، تَنْطَلِقُ مِنَ النُّصوصِ الوَضْعِيَّةِ بِالرَّغْمِ مِنَ الضَّبابِيَّةِ الَّتِي تَحْكُمُها، تُشَكِّلُ خارِطَةَ طَريقٍ مُسْتَقِلَّةً تَسْمَحُ بِإِيجادِ مَخْرَجٍ قانونِيٍ مَحَلِيٍ قَبْلَ وُصولِ إِلى الغايَةِ المَنْشودَةِ، عَبْرَ إِصْدارِ قانونِ أَحْوالٍ شَخْصِيَّةٍ مَدَنِيٍ، وَهَذا ما يُشَكِّلُ النُّقْطَةَ الثّالِثَةَ.

تَتَشَعَّبُ المَشاكِلُ الَّتِي يَطْرَحُها غِيابُ القانونِ المَدَنِيِّ، وَتَطالُ عِدَّةَ مُفْتَرَقاتٍ فِي حَياةِ المُواطِنِ اللُّبْنانِيِّ. وَقَدْ تَمَّ عَرْضُها وَاعْتِبارُها نَوْعاً مِنَ التَّحَدِّياتِ، لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ طابَعٍ يَتَفأعَلُ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ وَعَفْوِيٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُطْرَحُ فيها هَذِهِ التَّحَدِّياتُ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنَ الحُرِّيّاتِ العامَّةِ الَّتِي هِيَ الأَساسُ، وَمِنْ مَكامِنِ القُصورِ فِي مُراعاتِها. ثُمَّ تَناوَلَتْ بِشَكْلٍ مُتَدَرِّجٍ قَضايا المُعاهَداتِ الدَّوْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ مَصادِرِ الدُّسْتورِ اللُّبْنانِيِّ، ثُمَّ تَطَرَّقَتْ لِواقِعِ الدُّسْتورِ وَكَيْفَ أَنَّهُ فَوَّضَ الطَّوائِفَ سُلْطَةَ التَّشْريعِ فِي مَيْدانِ الأَحْوالِ الشَّخْصِيَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الحالاتِ الشّاذَّةَ عَنِ الزَّواجِ التَّقْليدِيِّ، وَهِيَ حالاتُ الزَّواجِ المُخْتَلِطِ، تُعْتَبَرُ مِنْ أَكْثَرِ الحالاتِ تَطَلُّباً لِتَدَخُّلِ المُشَرِّعِ المَدَنِيِّ. ثُمَّ ذَكَرْتُ فِي مَحَطَّةٍ أَخيرَةٍ، كَيْفَ يَتَعاطى البَهائِيُّونَ مَعَ مَوْضوعِ الزَّواجِ وَطُرُقِ تَسْجيلِهِ قانوناً، كَمِثالٍ عَنْ طائِفَةٍ لا تَحْظى بِالِاعْتِرافِ أُسْوَةً بِباقِي الطَّوائِفِ.

وَقَدْ شَكَّلَ الزَّواجُ الإِلِكْتْرونِيُّ عَنْ بُعْدٍ عَبْرَ التَّطْبيقاتِ الخاصَّةِ ثَوْرَةً وَنَقْلَةً نَوْعِيَّةً سَتَخْلِطُ جَميعَ الأَوْراقِ، وَتُؤَسِّسُ لِمَرْحَلَةٍ جَديدَةٍ، تَسْقُطُ مَعَها عَمَلِيّاً جَميعُ الأَسْبابِ الَّتِي تَقِفُ حائِلاً أَمامَ تَطْويرِ هَذا القِطاعِ الأَساسِيِّ مِنَ العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ.

الفَصْلُ الثّالِثُ: الزَّواجُ المَدَنِيُّ فِي السِّياقِ اللُّبْنانِيِّ المَسِيحِيِّ

مُقَدِّمَةٌ

ما قيمَةُ الزَّواجِ الكَنَسِيِّ فِي مُجْتَمَعٍ يَسْمَحُ بِالزَّواجِ المَدَنِيِّ؟ سُؤالٌ بَديهِيٌّ، لَكِنَّ الإِجابَةَ عَلَيْهِ تَتَطَلَّبُ بَعْضَ الجُهْدِ. فَإِنَّ مَسْأَلَةَ طَرْحِ الزَّواجِ المَدَنِيِّ تُثيرُ رَغْبَةَ مُنَظِّريهِ فِي مَعْرِفَةِ مَوْقِفِ الكَنيسَةِ الواضِحِ وَالمُباشِرِ مِنْهُ. إِلّا أَنَّهُ فِي نِهايةِ المَطافِ، فَإِنَّ الكَنيسَةَ بِمَوْقِفِها، إِنَّما تَقومُ بِالكشْفِ عَنْ هُوِيَّتِها الدّاخِلِيَّةِ أَمامَ مُجْتَمَعٍ مُتَعَدِّدِ الِانْتِماءاتِ الدِّينِيَّةِ.

ساعَدَ تَعْدادُ الطَّوائِفِ المَسِيحِيَّةِ المُرْتَفِعُ فِي لُبْنانَ فِي بَلْوَرَةِ مَواقِفَ مُتَعَدِّدَةٍ وَقِراءاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَلَفِّ الزَّواجِ المَدَنِيِّ. فَالبَعْضُ انْطَلَقَ مِنْ قِراءَتِهِ الذّاتِيَّةِ لِلزَّواجِ، وَالبَعْضُ الآخَرُ اسْتَنْهَضَ الواقِعَ الِاجْتِماعِيَّ وَالسِّياسِيَّ وَكَيْفِيَّةَ العَمَلِ عَلى دَفْعِهِ قُدُماً. عِنْدَ كُلِّ مُناسَبَةٍ، يُطْرَحُ فيها البَحْثُ فِي وُجوبِ تَشْريعِ الزَّواجِ المَدَنِيِّ، تَتَوَجَّهُ الأَنْظارُ إِلى المَرْجَعِيّاتِ الدِّينِيَّةِ عُموماً، وَإِلى الرِّئاساتِ الرّوحِيَّةِ لِلطَّوائِفِ الأَكْبَرِ، عَدَداً وَتَمْثِيلاً لِلْوُقوفِ عَلى مَوْقِفِها. إِنَّ عَمَلِيَّةَ جَمْعِ الأَسْبابِ، الَّتِي تَدْعَمُ كُلَّ مَوْقِفٍ سَواءٌ أَكانَ مُعارِضاً أَمْ مُحَبِّذاً لِلزَّواجِ المَدَنِيِّ تَسْمَحُ بِرَسْمِ خارِطَةِ طَريقٍ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَها، عِنْدَ كُلِّ طَرْحٍ لِمَشْروعِ زَواجٍ مَدَنِيٍّ.

تَمْتَدُّ السُّلْطَةُ المَعْنَوِيَّةُ لِلْكَنائِسِ فِي لُبْنانَ عَلى أَبْناءِ الطّائِفَةِ، سَواءٌ أَقاموا فِي لُبْنانَ أَمْ فِي بِلادِ المَهْجَرِ، عَبْرَ الأَبْرَشِيّاتِ أَوِ المُعْتَمَدِيّاتِ التّابِعَةِ لِلسُّلْطَةِ الكَنَسِيَّةِ الأُمِّ فِي لُبْنانَ. وَالمُلْفِتُ لِلنَّظَرِ اقْتِصارُ مَواقِفِ هَذِهِ الكَنائِسِ فِي مَلَفِّ الزَّواجِ المَدَنِيِّ، عَلى اسْتِعْمالِ النَّموذَجِ اللُّبْنانِيِّ دونَ ذِكْرِ أَيٍ مِنَ النَّماذِجِ الَّتِي يَحْيا بِموجَبِها أَبْناءُ الطّائِفَةِ فِي الدُّوَلِ الخارِجِيَّةِ، حَيْثُ الزَّواجُ المَدَنِيُّ مُلْزِمٌ بِقُوَّةِ القانونِ، أَوْ فِي الدُّوَلِ الأُخْرى حَيْثُ هُوَ مِنْ بابِ الِاخْتِيارِ. وَسَأَسْتَعْرِضُ مَواقِفَ بَعْضِ الكَنائِسِ الكاثوليكِيَّةِ وَخاصَّةً الكَنيسَةَ المارونِيَّةَ وَالرّومَ المَلَكِيِّينَ الكاثوليكَ وَالأَرْمَنَ الكاثوليكَ، بِالإِضافَةِ إِلى مَوْقِفِ كَنيسَةِ الرّومِ الأَرْثوذُكْسِ وَمَوْقِفِ بَعْضِ الكَنائِسِ الأَرْثوذُكْسِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ كَالسُّرْيانِ الأَرْثوذُكْسِ وَالأَقْباطِ الأَرْثوذُكْسِ، وَأَخِيراً مَوْقِفَ الكَنائِسِ الإِنْجِيلِيَّةِ حَتّى أَعودَ لِلْبَحْثِ فِي اللاهوتِ المَسِيحِيِّ وَمَدى تَجانُسِهِ مَعَ مَفْهومِ الزَّواجِ المَدَنِيِّ.

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَوْقِفُ الكَنائِسِ الكاثوليكِيَّةِ مِنَ الزَّواجِ المَدَنِيِّ

يردُ ذِكْرُ طائفةِ اللاتينِ بينَ تعدادِ الطوائفِ المعترفِ بها قانونيّاً في المرسومِ رقم 60 / 1936. وهذا الذكرُ وإنْ وردَ بعدَ تعدادِ تسعٍ منَ الطوائفِ المسيحيّةِ، إلّا أنَّ أهمّيّةَ موقفِها تُسْتَمَدُّ منَ السلطةِ المركزيّةِ التي تتمتَّعُ بها روما بالنسبةِ إلى كلِّ الطوائفِ المسيحيّةِ التي تنضوي بالشركةِ معَها، ولهذا السببِ أتَناولُ موقفَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ أوّلاً.

أوّلاً، الموقفُ الكاثوليكيُّ عامّةً منَ الزواجِ المدنيِّ

موقفُ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ معروفٌ بعدائيّتِه منذُ اللحظةِ الأولى لإقرارِه. وفي فرنسا منذُ عام 1792 حينَ صدرَ المرسومُ الذي يسمحُ لمأمورِ النفوسِ أنْ يتولّى عقدَ الزواجِ. ومنذُ العودةِ حديثاً في أوروبا إلى العملِ بعقدِ الزواجِ المدنيِّ، اتَّخذتِ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ موقفاً متشدّداً منهُ معتبرةً إيّاهُ بحكمِ غيرِ الموجودِ. وطالبتْ منْ رعاياها بإقامةِ سرِّ الزواجِ الكنسيِّ، وإلّا وقعَ الزوجانِ تحتَ نيرِ خطيئةِ الزنى، معَ ما يحملُه هذا الحكمُ منْ عذابٍ لضميرِ مَنْ يقترفُه.

الموقفُ المبدئيُّ للكنيسةِ الكاثوليكيّةِ إذاً، هوَ الرفضُ المطلقُ للزواجِ المدنيِّ. والحجّةُ الأكثرُ تداولاً لهذا الرفضِ تتمثّلُ بوجودِ إمكانيّةِ الطلاقِ ضمنَ القانونِ مدنيٍ، والطلاقُ بلغةِ القانونِ يتمثّلُ بفسخِ عقدِ الزواجِ، وهذا ما يُعتبرُ ضرباً لمبدأِ عدمِ قابليّةِ الزواجِ للانحلالِ واستمراريّتِه، بإرادةٍ بشريّةٍ. وسنُجري بحثاً مفصَّلاً لهذهِ الحجّةِ في فقرةٍ خاصّةٍ.

وتتمثَّلُ أسبابُ الرفضِ الأخرى بالابتعادِ عنِ الإطارِ الكنسيِّ عندَ إجراءِ الزواجِ، إنْ منْ ناحيةِ مكانِ الاحتفالِ بالزواجِ أوْ منْ حيثُ إجرائِه منْ قبلِ موظَّفٍ مدنيٍ لا يحملُ صفةً كنسيّةً، أوْ يراعي الشروطَ الكنسيّةَ المطلوبةَ، كالتحقُّقِ منْ عمادِ أحدِ طالبي الزواجِ أقلّهُ. وما زالَ موقفُ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ المتشدّدُ هذا يجدُ الصدى القويَّ لتعاليمِها في أفكارِ الكنيسةِ المارونيّةِ التي تستندُ إليها والتي سأبحثُها بالتفصيلِ في الفقرةِ الثانيةِ.

- الزواجُ المدنيُّ وإشكاليّةُ الطلاقِ عندَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ

كثيراً ما يُحْتَجُّ بوجودِ قاعدةِ الطلاقِ في الزواجِ المدنيِّ كسببٍ لردِّ النظرِ في متنِ أيِّ مشروعِ قانونٍ مدنيٍ، وخصوصاً منْ قِبلِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. ولَمّا كانَ مقبولاً داخلَ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ والإنجيليّةِ، فكانَ لا بدَّ منَ التطرّقِ إليهِ.

إنَّ إعلانَ بطلانِ عقدِ الزواجِ منْ قبلِ المحكمةِ الروحيّةِ يمحو الصبغةَ الأسراريّةَ عنْ عقدِ الزواجِ، ويجعلُ منهُ عقداً لاغياً. فالبطلانُ يعني عدمَ انعقادِ الزواجِ لسببٍ موجودٍ في وقتِ إتمامِه، كعدمِ أهليّةِ الزوجينِ، أوْ لعيبٍ في الرضى المتبادلِ، أوْ لنقصٍ في الصيغةِ. وإذا كانَ الزواجُ صحيحاً، ولكنِ اعترضتْه أسبابٌ لاحقةٌ كترجيحِ وفاةِ أحدِ الزوجينِ، أوْ فسخِ الزواجِ لصالحِ الإيمانِ، أوِ التفسيحِ منْ زواجٍ مقرَّرٍ غيرِ مكتملٍ، فعندَ ذلكَ يُسمّى فسخاً للزواجِ. أمّا الطلاقُ فهو منْ حالاتِ فسخِ الزواجِ لعلّةِ غيرِ تلكَ التي نصَّ عليها الحقُّ الكنسيُّ الكاثوليكيُّ.

الطلاقُ هوَ إحدى طرقِ فكِّ الرباطِ الزوجيِّ لسببٍ طارئٍ على الحياةِ الزوجيّةِ، منْ بعدِ أنْ تمَّ سرُّ الزواجِ بشكلٍ صحيحٍ. ويتخوَّفُ بعضُ رجالِ الدينِ منِ ارتفاعِ نسبةِ الطلاقِ، فيمَا لوْ أُقِرَّ مشروعُ الزواجِ المدنيِّ كحكمٍ مسبقٍ على القانونِ ذاتِه، وحكمٍ مسبقٍ يزاوجُه بالتساهلِ الذي يطالُ القضاءَ المدنيَّ المولجَ رعايةَ القانونِ المدنيِّ.

الطلاقُ منْ أكثرِ المواضيعِ بحثاً وتطرّقاً في اللاهوتِ كما في الحياةِ اليوميّةِ، وإلى يومِنا هذا. ولعلَّه منْ أبرزِ مفاعيلِ الزواجِ وأكثرِها جدلاً، خاصّةً بينَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ الرافضةِ لهُ رفضاً قاطعاً، وبينَ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ والإنجيليّةِ القابلةِ لهُ وفقَ لاهوتِهما الخاصِّ.

لماذا الزواجُ غيرُ قابلٍ للحلِّ منهُ، خصوصاً أنَّ يسوعَ في إنجيلِ متّى يؤكّدُ على فكرةِ الاتّحادِ "فيصبحانِ جسداً واحداً"؟ نلاحظُ اليومَ، أنَّ فكرةَ ديمومةِ الزواجِ الأبديّةِ تكادُ أنْ تكونَ فكرةً نظريّةً وغيرَ مألوفةٍ، نتيجةً لتسارعِ الحياةِ، وكثرةِ المشاكلِ الاقتصاديّةِ، وارتفاعِ نسبةِ دعاوى الطلاقِ عامّةً. وقدْ عرفَ الدينُ اليهوديُّ الطلاقَ، وأشارَ مرقسُ إلى إعطاءِ يسوعَ حقَّ الطلاقِ بالتساوي بينَ الرجلِ والمرأةِ لعلّةِ وحيدةٍ وهيَ الزنى. ويسمحُ بولسُ بالطلاقِ لعلّةِ اختلافِ الدينِ، في رسالتِه الأولى إلى كنيسةِ كورنثوسَ، وهذا السماحُ يُعرَفُ بالإنعامِ البولسيِّ، الذي كنتُ أشرتُ إليهِ في الفصلِ التمهيديِّ.

يُشكّلُ موضوعُ الطلاقِ نقطةَ خلافٍ جوهريّةً بينَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ الرافضةِ لهُ، وبينَ القوانينِ المدنيّةِ التي تُجيزُه منْ بابِ حريّةِ التعاقدِ وحريّةِ إنهاءِ العقدِ، خصوصاً أنَّ أثرَ الطلاقِ ينسحبُ على الزوجينِ وعلى الأطفالِ، وعلى الممتلكاتِ وطريقةِ توزيعِها. وقدْ أشارَ البابا فرنسيسُ في خطابِه الموجَّه إلى محكمةِ الروتا الحبريّةِ عامَ 2018 إلى الارتباطِ الوثيقِ بينَ الضميرِ وقضايا الأحوالِ الشخصيّةِ، فلا تسقطُ تلكَ الدعاوى في بيروقراطيّةٍ تتعارضُ معَ الضميرِ المسيحيِّ والعاملِ الأساسيِّ الذي يجبُ الانتباهُ إليهِ، وهوَ عدمُ قيادةِ المؤمنينَ المتعثّرينَ بزواجِهم إلى الانغلاقِ عنْ طريقِ النعمةِ. ويشدّدُ البابا فرنسيسُ على أنَّ المرافقةَ الرعويّةَ بالإضافةِ إلى تمييزِ الضمائرِ، يسمحُ فقطْ بإنتاجِ بطلانٍ للزواجِ يخدمُ تحريرَ الضميرِ. إنَّ بطلانَ عقدِ الزواجِ يهدمُ "خير الأسرة" كليّاً، وأهمُّ ما في هذا الخيرِ هو رعايةُ الأولادِ واعتبارُهم أولاداً شرعيّينَ أوْ ضحايا أبرياءَ.

- الإرشادُ الرسوليُّ "في وظائفِ العائلةِ المسيحيّةِ في عالمِ اليومِ"

أقرَّ الإرشادُ الرسوليُّ للبابا يوحنّا بولس الثاني "في وظائفِ العائلةِ المسيحيّةِ في عالمِ اليومِ – 1981" حصولَ تغييراتٍ كبيرةٍ في واقعِ الحياةِ الزوجيّةِ نتيجةَ التغييراتِ الثقافيّةِ والاجتماعيّةِ، إلّا أنَّ رسالةَ البابا تُشدّدُ في دعوةِ المؤمنينَ إلى المحافظةِ على أمانتِهم لمفهومِ الزواجِ المسيحيِّ الذي يتعارضُ والزواجَ المدنيَّ. ومنْ هذهِ التغييراتِ التي دفعتْ إلى صدورِ هذهِ الرسالةِ، هوَ ازديادُ عددِ الزيجاتِ بينَ الكاثوليكِ وغيرِ المعمَّدينَ في مختلفِ أنحاءِ العالمِ، وأيضاً ازديادُ عددِ الزيجاتِ معَ أزواجٍ لا يؤمنونَ بدينٍ معيَّنٍ. وهكذا، فإنَّ موضوعَ العائلةِ، بحسبِ خاتمةِ نصِّ الإرشادِ، إنّما يُبرزُ مدى أهمّيّةِ التطرّقِ إلى الزواجِ، كونَه يشكّلُ مصيرَ ومستقبلَ الكنيسةِ والعالمِ.

إنَّ مفهومَ "السلة الواحدة" أيِ الحديثُ عنْ عدّةِ أنواعٍ منْ عقودِ الزواجِ ضمنَ صورةِ نمطيّةٍ واحدةٍ، تستعملُه رسالةُ البابا وتُعَنْوِنُ بعنوانٍ عريضٍ "حالات شاذّة"، وينضوي في طيّاتِه، كلٌّ منْ "زواجِ التجربةِ والمساكنةِ الحرّةِ والزواجِ المدنيِّ والأزواجِ المهجورينَ، والمطلّقينَ الذينَ لمْ يعقدوا زواجاً جديداً، أوِ المطلّقينَ الذينَ تزوّجوا ثانيةً خارجَ الكنيسةِ، وأخيراً الذينَ يحيونَ دونَ وجودِ عائلةٍ لهم". وبالرغمِ منَ التمييزِ بينَ واقعِ حالِهم، تؤكّدُ الرسالةُ على ضرورةِ توعيةِ هؤلاءِ الناسِ جميعاً، وإرشادِهم إلى كيفيّةِ البقاءِ تحتَ مظلّةِ القيمِ الكنسيّةِ المتعارفِ عليها. وبشكلٍ خاصٍّ تُشدّدُ الفقرةُ 82 على أنَّه "غالباً ما يتأتّى أنْ يفضّلَ كاثوليكيٌ عقدَ زواجٍ مدنيٍ فقطْ، أوْ إرجاءَ الزواجِ الدينيِّ، إلى ما بعدُ، أقلُّه بدافعٍ منْ أسبابٍ عقائديّةِ أوْ عمليّةِ. فلا يمكنُ إذاً مساواةُ وضعِهم بوضعِ مَنْ يتساكنونَ دونَ أيِّ وثاقٍ زواجيٍ، ذلكَ لأنَّ لديهم على الأقلِّ، قصداً في اتّباعِ نمطِ حياةٍ محدَّدٍ ومستقرٍّ، ولوْ بقيَ لديهم، على الغالبِ، مجالٌ لطلاقٍ محتملٍ. وبما أنَّ الزواجِ يطلبانِ منَ الدولةِ الاعترافَ علناً بهذا الوثاقِ، فإنَّهما يظهرانِ استعدادَهما للقبولِ معاً في وقتٍ واحدٍ، بِمَا في هذا الزواجِ منْ فوائدَ والتزاماتٍ. لكنَّ الكنيسةَ لا يمكنُها أنْ تسلّمَ بهذا الوضعِ. فتضيفُ الرسالةُ في القسمِ الثاني منَ الفقرةِ "فعلى العملِ الرسوليِّ، في هذهِ الحالةِ، أنْ يسعى إلى إفهامِ الزوجينِ واجبَ التوفيقِ بينَ ما اختاراهُ منْ حياةٍ، ويعترفانِ بهِ منْ إيمانٍ، وأنْ يبذلَ (العمل الرسولي) ما في الطاقةِ ليعملَ أمثالُ هؤلاءِ الأزواجِ على تصحيحِ وضعِهم وفقاً للمبادئِ المسيحيّةِ. وبالرغمِ ممّا يجبُ على رعاةِ الكنيسةِ أنْ يعاملوهم بهِ منْ محبّةٍ بالغةٍ، وأنْ يحثّوهم على الاشتراكِ في حياةِ جماعتِهم الخاصّةِ، فلا يجوزُ، ويا للأسفِ، أنْ يسمحوا لهم باقتبالِ الأسرارِ".

استمرَّتِ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ في هذا النهجِ منذُ عام 1866 معَ البابا بيوس التاسع إلى البابا فرنسيسِ الحاليِّ، حيثُ بتنا نشهدُ نوعاً منْ تحوّلٍ في الموقفِ البابويِّ منَ الزواجِ المدنيِّ. فلقدْ عرفتِ النظرةُ إلى الزواجِ قفزةً نوعيّةً منْ حالةِ اعتبارِ الزواجِ هدفاً يصبُّ في نطاقِ إنجابِ البنينَ، إلى اعتبارِ غايتِه الأولى هيَ مشاركةُ الزوجينِ في الحياةِ بحبٍّ. وإنَّ الوصولَ إلى هذهِ النتيجةِ واعتبارَ عمليّةِ الإنجابِ هيَ هدفٌ ثانويٌ، تتطلَّبُ الكثيرَ منَ الجدلِ بينَ تيّارينِ، الأوّلُ متأثّرٌ بالنظرةِ التقليديّةِ للكنيسةِ، والثاني متأثّرٌ بالنطوّرِ النفسيِّ والاجتماعيِّ والأنثروبولوجيِّ.

وقدِ ارتكزَ التيّارُ الأوّلُ على الرسالةِ العامّةِ للبابا بيوس الحادي عشرَ عامَ 1930 "الوضع الإلهي للزواج" حيثُ إنَّ هذهِ الوثيقةَ تختصرُ ما وصلَ إليهِ كرسيُّ روما منْ صورةٍ مكتملةٍ للزواجِ، منْ حيثُ إنَّه تشريعٌ إلهيٌ لا يقبلُ الانفصالَ بأيِّ طريقةٍ، إلّا لِمَا اتُّفِقَ عليهِ منْ آثارٍ تشوبُ عيبَ الرضى الزوجيِّ. أمّا التيّارُ الثاني فذهبَ بالزواجِ منْ نظرةِ "العقد" المتشدّدِ، إلى نظرةِ "العهد" التي هيَ أكثرُ انفتاحاً ومرونةً، حيثُ إنَّ خصوصيّةَ مفهومِ العهدِ تتخطّى الضوابطَ القانونيّةَ الجامدةَ. وقدْ لاقى التيّارُ الثاني آذاناً صاغيةً، فأصدرَ البابا بولس السادس عام 1968 دستورَ "الحياة الإنسانيّة" وألغى عبرَه حرماتِ البابا بيوس الثاني عشرَ الصادرةِ في مجمعِ التفتيشِ عام 1944 بحقِّ الذينَ ينكرونَ أنَّ غايةَ الزواجِ الأولى هيَ إنجابُ البنينَ.

الزواجُ في إرشاداتِ بابا روما فرنسيس

حدَّدَ البابا فرنسيسُ تاريخَ تقديمِ مشروعِ تأسيسِ ميثاقٍ كاثوليكيٍ عالميٍ حولَ العائلةِ في حزيران 2022، وكُرّستْ سنةُ 2021 سنةَ العائلةِ كذكرى لمرورِ 5 سنواتٍ على صدورِ الإرشادِ الرسوليِّ "فرح الحب". وقدْ تصدّى البابا فرنسيسُ في الإرشادِ الرسوليِّ لمشاكلِ العائلةِ، فلمْ يضعْ موادَّ قانونيّةً، بلْ وضعَ جلَّ قدرتِه وجدواها في الإضاءةِ على المتغيّراتِ، ودعوةِ السلطةِ الكنسيّةِ المسؤولةِ إلى التنبّهِ لضرورةِ التمييزِ بينَ هذهِ الحالاتِ كافّةً. إنَّ هذهِ الكلماتِ هيَ غيرُ بسيطةٍ، بلْ ويمكنُ القولُ فيها إنَّها بدايةٌ لفتحٍ جديدٍ في حياةِ الكنيسةِ، لجهةِ كيفيّةِ مقاربتِها لشؤونِ أبنائِها.

وتنطلقُ وثيقةُ "فرح الحب" منْ أزمةِ الزواجِ التي تتعدَّدُ علاماتُها وتتعقَّدُ مواضيعُها، لتطالَ بعضَ المسائلِ العقائديّةِ والأخلاقيّةِ والروحيّةِ والرعويّةِ، التي لا يمكنُ حلُّها "بتطبيقِ قواعدَ عامّةٍ، أوْ منْ خلالِ استنتاجاتٍ مبالغٍ بها لبعضِ الأفكارِ اللاهوتيّةِ". والأهمُّ هو إقرارُ البابا فرنسيسِ بعدمِ جدوى حلِّ هذهِ المسائلِ "عنْ طريقِ مداخلاتِ السلطةِ التعليميّةِ". إذْ منَ المهمِّ مقاربةُ حلولِ المشاكلِ التي تعترضُ الأسرةَ عنْ طريقِ الانثقافِ، آخذينَ بعينِ الاعتبارِ التقاليدَ والتحدّياتِ المحليّةَ.

لقدْ نصَّتِ الفقرتانِ 293 و 294 منْ وثيقةِ "فرح الحب" على نقاطٍ تُشكّلُ خارطةَ طريقٍ جديدةً ينبغي على الكنيسةِ تفعيلُها بينَ أبنائِها، وهيَ:

1 - اهتمامُ الكنيسةِ بِمَنْ يشكّلونَ جزءاً منها، ويعقدونَ زواجاً مدنيّاً، أوْ مساكنةً بسيطةً، أوِ اتّحاداً بأمرِ الواقعِ.
2 - على الكنيسةِ أنْ ترعاهم برحمةٍ وتشجيعٍ وحوارٍ.
3 - مَنْ يعقدونَ زواجاً مدنيّاً لا يعارضونَ حُكماً إرادةَ الكنيسةِ.
4 - على الرعاةِ تقديرُ علاماتِ الحبِّ التي تعكسُ حبَّ اللهِ.

وقدْ أتى هذا الإرشادُ استكمالاً لمنعطفٍ بارزٍ حولَ كيفيّةِ تعاطي الكنيسةِ معَ المشاكلِ المحيطةِ بأبنائِها، بدءاً مِمّا حدَّدَه المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني حولَ الزواجِ المسيحيِّ بأنَّه "عهدٌ يقيمُ بواسطتِه الرجلُ والمرأةُ بينهما شركةَ حياةٍ وحبٍ مدى الحياةِ، موجَّهةٌ بطبيعتِها إلى الخيرِ الزوجيِّ وإنجابِ البنينَ وتربيتِهم". هذا العهدُ، بعدَ أنْ كانَ مشروعاً عائليّاً يتدخَّلُ فيهِ الجميعُ، تكرَّسَ بالنصِّ بينَ رجلٍ (مؤمن) وامرأةٍ (مؤمنة).

وحافظتْ نصوصُ المجمعِ على بُنيةِ الزواجِ التي لا تقبلُ بتعدّدِ الزوجاتِ في الوقتِ ذاتِه، كما حافظتْ على أركانِه التاريخيّةِ القائمةِ على عناوينَ ثلاثةٍ: العنوانُ الأوّلُ هوَ إنجابُ البنينَ، والثاني يقومُ على عهدِ الحبِّ، والثالثُ هوَ الطابعُ الأسراريُّ للزواجِ. إنَّ إرشاداتِ البابا فرنسيسِ توافقُ الفتحَ الجديدَ الذي حقَّقَه الدستورُ الرعائيُّ في "الكنيسة في العالم اليوم" "فرح ورجاء" التي امتدَّتْ أعمالُه ما بينَ عامِ 1965 وعامِ 1968، وحيثُ عُرِضَتْ في القسمِ الثاني منهُ القضايا الأشدُّ إلحاحاً، وأولها كانتْ قضيّةُ المحافظةِ على شرفِ الزواجِ والعائلةِ، وهذا ما يؤشّرُ إلى وجودِ نيّةٍ عندَ المجتمعينَ بالتوفيقِ بينَ البُعدِ الواقعيِّ وفلسفةِ الزواجِ الكنسيِّ، أوْ بينَ نظريّةِ الكنيسةِ ومفهومِها التقليديِّ للزواجِ منْ جهةٍ، وبينَ واقعِ الحياةِ الزوجيّةِ اليومَ منْ جهةٍ أخرى.

وبطبيعةِ الحالِ، ترى الكنيسةُ نفسَها مُجْبَرَةً على التوسّعِ في رؤيتِها للحياةِ الزوجيّةِ، بحيثُ تستطيعُ مواكبةَ الأوضاعِ الاجتماعيّةِ المستجدّةِ عالميّاً. ومنْ ثمارِ هذا التوسّعِ السماحُ بإقامةِ سرِّ الزواجِ معَ طرفٍ غيرِ مسيحيٍ داخلَ الكنيسةِ، معلّلةً ذلكَ بأنَّه "سرٌّ" تجاهَ الطرفِ المعمَّدِ، و "عقدٌ" تجاهَ الطرفِ غيرِ المعمَّدِ. فقدْ سمحَ هذا الانفتاحُ بتسييرِ أمورِ الكثيرينَ منْ أتباعِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ في أمورِ زواجِهم، معَ ما يرافقُ ذلكَ منْ عاداتٍ اجتماعيّةٍ كانتْ ستسوءُ لوْ لمْ يتمكَّنْ أبناءُ الكنيسةِ رجالاً ونساءً، منْ إقامةِ سرِّ زواجِهم داخلَ الكنيسةِ ووفقاً لتعاليمِها.

واستكملَ الإرشادُ الرسوليُّ الأخيرُ حولَ العائلةِ "فرح الحب" إذاً، ما بدأَه المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني بالتوسّعِ في مفهومِ إطارِه الزواج، ولكنَّه حافظَ على استعمالِ لغةٍ قاسيةٍ في مقاربتهِ، فأشارَ إلى نوعٍ منَ التخلّي، هوَ بالنسبةِ إليهِ نوعٌ منْ أنواعِ اتّباعِ موضةٍ سائدةٍ، وانحلالٌ أخلاقيٌ وإنسانيٌ، وحرمانٌ للعالمِ منَ القيمِ. واستعملَ عبارةَ "شاذ" (من الفقرة 296 إلى الفقرة 300) لكلٍّ منَ الحالاتِ التاليةِ: مَنْ عقدَ زواجاً مدنيّاً، أوْ مَنْ تزوَّجَ منْ بعدِ طلاقٍ، أوْ لِمَنْ كانَ في حالةِ مساكنةٍ.

ويُتابعُ الإرشادُ الحديثَ عنْ نوعٍ منَ البُعدِ بينَ الكنيسةِ وشعبِها، تتحمَّلُ السلطةُ الكنسيّةُ مسؤوليّتَه، وعنْ ضرورةِ إيجادِ خطابٍ يُحاكي الواقعَ، ويبتعدُ عنِ المثاليّةِ المبالغِ فيها، والتركيزِ فقطْ على الإنجابِ، والنموذجِ اللاهوتيِّ شبهِ المصطنعِ. ويكملُ الإرشادُ الحديثَ عنْ عاملٍ أساسيٍ في الزواجِ، وهوَ اتّحادٌ لا بينَ الزوجينِ فقطْ، وإنّما بينَ العائلتينِ. وهذا موجودٌ بصورةٍ مشدّدةٍ في المناطقِ التي لمْ تنجحِ العلمانيّةُ فيها. ويعطي الإرشادُ مثالاً عنْ هذهِ البلدانِ أفريقيا حيثُ العاداتُ الاجتماعيّةُ متحمكّمةٌ بشكلٍ كبيرٍ في مفاصلِ الحياةِ.

وتنصُّ الخلاصةُ التي يقدّمُها "فرح الحب" في الفقرة (38) منهُ، على أنَّ الكنيسةَ "لمْ تعكسْ بوضوحٍ بشارةَ يسوعَ ومواقفَه، الذي بتقديمِه نموذجاً متطلّباً لمْ يتخلَّ أبداً، في الوقتِ عينِه، عنْ قُرْبٍ شَغوفٍ تجاهَ الأشخاصِ الضعفاءِ كالسامريّةِ، والمرأةِ الزانيةِ". وهذهِ الخلاصةُ هيَ منَ الشفافيّةِ بمحلٍ يُسْتطاعُ البناءُ عليها، لمقاربةٍ أكثرَ وضوحاً، ولاستعمالِ النصِّ الدينيِّ في سياقِ تحدّياتِ اليومِ، ولتعاونٍ ما بينَ الكنيسةِ والمجتمعِ غيرِ الدينيِّ لِمَا هوَ خيرُ الإنسانِ. وقدْ تميّزتْ مقاربتُه لِمَا يجبُ فعلُه معَ هؤلاءِ الناسِ، بلغةِ المحبّةِ والتفهّمِ؛ وطالبَ الرعاةَ بالتمييزِ في التعاطي معَ كلِّ حالةٍ بمفردِها ووفقَ ظرفِها الخاصِّ؛ كما طلبَ منَ الرعاةِ قبولَ هذهِ الحالاتِ في الحياةِ الكنسيّةِ بأيِّ طريقةٍ يروْنها مناسبةً. فدربُ الكنيسةِ هوَ دربُ الاندماجِ لا الإقصاءُ.

ويُلاحظُ أيضاً عبرَ استعراضِ الإرشادِ، الإبقاءُ على ما هوَ متعارفٌ عليهِ، منِ اعتبارِ المتزوّجينَ مدنيّاً تحتَ حكمِ الخطيئةِ المميتةِ (فقرة 301). ولكنَّ النظرةَ إلى هؤلاءِ استناداً إلى توما الأكوينيِّ، لمْ تعدْ تعتبرُهم بحالةِ إقصاءٍ عنِ النعمةِ، وإنّما بحالةِ عدمِ القدرةِ على تطبيقِ الفضائلِ، وشتّانَ ما بينَ هاتينِ النظريتينِ.

