المبحثُ الأوّلُ: مفهومُ الزواجِ منْ خلالِ حقوقِ المرأةِ في المواثيقِ الدوليّةِ
يُشير كتاب التكوين 404 إلى شريعة مقدّسة بحكمٍ إلهيٍّ وهي أنَّ الرجل يسود على المرأة، وبقيت هذه هي حال الدنيا إلى ما بعد الحرب العالميّة الأولى، حيث قُتل الكثير من الرجال، وأصبحت الحياة وقفًا على المرأة بكلّ جوانبها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، فكان لا بدّ للتشريعات الدوليّة من أن تُواكب هذا النمط المستجدّ في الحياة، وتُعطي المرأة المزيد من الحريّات، التي ستضمن في نهاية المطاف هذه الحقوق مستقبلًا أفضل للمجتمع.
إنَّ العودة إلى تشريعات المرأة في المجتمع الدوليّ تُساعدنا على فهمٍ أفضل لمسيرة التطوّر في عقد الزواج، وسبب توقّف الكلام عن الزواج واحترام المعتقدات والمظاهر الاجتماعيّة، الذي هو من مسلّمات الأمور في الدبلوماسيّة والتشريعات الدوليّة، إلى الحديث عن زواج مدنيّ لا نكهة دينيّة خاصّة له. ويمكننا وصف ما كفلته الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، بـ "عولمة الزواج"، وكيف أنَّ موضوع الزواج المدنيّ وكلّ ما يلحق به من تبعات منذ إجراء العقد إلى مفاعيله الناتجة عنه، تحوّل عبر السنين إلى مطلب أساسيّ بغية تحقيق المساواة والعدالة والكرامة للمرأة.
في العام 2014، توصّلت الأمم المتّحدة إلى الحصول على تواقيع 143 دولة من أصل 195، عدّلت دساتيرها لتتضمّن قوانين تُحارب بها كلّ أنواع التمييز ضد المرأة، إنَّ هذا الكمّ من العمل الطويل ومن آثاره المتعدّدة على المستوى الدوليّ، يُرشدنا إلى خارطة طريق تُساعدنا على فهمٍ أفضل لكيفيّة تطوّر مفهوم الزواج المدنيّ، وللأهمّيّة التي أصبح يكتسبها إذ أضحى نوعًا من بطاقة دخول تُلزم الدول بالانضمام إلى النادي الدوليّ.
وأُبرمت في 7 تشرين الثاني من عام 1964، أوّل اتّفاقيّة دوليّة عن الأمم المتّحدة، حملت عنوان "اتّفاقيّة الرضا بالزواج والحدّ الأدنى لسنّ الزواج، وتسجيل عقود الزواج". وقد شكّلت هذه الاتّفاقيّة المدماك الأوّل والأساس بين حقوق المرأة في القانون الوضعيّ والممارسات والعادات التي تمسّ كرامة المرأة الإنسانيّة، كونها الهدف العامّ للنهوض بالمرأة. وقد أُدرجت في كلّ الاتّفاقيّات اللاحقة لتعزيز الاحترام والمراعاة العالمين لحقوق الإنسان، ودعم الحريّات الأساسيّة، ودون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة، وحتّى دون أيّ اعتبار لأيّ تمييز مبنيّ على الدين.
وقد ذكَّرت الاتّفاقيّة بالمبادئ الأساسيّة التي ينبغي أن تتضمَّنها كلّ قوانين الزواج، أي المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في الحقوق، فلا يُعقد زواج إلّا برضاهما فقط ويتساويان عند انحلال عقد الزواج. وهذا ما نصّت عليه المادّة (16) من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. أمّا القاعدة الثانيّة التي أُدرجت في مقدّمة هذه الاتّفاقيّة، فهي القرار 405 رقم 843 بتاريخ 17 كانون الأوّل 1954، الذي اعتُبر استفزازًا مباشرًا من المجتمع الدوليّ باتّجاه المجتمع المتديّن، إذ يحضّ الدول على تجاوز التقاليد والأعراف والقوانين الدينيّة التي تتعارض مع الإرادة الدوليّة.
