|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

المبحثُ الثالثُ: دورُ الزواجِ المدنيِّ في ترسيخِ الدولةِ المدنيّةِ

ظهر مفهومان جديدان في مقابل الدولة الدينيّة، هما الدولة المدنيّة والدولة العلمانيّة. لكنّهما لا يحملان المعنى عينه، وإن قابلا الدولة التي يتربّع عليها شرع إحدى الديانات. فالدولة المدنيّة هي الدولة التي تقوم على منظومة متكاملة من القوانين ترعى جميع الحقوق، وتستند إلى مبدأ المساواة أمام القانون، فيخضع مواطنوها وسكّانها يخضعون لقانون واحد يرعى جميع أعمالهم. بينما الدولة العلمانيّة فهي الدولة التي تقوم على مبدأ الفصل التامّ بين السلطة المدنيّة والسلطة الدينيّة. عندما نتكلّم عن الدولة المدنيّة 430، نقصد عادةً من وراء ذلك، حماية جميع أعضاء المجتمع، بغض النظر عن انتمائهم الدينيّ أو الفكريّ أو الاجتماعيّ. ويُستعمل حديث المفكّرين والحقوقيّين عن مدلول الزواج المدنيّ كتعبير عن إرادة إقصاء الزواج الدينيّ، وفرنسا نموذج على ذلك. ولا يُفترض الوصول حُكمًا إلى هذا الهدف، إذ عرفت المجتمعات الكثير من الأنظمة التي تسمح بتعاون كبير بين الدولة القانونيّة والمراكز الدينيّة، كألمانيا مثلًا. وتستقي القيم المدنيّة مدلولاتها من القيم الدينيّة، ولكنها تتأخّر عنها نظرًا لقلّة عدد أتباعها مقارنة بعدد أتباع الدولة. ويتَّضح التلاقح بين البعد الدينيّ والبعد المدنيّ في نشأة الأخير وفي الكثير من القيم المشتركة بين الاثنين كالحريّة والإخاء والمساواة. وقد صوّرت المؤسّسة الدينيّة الرافضة لطرح الزواج المدنيّ الدولة المدنيّة وكأنّها نقيض الدولة أو اللادولة أو الدولة التي تخلّت عن قيمها لصالح ضمّ جميع المواطنين في بوتقة واحدة هشّة. بينما الدولة المدنيّة هي دولة علمانيّة تفصل بين الدين والسياسة، ولكنّها لا تفصل بين الدين والمجتمع 431، فالدولة تقوم على الدستور لا على الفتاوى. إنَّ تأسيس الدولة في لبنان حيث تتعدَّد الطوائف الدينيّة (18 طائفة)، لم تُفضِ إلى مجتمع متوازن. وبعد فترة الحرب التي عصفت بلبنان مؤخّرًا، تُطالب بعض الأحزاب السياسيّة والمجتمع الحقوقيّ والمدنيّ بتأسيس دولة تقوم على عقد اجتماعيّ مدنيّ يضمن التخلّص من الآفات التي يُعاني منها لبنان اليوم كالطائفيّة السياسيّة، انطلاقًا من طرح مشروع الزواج المدنيّ وإقراره. وقد أعرب الرئيس ميشال عون في تصريح 432 حديث لدى استقباله وفد لجنة الحوار المسيحيّ - الإسلاميّ الأسقفيّة، عن نظرته إلى الوضع الداخليّ، وشدّد على أنَّ "ما يمنع اللبنانيّين من التعايش الحقيقيّ هو عدم وجود قانون موحَّد للأحوال الشخصيّة، لأنَّه من دون تغيير الواقع الحاليّ، سيبقى اللبنانيّون مجموعات ولن يحصل الاختلاط المطلوب". وتُشدّد جميع الأدبيّات 433 التي تُعنى بحقوق الإنسان، على أنَّ الاستغراق في الطائفيّة والمذهبيّة يُعطّل المسار الوطنيّ باتّجاه الحياة المدنيّة. وتُعتبر عمليّة دمج جميع المواطنين والقاطنين على الأراضي اللبنانيّة، وخصوصًا مَن كان منهم خارج القيد الطائفيّ المعهود، ضمن قوانين الدولة صاحبة السيادة المطلقة، عمليّةً محوريّة تسمح برفع منسوب الحسّ الوطنيّ لدى جميع أبناء الدولة، دون أيّ تمييز بينهم. وفي حين يلعب المجتمع المدنيّ أيضًا دور الرقابة على أعمال السلطة، يمكننا تقسيم المجتمع المدنيّ غير الحكوميّ إلى مجتمع دينيّ ومجتمع غير دينيّ. كما يمكننا ملاحظة الدور المتكامل الذي لعبته السلطة الدينيّة، كما في دول أوروبا الشرقيّة، حيث قامت الكنيسة مع الجمعيّات التطوّعيّة والنقابات الحرّة بعمليّة تفكيك النظم الديكتاتوريّة. ولا ينقضي عامٌ إلّا ويُطالب بالزواج المدنيّ، إمّا مباشرةً بتقديم مشروع قانون في هذا الشأن، وإمّا بطريقة غير مباشرة بالضغط باتّجاه إقرار هذا النوع من الزواج، عبر وسائل الإعلام ومن خلال محاولات المجتمع المدنيّ، أفرادًا وجمعيّات.

