المبحثُ الأوّلُ: الزواجُ في النظامِ الطائفيِّ للأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ
دخلَ المسيحيّونَ معَ اليهودِ ضمنَ فئةِ الطوائفِ "غيرِ الإسلاميّةِ"، وتمتّعوا بحكمٍ ذاتيٍّ منذُ أيّامِ السلطنةِ العثمانيّةِ171، تحتَ رايةِ نظامِ الملّةِ، التي حكمتِ المنطقةَ لِمَا يزيدُ عنْ نصفِ قرنٍ. وكانَ على كلِّ رئيسِ طائفةٍ في وقتِها أنْ يستحصلَ على موافقةِ السلطنةِ والاعترافِ بهِ. ولحظَ الفرمانُ الهمايونيُّ "التنظيميُّ" عامَ 1839 الصادرِ عنِ السلطانِ عبدِ المجيدِ حمايةً واعترافاً كاملاً بالطوائفِ الدينيّةِ الموجودةِ على أرضِ السلطنةِ، وباعتبارِهم منَ الأممِ القائمةِ بذاتِها، ولكنْ ليسَ على أساسٍ إثنيٍ، وإنّما على أساسِ الدينِ. ثمَّ اعْتُبِرَ الخطُّ الهمايونيُّ لعام 1856 الصادرِ عنِ السلطانِ عبدِ الحميدِ الثاني، الوثيقةَ الأولى لقانونِ أحوالٍ شخصيّةٍ خاصٍّ بالمسيحيّينَ، إذْ تمَّ التأكيدُ على مبدأِ المساواةِ بينَ جميعِ مواطني السلطنةِ، وإنشاءِ المحاكمِ المختلطةِ إسلاميّاً ومسيحيّاً، ما حتّمَ إصدارَ القوانينِ العلمانيّةِ الجديدةِ وإنشاءَ المحاكمِ القادرةِ على البتِّ في قضايا جميعِ المواطنينَ، دونَ أيِّ أسبقيّةٍ أوْ أفضليّةٍ للدينِ "للمجتمعِ المسلمِ" على المجتمعاتِ الأخرى أوِ الأديانِ الأخرى.
أعطتِ الدولةُ الفرنسيّةُ المنتدبةُ للبنانَ، الطوائفَ سلطةَ التقريرِ في مواضيعِ الأحوالِ الشخصيّةِ، فاستمرَّ الوضعُ على ما هوَ عليهِ. وكانَ القرارُ 60 ل. ر. عام 1936 الذي اشتهرَ بـ "قرارِ المفوضِ السامي دو مارتيل"، وهذا القرارُ ما زالَ معمولاً بهِ في لبنانَ حتّى اليومِ.
أنشأَ القرارُ 60 ل. ر. طائفةً جديدةً بقوّةِ القانونِ، أُضيفَتْ إلى الطوائفِ التقليديّةِ منْ مسيحيّينَ ومسلمينَ ويهودٍ، فكانتْ طائفةُ القانونِ العامِّ أوْ طائفةُ كلِّ مَنْ لا يدخلُ معتقدُه ضمنَ تعدادِ الطوائفِ المذكورةِ تاريخيّاً في متنِ القرارِ عينِه. وقدْ عجزتِ السلطةُ التشريعيّةُ حتّى اليومِ، عنْ إصدارِ دقائقِ تنفيذِه، ما يدلُّ على وجودِ فكرةِ الطائفةِ "اللاطائفيّةِ"، دونَ أنْ يكونَ لهذهِ الطائفةِ المدنيّةِ نظامٌ يرعاها كما هيَ حالُ الطوائفِ الدينيّةِ الأساسيّةِ في لبنانَ.
أسَّسَتِ المادّةُ الأولى منَ القرارِ 60 ل. ر. في 13 / 3 / 1936 ، لـ "نظامِ الطوائفِ الدينيّةِ" كنوعٍ منْ فدراليّةٍ قائمةٍ على الأشخاصِ172، وصَبغَتْ قوّةُ القانونِ النظامَ الشخصيَّ للطوائفِ المعترفِ بها173، وأعطاها الصلاحيّاتِ المعترفَ بها، والتي منها صلاحيّةُ الاحتفالِ بالزواجِ174. أمّا تعدادُ هذهِ الطوائفِ فقدْ وردَ كالتالي: الطوائفُ المسيحيّةُ (الموارنةُ، الرومُ الأرثوذكسُ، الرومُ الكاثوليكُ، الأرمنُ الأرثوذكسُ، الأرمنُ الكاثوليكُ، السريانُ الأرثوذكسُ، السريانُ الكاثوليكُ، الآشوريّةُ، الكلدانُ، اللاتينُ، البروتستانتُ175) وبالنسبةِ للطوائفِ الإسلاميّةِ (السُّنَّةُ، الشيعةُ-الجعفريّةُ، العلويّةُ، الإسماعيليّةُ، الدرزيّةُ) والإسرائيليّةُ (كنيسُ حلبَ، كنيسُ دمشقَ، وكنيسُ بيروتَ) وأمّا الطائفةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ فهيَ آخرُ طائفةٍ أُضيفَتْ بالقانونِ رقم 553 تاريخ 24 / 7 / 1996.