وأسهت هذه الاتّفاقيّة بتوعية الدول الأعضاء في المجتمع الدوليّ وتنبيهه إلى الإطار العامّ الواسع والواجب الأخذ به. ومن الشروط الأساسيّة العامّة لاعتبار الزواج منعقدًا، الرضى، والعلانيّة، وحضور السلطة المختصّة التي تحمل سجلًّا خاصًّا بعقود الزواج، والشهود، وضرورة وضع سنٍّ أدنى لا يُسمح بالزواج لمن كان دونه. وستتحوّل هذه التوصيات مع الشرعات اللاحقة إلى خطوات عمليّة ينبغي تحقيقها. لكنَّ لبنان لم يوقّع على هذه الاتّفاقيّة إلى اليوم، فيما انضمّت إليها بعض الدول العربيّة 406 كالأردن وليبيا وتونس واليمن.
أوّلاً، المؤتمر العالميّ الأوّل للمرأة (المكسيك، 1975)
شكَّل مؤتمر المكسيك 407 خارطة طريق عالميّة ومبادئ عامّة أوّليّة، وتمَّكن المجتمع الدوليّ، دولًا وجمعيّات دوليّةً من الاسترشاد بها لتطوير قوانين أحوالها الشخصيّة. وقد انبثق عن المؤتمر معهد الأمم المتّحدة الدوليّ للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة، كما أُنْشئ صندوق الأمم المتّحدة الإنمائيّ للمرأة. لم يكن دخول المجتمع الدوليّ على ميدان الزواج هدفًا بحدّ ذاته، إذ كان الموضوع الاقتصاديّ للعائلة الشاغل الأوّل. وللحصول على النتائج المتوخّاة وإجراء عمليّة تطوير المجتمعات، كان لا بدّ من الدخول في ميدان الحريّة الفرديّة، أي الزواج الذي يُعتبر من أبرز نتائجها دون غير ذلك من الاعتبارات. وقد أرسى تقرير المؤتمر الدوليّ لمناسبة عام المرأة في مدينة مكسيكو، المبادئ العامّة والموحّدة لخطّة تمكين المرأة في أبرز ميادين عملها أي حياتها العائليّة، التي تتطلّب منها تكريس الكثير من الوقت، وترك بصمة واضحة في الحياة الاقتصاديّة على مستوى دخل العائلة أوّلًا، ومن ثَمّ على مستوى دخل المجتمع ثانيًا.
وتمّ الحديث في الفقرة (124) من أعمال المؤتمر عن العائلة في المجتمع المتمدّن، وأشارت هذه الفقرة إلى المنطلقات التي قارب بها المجتمع الدوليّ موضوع "العائلة". كما أشارت أيضًا إلى تغيّرات اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة، شهدتها مؤسّسة العائلة، وإلى وجوب أن تؤمّن هذه مؤسّسة الكرامة والمساواة والحماية لكلّ فرد منها... ومن أجل تطوير العائلة والمجتمع والاقتصاد، يجب تطوير دور المرأة بشكل مباشر ووثيق (فقرة 125). أمّا الفقرة (126) فقد ربطت العائلة بشكل مباشر بالمرأة، لأنّها تُعتبر المحرّك الأساسيّ للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. وإذا أردنا أن تُسهم المرأة في عمليّة التطوير، علينا أن نُعطيها الفرص المتكافئة في جميع الحقوق والموجبات مع الرجل، كما علينا أن نُعيد النظر دومًا في تصوّراتنا، حول الواجبات العائليّة وكيفيّة توزيعها بين الرجل والمرأة، وخصوصًا الأخذ بعين الاعتبار التغيّرات التي تطرأ على الحياة.
وأسبغت الفقرة (127) الشرعيّة والحماية على موضوع الأمّ العزباء، الذي يُشكّل الحدود الأولى للصراع بين الدِّينَيْن المسيحيّ والإسلاميّ من جهة، والتشريعات الدوليّة من جهة أخرى، إذ إنَّ للأمّ العزباء، وضعًا مستهجنًا ومرفوضًا في المجتمع المتديّن، الذي ينظر إليها نظرةً مهينةً. وتُضيف الفقرة (133) فتؤكّد على ضرورة حماية الأمّ العزباء، وتوفير كلّ أنواع المساعدة والمساواة في التعامل الإداريّ للأولاد، المعترف بهم أنَّهم من أمّ عزباء وللأولاد الناتجين عن زواج طبيعيّ، على قدم المساواة.
