|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصلُ الأوّلُ: الزواجُ عبرَ التاريخِ وفي المسيحيّةِ وفي الإسلامِ

مقدّمةٌ

التزاوجُ عمليّةٌ معقَّدةٌ تتداخلُ فيها العلومُ الإنسانيّةُ قاطبةً. وللوقوفِ على النظرةِ الدينيّةِ المسيحيّةِ أوِ الإسلاميّةِ، لا بدَّ منَ التوقّفِ عندَ مفهومِ الزواجِ في الحضاراتِ وعندَ الفلاسفةِ لكونِ هذينِ البعدينِ يُشكّلانِ خطّاً متوازياً للنظرةِ الإنسانيّةِ للزواجِ، وما يستتبعُها منْ نظرةِ دينيّةٍ. كما عرفتِ النظرةُ الدينيّةُ للزواجِ تطوّراً كبيراً وتغيّراً في التفسيرِ واستنباطِ شروطِ عقدِ الزواجِ على مرِّ التاريخِ. وعرفَ هذا التبدّلُ الذي فرضتْه الخلفيّةُ الحضاريّةُ والتفسيرُ الفلسفيُّ للزواجِ، توسّعاً أوِ انتقاصاً تبدّلَ معَ مرورِ الزمنِ كما سأبيّنُ لاحقاً. وهذا ما سمحَ للباحثِ بتقصّي أسبابِه. وعلى رأسِ هذهِ الأسبابِ موافقةُ المجتمعِ وتقبّلُه للتغيّراتِ التي طرأتْ على مؤسّسةِ الزواجِ، وخاصّةً لناحيةِ تحوّلِ الزواجِ منْ حدثٍ اجتماعيٍّ يتداخلُ فيهِ الكثيرونَ إلى حدثٍ فرديٍّ يأبى أنْ يقتصرَ على تدخّلِ أيِّ شخصٍ آخرَ بخلافِ العروسينِ.

هذا التبدّلُ في النظرةِ المجتمعيّةِ وتقييمُه لسلَّمِ القيمِ الأخلاقيّةِ وقواعدِ الزواجِ وطرقِ عقدِه، يجدُ في البعدينِ الحضاريِّ والفلسفيِّ الركائزَ التي توضّحُه وترصدُه كخطوةٍ استشرافيّةٍ، لِمَا يمكنُ أنْ تؤولَ إليهِ الأمورُ في ميدانِ الزواجِ المدنيِّ، وإمكانيّةِ استيعابِه دينيّاً، منَ المجتمعِ الدينيِّ أوّلاً، ومنْ قبلِ القيادةِ الدينيّةِ ثانياً، إذْ إنَّ ما استقرَّتْ عليهِ الأعرافُ ودأبَ الناسُ على استعمالِه عُرفاً، هوَ ما يستقرُّ في النصوصِ الوضعيّةِ، ويجدُ الميدانَ الواسعَ لتعميمِ تطبيقِه.

المبحثُ الأوّلُ: الزواجُ عبرَ التاريخِ

الارتباطُ بينَ رجلٍ وامرأةٍ وما يتبعُه منْ واجباتٍ بينَ الزوجينِ، هوَ منَ الغرائزِ الضروريّةِ للمحافظةِ على الجنسِ البشريِّ، والزواجُ هوَ الإطارُ التنظيميُّ للحياةِ الأسريّةِ، بما تحملُه منْ عمليّةِ إنجابٍ واستمرارٍ للنسلِ. وتكفي هذهِ المواضيعُ بحدِّ ذاتِها لاعتبارِ الزواجِ مادّةً دسمةً للفلسفةِ والنظرةِ إلى الحياةِ عموماً، فتتنوَّعُ الزوايا التي يتطرَّقُ فيها إليهِ، فمنَ الفلسفةِ الأخلاقيّةِ، إلى فلسفةِ العلاقاتِ الاجتماعيّةِ، إلى فلسفةِ القانونِ منْ حيثُ طبيعةُ التعاقدِ في الزواجِ، إلى فلسفةِ المرأةِ والنسويّةِ، منْ حيثُ إنَّ الزواجَ يُعْتَبَرُ المحورَ الأساسيَّ في عمليّةِ تطويرِ واقعِ المرأةِ.

ويُنظرُ إلى الزواجِ كأحدِ الشعائرِ الدينيّةِ، التي يعودُ إلى المؤسَّسةِ الدينيّةِ تحديدُ قواعدِها؛ ويُنظرُ إليهِ كعقدٍ قانونيٍّ تحدّدُ بنودَه شريعةُ المتعاقدينِ؛ كما يُنظرُ إلى الزواجِ أيضاً على أنَّه ممارسةٌ اجتماعيّةٌ تحدّدُها الأعرافُ والتقاليدُ الاجتماعيّةُ. وتختلفُ درجةُ تأثيرِ كلٍّ منْ هذهِ النظراتِ الثلاثِ، بعضِها على بعضٍ، باختلافِ تقاليدِ المجتمعِ وعقيدةِ الدينِ أوِ النظامِ القانونيِّ المتّبعِ، فتتشكَّلُ صورةُ الزواجِ تختلفُ بينَ زمنٍ وآخرَ أوْ بينَ بيئةٍ وأخرى.

وقدْ تعدَّدتْ شروطُ اعتبارِ الزواجِ نافذاً أوْ واقعاً بتعدّدِ البيئاتِ. فمنْها مَنْ لا يتطلَّبُ ولادةَ طفلٍ، ومنْها مَنْ يُجْبَرُ على اتّباعِ علاقةِ المساكنةِ فقطْ بالزواجِ في حالِ حصولِ ولادةِ طفلٍ. وفي بعضِ القبائلِ لا يُقامُ الاحتفالُ بالزواجِ إلّا بعدَ التأكُّدِ منْ علاماتِ الحملِ 6.

وأصولُ هذا الارتباطِ الزوجيِّ الذي لا تنفكُّ أواصرُه، ضاربةٌ في تقاليدِ المجتمعاتِ. فعلى سبيلِ المثالِ، ترافقُ الأرملةُ زوجَها المتوفّى إلى عالمِ الأرواحِ فتقتلُ نفسَها 7 أوْ لا تتزوَّجُ مرّةً أخرى، كحالةِ المرأةِ في الصينِ أوْ في اليونانِ القديمةِ، أوْ تلتزمُ الأرملةُ الحِدادَ فتبقى لمدّةِ سنةٍ دونَ أنْ تتزيَّنَ. ومردُّ ذلكَ إلى إرادةِ الإخلاصِ للزوجِ المتوفّى أقلُّه مدّةَ سنةٍ، حتّى لا يبقى منَ الجثّةِ سوى العظامِ 8، ومنْ ثمَّ تستطيعُ الزواجَ ثانيةً.