أوّلاً، إلغاء الطائفيّة السياسيّة

أنهى اتّفاق الطائف عام 1990 مرحلةً داميةً من الاقتتال الداخليّ بدأت عام 1975 واستمرّت مدى خمسة عشر عامًا متواصلًا. وقد نصّ هذا الاتّفاق على إلغاء الطائفيّة السياسيّة والتحوّل ضمن مهلة 5 سنوات من نظام طائفيّ إلى نظام مدنيّ. ونصّت فقرة الإصلاحات السياسيّة في البند (ز) على خطّة انتقاليّة، ومراحل محدّدة وفاصلة بين مرحلة وأخرى، يقضي أبرزها بإلغاء المذهب على بطاقة الهويّة. لأنَّ ذكر المذهب على الهويّة يُكرّس قاعدة النظام الطائفيّ، ويُبقي حُكمًا على الزواج الدينيّ. أمّا إلغاء المذهب لجميع اللبنانيّين، فهو إشارة واضحة إلى رغبة المشرّع الدستوريّ في اعتماد آليّة مدنيّة منصوص على أحكامها قانونًا، يُعامل فيه الجميع على قدم المساواة، لا كأتباع لطوائفهم، ويُشجّع على الولاء للبنان أوّلًا. وبعد مرور ربع قرن على انقضاء المهلة الدستوريّة دون أي خطوة تُذكر نحو الدولة المدنيّة، ما زال لبنان يتخبّط في تركيبته وهويّته، وهذا ما دفع بالمزيد من الباحثين إلى التركيز على أهمّيّة إيجاد آليّة للزواج المدنيّ تكون مقدّمةً مفصليّة أمام ترسيخ الدولة المدنيّة.