وتعرَّضَ القرارُ رقم 60 ل. ر. لعدّةِ تعديلاتٍ طالتْه عبرَ الزمنِ، إلّا أنَّ أيّاً منْ هذهِ التعديلاتِ لمْ تطُلْ فكرةَ ازدواجيّةِ القوانينِ في لبنانَ، والفصلِ التامِّ بينَ الشأنِ العامِّ والقانونِ المدنيِّ، والشأنِ الخاصِّ وقوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ الطائفيّةِ176.
رفضَ المسيحيّونَ والمسلمونَ177 القرارَ رقم 60 في بادئِ الأمرِ، بحجّةِ رفضِهم لتقديمِ أنظمتِهم الشخصيّةِ للدولةِ، ولعدمِ رغبتِهم بوصايةِ الدولةِ على المحاكمِ الروحيّةِ ثانياً، ولعدمِ موافقةِ المسلمينَ خصوصاً بالتخلّي عنِ الشرعِ الإسلاميِّ مصدرِ الحقوقِ لصالحِ القوانينِ المدنيّةِ ثالثاً، وأخيراً178 لسماحِ المادّةِ 11 منَ القرارِ 60 / 1936 للمواطنِ الحقَّ في تغييرِ دينِه179، وهوَ ما يُعْتَبَرُ في الإسلامِ نوعاً منْ أنواعِ الردَّةِ، التي يختلفُ الفقهاءُ اليومَ على أركانِها وشروطِها وعلى العقوبةِ المترتّبةِ على ذلكَ.
عمَّتِ المظاهراتُ على أثرِ صدورِ القرارِ 60، كلاً منْ لبنانَ وسوريا180، وتَمَّ بنتيجتِها أبرزُ تعديلٍ على القرارِ المذكورِ، والقاضي باستثناءِ المسلمينَ منَ القرارِ. فأصدرَ المفوّضُ السامي الفرنسيُّ، وصاحبُ السلطةِ التشريعيّةِ أيّامَ الانتدابِ على لبنانَ، القرارَ الذي حملَ رقم 53 والصادرَ بتاريخِ 30 آذار 1939 أوكّد فيهِ على تكريسِ قوّةِ السلطةِ الدينيّةِ في التحكّمِ في مجرياتِ الأمورِ، وسمحَ للمسلمينَ، بالبقاءِ تحتَ إمرةِ الشريعةِ الإسلاميّةِ وقانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ.
وبخروجِ الطوائفِ الإسلاميّةِ منَ القرارِ 60، أصبحَ على الدولةِ اللبنانيّةِ إصدارُ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ للطوائفِ الإسلاميّةِ، معترفةً في الوقتِ نفسِه باستقلالِهم التشريعيِّ الشخصيِّ. وصدرتْ قوانينُ الطوائفِ تباعاً، الطائفةُ السنّيّةُ (1955)، والدرزيّةُ (1962)، والشيعيّةُ (1967)، وأخيراً العلويّةُ (1996). أمّا الطوائفُ المسيحيّةُ فتقدَّمتْ بأنظمةِ أحوالِها الشخصيّةِ بعدَ صدورِ قانونِ 2 نيسان 1952، الذي ينظّمُ صلاحيّاتِ المراجعِ المذهبيّةِ.
في لبنانَ عددٌ كبيرٌ منْ أتباعِ الدياناتِ غيرِ المذكورةِ في القرارِ 60 ل.ر. وتعديلاتِه، الذينَ إمّا كانوا موجودينَ أيّامَ الانتدابِ ولمْ ينالوا الاعترافَ أسوةً بباقي الأديانِ كالبهائيّةِ، وإمّا منَ الذينَ حصلوا على الجنسيّةِ اللبنانيّةِ بالزواجِ منْ لبنانيٍّ، وبَقوا على معتقداتِهم الخاصّةِ كالبوذيّةِ.
ونجدُ أيضاً في لبنانَ اليومَ، حالاتٍ لمكتومي القيدِ181، أيْ إنَّ عقودَ زواجِهم وسجلّاتِ أولادِهم لا تُوَثَّقُ رسميّاً، ولا يستطيعونَ استصدارَ هويّةٍ خاصّةٍ بهم، أوْ جوازِ سفرٍ لهم. والأهمُّ أنْ لا قانونَ يرعى زواجَهم ومشاكلَهم الزوجيّةَ، إذْ همْ في حُكْمِ غيرِ الموجودينَ قانوناً، وهذا ما يضطرُّهم إلى سلوكِ قواعدِ الزواجِ الدينيِّ حُكماً، دونَ إمكانيّةِ تسجيلِه قانوناً، ودونَ أنْ يكونَ لهمْ حقُّ الاختيارِ، إذْ لا إمكانيّةَ لهم للسفرِ خارجاً بشكلٍ رسميٍ.
ونأتِ السلطةُ التشريعيّةُ بنفسِها عنِ الولوجِ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ، بالرغمِ منْ وجودِ عدّةِ أسبابٍ قانونيّةٍ تسمحُ لها بذلكَ، واكتفتْ بالقانونِ الوضعيِّ اللبنانيِّ182، بذِكْرِ حقِّ الزواجِ فقطْ في متنِ قانونِ الموجباتِ والعقودِ الصادرِ عامَ 1932، دونَ أنْ تُعرّفهُ أوْ تنصَّ على أيٍ منْ دقائقِ تطبيقِه، فالزواجُ بحسبِ المادّةِ 83 هوَ الحقُّ الذي لا يجوزُ لأيِّ شرطٍ تقييدُه أوْ منعُه.