أوّلاً، الزواجُ في التاريخِ، زواجٌ أُحاديٌّ أوْ تعدّدُ زوجاتٍ

اختلفتِ النظرةُ إلى الزواجِ باختلافِ الحضاراتِ. فنُظرَ إليهِ في المجتمعاتِ البدائيّةِ كامتدادٍ طبيعيٍّ لعمليّةِ التناسلِ التي هيَ الأساسُ كما ذكرتُ سابقاً. وشكَّلَ نظامُ العشيرةِ بعداً أساسيّاً في حمايةِ الروابطِ العائليّةِ وحفظِ النسبِ، الذي شكَّلَ بدورِه العصبَ الأوّلَ في بروزِ ضرورةِ تطويرِ الأنظمةِ وحفظِ الروابطِ وتمدّدِها ابتداءً منْ رابطِ الدمِّ – العشيرةِ، وصولاً إلى رابطِ الدينِ-المجتمعِ، وأخيراً إلى رابطِ الأخوّةِ الإنسانيّةِ-المجتمعِ الدوليِّ. وتصدَّرتِ اليومَ النظرةُ إلى الزواجِ كعلامةٍ للحبِّ، فاعْتُبِرَ الزواجُ وحدةً اقتصاديّةً واجتماعيّةً وسياسيّةً 9.

الزواجُ الشائعُ اليومَ في العالمِ وفي لبنانَ، هوَ الزواجُ المعروفُ بالأُحاديِّ، الذي أحكمتِ النظرةُ الغربيّةُ (الأوروبيّةُ- الأميركيّةُ) سيطرتَها على مفهومِه وأبعادِه، بحيثُ طغى على صورِ الزواجِ الأخرى المعروفةِ هنا وهناك، وفي القارّةِ الأفريقيّةِ أوْ في شرقِ آسيا أوْ عندَ القبائلِ الهنديّةِ الأصليّةِ في القارّةِ الأميركيّةِ. وإذا كانَ الزواجُ الأحاديُّ مقبولاً اجتماعيّاً وقانونيّاً اليومَ في جميعِ الدولِ المتحضّرةِ، إلّا أنَّه في العالمِ الإسلاميِّ عامّةً يُسْمَحُ زواجُ الرجلِ الواحدِ بأربعِ نساءٍ.

لمْ يعرفِ الزواجُ قديماً طقساً خاصّاً بهِ، بلْ كانَ يُعْتَبَرُ نوعاً منَ المشاعيّةِ أوِ الإباحيّةِ، أيْ خارجاً عنْ أيِّ ضوابطَ. وتسمّى هذهِ المرحلةُ بمرحلةِ الأمومةِ 10، حيثُ يصعبُ معرفةُ الأبِ فيُنْسَبُ الطفلُ إلى أمّهِ، وهذا ما يؤكّدُ على فكرةِ سيادةِ الأمِّ في المجتمعِ. ولاحقاً، عادَ الرجلُ واستلمَ زمامَ القيادةِ المجتمعيّةِ، فعُرِفَ عصرُه بعصرِ الأنظمةِ البطريركيّةِ 11، وكانتْ سلطةُ الرجلِ متميّزةً، وأصبحَ الارتباطُ برجلٍ محدَّدٍ أمراً ضروريّاً. وكانَ انتقالُ العروسِ إلى خيمةِ العريسِ كافياً للتأكيدِ على حصولِ الزواجِ. وبدأَتْ بذلكَ، عمليّةُ تشكّلِ طقسِ الزواجِ منْ حيثُ الإعلانُ عنْ حصولِ تبدّلٍ في علاقةِ الرجلِ والمرأةِ. وفي الكثيرِ منَ القبائلِ البدائيّةِ، كانَ يتمُّ الإعلانُ عنْ تبدّلِ انتماءِ المرأةِ منْ قبيلةِ والدِها إلى قبيلةِ الزوجِ، عبرَ مشاركةِ الزوجةِ طعامَ زوجِها والأكلِ منَ الطبقِ عينِه. ولدى قبائلَ أخرى، كانَ يتمُّ إعلانُ الزواجِ عبرَ الشربِ منْ كأسٍ واحدةٍ. وفي مرحلةٍ ثانيةٍ، تشكَّلَ طقسُ الزواجِ عبرَ طقوسِ التضحيةِ للآلهةِ منْ قبلِ الزوجينِ، صوناً للزواجِ منْ أيِّ خلافٍ أوْ تعثّرٍ قدْ يقعُ 12.

عرفتِ البشريّةُ إذاً أشكالاً متعدّدةً منَ الزواجِ، دونَ إمكانيّةِ وضعِ خطٍّ زمنيٍّ يبيّنُ أسبقيّةَ 13 واحدةٍ عنِ الأخرى. فمنَ الزواجِ الأحاديِّ في حضارةِ الشرقِ، إلى تعدّدِ الزوجاتِ، وحتّى إلى حالاتٍ استثنائيّةٍ يتمُّ فيها تعدّدُ الرجالِ معَ وجودِ زوجةٍ واحدةٍ، كما في الهندِ أوِ التيبتِ مثلاً. وأسهمتِ التقاليدُ الاجتماعيّةُ والدينيّةُ بشكلٍ كبيرٍ في تبنّي إحدى الأشكالِ دونَ الأخرى. فنُسِبَ إلى سليمانَ الحكيمِ سبعمائةُ زوجةٍ وثلاثمائةٍ منَ الجواري 14. وشرَّعَ التلمودُ عددَ الزوجاتِ بأربعٍ فقطْ. وهذا ما كانَ يمارسُه اليهودُ في أوروبا في العصورِ الوسطى، كما في البلادِ التي تُطبّقُ الشريعةَ الإسلاميّةَ 15. ورغمَ تأثيرِ المسيحيّةِ فلمْ يتمَّ منعُ تعدّدِ الزوجاتِ في الغربِ إلّا لاحقاً، عندما بدأتِ المواجهةُ بينَ الكنيسةِ والسلطةِ السياسيّةِ.

عُرفَ الزواجُ هنا وهناك بشكليْنِ: الزواجُ الأحاديُّ والزواجُ المتعدّدُ الزوجاتِ، وما يزالُ هذا الموضوعُ مدارَ أخذٍ وردٍّ إلى اليومِ. ولكنَّ الملاحظَ أنَّ طقوسَ الزواجِ التي رافقتْ كلاً منَ الشكليْنِ، فرضتْ نفسَها على المجتمعِ وقوانينِه، وتعدَّلَتْ بعضُ الطقوسِ الدينيّةِ المُخالفةِ، كحالةِ المسلمينَ في الدولِ الأوروبيّةِ التي تمنعُ تعدّدَ الزوجاتِ، أوْ حالةِ المسيحيّينَ في البلادِ التي كانتْ تُطبّقُ الشريعةَ الإسلاميّةَ على جميعِ أبناءِ الدولةِ دونَ استثناءٍ، ودونَ أنْ يكونَ هناكَ تشريعٌ خاصٌّ للمسيحيّينَ.