ثانياً، المواطنة الحاضنة للتنوّع

يُبنى مفهوم الدولة المدنيّة على قاعدة "الدين لله والوطن للجميع". أمّا الدولة العلمانيّة فهي نقيض الدولة الدينيّة، دون أن تكون أُطُر التعاطي بينهما بالضرورة صراعًا، إنّما يمكن التوفيق بينهما من خلال الدولة المدنيّة الحاضنة للتنوّع. وغالبًا ما يتمّ الدمج بين الدولة المدنيّة والدولة العلمانيّة رغم أنَّ المفهومين ليسا مترادفين. وقد نصّت وثيقة الاتّفاق الوطنيّ على نمط علاقة الدين والدولة، وأرسته على "قاعدة الاحترام والانسجام". وللتأكيد على ذلك، أعطت الوثيقةُ رؤساء الطوائف الدينيّة حقَّ مراجعة المجلس الدستوريّ في أربع مواضيع حصريّة، أوّلها قوانين الأحوال الشخصيّة 434. ولم تؤسّس القوانين المدنيّة لدين جديد 435 يقوم على عقيدة خاصّة ملحدة أو مناهضة للأديان، أو يُمارس أتباعه طقوسًا محدَّدة يُبشّرون بها أو يدعون باقي المواطنين إلى اتّباعها ومناصرتها، وإنّما تُشكّل فضاءً يتساوى فيه جميع أبناء الوطن في الموجبات والحقوق. يُصوّر المجتمع المدنيّ على أنَّه في مواجهة مع السلطة السياسيّة أو نقيضها، بينما يُرينا التاريخ، وخصوصًا تاريخ أوروبا الشرقيّة الحديث، صورةً إضافيّةً ومختلفةً للمجتمع المدنيّ الذي يُساند السلطة السياسيّة في صنع قرارات أكثر ملاءمةً، ويُراعي فيها خير المجتمع العامّ. لكن منذ متى تتدخّل الآلهة في موضوع الزواج وتفاصيله؟! إنَّ العلاقة بين منظومة القيم وشروط استمرار الحياة 436 وثيقة، وتأثير كلّ طرف على الآخر كبير جدًّا. والحياة المدنيّة مسيرة طويلة في عمليّة رقيّ الإنسان وتطوّره ومحاربته كلّ أشكال التمييز القائمة على الدين أو العرق أو الجنس. وهذا ما يُعرف بنظريّة حقوق الإنسان التي يقوم عليها السلم الأهليّ والدوليّ. ليس الزواج المدنيّ زواجًا طارئًا أو دخيلًا على مجتمعنا اللبنانيّ. فقد أوجد الناس منذ القدم طريقة تحفظ بها ما أُنجزه اجتماعيًّا، بالشكل الذي يصون عرضهم وأخلاقهم وإيمانهم. ولطالما تكيّف المواطن مع قوانين دولته، فاختار منها ما يتوافق مع قناعاته، وأخضع نفسه لقوانينها بغية الحفاظ على الحريّات في المجتمع. وكلّما كان الإطار الذي تنعقد فيه الزيجات واسعًا، كانت القوانين في خدمة الناس وتعدّد مذاهبهم، وكلّما قيّدت الأنظمة إرادة المواطن، لجأ "هذا المواطن" من بعدها إلى طرق ومنافذ يُعبّر من خلالها عن الانسجام بين قناعاته وممارسته. إنَّ تقدّم المجتمعات يقوم على الحوار البنّاء بين جميع أطراف المجتمع الواحد من أجل الوصول بجميع مكوّناته إلى كلمة سواء، وقد ضاق المجتمع المحليّ ذرعًا بعدم مواكبة القوانين الوضعيّة لحاجاته ومستجدّات العالم الذي يحيا فيه الآن. إنَّ الزواج المدنيّ ضرورة للمجتمع الدينيّ نفسه، إذ بوجوده تعود السلطة الدينيّة إلى جوهر وظيفتها، فيبعث الأمل في نفوس الأتباع ويحضّهم على احترام كلّ أنواع الاختلافات. وأمّا ما نشهده من احتكار للأحوال الشخصيّة، فإنَّه يسمح بإيجاد منابر عديدة لخطاب الكراهيّة، واشتداد سعير الحرب الداخليّة. إنَّ السنين التي تآخى فيها النصّ الدينيّ مع النصّ الوضعيّ، أكثر بكثير من تلك التي استأثر فيها أحدهما بزمام السلطة. وكلّ عمليّة تُعارض تغليب واحدة على الأخرى لم تلْقَ النصيب الوافر. فالمعيار دومًا هو سعادة الإنسان وتقدّمه، وكلّ ما يخدم هذا المعيار يُعلي شأن الدين والقانون المدنيّ على حدّ سواء. لقد سمح لبنان عبر نافذة بقبول تسجيل عقد الزواج المنعقد خارجًا ضمن القيود الرسميّة للدولة، مع ما يترتّب على ذلك من مفاعيل قانونيّة، والاحتكام إلى القضاء المدنيّ من أجل حلّ الخلافات، وقد سمح هذا بوجود قناة ثانية بقوّة القانون لطالبي الزواج المدنيّ. كما انضمّ لبنان إلى المجتمع الدوليّ وله الباع الطويل في شرعة حقوق الإنسان. لكنَّ الحرب الداخليّة التي تخبّط بها لبنان منذ 1974 وحتّى 1990، أعاقت التقدّم ومواكبة المستجدّات المطروحة على طاولة البحث الدوليّة، ولم تتوسّع مروحة العمل في حقوق الإنسان كثيرًا بعد الانتهاء من الحرب، مع العلم أنَّ مطلب إقرار الزواج المدنيّ مع حماية المرأة من العنف الأسريّ شكّلا نقاط البحث الأكثر إلحاحًا طوال العشر سنوات الأخيرة. وقد التزم لبنان أمام المجتمع الدوليّ بإقرار الزواج المدنيّ، ولكن جُمّد هذا الطرح بفعل إصرار السلطة الدينيّة المسيحيّة والإسلاميّة على عرقلته، وبالفم الملآن، وجُعل من الزواج المدنيّ خصمًا لدودًا لهاتين السلطتين، كما جُعل من لبنان ساحة اصطفاف بين مَن يريد اتّباع الدين في دقائق أموره، كطرف أوّل، وبين مَن يبحث عن المواطنة الشاملة خارج القيد الطائفيّ كطرف ثانٍ. أمّا العلمانيّة التي نشأت على أرضيّة الغرب كموقف فكريّ وفلسفيّ، مع كلّ ما تبعه من تحرّكات فلسفيّة وحقوقيّة، فقد أوصلت إلى مبدأ الفصل التامّ بين الدولة والدين. لكنَّ هذه الأرضيّة بقيت غريبةً عن المجتمع اللبنانيّ، بالرغم من كلّ الجهود التي قامت بها جمعيّات المجتمع