رأى البابا فرنسيسُ بقوانينِ الزواجِ المدنيِّ، مخرجاً آنيّاً لقضيّةِ عيشِ المثليّينَ جنسيّاً معاً، أوْ للاتّحاداتِ المدنيّةِ، ولحمايتِهم في حفظِ حقوقِهم في الميراثِ والتقديماتِ الصحيّةِ. وطالبَ البابا بالزواجِ المدنيِّ علانيّةً وعبرَ عدّةِ تصريحاتٍ إعلاميّةٍ. أمّا الكنيسةُ فترفضُ إقرارَ هذا النوعِ منَ الزيجاتِ على صعيدِها الداخليِّ، لأنّها تعتبرُ مَنْ يقدمُ عليها بأنَّه تحتَ نيرِ الخطيئةِ. غيرَ أنَّ الكنيسةَ لا تقفُ ضدَّ "الخاطئين". لقدْ مَثّلَ هذا القرارُ خطوةً متقدّمةً على صعيدِ إدارةِ الكنيسةِ للخيرِ العامِّ، رغمَ أنَّ هذهِ الخطواتِ لا توافقُ التعليمَ الرسميَّ للكنيسةِ. إنَّ هذا الرأيَ الصادرَ عنِ المرجعيّةِ الأولى للكنيسةِ الكاثوليكيّةِ يمثّلُ الموقفَ الأكثرَ تقدّماً في تاريخِ الكنيسةِ نحو الزواجِ المدنيِّ، وكيفيّةِ خلقِ الجوِّ المناسبِ منَ التعاونِ بينَ السلطتينِ الدينيّةِ والمدنيّةِ بهدفِ خلقِ مجتمعٍ أكثرَ تسامحاً.

قضايا الزواجِ التي قدْ يُشكّلُ الزواجُ المدنيُّ مخرجاً لها في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ

هناكَ نوعانِ منَ القضايا يُشكّلُ فيهما الزواجُ المدنيُّ مطلباً كنسيّاً: الأولى، حيثُ لا إمكانيّةَ لعقدِ زواجٍ دينيٍ، والثانيةُ، قضيّةٌ تتخطّى فيها الكنيسةُ الرفضَ القاطعَ للزواجِ المدنيِّ فتعترفُ بهِ. إنَّ مطالبةَ البابا فرنسيسِ بضرورةِ الاستفادةِ منْ وجودِ الزواجِ المدنيِّ كمخرجٍ محايدٍ لقضيّةِ زواجِ المثليّينَ في البلدانِ التي تعترفُ بوجودِهم، والذي لا تستطيعُ الكنيسةُ كاثوليكيّةُ الاعترافَ بزواجِهم، تعني أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ تحاولُ منْ ناحيةٍ تجديدَ خطابِها الدينيِّ، ومنْ ناحيةٍ أخرى تحاولُ رعايتهم وعدمَ ممارسةِ الإقصاءِ بحقّهم، أوِ التمييزِ العنصريِّ. وهناكَ حالتانِ تعترفُ فيهما الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ بالزواجِ المدنيِّ، وتُضفي عليهِ مرتبةَ السرِّ دونَ أنْ تعودَ وتطلبَ أيَّ إجراءاتٍ خاصّةٍ: الأولى، الزواجُ المدنيُّ المعقودُ منذُ زمنٍ على طرفينِ، طلبا الانضمامَ إلى الكنيسةِ بالعمادِ، أمّا الثانيةُ، فهيَ التفسيحُ الذي يقرُّه راعي الأبرشيّةِ بقرارٍ منهُ، ففيها يُعفي أيَّ صيغةٍ خاصّةٍ لقبولِ متزوّجينَ مدنيّاً، معَ أثرٍ رجعيٍ يمتدُّ إلى تاريخِ عقدِ زواجِهما بحسبِ القانونِ 1161 اللاتينيِّ.

ثانياً، موقفُ الكنيسةِ المارونيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ

بالنسبةِ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ اليومَ عموماً وضمناً الكنيسةَ المارونيّةَ، لا يُعتدُّ بعقدِ الزواجِ المدنيِّ إطلاقاً. ويبقى النصُّ الدينيُّ مقيّداً كليّاً بالمكتسباتِ التاريخيّةِ التي التزمتْ رؤيةَ الكنيسةِ الخاصّةَ بالزواجِ، منْ دونِ غيرِها منَ النظريّاتِ الفكريّةِ أوِ الفلسفيّةِ تحتَ شعارِ أنَّ الحقَّ القانونيَّ الكنسيَّ يقودُ إلى الخلاصِ، وأنَّ الزواجَ المدنيَّ يشكّلُ تعدّياً على حقوقِ الدينِ وحريّةِ ضميرِ أبناءِ الكنيسةِ.

كما أنَّنا نجدُ موقفاً آخرَ في رسالةِ الصومِ للبطريركِ صفير عام 1994 عنوانُها "في العائلة المسيحيّة"، وتحدَّثَ فيها عنِ الزواجِ المدنيِّ بصيغةِ المجهولِ، والقصدُ منْ ذلكَ هوَ عدمُ الإشارةِ بوضوحٍ إلى مَنْ يقفُ وراءَ طرحِ الزواجِ المدنيِّ، بهدفِ تصغيرِه (من يقف وراءه). وقدْ أعربَ البطريركُ في رسالتِه عنْ موقفِه منْ هذا الزواجِ، فقالَ: "... غيرَ أنَّ هناكَ تيّاراتٍ فكريّةً تعتبرُ أنَّ هذا المفهومَ للعيلةِ أصبحَ مفهوماً قديماً، حرصاً منها على تبريرِ صيغٍ أخرى غيرِ شرعيّةٍ للعيلةِ، وهيَ صيغٌ عُرفتْ منذُ القدمِ بأنّها غيرُ ثابتةٍ وترتدي طابعَ التسرّي أيِ المساكنةِ غيرِ الشرعيّةِ. وهذهِ الصيغُ كلُّها، عندما ينتفي عنها طابعُ القداسةِ والديمومةِ والإنجابِ والتربيةِ والتطوّرِ الاجتماعيِّ، لا تُسهمُ في بناءِ العيلةِ والمجتمعِ فقطْ، بلْ تعملُ على تقويضِهما. وقدْ وصفتِ الأممُ المتّحدةُ العيلةَ بأنّها: "بناءُ أصغرِ ديموقراطيّةٍ في قلبِ المجتمعِ" دونَ أنْ تُشدّدَ على طابعِ الديمومةِ الذي تتّسمُ بهِ العيلةُ المسيحيّةُ – الأحاديّةُ. ومنْ أهمِّ قيمِ العيلةِ المسيحيّةِ القداسةُ والديمومةُ والإنجابُ والتربيةُ والتطويرُ الاجتماعيُّ". وفي عظةٍ أخرى أكَّدَ البطريركُ صفيرُ أنَّ انفصالَ الزوجينِ ليسَ منِ اختصاصِ التشريعِ المدنيِّ ليتدخلَ فيهِ، وإنّما هوَ منِ اختصاصِ الكنيسةِ التي تنظرُ في قضايا الشرعِ الإلهيِّ.

وينحو غبطةُ البطريركِ مار بشارة الراعي إلى النهجِ نفسِه، فيعرّفُ الزواجَ بأنَّه "عهدٌ يتمُّ بعقدٍ، ويصبحُ سرّاً بمنحِ المعمَّدينَ النعمةَ الإلهيّةَ الخاصّةَ بهذا السرِّ"، فيمَا يعتبرُ هوَ نفسُهُ الزواجَ المدنيَّ "ينبوعَ ضررٍ لا يُحصى على الأخلاقِ العامّةِ". أمّا موقفُه المباشرُ منْ طرحِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ، فقدْ عبَّرَ عنهُ في حديثٍ معَ جريدةِ اللواءِ معتبراً أنَّ المشروعَ سَيُحدثُ شرخاً بينَ المواطنِ ومرجعيّتِه الدينيّةِ. ويرفضُ الراعي الطرحَ الاختياريَّ للزواجِ المدنيِّ أيضاً، باعتبارِه مُحرّضاً لأبناءِ الطوائفِ المعترفِ بها على نقضِ التزامِهم الدينيِّ.

ويمكنُ تلخيصُ أسبابِ رفضِ الكنيسةِ المارونيّةِ لعقدِ زواجٍ مدنيٍ بالاستنادِ إلى سندٍ دينيٍ وآخرَ اجتماعيٍ بِمَا يلي:

السندُ الدينيُّ:

القائمُ على اعتبارِ الزواجِ المدنيِّ مناقضاً لمفهومِ الأسرارِ الكنسيّةِ وخصوصاً لسرِّ الزواجِ، إنْ منْ ناحيةِ إنشائِه، أوْ منْ ناحيةِ آثارِه كصحّتِه وبطلانِه، فيرى البطريركُ الراعي أنّها صلاحيّاتٌ إلهيّةٌ لا يمكنُ تفويضُها إلى سلطةٍ بشريّةٍ، ويهدّدُ بقطعِ كلِّ مَنْ لمْ يُصحّحْ وضعَه بزواجٍ كنسيٍ لاحقٍ للزواجِ المدنيِّ، منَ الشركةِ الكنسيّةِ ومنَ الأسرارِ الباقيةِ التي تقدّمُها الكنيسةِ. الزواجُ المدنيُّ الوحيدُ الذي يقبلُ بهِ البطريركُ الراعي، هوَ المتعلّقُ بكلِّ مَنْ يخرجُ عنْ قيدِ الطوائفِ التاريخيّةِ أوِ الذينَ لا ينتمونَ إلى دينٍ محدَّدٍ، أوْ جحدوا دينَهم لأنَّ زواجَهم الكنسيَّ يُعدُّ في هذهِ الحالةِ باطلاً بحسبِ القوانينِ الكنسيّةِ. وهذا الزواجُ المقبولُ يبقى بالنسبةِ إليهِ مجرَّدَ بحثٍ نظريٍ، دونَ أنْ يعربَ عنْ دعمِه لإيجادِ آليّةِ تطبيقِه.

السندُ الاجتماعيُّ:

فتنظرُ الكنيسةُ المارونيّةُ إلى أنَّ الزواجِ المدنيِّ في البلادِ العلمانيّةِ التي أقرَّتْه، تركَ أثراً سلبيّاً على حياةِ العائلةِ وساهمَ بانحلالِ الأخلاقِ والقيمِ الروحيّةِ والإنسانيّةِ. وهذا ما ستكونُ عليهِ حالُ لبنانَ في حالِ إقرارِه.

إنَّ عدمَ مقاربةِ الوثائقِ الكنسيّةِ المختصّةِ بالعائلةِ لإشكاليّةِ الزواجِ المدنيِّ، يدفعُنا إلى الظنِّ أنَّ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ على أهمّيّتِه، هوَ شأنٌ محضُ إعلاميٍ، وأذكرُ مثالاً وثيقةَ العائلةِ في المجمعِ البطريركيِّ المارونيِّ لعام 2006، حيثُ لمْ يُذكرِ الزواجُ المدنيُّ بشكلٍ واضحٍ ومتعمَّدٍ في متنِها، بلِ استمرَّتِ الوثيقةُ على ما دأبتْ عليهِ الكنيسةُ المارونيّةُ منْ تشديدٍ على خطابِ الكنيسةِ الموجَّه داخليّاً إلى أبنائِها، حيثُ الزواجُ سرٌّ وعهدٌ مبنيٌّ على الرضى الكاملِ بينَ العروسينِ وعلى بركةِ اللهِ فلا يفصلُ العروسينِ سوى الموتِ.

وقدْ أدلى مجلسُ البطاركةِ والأساقفةِ الكاثوليكِ في لبنانَ عبرَ وثيقةٍ أصدرتْها لجنةُ الشؤونِ القانونيّةِ والمحاكمِ الروحيّةِ، بالموقفِ منْ مشروعِ الرئيسِ الياس الهراوي، قسَّمتِ الوثيقةُ الموقفَ إلى ثلاثةِ أبوابٍ قبلَ البدءِ بشكلٍ مباشرٍ بتفنيدِ مشروعِ الزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ. فخاطبتِ الوثيقةُ أتباعَ الكنيسةِ مستعملةً لغةَ التهديدِ والوعيدِ، لكلِّ مَنْ يقفُ موقفاً انتقائيّاً منْ عقائدِ الكنيسةِ أوْ أسرارِها تحتَ طائلةِ "عدمِ الاستفادةِ منَ الأسرارِ الأخرى التي يدّعي المحافظةَ عليها والتقيّدَ بها". وتعودُ الوثيقةُ فتُدعو في البندِ الثاني إلى طاعةِ "ممثّلي السيّد المسيح"، وتعتبرُ الزواجَ الذي يعقدُه موظَّفٌ رسميٌ بخلافِ الكاهنِ في الزواجِ الدينيِّ، وإنْ تمَّ أمامَ شاهدينِ وكانَ تبادلُ الرضى حرّاً وفقَ صيغةٍ قانونيّةٍ، إنّما يُعتبرُ هذا الزواجُ لاغياً وغيرَ موجودٍ، ووجبَ تصحيحُ الزوجينِ لوضعِهما غيرِ الشرعيِّ، الذي إذا استمرَّ دونَ تصحيحٍ اعْتُبِرَ الزوجانِ منقطعَـيْنِ عنِ الشركةِ القانونيّةِ معَ الكنيسةِ، معَ ما ينتجُ عنها منْ مفاعيلَ روحيّةِ وكنسيّةِ. وبهذا تلوّحُ الوثيقةُ بإمكانيّةِ اعتمادِ قاعدةِ عدمِ تعميدِ الأطفالِ الناتجينَ عنْ عقدِ زواجٍ مدنيٍ، كما كانَ يحصلُ في فترةٍ ليستْ بعيدةٍ في الغربِ. وتقرُّ الوثيقةُ أيضاً بالاعترافِ بالزواجِ المدنيِّ لِمَنْ همْ غيرُ معمَّدينَ إذْ "يتوافقُ الزواجُ المدنيُّ معَ طبيعةِ الزواجِ كما أسَّسَه الخالق"، إلّا أنَّ الكنيسةَ لا تعترفُ لسلطةٍ بشريّةٍ بحقِّ حلِّ العقدِ أوْ فسخِه. وفي البندِ الثالثِ منَ الوثيقةِ، تُعيدُ الكنيسةُ وتكرّرُ ما ذُكِرَ آنفاً، ولكنْ هذهِ المرّةَ عبرَ التطرّقِ إلى مفهومِ حريّةِ المعتقدِ، مستندةً إلى م 9 منَ الدستورِ اللبنانيِّ، أنَّ الدولةَ تضمنُ احترامَ نظامِ الأحوالِ الشخصيّةِ والمصالحِ الدينيّةِ، ما يوجبُ احترامَ رأيِ الكنيسةِ وعدمَ السماحِ بالتحايلِ على القوانينِ وتغييرِ المذهبِ للاستفادةِ منْ أحكامِ الطلاقِ الموجودةِ في المذهبِ الجديدِ. وتذهبُ الوثيقةُ بعيداً في رفضِ الزواجِ المدنيِّ، سواءٌ أكانَ المشروعُ إلزاميّاً أوْ حتّى اختياريّاً. وتُفنّدُ الأسبابَ التي تقفُ وراءَ هذا الرفضِ، وتعدّدُها في أربعةِ أسبابٍ:

1 - التحريضُ على مخالفةِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ للدياناتِ التي يُقرُّ لها القانونُ الصفةَ القانونيّةَ كاليهوديّةِ والمسيحيّةِ والإسلامِ، أوْ توريطُهم بمشاكلِ عدمِ الاعترافِ بطلاقِهم المدنيِّ.
2 - عدمُ أحقّيّةِ إعطاءِ حقِّ الاختيارِ للمواطنينَ لإحكامِ القوانينِ التي يجبُ أنْ تحملَ صفةَ الإلزامِ لجميعِ سكّانِ الدولةِ.
3 - عدمُ جوازِ انحلالِ عقدِ الزواجِ بالطلاقِ في الحالاتِ التي تُخالفُ الشرعَ الإلهيَّ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ وخصوصاً أنَّه يتمُّ على يدِ سلطةٍ بشريّةٍ.
4 - عدمُ الاعترافِ بالطلاقِ المدنيِّ ينسحبُ على جميعِ الذينَ عقدوهُ وفقاً لأحكامِه، وإنْ كانوا غيرَ ملزمينَ بقوانينِ الكنيسةِ، أوْ حتّى لِمَنْ صحَّحَ زواجَه المدنيَّ بآخرَ كنسيٍ، فيبقى الزواجُ قائماً بالنسبةِ إلى الكنيسةِ، أيْ لا يُطْلَقُ حالُهم للزواجِ مرّةً ثانيةً، منْ طرفٍ كاثوليكيٍ داخلَ الكنيسةِ.
5 - إنَّ مشروعَ الزواجِ المدنيِّ يُسهمُ في تفكّكِ الأسرةِ وزعزعةِ استقرارِها، عبرَ تسهيلِ معاملاتِ الطلاقِ، ومثالُ الدولِ المتعلْمِنَةِ خيرُ دليلٍ على التفكّكِ، وعلى التشجيعِ على المساكنةِ الحرّةِ والتنكّرِ للقيمِ الخلقيّةِ والإنسانيّةِ.

إنَّ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ يمثّلُ موضوعاً حسّاساً يضربُ فكرةَ الانتماءِ الدينيِّ المتلازمِ معَ المواطنيّةِ - اللبنانيّةِ، فلا يُكتفى بنصابِ الأكثريّةِ حولَه في مجلسِ الوزراءِ، بلْ يتطلَّبُ ما هوَ فوقَ الإجماعِ، إذْ ينبغي مشاركةُ فئاتِ المجتمعِ منْ مسيحيّينَ ومسلمينَ وموافقتُهم، وإلّا سقطتِ الميثاقيّةُ في لبنانَ التي هيَ جوهرُ كيانِه. وتضمَّنتِ الوثيقةُ تهديداً مباشراً وصريحاً لأتباعِها في حالِ رغبوا بسلوكِ طريقِ الزواجِ المدنيِّ عبرَ إقصائِهم عنِ الأسرارِ فتستعملُ معهم "حنان الأم وحزم المعلمة".

الزواجُ الدينيُّ إلزاميٌ لكلِّ المواطنينَ اللبنانيينَ المؤمنينَ، بينما الزواجُ المدنيُّ الوحيدُ الذي يقبلُ بهِ مجلسُ البطاركةِ الكاثوليكِ في الشرقِ، هوَ الزواجُ المدنيُّ الإلزاميُّ للمواطنينَ غيرِ المؤمنينَ، أوِ الذينَ لا ينتمونَ إلى أيِّ دينٍ، أوْ لِمَنْ أعلنوا صراحةً عدمَ الالتزامِ بدينِهم الأصليِّ كحالةِ بعضِ البلدانِ الغربيّةِ كإسبانيا وكولومبيا.

ثالثاً، موقفُ كنيسةِ الرومِ الملكيّينَ الكاثوليكِ منَ الزواجِ المدنيِّ

تمضي كنيسةُ الرومِ الملكيّينَ الكاثوليكِ قدماً وفقَ مبدأِ رفضِ الزواجِ المدنيِّ جملةً وتفصيلاً، وذلكَ استناداً إلى موقفِ روما منَ الزواجِ المدنيِّ ودعماً لموقفِ الكنيسةِ المارونيّةِ. ويرى المونسنيور الياس رحّال رئيسُ المحكمةِ الروحيّةِ خطراً في الزواجِ المدنيِّ، أوّلاً على مفهومِ السرِّ الدينيِّ المعطى للزواجِ لجهةِ اعتبارِه مجرّدَ عقدٍ كسائرِ العقودِ، وثانياً على إمكانيّةِ فكِّ الرباطِ الزوجيِّ بيدٍ بشريّةٍ بِمَا يتعارضُ بالنسبةِ لهُ معَ الإرادةِ الإلهيّةِ، التي لا تسمحُ إلّا للموتِ بأنْ يفصلَ بينَ الزوجينِ. أمّا بالنسبةِ إلى باقي مكوّناتِ المجتمعِ غيرِ الكاثوليكِ فلا يرى الأبُ رحّال منْ ضيمٍ في أنْ يذهبوا إلى خارجِ لبنانَ لعقدِ زواجِهم، ولا ضرورةَ لقلبِ النظامِ الإلهيِّ منْ أجلِهم. ويُتابعُ الأبُ رحّال عرضَ حجّتِه لرفضِ الزواجِ المدنيِّ، ولكنْ بالاستنادِ إلى قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ لغيرِ المسيحيّينَ، لجهةِ آثارِ الزواجِ المدنيِّ على الإرثِ الذي يتعارضُ معَ الأحكامِ الشرعيّةِ الإسلاميّةِ التي تمنعُ الإرثَ في حالةِ اختلافِ الدينِ.

رابعاً، موقفُ كنيسةِ الأرمنِ الكاثوليكِ منَ الزواجِ المدنيِّ

لمْ يصدرْ موقفٌ رسميٌ منْ كنيسةِ الأرمنِ الكاثوليكِ مغايرٌ لموقفِ الكنيسةِ المارونيّةِ التي في غالبِ الأحيانِ، تُبادرُ بالتعبيرِ عنْ موقفِ جميعِ الكنائسِ الكاثوليكيّةِ في لبنانَ. إلّا أنَّ المطرانَ جورج اسادوريان يستعرضُ موقفَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ الرافضِ لهُ. ثمَّ يعودُ في ختامِ مقالتِه حولَ الأسرةِ والزواجِ المسيحيِّ فيؤكّدُ على حريّةِ الزواجِ دونَ أنْ يكونَ العاملُ الدينيُّ مقيّداً. ويُستشفُّ منهُ ضمناً قبولُه بوجودِ زواجٍ مدنيٍ اختياريٍ في لبنانَ، لكلِّ مَنْ لا ينتمي إيمانيّاً إلى طائفتِه.

المبحثُ الثاني: موقفُ الكنائسِ الأرثوذكسيّةِ والأرثوذكسيّةِ الشرقيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ

تتمتَّعُ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ "الروم الأرثوذكس"، والكنائسُ الأرثوذكسيّةُ الشرقيّةُ أيْ "السريان والأرمن والأقباط الأرثوذكس" المعرفونَ أيضاً في التاريخِ الكنسيِّ بالكنائسِ غيرِ الخلقيدونيّةِ، تتمتَّعُ هذهِ الكنائسُ جميعاً باستقلالٍ مطلقٍ بعضِها عنْ بعضٍ، حيثُ لكلِّ كنيسةٍ بطريركٌ ومجمعُ أساقفةٍ يرعى شؤونَها، واعترافٌ متساوٍ منْ قبلِ الدولةِ بنظامِ الأحوالِ الشخصيّةِ الخاصِّ بكلِّ واحدةٍ منها.

أوّلاً، موقفُ الرومِ الأرثوذكسِ

خُصّصَ للزواجِ بابٌ خاصٌ في قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيِّ هوَ البابُ الثاني. وفي المادّةِ (11) منهُ يُعرَّفُ الزواجُ بأنَّه "سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ، يتمُّ بموجبِه اتّحادُ رجلٍ وامرأةٍ ليتعاونا على الحياةِ الزوجيّةِ وحملِ أعباءِ العائلةِ وتربيةِ الأولادِ، وإنِ اتَّخذَ قانوناً صيغةَ العقدِ".

وتناولَ المطرانُ جورج (خضر) في بحثٍ لهُ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ، وكانَ عرّاباً لطرحِ الزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ في لبنانَ. وانطلقَ في بحثِه منْ مسألةِ النفاقِ الدينيِّ الذي يفرضُه غيابُ قانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ مدنيٍ على الحياةِ الرعائيّةِ. فمنْ أجلِ الزواجِ تُنافقُ الفتاةُ المسلمةُ في إيمانِها المسيحيِّ بغيةَ تنصيرِها، وكذلكَ ينافقُ الرجلُ المسيحيُّ في إشهارِ إسلامِه للسببِ عينِه. لا يخجلُ سيادةُ المطرانِ جورج (خضر) منْ نقدِ المقدَّساتِ والمسلّماتِ التي يُعتبرُ الزواجُ الدينيُّ اليومَ إحداها. فيقبلُ بالزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ صوناً لقدسيّةِ الزواجِ الكنسيِّ الذي لا يجوزُ اقتبالُه شكليّاً منْ دونِ اعتقادٍ داخليٍ صريحٍ وعميقٍ. وفي مقالةٍ بعنوانِ "الزواج المدني"، يسردُ المطرانُ جورج الأسنادَ الدينيّةَ-التاريخيّةَ الداعمةَ لفكرةِ وجودِ زواجٍ مدنيٍ في لبنانَ، لِمَنْ يريدُ إلى ذلكَ سبيلاً:

1 - في بدءِ المسيحيّةِ لمْ يكنْ منْ مفرٍّ لعقدِ زواجٍ بينَ مؤمنٍ ووثنيّةٍ لقلّةِ عددِ المسيحيّينَ.
2 - تشكّلَ طقسُ خدمةِ الإكليلِ في المسيحيّةِ في القرنِ السابعِ.
3 - ما تذكرُه رسائلُ القدّيسِ إغناطيوس (117 م) أنَّ التراضي في الزواجِ أمامَ الأسقفِ معَ شريكٍ غيرِ معمَّدٍ، كانَ يتمُّ منْ دونَ أيِّ صيغةٍ احتفاليّةٍ خاصّةٍ.
4 - يكتفي الأسقفُ بمباركةِ مَنْ عُقِدَ زواجُه أمامَ السلطاتِ الرومانيّةِ.

ثُمَّ يلخّصُ المطرانُ جورج إشكاليّةَ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ، إذْ إنَّ استمرارَ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الحاليِّ يُقيمُ فاصلاً بينَ المسلمينَ والمسيحيّينَ على مستوى القانونِ، أيْ على المستوى الداخليِّ لحكمِ كلِّ منطقة". في كلِّ هذا الطرحِ، لمْ يتخلَّ المطرانُ عنْ جُبّتِه، بلْ أصَرَّ على أنْ يتزوَّجَ المسيحيّونَ في الكنيسةِ. ولمْ "يعتقد بقدسيّة الزواج المدني ولو اعتقد بقانونيّته". غيرَ أنَّ طرحَه للزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ في لبنانَ جاءَ بهِ لينزعَ عنِ الطقوسِ لغةَ السحرِ. ولنْ ندركَ بالتمامِ إذا اتَّحدَ شخصانِ وأصبحا يؤلّفانِ شخصاً واحداً، إلّا في اليومِ الأخيرِ. وقدْ أرادَ المطرانُ جورج إضافةً إلى طرحِه هذا أنْ يدافعَ عنْ كلِّ مَنْ لا يعتقدُ داخليّاً بدينِه، أوْ مَنْ لا تعترفُ الدولةُ اللبنانيّةُ بأحوالٍ شخصيّةٍ خاصّةٍ لهُ، لكيْ ينعمَ في لبنانَ بالحريّةِ، وأنْ يختارَ الانسجامَ بينَ ذاتِه وقناعاتِه وطريقةِ زواجِه. وكتبَ المطرانُ جورج أيضاً في مقالةٍ أخرى وبشكلٍ مباشرٍ تحتَ عنوانِ "لا شيء يمنع المسيحيّ من الزواج المدني".

إنَّ نوعاً منْ تبدّلٍ ضمنيٍ يُلاحظُ على موقفِ كنيسةِ الرومِ الأرثوذكسِ معَ استلامِ البطريركِ يوحنّا العاشرِ سدّةَ البطريركيّةِ، إذْ صدرتْ عنِ المجمعِ المقدَّسِ الأنطاكيِّ وثيقةٌ تُعنى بالعائلةِ وما يدورُ في فلكِها حملتْ عنوانَ "العائلة فرح الحياة". صحيحٌ أنَّ الوثيقةَ لا تُعبّرُ عنْ موقفٍ واضحٍ مُسْتَجَدٍّ منَ الزواجِ المدنيِّ بشكلٍ صريحٍ ومباشرٍ، إلّا أنَّ المصطلحاتِ التي تتضمَّنُها الوثيقةُ تُشيرُ إلى نيّةِ التركيزِ على مفهومِ السرِّ في الزواجِ المقدَّسِ. ونشرتْ دائرةُ الإعلامِ في البطريركيّةِ الأنطاكيّةِ أفلاماً تشرحُ النظرةَ الكنسيّةَ منَ الزواجِ، وتمرُّ على الزواجِ المدنيِّ بحديثٍ واضحٍ رافضٍ لهُ، لكنّها بخطابِها الإعلاميِّ هذا تتوجَّهُ إلى أبناءِ الكنيسةِ حصراً، وتبتعدُ عنِ النظرةِ إلى الزواجِ المدنيِّ كقضيّةِ وطنيّةِ أوْ مطلبٍ دوليٍ.

أمّا على صعيدِ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ العالميّةِ، فتوجَّهَ الاجتماعُ المقدَّسُ لرؤساءِ الكنائسِ الأرثوذكسيّةِ 281، الذي عُقِدَ في شامبيزي منْ 21 إلى 28 كانون الثاني 2016 بالاتّجاهِ نفسِه إلى أبناءِ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ، وبحثَ في موضوعِ الزواجِ، وأفضى إلى أنَّ الكنائسَ الأرثوذكسيّةَ الممثّلةَ لغالبيّةِ العالمِ الأرثوذكسيِّ، تنظرُ بانتباهٍ إلى محاولةِ علمنةِ الزواجِ، أيِ استبدالِ الزواجِ الدينيِّ بزواجٍ مدنيٍ، أوْ بالمساكنةِ. وتنظرُ إلى ذلكَ بريبةٍ وقلقٍ، وتنصُّ في البندِ التاسعِ صراحةً على أنَّ "الزواج المدني بين الرجل والمرأة المسجّل بحسب القوانين لا يتمتّع بصفة أسراريّة، بل يشكّل فعل مساكنة تُقرّ بها الدولة، وهو يختلف عن الزواج المبارك من الله والكنيسة. ويتوجّب ضروريّاً التعاطي بمسؤوليّة رعائيّة، مع أعضاء الكنيسة الذين يعقدون زواجاً مدنيّاً، لكي يدركوا قيمة سرّ الزواج، والبركات التي تأتي عليهم منه". وأُشيرُ هنا إلى أنَّ الكنيسةَ الأنطاكيّةَ وكنيسةَ جورجيا لمْ توقّعا عليهِ لأسبابٍ لا تتعلَّقُ بالوثيقةِ بحدِّ ذاتِها.

ثانياً، موقفُ السريانِ الأرثوذكسِ

تنصُّ المادّةُ 32 منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للسريانِ الأرثوذكسِ على عدمِ اعترافِ الكنيسةِ السريانيّةِ الأرثوذكسيّةِ بعقدِ زواجٍ يعقدُه المنتمونَ إليها سواءٌ بقوّةِ التابعيّةِ الأجنبيّةِ التي اتَّخذوها أوْ بقوّةِ الشرائعِ المدنيّة". وبالرغمِ منَ النصِّ القانونيِّ، يذهبُ المطرانُ جورج صليبا بموقفِه منَ الزواجِ المدنيِّ منحىً داعماً لحقِّ الاختيارِ بينَ الزواجِ المدنيِّ والزواجِ الدينيِّ، وبالتالي يدعمُ المطرانُ فكرةَ اعتمادِ لبنانَ لقانونِ زواجٍ مدنيٍ اختياريٍ، ويستشهدُ بحالاتِ الزواجِ في الغربِ حيثُ الزواجُ المدنيُّ مُلزمٌ، وكيفَ أنَّ المؤمنينَ يستتبعونَ زواجَهم المدنيَّ بآخرَ كنسيٍ دونَ أنْ يشكّلَ هذا العملُ عقبةً أمامَ زواجِهم.

ثالثاً، موقفُ الأقباطِ الأرثوذكسِ

تقفُ كنيسةُ الأقباطِ الأرثوذكسِ موقفاً متشدّداً حيالَ الزواجِ المدنيِّ عموماً. إنَّ ثقلَ الكنيسةِ القبطيّةِ يتواجدُ في مصرَ منْ حيثُ التنظيمُ الكنسيُّ وعددُ الأتباعِ. أمّا في لبنانَ فعددُ الأقباطِ قليلٌ جدّاً. وترعى الكنيسةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ في لبنانَ شؤونَ المهاجرينَ منْ مصرَ والعاملينَ منهم في لبنانَ، وهيَ منْ أواخرِ الطوائفِ التي تمَّ الاعترافُ بشخصيّتِها المعنويّةِ معَ الرئيسينِ الهراوي والحريري. وتسمحُ المؤسَّسةُ الكنسيّةُ القبطيّةُ عادةً لأبنائِها حيثما وُجِدوا، وفي حالِ لمْ يكنْ لها في هذا البلدِ تنظيمٌ كنسيٌ خاصٌ، اللجوءَ إلى الكنيسةِ الشقيقةِ السريانيّةِ بغيةَ إتمامِ معاملاتِهم الشخصيّةِ. وهكذا كانَ الحالُ إلى حينِ صدورِ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ وأصولِ المحاكماتِ لطائفةِ الأقباطِ الأرثوذكسِ الصادرِ في 11 أيلول 2010.

ويُقْسَمُ موقفُ الكنيسةِ القبطيّةِ اليومَ منَ الزواجِ المدنيِّ إلى قسمينِ، الأوّلُ، يطالُ نطاقَ أبناءِ الكنيسةِ في مصرَ. والثاني، يطالُ الجاليةَ القبطيّةَ في بلدانِ الاغترابِ حيثُ الزواجُ المدنيُّ ملزمٌ بقوّةِ القانونِ. ولذلكَ، يمكننا إدراجُ رأيِ الكنيسةِ القبطيّةِ الأرثوذكسيّةِ في لبنانَ ضمنَ القسمِ الثاني المذكورِ آنفاً، أكثرَ منِ اعتبارِه تعاطياً في الشأنِ الداخليِّ اللبنانيِّ.

وتُطَبَّقُ المحاكمُ المدنيّةُ حاليّاً في مصرَ الشريعةَ الإسلاميّةَ على المسيحيّينَ في الميراثِ، وفي الزيجاتِ المختلطةِ دينيّاً بينَ الطوائفِ المسيحيّةِ، ما يخلقُ نوعاً منِ اعتراضٍ داخليٍ على عدمِ وجودِ قانونٍ خاصٍّ ينبعُ منَ الطوائفِ المسيحيّةِ ومرجعيّاتِها الدينيّةِ أسوةً بالطوائفِ الإسلاميّةِ. وتعملُ الحكومةُ المصريّةُ منذُ 2014 معَ الكنائسِ المسيحيّةِ والتعديلاتِ الدستوريّةِ على إصدارِ قانونٍ موحَّدٍ لجميعِ الطوائفِ المسيحيّةِ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ، ولمْ تنشرِ الحكومةُ مسودَّةَ هذا القانونِ، بلْ تعاملتْ معَه بسريّةِ تامّةٍ، ما عطَّلَ درسَه ومناقشتَه منْ قِبلِ المجتمعِ الأهليِّ.

اعتمدتِ الكنيسةُ القبطيّةُ منذُ أيّامِ البابا شنودة ومعَ البابا تواضروس موقفاً ثابتاً يرفضُ مبدأَ الزواجِ المدنيِّ، ويعتبرُ مَنْ يلجأُ إليهِ في حالةِ زنىً. وتُعيدُ الكنيسةُ القبطيّةُ اليومَ التأكيدَ على ثوابتِها لجهةِ اعتبارِ الزواجِ سرّاً منْ أسرارِ الكنيسةِ التي لا ينبغي لسلطةٍ بشريّةٍ التدخّلُ فيها. تعملُ الكنيسةُ القبطيّةُ إذاً اليومَ على إصدارِ قانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ، تطغى عليهِ صبغةُ الكنيسةِ القبطيّةِ الأرثوذكسيّةِ ونظرتُها إلى الزواجِ وأحكامِه وحالاتِ الطلاقِ التي تسمحُ بها. وهذا القانونُ سيطبقُ على جميعِ الكنائسِ الإنجيليّةِ أوِ الأقباطِ كاثوليك وغيرِها منَ الكنائسِ المسيحيّةِ الموجودةِ في مصرَ.