ثانياً، الزواجُ عندَ الفلاسفةِ

اهتمَّ أفلاطونُ في كتابِ القوانينِ، في تبيانِ قيامِ الدولةِ على مفهومِ الأسرةِ العليا، وطالبَ بنزعِ الأولادِ منْ أسرِهم، وتربيتِهم في حضانةٍ تشرفُ عليها الدولةُ منعاً "للعصبيّةِ - المصلحةِ الخاصّةِ" وتشجيعاً على "العصبيّةِ - المصلحةِ العليا"، التي توضعُ في خدمةِ الدولةِ. ولقدْ تميّزتْ هذهِ المرحلةُ بإباحيّةٍ جنسيّةٍ تؤكّدُ الحاجةَ إلى تكثيرِ النسلِ كعاملٍ أساسيٍّ في التفوّقِ بينَ الشعوبِ.

وانتقدَ أرسطو نظريّةَ أفلاطون في تحويلِ الدولةِ إلى أسرةٍ كبيرةٍ، في حينِ يعتمدُ استقرارُ الدولةِ بشكلٍ كبيرٍ على استقرارِ الأسرةِ. وهذا التقاربُ بينَ بناءِ الدولةِ والأسرةِ تركَ بصمتَه في نظريّةِ الزواجِ عندَ الكثيرِ منْ روّادِ الفلسفةِ اللاحقينَ أمثالَ هيغل HEGEL.

ومعَ بداياتِ العصرِ الحديثِ، ظهرتْ قوّةُ الارتباطِ بينَ الحبِّ والزواجِ، كنوعٍ منْ عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ بينَ الرجلِ والمرأةِ، وبينَ الزوجينِ والمجتمعِ. فنادى هوبز Thomas HOBBES (1588 - 1679) بعدمِ هيمنةِ الذكوريّةِ على الزواجِ كجنسٍ أعلى منَ الأمومةِ. ونادى بدخولِ المرأةِ في عقدِ الزواجِ بشروطٍ مساويةٍ للرجلِ. كما اعتبرَ هوبز في كتابِه "اللفياثان 16" Le Léviathan أنَّ أحدَ مصادرِ سلطةِ الحاكمِ، مُسْتَمَدّةٌ منْ سلطةِ الأبوّةِ، بينما المصدرُ الثاني هوَ الغزوُ. وبما أنَّ الطاعةَ الأبويّةَ مستحيلةٌ في نموذجِ الدولِ الفطريّةِ حيثُ السلطةُ هيَ للأمِّ، يفضلُ تنظيمُ الزواجِ بواسطةِ عقدٍ لضمانِ المساواةِ.

ورأى لوك John LOCKE (1632 - 1704) أنَّ العلاقةَ في الأسرةِ كالعلاقةِ في الدولةِ يجبُ أنْ تقومَ على الموافقةِ وليسَ على التسلسلِ الهرميِّ. واستكملتْ ماري استل Mary ASTELL (1666 - 1731) هذا المبدأَ بسؤالِ "كيفَ يولدُ الرجالُ أحراراً منْ نساءٍ عبيدٍ؟" ولعلَّ كتاباتِ ماري ولستونكرافت Mary WOLLSTONECRAFT (1759 - 1798) أسَّستْ لبعدٍ فلسفيٍّ واضحٍ في طبيعةِ المرأةِ، وضرورةِ تثقيفِها، ومواجهةِ عدمِ المساواةِ الزوجيّةِ، وضرورةِ التأكيدِ على حقوقِ المرأةِ.

وتناولَ إيمانويل كانط Emmanuel KANT (1724 - 1804) مفهومَ الزواجِ التعاقديِّ، لناحيةِ الحياةِ الجنسيّةِ، وحيازتِها منْ قبلِ الزوجينِ لمدى الحياةِ، واعترفَ كانط بواقعِ عدمِ المساواةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ. إلّا أنَّ هذهِ المساواةَ في النظرةِ لحقِّ كلٍّ منَ الزوجينِ بإزاءِ الآخرِ. وإنِ انطلقتْ منَ البعدِ الجنسيِّ، إلّا أنّها ستتوسَّعُ لتطالَ مفهومَ العدالةِ، وميادينَ أخرى اقتصاديّةً.

أمّا الفيلسوفُ الألمانيُّ هيغل HEGEL (1770 - 1831) في كتابِه أصولُ فلسفةِ الحقِّ الفقرات (73 - 75)، فيرى في الزواجِ نموذجاً مصغَّراً عنِ الدولةِ. لذلكَ يربطُ تقدّمَ الدولةِ بتنظيمِ الزواجِ رسميّاً كأفلاطون. إنَّ الزواجَ يُسهمُ في إعدادِ الرجالِ كمواطنينَ صالحينَ. وبالنسبةِ إلى هيغل فإنَّ الزواجَ المرتَّبَ منْ قبلِ أهلِ العروسينِ هوَ أكثرُ أخلاقيّةً، لأنَّه يخضعُ الاختيارَ الشخصيَّ للفردِ للمصلحةِ العليا للمؤسَّسةِ.

وقارنَ جان ستيوارت ميل Mill STUART (1806 - 1873) بينَ نظامِ العبوديّةِ ونظامِ الزواجِ القائمِ على القوّةِ الجسديّةِ للرجلِ، وكيفَ أنَّ تحريرَ المرأةِ يماثلُ تحريرَ العبيدِ، عبرَ إعطائهم حقَّ اختيارِ الزوجِ. أمّا كارل ماركس Karl MARX (1818 - 1883) فقدْ ربطَ بينَ النظامِ الأبويِّ والرأسماليّةِ التي أمَّنتْ توارثَ الثرواتِ بينَ الأجيالِ دونَ نزاعٍ، ودعمَ الملكيّةَ الفرديّةَ على حسابِ الملكيّةِ الجماعيّةِ.

ثالثاً، الزواجُ المبنيُّ على الحبِّ

في العصرِ الحديثِ، أصبحَ الحبُّ العلامةَ الوحيدةَ للتقدّمِ نحو الزواجِ. وتقعُ مسؤوليّةُ هذا الحبِّ على الزوجينِ فقط، دونَ أحدٍ غيرِهما منَ الأقرباء، كرئيسِ العشيرةِ أوِ الحاكمِ أوْ حتّى دونَ العودةِ إلى أحكامِ الدينِ وشروطِه، كالحالاتِ التي يحلّلُ الزواجَ فيها أوْ يمنعُه. فالحبُّ أقوى منْ أيِّ نظامٍ يقيّدُه. والحبُّ إذا ما تعارضَ معَ القيمِ الدينيّةِ، فإنَّه يُبْرِزُ صورةً للدينِ مقيّدةً للإنسانِ، أوْ صورةً معاكسةً لهدفِ الدينِ الذي هوَ السعيُ إلى خيرِ الإنسانِ.

وبينما كانَ التعبيرُ عنِ الحبِّ، في الأماكنِ العامّةِ مرفوضاً قطعاً، أضحى اليومَ حقّاً اجتماعيّاً، ولا يُسْمَحُ لأحدٍ أنْ يتداخلَ فيهِ، لا بلْ يُمنعُ ذلكَ كما في الدولِ الأوروبيّةِ مثلاً، عكسَ ما كانتْ عليهِ الحالُ في العصورِ القديمةِ 17، تماماً كما في الهندِ، وبلادِ أفريقيا، حيثُ كانَ يُنظرُ إلى الحبِّ الشديدِ الذي يجمعُ الرجلَ بزوجتِه على أنَّه زنىً! أمّا في أوروبا وفي القرونِ الوسطى، فكانَ الحبُّ لا يسبقُ الزواجَ بلْ يليهِ.