أمّا الفقرة (128) التي هي بيت القصيد، من حيث التدخّل بتشريعات الزواج مباشرةً. فقد نصّت بشكلٍ حرفيٍّ "على أنَّ قوانين الزواج يجب أن تتماشى مع النموذج الدوليّ، ويجب أن يكون الارتباط قائمًا على الموافقة الحرّة للعروسين فقط، وأنَّ يأخذ الحدّ الأدنى للزواج بعين الاعتبار متطلّبات إكمال المرأة لدراستها بشكل خاصّ. وفي دراسةٍ للباروميتر العربيّ عام 2018 حول وضع النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تجلّت الفجوة بين الواقع والأدوار 408. فقد أظهرت الإحصاءات ترابطًا وثيقًا بين ازدياد نسبة التعليم وبين إقرار المزيد من الأدوار للمرأة. وتبيّن أنَّ لبنان هو من أقلّ البلدان العربيّة لناحية اعتبار التعليم الجامعيّ للرجل أهمّ من ذاك للمرأة. وهذا يُثبت نظرة المجتمع اللبنانيّ إلى إعطاء الفتاة القدرة على التعلّم، وعدم تزويجها باكرًا، ويُعتبر لبنان من أكثر البلدان العربيّة تأييدًا لناحية تولّي المرأة منصبًا قياديًّا سياسيًّا كرئيسة جمهوريّة أو رئيسة مجلس وزراء. وسيكون الزواج المباشر ورفع تحديد سنّ الزواج من دون وسيط، في مواجهة التقاليد الدينيّة الإسلاميّة، لأنّها تُخالف الشرع. وأصبح هذا الموضوع مدار بحث طويل حتّى يومنا هذا.
وتنصّ الفقرة (129) صراحةً على وجوب أن تُعدّل جميع المؤسّسات والتقاليد النصوص والمبادئ العامّة، التي تتعارض مع ما ذُكر آنفًا، لتكفل عدم زواج الأطفال واحترام ميراث الأرامل. وتُعيد الفقرة (130) التأكيد على المساواة في الحقوق والواجبات من حيث تحمّل أعباء العمل والأعباء المنزليّة والمشاركة في القرارات التي تخصّ العائلة. وتُكمل الفقرة فتتكلّم عن مفاعيل انحلال الزواج، الذي يجب أن يكون متوفّرًا بالتساوي للرجل والمرأة أيضًا. أمّا من ناحية اقتسام الميراث وتوزيع الممتلكات بين الاثنين عند انحلال العقد، فإنَّ التقرير العامّ يُطالب بتعديل جميع الأحكام وبتحرير عقد الزواج من كلّ تقليد مخالف، وبأنَّ يُراعي حقّ الحضانة وما هو الأفضل للأولاد.
أمّا الفقرة (131) المتعلّقة بضرورة المساعدة المحترفة للعائلة، كإيجاد محكمة مختصّة مدنيّة تنظر في قضايا الزواج. أي إنَّ التقرير يسحب من المؤسّسة الدينيّة سلطة الإشراف على الحياة الزوجيّة. وهذه النقطة بالذّات هي حجر الزاوية في عولمة الزواج وإخراجه من العادات والأعراف الدينيّة، التي أصبحت لا تُجاري الزمن والتحدّيات المعاصرة وتطبيقات القواعد المدنيّة على الزواج. ثمّ تُطالب الفقرة (132) بإدخال التعديلات على البرامج التربويّة، بحيث يتمّ تأهيل المقبلين على الزواج، وشرح تلك المبادئ الدوليّة، التي قد تكون جديدة على المجتمع المحليّ، فعلى المدرسة مناهضة خطاب التمييز على أساس الجنس بين ذكر وأنثى. وقد أوصت الجلسة العامّة لعام 1975 بأنَّ الأعوام من 1976 إلى 1985 ستكون "عقد المرأة" وطلبت من الأمين العام العمل على المساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء التمييز ضدّها، وإنشاء معهد دوليّ للتدريب من أجل النهوض بها.