فرضَ واجبُ إصدارِ قانونٍ موحَّدٍ لجميعِ المسيحيّينَ في مصرَ، أنْ تتخلّى الكنيسةُ القبطيّةُ عنْ تبنّي مشروعِ القانونِ الموحَّدِ، كما فرضَ عليها التوسّعَ في مفهومِ الحالاتِ التي ينطبقُ عليها حكمُ الطلاقِ، الذي لمْ تكنْ تُقرُّ بهِ إلّا في علّةِ الزنى. فنصَّتْ على ما يُعتبرُ في حكمِ الزنى كالمكالماتِ الهاتفيّةِ والتعارفِ عبرَ منصّاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ. ويُمْكِنُ القياسُ على هذا التوسّعِ للقولِ بإمكانيّةِ الموافقةِ على الزواجِ المدنيِّ، فيمَا لوْ رأتْ لنفسِها مصلحةً في ذلكَ. وقدِ اقتصرتِ المناقشاتُ حولَ المشروعِ الموحَّدِ على مندوبينَ منَ الكنائسِ القبطيّةِ الأرثوذكسيّةِ والكاثوليكيّةِ والإنجيليّينَ، فيمَا لمْ يُدْعَ ممثّلو باقي الطوائفِ المسيحيّةِ إلى مناقشةِ القانونِ، ولمْ تصدرْ عنهم أيُّ موافقةٍ عليهِ، لعِلْمِهم بالمشروعِ عبرَ وسائلِ الإعلامِ. ومنْ أبرزِ الطوائفِ التي لمْ تُدْعَ إلى جلساتِ النقاشِ، طائفةُ الرومِ الأرثوذكسِ وبعضُ الكنائسِ الإنجيليّةِ المستقلّةِ، ما يُؤشّرُ إلى أنَّ النقاشَ في مسألةِ الزواجِ المدنيِّ في مصرَ سيُؤجَّلُ إلى حينٍ.

المبحثُ الثالثُ: موقفُ الكنائسِ البروتستانتيّةِ منَ الزواجِ المدنيِّ

يهتمُّ المجمعُ الأعلى للطائفةِ الإنجيليّةِ في سوريا ولبنانَ بشؤونِ أتباعِ الكنائسِ الإنجيليّةِ. ويضمُّ المجمعُ سبعَ عشرةَ كنيسةً إنجيليّةً. ويرجعُ وجودُ الإنجيليّينَ أوِ البروتستانتِ في لبنانَ إلى عام 1823. وهمْ كسائرِ الطوائفِ التاريخيّةِ في لبنانَ منذُ أيّامِ العثمانيّينَ حصلوا على اعترافٍ بملّتِهم (1848) فكانَ لهمْ معَ استقلالِ لبنانَ تشريعُهم الخاصُّ بمسألةِ الأحوالِ الشخصيّةِ ومنْ ضمنِها الزواجُ. ويسعى اليومَ، الكثيرُ منَ الكنائسِ الإنجيليّةِ إلى تأسيسِ كنائسَ لهمْ في لبنانَ والمنطقةِ العربيّةِ، ولكنَّهم في ظلِّ الظروفِ الراهنةِ، لمْ ينضمّوا جميعُهم إلى المجمعِ الأعلى للطائفةِ الإنجيليّةِ.

الزواجُ في تعاليمِ الكنيسةِ الإنجيليّةِ في لبنانَ، عقدٌ يجري بينَ ذكرٍ وأنثى، ويُقصدُ منهُ الاقترانُ الجنسيُّ الطبيعيُّ، والاشتراكُ في المعيشةِ العائليّةِ مدى العمرِ، ويأخذُ زواجُ آدمَ وحواءَ الذي تمَّ دونَ وجودِ رجلِ دينٍ أوْ شاهدينِ أوْ خاتمٍ أوْ صيغةٍ احتفاليّةٍ، كمثالٍ لتحرّرِ الزواجِ منَ الروابطِ التي تُعتبرُ وليدةَ ظرفٍ تاريخيٍ، وليستْ منْ جوهرِ مفهومِ الزواجِ، وإنْ أملتِ الضوابطُ القانونيّةُ الحاليّةُ ما يفيدُ بضرورةِ استعمالِ هذا الإطارِ أوْ ذاكَ، الذي يفرضُه القانونُ في بلدٍ ما، أوِ العاداتُ الاجتماعيّةُ في البيئاتِ المتعدّدةِ.

كانتِ الكنائسُ الإنجيليّةُ منْ أولى الكنائسِ التي عايشتْ قضيّةَ انفصالِ الدينِ عنِ الدولةِ وتبنّتْها وصاغتْ قوانينَها وفقَ هذا الأساسِ. ويجدُ القسيسُ حبيبُ بدر فرصةً في إقرارِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ لأنَّه سيُسهمُ في علمنةِ الدولةِ في لبنانَ، وبالتالي سيسمحُ لأتباعِ الطائفةِ فُرصَ عملٍ رسميّةٍ، أكثرَ منْ تلكَ التي يُقدّمُها لهم قانونُ الانتخاباتِ النيابيّةِ أوْ وظائفُ الفئةِ الأولى حيثُ يُعاملُ الإنجيليّونَ وفقَ منطقِ حصّةِ الأقلّيّاتِ.

لا تعترفُ الكنائسُ الإنجيليّةُ بالزواجِ على أنَّه سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ، بلْ هيَ تعتبرُه عقداً يتطلَّبُ منها فقطْ مباركتَه. ولا يُنقصُ عدمُ إسباغِ الصفةِ الأسراريّةِ على طقسِ الزواجِ، منْ نظرةِ الكنائسِ الإنجيليّةِ إلى الأمانةِ وقدسيّةِ الزواجِ. وقدْ لعبتْ هذهِ الكنائسُ دوراً حاسماً في دفعِ التشريعاتِ المدنيّةِ قدماً في الغربِ. تقبلُ الكنائسُ الإنجيليّةُ إذاً بالزواجِ المدنيِّ، إذْ ليسَ منْ زواجٍ دينيٍ موجوداً عندَها في الأصلِ.

نحو لاهوتٍ مسيحيٍ يتجانسُ معَ مفهومِ الزواجِ المدنيِّ

فُرِضَ على اللاهوتِ المسيحيِّ أنْ يتعايشَ معَ الزواجِ المدنيِّ عالميّاً ولأكثرَ منْ مائةِ عامٍ، وخصوصاً في البلادِ التي تفرضُ الالتزامَ بالزواجِ المدنيِّ كشرطٍ أوّليٍ لإتمامِ عقدِ الزواجِ. وصحيحٌ أنَّ الزواجَ المدنيَّ عادَ مؤخَّراً واقتنصَ فرصةَ استقطابِ الأتباعِ منْ يدِ السلطةِ الدينيّةِ، التي كانتْ قدِ استأثرتْ بأحاديّةِ الزواجِ بشكلٍ مطلقٍ، إلّا أنَّ تطوّرَ العلاقةِ بينَ كلٍّ منَ السلطتينِ عرفَ تقدّماً كبيراً عبرَ الزمنِ، وتحوَّلتِ المواجهةُ منْ حالةٍ مباشرةٍ بينهما، إلى إمكانيّةِ التقاربِ الموضوعيِّ بغيةَ استفادةِ كلٍّ منهما منَ الآخرِ، وبدلاً منَ التراشقِ وتبادلِ الاتّهاماتِ وتكفيرِ كلِّ منظومةٍ للأخرى، أصبحَ بالإمكانِ العملُ معاً نحو تحقيقِ مزيدٍ منَ الحريّاتِ، التي بدورِها تُسهمُ بخلقِ جوٍ أفضلَ للسلمِ العالميِّ.

لا يغيبُ اللهُ عنْ أيِّ عقدِ زواجٍ، وإنْ لمْ يُذكرْ فيهِ صراحةً، فسرُّ العلاقةِ معَ اللهِ ينبعُ منْ عمليّةِ اكتشافِ حضورِه وسطَ العالمِ. وبما أنَّ اللهَ موجودٌ بذاتِه، سواءٌ ذُكِرَ اسمُه أمْ لمْ يُذكرْ، تبقى هناكَ غيرةٌ روحيّةٌ للملتزمِ دينيّاً تطلبُ إقحامَ اللهِ في كلِّ تفاصيلِ الحياةِ. فاللهُ إذاً مرافِقٌ لنا في يوميّاتِنا وذلكَ منبعُه، وجوهرُ هذا النبعِ نجدُه في الحبِّ الإلهيِّ لا في الطقوسِ. واللهُ يقدّسُ حياةَ العالمِ بأكملِها. وهوَ ليسَ حكراً خاصّاً للمسيحيّينَ، فالجميعُ همْ أبناؤه، وهوَ يباركُ جميعَ الأعمالِ ومنْ ضمنِها التزاوجُ، سواءٌ وعى الإنسانُ ذلكَ أمْ لمْ يعِ.

صحيحٌ أنَّ فكرةَ الزواجِ تُبنى على أساسِ ديمومةِ العقدِ، أيّ إنَّه بطبيعتهِ ليسَ عقداً محدَّداً لأجلٍ مُعيّنٍ، غيرَ أنَّنا نلاحظُ أنَّ في الخطبةِ تقارباً أوسعَ معَ المفهومِ المدنيِّ، إذْ إنَّ الخطبةَ هيَ العقدُ الممهّدُ للزواجِ، وإذا ما أُبْطِلَ فهو يحدّدُ التعويضَ عنهُ ببدلٍ، ولا يُجبرُ الطرفُ المنفصلُ عنهُ على الزواجِ بأيِّ حالٍ. ودعوى التعويضِ هذهِ تسقطُ بمرورِ الزمنِ، وهيَ سنتانِ في القوانينِ كاثوليكيّةِ، وسنةٌ عندَ القوانينِ الأرثوذكسِيةِ والإنجيليّةِ. وعبارةُ "مرور الزمن" هذهِ، هيَ مفهومٌ مدنيٌ بَحْتٌ، يقومُ على أساسِ احترامِ الانتظامِ العامِّ، وينتجُ منْ مبدأِ ضمانِ استقرارِ المعاملاتِ بينَ الناسِ. والخطبةُ هيَ تعهّدٌ للمستقبلِ بينما الزواجُ هوَ تعهّدٌ لزمنِ الحاضرِ، وهذا يبيّنُ الفرقَ في الالتزامِ بينهما، ويعطي مثالاً على كيفيّةِ استفادةِ كلِّ منظومةٍ دينيّةِ منَ القواعدِ المدنيّةِ.

يقومُ الزواجُ كما هوَ معروفٌ، على ثلاثةِ مفاهيمَ هيَ السرُّ والعهدُ والعقدُ. وتنظرُ الكنيسةُ الشرقيّةُ إلى الزواجِ على أنَّه سرٌّ يُشبهُ ارتباطَ المسيحِ بعروستِه الكنيسةِ، ويستلهمُ منْ علاقةِ المسيحِ بالكنيسةِ منهجاً ليسلكَ بموجبِه في هذهِ الحياةِ. وهذا يتطلَّبُ نموّاً مُطَّرداً للبلوغِ على قدرِ قامةِ المسيحِ. إنَّه "سرٌّ"، أيْ إنَّه تعبيرٌ ظاهريٌ عنْ حقيقةِ حضورِ الروحِ القدسِ الذي يحقّقُ أسرارَ الكنيسةِ. والسرُّ يعلنُ الزواجَ أداةَ خلاصٍ للعائلةِ والاتّحادِ الزوجيِّ، وإنّما يصبو إلى مكانٍ أبعدَ حيثُ تتعمَّقُ الخبرةُ الروحيّةُ والنظرةُ إلى المسيحِ عبرَ العلاقةِ الزوجيّةِ وتربيةِ الأولادِ. أمّا التقليدُ الغربيُّ، فتأثَّرَ بالفكرِ الحقوقيِّ للزواجِ، وبالنظرةِ إليهِ على أنَّه نوعٌ منْ أنواعِ العقودِ التي تقومُ على قاعدةِ تبادلِ الرضى بينَ طرفيِ العقدِ. ويُنظرُ في الكنيسةِ الشرقيّةِ إلى السرِّ على أنَّه مشروعٌ يتجلّى في نهايتِه عندَ الوصولِ إلى الملكوتِ. أمّا في التقليدِ الغربيِّ فتتركَّزُ النظرةُ على صيرورتِه وتحقيقِه في الحاضرِ.

تتابعُ الكنيسةُ عبرَ بُعْدٍ رعائيٍ المستجدّاتِ التي تُطرحُ على ضميرِ المؤمنِ، والتي لا تُحاكيها النصوصُ التقليديّةُ للإيمانِ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ. ويُسهمُ هذا البعدُ الرعائيُّ في توسيعِ دائرةِ النصِّ القانونيِّ الجافِّ والمقيّدِ بأطرٍ محدَّدةٍ. ومنْ بينِ الحالاتِ التي يقفُ أمامَها الزواجُ الدينيُّ عاجزاً، هيَ تلكَ المرتبطةُ بالزواجِ المختلطِ وخصوصاً في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، حيثُ الصوتُ المارونيُّ في لبنانَ، هوَ الأكثرُ معارضةً لأيِّ نوعٍ منْ أنواعِ الطروحاتِ حولَ الزواجِ المدنيِّ. وهذا سيكونُ في فقرةٍ خاصّةٍ، وسأعودُ في فقرةٍ أخيرةٍ إلى إبرازِ قضيّةِ الزواجِ على مستوى العملِ المسكونيِّ كنموذجٍ للعملِ معاً، كفريقٍ واحدٍ، نحو مراعاةِ الخصوصيّةِ المشرقيّةِ عموماً واللبنانيّةِ خصوصاً.

أوّلاً، الزواجُ المدنيُّ ومفهومُ البركةِ الروحيّةِ

ربُّ الأسرةِ في المسيحيّةِ هوَ اللهُ. ويدعوهُ المسيحيّونَ صراحةً أباً بتدلّلٍ ظاهرٍ، كما علَّمَهم يسوعُ ربُّهم، ويعودونَ إليهِ في قراراتِهم كلِّها. بمعنى أنّهم لا يعتبرونَ أنَّ شيئاً يخصُّهم لا علاقةَ للهِ بهِ. وإليهِ، أيْ للآبِ، تعودُ الحكمةُ والسلطةُ الكاملةُ في تقريرِ الحياةِ وما يشكّلُها، ومنْ هنا نتوقَّفُ عندَ بركةِ الزواجِ. وقدْ أخذَ مفهومُ البركةِ معَ الوقتِ، شكلَه الشرعيَّ الذي بهِ يشعرُ المؤمنُ بأنَّه أقدمَ على عملٍ صائبٍ. ويتلقّى المؤمنُ هذهِ البركةَ الإلهيّةَ منْ يدِ الأسقفِ أوْ مَنْ ينوبُ عنهُ منَ الكهنةِ.

ارتبطَ الزواجُ بمفهومِ "البركة" منذُ العهدِ القديمِ، وترادفتِ العبارتانِ، لا بلْ أصبحَتِ الواحدةُ تعني الأخرى "أباركك وأكثر نسلك" (تكوين 22: 17 - 18)، وأيضاً و"يتبارك في نسلك جميع أمم الأرض". ويترافقُ العكسُ أيضاً، ففقدانُ الواحدةِ يدلُّ على فقدانِ الأخرى، كمثلِ ارتباطِ العقمِ بِمَا يناقضُ البركةَ أيِ اللعنةَ. وقدِ اصطلحَ أدبُ العهدِ القديمِ على هذا الترابطِ، فتقومُ البركةُ على توحيدِ ثلاثةِ أبعادٍ بعضِها معَ بعضٍ. فبركةُ اللهِ تحلُّ على ارتباطِ الزوجينِ، وتظهرُ علامتُها في البنينَ، فيشيرُ عدمُ الإنجابِ إلى غيابِ البركةِ الإلهيّةِ وأيضاً إلى الموتِ. ومنْ هنا النظرةُ الشعبيّةُ إلى "من خلّف ما مات".

وكانَ الإنجابُ إحدى أقدمِ علاماتِ القيامةِ، وتأكيداً على هذهِ الأهمّيّةِ. وقدْ سُمِحَ بتعدّدِ الزوجاتِ في العهدِ القديمِ بغيةَ الإنجابِ أكثرَ، فالإنسانُ يُثَمَّنُ بعددِ أولادِه. ولتخليدِ ذكرى إنسانٍ، كانَ على أخِ المتوفّى إقامةُ نسلٍ لأخيهِ (مع أنّه من صلبه) عبرَ الزواجِ منْ أرملةِ أخيهِ، فشكَّلَتْ إقامةُ نسلٍ للأخِ المتوفّى علامةً وصورةً للقيامةِ. ولا عجبَ أنْ يعرضَ الإنجيليّونَ الإزائيّونَ هذهِ المعضلةَ أمامَ يسوعَ: "ففي الملكوت لمن تكون امرأة صاهرت سبع إخوة؟" لكنَّ اهتمامَ يسوعَ صبَّ في الإعلانِ عنِ الملكوتِ والقيامةِ حيثُ لا يُزوّجونَ ولا يتزوّجونَ.

ظهرتِ المسيحيّةُ في بيئةٍ متعدّدةٍ غيرِ منعزلةٍ، ثمَّ امتدَّتْ إلى شعوبِ المسكونةِ كلِّها. وكانتْ لكلٍّ منَ الشعوبِ التي قبلتْها ثقافتُها وتقاليدُها الاجتماعيّةُ، وخصوصاً المراحلُ المُسيرةُ إلى الزواجِ، التي كانتْ تُعتبرُ عموماً قراراً عائليّاً يعودُ إلى ربِّ الأسرةِ أوْ زعيمِ القبيلةِ حصراً. معَ انطلاقةِ الكنيسةِ، كانَ عددُ المسيحيّينَ قليلاً. وكنتَ ترى ضمنَ العائلةِ المسيحيّةِ الواحدةِ بعضاً منْ أعضائِها قدْ آمنَ، فيمَا بعضُهم الآخرُ بقيَ غيرَ مؤمنٍ. لذا لمْ تفصلِ الكنيسةُ معَ بدءِ انطلاقِها، بينَ الزيجاتِ المعقودةِ (1 كورنثوس 7: 12). بلْ قَبِلَتْها على ما هيَ عليهِ، أرستْ تقليداً يذكرُه بولسُ أنْ يكونَ الزواجُ في الربِّ (1 كورنثوس 7: 39)، أيْ إنَّه فضَّلَ أنَّ يتزوَّجَ المؤمنُ بمؤمنةٍ.

وكانَ المسيحيّونَ الأوّلونَ يعتمدونَ عقدَ الزواجِ المتّبعِ في المدنِ التي يحيونَ فيها، ثمَّ يعلنونَ زواجَهم في القدَّاسِ الإلهيِّ الذي يؤمُّه الأسقفُ. وشدَّدَ إغناطيوسُ الأنطاكيُّ على الحصولِ على بركةِ الأسقفِ، في رسالتِه إلى بوليكاربوس "أسقف سميرنا"، مُعْتَبِراً بركةَ الأسقفِ علامةً على موافقةِ الزواجِ لمشيئةِ الربِّ. ويذكرُ القدّيسُ يوحنّا الذهبيُّ الفم (القرن الرابع) أنَّ "الزواج يصبح شرعيّاً من خلال العمل بالقانون أو بالعُرف". أمّا العلّامةُ ترتليانوسُ، فيشيرُ إلى بركةِ الأسقفِ التي تُمْنَحُ للزوجينِ أثناءَ اشتراكِهما في القدَّاسِ الإلهيِّ، وبعدَ تسجيلِ زواجهما في السجلِّ المدنيِّ.

لمْ تأخذْ رتبةُ الزواجِ الدينيِّ المسيحيِّ، شكلَها الأوّليَّ، إلّا بعدَ مرورِ عشرةِ قرونٍ على انطلاقِ الكنيسةِ. وعندئذٍ أخذَ الزواجُ حلّةً خاصّةً كخدمةٍ طقوسيّةٍ، بعدَ التعديلِ التشريعيِّ الذي أصدرَه الإمبراطورُ لاون السادس في مطلعِ القرنِ العاشرِ. ولكنَّنا لا نرى، في الغربِ المسيحيِّ، رتبةً طقوسيّةً للزواجِ ملزمةً قانوناً قبلَ القرنِ الثاني عشرَ. وعليهِ، فإنَّ تقديمَ الكنيسةِ للبركةِ كما باركَ يسوعُ عرسَ قانا، ليسَ انتقاصاً أوْ تراجعاً عنْ صلاحيّتِها وإنّما هوَ تأكيدٌ لرسالتِها ولمرافقتِها للعائلةِ.

حتّى لوِ اختلفتْ طبيعةُ كلٍّ منَ الزواجِ المدنيِّ والزواجِ الكنسيِّ، إلّا أنَّه ليسَ ضروريّاً اعتبارُهما نقيضينِ تماماً، فالارتباطُ هوَ أولى المراحلِ، أمّا بلوغُ القداسةِ عنْ طريقِ الزواجِ هوَ المبتغى الأسمى الذي يتطلَّبُ توفيرُه التقاءَ ثلاثِ إراداتٍ: الإرادةُ الإلهيّةُ معَ إرادةِ كلٍّ منَ الزوجينِ، على هدفٍ واحدٍ. فالحديثُ إذاً عنْ "بركة الكنيسة للزواج" لا ينقصُ منْ رؤيتِها لهُ، ولا يجعلُها في مرتبةٍ أدنى، بلْ على العكسِ كليّاً، يأخذُ بمفهومِ البركةِ ويفتحُ البابَ واسعاً أمامَ دعوةِ الكنيسةِ عموماً والزوجينِ خصوصاً، للاتّحادِ باللهِ بحريّةٍ وبمسعىً مستمرٍّ. هذا منْ جهةٍ أمّا منَ الجهةِ الأخرى، فإنَّ مفهومَ البركةِ يفتحُ المجالَ واسعاً أمامَ خطابِ الكنيسةِ ليطالَ مَنْ يحيونَ داخلَها وخارجَها أيضاً، وفقَ أسسٍ وقيمٍ مختلفةٍ، فالزواجُ مسيرةٌ، وليسَ محطّةً واحدةً، وهوَ ليسَ بحكمٍ أبديٍ لا يخضعُ لعمليّةِ استئنافٍ فيهِ.

إطارُ مباركةِ الزواجِ

معَ بداياتِ المسيحيّةِ، لمْ يكنْ موضوعُ طلبِ بركةِ الزواجِ منَ الكنيسةِ أمراً مقونناً ومحدَّداً منْ حيثُ ترتيبُ الإجراءاتِ، بلْ كانَ يُنظرُ إلى الزواجِ كقيمةٍ مستقلّةٍ بحدِّ ذاتِه. أيْ إنَّ الاتّحادَ بينَ الرجلِ والمرأةِ هوَ بحدِّ ذاتِه سرٌّ منْ أسرارِ الحياةِ، التي رفعتْها الكنيسةُ ورتّبتْها لتأخذَ هويّةً وطابعاً مستقلاً قائماً بذاتِه. وكانَ شكلُ مباركةِ العرسِ يتجسّدُ في الحصولِ على البركةِ منَ الأسقفِ عندَ الاشتراكِ في سرِّ الإفخارستيّا، حيثُ كانَ العروسانِ يسيرانِ وراءَ بعضِهما، ويتناولانِ منَ المقدَّساتِ قبلَ أيِّ مشتركٍ منَ المؤمنينِ كعلامةٍ على الارتباطِ. وكانَ يتمُّ هذا كلُّه بعدَ تسجيلِ زواجهما في السجلِّ المدنيِّ الخاصِّ الذي فرضتْه الإمبراطوريّةُ الرومانيّةُ. وقدْ تبنَّتِ الكنيسةُ إجراءَ التسجيلِ المدنيِّ، حتّى أصبحَتِ الأولويّةُ في تسجيلِ الزواجاتِ في سجلاّتِ الدولةِ، لا في سجلِّ ملكوتِ السماواتِ. وكانتْ بركةُ الأسقفِ اللاحقةُ لمعاملاتِ الزواجِ توثّقُ إمكانيّةَ الزواجِ دونَ صيغةٍ كنسيّةٍ محدَّدةٍ، ودونَ اشتراطِ تواجدِ رجلِ دينٍ عندَ إتمامِ الزواجِ، فيُكتفى بالبركةِ التي تُقامُ ضمنَ الاجتماعِ الأسبوعيِّ منْ دونَ أنْ يكونَ لها طقسٌ معيَّنٌ أوْ ترتيباتٌ خاصّةٌ. وقدِ استعملتِ الكنيسةُ الاجتماعَ الإفخارستيَّ الأسبوعيَّ كمكانٍ للاتّحادِ بالربِّ، وكمناسبةٍ احتفاليّةٍ لانضمامِ عضوٍ جديدٍ بالمعموديّةِ، أوْ لتكريسِ رجلِ دينٍ في سرِّ الكهنوتِ أيضاً. وهذانِ السرّانِ (المعموديّة والكهنوت) يتمتّعانِ بترتيباتٍ ليتورجيّةٍ خاصّةٍ بهما منذُ القديمِ، وهذا ما لمْ نجدْه في الزواجِ. وطالما أنَّ علاقةَ المسيحِ بالكنيسةِ تلبسُ عباءةَ العرسِ، فإنَّ القدَّاسِ الإلهيَّ يُعتبرُ أيضاً خدمةَ عرسٍ بحدِّ ذاتِه، بينَ العروسينِ اللَّذينِ يتّحدانِ معَ بعضِهما، وأعني بهما يسوعَ والكنيسةَ. وعلى هذهِ الصورةِ ولهذهِ الأسبابِ، تمَّ اختيارُ القدَّاسِ الإلهيِّ كمكانٍ لإضفاءِ البركةِ الروحيّةِ على مَنْ تزوّجا أصلاً وفقَ الشرائعِ المدنيّةِ. فيقومُ مفهومُ البركةِ الروحيّةِ إذاً على عملٍ بسيطٍ لاحقٍ للزواجِ، وهوَ قدومُ المتزوّجينَ منْ بعدِ عقدِ زواجِهم القانونيِّ أمامَ المرجعِ المختصِّ، والوقوفُ أمامَ رجلِ الدينِ لطلبِ البركةِ، التي هيَ عبارةً عنْ صلاةٍ خاصّةٍ مختصرةٍ، تُطْلَبُ فيها حضورُ بركةِ الربِّ على طالبيها اللَّذينِ أتَمّا ما تقتضيهِ القوانينُ الوضعيّةُ منْ معاملاتٍ وتسجيلٍ، فيكونُ دورُ

الكنيسةِ هو الصلاةُ للعروسينِ، ومرافقةُ الكنيسةِ لحياةِ الزوجينِ الروحيّةِ بمختلفِ مراحلِها، وليسَ منْ أجلِ صحّةِ العقدِ أوْ إشهارِه أوِ الاعترافِ بهِ علناً.

ثانياً، قراءةٌ رعويّةٌ للزواجِ المدنيِّ

إنَّ رعويّةَ الزواجِ تُشيرُ إلى المنظورِ الخاصِّ الذي تتعاملُ بهِ الكنيسةُ معَ القضايا المعاصرةِ والآنيّةِ. وقدْ ساهمتْ رعويّةُ العائلةِ في تطويرِ نظرةِ الكنيسةِ لحقوقِ العائلةِ حيثُ كانتْ تقومُ في بداياتِ الكنيسةِ على الشرعِ الرومانيِّ. إلّا أنَّ القضايا الأخلاقيّةَ أصبحتْ تواجِهُ الفكرَ اللاهوتيَّ بتماسٍ أكبرَ، كمسألةِ تعدّدِ الزوجاتِ، والمثليّةِ الجنسيّةِ، ووفاةِ الأطفالِ حديثي الولادةِ، كلُّ هذهِ الأسبابِ ساعدتْ في تكوينِ نظامٍ حقوقيٍ خاصٍّ يقومُ على الخبرةِ المسيحيّةِ. وقدْ سكبَ صعودُ الكنيسةِ وإمساكِها بزمامِ السلطةِ السياسيّةِ تلكَ الرعويّةَ بقالبٍ قانونيٍ محدَّدٍ، واكتسبتْ بدورِها تلكَ القوانينُ الصفةَ العالميّةَ، نظراً لاتّساعِ رقعةِ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ. تتميّزُ مجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الكاثوليكيّةِ الشرقيّةِ عنِ القانونِ الكنسيِّ الغربيِّ، باستبدالِ عبارةِ "حق" بعبارةِ "احتفال" والتركيزِ على "الوثاق السري" بدلاً منْ "زواج مقرر". وهذا الأمرُ يفيدُنا منْ حيثُ مدى إمكانيّةِ توسّعِ المشرّعِ الكنسيِّ في الصياغةِ القانونيّةِ الكنسيّةِ، لكيْ تُحاكيَ واقعَ وخصوصيّةَ الكنائسِ الشرقيّةِ، التي تميلُ إلى القاموسِ الروحيِّ عوضاً عنِ القاموسِ القانونيِّ. وأعادَ تركيزُ المجمعِ الفاتيكانيِّ الثاني على القراءةِ الرعويّةِ سكبَ رأيِ الكنيسةِ في مَنْ يعقدونَ زواجاً مدنيّاً، بلهجةٍ مخفَّفةٍ وغيرِ حادّةٍ في حقّهم، بعدَ أنْ كانتْ تعاقبُهم عقوبةً شديدةً، عبرَ إقصائِهم عنِ المناولةِ المقدَّسةِ، وحرمانِهم منْ صلاةِ الجنازةِ وكلِّ اشتراكٍ في أيٍّ منَ الصلواتِ الكنسيّةِ. وقدْ شدَّدَ البابا يوحنّا بولسُ الثاني عبرَ دعوتِه الأساقفةَ إلى عدمِ وضعِ جميعِ الناسِ في سلّةٍ واحدةٍ، وأنَّ على الأسقفِ التمييزَ بينَ الحالاتِ. ومعَ صدورِ قانونِ الحقِّ الكنسيِّ العائدِ لعام 1983، تمَّ إسقاطُ جميعِ العقوباتِ الجزائيّةِ عنْ طرفيِ الزواجِ المدنيِّ، فأصبحَ بذلكَ خطابُ الكنيسةِ الرعويُّ أكثرَ تقبلاً ممّا كانَ قبلاً.

وصفَ البابا يوحنّا بولسُ الثاني لبنانَ في رسالتِه الرسوليّةِ إلى جميعِ أساقفةِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ حولَ الوضعِ في لبنانَ في 7 أيلول 1989، مشدّداً على دورِه الخاصِّ على صعيدِ الحياةِ المشتركةِ بينَ الأديانِ. ثمَّ عادَ وأكّدَ على دقائقِ هذا المعنى عبرَ الإرشادِ الرسوليِّ "رجاء جديد للبنان" عام 1997 أيْ "وطن الرسالة"، وكيفَ أنَّ العلاقاتِ المسيحيّةِ – المسيحيّةِ عليها أنْ تُحاكيَ ألمَ المرتبطينَ "برباط مختلط" فلا يتألّمونَ معَ أولادِهم مِمّا يتجاذبُهم منْ عقائدَ مختلفةٍ أوْ عاداتٍ اجتماعيّةٍ متضاربةٍ نتيجةَ انقسامِ الكنائسِ. لكنَّ القوانينَ تكونُ خيرةً بمقدارِ ما تسمحُ بمعالجةِ مشاكلِ الناسِ. أمّا إذا أصبحَ القانونُ مقيّداً للحريّةِ، فهنا تنشأُ العاداتُ والأعرافُ الجديدةُ لروحيّةِ النصِّ القانونيِّ. ومنْ حيثُ النظرةِ الدينيّةِ المسيحيّةِ القانونيّةِ، فهناكَ الكثيرُ منَ الجمودِ والتعنّتِ في المواقفِ. وإذا درسنا واقعَ الأمورِ، فنجدُ الكثيرُ مِمّا يمكننا قولُه، على الرغمِ منْ جمودِ النصِّ القانونيِّ، وخصوصاً معَ التغيّراتِ الطبيّةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيّةِ الآخذةِ بالتطوّرِ بسرعةٍ كبيرةٍ. وانطلاقاً منَ المنظورِ ذاتِه، فإنَّ تطوّرَ الفكرِ اللاهوتيِّ يمهّدُ أيضاً إلى تغييرِ النصوصِ القانونيّةِ، ويعكسُ عليها تطلّعاتِه الجديدةِ.

- العيبُ النفسيُّ ورعويّةُ الزواجِ

ما يُعرفُ اليومَ بالسببِ النفسيِّ المعيبِ لرضى الطرفينِ، هوَ منَ الأمثلةِ التي يمكنُ عرضُها وفقَ ما سبقَ تبيانُه منِ استلهامٍ للاجتهادِ القانونيِّ الكنسيِّ، في تطويرِ النظرةِ إلى متطلّباتِ رعويّةِ الزواجِ وفقَ المادّةِ 818 منْ مجموعةِ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ، وهيَ تُشيرُ في بندِها الثالثِ إلى اعتبارِ مَنْ لا يستطيعُ تولّي واجباتِ الزواجِ الجوهريّةِ لأسبابٍ نفسيّةٍ معيباً لرضى الزوجينِ، وبالتالي يُعتبرُ عقدُ الزواجِ باطلاً، ودونَ اعتبارِ هذا المنعِ تدخلاً بشريّاً بالإرادةِ الإلهيّةِ التي جمعتْهما. إنَّ العيبَ النفسيَّ لا يمكنُ تحديدُه بشكلٍ واضحٍ وضيّقٍ، لذلكَ فإنَّ استعمالَ هذا المفهومِ إنّما يسمحُ لطالبي البطلانِ استعمالَ مروحةٍ واسعةٍ منَ الأسبابِ التي يمكنُ إدخالُها ضمنَ مفهومِ العيبِ النفسيِّ. وليسَ بالأمرِ المخفيِّ أنَّ استعمالَ هذا الطريقِ الواسعِ إنّما جاءَ ليسهّلَ الإجراءاتِ القضائيّةِ التي قدْ تمتدُّ طويلاً، مُعرّضةً طرفيِ النزاعِ إلى مشاكلَ أخلاقيّةٍ، أقلّهُ عبرَ الإبقاءِ على عقدِ زواجِهما صالحاً، وهما في حالِ انقطاعِ كليٍ بعضُهما عنْ بعضٍ. ويُعتبرُ العيبُ في الرضى لعلّةٍ نفسيّةٍ خطوةً في اتّجاهِ إعلانِ الطلاقِ داخلَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، وذلكَ لعدمِ انضباطِ الاجتهادِ في التفسيرِ ضمنَ قواعدَ محدَّدةٍ، فيصبحُ سوءُ التفاهمِ حجّةً للإدلاءِ بعيبٍ نفسيٍ يُفضّلُ البعضُ الاستنادَ عليهِ كسببٍ داعٍ لفسخِ الزواجِ بدلَ الحكمِ ببطلانِه.