وعليهِ، تبرزُ النظرةُ الاجتماعيّةُ والنظرةُ الدينيّةُ إلى الزواجِ في عُرفِ كلِّ مجتمعٍ، وتظهرُ نسبةُ التدخّلِ في تفاصيلِه، وتضطلعُ بهِ كسلطةٍ، حتّى أصبحَ الزواجُ وصفةً سحريّةً لحياةٍ سعيدةٍ، تُسوِّقُ لها منصّاتُ التواصلِ الاجتماعيِّ، وتدعو إلى اكتشافِ إنسانٍ تحبُّه فتخلصُ إليهِ وتحيا معَه سواءٌ أنجبتْ منهُ أمْ لمْ تنجبْ.

رابعاً، ضوابطُ الزواجِ

منْ بينِ جميعِ المخلوقاتِ التي تتكاثرُ، وحدهُ الإنسانُ لا يتزوَّجُ في موسمٍ معيَّنٍ، ووحدهُ لا يضعُ شروطاً للتزاوجِ ليصحَّ بها فعلُه. ووحدهُ الإنسانُ يستعملُ الزواجَ كطقسٍ للارتباطِ. وبالرغمِ منْ أنَّ الزواجَ هوَ منَ الأفعالِ العالميّةِ، إلّا أنَّ مؤسَّسةَ الزواجِ ليستْ عالميّةً البتّةَ. بلْ تخضعُ لمعاييرَ ومتطلّباتٍ تناقضُ بعضُها بعضاً، وتراعي بالدرجةِ الأولى أضيقَ الأطرِ المحليّةِ التي تنظّمُ الزواجَ. وقدْ ساهمَ الدينُ عبرَ فرضِ نظريّتِه في عولمةِ الزواجِ ضمنَ مساحاتِ الشعوبِ التي تحيا وفقَ تعاليمِه، بعكسِ ما يظهرُ عليهِ كمقيّدٍ لعولمةِ الزواجِ.

وتتنوَّعُ أساليبُ الحياةِ بتنوّعِ الزيجاتِ. وما يُنظرُ إليهِ كانتهاكٍ للزواجِ في بيئةٍ ما، قدْ يكونُ طبيعيّاً في بيئاتٍ أخرى، فمنْ ضرورةِ سكنِ الزوجينِ سويّاً، إلى أصغرِ التفاصيلِ، كأكلِ الطعامِ معاً، وصولاً إلى مبدأِ تعدّدِ الزوجاتِ أوْ عدمِه، كلُّ هذهِ الأمورِ، وغيرُها تتبدّلُ بتبدّلِ المجتمعاتِ والثقافاتِ، وما هوَ مقبولٌ منها في مجتمعٍ قدْ يكونُ ممنوعاً في مجتمعٍ آخرَ.

وقدْ ساهمَ فلاسفةُ الأديانِ بربطِ الحياةِ الجنسيّةِ باستقرارٍ عائليٍّ ضمنَ أسوارِ الزواجِ، فلا تتحكَّمُ الشهوةُ الجنسيّةُ، لا بلْ تنتظمُ ضمنَ علاقةٍ مرتبطةٍ، بشخصٍ واحدٍ يحيا معَه طوالَ حياتِه كما في المسيحيّةِ، أوْ بعددٍ محدَّدٍ منَ الزوجاتِ كما في الإسلامِ عموماً، أوْ حتّى لبعضِ الوقتِ كما هوَ سائدٌ في الزواجِ المؤقَّتِ لدى الشيعةِ.

خامساً، شرعيّةُ الأولادِ

إنَّ موضوعَ إشهارِ الزواجِ أوْ إعلانِه هوَ منَ المواضيعِ التي تشجّعُ على إيجادِ ضوابطَ محدَّدةٍ للزواجِ، ويرافقُها موضوعُ النظرةِ إلى الأبناءِ، عبرَ إيجادِ نظامٍ يضمنُ حفظَ النسبِ.

وهناك فوائدُ عديدةٌ لتقنينِ الزواجِ، منها ضبطُ النسلِ وتحقيقُ العدالةِ في توزيعِ الميراثِ. وأيضاً التمييزُ بينَ الأبناءِ، فمنْهم مَنْ هوَ ولدٌ شرعيٌّ، ومنْهم مَنْ هوَ غيرُ شرعيٍّ إذا ما خرجَ عنْ هذهِ الضوابطِ.

فعندَ وصولِ الرهبانِ اليسوعيّينَ 18 إلى شمالِ القارّةِ الأميركيّةِ، استهجنوا درجةَ التحرّرِ الجنسيِّ لدى المرأةِ، كما استغربَ السكّانُ الأصليّونَ درجةَ التعلّقِ بحبِّ الرجلِ لأولادِه الذينَ منْ صلبِه السائدةِ في أوروبا، بينما رجالُ القبيلةِ يحبّونَ جميعَ الأولادِ. وطالما أنَّ أمَّ الولدِ معروفةٌ منْ قبلِ المجتمعِ فهذا كافٍ لارتباطِه بالقبيلةِ.

أمّا في اليابانِ، لمْ تكنْ عبارةُ "ابن زانية" معروفةً عندهم، كما هيَ الحالُ في المجتمعاتِ الأموميّةِ، وقدْ دخلتْ قاموسَهم مؤخّراً حوالي 1868 م. فقبلَ ذلكَ كانتْ عبارةُ "ابن غير شرعيّ" تشيرُ فقطْ إلى ولادتِه منْ خليلةٍ دونَ حرمانِه منَ الاعترافِ القانونيِّ أوْ منْ حقِّ الإرثِ. وبالفعلِ، فقدْ صعدَ العرشَ الإمبراطورُ تاشيو عام 1912 م، وكانتْ والدتُه معروفةً بأنّها خليلةُ الإمبراطورِ مايجي 19.

المبحثُ الثاني: الزواجُ في المسيحيّةِ

في المسيحيّةِ، وجهاتُ نظرٍ متعدّدةٌ حولَ الزواجِ، تختلفُ باختلافِ المذاهبِ. فهناكَ مَنْ ينظرُ إلى الزواجِ كسرٍّ كنسيٍّ أوّلاً، مثلَ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ، وهناك مَنْ يراهُ بعينِ العقدِ المدنيِّ المجرّدِ، كالكنائسِ الإنجيليّةِ، التي تعتبرُه: "عهدٌ يتمُّ عقدُه بواسطةِ الكنيسةِ بينَ رجلٍ وامرأةٍ بهدفِ الاتّحادِ في شركةٍ روحيّةٍ وتكوينِ عائلةٍ مسيحيّةٍ مستمرّةٍ، والاقترانِ الجنسيِّ الطبيعيِّ"20. إنَّ اتّحادَ الرجلِ والمرأةِ، يؤلّفُ أيقونةً لكنيسةٍ بيتيّةٍ21، وفي المفهومِ اللاهوتيِّ يمكننا تعريفُ الكنيسةِ بأنّها "عروس المسيح22" والكنيسةُ بحسبِ هذا الإطارِ هي اصطلاحاً، جماعةُ المؤمنينَ الملتئمةُ بناءً على دعوةِ اللهِ في وقتٍ محدَّدٍ23.

