الزواجُ المدنيُّ الملزمُ بحسبِ القوانينِ الغربيّةِ
لقد أثار الزواج المدني في الغرب، ولا سيما للمسلمين المقيمين هناك، تساؤلات فقهية حول مدى اعتراف الشريعة الإسلامية بهذا العقد، وهل يغني عن العقد الشرعي؟ وللإجابة على ذلك، لا بد من عرض أركان وشروط الزواج في القوانين الغربية ومقارنتها بالشريعة:
أ- صيغة العقد
يتم الزواج المدني أمام موظف رسمي مختص (مسجل الأحوال المدنية)، حيث يتبادل الطرفان عبارات تفيد القبول والرضا بالزواج، وهو ما يحقق جوهر الصيغة المطلوبة شرعاً (الإيجاب والقبول).
ب- رضى الطرفين
تشترط القوانين الغربية الرضا التام من كلا الطرفين، وأي إكراه يبطل العقد، وهذا يتوافق تماماً مع المقاصد الشرعية التي تجعل رضا الزوجين ركناً أساسياً لصحة الزواج.
ج- وجوب شاهدين
تشترط القوانين الغربية وجود شاهدين على الأقل لإتمام مراسيم الزواج المدني وتوثيقه، وبذلك يتحقق شرط الإشهاد الذي يطلبه جمهور الفقهاء بصحة عقد الزواج.
د- الولي
لا تشترط القوانين الغربية وجود الولي أو موافقته في حال بلوغ الزوجين السن القانوني. وهنا يبرز الخلاف الفقهي؛ فبينما يشترط الجمهور الولي لصحة زواج المرأة، يرى الإمام أبو حنيفة أن للمرأة البالغة العاقلة تزويج نفسها، وهو المخرج الفقهي الذي يُعتمد عليه في اعتبار العقد المدني صحيحاً من هذه الجهة.
هـ- المهر
لا يرد ذكر المهر في القوانين الغربية ولا يعد شرطاً لصحة العقد المدني. ومع ذلك، فإن عدم ذكر المهر في العقد لا يبطله شرعاً، إذ يجب بمجرد العقد "مهر المثل" أو ما يتم الاتفاق عليه لاحقاً، فالمهر أثر من آثار العقد وليس ركناً في صيغته.
و- المصادقة الشرعية على العقد المدني
نظراً لأن الزواج المدني في الغرب هو العقد الوحيد الذي تترتب عليه الآثار القانونية (مثل الإرث، وحقوق الأطفال، والنفقة، والضمان الاجتماعي)، فقد ذهبت أغلب الفتاوى المعاصرة والمجامع الفقهية إلى ضرورة إجراء الزواج المدني أولاً لضمان الحقوق، ثم إتباعه بالعقد الشرعي (أو المصادقة الشرعية) لضمان استكمال الشروط الدينية وتوثيقه لدى الجهات الإسلامية المختصة، وذلك خروجاً من الخلاف وحفظاً لدين المسلم وحقوق أسرته.
خلاصة
إن الزواج المدني المجرى في القوانين الغربية، إذا استوفى الأركان من إيجاب وقبول وإشهاد وانتفاء الموانع الشرعية، يعتبر عقداً صحيحاً تترتب عليه آثاره، إلا أن المسلم مطالب شرعاً بتوثيقه لدى المراكز الإسلامية أو استكمال ما قد ينقص فيه (مثل المهر أو رضا الولي عند من يشترطه) ليكون مستوفياً لكل الجوانب الدينية والقانونية.