- انحلالُ عقدِ الزواجِ ورعويّةُ الزواجِ

إنَّ أسبابَ انحلالِ الزواجِ لدى كنائسَ كاثوليكيّةٍ وأرثوذكسيّةٍ وإنجيليّةٍ تُشكّلُ المادّةَ الدسمةَ لدى الرأيِ العامِّ للتعبيرِ عنِ انتقاداتٍ عدّةٍ، تطالُ حصريّةَ هذهِ الأسبابِ، والمدّةَ الزمنيّةَ التي تمتدُّ إلى سنواتٍ بغيةَ الحصولِ على البطلانِ المنشودِ. وتعتمدُ الكنائسُ اليومَ فكرةَ رعويّةِ الزواجِ بشكلٍ متزايدٍ، إنْ منْ خلالِ البرامجِ الدراسيّةِ السابقةِ والمؤهّلةِ لهُ، وإنْ منْ خلالِ مكاتبِ الأبرشيّاتِ التي تعملُ على الإعدادِ الإلزاميِّ المسبقِ لطالبي الزواجِ، وإنْ على صعيدِ المساندةِ النفسيّةِ والروحيّةِ كخطوةٍ أوليّةٍ عندَ نشوءِ أيِّ نزاعٍ زوجيٍ قبلَ الدخولِ في الدعاوى القضائيّةِ. لمْ تتخلَّ الكنيسةُ عنْ قاعدةِ ديمومةِ عقدِ الزواجِ، ولكنّها توسَّعتْ في تطبيقاتِ طرقِ انحلالِه، خصوصاً أنَّ الزواجَ في المفهومِ الفلسفيِّ اليومَ، هوَ ارتباطٌ في الحبِّ أوّلاً، وليسَ بسجنٍ مؤبَّدٍ. لا يمكنُ عدُّ الأسبابِ لعقدِ الزواجِ أوْ حصرُها، وبالتالي لا يمكنُ للكنيسةِ التعاطي معَ هذا الكمِّ الهائلِ منَ المتغيّراتِ، وخصوصاً لأسبابِ ثقافيّةِ أوْ اجتماعيّةِ أوْ اقتصاديّةِ أوْ بنيويّةِ سياسيّةِ بطريقةِ واحدةٍ، ولا يمكنُها الحكمُ عليها جميعاً بعقوبةِ واحدةٍ فقطْ، هيَ الإقصاءُ لكونِهم فقطْ لمْ يتزوّجوا داخلَ الكنيسةِ. هناكَ تسامحٌ أكبرُ اليومَ منْ قبلِ السلطةِ الدينيّةِ معَ عاقدي الزواجِ المدنيِّ، فإذا كانَ الطرفانِ مسيحيَّينِ، ففي الحياةِ العمليّةِ يتمُّ قبولُ طلبِ تعميدِ أبنائِهما في الكنيسةِ، ولا يُحرمُ الزوجانِ منَ الاشتراكِ في المناولةِ الإلهيّةِ. أمّا إذا كتبتِ الزوجةُ المسيحيّةُ عقدَ زواجٍ معَ شابٍ مسلمٍ، فإنّنا نجدُ تشدّداً أكبرَ في قضيّتِها، بالرغمِ منْ أنّها لمْ تُضطرَّ إلى تغييرِ دينِها. هذا التمييزُ في التعاطي معَ حالتينِ خارجتينِ عنِ السلطةِ الكنسيّةِ يسترعي انتباهَنا، إذِ الملفتُ أنَّ الكنيسةَ تجدُ في الزواجِ المدنيِّ ضرراً أقلَّ منْ حالةِ الزواجِ وفقَ شريعةٍ دينيّةٍ أخرى.

- الطلاقُ وبطلانُ عقدِ الزواجِ

كثيراً ما يُحْتَجُّ بوجودِ قاعدةِ الطلاقِ في الزواجِ المدنيِّ، كسببِ لردِّ النظرِ في متنِ أيِّ مشروعِ قانونٍ مدنيٍ، وخصوصاً منْ قِبلِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، ( وهوَ مقبولٌ داخلَ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ والإنجيليّةِ)، فكانَ لا بدَّ منَ التطرّقِ إليهِ. إنَّ إعلانَ بطلانِ عقدِ الزواجِ منْ قبلِ المحكمةِ الروحيّةِ يمحو الصبغةَ الأسراريّةَ عنْ عقدِ الزواجِ، ويجعلُ منهُ عقداً لاغياً. والبطلانُ يعني عدمَ انعقادِ الزواجِ لسببٍ موجودٍ في وقتِ إتمامِه، كعدمِ أهليّةِ الزوجينِ، أوْ لعيبٍ في الرضى المتبادلِ، أوْ لنقصٍ في الصيغةِ. وإذا كانَ الزواجُ صحيحاً، ولكنِ اعترضتْه أسبابٌ لاحقةٌ كترجيحِ وفاةِ أحدِ الزوجينِ، أوْ فسخِ الزواجِ لصالحِ الإيمانِ، أوِ التفسيحِ منْ زواجٍ مقرَّرٍ غيرِ مكتملٍ، فعندَ ذلكَ يُسمّى فسخاً للزواجِ. أمّا الطلاقُ، فهو منْ حالاتِ فسخِ الزواجِ لعلّةٍ غيرِ تلكَ التي نصَّ عليها الحقُّ الكنسيُّ الكاثوليكيُّ، وهيَ معروفةٌ عندَ الأرثوذكسِ والإنجيليّينَ. المُتَّفقُ عليهِ هو رعايةُ الأولادِ واعتبارُهم أولاداً شرعيّينَ، أوْ ضحايا أبرياءَ، في حالاتٍ اجتماعيّةٍ صعبةٍ فيمَا لوْ أُبْطِلَ الزواجُ أوْ فُسِخَ أوْ طُلّقَ بحسبِ قوانينِ جميعِ الكنائسِ. لقدْ تسامحتِ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ والإنجيليّةُ معَ أبنائِها أكثرَ في مواضيعِ الزواجِ ومشاكلِه، وتفهَّمتِ البعدَ الفاصلَ بينَ تفاصيلِ الحياةِ اليوميّةِ وبينَ مشروعِ التقديسِ. وتنبَّهتْ إلى ضعفِ الإنسانِ، فسمحتْ بالطلاقِ وأصبحتْ عمليّةُ التسامحِ مبدأً متطوّراً يواكبُ التغيّراتِ في العاداتِ الثقافيّةِ والمجتمعيّةِ بِمَا يسمحُ للإنسانِ بزيادةِ النموِّ.

ثالثاً، الزيجاتُ المختلطةُ

فرضتِ الزيجاتُ المختلطةُ نفسَها بحكمِ متغيّراتٍ عدّةٍ، أبرزُها حركةُ الهجرةِ الكثيفةِ وسهولةُ التنقّلِ حولَ العالمِ. ومعَ تزايدِ عددِ هذهِ الزيجاتِ، برزتْ عدّةُ تحدّياتٍ تطالُ خطابَ الكنيسةِ نفسِها، وأصبحَتْ آليّةُ مقاربتِها لهذا النوعِ منَ الزيجاتِ معياراً يُستشفُّ منهُ مدى الانفتاحِ على فضاءِ الحريّةِ، خصوصاً أنَّ تغيّراً كبيراً طرأَ على هذهِ المقارباتِ، التي لمْ يكنْ معترفاً بوجدِها في بادئِ الأمرِ وحتّى اليومِ الذي أصبحَتْ فيهِ منظَّمةً وفقَ آليّةٍ محدَّدةٍ. تقصدُ الكنيسةُ بالزيجاتِ المختلطةِ ذلكَ العقدَ القائمَ بينَ معمَّدينِ أحدُهما ينتمي إلى إيمانِ الكنيسةِ المتمّمةِ عقدَ الزواجِ، وإلى آخرَ ينتمي إلى معتقدِ كنيسةٍ أخرى. أمّا الزواجُ المختلطُ إسلاميّاً فهو ذلكَ العقدُ القائمُ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ، أيْ منْ دينٍ مختلفٍ كليّاً عنِ الإسلامِ. وفي الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ يُعتبرُ الزواجُ بينَ معمَّدٍ وآخرَ غيرِ معمَّدٍ منْ ضمنِ الزواجِ الدينيِّ معَ تفسيحِ شرطِ "مانع اختلاف الدين". وهناك حالةٌ أخرى يُستعملُ فيها مصطلحُ الزواجِ المختلطِ، وهيَ عندما يكونُ المعيارُ وحدةَ الجنسيّةِ كالزواجِ بينَ لبنانيٍ وغيرِ لبنانيٍ.

شربُ الخمرِ للعروسينِ عوضَ المناولةِ، كانَ تدبيراً خاصّاً لحالاتٍ عدّةٍ، ومنها إذا كانَ أحدُ العروسينِ غيرَ معمَّدٍ. ممّا يؤكّدُ فكرةَ وجودِ الزواجِ المختلطِ منَ القرنِ العاشرِ أقلّهُ. وتُعرّفُ القوانينُ الشرقيّةُ الكاثوليكيّةُ الزواجَ المختلطَ بأنَّه زواجٌ بينَ معمَّدٍ كاثوليكيٍ وآخرَ غيرِ كاثوليكيٍ. ويجبُ استيفاءُ شروطٍ خاصّةٍ لجوازِه لا لصحّتِه التي تبقى محقَّقةً رغمَ اختلافِ الدينِ. والزواجُ بِمَنْ يحملُ أحدُ طرفيهِ مانعَ اختلافِ الدينِ دونَ إذنِ خاصٍّ، هوَ مبطّلٌ للزواجِ. الزواجُ المختلطُ، أوْ "اختلاف المذهب" هوَ الزواجُ بينَ كاثوليكيٍ وآخرَ معمَّدٍ، ولكنْ غيرُ منتمٍ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. وتُضفي الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ على هذا الزواجِ الخوفَ منْ ضياعِ هويّةِ العائلةِ الدينيّةِ ومنَ التربيةِ الدينيّةِ للأطفالِ، إذْ تفترضُ حُكماً الوقوعَ في خطرِ اللامبالاةِ الدينيّةِ، وهنا نجدُ التنبيهَ الأوّلَ لِمَا يمكنُ أنْ يظهرَ منْ هذا النوعِ منَ الزيجاتِ لاحقاً في المستقبلِ، ما يشيرُ إلى رغبةٍ ضمنيّةٍ لدى السلطةِ الكنسيّةِ في عدمِ التشجيعِ عليهِ بشكلٍ واضحٍ. يرتفعُ عددُ الزيجاتِ المختلطةِ في البلادِ التبشيريّةِ كما في البلادِ المسيحيّةِ العريقةِ. وهذا يدعو إلى توفيرِ مقاربةٍ أكثرَ وضوحاً والتصاقاً بالواقعِ اليومَ. يتطلَّبُ الزواجُ المختلطُ بينَ معمَّدينِ إجراءَ معاملةٍ إضافيّةٍ، تتمثّلُ بترخيصٍ منَ السلطةِ الكنسيّةِ لكلٍّ منَ المعمَّدَينِ. ولكنْ عندَ اختلافِ الدينِ في الزواجِ، فيتطلَّبُ ذلكَ تفسيحاً صريحاً منْ مانعِ الدينِ. وهذا الإجراءُ الإضافيُّ هوَ في الحالتينِ للتأكيدِ على عِلْمِ وقبولِ الشريكِ الآخرِ غيرِ الكاثوليكيِّ بأهدافِ الزواجِ وبخصائصِه الجوهريّةِ. وعلى الطرفِ الكاثوليكيِّ إعلامُ الشريكِ بذلكَ والمحافظةُ على إيمانِه وتعميدُ الأولادِ وتربيتُهم في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. وتهتمُّ الكنيسةُ بأبنائِها العائشينَ في بلادٍ غيرِ ذي غالبيّةٍ مسيحيّةٍ أوْ تفتقرُ للحرياتِ الدينيّةِ لكيْ لا يقدِموا على التضحيةِ بالانتماءِ الدينيِّ على حسابِ التزاماتِ الزواجِ. وقدْ أبرزَ هذا الشرطُ الأخيرُ في لبنانَ حساسيّةً ما بينَ الكنيستينِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ، وخصوصاً عندما يكونُ الزوجُ أرثوذكسيّاً والزوجةُ كاثوليكيّةً. إذْ يُطلبُ عادةً، بحسبِ المستنداتِ المطلوبةِ قانوناً لإتمامِ إجراءِ معاملاتِ الزواجِ، شهادةُ معموديّةٍ وأخرى تؤكّدُ إطلاقَ حالِ الطالبِ منْ أيّةِ خطوبةٍ كنسيّةٍ أوْ زواجٍ آخرَ. وكانتِ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ في هذهِ الحالةِ، تُصرُّ على إعطاءِ العروسِ هذا المستندَ، والتوقيعَ على إفادةٍ تؤكّدُ بقاءَها في الإيمانِ الكاثوليكيِّ، وأنْ تعملَ على تعميدِ أطفالِها وتربيتِهم في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ التي تنتمي إليها. فأفضتْ هذهِ الإشكاليّةُ بالقيادةِ الكنسيّةِ الأرثوذكسيّةِ إلى إعفاءِ العروسِ منْ ذلكَ المستندِ، والاستعاضةِ عنهُ بإفادةٍ منْ مختارِ المحلّةِ.

الزواجُ معَ اختلافِ الدينِ وهوَ بينَ كاثوليكيٍ وغيرِ معمَّدٍ. فلا يُعتمدُ هنا إلّا على المعموديّةِ وغيابِها، للقولِ باختلافِ الدينِ. ولا يُنظرُ إلى دينِه أوْ حتّى إذا كانَ ملحداً. هذهِ النظرةُ إلى الزواجِ معَ الآليّةِ المتّبعةِ في هذهِ الحالةِ، توضحُ نظرةَ الكنيسةِ كاثوليكيّةِ المسكونيّةِ، التي اكتشفتِ الغنى في معرضِ التعدّدِ والتنوّعِ، وخصوصاً معَ وثيقةِ "نور الأمم" وأقدمتْ على السماحِ بإمكانيّةِ الزواجِ بينَ الطرفينِ في الحالةِ المتقدّمِ ذكرُها. إلّا أنَّ الإجراءاتِ قدْ تُعطي انطباعاً مختلفاً، إذْ إنَّ اختلافَ المذهبِ واختلافَ الدينِ يتطلَّبُ كلٌّ منهما إذناً خاصّاً منَ الرئاسةِ الروحيّةِ، معَ تعهّداتٍ إضافيّةٍ على الشريكِ كاثوليكيِّ كأنْ يحافظَ على إيمانِه، ويُعمّدَ أولادَه في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، ويسهرَ على تربيتِهم وفقَ تلكَ القيمِ، وعلى الشريكِ غيرِ الكاثوليكيِّ تفهّمُ ذلكَ والقبولُ بهِ بشكلٍ واضحٍ. وإذا طُرحتْ قضيّةُ الزواجِ المدنيِّ في كثيرٍ منَ الأحيانِ، كحلٍّ لمعضلةِ الزواجِ المختلطِ، إلّا أنَّ الحاجةَ إليهِ تبقى موجودةً، حتّى لأتباعِ الدينِ أوِ المذهبِ الواحدِ الذينَ لا يجدونَ في آليّةِ عملِ الأحوالِ الشخصيّةِ الدينيّةِ ما يصبونَ أوْ يطمئنّونَ إليهِ.

- الزواجُ المختلطُ بينَ كاثوليكيٍ ومسيحيٍ منْ كنيسةٍ أخرى

في حالةِ زواجِ طرفٍ ينتمي إلى إيمانٍ غيرِ كاثوليكيٍ، تبرزُ أمامنا نظريّةُ الخوفِ منَ الأخطارِ المستقبليّةِ، كسببٍ ومبرّرٍ للقيامِ بإجراءاتٍ إضافيّةٍ تُطْلَبُ فقطْ في هذهِ الحالةِ. والخوفُ يتمثَّلُ إمّا بتركِ الإيمانِ كاثوليكيِّ أوْ باستعمالِ طرقٍ تربويّةٍ مختلفةٍ عنِ الكنيسةِ الأمِّ. وهذا قدْ يُفهمُ أحياناً. إلّا أنَّ الخوفَ منَ الوصولِ إلى اعتبارِ جميعِ الكنائسِ سواسيّةً، فذاك سببٌ لا يمكنُ فهمُه، معَ ما توصَّلتْ إليهِ الحركةُ المسكونيّةُ منْ جهدٍ وعملٍ أقرَّتْه مجموعةُ القوانينِ ذاتُها. إنَّ هذا الخوفَ عينَه نجدُه لدى طرحِ قضيّةِ الزواجِ المدنيِّ الذي يسمحُ بالزواجِ منْ دونَ أيِّ قيدٍ أوْ شرطٍ. أمرٌ آخرُ لا يُفهمُ أيضاً، وهوَ عندما يرتبطُ طرفٌ كاثوليكيٌ معَ آخرَ مسيحيٍ غيرِ كاثوليكيٍ وفقَ أصولِ الزواجِ في الكنيسةِ الأخرى. فالقانونُ كاثوليكيُّ يمتدُّ إلى ذلكَ العقدِ القائمِ منْ دونِ إذنِ السلطةِ كاثوليكيّةِ، وفقَ قوانينَ ونظمٍ مختلفةٍ، والمنعقدِ منْ دونِ وجودِ كاهنٍ كاثوليكيٍ مأذونٍ لهُ بإتمامِ الزواجِ، وأيضاً منْ دونِ وجودِ الصيغةِ الرسميّةِ لتبادلِ الرضى، كما هيَ الحالُ عندَ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ. والزواجُ المنعقدُ منْ دونِ أيِّ شروطٍ كاثوليكيّةٍ. وبالرغمِ منْ ذلكَ فإنَّ سلطةَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ تمتدُّ إلى حالةِ انحلالِ الزواجِ للتأكُّدِ مِمّا إذا كانَ الانحلالُ يراعي المبادئَ كاثوليكيّةَ على الطرفِ كاثوليكيِّ. وهذا يشكّلُ خرقاً فاضحاً لمبدأِ استقلالِ الكنائسِ ولمبدأِ قانونِ الزواجِ هوَ قانونِ مكانِ إجراءِ العقدِ.

- الزواجُ بينَ كاثوليكيٍ وآخرَ منْ دينٍ مختلفٍ

أمّا في حالةِ إقامةِ عقدِ زواجٍ معَ طرفٍ غيرِ مسيحيٍ وفقاً لأيّ صيغةٍ كانتْ، ولوِ اعْتُبِرَ هذا الزواجُ قائماً بحكمِ الواقعِ، وبقيتِ الزوجةُ على إيمانِها وتعهّدتْ بكلِّ الشروطِ المطلوبةِ في إقامةِ العقدِ الكنسيِّ معَ طرفٍ غيرِ معمَّدٍ، إلّا أنَّ الكنيسةَ كاثوليكيّةَ تتبرَّأُ منها تماماً وتمنعُ عنها المناولةَ كما لوْ أنّها جحدتِ الإيمانِ، وإنْ كانَ ذلكَ ما لمْ تفعلْه فعليّاً. وتنصُّ الكنيسةُ كاثوليكيّةُ جهاراً بتفضيلِها أنْ يكونَ الزواجُ بينَ طرفينِ كاثوليكيَّينِ. إنّما فرضَ الواقعُ المستجدُّ في العلاقاتِ بينَ الناسِ أنْ توافقَ على الزيجاتِ المختلطةِ، وتلكَ التي معَ غيرِ المسيحيّينَ. ورغمَ ذلكَ لا تُخفي الكنيسةُ اليومَ أيضاً تمنّياتِها بأنْ ينتمي الطرفُ غيرُ كاثوليكيِّ إلى الإيمانِ كاثوليكيِّ، فتتوحَّدُ النظرةُ إلى الزواجِ وإلى القانونِ الذي يرعى تلكَ العلاقةَ. إنَّ قبولَ مَنْ تزوّجا قبلَ الانتماءِ إلى الكنيسةِ، منْ دونِ إجراءِ مراسمَ خاصّةٍ لزواجهما منْ بعدِ معموديّتِهما، دليلٌ على قبولِ زواجِهما كاملاً عبرَ اشتراكِهما بسرِّ الإفخارستيّا.

- إشكاليّةُ أحدِ طرفيِ الزواجِ الذي طُلِّقَ في كنيسةٍ غيرِ كاثوليكيّةٍ، ويريدُ بعدَها الزواجَ داخلَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ

على الزوجِ الذي يريدُ عقدَ زواجٍ أمامَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، منْ بعدِ حصولِه على طلاقٍ منَ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ أوِ الإنجيليّةِ، أنْ يقدّمَ حُكْمَ الطلاقِ الذي أصدرتْه المحكمةُ للسلطةِ الكاثوليكيّةِ المعنيّةِ بغيةَ التدقيقِ في الحكمِ ومدى انطباقِه على حالاتِ البطلانِ أوِ الفسخِ المقرَّرةِ في قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الكاثوليكيّةِ. فإمّا أنْ يُعتبرَ الزوجُ المعنيُّ مُطْلَقَ الحالِ فيُعطى الإذنَ بالزواجِ، وإمّا لا يُعتبرُ مُطْلَقَ الحالِ إذا كانَ الحكمُ الغيرُ كاثوليكيِّ مبنيّاً على سببٍ لمْ يُذْكَر في متنِ القانونِ الكاثوليكيِّ الخاصِّ بها. إنَّ هذهِ الحالةَ تُظهرُ الكثيرَ منَ التساؤلاتِ حولَ علاقةِ الكنائسِ بعضِها ببعضٍ، وأيضاً نوعيّةَ سلطةِ الوصايةِ أوِ الحقِّ المعطى للمرجعيّةِ الكاثوليكيّةِ، في تقديرِ أحكامٍ تخرجُ عنْ نطاقِ أعمالِها وتشريعِها! وقدْ تَمَّ الاتفاقُ في لبنانَ، في اجتماعٍ مسكونيٍ عُقدَ في بكركي عام 2008، بينَ جميعِ الكنائسِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ والإنجيليّةِ، على أنْ يأذنَ مطرانُ الأبرشيّةِ الكاثوليكيُّ بالزواجِ بقرارٍ إداريٍ وفقاً للروحِ المسكونيّةِ التي تقضي باحترامِ صلاحيّةِ محاكمِ الكنائسِ المُصْدِرَةِ لِحُكمِ الطلاقِ. وفي المقابلِ، تلتزمُ هذهِ الكنائسُ بتعليلٍ وافٍ ومستندٍ إلى أقوالِ الأزواجِ وشهودِهم. وفي حالِ عدمِ التوافقِ بينَ متنِ قوانينِ الكنيستينِ، يحصلُ اتّصالٌ بينَ مطرانِ الأبرشيّةِ الكاثوليكيُّ والرئيسِ الكنسيِّ الأرثوذكسيِّ أوِ الإنجيليِّ مُصْدِرِ الحكمِ، للبحثِ في الموضوعِ وإيجادِ مخرجٍ أخويٍ. ورغمَ أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ لا تقبلُ الاعترافَ بالزواجِ المدنيِّ لأيّ طرفٍ كاثوليكيٍ، إلّا أنّها تعودُ وتعترفُ بهِ بشكلٍ كاملٍ إذا كانَ الطرفانِ غيرَ كاثوليكَيْنِ وفقَ أيِّ صيغةٍ تخرجُ عنْ قوانينِها. لا يُظهرُ هذا الموقفُ إلّا لغةَ التشدّدِ تجاهَ أبناءِ تلكَ الكنيسةِ، لا بلْ يتوسَّعُ اليومَ شيئاً فشيئاً ليطالَ حالاتٍ لمْ تكنْ موجودةً منْ قبلُ، ليُصارَ اليومَ إلى قبولِها جزئيّاً. ونأملُ في القريبِ العاجلِ أنْ تتَّسعَ رقعةُ الاعترافِ بالزواجِ المدنيِّ. منْ حالاتِ الزواجِ المدنيِّ التي تُقرُّ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ بالاعترافِ بها دونَ الحاجةِ إلى عقدِ زواجٍ كنسيٍ لاحقٍ، هيَ حالةُ طرفيِ الزواجِ غيرِ المعمَّدينَ في الكنيسةِ إذا أرادا الانضمامَ إلى الكنيسةِ، فيتمُّ سرُّ العمادِ دونَ الحاجةِ إلى عقدِ سرِّ زواجٍ، وأيضاً في حالِ حصولِ الطرفينِ على تفسيحٍ (319) منَ المطرانِ لموجبِ صيغةِ عقدِ الزواجِ معَ مفعولٍ رجعيٍ يطالُ زواجَهما المدنيَّ.

رابعاً، الزواجُ والعملُ المسكونيُّ

يظهرُ العملُ في الحوارِ المسكونيِّ إمكانيّةَ تجاوزِ الكثيرِ منَ العقباتِ التاريخيّةِ، بمقاربةٍ آنيّةٍ تسمحُ للمجتمعِ بالتطوّرِ. صحيحٌ أنَّ الوثائقَ الإسلاميّةَ المسيحيّةَ لمْ تتطرّقْ إلى إشكاليّةِ الزواجِ عموماً، نظراً لحساسيّةِ هذا الموضوعِ إلى اليومِ، وعندَ الكثيرِ منَ العربِ حساسيّةٌ مفرطةٌ نحوهُ، ولكنَّ مؤتمراتِ حقوقِ المرأةِ العربيّةِ أخذتْ على عاتقِها هذهِ المهمّةَ لجهةِ التشجيعِ على المضيِّ قدماً في تطويرِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ، لِتُلاقي حاجاتِ المجتمعِ ومتطلّباتِه. وعلى سبيلِ القياسِ، أُوردُ المثالَ التاليَ المستوحى منْ عملِ الحوارِ المسكونيِّ ومدى تأثيرِه على تجاوزِ النصوصِ الجامدةِ، في حالاتِ الزواجِ المختلطِ ضمنَ المسيحيّةِ، والتي يمكنُ البناءُ عليها لتظهيرِ موقفٍ واحدٍ داعمٍ لفكرةِ الزواجِ المدنيِّ. لقدْ ساهمَ العملُ المسكونيُّ بينَ الكنائسِ، عبرَ مجلسِ كنائسِ الشرقِ الأوسطِ ومقرّراتِ المجامعِ المحليّةِ، في تجاوزِ عددٍ منَ النصوصِ التي كانتْ تتركُ انطباعاً أنَّ انقسامَ الكنيسةِ حادٌّ جدّاً، وهذا ما يُستشفُّ لجهةِ المستنداتِ الإضافيّةِ المطلوبةِ في حالاتِ الزواجِ المختلطِ مذهبيّاً، التي لا تُقنعُ مبرّراتُها الرأيَ العامَّ المسيحيَّ في لبنانَ. ونظراً إلى هذهِ الحاجةِ، ورغبةً في إظهارِ موقفٍ مسيحيٍ موحَّدٍ، أقرَّ سينودسُ الرومِ الملكيّينَ الكاثوليكِ عامَ 1994 في المقرِّ البطريركيِّ في لبنانَ، ضرورةَ إزالةِ العوائقِ منَ النصوصِ القانونيّةِ، التي تُسيءُ إلى الروابطِ وتُضعفُها. وهذا أيضاً ما ذهبَ إليهِ المطرانُ جورج خضر حينَ طالبَ بهِ وبالمعنى ذاتِه. لقدْ أقرَّتْ وثيقةٌ صادرةٌ عنِ اجتماعِ البطاركةِ الكاثوليكِ والأرثوذكسِ، في المقرِّ البطريركيِّ للسريانِ الكاثوليكِ في ديرِ سيّدةِ النجاةِ - الشرفةِ في 14 / 10 / 1996، على تثبيتِ الأعرافِ المحليّةِ التي تُحاكي المجتمعَ اللبنانيَّ بشكلٍ خاصٍّ بالنصِّ الرسميِّ. وفي البندِ الأوّلِ تعلَّقَ الموضوعُ بالزيجاتِ المختلطةِ، واستُلهمَ النصُّ منْ مفهومِ وحدةِ المسيحِ وكنيستِه، والنظرةِ الواحدةِ لسرِّ الزواجِ، والسندِ اللاهوتيِّ، ولِمَا اتُّفقَ عليهِ منْ تعديلٍ لقوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ التابعةِ لكلِّ كنيسةِ، وأيضاً لِمَا استُلهمَ منهُ المجتمعونَ منَ المستجدّاتِ الواقعةِ في المجتمعِ، منْ تزايدِ التلاقي بينَ أبناءِ الكنائسِ وازديادِ عددِ الزيجاتِ المختلطةِ، وهيَ الإشكاليّةُ التي ينبغي العملُ على تطويرِها، والتي تتطلَّبُ عادةً إجراءاتٍ مرهقةً، ولا تُظهرُ حالةَ الأخوّةِ التي أصبحَ عليها المجتمعُ المسيحيُّ، فكانَ لا بدَّ للبطاركةِ منْ أنْ يتعهَّدوا بِمَا يلي:

1 - حريّةُ الزوجةِ في أنْ تبقى في كنيستِها إذا شاءتْ.
2 - إجراءُ رتبةِ الإكليلِ في كنيسةِ الزوجِ، على أنْ يدعو الكاهنُ المُكَلّلُ كاهنَ الطرفِ الآخرِ، إذا حضرَ، إلى تلاوةِ بعضِ الصلواتِ معَه.
3 - تعميدُ الأولادِ في كنيسةِ والدهم.
4 - تُتَّخذُ القراراتُ المعبّرةُ عنْ هذا الموقفِ في المجامعِ المقدَّسةِ المختلفةِ.

لكنْ، لمْ يتمَّ تعديلُ المادتينِ 813 و 814 منْ مجموعةِ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ الكاثوليكيّةِ منذِ إقرارِ هذهِ الوثيقةِ. إلّا أنَّه أُعيدَ استعمالُ هذهِ الوثيقةِ في الكنيسةِ المارونيّةِ عندَ تأسيسِ مكتبِ العلاقاتِ المسكونيّةِ، الذي وضعَ في الهدفِ رقم "ح" بلورةً رعويّةً مشتركةً، لا سيّما في مجالِ الزيجاتِ المختلطةِ بينَ المسيحيّينَ في ضوءِ وثيقةِ اتّفاقِ الشرفةِ. وقدْ تعدَّلَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ لبطريركيّةِ أنطاكية وسائرِ المشرقِ للرومِ الأرثوذكسِ في عام 2003، واستُبدِلتِ المادّةُ 25 منَ القانونِ القديمِ بالمادّةِ 20 التي حملتْ منطوقَ اتّفاقيّةِ الشرفةِ، فلا تُلزمُ الزوجةُ المسيحيّةُ غيرُ الأرثوذكسيّةِ بإبدالِ مذهبِها بعدَ زواجِها، ولا تُقدّمُ طلباً خطّيّاً للانضمامِ، كما كانَ النصُّ قديماً. ونجدُ أنَّ هذا التمايزَ في خبرةِ الحياةِ بينَ التقليدِ الشرقيِّ والتقليدِ الغربيِّ في مراسلاتِ أبرشيّةِ الكنيسةِ المارونيّةِ في فرنسا معَ مطارنةِ فرنسا اللاتينِ، التي توضحُ لهم، أوّلاً أنَّ الكنيسةَ المارونيّةَ الشرقيّةَ هيَ كنيسةٌ متّحدةٌ بكرسيِّ روما، وبالتالي فالزواجُ المعقودُ بينَ أبناءِ هاتينِ الكنيستينِ لا يمكنُ اعتبارُه زواجاً مختلطاً، معَ ما يتطلَّبُه ذلكَ منْ تفسيحِ الرئاسةِ الكنسيّةِ لعلّةِ اختلافِ الإيمانِ. ولعلَّ الوقتَ لمْ يحُنْ بعدُ لعقدِ قمّةٍ روحيّةٍ يتدارسُ فيها السادةُ البطاركةُ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ بروحٍ مسكونيّةٍ. إلّا أنَّ الحاجةَ الآنيّةَ المُلِحّةَ قدْ لا تنتظرُ عقدَ مثلِ هذهِ القممِ، لأنَّ الشعورَ بالبُعدِ بينَ الكنيسةِ والمجتمعِ سيتزايدُ، طالما أنَّ الكنيسةَ لمْ تَقْدِمْ على تقديمِ الحججِ المُقنعةِ، وبَقِيَتْ على تَعَنُّتِها ونفورِها منْ كلِّ مقاربةٍ بنّاءةٍ.

خلاصةٌ

إنَّ عدمَ تطرّقِ الكنيسةِ المارونيّةِ، التي هيَ الصوتُ الأوّلُ مسيحيّاً في لبنانَ، منْ حيثُ نسبةُ عددِ السكّانِ المسيحيّينَ، والحصّةُ التي يتمتَّعُ بها أبناؤها في مراكزِ السلطةِ، إلى قضيّةٍ أساسيّةٍ في الحياةِ الوطنيّةِ كالزواجِ المدنيِّ، ومَا تستتبعُه منْ تغييراتٍ على صُعُدٍ عدّةٍ منَ الحياةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ والاقتصاديّةِ والوطنيّةِ، إنّما هوَ نوعٌ منْ "شيطنة" للزواجِ المدنيِّ، وتجاهلٌ كاملٌ لقضيّةٍ لا يمضي عامٌ إلّا وتُطرحُ على بساطِ البحثِ إعلاميّاً أوْ فكريّاً. وبالرغمِ منْ ذلكَ الإلحاحِ الوطنيِّ لمْ نشهدْ قمّةً روحيّةً مسيحيّةً - مسيحيّةً تتناولُ شؤونَ الزواجِ المتعدّدةِ، معَ أنَّ ضرورةَ إيجادِ قانونٍ موحَّدٍ لنظامِ الأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ، هوَ مطلبٌ أساسيٌ تتعاطى فيهِ جميعُ مكوّناتِ المجتمعِ، منْ جمعيّاتٍ أهليّةٍ وأحزابٍ وقياداتٍ سياسيّةِ. وتحثُّ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ رعاياها في جميعِ الدولِ التي يُفرضُ فيها الزواجُ المدنيُّ إجباريّاً، على القيامِ بزواجٍ دينيٍ لاحقٍ، بالرغمِ منْ نظرتِها إلى العقدِ المدنيِّ أنَّه لا يحملُ مفاعيلَ قانونيّةً كنسيّةً، إلّا أنَّه يؤمّنُ نوعاً منَ الثباتِ للعلاقةِ الثنائيّةِ. وبذلكَ تكونُ الكنيسةُ قدِ انتقلتْ منِ اعتبارِ الزواجِ المدنيِّ حالةَ زنىً إلى اعتبارِه نوعاً منْ أنواعِ المساكنةِ. وهيَ تستعملُ اليومَ مرادفاتٍ للإقرارِ بوجودِه، منْ خلالِ مصطلحاتِ الرعايةِ ومفاهيمَ أكثرَ قُرْباً منهُ. وقدْ وجدتْ طريقةً للتعايشِ معَ النظامِ المدنيِّ المفروضِ منْ قبلِ السلطةِ المدنيّةِ بقوّةِ القانونِ. إلّا أنَّنا نجدُ أنفسَنا في لبنانَ عبرَ تصاريحِ المرجعيّاتِ الدينيّةِ، كما لوْ أنّنا ما زلنا في مرحلةِ القرونِ الوسطى، حيثُ تُمسكُ السلطةُ الدينيّةُ بزمامِ أمورِ السلطةِ السياسيّةِ والمدنيّةِ. أمّا الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ والإنجيليّةُ فقدْ أظهَرتا تسامحاً أكثرَ معَ أبنائِهما في مواضيعِ الزواجِ ومشاكلِه. وتفهَّمتا البعدَ الفاصلَ بينَ تفاصيلِ الحياةِ اليوميّةِ وبينَ مشروعِ التقديسِ. وتنبَّهتا إلى ضعفِ الإنسانِ فسمحتا بالطلاقِ، وأصبحتْ عمليّةُ

التسامحِ مبدأً متطوّراً يواكبُ التغيّراتِ في العاداتِ الثقافيّةِ والمجتمعيّةِ، بِمَا يسمحُ للإنسانِ بالنموِّ أكثرَ. فالكنيسةُ تُرافقُ شعبَها دونَ أنْ تكونَ رجلَ الشرطةِ الذي يحرّرُ المخالفاتِ ويقمعُها. وهيَ تدفعُ بأبنائِها إلى تقديسِ العالمِ كلِّه، ولا تشجّعُهم على الاكتفاءِ بِمَا هوَ مصطبغٌ بالصبغةِ المسيحيّةِ، لئلّا تتحوّلَ رويداً رويداً إلى جزيرةٍ أوْ جماعةٍ متقوقعةٍ على ذاتِها. وليسَ خطابُ الكنيسةِ عمليّةَ توعيةٍ أوْ وعظةً داخليّةً تقتصرُ على فئةٍ محدَّدةٍ منَ الناسِ، بلْ هوَ يطالُ جميعَ الناسِ وإنْ كانوا مِمَّنِ اتَّخذوا الربَّ يسوعَ فادياً لهم. ويُمْكِنُ اعتبارُ متطلّباتِ الحياةِ الزوجيّةِ اليومَ خمرةً جديدةً توضعُ في زقاقٍ قديمٍ، فيمَا الحياةُ العامّةُ بتحدّياتِها، تطلبُ منَ المسيحيّينَ المدافعةَ عنْ حقوقِ الأقليّاتِ والضعفاءِ في الأرضِ، وخصوصاً أولئكَ الذينَ لا يتمتَّعونَ بقانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ خاصٍّ بهم. فالمسيحيُّ الملتزمُ دينيّاً، الذي يعتبرُ أنَّ الزواجِ المدنيَّ لا يمثّلُ تطلّعاتِه، يمكنُه دوماً أنْ يُصحّحَ وضعَه بإجراءِ زواجٍ دينيٍ لاحقٍ. أمّا مَنْ لا يتوفَّرُ لهُ أيُّ منفذٍ للزواجِ سوى الزواجِ المدنيِّ خارجَ لبنانَ، فليسَ لهُ أيُّ إمكانيّةٍ للشعورِ بالاستقرارِ والمساواةِ في هذا البلدِ! ومنذُ زمنٍ غيرِ بعيدٍ، كانَ على المسيحيِّ أنْ يبدّلَ طائفتَه للزواجِ منْ فريقٍ مسيحيٍ ينتمي إلى طائفةٍ أخرى، أمّا اليومَ، ونتيجةَ عواملَ عدّةٍ، منْها العولمةُ والحربُ الداخليّةُ التي أعادتْ خلطَ جميعِ الانتماءاتِ الدينيّةِ والديموغرافيّةِ، فقدْ تمَّ تخطّي هذا الوضعِ القائمِ، ويسعى العديدُ إلى إقرارِ الزواجِ المدنيِّ نظراً إلى الحاجاتِ الدينيّةِ والوطنيّةِ المتعدّدةِ. وقدْ قاربتِ الكنيسةُ الزواجَ وتعاطتْ معَ تفاصيلِه بسلاسةٍ في مرحلتينِ منْ تاريخِها، الأولى، في بداياتِها حيثُ كانَ الهدفُ الأوّلُ هوَ نشرُ البشارةِ والسعيُ إلى انضمامِ العددِ الأكبرِ منَ الناسِ إليها. والثانيةُ، وهيَ معاصرةٌ جدّاً، تُعيدُ الكنيسةُ عبرَها اكتشافَ مرونتِها في التكيّفِ معَ ثقافاتٍ وأوضاعٍ اجتماعيّةٍ متعدّدةٍ. وتُبرزُ الكنيسةُ اليومَ حيثيّةَ المجتمعِ المتأثّرِ بالصميمِ بصورةِ ديمومةِ الحياةِ الزوجيّةِ كعلامةٍ إيجابيّةٍ، وتستندُ إلى عددِ عمليّاتِ الانفصالِ المتزايدِ، لتقيمَ الدليلَ الواضحَ على تفكّكِ المجتمعِ. وكأنَّ الزواجَ الدينيَّ يحافظُ ويتشدَّدُ أكثرَ بالمحافظةِ على الروابطِ الأسريّةِ، دونَ أنْ يُقامَ على الأقلّ، الدليلُ الإحصائيُّ الملموسُ على هذا التصريحِ. وطالما لمْ يُقرَّ الزواجُ المدنيُّ في لبنانَ ويُختبرْ ويُطبَّقْ، فليسَ بوسعِنا الحكمُ على المجتمعاتِ الأوروبيّةِ بتفكُّكِ أُسَرِها، نتيجةً لوجودِ عاملٍ واحدٍ هوَ الزواجِ المدنيِّ. إنَّ تنوّعَ المواقفِ بينَ الكنائسِ وحتّى داخلَ المؤسَّسةِ الكنسيّةِ الواحدِةِ، بينَ مُطالبٍ بقانونِ مدنيٍ إلزاميٍ أوْ اختياريٍ للزواجِ، وآخرَ رافضٍ لهُ، إنّما يعبّرُ بطبيعةِ الحالِ عنْ واقعِ التعدّديّةِ في لبنانَ، ويؤكّدُ على أنَّ الموضوعَ منَ الأهمّيّةِ بمكانٍ لكيْ تُخصَّصَ لهُ الدراساتُ، وتُعدَّ لهُ المؤتمراتُ. فأسبابُ الرفضِ عابرةٌ للمذاهبِ. وهيَ عبارةٌ عنْ عناوينَ موحَّدةٍ، يُقصدُ منها التصدّي لطرحِ الزواجِ المدنيِّ، كضرورةٍ للالتزامِ بقرارِ المؤسَّسةِ الدينيّةِ، كشرطٍ أساسيٍ للالتزامِ الدينيِّ. وكلُّ مَنْ يخرجُ عنْ تلكَ القراراتِ، إنّما يخرجُ عنِ الدينِ نفسِه. والملاحظُ أنَّ هذهِ الحجّةَ الأخيرةَ لا تستهدفُ المواطنينَ اللبنانيّينَ منْ غيرِ أتباعِ الأديانِ الأخرى، بقدرِ ما تشكّلُ رسالةَ تهديدٍ مباشرٍ باستعمالِ الشارعِ الدينيِّ بوجهِ السلطةِ المدنيّةِ، فيمَا لوْ مَضَتْ قدماً في مشروعِها. وأخيراً، هناكَ اليومَ حاجةٌ إلى تحريرِ الخطابِ الدينيِّ وإطلاقِه منْ خطابٍ يتناولُ حاجةً داخليّةً إيمانيّةً، إلى فضاءِ الحاجةِ الوطنيّةِ والدوليّةِ، ليساعدَ في بلورةِ زواجٍ متوسّطٍ ما بينَ الزواجِ الدينيِّ والزواجِ المدنيِّ، يصبُّ في مصلحةِ المجتمعِ العليا، ويُسهمُ في عمليّةِ انثقافِ الدينِ أمامَ واقعِ الحياةِ.