تتبنّى الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ خصوصاً، مفهومَ الزواجِ، كمدلولٍ كتابيٍّ للدلالةِ على الارتباطِ باللهِ، وترفضُ عموماً التمييزَ بينَ العزوبيّةِ والزواجِ منْ هذهِ الزاويةِ. ويمكننا الذهابُ أبعدَ منْ ذلكَ واعتبارُ عزوبيّةِ الكاهنِ أوِ الراهبِ والراهبةِ زواجاً أيضاً، حيثُ يكونُ الارتباطُ معَ المسيحِ وفي المسيحِ. وللدلالةِ على هذا الارتباطِ يحملُ الكثيرُ منْ أعضاءِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ الإكليريكيينَ24 خاتمَ الزواجِ للدلالةِ على عفّتِهم ونذرِ أنفسِهم للربِّ.

أوّلاً، الزواجُ في العهدِ القديمِ

إنَّ النظرةَ إلى العهدِ القديمِ مبنيّةٌ على القراءةِ المسيحيّةِ لهُ طالما أنَّ نظرةَ الديانةِ اليهوديّةِ تخرجُ عنْ إطارِ هذهِ الدراسةِ.

يبدأُ الكتابُ المقدَّسُ بقصّةِ زواجِ وارتباطِ آدمَ وحوّاءَ الجدَّينِ الأوَّلينِ في الكتابِ الأوّلِ منَ العهدِ القديمِ "التكوين"، ويختمُ الكتابُ المقدَّسُ آخرَ كتبِه في العهدِ الجديدِ بعرسٍ، ولكنَّه منْ نوعٍ آخرَ هو عرسُ الحملِ في كتابِ "الرؤيا". لقدْ كُتِبَتْ قصّةُ اللهِ معَ شعبِه بينَ دفَّتي هذا الكتابِ المقدَّسِ. ويكونُ الزواجُ عادةً الاحتفالَ الأوّلَ في حياةِ الإنسانِ، وهوَ أكثرُ الأعمالِ ووضوحاً في اشتراكِ المخلوقِ معَ الخالقِ في عمليّةِ الخلقِ، الذي هوَ صفةٌ إلهيّةٌ بامتيازٍ. وقدْ أفضى اشتراكُ حوّاءَ وآدمَ في المعصيةِ إلى الكثيرِ منَ النتائجِ، وأوّلُها الابتعادُ عنِ الشركةِ معَ اللهِ. إلّا أنَّه لمْ يؤدِّ إلى قطعِ الارتباطِ بينهما. بلْ على العكسِ، أكّدَ عليهِ وثبَّتَه ونظَّمَ توزيعَ الأعمالِ والسلطاتِ بينهما، كتنظيمٍ لارتباطٍ أبديٍّ. فالرجلُ مسؤولٌ عنْ توفيرِ الطعامِ، "بعرقِ جبينِك تأكلُ خبزَك"، والمرأةُ مسؤولةٌ عنِ الإنجابِ، "فبالمشقّةِ تلدينَ البنينَ" (تكوين 3: 16 – 19). وقدْ وجدَ النظامُ البطريركيُّ المعمولُ بهِ في حينِه في هذا النصِّ الكتابيِّ سنداً لهُ.

خلقَ اللهُ السماءَ والأرضَ ورأى أنَّ كلَّ شيءٍ حسنٌ (تكوين 1: 25). إلّا أنَّه عندما خلقَ الرجلَ، رأى أنَّه ليسَ حسناً أنْ يكونَ الإنسانُ وحدهُ (تكوين 2: 18)، فخلقَ منْ ضلعِ آدمَ زوجةً لهُ، راسمًا بذلكَ الصورةَ الجوهريّةَ لحياةِ الإنسانِ. فإذا ما أرادَ الإنسانُ الحياةَ الأفضلَ لهُ، عليهِ بالاقترانِ. الأمرُ الثاني الذي يُسْتَخْرَجُ منْ قصّةِ الخلقِ، هوَ المساواةُ الكاملةُ بينَ الرجلِ والمرأةِ. "هذهِ الآن عظمٌ منْ عظامي ولحمٌ منْ لحمي" الرجلُ والمرأةُ هما منْ نفسِ المصدرِ الخالقِ الذي هوَ اللهُ وبالتالي هما متساويانِ أقلُّه لجهةِ مصدرِ وجودِهما، ومتميّزانِ بعضُهما عنْ بعضٍ في أنَّ الأوّلَ رجلاً والثانيةَ امرأةً.

ونجدُ منذُ البدايةِ في سفرِ التكوينِ، الصورةَ الرمزَ للخليقةِ وهيَ العائلةُ "ذكراً وأنثى" (متّى 19: 4). "وهذانِ الاثنانِ" "يصيرانِ جسداً واحداً" (تكوين 2: 24) كتعبيرٍ عنْ مرحلةٍ منْ كمالٍ أعلى مرتجىً للحياةِ، فينطلقُ الإنسانُ منْ مرحلةِ الهيامِ Eros إلى مرحلةِ الحبِّ Agape، ويبقى على الرجلِ والمرأةِ، في صورةِ الجدَّينِ الأوَّلينِ، تنفيذُ الوصيّةِ إلهيّةِ التي تحملُ البركةَ إليهما، والتي تأمرُهما "انموا وأكثروا واملأوا الأرضَ" وهذهِ الوصيّةُ عادَ وأكّدَ عليها اللهُ الذي عادَ واستخدمَ فيما بعدُ مرحلةَ الطوفانِ معَ نوحٍ (تكوين 9: 1 - 2) التعابيرَ نفسَها. وهكذا شكَّلَتِ الوصيّةُ السابقةُ إحدى غاياتِ الزواجِ الدينيِّ التي هيَ إنجابُ الأولادِ وقدْ شدَّدتْ عليها كثيراً الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ.

وقدْ حمتْ شريعةُ موسى النواةَ الزوجيّةَ عبرَ ثلاثِ وصايا، الأولى هيَ الوصيّةُ الخامسةُ التي تؤسّسُ لإكرامِ الأبوينِ (خروج 20: 12) والثانية هيَ الوصيّةُ السابعةُ التي تحمي المؤسَّسةَ الزوجيّةَ عبرَ عدمِ الوقوعِ في الزنى (خروج 20:14)، والثالثةُ هيَ الوصيّةُ العاشرةُ التي تُشدّدُ على عدمِ اشتهاءِ زوجةِ الجارِ أوْ خادمتِه، ممّا يُبْرِزُ أهمّيّةَ مؤسَّسةِ الزواجِ في العهدِ القديمِ وضرورةَ حمايتِها عبرَ صبغةِ إلهيّةٍ.