المدنيّ، بدليل عدم القدرة على إيصال أيّ مشروع لقانون الزواج المدنيّ إلى جلسة المناقشة العامّة. وشجّع اجتماع السلطة الدينيّة، دار الإفتاء أو المجلس الشرعيّ وبطريركيّة الكنيسة المارونيّة، بشكل خاصّ وملفت للغاية على مواجهة الزواج المدنيّ. فهم لم يوحّدوا موقفهم حول أيّ موضوع وطنيّ آخر، كما توحّدوا للتعبير عن رفضهم لطرح الزواج المدنيّ. واستلهم الفريق الثاني، من حقوقيّين وجمعيّات مدنيّة، القوانين والأبحاث الحقوقيّة كسند فكريّ يُلهمون به الشارع العام، ولكنّهم لم يبحثوا يوماً في الأبعاد الدينيّة الصرفة، ولم يُبيّنوا للرأي العامّ أنَّ لا تعارض بين الزواج الدينيّ كعقد مثل باقي العقود، وبين البعد الدينيّ والصورة التي عُرف بها لبنان كبلد رسالة وعيش مشترك للأديان. أمّا الأحزاب اللبنانيّة فقد وقفت موقفاً مرحّباً من مشروع الرئيس الهراوي، باستثناء حزب الله الذي رفضه وأكّد على بقاء الزواج الدينيّ في لبنان، ولو تمّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة فيه. ومن الأحزاب الداعمة للمشروع كان الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ الذي اعتبره مقدّمةً لبناء مجتمع مدنيّ. والحزب الشيوعيّ الذي استنكر الضجّة التي لجأ إليها البعض، واعتبر أنَّ رفض المشروع لا يستند إلى وقائع صحيحة. أمّا رئيس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، فرأى فيه خطوةً مهمّةً للحؤول دون تكريس الطائفيّة على حساب وحدة المجتمع. وشدّد حزب الكتائب على أنَّ الزواج المدنيّ خطوة باتّجاه تجاوز الحالة الطائفيّة، وبلوغ الحالة الوطنيّة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة. لقد صنع رجال الدين الرافضون للزواج المدنيّ من هذا العقد ماردًا عظيمًا ومسخًا حمّلوه كلّ ما يُخيف الإنسان اللبنانيّ، وكأنَّ الزواج المدنيّ سيبيد الأديان أو يُضعف الإيمان، أو سيمهّد لزواج الشاذّين جنسيّاً، أو أنَّه الأداة التي من خلالها ستُطبَّق المؤامرة الغربيّة على لبنان وتُفكّك مجتمعه. وجعلوا من الزواج المدنيّ إلهًا آخر يتصارع مع الله، إله الأديان المعترف بها قانونًا، دون أيّ اعتبار للأديان الأخرى الموجودة على أرض واقع لبنان، كديانات شرق آسيا والبهائيّة في لبنان. في حين أنَّ المطالبة بقبول عقد الزواج المدنيّ داخل الأراضي اللبنانيّة، إنّما هو فرصة أخرى تسمح بتمتين العلاقات الأسريّة المختلطة ضمن المجتمع اللبنانيّ الواحد. أو تسمح للكثير من اللبنانيّين الذين لا ينتمون إلى الطوائف المعترف بها إداريًّا، بأن يجدوا لهم احترامًا وقبولًا وفرصةً للاعتراف بهويّتهم. كما وتسمح بعدم دفع الذين لا يجدون قبولًا لنظام أحوالهم الشخصيّة بحسب انتمائهم الدينيّ، على القبول مُكْرهين بما لا يتوافق مع إرادتهم، لمجرّد عدم إمكانيّة السفر خارجًا لعقد زواجهم مدنيًّا. وتسمح أخيرًا للمجتمع الإداريّ المحليّ، من بلديّة أو مختار أو كاتب عدل، من تطوير مهامهم، لمن يرغب بعقد زواجه ضمن نطاقهم. ما يُعتبر أفضل من اللجوء إلى موظّف أجنبيّ أو قانون أجنبيّ مجهولة تفاصيله، هروباً من الواقع اللبنانيّ. ورغم ذلك، لم تتّخذ المرجعيّات الدينيّة موقفًا صارمًا من عاقدي الزواج المدنيّ، كحرمانهم علنًا من المناولة أو الصلاة، أو طلب إخراجهم من الدين، وهذا يُفيد بنوعٍ من القبول الاجتماعيّ لتلك العقود، ويُعزّز لاحقاً ضرورة اعتماده. أمّا السلطة اللبنانيّة، فأبقت على مبدأ الفصل بين ميدان السياسة الذي تُعنى هي به، وميدان الدين الذي تتحكّم به السلطة الدينيّة، دون أن يسري مبدأ الفصل على السلطة الدينيّة، والتي استعانت بردودها كلًّا من البُعدين الدينيّ-السياسيّ والدينيّ-الحقوقيّ أيضًا.