ثانياً، اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (الجمعيّة العامّة، 1979)
تنطلق هذه الاتّفاقيّة في مقدّمتها من ضرورة إقامة نظام اقتصاديّ عالميّ جديد، واعتماد مبادئ الإنصاف والعدالة بهدف الوصول إليه. ومن أبرز المعوّقات لتحقيق ذلك، وضع المرأة والتمييز الحاصل لها على جميع الأصعدة العائليّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. لذلك، تُشكّل هذه الاتّفاقيّة نوعًا من عمليّة تقطير لمجهود آخر خمس سنوات من تاريخ الأمم المتّحدة في وقتها. ولم يكن تبرير التدخّل في الحياة العائليّة هدفًا بحدّ ذاته، وإنّما جاء تتويجًا لمرحلة طويلة من النضال، بغية تحديث المجتمعات وتقدّمها. وقد تمّ التدخّل في الحياة العائليّة والاحتكام إلى مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة على حساب التقاليد المحليّة، التي، وإن كانت في فترة نشأتها علامةً على تطوير المجتمع، إلّا أنَّ النظر إليها اليوم، قد أصبح معاكسًا ودليلًا على تخلّف المجتمع، وجعله بؤرةً خصبةً للعنف والإرهاب، وهذا ما يُهدّد سلام المجتمع الدوليّ باستمرار.
أمّا المادّة (16) منه فقد لخّصت في فقرة أولى من عدّة نقاط، ما جاء في مؤتمر المكسيك في قالب قانونيّ صريح ومباشر، من ناحية إجراء عقد الزواج وتفاصيل مسيرة الزواج وانحلاله. واهتمّت في فقرة ثانية بموضوع زواج القاصرات وضرورة رفع سنّ الزواج بما يتناسب مع موضوع إكمال التعليم. وقد اعتمدت الجمعيّة العامّة في العام 1979 اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة على أنّها شرعة حقوق للمرأة. وقد صدّقت معظم الدول العربيّة عليها، لكن مع التحفّظ، باستثناء فلسطين، التي أقرّتها دون أيّ تحفّظ عام 2004. أمّا التحفّظ، فكان على المادّتَيْن (2) و(16) اللّتَيْن تحظران التمييز ضدّ المرأة في الدساتير والقوانين الوطنيّة. ولم تُصدّق إلّا بعض الدول العربيّة على البروتوكول الاختياريّ للاتّفاقيّة. أمّا تركيّا فقد انسحبت من هذه الاتّفاقيّة 410 مؤخّرًا في 23 آذار 2021، ما يُعزّز فرضيّة ابتعاد تركيا 411 عن العلمنة التي أقرّها مصطفى أتاتورك عام 1926.
ثالثاً، المؤتمر العالميّ لعقد الأمم المتّحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم (كوبنهاغن، 1980)
شكَّل هذا المؤتمر كنقطة انتصاف في فترة "عقد المرأة" الذي أقرّ في المكسيك. وكان لا بدّ من قراءة ما تحقّق، ووضع برنامج للفترة المتبقيّة منه. وأخذ المؤتمر بالمجمل طابع المدافعة عن المرأة في موضوع السلام حول العالم، متّخذًا من المرأة في جنوب أفريقيا وفلسطين والمرأة المهجّرة واللاجئة نموذجًا للدراسة. وقد سمح التعمّق في حياة المرأة والدراسات المتعدّدة التي تطال مختلف جوانبها، بذكر موضوع "العنف المنزليّ"، ولأوّل مرّة في وثيقة رسميّة للأمم المتّحدة. وتمّت إدانة هذا العنف في عدّة بنود منه، ووجد المجتمعون فوارق يجب الاعتراف بها، لأنّها قائمة بين الاعتراف بالحقوق وتسميتها وبين إمكانيّة تطبيقها والاستفادة منها. ولتحقيق المساواة والتنمية والسلام، فرض المؤتمر العمل في ثلاثة مجالات أساسيّة: أوّلًا، المساواة في الحصول على التعليم (التربية)؛ ثانيًا، المساواة في الحصول على فرص العمل (الاقتصاد)؛ وثالثًا، المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحيّة المناسبة (الصحّة العامّة). وقد دعا برنامج العمل الذي خرج به المؤتمر إلى اتّخاذ تدابير وطنيّة أقوى لضمان ملكيّة المرأة على ممتلكاتها وسيطرتها عليه، إضافة إلى إدخال تحسينات في مجال حقوق المرأة فيما يتعلّق بالميراث وحضانة الأطفال (وهما من أبرز مفاعيل عقد الزواج) وفقدان الجنسيّة.