وفي 2 نيسان 1951، صدرَ القانونُ الذي يحدّدُ صلاحيّاتِ المراجعِ المذهبيّةِ للطوائفِ المسيحيّةِ والطائفةِ الإسرائيليّةِ. وهذا القانونُ طلبَ في المادّةِ 33 منهُ أنْ تُقَدَّمَ الطوائفُ التي يشملُها هذا القانونُ، قانونَ أحوالِها الشخصيّةِ وقانونَ أصولِ المحاكماتِ لدى محاكمِها الروحيّةِ، وهيَ التي ذُكِرَتْ حصريّاً في النصِّ كطوائفَ مُعترفٍ بها في لبنانَ، ضمنَ تلكَ اللائحةِ المدرجةِ في المادّةِ الأولى منهُ، وهيَ التي يُسْتَنَدُ إليها للقولِ بوجودِ 11 طائفةً مسيحيّةً وطائفةً إسرائيليّةً، يضافُ إليها 5 طوائفَ إسلاميّةً. وكانَ ملحقُ القرارِ 60 ل. ر. قدْ حدَّدَها بحيثُ أصبحَ تعدادُ الطوائفِ في لبنانَ 17 طائفةً، وأُضيفَتْ إليها لاحقاً طائفةُ الأقباطِ الأرثوذكسِ، فأصبحَتِ المحصلةُ ثمانيَ عشرةَ طائفةً دينيّةً معترفاً بشخصيّتِها المعنويّةِ، وهذا يعني سماحَ القانونِ بوجودِ ثمانيةَ عشرَ نظامَ أحوالٍ شخصيّةٍ خاصّاً بالمواطنينَ اللبنانيّينَ والمقيمينَ على أرضِه، وباستقلالٍ وغيابٍ تامٍّ عنْ تشريعاتِ الدولةِ. وبناءً على ذلكَ، يوجدُ اليومَ في لبنانَ خمسةَ عشرَ قانوناً ومحكمةً للأحوالِ الشخصيّةِ183.
أوّلاً، الزواجُ الدينيُّ داخلَ الأراضي اللبنانيّةِ
أعلنتِ المادّةُ الأولى منَ القرارِ رقم 53 ل.ر. / 1939، عدمَ تطبيقِ القرارِ 60 على المسلمينَ، ففَرَضَ ذلكَ على المؤسَّساتِ الشرعيّةِ الإسلاميّةِ تنظيمَ عقودِ زواجِها، وعلى القضاءِ المختصّ متابعةَ أمورِ أحوالِهما الشخصيّةِ. أمّا المادّةُ السادسةَ عشرةَ منْ قانونِ 2 نيسان 1951، فأبطلتْ كُلَّ زواجٍ يتمُّ في لبنانَ أمامَ مرجعٍ مدنيٍ للبنانيٍ ينتمي إلى المسيحيّةِ أوِ الإسرائيليّةِ. كما صدرَ عامَ 1948 قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ لطائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، ونصَّ في المادّةِ 16 منهُ والمعدَّلةِ بموجبِ قانونِ 1959 على أنَّ الزواجَ الصحيحَ هوَ الذي يُجْريهِ أحدُ شيخَيِ العقلِ، أوْ قاضي المذهبِ، أوْ مَنْ أنابَه عنهُ لإجرائِه، ويُسْتَشْفُّ منْ هذهِ المادّةِ رفضُ إقامةِ زواجِ مدنيٍ داخلَ لبنانَ لأيٍ منْ أبناءِ الطائفةِ.
لذلكَ، يُعْتَبَرُ الزواجُ في لبنانَ مؤسَّسةً دينيّةً184 بمعنى عدمِ وجودِ القدرةِ القانونيّةِ على القيامِ بهِ خارجَ إطارِ المؤسَّساتِ الدينيّةِ المعترفِ بها في لبنانَ، أمّا الطوائفُ غيرُ المعترفِ بها قانوناً، فيبقى لديها قانونُها الخاصُّ، الذي يطبّقُه أتباعُها طوعاً، ولكنْ يتمُّ اللجوءُ إلى أحدِ القوانينِ النافذةِ دينيّاً، أوْ مدنيّاً خارجَ لبنانَ، منْ أجلِ إتمامِ المعاملاتِ الإداريّةِ الرسميّةِ.
يبقى أنَّ الزواجَ الممنوعَ دينيّاً في لبنانَ، أيِ الذي لا يُسمحُ بعقدِ الزواجِ بتاتاً دونَ أنْ يسبقَه إبدالُ مذهبٍ، هوَ الزواجُ بينَ بعضِ أتباعِ الطوائفِ التي لا تعترفُ بالطوائفِ الأخرى، كزواجِ السنّيِّ أوِ الشيعيِّ منْ فتاةٍ درزيّةٍ، أوْ كزواجِ الأرثوذكسيِّ بِمَنْ هيَ غيرُ مسيحيّةٍ، أوْ زواجِ الموحّدِ الدرزيِّ بِمَنْ هيَ منْ خارجِ الطائفةِ. وهناك حالاتٌ تُمْنَعُ فيها بعضُ مفاعيلِ عقدِ الزواجِ كحالةِ الفتاةِ المسيحيّةِ المقترنةِ بمسلمٍ منْ ناحيةِ عدمِ حصولِها على الإرثِ في حالِ الوفاةِ.