الفصلُ الرابعُ: الزواجُ المدنيُّ في السياقِ اللبنانيِّ الإسلاميِّ

إنَّ تطبيقَ الشريعةِ الإسلاميّةِ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ في المنطقةِ العربيّةِ هوَ الأعرقُ تاريخيّاً، في حينِ لمْ يعرفِ المسيحيّونَ وضعَ قوانينِهم حديثاً جدّاً. وقدْ طالَ هذا التطبيقُ المسلمينَ (ديناً وقانوناً) وغيرَ المسلمينَ (قانوناً) قبلَ حصولِ البلادِ العربيّةِ على استقلالِها. لذلكَ فإنَّ الأحوالِ الشخصيّةَ كمَا هيَ معروفةٌ تُعدُّ إرثاً كبيراً، وفي لبنانَ مثلاً، ظلَّ غيرُ المسلمينَ خاضعينَ للشرعةِ الإسلاميّةِ حتّى 1959 تاريخِ صدورِ قانونِ الإرثِ لغيرِ المحمَّديينَ. دعمَ الإسلامُ فقهَ الأحوالِ الشخصيّةِ بوحدةِ القضاءِ، فلمْ يعرفِ التمييزَ بينَ قضاءٍ شرعيٍ وآخرَ مدنيٍ، ما عزَّزَ الشعورَ بالاستقلاليّةِ عندَ المسلمينَ. ولمْ يتخلَّ المسلمونَ عنْ هذهِ الاستقلاليّةِ، بلْ تظاهروا أمامَ دو مارتيل وكانَ لهمْ ما أرادوا منِ استقلاليّةِ في تشريعِ أحوالِهم الشخصيّةِ، وعليهِ، فإنَّ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ يُصيبُ الطوائفَ الإسلاميّةِ في مركزينِ: الأولى، هيَ الأحوالُ الشخصيّةُ، والثانيةُ هيَ التنظيمُ القضائيُّ الشرعيُّ والمذهبيُّ الذي يُعدُّ منَ الوظائفِ الرسميّةِ العامّةِ في الدولةِ اللبنانيّةِ. ومنْ بينِ الطوائفِ الإسلاميّةِ التي صدرَ لها قانونٌ خاصٌّ ينظّمُ شؤونَها، السنّةُ (1955)، والشيعةُ (1957)، والموحّدونَ الدروزُ (1948)، والطائفةُ العلويّةُ (1995)، باستثناءِ الطائفةِ الإسماعيليّةِ في لبنانَ، التي تُدارُ شؤونُها منْ قبلِ مرجعيّةٍ دينيّةٍ موجودةٍ في سوريا. كانَ للدورِ السياسيِّ والعدديِّ الذي تلعبُه الطوائفُ الإسلاميّةُ الثلاثُ الكبرى، التأثيرُ الأكبرُ في الحياةِ التشريعيّةِ اللبنانيّةِ. فما هيَ مواقفُ هذهِ الطوائفِ منْ طرحِ الزواجِ المدنيِّ؟ وما هيَ أبرزُ الدلائلِ على موقفِهم؟ وهلْ منْ قراءةٍ متجانسةٍ معَ مشروعِ الزواجِ المدنيِّ؟ وهلْ منْ أسبابٍ دينيّةٍ لا يمكنُ التغاضي عنها أوْ تفسيرُها بِمَا يوافقُ عمليّةَ التجانسِ هذهِ؟ لقدْ عرفَ المسلمونَ الهجرةَ، شأنَهم شأنُ الكثيرِ منْ مواطني هذهِ البلادِ، فكيفَ تعاطى المسلمونَ معَ إشكاليّةِ الزواجِ المدنيِّ في البلدانِ التي تُقرُّه بقوّةِ القانونِ؟ سيشكّلُ هذا الفصلُ عرضاً مفصّلاً للإجاباتِ حولَ هذهِ التساؤلاتِ، أتَناولُ فيهِ موقفَ كلٍّ منْ هذهِ الطوائفِ الإسلاميّةِ الكبرى منَ الزواجِ عموماً والزواجِ المدنيِّ خصوصاً، معَ تفصيلِ كلِّ نقطةٍ منها.

المبحثُ الأوّلُ: موقفُ الإسلامِ السنّيِّ منَ الزواجِ المدنيِّ

لخَّصَ مفتي الجمهوريّةِ اللبنانيّةِ السابقُ محمّد رشيد قبّاني موقفَ السلطةِ الدينيّةِ الرسميّةِ عبرَ دارِ الفتوى، بأنَّ كلَّ مَنْ يوافقُ منَ المسؤولينَ المسلمينَ في السلطتينِ التشريعيّةِ والتنفيذيّةِ في لبنانَ على تشريعِ الزواجِ المدنيِّ، هوَ مرتدٌ وخارجٌ عنْ دينِ الإسلامِ، أيْ لا تجوزُ الصلاةُ عليهِ ولا يُغسلُ ولا يُكفَّنُ ولا يُدفنُ في مقابرِ المسلمينَ. وبالرغمِ منْ ذلكَ فإنَّ الإسلامَ يدخلُ اليومَ في عالمِ الحداثةِ بخطواتٍ ثابتةٍ أكثرَ، بحكمِ انتشارِه وتطوّرِ خطابِه الدينيِّ، وإنْ صدحَ الصوتُ المخالفُ في حِقبٍ أوْ أماكنَ مختلفةٍ. في العام 1998، عُقدَ مؤتمرٌ في طرابلس حاضرَ فيهِ فقهاءُ منْ مختلفِ المذاهبِ الإسلاميّةِ، وُضِعَ فيهِ مشروعُ الزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ للرئيسِ الهراوي كعنوانٍ فرعيٍ ضمنَ عنوانٍ أساسٍ أكبرَ هوَ "التحدّيات العلمانيّة". استعملَ المحاضرونَ لغةَ الترهيبِ والوعيدِ ضدَّ هذا المشروعِ، الذي صُوّرَ على أنَّه حربٌ أخرى تجري ضدَّ الدينِ الإسلاميِّ وعلى المسلمينَ يجبُ صدُّه بكلِّ ما استطاعوا إلى ذلكَ سبيلاً. يقومُ موقفُ الإسلامِ السنّيِّ منَ الزواجِ المدنيِّ على عدّةِ نقاطٍ أوْ لازمةٍ تُعادُ، وتتكرّرُ في كلِّ مناسبةٍ تُطرحُ فيها مسألةُ القانونِ المدنيِّ للأحوالِ الشخصيّةِ. ومنْ هذهِ النقاطِ ما يعودُ إلى أسبابٍ قانونيّةٍ، ومنها اجتماعيّةٌ، ومنها إلى السندِ الدينيِّ. ولعلَّ أسبابَ رفضِ الطائفةِ السنّيّةِ للزواجِ المدنيِّ تجمعُ بينَ طيّاتِها جميعَ الأسبابِ أوْ أغلبيّتَها التي تناهضُ فكرَ وجودِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ، سواءٌ أكانَ إلزاميّاً أوْ حتّى اختياريّاً. ولعلَّ أيضاً أعلى سقفٍ طُرحَ بوجهِ السلطةِ كانَ منْ دارِ الفتوى، فلمْ يصلْ بأحدٍ منَ الطوائفِ الأخرى إلى التهديدِ بالعصيانِ المدنيِّ علناً، في حالِ تمَّ طرحُ الزواجِ المدنيِّ كما في الطائفةِ السنّيّةِ، إذْ حذَّرَ مفتي الشمالِ طه الصابونجي رئيسَ الجمهوريّةِ منَّ أنَّ طرحَ مشروعِ الزواجِ المدنيِّ على الاستفتاءِ الشعبيِّ سيسمحُ للمسلمينَ في لبنانَ بطرحٍ موازٍ أيضاً على الاستفتاءِ الشعبيِّ، في إشارةٍ إلى موقعِ رئاسةِ الجمهوريّةِ المسيحيِّ. أمّا مفتي جبلِ لبنانَ الشيخُ محمّد الجوزو فقدْ رأى خطراً كبيراً على المجتمعِ اللبنانيِّ إذا أردنا أنْ نخلطَ الأوراقَ في شكلٍ فوضويٍ، فيتسبّبُ ذلكَ بمشكلاتٍ لكلِّ الأُسرِ اللبنانيّةِ. ويُضيفُ الجوزو أنَّه لا يمكنُنا أنْ نتنازلَ عنْ مبادئِنا وقناعاتِنا، فقوانينُ الأحوالِ الشخصيّةِ هيَ عندَ المسلمينَ جزءٌ منْ عقيدتِهم وعبادتِهم، وسنقاومُ أيَّ نوعٍ منْ فرضِ الرأيِ بالقوّةِ.

أوّلاً، المرتكزاتُ القانونيّةُ للدفعِ بالزواجِ المدنيِّ

منَ الحججِ القانونيّةِ التي استُعملتْ للدفعِ بعقدِ الزواجِ غيرِ الدينيِّ، الاستنادُ أوّلاً إلى الحقِّ الدستوريِّ المعطى للطوائفِ في المادّةِ التاسعةِ منَ الدستورِ، والمدعّمِ بحقِّ الطعنِ أمامَ المجلسِ الدستوريِّ في كلِّ ما يتعرّضُ لهذهِ القوانينِ، والمعطى لرؤساءِ الطوائفِ فرديّاً، بينما يحتاجُ إلى عشرِ نوّابٍ مجتمعينَ للطعنِ بأيِّ قانونٍ آخرَ. والملفتُ أنَّ النصَّ الدستوريَّ عينَه هوَ الذي يتَّخذُه أيضاً مناصرو الزواجِ المدنيِّ، للقولِ بأنَّ الدستورَ يطالُ جميعَ مكوّناتِ المجتمعِ معاً، بينما يستعملُها مخالفو الطرحِ المدنيِّ للقولِ بأنَّ الدستورَ يقفُ عندَ آرائهم.

الحجّةُ الثانيةُ تطالُ التنظيمَ القضائيَّ للمحاكمِ الشرعيّةِ، التي تتبعُ قانوناً رئيسَ مجلسِ الوزراءِ اللبنانيِّ السنّيِّ، أيْ إنَّ الموقفَ السنّيَّ يريدُ التعبيرَ بأنَّ محاكمَه هيَ محاكمٌ مدنيّةٌ، وهيَ تخضعُ للتفتيشِ القضائيِّ، وإنْ كانتْ محاكمَ شرعيّةً في متنِ أحكامِها. وبالتالي تكونُ مطالبةُ مَنْ يتمسَّكونَ بالمحاكمِ الشرعيّةِ، تجاهَ مَنْ ينكرونَ عليهم هذا الحقَّ بالنظرِ إلى هذا التنظيمِ القضائيِّ، تنظيماً عدليّاً وإنْ لمْ يخضعْ لوزارةِ العدلِ، وتنظيماً أصيلاً أسوةً بالقضاءِ العدليِّ، وليسَ كما يوصفُ عادةً بأنَّه تنظيمٌ قضائيٌ خاصٌّ. فالمحاكمُ الشرعيّةُ هيَ محاكمٌ نظاميّةٌ، وهيَ جزءٌ منْ تنظيماتِ الدولةِ، صدرَ قانونُها عنْ مجلسِ النوّابِ دونَ مناقشةٍ، ويُعيّنُ قضاتُها بموجبِ مراسيمَ، ويتقاضونَ رواتبَهم منْ خزينةِ الدولةِ، أسوةً بسائرِ القضاةِ في المحاكمِ المدنيّةِ والإداريّةِ. وتطبّقُ المحاكمُ الشرعيّةُ أصولَ محاكماتٍ شبيهةً بأصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ، وخصوصاً عندَ عدمِ وجودِ نصٍ في القانونِ الشرعيِّ.

أمّا المرتكزُ القانونيُّ الثالثُ، فيقومُ على المناداةِ بالحقوقِ الإنسانيّةِ الواسعةِ في عقدِ الزواجِ الدينيِّ، ما يُبرّرُ عدمَ ضرورةِ اللجوءِ فعليّاً إلى قوانينَ أوْ عقودٍ أخرى غيرِ شرعيّةٍ، طالما أنَّ الحريّاتِ العامّةَ مكفولةٌ في الزواجِ الشرعيِّ. ويقومُ المرتكزُ القانونيُّ الرابعُ أخيراً، على مفهومِ الديموقراطيّةِ منْ حيثُ إنّها حُكْمُ الأكثريّةِ. وفي حالِ لبنانَ يرى رجالُ الدينِ عموماً أنَّ منْ حقّهم كونهم أكثريّةً، الأخذُ برأيهم وبعدمِ إقرارِ الزواجِ المدنيِّ.

ثانياً، اقتراحانِ قانونيّانِ لتجنّبِ الزواجِ المدنيِّ

بِمَا أنَّ المعترضينَ على مشروعِ قانونِ الزواجِ المدنيِّ، قدْ رأوا أنَّ الداعينَ إليهِ، يتذرَّعونَ بحجّةٍ قانونيّةٍ مدنيّةٍ بحتةٍ، وهيَ ضرورةُ توحيدِ القوانينِ، وأنْ تكونَ مدنيّةً، ويتَّهمونَ كذلكَ المحاكمَ الدينيّةَ بالقصورِ، منْ ناحيةٍ عمليّةٍ وتنظيميّةٍ، فقدْ حاولَ محمّد علي ضنّاوي سدَّ هاتينِ الثغرتينِ، باقتراحِ مبادئَ عامّةٍ لسَنِّ قانونٍ موحَّدٍ للأحوالِ الشخصيّةِ، وأفكارٍ عامّةٍ لإصلاحِ المحاكمِ الشرعيّةِ. ففي المسألةِ الأولى: افترضَ ضنّاوي أنَّه يمكنُ نظريّاً سَنُّ قانونٍ موحَّدٍ للأحوالِ الشخصيّةِ، منْ خلالِ وضعِ المشتركاتِ الدينيّةِ للطوائفِ كلّها في طيّاتِ القانونِ، ومحاولةِ تدويرِ الزوايا في بعضِ المسائلِ الخلافيّةِ الحادّةِ بينَ الطوائفِ، منْ خلالِ استثناءاتٍ معيّنةٍ. وقدَّمَ في هذا السياقِ الملاحظاتِ التاليةِ:

أوّلاً، ألّا يتعارضَ القانونُ الموحَّدُ معَ أحكامِ الدستورِ. فالدستورُ يؤكّدُ في مادتِه التاسعةِ أنَّه يؤمنُ باللهِ، ويؤدّي فروضَ الإجلالِ لهُ، ويحترمُ أحوالَ المواطنينَ الشخصيّةِ ومصالحَهم الدينيّةِ. فإنْ قيلَ إنَّ الغايةَ منَ القانونِ المدنيِّ الموحَّدِ، هوَ الهروبُ منَ الإيمانِ، وحلُّ مشكلةِ اللامؤمنينَ، كانَ الجوابُ دستوريّاً، أنَّه لا بدَّ قبلَ البحثِ في قانونٍ شخصيٍ موحَّدٍ، منْ خوضِ اللامؤمنينَ معركةَ تعديلِ الدستورِ الذي لا يعترفُ الآنَ إلّا بالإيمانِ.

ثانياً، بِمَا أنَّ القانونَ الموحَّدَ هوَ وحدةٌ تشريعيّةٌ لكلِّ المؤمنينَ وفاقاً لأحكامِ الدستورِ، فلا بدَّ منْ أنْ تُستقى قواعدُه منَ المصدريّةِ العليا لمختلفِ الشرائعِ الدينيّةِ في لبنانَ. وعلى هذا، يوضعُ جدولٌ بموضوعاتِ الزواجِ، ومختلفِ فروعِه وأصولِه، وانعقادِه وانحلالِه، وآثارِه وحقوقِه وواجباتِه، ثمَّ يُنظرُ إلى المصدريّةِ العليا للشريعةِ الإسلاميّةِ (القرآن والسنة)، وللشريعتينِ اليهوديّةِ والمسيحيّةِ (العهد القديم والعهد الجديد)، وبعدَ أنْ تُرَتَّبَ أحكامُ كلِّ شريعةٍ في جدولِ الموضوعاتِ، فإذا لمْ يكن  لإحدى الشرائعِ حكمٌ بموضوعٍ منْ موضوعاتِ الزواجِ المدرجةِ في الجدولِ، يُؤخذُ بحكمِ الشريعةِ الأخرى باعتبارِ أنَّ حكمَها معمولٌ بهِ في مثلِ طائفتِها، فيصبحُ بالنسبةِ إلى سائرِ الطوائفِ حكماً قانونيّاً لا دينيّاً. وكمثالٍ على ذلكَ، نأخذُ مسألةَ الطلاقِ، فهو مباحٌ عندَ المسلمينَ، وليسَ في المصدريّةِ العليا للشريعةِ المسيحيّةِ نصٌّ حاسمٌ في تحريمِه. فيُؤخذُ عندئذٍ حكمُ الطلاقِ في الشريعةِ الإسلاميّةِ، وتُنظّمُه موادُّ القانونِ الموحَّدِ، فيغدو الطلاقُ فيهِ مباحاً للجميعِ. غيرَ أنَّ إباحتَه القانونيّةَ لا تحتمُ على المسيحيِّ الذي آثرَ تعاليمَ الكنيسةِ أنْ يفيدَ منْ هذهِ الإباحةِ، ولكنْ بإمكانِه اللجوءُ إليها متى رغبَ في ذلكَ وتوفّرتْ أسبابُه. وهكذا، بالنسبةِ إلى تعدّدِ الزوجاتِ وسائرِ الموضوعاتِ، غيرَ أنَّ ثمة إشكالاً مهمّاً قدْ يظهرُ في اعتمادِ هذهِ الطريقةِ، وهوَ ما يتعلَّقُ بالموانعِ الدينيّةِ. لكنَّ هذا الإشكالَ يتلاشى باعتمادِ مبدأِ الاستثناءِ، وهوَ مبدأٌ معروفٌ في القوانينِ، فيُنَصُّ مثلاً في القانونِ الموحَّدِ أنَّ زواجَ غيرِ المسلمةِ باطلٌ، وذلكَ لوجودِ نصٍّ محكمٍ في الشريعةِ الإسلاميّةِ.

ثالثاً، إنَّ وجودَ مثلِ هذا القانونِ لا يستتبعُ حتماً وجودَ دوائرَ ومحاكمَ موحَّدةٍ للنظرِ فيهِ. فالمحاكمُ الشرعيّةُ النظاميّةُ تبقى كمَا هيَ، غيرَ أنّها تُطبّقُ ما وردَ في النصوصِ الواردةِ في القانونِ الموحَّدِ، وهذا ينطبقُ على المحاكمِ الروحيّةِ المسيحيّةِ. وقدِ اقترحَ ضنّاوي مشروعاً لإصلاحِ المحاكمِ الشرعيّةِ، قدَّمَه إلى مفتي الجمهوريّةِ حسن خالد، بتاريخ 4 / 5 / 1966 ، وهذهِ أبرزُ بنودِه:

تعيينُ قضاةِ صلحٍ

منَ الخطأِ النظرُ إلى المشكلةِ العائليّةِ بينَ الزوجِ وزوجتِه أوْ بينَ الأبناءِ والآباءِ على أنّها مشكلةٌ عاديّةٌ يمكنُ حسمُها بحكمِ القاضي. لذلكَ، لا بدَّ أوّلاً منْ معالجةِ القضيّةِ بالمصالحةِ قبلَ أنْ نصلَ إلى المحاكمةِ. وعلى الرغمِ منْ أنَّ قانونَ المحاكمِ الشرعيّةِ لمْ يسُنَّ، شأنَه شأنُ سائرِ القوانينِ، عرضَ الصلحِ على الطرفينِ في منازعاتِ التفريقِ خاصّةً، إلّا أنَّ هذا النصَّ لا يُعطى الفرصةَ الكافيةَ في أغلبِ الأحيانِ. لذلكَ اقترحَ ضنّاوي وجوبَ الفصلِ بينَ قضاةِ الصلحِ وقضايا الحكمِ، أيِ استحداثُ مناصبَ جديدةٍ في المحاكمِ الشرعيّةِ يتولاها قضاةٌ مهمَّتُهم الأولى بذلُ الجهدِ للصلحِ والتوفيقِ بينَ المتقاضينَ، فإنْ فشلوا أُحيلتِ القضيّةُ إلى قضاةِ الحكمِ، على أنْ يُختارَ قضاةُ الصلحِ منْ أصحابِ المؤهّلاتِ الشخصيّةِ والنفسيّةِ والشرعيّةِ.

تقنينُ الأحوالِ الشخصيّةِ

ليسَ لأحكامِ الأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ قانونٌ يرجعُ إليهِ المتقاضونَ، ويحكمُ بموجبِه القاضي، فلا غرابةَ بعدَ ذلكَ أنْ نرى الاضطرابَ في الأحكامِ، عندما يصبحُ الأمرُ خاضعاً لعلمِ القاضي واطّلاعِه. فإذا كانَ القاضي غيرَ ملمٍ بتفاصيلِ أقوالِ الفقهاءِ، جاءَ حكمُه غالباً مجانباً للصوابِ ومخالفاً للشريعةِ. واقترحَ ضنّاوي أنْ توكلَ مهمّةُ التقنينِ إلى لجنةٍ منَ العلماءِ ورجالِ الفقهِ والقانونِ فيضعونَ قانوناً متكاملاً لأحكامِ المواريثِ والنفقاتِ والزواجِ والتفريقِ، باختيارِ أرجحِ الآراءِ.

قضايا النسبِ

هيَ منِ اختصاصِ المحاكمِ الشرعيّةِ، ومنَ المفروضِ أنَّ كلَّ ما يصدرُ عنها ضمنَ صلاحيّاتِها يتمتَّعُ بالقوّةِ التنفيذيّةِ، أمامَ دوائرِ النفوسِ، لكنَّ الحالَ ليسَ كذلكَ. فعلى مَنْ استحصلَ على قرارٍ بإثباتِ نسبِه أنْ يدّعيَ مدنيّاً أمامَ قاضي الأحوالِ الشخصيّةِ، حتّى يمكنَ لدوائرِ النفوسِ منْ تقييدِه أصولاً، بمعنى أنَّ الذي ينفَّذُ هوَ حكمُ القاضي المدنيِّ لا الحكمُ الشرعيُّ. لذلكَ، لا بدَّ منْ إضافةٍ صريحةٍ في قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ، لتأكيدِ صلاحيّاتِ القاضي الشرعيِّ.

المحاكمةُ الغيابيّةُ

أخذَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ بنظريّةٍ مزدوجةٍ. فمنْ جهةٍ أوجبَ تبليغَ المدَّعى عليهِ مرتينِ، حتّى يتمكَّنَ القاضي منْ محاكمةِ المدَّعى عليهِ غيابيّاً، ما يسمحُ لهُ بالاعتراضِ لاحقاً. وهذا أسلوبٌ اعتمدَه أكثرُ الخصومِ كوسيلةٍ فعّالةٍ للمماطلةِ والتأجيلِ. لذا، اقترحَ ضنّاوي الإبقاءَ على التبليغِ الثاني معَ تعديلِ المفاعيلِ، فتصبحُ المحاكمةُ بحقِّ المبلَّغِ المصرِّ على الغيابِ، بمثابةِ المحاكمةِ الوجاهيّةِ، ويُلغى الاعتراضُ قانوناً.

ثالثاً، المرتكزاتُ الدينيّةُ للدفعِ بالزواجِ المدنيِّ

قواعدُ الزواجِ الشرعيِّ في الإسلامِ هيَ قواعدٌ ملزمةٌ مستندةٌ إلى العقيدةِ الإسلاميّةِ، وكلُّ تخلٍ عنْ تلكَ القواعدِ لصالحِ نوعٍ آخرَ منْ عقودِ الزواجِ، هوَ تخلٍ عنِ الإسلامِ عينِه وخروجٌ عنهُ. ينادي القرآنُ بأنَّ اللهَ هوَ وليُّ المتّقينَ، وأنَّ إرضاءَه خيرٌ منْ إرضاءِ الناسِ، وإلّا تعرَّضَ المخالفونَ للعقوباتِ الإلهيّةِ، وليستِ المفاسدُ في المجتمعِ الغربيِّ سوى نتيجةٍ للابتعادِ عنْ إرضاءِ اللهِ المعبّرِ عنهُ باللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ. ويقولُ الدكتورُ الشيخُ صبحي الصالح في مناظرةٍ حولَ الزواجِ المدنيِّ، إنَّ الإسلامَ ليسَ بحاجةٍ قطّ، ولا يرضى بحالٍ أنْ يستوردَ قانوناً أجنبيّاً لشؤونِ الزواجِ، بلْ لا يرضى أيضاً مهما ضَعُفَ المسلمونَ سياسياً في بعضِ الأقاليمِ، أنْ يقتبسَ مجرّدَ اقتباسٍ منْ أيِّ قانونٍ مدنيٍ وضعيٍ. ويحرّمُ الإسلامُ المسلمةَ على غيرِ المسلمِ، ويحرّمُ على المسلمِ الزواجَ منْ غيرِ ذاتِ كتابٍ، لأنَّ الأسرةَ في الإسلامِ أبويّةٌ، يثبتُ فيها نسبُ الأولادِ منَ الزوجِ لا منَ الزوجةِ، كمَا هيَ الحالُ في القوانينِ العالميّةِ. وإنّما أجازَ الإسلامُ للرجلِ ما لمْ يجزهُ للمرأةِ، لأنَّ المرأةَ الكتابيّةَ ستتزوَّجُ رجلاً يؤمنُ بالأديانِ السماويّةِ كلّها، ولا يفرّقُ بينَ الأنبياءِ المرسلينَ. بينما المسيحيُّ مثلاً لا يؤمنُ بالإسلامِ ولا يشهدُ بنبوّةِ محمّدٍ. ويبيحُ الإسلامُ تعدّدَ الزوجاتِ وخصوصاً عندَ الضرورةِ. ويضعُ حدوداً لهذا التصوّرِ وأسبابِه، وربطهِ باعتباراتٍ اجتماعيّةٍ وإنسانيّةٍ. فالقرآنُ يبيحُ التعدّدَ بنصٍّ صريحٍ، فهلْ يقبلُ المسلمونَ بتحريمِ ما أحلَّه اللهُ؟. وحدَّدَ الإسلامُ الطلاقَ تحديداً واضحاً، فمنه ما هوَ رجعيٌ، ومنه ما هو بائنٌ، يحلُّ فيهِ للمُطلّقينَ الرجوعُ بعقدٍ جديدٍ. ومنه ما هو بائنٌ بينونةً كبرى، لا تحلُّ الزوجةُ بعدَه لزوجِها الذي طلَّقها، إلّا بشروطٍ. كما حرَّمَ الإسلامُ الطلاقَ في أوقاتٍ محدَّدةٍ، كفترةِ الحيضِ. فما الذي سيقومُ مقامَ هذهِ النصوصِ في الزواجِ المدنيِّ؟. وفيمَا يتعلَّقُ بعناصرِ الزواجِ منْ مَهْرٍ وسكنٍ ونفقةٍ، وشروطِه منْ شهودٍ وولايةٍ، فإنَّ الإسلامَ أوجبَ على الرجلِ في عقدِ الزواجِ تحديدَ المَهْرِ وتأمينَ السكنِ ودفعَ النفقةِ، فكيفَ يمكنُ أنْ تُعالجَ هذهِ المسألةُ في القانونِ المدنيِّ؟. فالمهرُ الذي يدفعُه الزوجُ لزوجتِه تكريماً لها ورمزاً للرغبةِ في الاقترانِ بها، وصيانةً لكرامتِها أنْ تُمْتَهَنَ في سبيلِ جمعِ المالِ ليكونَ مَهراً تقدّمُه هيَ للرجلِ. وهذا المهرُ في الشريعةِ الإسلاميّةِ واجبٌ، ولوْ لمْ يُشرطْ في العقدِ، ولمْ يُسَمَّ مقدارُه. وطلبَ الإسلامُ أنْ يشهدَ شهودُ العدلِ على عقدِ الزواجِ. والعدالةُ في الشهودِ في مفهومِ الإسلامِ، لا تكونُ إلّا في مسلمٍ، لأنَّ الشهادةَ منْ بابِ الولايةِ، فهلْ يقبلُ القانونُ المدنيُّ أنْ يكونَ الشاهدانِ مسلمَينِ حصراً؟. ويرى الدكتورُ الشيخُ صبحي الصالح بشأنِ الشخصِ الذي يُجري العقدَ، أنَّه منَ المحتملِ في الزواجِ المدنيِّ، أنْ يعقدَ غيرُ المسلمِ ممثلاً في الموظَّفِ الرسميِّ المسؤولِ عقدَ الزوجينِ المسلمينَ. ومعَ أنَّه لا يشترطُ قطّ إجراءُ عقدِ الزواجِ على يدِ شيخٍ منْ علماءِ المسلمينَ، إلّا أنَّه بعدما جرى عُرفُ المسلمينَ بذلكَ، فإنَّ في هذهِ الشكليّاتِ خياراً، وفي الأقلِّ أنْ يجريَ العقدَ مسلمٌ، ولوْ كانَ مدنيّاً. ويمنعُ الإسلامُ التوارثَ في حالةِ اختلافِ الدينِ. كما يمتلكُ شرعةً منسَّقةً في الميراثِ، فكيفَ يحدّدُ القانونُ المدنيُّ هذهِ المسألةَ، وماذا نفعلُ بالنصوصِ القرآنيّةِ الواضحةِ؟ كما وضعَ الإسلامُ لائحةً بمحرَّماتِ الزواجِ ومنها محرَّماتُ الرضاعِ، فكيفَ سيتعاملُ القانونُ المدنيُّ معها؟. تتضمَّنُ الشريعةُ الإسلاميّةُ أحكاماً تنظّمُ علاقةَ المنتسبِ إلى الدينِ معَ خالقِه، كمَا تتضمَّنُ أحكاماً تفصيليّةً في علاقتِه بأخيهِ الإنسانِ في المعاملاتِ التجاريّةِ، وصولاً إلى العقوباتِ المتوجّبِ تطبيقُها على المخالفينَ. غيرَ أنَّ المسلمينَ في لبنانَ، تنازلوا عنْ أنواعٍ عدّةٍ منْ هذهِ المعاملاتِ التي هيَ مدنيّةٌ بامتيازٍ، واكتفوا بأحوالِهم الشخصيّةِ وبنائِها وفقاً لشريعتِهم. القولُ بأنَّ كلَّ مسلمٍ يلجأُ إلى الزواجِ المدنيِّ قدْ تنازلَ بحكمِ الواقعِ، عنْ كلمةِ اللهِ في القرآنِ، وعنْ أحكامِه الشرعيّةِ، لهو تفسيرٌ واسعٌ يُدخلُ رجالَ الدينِ في نيّاتِ الناسِ ومعتقداتِهم الداخليّةِ، فيمَا الميادينُ الأخرى التي نصَّ عليها المشرّعُ اللبنانيُّ المدنيُّ، لا يتمُّ التعاملُ معها على أنّها أداةٌ تعملُ ضدَّ الحضرةِ الإلهيّةِ، أوْ تدفعُ بالناسِ إلى نكرانِ الذاتِ أوِ الهويّةِ الإسلاميّةِ.