ثالثاً، قانون الزواج المدنيّ الاختياري

طُرح في لبنان حلًّا وسطًا يقوم على فكرة الزواج المدنيّ الاختياريّ437 كمحاولة تقريب للأطراف المتنافرة والمتضادّة من سلطة دينيّة ومجتمع حقوقيّ - مدنيّ، تسمح برؤية مصير هذا العقد على أرض الواقع، وطريقة تعامل اللبنانيّين معه عمليّاً، أملًا بأن يسمح للبنان باستعادة صورته المُشرقة أمام الهيئات الدوليّة من حقوق الإنسان وحقوق المرأة أو الطفل. يكاد لا يخلو موضوع آخر أجمعتْ عليه المرجعيّات الدينيّة المارونيّة والسنّيّة والشيعيّة، كإجماعهم على رفض أيّ طرح للزواج المدنيّ، يُعقد داخل لبنان. ويُستدلّ على وجود نوع من "زواج مارونيّ" حصل بين المرجعيّات الدينيّة الثلاث المارونيّة والسنّيّة والشيعيّة، بحيث تُعوّل كلّ مرجعيّة على موقف الطائفة الأخرى الرافض لأيّ مشروع يُجري تغييرًا في قواعد الأحوال الشخصيّة المعمول بها، والقائمة على القيد الطائفيّ. فالطائفة المارونيّة ترفض حقّ الاختيار ما بين الزواج المدنيّ والزواج الدينيّ، ثمّ تُنادي بموافقتها على إقرار الزواج المدنيّ الملزم للجميع، في حين أنَّها من ناحية أخرى، تعلم يقينًا بعدم إمكان قبول الطوائف الإسلاميّة له. ومن ناحية معاكسة تستند المرجعيّات الإسلاميّة على موقف الكنيسة المارونيّة من طرح الزواج المدنيّ، لتقول إنَّ محاولة إقرار الزواج المدنيّ هي خروج عن الميثاقيّة في النظام السياسيّ اللبنانيّ. وتُجمع الترويكا الدينيّة على نوع واحد من العقوبات بحقّ أبنائها المطالبين بالزواج المدنيّ، بتهديدهم بإخراجهم عن دينهم، وبسحب الغطاء الدينيّ عن السياسيّين المنتمين إليها وتمثيلهم النيابيّ، أو عن مواقعهم في مجلس الوزراء. أمّا طائفة الروم الأرثوذكس والطائفة الإنجيليّة وطائفة الموحّدين الدروز، فيُظهرون نوعاً من ليونة ملحوظة في التشجيع على المضي قدماً بزواج مدنيّ اختياري لجميع اللبنانيّين، ولكن من دون وجود أيّ تنسيق مسبق فيما بينهم، وكأنّهم يُعبّرون عن رأيهم من باب التمنّي لا من باب تشكيل ورقة ضغط اجتماعيّة أو سياسيّة، ودون انتظار أيّ تغيير في مواقف الطوائف الرافضة للمشروع، والتي هي أكثر عدداً. وفي جميع الأحوال تبرز آراء الطوائف المذكورة آنفاً على أنَّها تُشكّل حراكاً فكريًّا وفلسفيًّا باتّجاه تدوير الزوايا للوصول إلى إجماع وطنيّ حول الزواج المدنيّ، وهو ما يُعتبر عملًا شبه مستحيل بمواجهة الجدار المنيع الممثّل بالمرجعيّات الدينيّة الرافضة للتخلّي عن مكتسباتها التاريخيّة، ولغير المستعدّة لتغيير موقعها قيد أُنملة. وبقوّة القانون عينه، يُشكّل الزواج المدنيّ مساحةً ضروريّةً، أقلّه لنوعَيْن من الأشخاص: النوع الأوّل، يُشكّل مساحةً من حقّ الاختيار لِمن لا يريدون اتّباع أنظمة أحوالهم الشخصيّة المعترف بها قانونًا في لبنان. والنوع الثاني، يسمح لِمَن لم تُقدّم طائفته نظام أحوالها الشخصيّة للدولة، بممارسة حقّ الزواج في لبنان الذي هو من الحقوق الأساسيّة للإنسان. وبالتالي فإنَّ حقّ الخيار بين الزواج المدنيّ والزواج الدينيّ يسمح أيضًا بإقامة ذلك الزواج في لبنان الوطن الأمّ. فالحريّة حقٌّ، والحقّ في الاختيار ضمانة للحريّة وصيانة لها من أن تتحوّل إلى ديكتاتوريّة علنيّة في الأنظمة الشاملة، أو إلى ديكتاتوريّة مقنّعة عند فقدان حقّ الاختيار بين الأنظمة. لقد صُورتْ قضيّة الزواج المدنيّ في وسائل الإعلام في لبنان، على أنَّها قضيّة مواكبة للحداثة، وخصوصًا للواقع المستجدّ في الحياة الاقتصاديّة للمرأة. إلّا أنَّني أجد إضافةً إلى ذلك، أنَّها قضيّة محض دينيّة. نعم دينيّة، لأنَّ الدين لا يُجيب على كلّ مسائل الحياة، ولأنَّ الزواج المدنيّ يُسهم في مواكبة الإنسان ويُذلّل أمامه كلّ عقبة أمام اكتمال الحبّ وإحقاق سعادته.