لكلِّ مذهبٍ في لبنانَ تشريعُه الخاصُّ للأحوالِ الشخصيّةِ، فالكنيسةُ الكاثوليكيّةُ 185 تُطبّقُ التشريعَ اللاتينيَّ الصادرَ عامَ 1983. والكنائسُ الشرقيّةُ الكاثوليكيّةُ تحكمُها مجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ الصادرةِ عامَ 1990. أمّا الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ الأنطاكيّةُ، فيعودُ القانونُ الذي يرعى شؤونَها إلى 16 / 10 / 2003. كما يعودُ قانونُ طائفةِ الإنجيليّينَ إلى 1 نيسان 2005.
وما زالَ المسلمونَ السُّنَّةُ في لبنانَ يتبعونَ في قضائِهم الشرعيِّ 186 نظامَ الأحوالِ الشخصيّةِ للإمامِ أبي حنيفةَ النعمانِ، وقانونَ العائلةِ العثمانيَّ الصادرَ عامَ 1917، أيْ قبلَ سنةٍ واحدةٍ منْ سقوطِ السلطنةِ العثمانيّةِ وقانونَ محمّد قدري باشا (1821 - 1888)، معَ بعضِ ما اتُّفِقَ عليهِ منْ حالاتٍ أقرَّتْها المذاهبُ الإسلاميّةُ الأخرى، ونظامِ أحكامِ الأسرةِ 187 رقم 46 تاريخ 1 / 10 / 2011. أمّا عندَ الشيعةِ الجعفريّةِ فلهُم قانونُ أحوالِهم الشخصيّةِ الخاصُّ وفتاويهِم منذُ عامِ 1967. وقدْ حوى قانونُ حقوقِ العائلةِ العثمانيُّ، على أحكامِ الزواجِ والطلاقِ للمسلمينَ والمسيحيّينَ واليهودِ، وألغى امتيازاتِ الرؤساءِ الروحيّينَ، وجعلَ للقاضي الشرعيِّ الحكمَ الفصلَ في جميعِ النزاعاتِ الداخلةِ ضمنَ دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ.
أ- الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ المارونيّةِ
يقعُ الزواجُ الدينيُّ المارونيُّ ضمنَ مظلّةِ القوانينِ المختصّةِ، أيْ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للطوائفِ كاثوليكيّةِ الصادرُ عامَ 1952، ومجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ لعام 1990، والشرعُ الخاصُّ للكنيسةِ المارونيّةِ الصادرُ عامَ 1995، والدستورُ الرسوليُّ "الراعي الصالح" الصادرُ عامَ 1988.
ففي حالِ كانَ الزوجانِ مارونيَّينِ تُطْلَبُ في بعضِ الأبرشيّاتِ إفادةُ حضورِ دوراتِ إعدادِ الزواجِ، بالإضافةِ إلى ورقةِ الفحوصاتِ الطبيّةِ وشهادةِ المعموديّةِ وإخراجِ قيدٍ جديدٍ. أمّا في حالِ كانتِ العروسُ مارونيّةً والزوجُ منْ طائفةِ كاثوليكيّةٍ أخرى، فعليهِ إحضارُ كاهنِه، وتكونُ مراسمُ الإكليلِ بالاتّفاقِ بينَ الكاهنَيْنِ، معَ تفضيلِ إتمامِ المراسمِ بحسبِ طائفةِ الزوجِ.
أمّا إذا كانَ العريسُ مارونيّاً والعروسُ غيرَ مسيحيّةٍ، فبالإضافةِ إلى الأوراقِ السابقةِ، يتمُّ توقيعُ تعهُّدٍ منْ قِبلِ الزوجةِ، تعترفُ بهِ بسلطةِ المحكمةِ المارونيّةِ على زواجِها، وتتعهّدُ بتربيةِ الأولادِ مسيحيّاً، دونَ أنْ يُطْلَبَ منها إبدالُ المعتقدِ إلى المسيحيّةِ.
- الزواجُ الدينيُّ عندَ الرومِ الأرثوذكسِ
يُقيمُ الكاهنُ الأرثوذكسيُّ مراسمَ الزواجِ إذا كانَ أحدُ الزوجينِ أرثوذكسيّاً والشريكُ مسيحيّاً. وفي حالِ كانَ الشريكُ غيرَ مسيحيٍ، فيُصارُ إلى التأكُّدِ منْ قبولِه المسيحيّةَ بغضِّ النظرِ عنْ قضيّةِ طلبِ زواجِه. وفي الكثيرِ منَ الأبرشيّاتِ، يُصارُ إلى تعليمِ الشريكِ غيرِ المسيحيِّ قواعدَ المعتقدِ المسيحيِّ، ولمدّةٍ قدْ تطولُ إلى سنتينِ، قبلَ مَنْحِه سرَّ العمادِ. وفي الكثيرِ منَ الأحيانِ تطلبُ الرئاسةُ الروحيّةُ تغييرَ قيدِ مذهبِ المعمَّدِ حديثاً، ليُصارَ إلى إعطاءِ الكاهنِ إذنَ الزواجِ لإتمامِ الطقوسِ.