أ- مسألةُ تعدّدِ الزوجاتِ

مسألةُ تعدّدِ الزوجاتِ منْ أكثرِ المسائلِ طرحاً اليومَ في الحديثِ عنِ الإسلامِ والزواجِ. ويقومُ الانتقادُ الأوّلُ على أنَّ الإسلامَ لا يساوى بينَ الرجلِ والمرأةِ، إذْ لا يحقُّ للزوجةِ أنْ تجمعَ في نفسِ الوقتِ بينَ عدّةِ رجالٍ بشكلٍ قانونيٍ موثَّقٍ، بينما الحقُّ مُعطىً للرجلِ. معَ العلمِ أنَّ تركيا وتونس تمنعانِ بقوّةِ القانونِ إقامةَ تعدّدٍ للزوجاتِ، وهذا الأمرُ الأخيرُ تُبيحُه كلُّ الدولِ الإسلاميّةِ وأيضاً بقوّةِ القانونِ. والملحوظُ في هذهِ المرحلةِ منَ الزمنِ التي نحيا فيها، أنَّه أُبقيَ على الزواجِ الأحاديِّ بحكمِ العاداتِ الاجتماعيّةِ، إذْ إنَّ تعدّدَ الزوجاتِ لا يدخلُ منْ ضمنِ الحقوقِ العامّةِ لكلِّ إنسانٍ، وإنّما فقطْ ضمنَ المسموحاتِ، نظراً للقيودِ أوِ الشروطِ الواجبِ توفّرِها والتي ترافقُه عادةً وهيَ "العدل". تعودُ القاعدةُ الشهيرةُ لأحكامِ هذا السماحِ بالتعدّدِ، إلى الآيةِ القرآنيّةِ الرابعةِ منْ سورةِ النساءِ ﴿ وإ نْ خفْتُمْ أ لَّا تُقْ سطُوا في الْ يتامىٰ فانْ كحُوا ما طا بَ لكُمْ م ن ال نّ سا ءِ مثْنىٰ وثُ لا ثَ ورُ باعَ ف إنْ خفْتُمْ أ لَّا ت عْ دلُوا ف وا ح دةً أوْ ما م ل كتْ أ يْ مانُكُمْ ذل كَ أ دْ نىٰ أ لَّا ت عُولُوا ﴾ (النساء: 4). وترجعُ الأسبابُ التاريخيّةُ للسماحِ بتعدّدِ الزوجاتِ أوّلاً، إلى الحالةِ الاجتماعيّةِ السابقةِ للإسلامِ، حيثُ لمْ يكنْ منْ عددِ الزوجاتِ محدَّداً أصلاً. وبهذا المعنى أتى الإسلامُ بتحديدِ حدٍّ أقصاهُ هو أربعةٌ، وليسَ لواجبِ الزواجِ بأربعةٍ. وبالتالي أصبحَ المجتمعُ أمامَ حالةِ تضيّقٍ لهذهِ الحريّةِ المتفلّتةِ منَ الضوابطِ. إنَّ انتقالَ المجتمعِ الإسلاميِّ في بداياتِه منْ إباحةٍ كاملةٍ لعددِ الزوجاتِ في بيئةِ شبهِ الجزيرةِ العربيّةِ، إلى تقييدٍ مشروطٍ وإلى أبعدَ منْ ذلكَ إلى تحفيزٍ ضمنيٍ بأنَّ الزواجَ بواحدةٍ أفضلُ منْ أنْ يقعَ الرجلُ في فخِّ اللاعدالةِ، هوَ في مضامينِه مقاربةٌ لواقعِ الحياةِ اليوميّةِ في ذاك العصرِ، ومحاولةٌ للنهوضِ بالمجتمعِ إلى فضاءٍ أرحبَ. والسببُ الثاني وراءَ الأخذِ بقاعدةِ تعدّدِ الزوجاتِ، يأتي في زمنٍ لاحقٍ لانتشارِ الإسلامِ، وهوَ حفظُ حالةِ المجتمعِ منَ الفسادِ، إذْ إنَّ الدخولَ في حالةِ الحربِ واختلالِ التوازنِ بينَ عددِ الرجالِ وعددِ النساءِ، كانَ لا بدَّ منْ تحفيزِ النصفِ الأوّلِ منَ الآيةِ المذكورةِ أعلاهُ، التي تبيحُ إمكانيّةَ التعدّدِ حفظاً لحياةِ النساءِ اقتصاديّاً عبرَ تأمينِ مُعيلٍ جديدٍ، واجتماعيّاً عبرَ وجودِ رجلٍ مسؤولٍ مُدافعٍ عنها. نعم، تزوَّجَ محمّدٌ منْ بعدِ وفاةِ زوجتِه الأولى خديجة بتسعِ نساءٍ، وذلكَ لعدّةِ أسبابٍ، منْ بينِها تحسينُ الروابطِ بينَ القبائلِ والشعوبِ، فكسرَ بالزواجِ حدّةَ المشاعرِ تجاهَ أعدائِه، كزواجِه بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أوْ بجويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق، أوْ صفية اليهوديّة بنت حيي بن أخطب. وبالرغمِ منْ هذهِ النيّةِ الحسنةِ في تأليفِ القلوبِ إلّا أنَّ الآية 52 منْ سورةِ الأحزابِ نهتِ النبيَّ عنِ الزواجِ ولوْ أُعْجِبَ بحُسنهنَّ ﴿ لَّا ي حلُّ ل كَ ال نّ ساءُ من ب عْدُ و لا أ ن ت بدَّ لَ ب هِنَّ منْ أ زْ واجٍ و لوْ أ عْ ج ب كَ حُسْنُهُنَّ إلَّا ما م ل كَتْ ي مينُ كَ و كا نَ اللََّّ ع لىٰ كُ لِّ شيْ ءٍ رَّ قيباً ﴾ (الأحزاب: 52). إنَّ زيادةَ عددِ نساءِ الرسولِ عنْ أربعةٍ لا يُعْتَدُّ بهِ أنَّه سُنّةٌ، وإنّما هوَ وضعٌ خاصٌّ لمحمّدٍ يمتازُ بهِ عنْ باقي المسلمينَ. وتذهبُ اليومَ العاداتُ الاجتماعيّةُ والتقاليدُ الموروثةُ بالمزاجِ العامِّ إلى تفضيلِ الزواجِ الأحاديِّ، وعدمِ الدخولِ في التعدّديّةِ منْ بابِ الحرصِ على حياةِ العائلةِ بكلِّ جوانبِها الماديّةِ والنفسيّةِ. والدليلُ على ذلكَ ما أخذتْ بهِ الممارسةُ الحياتيّةُ عندَ الغالبيّةِ الكبرى منَ المسلمينَ في الإبقاءِ على زوجةٍ واحدةٍ، وإنْ سمحَ الشرعُ بأربعةٍ. فمعَ مرورِ الزمنِ وتغيّرِ أحكامِ العلاقةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، نشهدُ اليومَ عمليّةَ تطويرٍ للقوانينِ الشرعيّةِ بطريقةٍ طوعيّةٍ وضمنيّةٍ، عبرَ رفضِ الأخذِ بهذهِ الإباحةِ، والاكتفاءِ بزوجةٍ واحدةٍ. ورفضَ الإسماعيليّونَ مبدأَ تعدّدِ الزوجاتِ، وكانَ الاقتداءُ بالإمامِ السادسِ إسماعيل، الذي كانَ زوجَ واحدةٍ فقطْ، ومنه اتَّخذَ القرامطةُ والموحّدونَ الدروزُ مبدأَ الزوجةِ الواحدةِ. إنَّ طائفةَ الموحّدينَ الدروزِ لا تقبلُ بتعدّدِ الزوجاتِ بشكلٍ قطعيٍ. فالمادّةُ العاشرةُ منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ تنصُّ صراحةً على منعِ الرجلِ منَ الجمعِ بزوجتينِ. وإنْ فعلَ، فزواجُه منَ الثانيةِ باطلٌ، أمّا لدى طائفةِ السنّةِ فيجوزُ للمرأةِ الاشتراطُ على الرجلِ أنْ لا يتزوَّجَ عليها، وإنْ فعلَ، فهيَ أوِ المرأةُ الثانيةُ طالقٌ. ولا يزالُ صوتُ النساءِ ومطالبُهنَّ عبرَ الإعلامِ أوْ عبرَ الجمعيّاتِ الأهليّةِ، يحرّكُ أرضَ الواقعِ. فلهُنَّ حقُّ المطالبةِ بتغييرِ القوانينِ، ولهُنَّ أيضاً الحقُّ في تأكيدِ وقوعِ مبدأِ العدلِ بينَ الزوجاتِ أوْ

عدمِه، نظراً لكونهنَّ الأكثرَ ضعفاً في موقفِهنَّ في حالةِ تعدّدِ الزيجاتِ.

ب- مسألةُ العنفِ الزوجيِّ

يُعادُ طرحُ مفهومِ الزواجِ في الإسلامِ، كلّمَا تطرَّقَ الواقعُ إلى قضيّةِ العنفِ الأُسَريِّ، وخصوصاً كلّمَا فُتحَ بابُ النقاشِ حولَ المعاهداتِ الدوليّةِ التي تناهضُ تلكَ الأفعالِ. ويرى المجتمعُ الإسلاميُّ في قضيّةِ التدخّلِ في قوانينِ الأسرةِ، منْ بابِ حمايةِ المرأةِ منَ العنفِ الأُسَريِّ، طريقةً أخرى للتدخّلِ المباشرِ في واقعِ الحياةِ، والحضِّ على الابتعادِ عنِ المسلّماتِ الدينيّةِ التي تربّى عليها. يظهرُ اليومَ أنَّ المدافعةَ عنِ الموروثِ الدينيِّ في قضيّةِ العنفِ الأُسَريِّ أمامَ شاشاتِ الإعلامِ، كأنَّ الإسلامَ كانَ يشجّعُ على ارتكابِ العنفِ ضدَّ المرأةِ، بينمَا المرادُ بهِ منَ المدافعةِ هوَ وقفُ عمليّةِ التدخّلِ التي يقومُ بها المجتمعُ الدوليُّ، والتي ينوي منْ خلالِها تقويضَ مفاصلِ الحياةِ اليوميّةِ. وتنصُّ الآيةُ 19 منْ سورةِ النساء على ﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (النساء: 19). وتتوسَّعُ قضايا العنفِ الأُسَريِّ لتطالَ قضيّةَ الاغتصابِ الزوجيِّ، وهذهِ القضيّةُ مرفوضةٌ منْ جميعِ مكوّناتِ المجتمعِ. ولكنَّ الإسلامَ يشجّعُ على حقِّ الزوجِ بالحياةِ الجنسيّةِ، ما يفتحُ المجالَ واسعاً أمامَ الالتباسِ في اعتبارِ هذهِ القضيّةِ حمايةً للمرأةِ أوْ تعدّياً على المنظومةِ الحقوقيّةِ التي أرساها، والتي تُعتبرُ التشريعَ الإلهيَّ في كلِّ الأحوالِ، أعلى مرتبةً منْ كلِّ التشريعاتِ الوضعيّةِ. وينبغي التنبّهُ أخيراً إلى التمييزِ بينَ موقعينِ يحيا فيهما المسلمونَ. الموقعُ الأوّلُ، هوَ البلادُ التي تفرضُ قوانينُها المدنيّةُ كوجوبِ اللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ دائماً كخيارٍ أوّلٍ، سواءٌ تبعَه عقدٌ دينيٌ أوِ اكْتُفيَ بهِ. والموقعُ الثاني، هوَ البلادُ التي تُعطي مواطنيها اعتمادَ الشريعةِ الإسلاميّةِ، إنْ بشكلٍ مباشرٍ حيثُ دينُ الدولةِ هوَ الإسلامُ كمعظمِ البلادِ العربيّةِ، أوْ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، كمَا في البلادِ التي تُعطي المؤسَّساتِ الدينيّةِ تنظيمَ الأحوالِ الشخصيّةِ لِمَنْ يتبعونَها، كلبنانَ مثلاً. إنَّ التشريعَ في العالمِ الإسلاميِّ ليسَ منوطاً بهيئةٍ واحدةٍ، إذْ إنَّ بابَ الاجتهادِ في الآراءِ الفقهيّةِ واسعٌ جدّاً، ويُبنى على الأدلّةِ النصّيّةِ الموحى بها، أوْ على الاعتباراتِ العقليّةِ المستندةِ إلى القياسِ والاستحسانِ والمصالحِ والأعرافِ. لمْ تكنْ هناكَ قاعدةٌ تُحدّدُ عددَ الزوجاتِ في زمنِ الرسولِ. ويُعتبرُ الإسلامُ نفسُه أنَّه ساهمَ في تطويرِ ثقافةِ العصرِ بأنْ ألزمَ مجتمعَه بحدٍّ أقصى هوَ أربعٌ، ولكلِّ عصرٍ ثقافتُه وقيمُه وأعرافُه. وإذا كانَ الاتّجاهُ هوَ الحدّ منَ الزيجاتِ بواحدةٍ، فهذهِ القاعدةُ لا تناقضُ القاعدةَ الإسلاميّةَ وإنّما هيَ ضمنَ الحدودِ التي أقرَّها القرآنُ. وبالتالي فإنَّ العملَ ضمنَ المباحِ هوَ سَنَدٌ يبيحُ الانسجامَ بينَ الدينِ وثقافةِ المجتمعِ. وغالباً ما نجدُ أحكامَ الزواجِ الدينيِّ، أكثرَ رحابةً منْ تلكَ التي يطالبُ بها المجتمعُ الدوليُّ. وعادةً ما تخرجُ أدبيّاتُ المدافعينَ عنَ الزواجِ الدينيِّ، بالحديثِ عنْ كيفيّةِ تقييدِ المجتمعِ الدوليِّ للأديانِ عبرَ الالتفافِ على أحكامِها، وخصوصاً لجهةِ مطالبةِ الاتّفاقيّاتِ الدوليّةِ للدولِ برفعِ الحدِّ الأدنى لسرِّ الزواجِ إلى سنٍّ أبلغَ. والملفتُ أنَّ الأسبابَ الموجبةَ في تعديلِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ المذهبيّةِ تنصُّ صراحةً على ضرورةِ مواكبةِ تطوّرِ المجتمعِ، والالتزاماتِ الماليّةِ الملقاةِ على عاتقِ الزوجينِ، كالأسبابِ الموجبةِ لتعديلِ قانونِ طائفةِ الموحّدينَ الدرزيّةِ، الصادرِ أوّلاً عام 1948، والتعديلِ المنشورِ في الجريدةِ الرسميّةِ عدد 49 لتاريخ 19 / 10 / 2017. إنَّ التجربةَ البشريّةَ والممارسةَ القضائيّةَ والبحثَ العمليَّ طوالَ الفترةِ الممتدّةِ منْ ذلكَ التاريخِ وحتّى يومِنا هذا، قدْ زخرتْ بالكثيرِ منَ التغيّراتِ والحالاتِ التي أكّدتْ أنَّ بعضَ هذهِ النصوصِ أضحى بحاجةٍ إلى إعادةِ النظرِ، كونَها لمْ تعدْ تتماشى معَ التطوّرِ الذي أصابَ العلاقاتِ البشريّةِ والمفاهيمِ الإنسانيّةِ، ولا سيّما المفاهيمِ المتعلّقةِ بالعلاقاتِ الأسريّةِ سواءٌ بينَ الزوجينِ أوْ بينَ هؤلاءِ وأولادِهم، والمتعلّقةِ باحتسابِ قيمةِ المهرِ، وبإرثِ البنتِ وسواها. والملاحظُ أيضاً في الأسبابِ الموجبةِ للتعديلِ غيابُ أيِّ نصٍّ دينيٍ محدَّدٍ، إذْ إنَّ الأسبابَ الموجبةَ بأكملِها تربويّةٌ ونفسيّةٌ واجتماعيّةٌ تفرضُ نفسَها كطريقٍ وحيدٍ لمجاراةِ متطلّباتِ الحياةِ الآنيّةِ.

المبحثُ الثاني: موقفُ الإسلامِ الشيعيِّ منَ الزواجِ المدنيِّ

يرفضُ الشيعةُ قانونَ الزواجِ المدنيِّ إذْ لا مبرّرَ لهُ إطلاقاً، خصوصاً أنَّ القضاءَ الجعفريَّ يتبعُ السلطةَ الرسميّةَ أيْ مجلسَ الوزراءِ مباشرةً، وبالتالي فكانَ القضاءُ الشرعيُّ إنّما هوَ قضاءٌ عدليٌ بحسبِ القاضي الجعفريِّ الشيخ محمّد علي كنعان.

أوّلاً، موقفُ الإمامِ المغيَّبِ موسى الصدرِ

دعا الإمامُ المغيَّبُ موسى الصدرُ إلى توحيدِ أحكامِ الزواجِ بشرطِ ألّا تتعارضَ معَ أحكامِ الشرعِ ومعتقداتِه. وأمّا العلّامةُ محمّد حسين فضل الله، ففصَّلَ موضوعَ الزواجِ المدنيِّ في ثلاثِ نقاطٍ. النقطةُ الأولى منْ ناحيةِ الشكلِ أوِ الصيغةِ اللازمةِ لإتمامِ العقدِ. وهذا ما يوافقُ عليهِ منْ ناحيةِ التعبيرِ عنِ الرضى في الزواجِ المدنيِّ. أمّا النقطةُ الثانيةُ، فهناكَ اعتراضٌ جزئيٌ عليها منْ ناحيةِ إتمامِ عقدِ الزواجِ بينَ المسلمِ ومَنْ يرفضُ الإسلامُ أنْ يتزوَّجَ أتباعُه بهم، كأتباعِ الدياناتِ غيرِ السماويّةِ، أوْ حالةِ المسلمةِ التي تتزوّجُ بغيرِ المسلمِ. وإذا ما حصلَ هذا العقدُ، فيُعتبرُ باطلاً وغيرَ شرعيٍ. وهذا ينسحبُ على الأولادِ الذينَ يأتونَ منهُ فيُعتبرونَ غيرَ شرعيّينَ. أمّا النقطةُ الأخيرةُ، فتتعلَّقُ بانحلالِ عقدِ الزواجِ شرعاً، أيْ بالطلاقِ أوْ بالفسخِ. فالعلّامةُ فضلُ اللهِ يعتبرُ أنَّ ما يؤدّي إلى انحلالِ عقدِ الزواجِ مدنيّاً منْ دونَ أنْ يُغطّى في النصوصِ الشرعيّةِ، هوَ بحكمِ الشريعةِ غيرِ سارٍ. أمّا المرأةُ المطلَّقةُ مدنيّاً، فإنْ لمْ تُتْبِع طلاقَها المدنيَّ بطلاقٍ تُصدرُه محكمةٌ شرعيّةٌ، فلا يجوزُ لها الزواجُ منْ جديدٍ.

ثانياً، موقفُ السيّدِ هاني فحصٍ

يرى السيّدُ هاني فحصٍ في مقالةٍ لهُ " الزواج المدني: فسحة في الفقه متوفّرة" أنَّ النظرةَ السياسيّةَ للزواجِ المدنيِّ هيَ مؤثّرةٌ جدّاً في المنحى الفقهيِّ الإسلاميِّ، المدعوِّ إلى إعادةِ قراءةِ مسلكيّاتٍ فقهيّةٍ، تُعْتَبَرُ أنّها رهنُ فتراتِ تاريخيّةِ معيّنةٍ أنتجتْها، وأنّها نسبيّةٌ وغيرُ مُطْلَقَةٍ. ويدعو السيّدُ إلى لقاءٍ بينَ حقوقيّينَ وفقهاءَ مجتهدينَ، بعيدينَ عنِ الأجنداتِ السياسيّةِ إلى العملِ معاً " ليتَّفقوا، منْ دونِ تسرُّعٍ، على تكييفِ فقهيٍ حقوقيٍ للزواجِ عموماً، بِمَا يحفظُ العلاقةَ العميقةَ معَ السياقِ الدينيِّ، ويفتحُها على التطوّرِ الطبيعيِّ والمدنيِّ منْ دونِ قطيعةٍ قاسيةٍ". ويحدّدُ السيّدُ فحصٌ أنَّه أمرٌ محتملٌ أنْ يؤثّرَ الزواجُ سلباً على دورِ وحياةِ رجالِ الدينِ عموماً، وقضاةِ الشرعِ خصوصاً، لكنَّه ليسَ الكامنَ الوحيدَ وراءَ الموقفِ السلبيِّ منَ الزواجِ المدنيِّ، لأنَّ الكامنَ هوَ فقهيٌ وقدْ يكونُ مرناً أوْ مغلقاً، وإنَّ نظرةَ الرئيسِ برّي والرئيسِ الحريري لها الفصلُ في "تغليب المرونة والسعة الفقهيّة على الانغلاق الفقهي والحماسة المدنيّة المفرطة للزواج المدني". ورأى فحصٌ أنَّ النجاحَ في صياغةِ تكييفٍ رسميٍ قانونيٍ وفقهيٍ، ثقافيٍ ومجتمعيٍ للزواجِ المدنيِّ، قدْ يكونُ ضوءاً أخضرَ على طريقِ تحويلِ القضاءِ الشرعيِّ والروحيِّ إلى الإدارةِ المدنيّةِ (القضاء العام) معَ الحفاظِ على الخصوصيّاتِ واحترامِها إلى أبعدِ درجاتِ الاحترامِ... أيْ إتاحةُ الفرصةِ المقوننةِ أوِ المشرَّعةِ في مجلسِ النوابِ لمجلسِ القضاءِ الأعلى، أنْ يستحدثَ في عمارتِه العلميّةِ طابقاً للقضاءِ في الأحوالِ الشخصيّةِ على أساسِ الفقهِ الإسلاميِّ والليتورجيا الكنسيّةِ... بحيثُ يكونُ هناكَ قضاةٌ معمَّمونَ أوْ غيرُ معمَّمينَ، حقوقيّونَ وحوزويّونَ، متخصّصونَ في مجلسِ القضاءِ الأعلى بالأحوالِ الشخصيّةِ، تماماً كمَا فعلتْ مصرُ منذُ زمنٍ بعيدٍ... ثمَّ لجأتْ أخيراً إلى تطبيقِ مفهومِ التحكيمِ الشرعيِّ القرآنيِّ بِمَا استلزمَه منْ تحديثٍ، بالتوسّعِ إلى اختصاصاتٍ أخرى إضافةً إلى الاختصاصِ الدينيِّ.

ثالثاً، موقفُ الشيخِ نعيمِ قاسمٍ

رأيُ الشيخِ نعيمِ قاسمٍ في الزواجِ المدنيِّ

يقولُ الشيخُ نعيمُ قاسمٍ إنَّ الزواجَ المدنيَّ باختصارٍ، هوَ عقدٌ بينَ طرفينِ ذكرٍ وأُنثى يترتَّبُ عليهِ حقوقٌ وواجباتٌ، أيْ إنَّه عقدٌ لهُ مفاعيلُ تمتدُّ في حياةِ الإنسانِ وفي مفرداتِ الأحوالِ الشخصيّةِ بمستلزماتِها كافّةً، بمعنى آخرَ، ليسَ الزواجُ المدنيُّ مجرّدَ عقدٍ عندَ قاضٍ مدنيٍ، ليستسهلَه البعضُ ويرغبَ بهِ -كما يروّجونَ - إنّما هوَ زواجٌ يبدأُ بالعقدِ، ويمتدُّ إلى كلِّ مفاعيلِه الأخرى في جميعِ مستلزماتِ الأحوالِ الشخصيّةِ.

فالعقدُ الشرعيُّ أسهلُ بكثيرٍ لأنَّه لا يحتاجُ أصلاً إلى قاضٍ ولا إلى عالمٍ ولا إلى أيّ أحدٍ، بلْ يكفي أنْ تقولَ لهُ: "زوَّجْتُكَ نفسي على مَهْرٍ وقدره كذا"، ويقولُ: "قَبِلتُ التزويج" لِيتمَّ الزواجُ، بدونِ شهودٍ وبدونِ شخصٍ ثالثٍ، بلْ بالعقدِ بينَ الطرفينِ. فلوْ كانَ الحديثُ عنْ سهولةِ العقدِ، لقلنا بأنَّ العقدَ الشرعيَّ منْ وجهةِ نظرٍ إسلاميّةٍ هوَ أسهلُ بكثيرٍ منَ العقدِ المدنيِّ عندَ قاضٍ معَ شاهدينِ ومستلزماتٍ أخرى.

لكنَّ الموضوعَ لا يرتبطُ بالعقدِ فقطْ، وإنّما يرتبطُ بسلسلةٍ منَ المفاعيلِ نسمّيها حقوقاً وواجباتٍ تترتَّبُ على هذا الزواجِ المدنيِّ، أيْ عندما يذهبُ الشابُّ ليعقدَ على فتاةٍ عندَ قاضٍ على قاعدةِ الموافقةِ على الزواجِ المدنيِّ، فهو يقولُ وهيَ تقولُ بأنَّهما وافقا على القوانينِ المرعيّةِ الإجراءِ التي وُضعتْ في القانونِ المدنيِّ، والتي تختلفُ عنِ الحقوقِ والواجباتِ التي وُضعتْ في القانونِ الشرعيِّ. فللّزواجِ المدنيِّ إذاً رؤيتُه للأحوالِ الشخصيّةِ، والزواجُ الشرعيُّ الإسلاميُّ لهُ رؤيةٌ ثانيةٌ مختلفةٌ عنْ هذا الزواجِ المدنيِّ، لذا لا يمكنُ الخلطُ بينهما.

ويُضيفُ إنَّ عقدَ الزواجِ الشرعيَّ الإسلاميَّ يترتَّبُ عليهِ مفاعيلُ في الأحوالِ الشخصيّةِ وهذهِ المفاعيلُ منْ حقوقٍ وواجباتٍ يُفترضُ أنَّ الالتزامَ بها هوَ الالتزامُ بأوامرِ اللهِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ. ويُقارنُ الشيخُ قاسمٍ بينَ بنودِ مشروعِ قانونِ الزواجِ المدنيِّ الاختياريِّ الذي عُرضَ على مجلسِ الوزراءِ عام 1998، وبينَ أحكامِ الشريعةِ بحسبِ المذهبِ الجعفريِّ.

الإيجابُ والقبولُ

عندما يعقدُ المسلمُ عقدَ زواجٍ شرعيٍ، فثمَّةَ صيغةٌ بينَ الطرفينِ. وهذا يعني أنَّ صيغةَ الزواجِ اللفظيِّ أساسيّةٌ في العقدِ. فإذا جاءَ إنسانٌ وقالَ لفتاةٍ أريدُ أنْ أتزوَّجَكِ، وقالتْ "قبلت"، لا يتمُّ الزواجُ بهذهِ الطريقةِ، لأنَّ الزواجَ يبدأُ بعقدٍ لهُ صيغةٌ لفظيّةٌ فيها الإيجابُ بقولِها "زوّجتك نفسي" أو يقول وكيلهما "زُوّجتك موكّلتي على مهر وقدره كذا"، ومنه القبولُ بقولِه: "قبلت". إذًا الإيجابُ والقبولُ على مستوى الصيغةِ اللفظيّةِ مطلوبانِ في العقدِ، وبدونِ الإيجابِ والقبولِ اللفظيَّيْنِ لا يُعتبرُ العقدُ شرعيّاً ومشهوراً بينَ الفقهاءِ، ولا يُعتبرُ الزواجُ قائماً، فالبدايةُ تكونُ منَ اللفظِ، يعني لوِ افترضنا أنَّه ذهبَ ليتزوَّجَ على الطريقةِ المدنيّةِ، فقدْ تكونُ الطريقةُ المدنيّةُ مبنيّةً على الموافقةِ بدونِ إيجابٍ وقبولٍ وبدونِ صيغةٍ لفظيّةٍ أوْ بالتوقيعِ على المستنداتِ فقطْ. في العقدِ المدنيِّ مفارقةٌ ومخالفةٌ معَ العقدِ الشرعيِّ الإسلاميِّ.

ففي العقدِ الشرعيِّ الإسلاميِّ الصيغةُ مطلوبةٌ، ووجودُ العالِمِ الدينيِّ أثناءَ عقدِ الزواجِ للاطمئنانِ بإشرافِه على صحّةِ الصيغةِ، كيْ يكونَ العقدُ صحيحاً. وهذا الجوُّ يمثّلُ شكلاً منْ أشكالِ الإعلامِ، لأنَّ الزواجَ هوَ ما حثَّ عليهِ الإسلامُ، وهذا لا بدَّ منْ أنْ يكونَ ظاهراً وواضحاً أمامَ الجميعِ، وإلّا فالانطباعُ الموجودُ عندَ البعضِ بأنَّ الزواجَ لا يتمُّ إلّا إذا وُجدَ عالِمٌ مثلاً أوْ أنَّه لا يتمُّ إلّا بوجودِ شهودٍ، وهوَ في الواقعِ ليسَ منَ الشروطِ في مذهبِنا.

صيغةُ الطلاقِ

لوْ وقعَ الخلافُ بينَ الزوجينِ، فيوجدُ طريقةٌ لإيقاعِ الطلاقِ، ولها صيغةٌ محدَّدةٌ، فإذا لمْ تنشأْ صيغةُ الطلاقِ لا يجري الطلاقُ، والصيغةُ لفظيّةٌ، ويجبُ أنْ يقولَ لها: أنتِ طالقٌ، أوْ زوجتي فلانة طالقٌ. وإذا لمْ يذكرِ الصيغةَ لا يحصلُ الطلاقُ، والصيغةُ يجبُ أنْ تكونَ بحضورِ شاهدَيْنِ عادليْنِ.

الإرثُ والحضانةُ

ويترتَّبُ على عقدِ الزواجِ طريقةٌ في الإرثِ، فإذا ماتَ الرجلُ ترثُ زوجتُه ربعَ مالِه إنْ لمْ يكنْ لهُ ولدٌ، وإنْ كانَ لهُ ولدٌ فلها الثُّمْنُ. وإذا كانَ عندَه أولادٌ فللذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيَيْنِ. إذًا أحكامُ الإرثِ تترتَّبُ أيضاً على هذا الزواجِ بسببِ ما ينتجُ عنهُ منْ علاقاتٍ رحميّةٍ، ويصلُ الأمرُ أيضاً إلى حضانةِ الأطفالِ فيمَا لوْ حصلَ الطلاقُ بينهما، بحيثُ يكونُ منْ حقِّ المرأةِ حضانةُ الصبيِّ لمدّةِ سنتينِ والبنتِ لمدّةِ سبعِ سنواتٍ، يعودُ الأمرُ بعدَها إلى الرجلِ في رعايةِ وإدارةِ شؤونِ الأطفالِ، ويكونُ الإنفاقُ منْ مسؤوليّةِ الرجلِ أثناءَ حضانةِ المرأةِ لأولادِها، هذهِ التفاصيلُ معَ مفرداتٍ كثيرةٍ وغيرها تترتَّبُ على المستوى الشرعيِّ عندَ الزواجِ على الطريقةِ الإسلاميّةِ.

مفاعيلُ الزواجِ المدنيِّ

في المقابلِ، إذا كانَ الزواجُ مدنيّاً فستنطلقُ هذهِ الأمورُ منْ أحكامٍ مختلفةٍ، يمكنُ أنْ تتشابهَ في بعضِ الأحيانِ، ويمكنُ أنْ تختلفَ في حالاتٍ أخرى. وهذهِ بعضُ الأمثلةِ منِ اقتراحِ القانونِ المقدَّمِ منْ رئيسِ الجمهوريّةِ السابقِ إلياس الهراوي حولَ الزواجِ المدنيِّ. فهناكَ بعضُ المفارقاتِ التي تُعتبرُ واضحةً ومخالفةً تماماً للقانونِ الشرعيِّ، وهذا كأمثلةِ وإلّا فأيُّ زواجٍ مدنيٍ سيختلفُ عنِ الزواجِ الشرعيِّ، وليسَ فقطْ هذا الاقتراحُ، الذي يمكنُ أنْ يطرحَ البعضُ تعديلَه، إذْ إمّا أنْ تُعدّلَ الاقتراحاتُ لتصبحَ شرعيّةً بالكاملِ وحينها لا يعودُ هناكَ زواجٌ مدنيٌ، وإمّا أنْ تبقى مخالفةً ببعضِ البنودِ ومعنى ذلكَ وجودُ مخالفةٍ شرعيّةٍ في هذهِ البنودِ.

في المادّةِ العشرينَ يقولُ: "على الزوجة المساهمة في الإنفاق إن كان لها مال" يعني إذا كانتْ ثريّةً أوْ كانتْ تعملُ وتحصلُ على مالٍ، فهيَ شريكةٌ للرجلِ في الإنفاقِ في داخلِ الأسرةِ بينمَا الطرحُ الإسلاميُّ يعتبرُ الإنفاقَ منْ واجبِ الرجلِ، وليسَ على المرأةِ إنفاقٌ أصلاً وهذهِ مفارقةٌ. وهناك فرقٌ بينَ أنْ تدفعَ المرأةُ أموالَها كمشاركةٍ في تحمّلِ أعباءِ الأسرةِ كواجبٍ عليها، وبينَ أنْ يكونَ غيرَ واجبٍ عليها.

في المادّةِ الرابعةِ والثلاثينَ: "يمتنع على المرأة أن تتزوّج قبل انقضاء ثلاثمائة يوم على إبطال الزواج أو انحلاله". فيمَا عدّةُ الطلاقِ ثلاثةُ قروءٍ أوْ ثلاثةُ أشهرٍ، بعدَها تستطيعُ المرأةُ أنْ تتزوَّجَ، وعدّةُ الوفاةِ أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيّامٍ، وتستطيعُ بعدَها أنْ تتزوَّجَ، بينمَا جعلَ القانونُ المقترحُ العدّةَ الفاصلةَ عشرةَ أشهرٍ، وهذا منْ وجهةِ نظرٍ إسلاميّةٍ، ظلمٌ للمرأةِ خلالَ هذهِ الفترةِ الطويلةِ التي لا معنى لها، ولا تؤثّرُ على الحملِ أوْ على إمكانيّةِ وجودِ أولادٍ.

في المادّةِ الثالثةِ والسبعينَ، وهيَ المرتبطةُ بالتبنّي، فإذا تبنّى رجلٌ وامرأةٌ ولداً وهوَ بالأصلِ ليسَ ولدهما، وبحسبِ هذهِ المادّةِ القانونيّةِ: "التبنّي عقد قضائي ينشئ بين المتبنّي والمتبنّى الحقوق العائدة للبنوّة الشرعيّة"، يعني أنَّ الابنَ بالتبنّي يصبحُ ابناً شرعيّاً بالكاملِ، لهُ كاملُ الحقوقِ التي للابنِ الشرعيِّ. لكنْ على المستوى الإسلاميِّ، فإنَّ الولدَ بالتبنّي لا يمكنُ أنْ يكونَ ابناً شرعيّاً. معنى الرأيِ المدنيِّ: أنَّ الأمَّ التي ربّتْه وهيَ ليستْ أمَّه باستطاعتِها أنْ لا تتستَّر السترَ الشرعيَّ أمامَه. أمّا منْ وجهةِ نظرِنا الإسلاميّةِ، فهو ليسَ ولداً لها وعليها التستّرُ أمامَه. وإذا وُلدَ للزوجينِ فتاةٌ بعدَ أنْ كانا قدْ تبنّيا صبيّاً، أصبحَتْ في القانونِ المدنيِّ أختاً لهُ، ومعنى ذلكَ أنَّه لا يستطيعُ أنْ يتزوَّجَها لأنّها أختٌ لهُ، وبالتالي تكونُ في تصرّفاتِها كمَا تتصرَّفُ الأختُ أمامَ أخيها، في الوقتِ الذي على المستوى الشرعيِّ الإسلاميِّ الأمرُ مختلفٌ تماماً، فهيَ ليستْ أختَه ويستطيعُ أنْ يتزوَّجَها وتتعاملُ معَه كأجنبيٍ وليسَ كأخٍ.

وعندما يقولُ القانونُ المدنيُّ بأنَّ الابنَ بالتبنّي لهُ كاملُ الحقوقِ، فذلكَ يعني: إذا ماتَ الأبُ أوْ ماتتِ الأمُّ، وكانَ هناكَ إرثٌ وعندَهم أولادٌ فهو واحدٌ منهم، لهُ ميراثٌ كالأولادِ الشرعيّينَ، وبهذا تختلطُ الحقوقُ وتضيعُ وتتضاربُ، فالحلالُ في نظرِ الشرعِ حرامٌ في نظرِ القانونِ المدنيِّ، والعكسُ صحيحٌ. إنَّ الزواجَ المدنيَّ في أحكامِه مختلفُ عنِ الزواجِ الشرعيِّ الإسلاميِّ بأحكامِه وقوانينِه، ولا إمكانيّةَ للتوأمةِ بينَه وبينَ الزواجِ الشرعيِّ. فإذا كانتِ المشكلةُ تبدأُ منَ الصيغةِ، فالمشاكلُ الأخرى المترتّبةُ على مفاعيلِ كلِّ شكلٍ منْ أشكالِ الزواجِ المدنيِّ أصعبُ منْ ذلكَ.