رابعاً، المدينة في الفكر الإسلامي

إنَّ الإسلام دين ودولة، هي عبارة يكثر تردادها ويُجمع عليها الكثيرون نظرًا لِما ينصّ عليه القرآن الكريم في آيات تحكُم علاقة المسلم بالله، وآيات تحكُم علاقة الناس بعضهم ببعض، جعلتْ من النبيّ قائدًا دينيًّا ومؤسّسًا لمشروع سياسيّ وحَّد فيه الشعب والأرض والسلطة. فالإسلام دين على الأرض كما هو دين السماء. وبالرغم من شيوع هذا التزاوج بين مفهوم الدين والدولة، إلّا أنَّ الإسلام أيضًا هو مشروع دين ومدينة، والدليل شيوع الاستشهاد بأنَّ عقد الزواج الإسلاميّ هو عقد مدنيّ بامتياز، ولا يقوم على السلطة الدينيّة في إنشائه، إنّما يحتكم إلى شرائع الدين لتمكين تطبيقاته، والتحكّم في آثاره. وقد اجتهدت المدنيّة الإسلاميّة في تقبّل جميع الأديان، إذ لا إكراه في الدين. والقاعدة أنَّ دين الإسلام هو دين الفطرة، إذ إنَّ الدين عند الله الإسلام. وقد أخذت الدولة المدنيّة عدّة أشكال، وتلوَّنت بحسب النظام القانونيّ المتَّبع فهي الدار، والخلافة، والسلطنة، والمملكة، والبلاد، ولا تُعارض المطالبة بالدولة المدنيّة الرؤية الإسلاميّة للإنسان، وأهمّها الاحتكام إلى إرادة الشعب في عمليّة بناء الدولة، فلا يجوز تولية الحُكْم عن طريق الانقلابات العسكريّة، أو فرض القوانين التي لم تعد تتماشى مع متطلّبات الحياة اليوميّة بجميع معاملاتها، ومنها عمليّة التزاوج. وتسمح العودة إلى النصّ القرآني، كما بسطنا سابقًا، بالتوسّع في ميادين عديدة، منها ما قد عالجها وينبغي التحديث فيها، ومنها الجديد وباب الاجتهاد مفتوح فيها. ويقوم الاجتهاد فقهًا على إعادة قراءة النصوص القانونيّة، لكن على ضوء الحاجة الآنيَّة في الزمان والمكان، وهذا ما يعيشه المسلمون في ديار مدنيّة من دون أيّ مواجهة أو شعور بالعداء مع النظام الحاكم، وتقول القاعدة الفقهيّة التي يمكن البناء عليها: "كلّ شرط لا يُحرّم حلالًا ولا يُحلّل حرامًا نحن موافقون عليه"438. كما يمكن إعمال قاعدة "المصلحة" حيث تُراعى مصلحة الفرد والمجتمع في عمليّة إعادة النظر في القوانين النافذة، وقاعدة الاستحسان التي وتُستعمل عند غياب النصّ الواضح في إحدى المسائل. هذه القواعد الفقهيّة تسمح بالعمل وتطوير الشرائع الدينيّة أوّلًا، وتقبّل الشرائع المدنيّة ثانيًا. ليست الدولة الثيوقراطيّة النظام الناجع أو الأفضل الذي يُطالب به المسلمون، ولا تُفسح في المجال أمام بقيّة مكوّنات المجتمع من التمتّع بفرصة متساوية في الاستفادة من القوانين التي ترعى أمورهم.