وأقامَ عزرا ونحميا إصلاحاتٍ في المجتمعِ اليهوديِّ بعدَ العودةِ منَ السَّبْيِ (نحميا 13: 26)، فحرَّما الزواجَ منَ الأجنبيّاتِ أيِ اللواتي هنَّ منْ خارجِ الدينِ اليهوديِّ. ويُسْتَنْتَجُ منْ هذا التحريمِ ضرورةُ المحافظةِ على النسبِ، كتعبيرٍ للأمانةِ إلى اللهِ. ومَنْ ينتهكُ هذهِ الأمانةَ يقعُ تحتَ طائلةِ التوبيخِ، حتّى لوْ كانَ ملكاً كسليمانَ الذي تزوَّجَ منْ نساءٍ أجنبيّاتٍ فوقعَ تحتَ الإثمِ.

وقدْ تعاطتْ كتبُ العهدِ القديمِ معَ الزواجِ كتعبيرٍ عنِ الارتباطِ باللهِ، كسفرِ راعوث وطوبيا، ونشيدِ الأناشيدِ حيثُ الحبُّ أقوى منَ الموتِ (نشيدُ الأناشيدِ 8: 6 - 7). أمّا منْ حيثُ التشريعِ، فقدْ سمحتْ فكرةُ شعبِ اللهِ القائمِ فوقَ أرضٍ محدَّدةٍ للتشريعاتِ الدينيّةِ أنْ تُماهيَ الحياةَ المدنيّةَ. وإنَّنا نجدُ، في نوعِ الزيجاتِ التي عقدَها ملوكُ اليهودِ معَ الأممِ خروجاً على التعاليمِ الدينيّةِ اليهوديّةِ. فالسلطةُ العسكريّةُ التي في يدِ الملوكِ، سمحتْ لهم بالقيامِ بهذهِ التجاوزاتِ رغمَ تحذيراتِ الحركةِ النبويّةِ المتكرّرةِ لهم. ونجدُ في قصّةِ إيليّا النبيِّ مثالاً واضحاً على واقعِ كثرةِ الزيجاتِ المختلطةِ معَ غيرِ اليهودِ، التي أدَّتْ إلى خللٍ في بنيةِ الالتزامِ الدينيِّ التوحيديِّ للدينِ اليهوديِّ، عبرَ إدخالِ الآلهةِ الوثنيّةِ في البيئةِ العائليّةِ اليهوديّةِ.

ثانياً، الزواجُ في العهدِ الجديدِ

كانتِ المساعدةُ ومعاضدةُ إحدى غاياتِ الزواجِ في العهدِ القديمِ. أمّا في العهدِ الجديدِ، فالزواجُ يساعدُ المؤمنَ على بناءِ العائلةِ المسيحيّةِ، وأقلُّه على عدمِ الوقوعِ في خطرِ الزنى (1 كورنثوس 7: 1 - 2) أوِ التحرقِ في الشهوةِ (1 كورنثوس 7: 9).

ولدَ يسوعُ منْ أبوينِ يهوديَّيْنِ بحسبِ الشريعةِ اليهوديّةِ. واختارَ بعضاً منْ تلاميذِه المتزوّجينَ كبطرسَ مثلاً، لكنَّه لمْ يتزوَّجْ هوَ بامرأةٍ خاصّةٍ. وقدْ أقرنَ الفكرُ اللاهوتيُّ يسوعَ بالكنيسةِ "عروساً لهُ"، ممّا يؤكّدُ على بديهيّةِ فكرةِ الزواجِ كصورةٍ طبيعيّةٍ وأساسيّةٍ في حياةِ الإنسانِ. وقدِ استعارَ بولسُ الرسولُ مشهدَ العرسِ في سياقِ حديثِه عنِ العلاقةِ بينَ المسيحِ والكنيسةِ التي هيَ "عروسُه"، وفي كلِّ الأحوالِ لا طلاقَ بينهما، بلْ لحمةٌ وانصهارٌ.

للزواجِ في العهدِ الجديدِ صورٌ ودلالاتٌ عديدةٌ، ولعلَّ إحداها ما وردَ في إنجيلِ متّى 19: 12 حيثُ يتمُّ بالارتباطِ بهِ بالإخلاصِ للعلاقةِ معهُ وحدهُ، "فهناكَ مَنْ خصوا أنفسَهم منْ أجلِ ملكوتِ السماواتِ". وفي إنجيلِ يوحنّا، يفتتحُ يسوعُ أولى آياتِه بعرسِ "قانا"25، ويختمُ يوحنّا إنجيلَه أيضاً بعرسِ الصليبِ. نعم، لقدِ اشتركَ يسوعُ في عرسِ قانا الجليلِ (يوحنّا 2: 11)، ولكنْ منْ دونِ أيِّ تثمينٍ لطقسِ الزواجِ اليهوديِّ بحدِّ ذاتِه المعمولِ بهِ وقتَها، ولمْ يأتِ بكلمةٍ مباشرةٍ حولَه.

وفي موضعٍ آخرَ، ذكرَ العهدُ الجديدُ مشهدَ العرسِ كصورةٍ للفضائلِ معَ العذارى الحكيماتِ (متّى 15: 1 - 13). حيثُ تكلّمَ يسوعُ مباشرةً عنَ الزواجِ كقاعدةٍ طبيعيّةٍ للحياةِ استناداً إلى كتابِ "التكوين" الذي أرسى قاعدةً تقولُ "إنَّ اللهَ خلقَهما منذُ البدءِ ذكراً وأنثى... ويصيرانِ كلاهما جسداً واحداً" (متّى 19: 5) وأنَّ الرباطَ الزوجيَّ لا ينفكُّ إلّا بعلّةِ الزنى، وهذا ما سبقَ ونصَّتْ عليهِ شريعةُ موسى.

أمّا الرسولُ بولسُ فكانَ أكثرَ تفصيلاً لمفهومِ الزواجِ، منْ خلالِ رسائلِه التي عُنِيَتْ بمشاكلِ الكنيسةِ الأولى، وخاصّةً رسائلِه إلى أهلِ أفسسَ وأهلِ كورنثوسَ، ففي رسالتِه إلى أهلِ أفسسَ يعالجُ بولسُ الرسولُ صورةَ الزواجِ كسرٍّ، إذْ يعكسُ علاقةَ المسيحِ بالكنيسةِ بصورةِ العرسِ، ونراهُ في الفصلِ الخامسِ يتطرَّقُ إلى هذهِ المقابلةِ في العلاقةِ المنشودةِ بينَ الكنيسةِ ويسوعَ. كما يعالجُ في رسالتِه إلى أهلِ كورنثوسَ المشاكلَ الحياتيّةَ التي تعترضُهم، ومنْها واقعُ الحياةِ الزوجيّةِ بينَ المسيحيّينَ وغيرِ المسيحيّينَ، فيشيرُ رسولُ الأممِ إلى "أنَّ الزوجَ غيرَ المؤمنِ يتقدَّسُ بامرأتِه، والمرأةَ غيرَ المؤمنةِ تتقدَّسُ بالزوجِ المؤمنِ" (1 كور 7: 1 - 15).