الزواجُ المدنيُّ المختلطُ

أمّا بالنسبةِ إلى الزواجِ المختلطِ، فعلى المستوى الشرعيِّ الإسلاميِّ يجوزُ للرجلِ أنْ يتزوَّجَ امرأةً كتابيّةً، يعني مسيحيّةً أوْ يهوديّةً بالعقدِ الدائمِ. وبعضُ الفقهاءِ يتحدَّثونَ عنِ الاحتياطِ الوجوبيِّ بالمنعِ، لكنْ تُحَلُّ المسألةُ بالعودةِ إلى فقهاءَ آخرينَ يقولونَ بالجوازِ، فالزواجُ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ أمرٌ لهُ مدخلٌ شرعيٌ. لكنَّ المشكلةَ الأساسَ والتي عليها إجماعُ كلِّ المسلمينَ سنّةً وشيعةً، وعلى اختلافِ فقهائِهم، أنَّ المسلمةَ لا يجوزُ لها أنْ يتزوَّجَ كتابيّاً، وإذا تزوَّجتِ المسلمةُ منْ كتابيٍ ارتكبتْ محرَّماً، وبالتالي لا يُعتبرُ عقدُ الزواجِ قائماً منَ الموقعِ الإسلاميِّ والعلاقةُ علاقةُ زنىً، بينمَا العقدُ المدنيُّ أوِ الزواجُ الحديثُ يعتبرُ هذهِ العلاقةَ علاقةً طبيعيّةً، لأنَّ أحكامَه مختلفةٌ. وقدْ ناقشَ البعضُ في أسبابِ عدمِ سماحِ الإسلامِ بزواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ حيثُ بيَّنَ بعضُ الفقهاءِ مبرّراتِ هذا الأمرِ، ومفادُه بأنَّ الكتابيَّ بالأصلِ لا يعترفُ بالدينِ الإسلاميِّ كدينٍ سماويٍ. بمعنى آخرَ ليسَ عندَ الكتابيِّ نبيٌ اسمُه محمّدٌ، ولكلِّ إنسانٍ مسؤوليّةٌ عنْ دينِه. لكنْ عندما يصبحُ هناكَ علاقةٌ زوجيّةٌ بينَ رجلٍ لا يؤمنُ بنبيِّ هذهِ المرأةِ، وبالتالي لا يؤمنُ بأصلِ دينِ هذهِ المرأةِ، كيفَ يمكنُ أنْ يحافظَ لها على دينِها؟ أوْ أنْ يتركَ لها الحريّةَ في أنْ تستمرَّ؟ كلُّ الضوابطِ مرفوعةٌ ولا نستطيعُ أنْ نضمنَ بالأصلِ إمكانيّةَ أنْ تبقى هذهِ المرأةُ على قناعاتِها، وعلى دينِها لوْ رغبتْ في ذلكَ، بينمَا عندما يتزوَّجُ المسلمُ منْ كتابيّةٍ، وبِمَا أنَّ هذا الزواجَ شرعيٌ، وبِمَا أنَّ المسلمَ يعترفُ بموسى وعيسى وكلِّ الأنبياءِ، يمكنها أنْ تبقى على دينِها، ولا إشكالَ في ذلكَ. والعلاقةُ الزوجيّةُ صحيحةٌ ويترتَّبُ عليها كلُّ المفاعيلِ المرتبطةِ بهذهِ العلاقةِ الزوجيّةِ.

رابعاً، موقفُ العلّامةِ المرجعِ السيّدِ محمّد حسين فضلِ اللهِ

أشارَ سماحةُ العلّامةِ المرجعِ السيّدِ محمّد حسين فضلِ اللهِ، في موضوعِ الزواجِ المدنيِّ إلى الجانبِ العقائديِّ منَ الزواجِ، وبحثَ في ثلاثِ نقاطٍ تردُ فيهِ. النقطةُ الأولى، يجدُ في النصِّ الدينيِّ مكاناً رحباً يستوعبُ الطرحَ المدنيَّ وهيَ ضرورةُ استعمالِ صيغةٍ خاصّةٍ كعبارةِ "زوّجتك" لصحةِ العقدِ. ويرى السيّدُ محمّد أنَّ الزواجَ المدنيَّ يمكنُ إنشاؤه بكلِّ لفظٍ يدلُّ على الالتزامِ العقديِّ بالمضمونِ الذي يتّفقُ عليهِ الطرفانِ، بحيثُ يُعتبرُ حالةً إراديّةً إلزاميّةً لهما، تماماً كأيِّ عقدٍ. وعلى هذا، فإنَّه لا يرى مشكلةً في الزواجِ المدنيِّ منْ هذهِ الناحيةِ، لأنَّه يعرفُ أنَّه يوثّقُ عقدَ الزواجِ بينَ الطرفينِ. أمّا بالنسبةِ إلى النقطتينِ الثانيةِ والثالثةِ، فالعقدُ المدنيُّ هوَ المكانُ الرحبُ والأوسعُ منَ الشرعِ، فمثلاً في أهليّةِ المتعاقدينِ لا يُشترطُ سوى الأهليّةِ بينمَا الشرعُ الدينيُّ لا يقبلُ بزواجِ المسلمِ منَ الملحدةِ التي لا تُؤمنُ بدينٍ، أوْ لِمَنْ تدينُ بأديانٍ غيرِ سماويّةٍ كالبوذيّةِ والهندوسيّةِ، أوْ في الحالاتِ التي تتعلَّقُ بطرقِ انتهاءِ عقدِ الزواجِ المحدَّدةِ شرعاً، وهيَ الطلاقُ أوِ الفسخِ. بينمَا الزواجُ المدنيُّ قدْ تتعدّى فيهِ الحالاتُ ما يخرجُ عنِ القضاءِ الشرعيِّ، وهوَ ما يُعتبرُ في الإسلامِ (عند جمهور الفقهاء) عقداً باطلاً، وفي هذا الحكمِ على هاتينِ الحالتينِ ليسَ منْ مساومةٍ أوْ مقايضةٍ. ويُكملُ السيّدُ جعفرُ فضلُ اللهِ ما بدأه والدُه منْ قبلُ، منْ بحثٍ في منهجِ المقاربةِ للزواجِ المدنيِّ، فيتطرَّقُ إلى كلِّ الأسبابِ ويصنّفُها ضمنَ بابينِ، البابُ الأوّلُ يتعلَّقُ بالشروطِ البنيويّةِ لعقدِ الزواجِ منْ صيغةِ العقدِ أوْ مواصفاتِ العاقدينِ، والاختلالُ فيها يعرّضُها لأنْ تكونَ علاقةً غيرَ شرعيّةٍ. أمّا البابُ الثاني فيضمُّ التزاماتٍ لا تمنعُ صحّةَ العقدِ إنْ تحقَّقتْ شروطُه البنيويّةُ، لكنْ معَ ذلكَ لا يجوزُ للمسلمِ الالتزامُ بها، لاختلافِها معَ الالتزاماتِ المسلمِ الشرعيّةِ. في الشروطِ البنيويّةِ، يُدخلُ السيّدُ جعفرُ قضيّةَ اختلافِ الدينِ أوِ الزواجِ بغيرِ الأديانِ السماويّةِ المعروفةِ، وقضيّةَ زواجِ منَ الإخوةِ بالرضاعةِ، أوِ الزواجِ منْ نفسِ الجنسِ كحالةِ المثليّينَ، وإذا ما وقعَ الاختلافُ في إحدى هذهِ النقاطِ عُدَّ العقدُ باطلاً وغيرَ قابلٍ للقوننةِ شرعاً. أمّا قضيّةُ موافقةِ الوليِّ أوْ غيابِ ذِكْرِ المَهْرِ، فهذهِ النقاطُ هيَ مدارُ أخذٍ وردٍ في الاجتهادِ الذي يمكنُ أنْ يجدَ لها مخرجاً فتستطيعُ الفتاةُ البكرُ الراشدةُ مثلاً منْ تزويجِ نفسِها وكذلكَ يمكنُ الاستعاضةُ عنْ غيابِ المهرِ باستعمالِ قاعدةِ المهرِ المماثلِ في التعاملِ عندَ مجتمعِ أهلِ العروسةِ. المهمُّ أنَّ السيّدَ جعفرَ يرى أنْ لا تصادمَ بالضرورةِ بينَ الزواجِ المدنيِّ والزواجِ الشرعيِّ، وأنَّه يمكنُ القبولُ بكلِّ ما يتوافقُ بينَ الاثنينِ، فلا يُعقدُ زواجٌ مدنيٌ خارجاً عنْ دائرةِ العقدِ الشرعيِّ، وبالتالي فإنَّ القاسمَ المشتركَ بينَ الاثنينِ هوَ ما يتمُّ الموافقةُ عليهِ، وما يخرجُ عنِ المشتركاتِ يُعدُّ حالةَ زنىً أمامَ الشرعِ الدينيِّ. بالرغمِ منْ هذهِ الخلاصةِ التي ذهبَ إليها السيّدُ جعفرُ إلّا أنَّه في خاتمةِ بحثِه ذهبَ مذهبَ الغالبيّةِ منَ الفقهاءِ، باعتبارِ أنْ لا حاجةَ إلى إيجادِ نظامٍ بديلٍ للزواجِ، نعم، كلُّ مرجعٍ إنّما يتعاطى معَ محيطِه وحاجةِ أبنائِه، ولكنْ يُؤخذُ على بحثِه غيابُ أيِّ كلامٍ عنْ باقي مكوّناتِ المجتمعِ اللبنانيِّ منْ طوائفَ أخرى أوْ مقيمينَ على أرضِه.

المبحثُ الثالثُ: موقفُ الموحّدينَ الدروزِ منَ الزواجِ المدنيِّ

منْ أبرزِ الشخصيّاتِ التي عقدتْ زواجاً مدنيّاً هوَ كمال جنبلاط الذي تزوَّجَ في سويسرا وسجَّلَ زواجَه قانوناً في لبنانَ عام 1948. لكنَّ شيخَ عقلِ الدروزِ نعيم حسن كانَ لهُ موقفٌ منِ اقتراحِ الزواجِ المدنيِّ عام 2013 حيثُ قالَ في موضوعِ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ "بحيثُ يُصَوَّرُ الأمرُ وكأنَّه صراعٌ بينَ مواقعِ التزمُّتِ منْ جهةٍ، وبينَ طلائعِ المدافعينَ عنْ حريّةِ المجتمعِ المدنيِّ منْ جهةٍ أخرى. ومعَ التأكيدِ على حتميّةِ التغييرِ التي هيَ صفةٌ ملازمةٌ للشعوبِ، غيرَ أنَّ أيَّ تطوّرٍ هوَ مقبولٌ ضمنَ حدودِ الشرعِ". وقالَ: "بالنسبةِ إلى طائفتِنا التوحيديّةِ، منَ الواجبِ أنْ لا ننسى المحافظةَ على تراثِنا المعهودِ، وصيانةَ أبنائِنا منَ السهوِ عنِ التقاليدِ الشريفةِ التي سارَ عليها الأجدادُ، بلْ ونحثُّهم على التعلّقِ بأرضِهم وعاداتِهم الأصيلةِ ذاتِ الجذورِ المتينةِ الساريةِ في قلبِ الأرضِ الخصبةِ". وأضافَ: "إنَّ استقرارَ الأسرةِ وصلاحَها وقيامَها على قواعدَ سليمةٍ، يؤسّسُ لمجتمعِ آمنٍ ومتطوّرٍ ومستقرٍّ، ومنْ هذهِ القواعدِ تنظيمُ الزواجِ وفقَ ما شرَّعَه اللهُ سبحانهُ وتعالى في الرسالاتِ السماويّةِ الخالدةِ. وعقدُ الزواجِ منْ أسمى العقودِ وأشرفِها، ويجبُ أنْ يبقى مميزاً عنْ سائرِ العقودِ. وإنَّ مفهومَ الزواجِ خارجَ المباركةِ الروحيّةِ، يؤدّي بحكمِ منطقِه التأسيسيِّ إلى تشريعِ عقودٍ منافيةٍ لغاباتِ الزواجِ الطبيعيِّ ذاتِه، كمَا شرَّعتْه الكتبُ السماويّةُ". وخلصَ إلى أنَّه "بحُكمِ موقعِنا ومسؤوليّتِنا، وبحكمِ ما نصَّ عليهِ الدستورُ منْ مبادئَ منْ بينِها احترامُ أنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ، نرى منْ واجبِنا تقديمَ النصحِ لأبنائِنا بأنَّ الإقدامَ على الزواجِ هوَ أمرٌ تأسيسيٌ للنواةِ الأخلاقيّةِ التي بها تُبنى العائلةُ وبالتالي المجتمعُ، مشدّدينَ على وجوبِ أنْ تكونَ هذهِ الخطوةُ عزيزةً مباركةً، تبدأُ بالمباركةِ الروحيّةِ للزواجِ، أملاً في الوصولِ بهِ إلى الغايةِ الأسمى، وهيَ الإنجابُ والتربيةُ. وهذهِ كلُّها يعضدُها التماسكُ العائليُّ، والأعرافُ الخلقيّةُ، والأصولُ الاجتماعيّةُ. وانطلاقاً منَّ أنَّ الزواجَ سرٌّ منْ أسرارِ الخالقِ في شؤونِ خلقِه، فإنّا نعارضُ الزواجَ المدنيَّ ونرى أنَّ إلغاءَ الطائفيّةِ السياسيّةِ ووضعَها في دائرةِ التطبيقِ العمليِّ يتمُّ بتشكيلِ الهيئةِ الوطنيّةِ لإلغائِها دونَ ربطِها بأيِّ موضوعٍ، هوَ المدخلُ الحقيقيُّ للدولةِ المنصفةِ بينَ أبنائِها".

في المقابلِ، لا مانعَ للموحّدينَ الدروزِ منْ إيجادِ قانونٍ خاصٍّ بالزواجِ المدنيِّ، وإنْ لمْ يمكنْ جعلُه إلزاميّاً فليسَ هناكَ ما يمنعُ أنْ ينوجدَ اختياريّاً معَ بعضِ الاستثناءاتِ، بحسبِ القاضي مرسل نصر رئيسِ المحكمةِ الاستئنافيّةِ الدرزيّةِ العليا، ومنْ هذهِ الاستثناءاتِ أذكرُ تلكَ التي لا يقبلُ المجتمعُ الدرزيُّ بها كقضيّةِ إرجاعِ المطلَّقةِ، أوِ الزواجِ المختلطِ الذي يقبلُ بهِ الإسلامُ لجهةِ الذكورِ بينهما هوَ محرَّمٌ عندَ الموحّدينَ الذكورِ والإناثِ. نجدُ عندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ تفاخراً واضحاً بقانونِ طائفتِهم وبتميزِه عنْ باقي الطوائفِ الإسلاميّةِ لجهةِ أحكامِ الزواجِ والتي تعودُ في أصولِها إلى القرنِ الحادي عشرَ. وبأيِّ القاضي نصر إنَّ التميزَ في قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للموحّدينَ الدروزِ يجعلُ منهُ أكثرَ قُرْباً إلى القانونِ المدنيِّ في عدّةِ أوجهِ منَ الشبهِ، كاعتمادِهم مبدأَ عدمِ تعدّدِ الزوجاتِ استناداً إلى الآية 128 منْ سورةِ النساءِ، التي برأيهِ قدْ نسختِ الآيةَ 3 منَ السورةِ نفسِها. فلنْ يستطيعَ الرجالُ منْ تحقيقِ العدلِ بينَ النساءِ ولوْ حرصوا، والمساواةُ بينَ الجنسينِ، وحريّةُ القبولِ الكاملةِ لطرفيِ العقدِ، وعدمُ إحلالِ عقدِ الزواجِ إلّا بحكمِ قاضٍ وما

يستتبعُ ذلكَ منْ رفضٍ لإعادةِ المطلَّقةِ بعدَ صدورِ حكمِ الطلاقِ، وإعطاءُ الزوجينِ الحقَّ بطلبِ فسخِ عقدِ الزواجِ بالتراضي، وحريّةُ الإيصاء، وعدمُ تزويجِ القاصراتِ تحتَ عمرِ 15 عاماً، وللقاصرِ إلّا بعدَ بلوغِه عمرَ 16 عاماً. يتمسَّكُ الدروزُ بقاعدةِ الزواجِ فقطْ بينَ أبناءِ الطائفةِ الواحدةِ، ولا يقبلونَ بينَ أتباعِ طائفتِهم أيَّ شخصٍ جديدٍ، فلا زواجَ مختلطاً لديهم. وهذا ما استقرَّتْ عليهِ أحكمُ الأعرافِ والتقاليدِ التي تعتبرُ الزواجَ المختلطَ منْ كبائرِ المحرَّماتِ، التي ما زالوا ينظرونَ إليها بكثيرٍ منَ التقديرِ إلى يومِنا. وقدْ ساهمتْ هذهِ القاعدةُ منَ الزواجِ بالمحافظةِ على المجتمعِ الداخليِّ الدرزيِّ، وإبقاءِ بناءِ الموحّدينَ متماسكاً ومنسجماً معَ حالتِه في المجتمعِ المختلطِ دينيّاً في كثيرٍ منَ المدنِ اللبنانيّةِ. وبرَّرَ فقهاءُ المذهبِ التوحيديِّ رفضَهم للزواجِ المختلطِ انطلاقاً منِ اعتقادِ البعضِ أنَّ الزواجَ المختلطَ يخفّفُ منَ العصبيّةِ والتعصُّبِ المذهبيِّ والطائفيِّ، لكنَّ الردَّ على ذلكَ هوَ أنَّ بعضَ البلدانِ كالمملكةِ المتَّحدةِ، لمْ يخفّفِ الزواجُ المختلطُ أوِ الزواجُ المدنيُّ منَ التعصُّبِ والنزاعاتِ التي تحصلُ بينَ الكاثوليكِ والبروتستانتِ، أوْ بينَ المسلمينَ البريطانيّينَ وبينَ غيرِهم، كمَا أنَّ حالاتِ الزواجِ المختلطِ الكثيرةِ في لبنانَ لمْ تحقّقْ شيئاً، بلْ بقيَ وضعُ التعصُّبِ على حالِه لدى عامّةِ الناسِ. تتمسَّكُ إذاً طائفةُ الموحّدينَ الدروزِ برفضِ الزواجِ المختلطِ أكثرَ منْ رفضِها للزواجِ المدنيِّ. وهذا الأمرُ ملفتٌ للنظرِ إذْ بالرغمِ منْ موقفِها الواضحِ منْ إشكاليّةِ الزواجِ المختلطِ يبقى موقفُ الموحّدينَ مجارياً لمواقفِ الداعينَ إلى السيرِ نحو الزواجِ المدنيِّ.

المبحثُ الرابعُ: نحو قراءةٍ إسلاميّةٍ تتجانسُ معَ الزواجِ المدنيِّ

أوّلاً، الزواجُ والمصلحونَ الجددُ

كمَا أنَّ الحديثَ عنِ المرأةِ في المجتمعِ يرافقُه الحديثُ عنِ النظرةِ القانونيّةِ لحقوقِ الإنسانِ، كذلكَ معالجةُ قضايا الزواجِ يُلازمُها الحديثُ عنْ موقعِ المرأةِ وحقوقِها. وقدِ اهتمَّ المصلحونَ الجددُ بالمرأةِ ومكانتِها عموماً، وبنظرةِ الإسلامِ إليها خصوصاً لمجابهةِ الكمِّ الهائلِ منَ التشويهِ الإعلاميِّ الذي تعرَّضَ لهُ الإسلامُ والمبنيُّ على ملفِّ حقوقِ المرأةِ وواجباتِها. ومنَ النافلِ القولُ إنَّ آراءَ المصلحينَ تعرَّضتْ للكثيرِ منَ الانتقادِ والتكفيرِ ومنعِ تداولِ مؤلّفاتِهم. وفيمَا يلي أبرزُ آراءِ هؤلاءِ:

جمالُ الدينِ الأفغاني: (1838 - 1897) وجدَ الأفغانيُّ أنَّ عزلَ المرأةِ والحَجْرَ عليها، هيَ منْ كبرياتِ المصاعبِ، وأنَّ التمييزَ بحقّها هوَ منَ المجتمعِ الإسلاميِّ، أوْ منَ الذكوريّةِ التي تستعملُ الدينَ للقولِ بعدمِ كفاءةِ المرأةِ إنْ منْ حيثُ التكوينِ أوْ منْ حيثُ المواهبِ.

محمّد عبده: (1849 - 1905) اعتمدَ محمّد عبده نظامَ قياسِ المتغيّراتِ في المجتمعِ، وأنَّ الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ، وأنَّ العبرةَ بالمقاصدِ والمعاني لا بالألفاظِ والمباني، وأنَّ الحكمَ الذي تمسُّ إليهِ الحاجةُ أوِ الضرورةُ يصيرُ متَّفقاً عليهِ، وهذهِ المرتكزاتُ تسمحُ بتوسيعِ القاعدةِ الفقهيّةِ لتطالَ المتغيّراتِ في المجتمعِ.

عبد الرزاق السنهوري: (1895 - 1971) هوَ أبُ التشريعاتِ العربيّةِ الحديثةِ، وبصمتُه واضحةُ على جميعِ التشريعاتِ العربيّةِ المدنيّةِ، وقدْ دعا إلى نفضِ الغبارِ عنِ الركودِ الفكريِّ، وطالبَ بحركةٍ علميّةٍ قويّةٍ تعودُ عبرَها الشريعةُ الإسلاميّةُ إلى التحرّكِ مجدّداً.

الطاهر حداد: (1899 - 1935) هوَ منْ أعلامِ المدافعينَ عنْ حقوقِ المرأةِ في تونس، ويُلقبُ بذاكرةِ التنويرِ. اشتهرَ باعتمادِه على الشريعةِ والفقهِ الإسلاميّينِ للقولِ بتحريرِ المرأةِ. وقدِ اعتمدَ الرئيسُ حبيب بورقيبة أفكارَه عندَ وضعِ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ عام 1956 في تونس، حيثُ تمَّ إقرارُ منعِ تعدّدِ الزوجاتِ، وعقدُ الزواجِ المدنيِّ، وأُعطيتِ المرأةُ الطلاقَ المدنيَّ. وهذا ما ميّزَ تونس عنْ بقيّةِ الدولِ العربيّةِ في هذا الميدانِ.

عبدُ اللهِ العلايلي: (1914 - 1996) لبنانيٌ اشتهرَ بمواقفِه المغايرةِ لِمَا دأبَ عليهِ الفقهُ التقليديُّ. عالجَ مسألةَ زواجِ المسلمةِ بكتابيٍ في كتابِه "أين الخطأ" مخالفاً بهِ رأيَ الأكثريّةِ منَ الفقهاءِ. ولكنْ مُنِعَ منَ التداولِ عام 1978، ثمَّ أُعيدَ طبعُه عام 1992. اشتهرَ بمقولةِ "ليس محافظة، التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً، التصحيح الذي يحقّق المعرفة". نادى العلايلي بإمكانيّةِ زواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ شرعاً، كمَا أدانَ مبدأَ تعدّدِ الزوجاتِ في الإسلامِ.

نظيرةُ زينِ الدينِ: (1908 - 1976) كاتبةٌ وسياسيّةٌ لبنانيّةٌ اشتهرتْ بدفاعِها عنْ حقوقِ المرأةِ خصوصاً عبرَ كتابِها "السفور والحجاب".

جمالُ البنّا: (1920 - 2013) هوَ الأخُ الأصغرُ لحسنِ البنّا مؤسّسِ الإخوانِ المسلمينَ. عالجَ في كتابِه "المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء" واقعَ المرأةِ وضرورةَ تحريرِها وإعطائِها الحقَّ في الولايةِ تبعاً لكفاءتِها. منْ أهمِّ القواسمِ المشتركةِ التي نجدُها عندَ كلِّ مُحْدِثٍ، هوَ الارتباطُ الوثيقُ بينَ ضرورةِ تحريرِ المرأةِ وتعديلِ أنظمةِ الأحوالِ الشخصيّةِ، بالاستنادِ إلى قراءةٍ جديدةٍ للنصِّ الدينيِّ، يواكبُ عبرَه الفقهاءُ الحالةَ المستجَدَّةَ في المجتمعِ، بِمَا ييسّرُ أمورَ الإنسانِ.

ثانياً، قراءةٌ في الفقهِ الإسلاميِّ تُحاكي أسبابَ الاعتراضاتِ على الزواجِ المدنيِّ

منْ أبرزِ الاعتراضاتِ التي تبرزُ على بساطِ البحثِ في كلِّ منعطفٍ أوْ درسٍ للزواجِ المدنيِّ، قضيّةُ الزواجِ المختلطِ وقواعدِه. والهدفُ الكامنُ وراءَ هذا الطرحِ يقودُ إلى الاعتراضِ على الزواجِ المدنيِّ، الذي يسهّلُ عمليّةَ خرقِ القواعدِ الشرعيّةِ، ويعرّضُ أبناءَ الطوائفِ الإسلاميّةِ إلى خطرِ الخروجِ عنِ الملّةِ، وهوَ سببُ كافٍ لرفضِ كلِّ مسعىً توفيقيٍ بينَ كلٍّ منَ المنظومتينِ الدينيّةِ والمدنيّةِ. والزواجُ المختلطُ يطالُ أوّلاً فئةَ أهلِ الكتابِ، ثمَّ يطالُ أتباعَ الدياناتِ الأخرى منْ غيرِ أهلِ الكتابِ، ويتخللها آليّاتُ التمييزِ بينَ الرجلِ والمرأةِ.

أ- قراءةٌ للزواجِ المنعقدِ بينَ الإسلامِ وأهلِ الكتابِ

قدْ يبدو للبعضِ أنَّ مسألةَ الزواجِ وطرائقَ تطبيقِه هيَ شأنٌ داخليٌ محضٌ، إلّا أنَّ كلَّ مواطنٍ لبنانيٍ يشعرُ بالغبنِ لا بلْ بالتمييزِ القائمِ على أساسِ الدينِ، إذْ هوَ ممنوعٌ عليهِ إتمامُ عقودِ زواجٍ أباحتْها المعاهداتُ الدوليّةُ والدستورُ اللبنانيُّ. وهذا التمييزُ ينسحبُ أيضاً على قاعدةِ التمييزِ على أساسِ الجنسِ، إذْ يُسمحُ للمرأةِ الأجنبيّةِ بدخولِ لبنانَ واكتسابِ الجنسيّةِ اللبنانيّةِ، بينمَا ممنوعٌ على المرأةِ اللبنانيّةِ إعطاءُ زوجِها الجنسيّةَ أوِ الإقامةَ داخلَ الأراضي اللبنانيّةِ، ضمنَ نفسِ الشروطِ والتسهيلاتِ فيمَا لوْ كانَ الطرفُ اللبنانيُّ رجلاً. وقدْ يبدو أنَّ عمليّةَ إعطاءِ الجنسيّةِ للأمِّ هوَ شأنٌ مدنيٌ، إلّا أنَّ الضغطَ الطائفيَّ وخصوصاً في طريقةِ احتسابِ العمليّةِ الانتخابيّةِ يسمحُ لهذهِ الإشكاليّةِ أنْ تبقى بيدِ المؤسَّساتِ الدينيّةِ، وهذهِ الحالةُ لا تجدُ الدواءَ الشافيَ لها إلّا في الدولةِ المدنيّةِ. صحيحٌ أنَّ الحالاتِ الأكثرَ استغراباً في المجتمعِ منْ ضمنِ الزواجِ المختلطِ دينيّاً هيَ حالاتُ الزواجِ المنعقدةِ بينَ شابٍ غيرِ مسلمٍ وفتاةٍ مسلمةٍ بشكلٍ خاصٍّ، إذْ إنَّ الحالةَ المعاكسةَ معروفةٌ أكثرَ ومقبولةٌ شرعاً منَ الناحيةِ الإسلاميّةِ. وبالرغمِ منَ التحفّظاتِ الكنسيّةِ في لبنانَ يبقى هذا الموضوعُ ضمنَ الأمورِ المقبولةِ اجتماعيّاً لدى جميعِ أتباعِ الدياناتِ.

ب- زواجُ المسلمِ منْ كتابيّةٍ

تخضعُ قضيّةُ زواجِ المسلمِ منْ كتابيّةٍ للآيةِ 5 منْ سورةِ المائدةِ ﴿ الْ يوْ مَ أُ حِلَّ ل كُمُ الطَّ يِّ باتُ و ط عامُ الَّ ذي نَ أُوتُوا الْ كِت ا بَ حِلٌّ لَّ كُمْ و ط عامُكُمْ حِلٌّ لَّ هُمْ والْمُحْ ص ناتُ م نَ الْمُؤْ م ناتِ والْمُحْ ص ناتُ م نَ الَّ ذي نَ أُوتُوا الْ كِت ا بَ م ن قبْلِكُمْ إ ذآ آت يْتُمُوهُنَّ أُجُو رهُنَّ مُحْ ص نِي نَ غيْرَ مُ سا ف حِي نَ و لا مُتَّ خِذِي أ خْ دانٍ و م ن ي كْفُرْ ب ا لإِي ما نِ ف قدْ ح ب طَ ع م لُهُ و هُ و فِي الْآ خِ ر ةِ م نَ الْ خا سِ رِي نَ ﴾ (المائدة: 5) ويرى الكثيرُ منَ المفسّرينَ أنَّ آيةَ المائدةِ لمْ تُنسخْ بِمَا سيتقدّمُ ذكرُه منْ سورةِ البقرةِ 221 التي تشيرُ إلى ﴿ و لا ت نكحُوا الْمُشْ رِ كاتِ حتّىٰ يُؤْ مِ نَّ و لَأ م ةٌ مُّؤْ م نةٌ خيْرٌ مِّ ن مُّشْ رِ كةٍ و لَوْ أ عْ ج بَتْكُمْ و لا تُنكحُوا الْمُشْ رِ كِي نَ حتّىٰ يُؤْ مِ نُوا و ل ع بْدٌ مُّؤْ م نٌ خيْرٌ مِّ ن مُّشْ رِ كٍ و لَوْ أ عْ ج ب كُمْ أ و ل ئِ كَ ي دْعُونَ إ لى النَّا رِ واللََّّ ي دْعُو إ لى الْ ج نَّةِ والْ م غْ فِ ر ةِ ب إ ذْنِهِ و يُ ب يّنُ آ يا تِهِ لِ لنّا سِ ل ع لَّهُمْ ي ت ذ كَّرُونَ ﴾ (البقرة: 221). وتكثرُ اليومَ الأصواتُ التي تنادي بتحريمِ زواجِ المسلمِ منْ كتابيّةٍ لأسبابٍ اجتماعيّةٍ كأفضليّةِ الفتاةِ المسلمةِ على الكتابيّةِ، ولأنَّ النظرةَ إلى المرأةِ الكتابيّةِ أنّها حُكماً ستُفسدُ العائلةَ المسلمةَ وتربّي أولادَها على قيمٍ مختلفةٍ عنْ تلكَ التي ينادي بها الإسلامُ. وقدْ يسمحُ البعضُ بالزواجِ منْ كتابيّةٍ مقيمةٍ في دارِ الإسلامِ، ويحرّمونَ تلكَ المقيمةَ في بلادٍ أجنبيّةٍ، والبعضُ يطالبُ بمنعِ ما هوَ مباحٌ كزواجِ المسلمِ منْ كتابيّةٍ لصالحِ زواجِ المسلماتِ، إذِ الخوفُ منْ كسادِهم الكبيرِ في بيئةٍ فيها الإسلامُ قلّةٌ. ويُضافُ شرطُ منعِ زواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ. ويلجأُ البعضُ إلى تبيانِ قاعدةِ التحريمِ بالاعتمادِ على الظرفِ التاريخيِّ، فيميّزُ بينَ ضروراتِ المكانِ

والزمانِ أيّامَ ظهورِ الإسلامِ، وبينَ واقعِ اليومِ حيثُ يعتبرونَ أنَّ الزواجَ بالكتابيّةِ أمرٌ مكروهٌ، كسيّد قطب في كتابِه في "ظلال القرآن" في معرضِ تفسيرِه لآيةِ "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ" يستعرضُ سيّد قطب مدى سماحةِ الإسلامِ وقدرتِه على بناءِ مجتمعٍ متماسكٍ بالرغمِ منْ تعدّديّةِ الأديانِ داخلَ البلادِ الإسلاميّةِ. أمّا عندما يعلّقُ سيّد قطب على آيةِ "وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ" فإنَّه يعتبرُ الزواجَ المختلطَ شرّاً على البيتِ المسلمِ، وخصوصاً على الذي لا يمسكُ منَ الإسلامِ إلّا بخيوطٍ واهيةٍ شكليّةٍ، فتقضي عليهِ القضاءَ الأخيرَ زوجةٌ كتابيّةٌ. كمَا يلجأُ البعضُ الآخرُ إلى اعتبارِ الكتابيّةِ منَ الكفارِ الذينَ يحرمُ زواجُهم. الملفتُ للانتباهِ عدمُ أخذِ المفسّرينَ الداعينَ إلى عدمِ الزواجِ بالكتابيّةِ واقعَ الحالِ اليومَ، منْ حيثُ إنَّ الأولادَ يتبعونَ آباءهم حُكماً في الإسلامِ، وأنَّ المرأةَ غيرَ المسلمةِ لا ترثُ منْ مسلمٍ، على قاعدةِ عدمِ توريثِ المختلفِ دينيّاً. هذا منَ الناحيةِ القانونيّةِ، أمّا منَ الناحيةِ الفقهيّةِ فالآيةُ التي تبيحُ الزواجَ هيَ منْ آخرِ الآياتِ التي نزلتْ، التي تنسخُ الآياتِ التي جاءتْ قبلَها والتي حُرّمتْ فيها. حالةُ زواجِ المسلمِ السنّيِّ أوِ الشيعيِّ الجعفريِّ منْ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ حالةٌ لا تقبلُ عقدَ القرآنِ عندَ كلٍّ منَ المذهبينِ إلّا إذا اضطرَّ الطرفُ غيرُ المسلمِ إلى إشهارِ إسلامِه، فيصبحُ عقدُ القرآنِ واقعاً عندَ أصحابِ المذهبِ نفسِه. وهنا مارسَ البعضُ نوعاً سلبيّاً منَ التقيّةِ، بحيثُ يكونُ الإيمانُ مجرّدَ إعلانٍ ظاهريٍ لا يذهبُ أبعدَ منْ أنَّه مواربةٌ منْ أجلِ تسجيلِ الزواجِ قانوناً وفقطْ. إنَّ زواجَ المسلمِ في بلادٍ غيرِ ذي غالبيّةِ إسلاميّةٍ منْ غيرِ مسلمةٍ، هوَ زواجٌ مكروهٌ ومبنيٌ لا على اختلالٍ في أركانِ عقدِ الزواجِ، وإنّما على أنَّ بناتِ المسلمينَ أولى بالزواجِ منْ غيرِهنَّ. أمّا زواجُ المسلمِ في بلادٍ هيَ على حربٍ معَ المسلمينَ منْ كتابيّةٍ، فهو زواجٌ أقربُ إلى الحرامِ. وهذهِ مسألةٌ شائكةٌ اختلفَ فيها الفقهاءُ المسلمونَ قديماً. فالآثارُ المرويّةُ عنْ بعضِ صحابةِ النبيِّ تذهبُ إلى تحريمِ الزواجِ بالكتابيّاتِ في دارِ الحربِ، لِمَا في ذلكَ منْ مخاطرَ ومفاسدَ تطرأُ على المسلمينَ بزواجِهم منَ الكتابيّاتِ الحربيّاتِ. فالحرمةُ ليستْ في أصلِ الزواجِ منْ كتابيّةٍ، بلْ لِمَا يعرضُ لهذا الزواجِ منْ مفاسدَ، لأنَّه سيكونُ في أرضٍ أجنبيّةٍ، خارجَ البيئةِ الإسلاميّةِ. ومعَ ذلكَ، فقدْ رجَّحَ فقهاءُ آخرونَ، أنْ ليسَ هناكَ حرمةٌ، بلْ كراهةٌ تحريميّةٌ، أيْ عقدُ الزواجِ بكتابيّةِ جائزٌ، معَ كراهةٍ هيَ أقربُ إلى الحرمةِ؛ لأنَّ المسلمَ الذي يتزوَّجُ بالحربيّةِ، سيبقى مقيماً معها في دارِ الحربِ. أمّا الذينَ قالوا بالحرمةِ الجازمةِ، فاستدلّوا بالآيةِ 97 منْ سورةِ النساءِ أُمِرَ المسلمونَ بالهجرةِ منْ دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: 97). فبقاءُ المسلمِ معَ زوجتِه الحربيّةِ في دارِها فيهِ مخالفةٌ لأمرِ اللهِ بالهجرةِ، ومخالفةُ المسلمِ أمرَ ربّهِ محرَّمٌ، وبهذا يكونُ الزواجُ بالكتابيّةِ الحربيّةِ محرَّماً؛ لأنَّ ما أدّى إلى الحرامِ فهو حرامٌ، والزواجُ بالكتابيّةِ الحربيّةِ يؤدّي إلى الإقامةِ في دارِ الحربِ وتكثيرِ سوادِ الكفارِ، وهذا محرَّمٌ. بلْ إنَّ بعضَ العلماءِ منعَ حتّى منْ نكاحِ المسلمةِ في دارِ الحربِ، وإذا فعلَ فلا ينبغي لهُ أنْ ينجبَ حفظاً للذريّةِ، وحمايةً لها منَ الكفرِ ومخاطرِه، فإنَّ نكاحَ الكتابيّةِ الحربيّةِ أولى بالمنعِ، بلْ بالتحريمِ. وبالنظرِ إلى الواقعِ الراهنِ، أفتى فقهاءُ معاصرونَ بأنَّ منْ خشيَ على نفسِه الوقوعَ في الزنى، جازَ لهُ أنْ يتزوَّجَ منَ الكتابيّةِ في دارِ الحربِ معَ توقّي الإنجابِ ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلاً. إنَّ قضيّةَ الزواجِ منْ مسيحيّةِ أوْ يهوديّةِ دليلٌ عمليٌ وعالميٌ على القربى، أقله منْ جهةِ الإسلامِ باتّجاهِ كلٍّ منَ الديانتينِ اللتينِ سبقتْه، وبالتالي تكفيرُهم هوَ غيرُ مقبولٍ عندَ غالبيّةِ العوامِ منَ المسلمينَ لمجرّدِ أنَّ إمكانيّةِ الزواجِ بهم مقبولةٌ شرعاً ومنذُ بداياتِ الإسلامِ، بدءاً منْ محمّدٍ إلى باقي الخلفاءِ. أمّا الحالةُ الوحيدةُ التي لا يُقبلُ الزواجُ فيها منَ المرأةِ الكتابيّةِ شرعاً، فهيَ المرأةُ المرتدَّةُ عنْ دينِ الإسلامِ إلى إحدى هاتينِ الديانتيْنِ.