أمّا في الحالاتِ العاديّةِ التي لا تستدعي معاملةً خاصّةً، فيُصارُ إلى التأكُّدِ منْ بياناتِ القيودِ الشخصيّةِ، وإتمامِ الفحوصاتِ الطبيّةِ، وتقديمِ إفادتينِ تُثبتُ الأولى معموديّتَه، وتُثبتُ الثانيةُ أنَّه غيرُ مرتبطٍ بخطبةٍ كنسيّةٍ أوْ زواجٍ قائمٍ. وتُعْرَفُ هذهِ الوثيقةُ بـ "مطلق الحال". ومنْ بعدِ التأكُّدِ منِ اكتمالِ جميعِ البياناتِ، يُصارُ إلى طلبِ "إذن زواج" منَ المطرانِ، ليُصارَ منْ بعدِ مباركةِ الإكليلِ استصدارُ شهادةِ زواجٍ، تُسْتَعْمَلُ أوّلاً في دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ التابعةِ لمكانِ إتمامِ العقدِ، ومنْ ثمَّ لكيْ يتمَّ شطبُ قيدِ العروسِ منْ سجلِّ والدِها وتُضَمَّ إلى خانةِ سجلِّ عريسِها.
- الزواجُ الدينيُّ لدى طائفةِ الأقباطِ الأرثوذكسِ
تمَّ الاعترافُ بالكنيسةِ القبطيّةِ الأرثوذكسيّةِ عامَ 1996، وأُعْطِيَتِ الشخصيّةَ المعنويّةَ المستقلّةَ. وقدَّمتِ الطائفةُ قانونَ الأحوالِ الشخصيّةِ وأصولِ المحاكماتِ عامَ 2010.
يُشترطُ في زواجِ طائفةِ الأقباطِ الأرثوذكسِ اتّحادُ ديانةٍ وملَّةِ طالبي الزواجِ، بالإضافةِ إلى الأوراقِ الثبوتيّةِ المعهودةِ، والشهادةِ الطبيّةِ، وإكمالِ الدوراتِ الروحيّةِ. ولا يُعْقَدُ الزواجُ إلّا إذا كانَ الطرفانِ ينتميانِ إلى الكنيسةِ القبطيّةِ. والسببُ منْ وراءِ ذلكَ هوَ السماحُ للعروسينِ بتسجيلِ زواجهما في مصرَ، بالشكلِ الذي يسمحُ للكنيسةِ القبطيّةِ منْ حلِّ الخلافاتِ الناشئةِ، وإلّا طُبّقَ على عقدهما الشرعُ الإسلاميُّ لاختلافِ الملّةِ بينَ الزوجينِ.
- الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ السنّيّةِ
بناءً على أحكامِ المرسومِ الاشتراعيِّ رقم 18 / 1955 المعدَّلِ بموجبِ القرارِ رقم 5 الصادرِ في 2 آذار 1967، ولا سيّما المادّةُ رقم 1 منهُ، فإنَّ المسلمينَ السُّنَّةَ مستقلّونَ استقلالاً تامّاً في شؤونِهم الدينيّةِ وأوقافِهم الخيريّةِ، و"يتولَّونَ تشريعَ أنظمتِها وإدارتَها بأنفسِهم، طبقاً لأحكامِ الشريعةِ والقوانينِ والأنظمةِ المستمدّةِ منها..."
أمّا الأوراقُ المطلوبةُ لإجراءِ عقدِ النكاحِ، فتتضمَّنُ إخراجَ قيدٍ جديدٍ للعروسينِ لا يتعدّى تاريخُه الثلاثةَ أشهرٍ، وطلبَ زواجٍ يُجْريهِ مختارُ المحلّةِ، والتقريرَ الطبّيَّ المعهودَ. وعلى إثرِ التسجيلِ في سجلاّتِ المحكمةِ، تُسْتَصْدَرُ وثيقةُ زواجٍ يُعْمَلُ بموجبِها في دائرةِ النفوسِ.