رابعاً، المؤتمر العالميّ لاستعراض وتقييم إنجازات عقد الأمم المتّحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم (نيروبي، 1985)
في العام 1985 في نيروبي، عُقد المؤتمر العالميّ لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتّحدة للمرأة في مجالات المساواة والتنمية والسلم، وبحث في كيفيّة دفع الأمور إلى الأمام. وقد شعر المنظّمون، بعد مرور خمس سنوات، أنَّ أهداف مؤتمر المكسيك لم تتحقّق على نحوٍ كافٍ، كما أنَّ موضوع العنف المنزليّ لم يحظَ بالأهمّيّة المطلوبة. فشدّدت الفقرة (68) على ضرورة تنقيح القوانين المدنيّة بما يتلاءم مع الإرادة الدوليّة، ولا سيّما القوانين التي تتعلّق بالأسرة من أجل القضاء على الممارسات التمييزيّة حيثما وجدت، ومنها شروط أهليّة المرأة للزواج، وحدود اعتبارها قاصرة بغية منحها المساواة في الحقوق والواجبات مع الرجل. وضع مؤتمر نيروبي ثلاثة مقاييس أساسيّة لتقييم التقدّم المحرز، معتبرًا إيّاها "الرابط" بين التنظير العام الذي أرسته المؤتمرات السابقة وبين الحياة العمليّة المباشرة. أمّا المقاييس فهي: 1- التدابير الدستوريّة والقانونيّة. 2- المساواة في المشاركة الاجتماعيّة. 3- المساواة في المشاركة السياسيّة واتّخاذ القرار. ولم تجفَّ العاصفة التي بدأت في نيروبي حول موضوع العنف ضدّ المرأة. بل حظيت القضيّة بمزيد من المصداقيّة في يونيو 1993 في مؤتمر الأمم المتّحدة العالميّ لحقوق الإنسان في فيينا إذ نصّت على "تعريف واضح وشامل للعنف ضدّ المرأة وبيان واضح للحقوق التي ينبغي تطبيقها لتأمين القضاء على العنف ضدّ المرأة بجميع أشكاله".
خامساً، المؤتمر العالميّ الرابع للمرأة (بيجين 1995)
في الذكرى الخمسين لإنشاء الأمم المتّحدة، أعرب المجتمع الدوليّ عن ملله من التقدّم البطيء لكلّ ما يتعلّق بحقوق المرأة، وعقد العزم على التقدّم بخطوات سريعة في تحقيق أهداف المساواة والتنمية والسلم لجميع النساء. فصدر إعلان بيجين بإجماع جميع الدول، كبيان سياسيّ ضمّ في بنوده فقرات مطوّلة كانت بالأمس مجرّد نقاط محدّدة بإطار ضيّق. ونصّ الإعلان على مجالات الاهتمام الحاسمة 412 التي ينبغي العمل عليها. ومن هذه المجالات قضيّة العنف ضدّ المرأة.
أمّا ما يهمّ دراستنا، فهو ما ورد في الفقرة (112) التي عرّفت العنف ضدّ المرأة. وقد شكّل هذا التعريف بحدّ ذاته، نقلة نوعيّة في مقاربة أوضاع النساء. إذ كُنّا، قبل إعلان بيجين، نتكلّم بصورة عامّة جدًّا عن المساواة بين الرجال والنساء. ومع مؤتمر نيروبي، اتَّخذ للكلام منحًى مغايرًا عن الأوضاع المحدّدة، وشجّع المؤتمر على العمل على تحسين ظروفها. إلى أن وصلنا مع مؤتمر بيجين إلى باب تجريم ومعاقبة كلّ تمييز تتعرّض له المرأة، ومنه العنف المنزليّ بكلّ أشكاله، وزواج القاصرات، وعدم إقرار الأهليّة الاقتصاديّة والقانونيّة للمرأة، ومدى حماية القوانين لها في حال تعرّض عقد الزواج للانحلال، وأيضًا لحصّة المرأة من الميراث العائليّ، فالعنف ضدّ المرأة ليس فقط الأذى الجسديّ أو النفسيّ أو الجنسيّ، بل بحسب الفقرة (أ) من الفقرة (113)، يشمل العنف أيضًا أعمال العنف المتعلّقة بالبائنة، المَهْر مثلها مثل اغتصاب الزوجة من قِبل الزوج.