ج- زواجُ المسلمِ منْ غيرِ أهلِ الكتابِ

الزواجُ المدنيُّ يفتحُ البابَ واسعاً على ممارسةِ حقِّ الزواجِ بينَ جميعِ الناسِ، وغالباً ما تُثارُ حالةُ الارتباطِ بغيرِ المسلماتِ أوْ أتباعِ أهلِ الكتابِ عندَ رجالِ الدينِ، للقولِ بالخطرِ المتأتّي منَ الزواجِ المدنيِّ على الإسلامِ. إنَّ زواجَ المسلمِ منْ غيرِ أهلِ الكتابِ، أوِ المعروفِ أيضاً بزواجِ المسلمِ بمُشْرِكةٍ، هو زواجٌ محرَّمٌ بالمبدأِ. إذْ يجبُ على المرأةِ أنْ تدينَ بدينٍ لهُ كتابٌ سماويٌ ونبيٌ مرسلٌ، وأنْ تعبدَ اللهَ، ومسألةُ تحليلِ زواجِهم ينسحبُ أيضاً على الكثيرِ منَ المعاملاتِ الاجتماعيّةِ كأكلِ طعامِهم والمعاملاتِ الماليّةِ، كقبضِ الجزيةِ منهم. أدَّى انتشارُ المسلمينَ في بقاعِ الأرضِ إلى ازديادٍ في التعاملاتِ، وبالتالي الضغطُ أيضاً على الفقهاءِ للمحاولةِ بالتوسّعِ بالتفسيرِ لجهةِ إمكانيّةِ الزواجِ منْ باقي الأديانِ. وتقومُ مهمّةُ نشرِ الإصلاحِ على إعادةِ تفسيرِ النصِّ المقدَّسِ وفقاً لمصلحةِ المجتمعِ، فلا يتغرَّبُ الدينُ عنْ أتباعِه. ومنْ هذهِ القضايا الشائكةِ قضيّةُ السماحِ بالزواجِ منْ غيرِ أهلِ الكتابِ، فقدْ برزتْ هذهِ المعضلةُ في منطقةِ ميانمار أوْ ماليزيا بينَ المسلمينَ والبوذيّينَ، وكانَ لا بدَّ منَ التطرّقِ في هذا النزاعِ إلى مقاربةِ موضوعِ الزواجِ المختلطِ بينهما. إنَّ توسيعَ دائرةِ الارتباطِ بالزواجِ يساعدُ المجتمعاتِ على الانفتاحِ عامّةً، واقتصارُ إمكانيّةِ الزواجِ على فئةِ قليلةٍ، أوِ التشجيعُ على الزواجِ منْ داخلِ المذهبِ الواحدِ، أوِ منَ الذينَ يدينونَ بتفاصيلِ الأمورِ عينِها وهمْ عامّةً جماعةٌ منغلقةٌ متطرّفةٌ. لذلكَ نجدُ المُجَدّدينَ المعاصرينَ للخطابِ الدينيِّ يتطرَّقونَ عامّةً إلى مكانةِ المرأةِ في الإسلامِ. ومنْ بينِ الذينَ اهتمّوا بحقوقِ المرأةِ، نجدُ جمالَ الدينِ الأفغاني، وتلميذَه محمّد عبده الذي كانَ لهُ بالغُ الأثرِ على قاسمِ أمين (1863 - 1908) الرائدِ في الحركةِ النسويّةِ العربيّةِ في كتابِه "تحرير المرأة". ونجدُ أيضاً محمّد رشيد رضا (1865 - 1935) وهوَ منْ تلاميذِ محمّد عبده الذي لمعَ صيتُه. محمّد رشيد رضا، وهوَ لبنانيٌ منَ القلمونِ، هاجرَ إلى القاهرةِ وتوفّيَ فيها، أفتى بجوازِ عقدِ النكاحِ على أتباعِ الدياناتِ في شرقِ آسيا. وأوردَ رضا في مجلّةِ المنارِ الجزء 12 ص 264 وما بعدَها، لِمَا استقرَّ عليهِ رأيُ العلماءِ بشأنِ التزاوجِ معَ أهلِ الكتابِ، غيرَ أنَّه توسَّعَ في قاعدةِ استخدامِ أهلِ الكتابِ منْ دائرةِ المعارفِ في شبهِ الجزيرةِ، إذْ أقرَّ لكلِّ دينٍ منْ كتابٍ ومرسلٍ، وإنْ كانَ بسببِ البُعدِ في الزمنِ أصبحَ مَصْدرُها مجهولاً، فما منْ أُمَّةٍ خلا منْها نذيرٌ ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. وأضافَ رضا أنَّ القرآنَ ذكرَ الصابئةَ والمجوسَ لأنّهم معروفونَ عندَ العربِ في العراقِ والبحرينِ، أمّا البراهمةُ والبوذيّونَ وأتباعُ كنفوشيوس المتواجدونَ في الهندِ واليابانِ والصينِ فهمْ غيرُ معروفينَ عندَ العربِ. وإنَّ اللهَ نفسَه هو مَنْ يفصلُ بينهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وبالتالي إنَّ القولَ "لا تنكحوا المُشْرِكَاتِ حتّى يؤمنَّ" هو نصٌّ غيرُ قاطعٍ في تحريمِ نكاحِ الصينيّاتِ، فالتحريمُ يطالُ الوثنيّاتِ مِمَّنْ كنَّ في البيئةِ العربيّةِ، دونَ أنْ يكونَ النصُّ شاملاً جميعَ الوثنيّاتِ في الأرضِ كلّها. إنَّ الاجتهادَ في سبيلِ الخيرِ العامِّ ممكنٌ دائماً، والصوتُ القائلُ بالتوسّعِ في التفسيرِ لا يحتاجُ إلّا لقرارٍ سياسيٍ يدفعُه قدماً.

د- زواجُ المسلمةِ منْ أهلِ الكتابِ

القضيّةُ التي تُثارُ بكثيرٍ منَ الحدّةِ هيَ زواجُ المسلمةِ منْ غيرِ مسلمٍ. وكثيراً ما تُثارُ هذهِ القضيّةُ بالذاتِ عندَ الحديثِ عنِ الزواجِ المدنيِّ في العالمِ وفي لبنانَ تحديداً إذْ يُنظرُ إلى الزواجِ المدنيِّ على أنَّه مُسهّلٌ لهذا النوعِ منَ العقودِ. والمُتعارفُ عليهِ في الفقهِ الإسلاميِّ هوَ اعتبارُ هذهِ العلاقةِ في مرتبةِ الزنى معَ ما يرافقُ هذا الوصفِ منْ آثارٍ ونظرةٍ إلى الأولادِ على أنَّهم أولادُ زنى. تكثرُ في لبنانَ قضيّةُ الزيجاتِ المختلطةِ، والمهمُّ في هذهِ الكثرةِ هوَ أنّها معروفةٌ اجتماعيّاً بنسبةٍ كبيرةٍ، بالرغمِ منْ عدمِ وجودِ إحصاءٍ يشيرُ إليها. ولا خوفَ على عاقدي هذا النوعِ منَ الزيجاتِ، منَ البقاءِ في لبنانَ وممارسةِ حياتِهم بحريّةِ، وغالباً ما يضطرّونَ إلى عقدِ الزواجِ خارجَ لبنانَ بغيةَ تسجيلِ زواجِهم قانوناً في قيودِ الأحوالِ الشخصيّةِ، والقضيّةُ تنسحبُ أيضاً على زواجِ المسلمةِ منْ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، وفي هذهِ الحالةِ المرفوضةِ منْ قِبلِ الطائفتينِ، ليسَ بوسعِ طالبي الزواجِ سوى اللجوءِ إلى دولةٍ أجنبيّةٍ لعقدِ زواجِهم. هناك موقفٌ لعبد الله العلايلي يستحقُّ التوقّفَ عندَه، في تجديدِه الفقهيِّ لمسألةِ زواجِ المسلمةِ بكتابيٍ. والسندُ الذي اعتمدَ عليهِ العلايلي هوَ أوّلاً أنَّ القطْعَ في هذهِ المسألةِ غيرُ ممكنٍ، ما يبرزُ الحاجةَ دوماً إلى

إعادةِ قراءةِ النصِّ الدينيِّ، إذْ أنَّ الإجماعَ القائلَ بنفيِ هذهِ الإمكانيّةِ أتى متأخّراً بالزمنِ. نحتَ العلايلي عبارةَ "انزواج" للقولِ إنَّ واقعَ الاجتهادِ اليومَ يسمحُ للمرأةِ بالزواجِ الداخلي، ويمنعُ عليها "الاستزواج"، أيِ الزواجُ منْ خارجِ الإسلامِ. وهذا الواقعُ غريبٌ عنْ صميمِ الإسلامِ ورسالتِه. ويفسّرُ العلايلي سورةَ البقرةِ 221 ﴿ و لا ت نك حُوا الْمُشْ رِ كاتِ حتّىٰ يُؤْ مِ نَّ و لَأ م ةٌ مُّؤْ م نةٌ خيْرٌ مِّ ن مُّشْ رِ كةٍ و لَوْ أ عْ ج بَتْكُمْ... ﴾ ويشدّدُ على أنَّ عبارةَ "خير" تُفيدُ الأفضليّةَ وليسَ التحريمَ، كمَا تذهبُ إليهِ المدارسُ الفقهيّةُ التقليديّةُ. أمّا الحجّةُ التي عادةً ما تُستعملُ للقولِ بعدمِ جوازِ الزواجِ المختلطِ معَ مسلمةٍ، هيَ سورةُ الممتحنةِ الآية 10 ﴿ ي ا أ يُّ ها الَّ ذي نَ آ م نُوا إ ذا جا ء كُمُ الْمُؤْ مِ نا تُ مُ ها جِ را تٍ فا مْت حِ نُوهُنَّ اللََّّ أ عْل مُ ب إِ ي م ا نِ هِنَّ ف إِ نْ ع لِ مْتُمُوهُنَّ مُؤْ مِ نا تٍ ف لا ت رْ جِ عُوهُنَّ إ لى الْ كُفّا رِ لا هُنَّ حِ لٌّ لَّ هُمْ و لا هُمْ ي حِلُّونَ ل هُنَّ وآ تُوهُم مّآ أ نف قُوا و لا جُ نا حَ ع ل يْ كُمْ أَن ت نكِ حُوهُنَّ إ ذآ آت يْتُمُوهُنَّ أُ جُو ر هُنَّ و لا تُمْ سِ كُوا ب عِ ص مِ الْ ك وا فِ رِ وا سْأ لُوا مآ أ نف قْتُمْ و لْ ي سْأ لُوا مآ أ نف قُوا ذ لِ كُمْ حُ كْمُ اللََّّ ي حْ كُمُ ب يْ ن كُمْ واللََّّ ع لِ ي مٌ ح كِ ي مٌ ﴾. وهنا يفسرُ العلايلي هذهِ الآيةَ ضمنَ اختصاصِ المهاجراتِ، التي هناك خوفٌ عليهنَّ إذا ما عادوا إلى ديارِهم، ومعَ انتفاءِ أيّامِ الفتحِ ينتفي وجوبُ هذهِ الآيةِ خصوصاً أنَّه يُستدلُّ منْ هذهِ الآيةِ تحديدُ اللفظِ لا العمومُ، فلا يجوزُ التوسّعُ في تفسيرِها كمَا تستندُ المدرسةُ التقليديّةُ في تحليلِها. سمحتِ البيئةُ الخاصّةُ للمجتمعِ الدينيِّ في لبنانَ للعلايلي بأنْ يجيزَ زواجَ المسلمةِ منْ مسيحيٍ. وبنفسِ المعنى أيضاً، ونظراً لِمَا للبيئةِ السودانيّةِ منْ خصوصيّةٍ، فقدْ أفتى الشيخُ حسنُ الترابي بإمكانيّةِ زواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ إذْ لمْ يجدِ الترابي "في كتاب أو سُنّة كلمة واحدة تمنع زواج المسلمة من كتابي".

ثالثاً، قراءةٌ للزواجِ المنعقدِ في البلادِ التي لا تُطبّقُ الشريعةَ الإسلاميّةَ (فقهُ المهجرِ)

يحيا المسلمونَ في كثيرٍ منَ الدولِ الأوروبيّةِ كباقي المهاجرينَ ضمنَ كانتوناتٍ خاصّةٍ بهم، يمارسونَ فيها تقاليدَهم ويتكلّمونَ بلهجتِهم الأصليّةِ، ويلجأونَ إلى تسجيلِ زواجِهم منْ أجلِ لَمِّ شملِ عائلاتِهم، أوْ تأمينِ فيزا لزوجاتِهم. وينبغي التنبّهُ إلى التمييزِ بينَ موقعينِ يحيا فيهما المسلمونَ. الموقعُ الأوّلُ هوَ البلادُ التي تفرضُ قوانينُها المدنيّةُ وجوبَ اللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ دائماً كخيارٍ أوّلٍ، إنْ تبعَه عقدٌ دينيٌ أوِ اكْتُفيَ بهِ. الموقعُ الثاني هوَ البلادُ التي تُعطي مواطنيها اعتمادَ الشريعةِ الإسلاميّةِ وإنْ بشكلٍ مباشرٍ، حيثُ دينُ الدولةِ هوَ الإسلامُ كمعظمِ البلادِ العربيّةِ، أوْ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، كمَا في البلادِ التي تُعطي المؤسَّساتِ الدينيّةِ تنظيمَ الأحوالِ الشخصيّةِ لِمَنْ يتبعونَها، كلبنانَ مثلاً.

معدّلُ الإنجابِ لدى المسلمينَ القادمينَ منْ دولِ جنوبِ شرقِ آسيا أوْ منَ البلدانِ العربيّةِ مرتفعٌ. ويَلحقُ بها تقديماتٌ اجتماعيّةٌ، ودخولٌ في الحياةِ الوطنيّةِ في البلديّاتِ أوِ المجلسِ النيابيِّ، ومعاملاتٌ خاصّةٌ في المدارسِ الرسميّةِ لجهةِ تأمينِ أستاذِ لغةٍ عربيّةٍ، أوْ إمامٍ لشرحِ الحصّةِ الدينيّةِ الإسلاميّةِ، وكلُّها تنطلقُ منْ بوتقةٍ واحدةٍ هيَ العائلةُ. ويعيشُ اليومَ الكثيرُ منَ المسلمينَ في بلادٍ لا تُطبّقُ الشريعةَ الإسلاميّةَ على عقودِ زواجِها، لا بلْ تفرضُ قوانينَها المدنيّةَ على جميعِ المواطنينَ، دونَ مراعاةِ أيِّ جانبٍ منْ أبعادِهم الدينيّةِ، ما يُضطرُّ المسلمينَ إلى وجوبِ مراعاةِ هذهِ القوانينِ، وتسجيلِها والاحتكامِ إلى قوانينِها في حالِ نشوءِ أيِّ نزاعٍ. وليسَ لديهم أيُّ خيارٍ آخرَ سوى الخضوعِ لهذهِ القوانينِ. إنَّ الرجوعَ إلى هذهِ الحالةِ تحديداً في هذا البحثِ، إنّما المقصودُ منهُ هوَ الاستفادةُ منْ هذهِ الإجراءاتِ لتبيانِ الحالةِ التي يحيا بها المسلمونَ في حالِ أُلزموا بقوانينَ لا تستقي منَ الشريعةِ الإسلاميّةِ مَصْدراً مباشراً لها.

واليومَ نحنُ أمامَ نوعينِ منَ الدولِ: النّوعُ الأوّلُ: هيَ الدولُ العلمانيّةُ التي أقرَّتِ الزواجَ المدنيَّ كتركيا وتونس، بالرغمِ منْ أنَّ غالبيّةَ السكانِ فيها مسلمونَ. وقدْ أقرَّتْه تركيا باستلهامِ القوانينِ الغربيّةِ، أمّا تونس فتتميّزُ عنْ كلِّ البلادِ العربيّةِ بإقرارِ الزواجِ المدنيِّ المستوحى منَ الشريعةِ الإسلاميّةِ. والنوعُ الثاني: هيَ بلادُ الغربِ التي هيَ بعيدةٌ كلَّ البُعدِ عنْ تطبيقِ الشريعةِ. وقدِ اكتسبَ هذا الموضوعُ فيها المزيدَ منَ الأهمّيّةِ بسببِ الحروبِ المتزايدةِ والمشاكلِ الاقتصاديّةِ، ومنْ جرّاء الهجرةِ المتزايدةِ نحو الغربِ.

يكتسبُ موضوعُ المسلمينَ الذينَ يحيونَ في فرنسا وإنكلترا حيّزاً مميزاً عنْ باقي الدولِ الغربيّةِ لِمَا عرفتْه هاتانِ الدولتانِ منْ وصايةٍ على البلادِ العربيّةِ، وخصوصاً فرنسا حيثُ يشكّلُ المسلمونَ العربُ منْ شمالِ أفريقيا وجنوبِ شرقِ آسيا الغالبيّةَ الكبرى. بينمَا في إنكلترا تبرزُ أعدادُ المسلمينَ القادمينَ منْ باكستانَ وإندونيسيا وباقي دولِ جنوبِ شرقِ آسيا. ويأخذُ الإعلامُ الغربيُّ حيّزاً في رسمِ صورةٍ تُبرزُ الإسلامَ على أنَّه مكوّنٌ اجتماعيٌ يرفضُ الحداثةِ، وخصوصاً معَ الفتاوى التي تنادي بضرورةِ الاكتفاءِ بالزواجِ منْ مكوّنِ الإسلامِ فقطْ، حتّى ولوْ تظهرُ أنَّ القرآنَ يمثّلُ رحابةً أكثرَ، فيسمحُ الزواجَ منْ أهلِ الكتابِ منْ مسيحيّينَ ويهودٍ ومجوسٍ. ويجتهدُ المسلمونَ في تقديمِ عاداتِهم على أنّها مواكبةٌ للحداثةِ، وخصوصاً في موضوعِ المرأةِ وحقوقِها، وموضوعِ الزواجِ والحقوقِ العائليّةِ. أيْ إنّنا أمامَ نوعٍ منَ التوازنِ بينَ الحريّةِ الدينيّةِ وضروراتِ العيشِ المشتركِ. يأخذُ تعريفُ الزواجِ المختلطِ مفهوماً آخرَ في فرنسا، حيثُ تُشيرُ العبارةُ في مدلولِها الثقافيِّ إلى زواجٍ بينَ الجنسيّاتِ أيْ بينَ فرنسيٍ وآخرَ غيرِ فرنسيٍ، أوْ حتّى بينَ أبناءِ المهاجرينَ المجنّسينَ أوِ القادمينَ منْ بلادِ أجدادِهم الأصليّةِ.

الزواجُ المدنيُّ الملزمُ بحسبِ القوانينِ الغربيّةِ

يتمُّ التعاطي في الدولِ الغربيّةِ في موضوعِ الزواجِ المدنيِّ بطريقتيْنِ: فمنها مَنْ قطعَ أيَّ علاقةٍ بينَ الزواجِ المدنيِّ والمؤسَّسةِ الدينيّةِ، كفرنسا وألمانيا والبرازيلِ. ومنها مَنْ سمحَ بالزواجِ المدنيِّ اختياريّاً كالولاياتِ المتَّحدةِ الأميركيّةِ وبريطانيا. لكنَّ القوانينَ الغربيّةَ عامّةً، تفرضُ إجراءَ عقدِ الزواجِ لِمَنْ يحملُ جنسيّتَها أوْ يتمتَّعُ بإقامةٍ قانونيّةٍ داخلَها، منْ قِبلِ موظَّفٍ مدنيٍ يستعملُ صيغةً مدنيّةً لإتمامِ المراسمِ، ويُسجَّلُ هذا العقدُ تحديداً في الدوائرِ الرسميّةِ ليكتسبَ الزوجانِ المفاعيلَ القانونيّةَ المترتّبةَ عليهِ. أمّا المستنداتُ المطلوبةُ لتحديدِ موعدِ عقدِ الزواجِ، فلا تُعيرُ أهمّيّةً للجانبِ الدينيِّ، إذْ هيَ مستنداتٌ عامّةٌ تُثبتُ الجنسيّةَ ومكانَ الإقامةِ وشهادةَ العزوبيّةِ. ويحضرُ في موعدِ عقدِ الزواجِ شاهدانِ اثنانِ، ويتأكّدُ الموظَّفُ المختصُّ منْ رضى العروسينِ، ويقرأُ عليهما موجباتِ وحقوقَ عقدِ الزواجِ، ويجهرانِ بالشكلِ العلنيِّ موافقتَهما على الزواجِ، ليتمَّ تثبيتُ العقدِ وتسجيلُه في الدوائرِ الرسميّةِ.

أ- صيغةُ العقدِ

المسألةُ الأولى وهوَ إجراءُ صيغةِ العقدِ بغيرِ العربيّةِ، وهوَ أمرٌ طبيعيٌ في الدولِ التي لا تعتمدُ اللغةَ العربيّةَ كلغةٍ رسميّةِ في قوانينِها. وهنا اتَّجهَ الفقهاءُ المسلمونَ إلى جوازِ تجاوزِ هذا الشرطِ، طالما يُستدلُّ منَ اللغةِ المستعملةِ أنّها تتمّمُ مراسمَ الزواجِ وتؤكّدُ على الرضى عندَ الطرفينِ. إنَّ اللغةَ العربيّةَ تصحُّ في العباداتِ، وأمّا الزواجُ فهو عقدٌ منَ العقودِ التي لا تتطلَّبُ العبادةَ حصراً فيها. وهذا ما ذهبتْ إليهِ المالكيّةُ والشافعيّةُ وابنُ تيميّةَ.

ب- رضى الطرفينِ

المسألةُ الثانيةُ تُشدّدُ على استعمالِ الموظَّفِ الصيغةَ الاستفهاميّةَ للتأكُّدِ منْ رضى الطرفينِ، كأنْ يقولَ "هل تقبل بفلانة زوجة لك؟" وهنا يشذُّ مذهبُ الشافعيّةِ عنْ تجاوزِ هذهِ المسألةِ كمَا يفعلُ مذهبا الحنيفةِ والحنابلةِ، فيشترطُ وجوبَ طرحِ صيغةِ العقدِ بالفعلِ الماضي والإيجابي كقولِه "زوّجتُك ابنتي" ويتمُّ تجاوزُ هذهِ المسألةِ بالاستدلالِ منْ مجلسِ انعقادِ العقدِ، ومنَ الإيجابِ الصريحِ الذي يعبّرُ فيهِ الطرفانِ بـ "نعم"، وهذا يفيدُ عدمَ الالتباسِ في إجراءِ عقدِ الزواجِ تحديداً معَ أيِّ نوعٍ آخرَ منَ العقودِ، واستناداً إلى الآيةِ 44 منْ سورةِ الأعرافِ ﴿ ف هلْ و ج دْتُّم مّا و ع دَ ر بُّ كُمْ ح قّا ق ا لُوا ن ع مْ ﴾.

ج- وجوبُ شاهدينِ

المسألةُ الثالثةُ وجوبُ الإشهادِ حتّى تثبتَ البنوّةُ والنسبُ للأبِ، فلا يجحدُ ابنَه وأيضاً حتّى لا يكونَ العقدُ نفسُه سرّيّاً بلْ علنيّاً ومشهوراً، أقله لاثنينِ بخلافِ الوليِّ والزوجِ. في العقدِ المدنيِّ يتمُّ ذلكَ بوجودِ شاهدَيْنِ، والسببُ في ذلكَ لا لتطبيقِ الشريعةِ، وإنّما لأنَّ الأصلَ الرومانيَّ لعقدِ الزواجِ المدنيِّ يشترطُ ذلكَ. ولكنْ هناك شروطٌ خاصّةٌ تطلبُها الشريعةُ في صفاتِ الشاهدَيْنِ على عقدِ الزواجِ؟

1 - يجبُ أنْ يكونَ الشاهدانِ ذكرَيْنِ، وهذا ما لا تشترطُه القوانينُ المدنيّةُ، إذْ تقبلُ بشهادةِ المرأةِ كشهادةِ الرجلِ. وهنا ينقسمُ الفقهاءُ المسلمونَ حولَ ضرورةِ هذا الشرطِ. فمنْهم مَنْ يُوجبُ حصراً الشهادةَ في عقدِ النكاحِ للذكورِ كالشافعيِّ، ومنْهم مَنْ يقبلُ بوجودِ رجلٍ وامرأتينِ معاً لتصحَّ بهما وجوبُ الإشهارِ كمذهبِ الحنيفةِ. وتبرزُ في هذهِ المسألةِ نقطةٌ لا يمكنُ التغاضي عنها، وهيَ أنَّ التنبّهَ لها منْ طالبي عقدِ الزواجِ المسلمينَ يمكنُ أنْ يذلّلَ هذا الموضوعَ.

2 - إذا كانَ طالبا الزواجِ مسلمَيْنِ، وجبَ أنْ يكونَ الشاهدانِ مسلمَيْنِ. ويجوزُ في حالةِ الزواجِ منْ كتابيّةٍ، أنْ يكونَ الشاهدُ عليها منْ دينِها أيْ كتابيّاً، ولكنْ لا تصحُّ شهادةُ الملحدينَ أوِ غيرِ الكتابيّينَ. وهذا الشرطُ يصعبُ التحقُّقُ منْ توفّرِه كلَّ مرّةٍ، خاصّةً وأنَّ القوانينُ المدنيّةُ لا تطلبُ سوى الوثائقِ الثبوتيّةِ التي تفيدُ أهليّةَ الشاهدِ ولا تُشترطُ معرفتُه بالزوجينِ حتّى تصحَّ شهادتُه.

د- الوليُّ

لا يشترطُ الزواجُ المدنيُّ وجودَ "ولي"، إذْ يُكتفى ببلوغِ الزوجةِ السنَّ القانونيَّ وأهليّتَها لعقدِ الزواجِ فقطْ. وهذهِ المسألةُ يختلفُ حولَها الفقهاءُ، فأبو حنيفةَ يجيزُ تولّي المرأةِ نفسَها، بينمَا الشافعيُّ ومالكٌ لا يُجيزانِ ذلكَ أبداً. أمّا المجلسُ الأوروبيُّ للإفتاءِ والبحوثِ فقدْ أفتى للمرأةِ العاقلةِ بإمكانيّةِ تزويجِ نفسِها، ويُعتبرُ زواجُها صحيحاً، وإنْ ذَكَرَ المركزُ في مطالعتِه ضرورةَ موافقةِ الوليِّ كشرطٍ لصحةِ العقدِ. إنَّ هذهِ الفتوى تُبرزُ الفرقَ في ضرورةِ مراعاةِ الظروفِ، وإنْ كانَ الأسلمُ للجميعِ اتّباعُ ما هوَ متعارفٌ عليهِ، إلّا أنَّ ضروراتِ الحياةِ تبيحُ بعضَ المحظوراتِ، أوْ يتمُّ التغاضي عنْ بعضِ الشروطِ التي أصبحَتْ بحكمِ تطوّرِ الزمانِ والبيئةِ منَ الشكليّاتِ، أكثرَ مِمّا هيَ منَ الموجباتِ الجوهريّةِ.

هـ- المَهْرُ

يجوزُ إتمامُ عقدِ الزواجِ في العقدِ المدنيِّ دونَ الحاجةِ إلى ذِكْرِ المَهْرِ. فالمهرُ منْ آثارِ عقدِ الزواجِ لا منْ شروطِه الجوهريّةِ.

و- المصادقةُ الشرعيّةُ على العقدِ المدنيِّ

وفي أوروبا مثلاً يفرضُ واقعُ الحالِ ذاتَه على عقودِ الزواجِ. ويُلاحظُ أنَّ المجلسَ الأوروبيَّ للإفتاءِ والبحوثِ قدْ أجازَ كتابةَ عقدٍ شرعيٍ، كتصديقٍ لعقدٍ مدنيٍ سابقٍ تمَّ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ، وقدْ أنجبَ منها طفلةً، دونَ الحاجةِ إلى كتابةِ عقدٍ جديدٍ. فيكونُ العقدُ الشرعيُّ في هذهِ الحالةِ مثبّتاً لعقدٍ مدنيٍ سابقٍ دونَ الدخولِ في البحثِ في شروطِه أوْ مراعاتِه للشريعةِ الإسلاميّةِ. وفي فتوى أخرى يطلبُ المجلسُ انتظارَ إعلانِ حُكْمِ المحكمةِ للطلاقِ، وأنَّ طلاقَ الزوجةِ هوَ شرعيٌ قبلَ إعلانِ المحكمةِ، بذريعةِ المحافظةِ على الحقوقِ وعدمِ قيامِ نزاعٍ آخرَ. إنَّ المسلمينَ خارجَ دارِ الإسلامِ همْ مسلمونَ ملتزمونَ بدينِهم ويتبعونَ جميعَ الفرائضِ. ولكنّهم يراعيونَ أيضاً قوانينَ البلادِ دونَ أيِّ حرجٍ أوْ تملّقٍ، ويمكنُ لهؤلاءِ المسلمينَ أنْ يصبحوا قدوةً يُستدلُّ منها الالتزامُ بالدينِ ومواكبةُ التطوّراتِ الظرفيّةِ دونَ الانتقاصِ منَ الشريعةِ الإسلاميّةِ أوِ اعتبارِها موضعَ شبهةٍ أوْ نقصٍ. وهذا التوافقُ الكبيرُ بينَ نصوصِ التشريعاتِ الغربيّةِ وروحِ الشريعةِ الإسلاميّةِ دليلٌ واقعيٌ على إمكانيّةِ التزاوجِ بينَ العقدِ المدنيِّ والعقدِ الشرعيِّ.

خلاصةٌ

قدْ يظنُّ البعضُ أنَّ الإسلامَ لا يُعارضُ فكرةَ عقدِ زواجٍ مدنيٍ، طالما أنَّ جميعَ شروطِ العقدِ الدينيِّ يمكنُ توفّرُها بطريقةٍ أوْ بأخرى في الزواجِ المدنيِّ، كعدمِ اشتراطِ مكانِ عبادةِ لإتمامِ الزواجِ، أوْ وجودِ رجلِ دينٍ إسلاميٍ لتوثيقِه. فيُكتفى بالإيجابِ والقبولِ بينَ اثنينِ لوقوعِ الزواجِ صحيحاً، وإنِ اختلفَتِ المذاهبُ الفقهيّةُ في اشتراطِ ما يرافقُ هذا الرضى والقبولِ. أوْ قدْ يظنُّ البعضُ أنَّ إشكاليّةَ المؤسَّسةِ الدينيّةِ الإسلاميّةِ ليستْ معَ العقدِ بحدِّ ذاتِه، وإنّما معَ ما يستتبعُ هذا العقدَ منْ آثارِ ومفاعيلَ، وأنَّ المؤسَّسةَ الدينيّةِ الإسلاميّةِ قدْ تقبلُ بعقدِ الزواجِ مدنيّاً شرطَ أنْ يحتكمَ الزوجانِ إلى الضابطِ الشرعيِّ في كلِّ ما يستتبعُ زواجَهما. ولكنَّ الواقعَ يشيرُ إلى الكثيرِ منَ النقاطِ التي لا تُريدُ المؤسَّسةِ الدينيّةِ الإسلاميّةِ في لبنانَ أنْ تتدخّلَ الدولةُ فيها، بالرغمِ منَّ الفقهَ عالجَ جميعَ الأسبابِ التي تتلطّى المؤسَّسةُ الدينيّةُ خلفَها لمواجهةِ الزواجِ المدنيِّ، كمثلِ زواجِ المسلمِ منْ غيرِ أهلِ الكتابِ، أوْ كزواجِ المسلمةِ منْ خارجِ الإسلامِ، أوْ مسألةِ عدمِ تعدّدِ الزوجاتِ... وقدْ تعدَّدتْ مروحةُ المواقفِ الإسلاميّةِ كثيراً في الداخلِ اللبنانيِّ أوْ في الخارجِ عنْ لبنانَ، وهيَ تقومُ جميعُها على أحكامِ الشريعةِ منْ نصٍّ مقدَّسٍ وسيرةٍ نبويّةٍ وقياسٍ، وهذا دليلٌ ثابتٌ على إمكانيّةِ تكيّفِ الزواجِ الشرعيِّ معَ الظروفِ والمستجدّاتِ التي تطرأُ على واقعِ الحياةِ. ففي بريطانيا مثلاً، تسمحُ الدولةُ بالزواجِ المدنيِّ الاختياريِ، ولكنّها ترفضُ الاعترافَ قانوناً بالزواجِ الدينيِّ الإسلاميِّ، إلّا إذا تسجَّلَ العقدُ ضمنَ الدوائرِ الرسميّةِ، للاستفادةِ منْ تشريعِ المملكةِ لنظامِ الأحوالِ الشخصيّةِ، الذي لا يقبلُ بتعدّدِ الزوجاتِ، ويسمحُ للمرأةِ كمَا للرجلِ بطلبِ الطلاقِ منَ المحكمةِ التي تنظرُ في القضيّةِ، وباقتسامِ الثروةِ الماليّةِ مناصفةً بينَ الزوجينِ. وقدْ أعدَّ المسلمونَ عقداً خاصّاً بهم ومقبولاً منَ القانونِ الإنكليزيِ، كونَه يتضمَّنُ تنازلاً منَ الزوجِ عنْ كلِّ ما يسمحُ بهِ الدينُ الإسلاميُّ وترفضُه المملكةُ المتَّحدةُ. وهذا يثبتُ أنَّ المجالَ يبقى واسعاً لالتقاءِ الإرادتينِ الإلهيّةِ والوضعيّةِ في موضوعِ الزواجِ. إنَّ شرطَ قبولِ جميعِ أحكامِ الدينِ الإسلاميِّ في الزواجِ للقولِ بالانتماءِ إليهِ، وكلُّ تأييدٍ للزواجِ المدنيِّ هوَ على العكسِ خروجٌ على الدينِ، يضعُ الملتزمَ دينيّاً بينَ سِندانِ الدينِ ومطرقةِ الزواجِ المدنيِّ، إنّما هوَ مطلبٌ غيرُ واقعيٍ، خصوصاً أنَّ الفسحةَ كبيرةٌ للالتقاءِ بينَ الاثنينِ.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.