هـ - الزواجُ الدينيُّ لدى الطائفةِ الشيعيّةِ
حصلتِ الطائفةُ الشيعيّةُ على استقلالِها التشريعيِّ في مجالِ الأحوالِ الشخصيّةِ، نتيجةَ عملٍ دؤوبٍ منَ الإمامِ موسى الصدرِ، فأصبحَ لها مجلسٌ أعلى للطائفةِ. وتنصُّ المادّةُ 1 منْ قانونِ 1967 على أنَّ: "الطائفةَ الإسلاميّةَ الشيعيّةَ مستقلّةٌ في شؤونِها الدينيّةِ وأوقافِها ومؤسَّساتِها، ولها ممثّلونَ منْ أبنائِها يتكلّمونَ بلسانِها، ويعملونَ باسمِها طبقاً لأحكامِ الشريعةِ الغرّاءِ، ولفقهِ المذهبِ الجعفريِّ في نطاقِ الفتاوى الصادرةِ عنْ مقامِ المرجعِ العامِّ للطائفةِ في العالمِ". أمّا التشريعُ المُرتبطُ بعقدِ النكاحِ، فهو عبارةٌ عنْ مراجعَ مُنْتَخَبَةٍ للمرجعِ السيّدِ أبي القاسم الموسوي الخوئي (العراق)، على سبيلِ المثالِ. وعادةً ما يُؤخذُ اليومَ بتقليدِ المرجعِ السيستاني في مثلِ هذهِ المسائلِ. وعلى خلفيّةِ الشكاوى منَ المحامينَ بشأنِ غيابِ التقنينِ، صاغَ رئيسُ المحكمةِ الجعفريّةِ العليا القاضي عبد الله نعمة في العامِ 1982 "دليلَ القضاءِ الجعفريِّ"، الذي يجمعُ ويُفسّرُ الموادَّ المتعلّقةَ بقضايا الزواجِ والطلاقِ والنَّسبِ وحضانةِ الأطفالِ، وغيرها منْ مسائلِ الأحوالِ الشخصيّةِ. إلّا أنَّ هذا الدليلَ غيرُ مُلزمٍ للقُضاةِ الجعفريّينَ.
يتمُّ عقدُ النكاحِ اليومَ في الحالاتِ العاديّةِ أمامَ شيخٍ. ولا يُشترطُ أنْ يكونَ هذا الشيخُ مسجّلاً في لائحةٍ رسميّةٍ صادرةٍ عنِ المحكمةِ الشرعيّةِ الجعفريّةِ، إذْ يجبُ في جميعِ الأحوالِ أنْ يُسجَّلَ عقدُ الزواجِ لدى المحكمةِ الشرعيّةِ، للاستحصالِ على الورقةِ الخاصّةِ التي تُمكّنهم منَ التسجيلِ.
وبعدَ أنْ يتأكّدَ الشيخُ منْ بياناتِ القيودِ الشخصيّةِ، ومنْ إدراكِ الزوجينِ لِمَا يقْدِمانِ عليهِ، وبالإضافةِ إلى التأكُّدِ منَ الحالةِ التي تستوجبُ حضورَ وليٍّ للفتاةِ، ومنْ قيامِهم بالفحوصاتِ الطبيّةِ الإلزاميّةِ، ومنْ قبضِ الفتاةِ لِمَهْرِها (في هذهِ الأيّامِ يكثرُ أنْ يكونَ المؤخَّرُ عبارةً عنْ نسخةٍ منَ القرآنِ) يتمُّ عقدُ الزواجِ أمامَه. ومنْ ثمَّ يُسجَّلُ هذا العقدُ في المحكمةِ الشرعيّةِ، ليُصارَ إلى إصدارِ وثيقةِ الزواجِ التي بموجبِها يُسجَّلُ الزواجُ رسميّاً في قيودِ الأحوالِ الشخصيّةِ الرسميّةِ.
أمّا في الحالاتِ التي تشترطُ الزوجةُ شروطاً خاصّةً، كحصولِ الطلاقِ فيمَا لوْ تزوَّجَ الرجلُ عليها، أوْ كتوكيلِ الزوجِ لزوجتِه بتطليقِ ذاتِها بإرادتِها المنفردةِ، فعندَئذٍ تُذْكَرُ هذهِ الشروطُ في متنِ العقدِ. ويُنْصَحُ أيضاً بتسجيلِ جميعِ هذهِ الشروطِ عندَ كاتبِ عدلٍ لمزيدٍ منَ الحيطةِ ودرءاً للمشاكلِ الناتجةِ في المستقبلِ.
لا يُزوّجُ الشيخُ الشيعيُّ 188 إلّا مَنْ كانَ مسلماً شيعيّاً أوْ سنّيّاً، أوْ كانَ مسلماً وزوجتُه كتابيّةً. وكلُّ ما عدا هذهِ الحالاتِ، فيُنْصَحُ الشيخُ الزوجينِ بعقدِ الزواجِ المدنيِّ خارجَ لبنانَ فلا يقعا في حالةِ الزنى.
- الزواجُ لدى طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ
يُمْنَعُ الزواجُ عندَ الدروزِ منْ خارجِ الطائفةِ، لأيٍّ سببٍ كانَ، أوْ مهما علا شأنُ أيِّ شخصٍ، وذلكَ وفقَ قانونِ الطائفةِ الصادرِ في 24 / 4 / 1948 والمعدَّلِ بقانونِ 2 / 7 / 1959 الذي طالَ عدّةَ موادَّ منهُ. وقدْ عُدّلَ أيضاً بقانونِ 9 / 6 / 2006 لجهةِ استبدالِ قاضي المذهبِ بعبارةِ أحدِ شيخيِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ، ثُمَّ عُدّلَ أخيراً 189 في 19 / 9 / 2017 ، فرُفِعَ الحدُّ الأدنى لسنِّ الزواجِ، وطالَ ناحيةَ المَهْرِ ونقاطاً أخرى منَ القانونِ القديمِ.