ثمَّ يكملُ بولسُ في رسالتِه رسمَ إطارِ المبادئِ العامّةِ للزواجِ، إنْ منْ حيثُ ضرورةِ تكريسِ مبدأِ الاتّفاقِ بينَ الزوجينِ، وإنْ منْ حيثُ المساواةِ بينهما لناحيةِ السلطةِ على الجسدِ26. وهذهِ السلطةُ معطاةٌ طوعاً للطرفِ الآخرِ27 وستؤسّسُ لِمَا سيُعْرَفُ لاحقاً بأنَّ لكلِّ رجلٍ امرأةً واحدةً28. أمّا ديمومةُ الزواجِ، فيقطعُها الموتُ. ومَنْ كانَ قدْ تزوَّجَ بطرفٍ غيرِ مسيحيٍّ، فليبقَ الزواجُ قائماً ودونَ الحاجةِ إلى إعادةِ إتمامِ مراسمِه، وأمّا الزواجُ الثاني، فيوصي بأنْ يكونَ في الربِّ، بمعنى أنْ يكونَ الزوجُ الثاني معمّداً – مسيحيّاً29. ويؤكّدُ بولسُ، على مبدأِ الارتباطِ وفقَ درجتينِ: الأولى "الخطبة" والثانية "الزواج". ويمكنُ الانفصالُ أثناءَ الخطبةِ عموماً، أمّا الانفصالُ بعدَ الزواجِ لعلّةِ أنَّ الشريكَ الآخرَ غيرُ مسيحيٍّ فهيَ حجّةٌ غيرُ مقبولةٍ، إلّا إذْ كانَ الطرفانِ عندَ إتمامِ الزواجِ "الطبيعيِّ" غيرَ معمّدينِ، ومنْ ثمَّ بعدَ عمادِ أحدِهم، أصرَّ الطرفُ غيرُ المعمّدِ على هجرِ أوْ رفضِ مساكنةِ الطرفِ المعمّدِ بسلامٍ وهذا ما يُعْرَفُ بالإنعامِ البولسيِّ30 في قوانينِ الزواجِ الكاثوليكيّةِ، وعندَها تفسخُ المحكمةُ الزواجَ الأوّلَ وتتيحُ للطرفِ المعمّدِ الزواجَ ثانيةً.

ثالثاً، الزواجُ في لاهوتِ الكنيسةِ

تُعرّفُ مجموعةُ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ الكاثوليكيّةِ31 لعام 1990 الزواجَ في المادّةِ (776)، بأنَّه "عهدٌ" صنعَه اللهُ ونظَّمَ شرائعَه، وجعلَ منهُ المسيحُ "سرَّ" وحدةٍ على صورةِ الوحدةِ بينَه وبينَ الكنيسةِ. ويُعرّفُ البندُ الأوّلُ منَ القانونِ (776) الوثاقَ الزوجيَّ بأنَّه "العهدُ الزوجيُّ الذي ينشئُ بهِ الرجلُ والمرأةُ شركةَ حياةٍ شاملةٍ، ويهدفُ بطبيعتِه إلى خيرِ الزوجينِ، وإنجابِ البنينَ وتربيتِهم. وقدْ رفعَه السيّدُ المسيحُ بينَ المعمّدينِ إلى درجةِ السرِّ".

ففي البداياتِ، انطلقَ الدينُ المسيحيُّ كفرعٍ منَ الديانةِ اليهوديّةِ، وتحوّلَ فيما بعدُ منْ ديانةٍ مضطهدةٍ وأقليّةٍ، إلى ديانةٍ قويّةٍ وأكثريّةٍ، حتّى طبعتِ الديانةُ المسيحيّةُ الإمبراطوريّةَ الرومانيّةَ، وأصبحَ عديدُها يؤلّفُ مجتمعاً يستطيعُ الاكتفاءَ بالزواجِ منْ أعضائِه. واعتمدتِ الكنيسةُ في علاقتِها معَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ، التقسيمَ الإداريَّ، والرموزَ الدينيّةَ التي أُبْقِيَ عليها، وأُضْفِيَ الطابعُ المسيحانيُّ على استدلالاتِها ومعانيها كاستعمالِ خاتمِ الزواجِ في طقسِ الاحتفالِ.

وطالما اتُّخِذَ الاتّحادُ الزوجيُّ صورةً حيّةً عنِ اتّحادِ المسيحِ بالكنيسةِ في العهدِ الجديدِ، وعنِ اتّحادِ اللهِ معَ شعبِه في العهدِ القديمِ. واستعملَ بولسُ علاقةَ يسوعَ بالكنيسةِ صورةً للزواجِ، تُفْهَمُ ضمنَ سياقِ العهدِ أوِ السرِّ. فالزواجُ خيرٌ للبشريّةِ كخيرِ الغذاءِ للجسدِ32. ويكونُ الإنسانُ على صورةِ خالقِه عندما يتّحدُ الرجلُ بالمرأةِ بشركةِ حبٍّ ورابطٍ أبديٍّ. وتأسيسًا على هذهِ المفاهيمِ، قاربَ اللاهوتُ المسيحيُّ33 الزواجَ بمصطلحاتٍ كتابيّةٍ "عهد" أوْ كنسيّةٍ "سرّ" أوْ مدنيّةٍ "عقد".

أ- الزواجُ عهدٌ

إذا أنعمنا النظرَ في الكتابِ المقدَّسِ، نجدُ في عبارةِ "العهد" ذلكَ المفهومَ الذي نبحثُ عنهُ. ويُقْسَمُ الكتابُ المقدَّسُ فعليّاً إلى قسمينِ: عهدٌ قديمٌ وعهدٌ جديدٌ، والعهدُ هوَ تلكَ الصورةُ التي ترمزُ أوّلاً إلى علاقةِ اللهِ معَ شعبِه منذُ آدمَ حتّى إبراهيمَ، وصولاً إلى العهدِ الجديدِ بيسوعَ المسيحِ. وقدِ استعملَ يسوعُ هذا المصطلحَ في العشاءِ التأسيسيِّ وقالَ "اشربوا هذا هوَ دمي للعهدِ الجديدِ". إنَّ عربونَ هذا العهدِ الذي يقدّمُه المسيحُ علامةً لهذا الارتباطِ هوَ دمهُ نفسُه.