تطرّق مؤتمر بيجين إلى قضيّة الزواج المبكّر، والزواج بالإكراه، من باب الإشارة إلى الخلل الكامن في عدم إحقاق حقوق المرأة، ومن باب الصحّة في مجال زواج الأطفال 413. وهذا الزواج المبكّر، المقبول دينيًّا والمرفوض دوليًّا، يُسهم في إخراج المرأة من ميدان التعليم، ويتبع ذلك إخراجها من عمليّة التنافس في سوق العمل 414. إنَّ القضاء على الممارسات الضارّة، ومنها الزواج المبكّر، هو أحد الأهداف الاستراتيجيّة 415 التي نصّ عليها المؤتمر. وعلى كلّ الحكومات، بالتعاون مع المنظّمات الغير الحكوميّة، ووسائط الإعلام، والقطاع الخاصّ، والمنظّمات الدوليّة ذات الصلة، بما في ذلك هيئات الأمم المتّحدة، العمل على تنفيذها. وأتت الفقرة (274) بند "هـ" على ذكر العلاقة القائمة بين النصوص القانونيّة وحقوق المرأة، لناحية التركيز على قاعدة الرضى الكامل لطالبي الزواج حصرًا، وضرورة البلوغ الفكري وليس البلوغ الجسديّ المطلوب بالنصّ الدينيّ فقط لعقد الزواج، وقد نصّت على "سنّ وإنفاذ القوانين الكفيلة بأن لا يتمّ الزواج بغير الرضى الحرّ والكامل للمُقدمين على الزواج؛ ويُضاف إلى ذلك سنّ القوانين المتعلّقة بالحدّ القانونيّ الأدنى لسنّ الرشد والحدّ الأدنى لسنّ الزواج، وإنفاذ تلك القوانين بصرامة ورفع الحد الأدنى لسنّ الزواج عند الاقتضاء".
سادساً، ما بعد مؤتمر بيجين
شكَّل مؤتمر بيجين نقطة محوريّة في عمليّة النهوض بالمرأة ودفعها قدمًا، وأصبحت الخطط الموضوعة من بعده مجرّد تعداد واستكمال لما أرساه مؤتمر بيجين. ويتمّ كلّ خمس سنوات استعراض ما تمّ إنجازه. وقد جرى ذلك في السنوات 2000 و 2005 و 2010 و 2015 و 2020. في 2 تمّوز 2010، أجمعت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على إنشاء هيئة واحدة تابعة للأمم المتّحدة لتكليفها بتسريع التقدّم المحرز في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. ويدمج كيان الأمم المتّحدة الجديد المعنيّ بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة - هيئة الأمم المتّحدة للمرأة - أربع وكالات ومكاتب دوليّة وهي: صندوق الأمم المتّحدة الإنمائيّ للمرأة (اليونيفيم)، وشعبة النهوض بالمرأة، ومكتب المستشارة الخاصّة للقضايا الجنسانيّة، والمعهد الدوليّ للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة. وهذا يؤكّد على إصرار الإرادة الدوليّة المضيّ قدمًا في هذا مضمار، وما يعكسه على واقع الحياة الزوجيّة من تبعات. أمّا الآن، فقد ركّزت الأمم المتّحدة على خطّة التنمية العالميّة (2030) التي طوّرتها مؤخّرًا، والمكوّنة من 17 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة. وتلعب المرأة دورًا حاسمًا في كلٍّ من هذه الأهداف، مع إدراك العديد منها، وعلى وجه التحديد قضيّة المساواة بين المرأة والرجل، وتمكينها على حدّ سواء كجزء من الحلول المستدامة. ويهدف الرقم (5) من هذه الأهداف، إلى "تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات". أمّا الغايات المرافقة للهدف الخامس، فتدعو إلى القضاء على التمييز والعنف ضد النساء، وعلى جميع الممارسات الضارّة (كزواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري)، وإلى كفالة مشاركة النساء في جميع مستويات صُنع القرار في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والعامّة. ودعا الهدف الخامس أيضًا إلى ضمان حصول الجميع على خدمات الصحّة الجنسيّة والإنجابيّة والحقوق الإنجابيّة... ورغم كلّ ما سبق ذكره من مؤتمرات، ما زالت هناك حاجة لتغييرات قانونيّة وتشريعيّة عميقة لضمان حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم. وفي حين أنَّ 143 دولة ضمنت المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها بحلول عام 2014، إلّا أنَّ هناك 52 دولة ما زالت مُحجمة عن هذه الخطوة.