ويتمُّ عقدُ الزواجِ عندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ189 مباشرةً أمامَ المحكمةِ المذهبيّةِ، حيثُ يتمُّ تقديمُ الأوراقِ الثبوتيّةِ معَ الفحوصاتِ الطبيّةِ، بحضورِ شاهدينِ منْ أهلِ العروسِ وشاهدينِ منْ أهلِ العريسِ. وعلى قاضي المذهبِ أنْ يسمعَ بالألفاظِ الصريحةِ منَ الطرفينِ بالإيجابِ والقبولِ، ويمكنُ إحضارُ أحدِ الكُتّابِ المكلَّفينَ رسميّاً منَ القاضي إلى المنزلِ، حيثُ يتمُّ العقدُ ومنْ ثمَّ يُسجّلهُ الكاتبُ في المحكمةِ في اليومِ الثاني.
ثانياً، الزواجُ المعقودُ خارجَ لبنانَ
تعرَّضتْ مؤسَّسةُ الزواجِ، نتيجةَ الحربِ اللبنانيّةِ، لاهتزازاتٍ قويّةٍ تردَّدَ صِداها على صعيدِ استقرارِ الحياةِ الاجتماعيّةِ في لبنانَ، عبرَ الفرزِ الديموغرافيِّ للسكانِ والهجرةِ الخارجيّةِ بنوعٍ خاصٍّ. كما ساهمتِ الهجرةُ طلباً للعملِ أيضاً في ارتفاعِ وتيرةِ الزيجاتِ العابرةِ للبلدِ الواحدِ، كالزيجاتِ في أفريقيا أوْ فرنسا أوْ أميركا.
وقدْ أجازَ القرارُ 60 ل. ر. الاعترافَ بالزواجِ المعقودِ خارجَ لبنانَ وفقَ الشكلِ المتّبعِ في هذا البلدِ في المادّةِ (25) منهُ. أمّا في المادّةِ (27) فنقرأُ إنشاءَ "محكمةٍ قضائيّةٍ عليا تُكلَّفُ البتَّ في الخلافاتِ التي تتولَّدُ بينَ محاكمِ الأحوالِ الشخصيّةِ وبينَ هذهِ المحاكمِ..."
وحصرَ المشرّعُ اللبنانيُّ إمكانيّةَ اعتمادِ المحاكمِ المدنيّةِ للنظرِ في حالاتِ الزواجِ المدنيِّ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ، إذْ نصَّتِ المادّةُ (79) منْ قانونِ أصولِ المحاكماتِ المدنيّةِ على أنَّ "تختصُّ المحاكمُ اللبنانيّةُ المدنيّةُ بالنظرِ في المنازعاتِ الناشئةِ عنْ عقدِ الزواجِ الذي تمَّ في بلدٍ أجنبيٍ، بينَ لبنانيَّيْنِ أوْ بينَ لبنانيٍ وأجنبيٍ، بالشكلِ المدنيِّ المقرَّرِ في قانونِ ذلكَ البلدِ. وتُراعى أحكامُ القوانينِ المتعلّقةِ باختصاصِ المحاكمِ الشرعيّةِ والدرزيّةِ، إذا كانَ كلا الزوجينِ منَ الطوائفِ المحمّديّةِ وأحدهما على الأقلِّ لبنانيّاً".
لا تُطلبُ إذاً، جميعُ عقودِ الزواجِ المنعقدةِ خارجَ لبنانَ، سوى أنْ تكونَ هذهِ العقودُ شرعيّةً بحسبِ القوانينِ الداخليّةِ المرعيّةِ الإجراءِ، وبحسبِ الاستقلالِ السياديِّ لكلِّ دولةٍ. ويبقى الاعترافُ بشرعيّةِ عقودِ الزواجِ المنعقدةِ في الخارجِ، وإنْ خالفَتْ أحكامَ القوانينِ الطائفيّةِ اللبنانيّةِ القائمةِ، كعقودِ الزواجِ المدنيِّ في الدولِ التي تُجيزُه كالدولِ الأوروبيّةِ مثلاً.
ومكَّنتِ المادّةُ 79 المسلمينَ منْ عقدِ زيجاتٍ خارجَ لبنانَ، ولكنْ تبقى صلاحيّةُ حلِّ الخلافاتِ منْ ضمنِ صلاحيّةِ المحاكمِ الشرعيّةِ والمذهبيّةِ، أيْ إنَّ المشرّعَ سَمحَ بالفصلِ بينَ منظومتينِ مختلفتينِ، أوْ إنَّه قطعَ الوصالَ في الحلقةِ الواحدةِ التي تجمعُ بينَ السلطةِ التي ينشأُ عقدُ الزواجِ ضمنَها، وبينَ السلطةِ التي يُفْتَرَضُ أنْ تُكْمِلَ رعايتَها لهذا العقدِ الذي ارتضى طرفا عقدِ الزواجِ، بحريّتِهما الكاملةِ، الاستمرارَ في كنفِها.