خامساً، المدينة في الفكر المسيحي

قال ديغول مرةً إنَّ دولة فرنسا هي علمانيّة، أما فرنسا فهي مسيحيّة 439. وعلى الرغم من قانون 1905 الذي كرّس مبدأ الفصل التامّ بين الدولة والدين، إلا أنَّ نواحي هذا الفصل وميادينه لم تتوضَّح بالشكل الكافي إلى اليوم. وهذا يُؤكّد على صعوبة هذا الموضوع وضرورة التبحّر فيه أكثر. ويُشاع أنَّ المسيحيّة تعتمد مبدأ الفصل التامّ في ما هو لقيصر وما هو لله. غير أنَّ التاريخ يُخبرنا كيف تولَّت المسيحيّة زمام السلطة المدنيّة طوال أكثر من أحد عشر قرنًا 440 من الزمن، وكيف تلاقح الاثنان وتعايشا سويّةً، وكيف عرفت الكنيسة أن تستوعب النظام الديمقراطيّ القائم على حُكْم الشعب، والنظام العلمانيّ القائم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وهو الأصعب، إلا أنَّه ليس مستحيلًا.

وقد نبَّه البابا بيوس الثاني عشر إلى أنَّ دعوة المسيح في أداء "ما لقيصر لقيصر" ليست بالوصيّة الملزمة، وأنه يتفهَّم الارتباط الوثيق، لا بل الواحد بين ميدان عمل الكنيسة والعلمانيّة. وذكر البابا يوحنا بولس الثاني أنَّ مفهوم العلمانيّة ليس بعيدًا عن خطاب الكنيسة، وخصوصًا لناحية العقيدة الاجتماعيّة، وبالتالي نستطيع الحديث عن علمانيّة شرعيّة ضمن الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ، وقد ساهم ذلك في تطوّر نظرة الكنيسة للعلمنة، فكانت التعدّديّة الدينيّة سمتها البارزة لدى جميع الدول.

تضمن العلمانيّة التوازن بين قوًى ثلاث، تتمثَّل بحريّة الدولة في العمل بالاستقلال عن السلطة الدينيّة، والأخيرة وضمان الدولة للسلطة الدينيّة حريّة العمل والتنظيم والتعليم باستقلال ودون تدخّل الدولة، وطبعًا ضمن سقف عدم خرق النظام العامّ، وهاتان المعادلتان كثيرتا الشيوع، إلا أنَّ هناك القوّة الثالثة التي غالبًا ما يتمّ تهميشها من قِبل الدولة، وهي حريّة الأفراد في الاختيار بين ما تُقدّمه الدولة وما تُقدّمه السلطة الدينيّة. كما تضمن العلمانيّة حريّة الإيمان وحريّة اختيار النظام الاجتماعيّ المنسجم معها، وتضمن بالتالي الحريّة والتعدّديّة الدينيَّتَيْن الكفيلتَيْن بتحقيق المساواة بين جميع الأطراف، وخصوصًا بين هذه القوى التي ذكرتها آنفًا.

