المبحثُ الأوّلُ: موقفُ الإسلامِ السنّيِّ منَ الزواجِ المدنيِّ
أوّلاً، المرتكزاتُ القانونيّةُ للدفعِ بالزواجِ المدنيِّ
يستندُ المنادون بضرورةِ إقرارِ قانونٍ مدنيٍّ للأحوالِ الشخصيّةِ في لبنانَ، وتحديداً في مسألةِ الزواجِ، إلى جملةٍ منَ الذرائعِ القانونيّةِ والواقعيّةِ، يُمكنُ إجمالُها في نقطتينِ أساسيّتينِ:
أ- التذرّعُ بضرورةِ توحيدِ القوانينِ وأنْ تكونَ مدنيّةً
يرى أصحابُ هذا الطرحِ أنّ تعدّدَ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ بتعدّدِ الطوائفِ والمذاهبِ يُكرّسُ الانقسامَ العموديَّ في المجتمعِ، ويحولُ دونَ بناءِ دولةِ المواطنةِ. فالحلُّ برأيِهِم يكمنُ في إيجادِ قانونٍ موحّدٍ يخضعُ له جميعُ المواطنينَ على اختلافِ انتماءاتِهِم الدينيّةِ، بحيثُ تكونُ المرجعيّةُ هي الدولةُ وقوانينُها المدنيّةُ لا المؤسّساتُ الدينيّةُ وقوانينُها الخاصّةُ، ممّا يُعزّزُ الانتماءَ الوطنيَّ الجامعَ ويُلغي التمايزَ القانونيَّ بينَ الأفرادِ على أساسٍ عقديٍّ.
ب- قصورُ المحاكمِ الدينيّةِ عمليّاً وتنظيميّاً
يوجّهُ دُعاةُ الزواجِ المدنيِّ انتقاداتٍ لاذعةً لآليّةِ عملِ المحاكمِ الدينيّةِ، معتبرينَ أنّها تُعاني منْ ثغراتٍ تنظيميّةٍ وإجرائيّةٍ تُؤدّي إلى إطالةِ أمدِ التقاضي وهدرِ الحقوقِ، لا سيّما حقوقَ النساءِ والأطفالِ. كما يُشيرونَ إلى غيابِ الرقابةِ الفعليّةِ منْ قِبلِ أجهزةِ الدولةِ على هذهِ المحاكمِ، ممّا يجعلُ الأحكامَ الصادرةَ عنها في بعضِ الأحيانِ تفتقرُ إلى المعاييرِ العصريّةِ للعدالةِ وحقوقِ الإنسانِ، وهو ما يدفعُهم للمطالبةِ ببديلٍ مدنيٍّ يضمنُ المساواةَ والشفافيةَ وسرعةَ البتِّ في النزاعاتِ الأُسريّةِ.
ثانياً، اقتراحانِ قانونيّانِ لتجنّبِ الزواجِ المدنيِّ
في مقابلِ الضغوطِ المتزايدةِ لإقرارِ الزواجِ المدنيِّ، برزتْ توجّهاتٌ داخلَ المؤسّسةِ الدينيّةِ السنّيّةِ تسعى لتقديمِ بدائلَ قانونيّةٍ ضمنَ الإطارِ الشرعيِّ، تهدفُ إلى معالجةِ الثغراتِ التي يَنفذُ منها دُعاةُ التغريبِ والمدنيّةِ. ويتمحورُ هذانِ الاقتراحانِ حولَ تطويرِ الأداءِ القضائيِّ وتقنينِ الأحكامِ بما يتلاءَمُ معَ مستجداتِ العصرِ دونَ المساسِ بالثوابتِ العقديّةِ، وذلكَ لسدِّ الذرائعِ التي تُستخدمُ للنيلِ منَ المرجعيّةِ الدينيّةِ في شؤونِ الأُسرةِ.
ثالثاً، المرتكزاتُ الدينيّةُ للدفعِ بالزواجِ المدنيِّ
يحاولُ بعضُ المؤيّدينَ للزواجِ المدنيِّ استغلالَ بعضِ القضايا الفقهيّةِ والواقعيّةِ لتعزيزِ موقفِهِم، ومنْ أبرزِ هذهِ القضايا:
أ- مسألةُ تعدّدِ الزوجاتِ
يُتّخذُ منْ إباحةِ التعدّدِ في الشريعةِ الإسلاميّةِ مدخلاً للهجومِ على القوانينِ الدينيّةِ، بدعوى أنّها لا تُنصفُ المرأةَ وتُسبّبُ لها ضرراً نفسيّاً واجتماعيّاً. ويُروّجُ هؤلاءِ لفكرةِ أنّ القانونَ المدنيَّ الذي يمنعُ التعدّدَ هوَ الضمانةُ الوحيدةُ لكرامةِ المرأةِ واستقرارِ الأسرةِ، متجاهلينَ الضوابطَ الشرعيّةَ والمقاصدَ التي وُضعَ لأجلِها هذا الحكمُ.
ب- مسألةُ العنفِ الزوجيِّ
تُربطُ حالاتُ العنفِ الأُسريِّ أحياناً بالمرجعيّةِ الدينيّةِ، منْ خلالِ الادّعاءِ بأنَّ القوانينَ الشرعيّةَ تُعطي سلطةً مطلقةً للرجلِ تُشرعنُ اضطهادَهُ للمرأةِ. ويُطالبُ أصحابُ هذا الرأيِ باللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ وتطبيقِ قوانينَ مدنيّةٍ صارمةٍ لحمايةِ النساءِ منَ العنفِ، معتبرينَ أنَّ القضاءَ الدينيَّ قدْ يتساهلُ في هذهِ القضايا بدافعِ الحفاظِ على استمراريّةِ الرابطةِ الزوجيّةِ على حسابِ أمنِ المرأةِ وسلامتِها.