إنَّ إطارَ استخدامِ هذهِ النافذةِ للاعترافِ بالزواجِ المنعقدِ خارجَ لبنانَ، يُعتبرُ نوعاً منَ "التحايلِ المشرَّعِ" على أحكامِ القانونِ المحليِّ، بغيةَ إرغامِ المشرّعِ على إعطاءِ الصيغةِ التنفيذيّةِ لزواجٍ عقدَه مَنْ يرفضونَ، لأسبابِهم المتعدّدةِ، الخضوعَ للإطارِ الوحيدِ المتاحِ أمامَهم اليومَ، أيِ الزواجِ الدينيِّ. هنا تُطرحُ مسألةُ الملحدِ أوِ الذي يؤمنُ، فيمَا لا يدخلُ ضمنَ إطارِ ما هوَ معدَّدٌ ضمنَ طوائفِ لبنانَ المعترفِ بشخصيّتِها المعنويّةِ الخاصّةِ (المادّةُ 1 منَ القرارِ رقم 60 ل. ر.)، كالبهائيّينَ في لبنانَ.
إذًا، إنَّ إمكانيّةَ الاعترافِ بالزواجِ المنعقدِ خارجَ لبنانَ صحيحةٌ قانوناً، إلّا أنَّ هناكَ عقباتٍ داخليّةً تقفُ بالمرصادِ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بحلِّ الخلافاتِ الناشئةِ عنهُ، وفي الحالاتِ حيثُ الطرفانِ لا ينتميانِ للدينِ نفسِه.
عقدُ الزواجِ الإلكترونيُّ
سمحَ تقدُّمُ وسائلِ التواصلِ الإلكترونيِّ وثورةُ الإنترنت لميدانِ التجارةِ بالتقدُّمِ والتوسُّعِ. ثمَّ لَحِقَ بركْبِه الكثيرُ منَ الحاجاتِ، كالحاجةِ إلى الزواجِ لِمَنْ لا يستطيعُ الحضورَ معَ عروسِه في مجلسٍ واحدٍ.
وقدْ خلقتْ عاصفةُ الكورونا التي اجتاحتْ عالمَنا الحاجةَ إلى إيجادِ وسائلَ قانونيّةٍ لإتمامِ العقودِ، تُراعي طريقةَ التواصلِ الافتراضيِّ ولا تتطلَّبُ الاجتماعَ فعليّاً في مكانِ واحدٍ محدَّدٍ. وهذا النوعُ منَ العقودِ لا يتطلَّبُ الحضورَ فعليّاً إلى قاعةِ المحكمةِ، وبالتالي فهوَ مفيدٌ لكلِّ مَنْ يعاني صعوبةً في التنقّلِ لأسبابِ مرضيّةٍ، أوْ لأسبابِ قانونيّةٍ كعدمِ الحصولِ على تأشيرةِ سفرٍ، كما يُمْكِنُ الاستفادةُ منهُ لإتمامِ معاملاتِ " لَمِّ الشَّمْلِ".
فكانتْ عقودُ الزواجِ منْ بينِ العقودِ التي دخلتِ العالمَ الافتراضيَّ، وسبقتْها طريقةُ إتمامِ تسجيلِ كلِّ العقودِ عبرَ المنصّاتِ الخاصّةِ التي تُتيحُها الدولةُ، التي تُخفّفُ الأعباءَ الاقتصاديّةَ والوقتَ عنْ كاهلِ العروسينِ لإتمامِ هذهِ التسجيلاتِ.
أصبحتْ أوتوا أوّلَ ولايةٍ أميركيّةٍ تسمحُ بعقدِ زواجِ عروسينِ مُقيمَيْنِ خارجَ حدودِ الولايةِ، وتعتبرُ حضورهما الإلكترونيَّ بمثابةِ الحضورِ الجسديِّ في مكانِ عقدِ الزواجِ، أيْ إنَّهما يحضرانِ مجلسَ عقدِ الزواجِ بصورةٍ افتراضيّةِ. وتنطلقُ الحجّةُ وراءَ هذا التطوّرِ في آليّاتِ العملِ منْ فلسفةِ الحبِّ الذي يكسرُ كلَّ القيودِ ويتخطّى كلَّ الحدودِ. أمّا على الصعيدِ التقنيِّ، فقدْ تمَّ هذا التطوّرُ انطلاقاً منِ اعتمادِ آليّةِ التوقيعِ الإلكترونيِّ الآمنِ على القيودِ، وقبولِه قانوناً.
وتحدَّذَ الإعلامُ في لبنانَ عنْ قيامِ أوّلِ زواجٍ أونلاين بينَ خليل رزق الله وزوجتِه نادين190، مُتَحَدِّيَـيْنِ الجدلَ التاريخيَّ حولَ الزواجِ المدنيِّ في لبنانَ، وضاربَـيْنِ بعرضِ الحائطِ كلَّ المعوّقاتِ التي تقفُ بالمرصادِ لمنعِ حصولِ مثلِ هذا الزواجِ.
إنَّ اعتمادَ الزواجِ عن بُعْدٍ وبصورةٍ افتراضيّةٍ، سيُعيدُ خلطَ كلِّ الأوراقِ منَ الناحيةِ العملانيّةِ. أمّا ناحيةُ القيمِ الأخلاقيّةِ، فتبقى قائمةً حتّى وإنِ اعْتُمِدَ الزواجُ الإلكترونيُّ، معَ الحاجةِ إلى البحثِ عنْ تشريعِ الزواجِ المدنيِّ.