كان على الكنيسة أن تتعاون مع الدولة في أعمالها، لكنها لم تفصل بين طقوسها وعباداتها، وبين أعمال الرحمة والخير التي تُديرها في المجتمع، من خلال مسؤوليّاتها وتعهّداتها لشؤون الأرض، لكي تبلغ مدًى أقصى يطال جميع الناس من مؤمنين وغير مؤمنين أو مؤمنين بمعتقدات خاصّة. يُمكن الوصول إلى الاحترام والتعامل الإنسانيّ وعدم وجود نيّات مُضْمَرة وكل المبادئ الدينيّة الأخرى، عبر التعاون بطريقة أفضل بين المؤسّستَيْن الدينيّة والمدنيّة لِمَا فيه خير الإنسان، فتظهر الكنيسة كصوت نبويّ في المجتمع، وتُوضح غايات ومعاني حياة الإنسان، وتُدافع عن المظلوم والمهمَّش. ويمكن الاستدلال على هذا النوع من الخطاب في الخطاب الذي توجّه به البابا فرنسيس أمام الاتحاد الأوروبيّ 441 عام 2014، للتذكير بأنَّ الإنسان هو المحور الأساس وراء قيام الاتحاد، الذي عليه أن يُجسد هذا الطموح عبر تشريعاته.

خلاصة

لقد أشرتُ في هذا الفصل إلى موقف المجتمع الدوليّ من الزواج المدنيّ بغية فهم أفضل لإلحاح الإرادة الدوليّة حول موضوع الزواج المدنيّ، ففهم الأسباب يسمح بتبيان المواقف والتعاطي معها بشكل أفضل، طالما أنَّ الهدف الأخير هو المحافظة على الخير العام ودعم المجتمع من أجل إرساء دعائم السلام في العالم. والدعامة الأساسيّة في عمليّة استنهاض المجتمع تقوم كما عرضنا على تحسين شروط حياة المرأة وتحريرها من القيود الاجتماعيّة أو الدينيّة للوصول بها إلى فضاء أوسع من الحريّات العامّة. إنَّ هذا التحرير سيسمح للمرأة عبر اعتماد أنظمة زواج مدنيّة مزيد من المرونة والطواعية واللذين سيسمحان لها في نهاية المطاف من بلوغ أهدافها.

المجتمع الدوليّ له الأجندة الخاصّة به والتي عبّرت عنها المواثيق الدوليّة بشكل واضح إلا أنَّ هذه الإرادة واكبتها إرادة محليّة تمثّلت في المواثيق العربيّة والتي هي بطبيعة حال تتعاطى بشكل لصيق مع الحاجات المحليّة والأهم أنَّ هذه المواثيق صدرت بالمراعاة للشريعة الإسلاميّة مِمّا يُمثل تقدّمًا مطردًا باتّجاه اعتماد هذه السياسات الإقليميّة. إنَّ الإرادة الدوليّة لا تستهدف القيم الإسلاميّة أو المسيحيّة، ولا تسعى إلى هدم الأسرة أو تقويض سلطة الدين، إذ جلّ ما في الأمر أنها تبحث عن فضاء أوسع، مؤسّس على شريعة قابلة لمواكبة حياة الإنسان المعاصر مع التغيّرات السريعة والمتطوّرة التي يحيا بها عالم اليوم.

وما نلاحظه من هذا الاستعراض، أنَّ الإرادة الدوليّة لم تُواجه في كلّ إعلاناتها الإرادة الدينيّة بصورة "كباش مباشر"، وإنما حاولت جاهدةً تحييد الصبغة الدينيّة لعدّة أهداف، منها عدم خلق حالة نفور بين أتباع الديانات المختلفة والمجتمع الدوليّ. وبالتأكيد، يُرجّح الحوار بين مؤسّسات المجتمع كفّة العمل البنّاء على الكفّة الأخرى، حيث الصراع ولغة الإقصاء. ومَن يلعب هذا الدور بطريقة أفضل من الدولة الراعية لجميع مواطنيها، فتُدير عمليّة الحوار، وتجمع تحت كنفها جميع القوى الفاعلة من دينيّة وغير دينيّة. هذا وقد حاول المجتمع الدوليّ العمل ضمن الفضاء المسموح به دينيًّا، وطالب المجتمعات الدينيّة المحليّة أحيانًا بتقديم تنازلات، كإلغاء المحاكم الدينيّة أو تقبّل وجود حلول أخرى، بحيث تُترك للأفراد والمجموعات الدينيّة خصوصًا حريّة الأخذ بها.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.