ويؤكّدُ مفهومُ العهدِ على عدمِ وجودِ تكافؤٍ بينَ طرفيهِ، فاللهُ يلزمُ نفسَه بفعلِ حبٍّ لامتناهٍ معَ الإنسانِ الذي يخضعُ لهذا الحبِّ طوعاً وتسليماً، فيما تطغى إرادةُ اللهِ وبركتُه في صورةِ العهدِ، حيثُ الخالقُ يمنحُ مجّاناً المخلوقَ امتيازاً لا يستحقُّه. لذلكَ فإنَّ عدمَ التكافؤِ في العهدِ الزوجيِّ، إنّما يناظرُه مفهومُ آخرُ هوَ مفهومُ الحبِّ الذي يعيدُ إلى عدمِ التكافؤِ بينَ التزاماتِ كلٍّ منْ طرفيهِ، توازنهُ. وقدْ تركتْ صورةُ العهدِ بصمتَها في أماكنَ عدّةٍ في الزواجِ المسيحيِّ. ولعلَّ المكانَ الأوّلَ يتمثَّلُ في النظرةِ إلى ديمومةِ رابطِ الزواجِ منْ حيثُ صلاحيّةُ مدَّتِه الزمنيّةِ، إذْ يصبحُ الزواجُ - العهدُ ارتباطاً أبديّاً. فإنَّ معيارَ الزمنِ والأجلِ الطويلِ، إنّما هوَ معيارٌ أساسيٌّ في فكرةِ العهدِ، ومنْ هنا أيضاً أهمّيّةُ استعمالِ مصطلحِ العهدِ للزواجِ منْ حيثُ إنَّه ارتباطٌ أبديٌّ، فلا يصحُّ الزواجُ وفقَ مفهومِ العهدِ إنْ كانَ مؤقّتاً. ويظهرُ مدى تأثيرِ مفهومِ العهدِ على الزواجِ في إطارٍ ثانٍ، إذْ نجدُه في طقسِ الاحتفالِ بالزواجِ عينِه، فطقسُ الاحتفالِ بالعرسِ شبيهٌ ومماثلٌ لطقسِ الاحتفالِ بالعهدِ. وذلكَ منْ بابِ تأكيدِ الترابطِ في ميدانِ الاحتفالِ بالعلاقةِ بينَ العهدِ والزواجِ، وما زلنا إلى اليومِ، نستخدمُ في العرسِ الدلالاتِ الملوكيّةَ لإظهارِ مدى نبلِ فعلِ الزواجِ كاستعمالِ الأكاليلِ وأقواسِ النصرِ، فنستخدمُ دلالاتِ العرسِ كما في حفلِ تنصيبِ الملكِ أوْ عندَ عودتِه منتصراً منَ المعاركِ.

ب- الزواجُ سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ

يقولُ بولسُ الرسولُ في الرسالةِ إلى أفسسَ عنِ الزواجِ "إنَّه سرٌّ عظيمٌ" (أفسس 5: 32). والأسرارُ في الكنيسةِ، هيَ أبوابُ السماءِ التي بها يدخلُ المؤمنُ إلى الملكوتِ34، والسرُّ هوَ ما يُدْرَكُ في شركةِ الإيمانِ، وما يخفى عنْ غيرِ المؤمنِ منْ فهمٍ للرموزِ وللدلالاتِ، بسببِ عدمِ فهمِ ذلكَ الطابعِ الأسراريِّ. الزواجُ هوَ أحدُ الأسرارِ التي حُدّدَتْ حصراً في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ بسبعةٍ35 ابتداءً منَ القرنِ الثاني عشرَ، وأيضاً منْ أسرارِ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ وإنْ بقيتْ منْ دونِ تعدادٍ صريحٍ. أمّا في الكنائسِ الإنجيليّةِ، فالزواجُ ليسَ بسرٍّ.

يُظهرُ السرُّ البعدَ الروحيَّ في كلِّ ما هوَ ملموسٌ. ويمكننا تعريفُ السرِّ الكنسيِّ بأنَّه نافذةٌ إلى الملكوتِ عبرَ طقوسٍ ملموسةٍ ومحسوسةٍ، وأنَّ لها بُعداً داخليّاً أوسعَ وأعمقَ، فتتجلّى المادّةُ وتظهرُ كأداةٍ للتقديسِ. إنَّه "سرٌّ" (أفسس 5: 32)، أيْ إنَّه تعبيرٌ ظاهريٌّ عنْ حقيقةِ حضورِ الروحِ القدسِ الذي يحقّقُ أسرارَ الكنيسةِ، ويعلنُ أنَّ

الزواجَ هوَ أداةُ خلاصٍ 36 للعائلةِ. إنّما يصبو الاتّحادُ الزوجيُّ إلى مكانٍ أبعدَ حيثُ تتعمَّقُ الخبرةُ الروحيّةُ والنظرةُ إلى المسيحِ عبرَ العلاقةِ الزوجيّةِ. ويصبغُ مفهومُ السرِّ على الزواجِ طابعَ القداسةِ فيرفعُه إلى مستوًى أعلى، حيثُ إنَّ المسيحَ هوَ مَنْ يخدمُه، وهوَ مَنْ يوحّدُ طرفيهِ ليصبحا جسداً واحداً. وامتداداً منْ نظرةِ العهدِ، تُسْتَكْمَلُ صورةُ الزواجِ عبرَ النظرةِ الأسراريّةِ، فتجعلُه قائماً منذُ الآنَ في الملكوتِ، ولا يفصلُ الموتُ عندَها طرفيهِ 37.

أمّا الأيقونةُ المثاليّةُ لعلاقةِ الزوجينِ، فتظهرُ عندما يرى كلُّ طرفٍ في الطرفِ الآخرِ تطبيقاً عمليّاً لتلكَ العلاقةِ بينَ المسيحِ والكنيسةِ. فالعريسُ هوَ الحملُ المذبوحُ حبّاً وخدمةً أمامَ عروستِه الشاهدةِ والأمينةِ لهُ. وكلُّ نفسٍ بشريّةٍ مدعوّةٌ لأنْ تصبحَ هذهِ الأيقونةُ. ومنْ هذا المثالِ، نجدُ أنَّ صورةَ الزواجِ باقيةٌ كمثالٍ أعلى في الحياةِ الرهبانيّةِ، حيثُ ما يزالُ الإنسانُ بالرغمِ منْ كلِّ انشغالاتِه، محافظاً على أمانتِه، ولمْ يزنِ في إيمانِه معَ آلهةٍ أخرى، بلْ بقيَ على حبِّه الأوّلِ، وحافظَ على براءةِ ثيابِ معموديّتِه نظيفةً منْ كلِّ نزفِ دمٍ غيرِ شرعيٍّ.

والسرُّ هوَ أكثرُ منْ مثالٍ، إنَّه نقطةُ بدايةٍ نحو مشروعٍ أبعدَ وأسمى. ويمكننا تعريفُ السرِّ على أنَّه تعاطٍ ماديٌّ معَ بُعْدٍ آخرَ يفوقُ المادّةَ، والانتقالُ منَ الصورةِ المرئيّةِ إلى البعدِ الماورائيِّ. ويبقى في حاجةٍ إلى عطيّةٍ منَ الروحِ القدسِ الذي يقدّسُ الأشياءَ، فنستعملُها كأداةٍ. ويقومُ السرُّ إذاً على التعاطي معَ اللهِ والتسليمِ لهُ، وبالتالي أخذُ عقدِ الزواجِ منْ مستوى الارتباطِ بينَ الرجلِ والمرأةِ إلى مستوى الشراكةِ معَ اللهِ، وذلكَ يتطلَّبُ تحضيراً مسبقاً لطالبي الزواجِ، ووعياً واضحاً حولَ هذا المفهومِ. وتقومُ المرحلةُ الأولى منْ إتمامِ السرِّ على الارتباطِ، وبعدَ ذلكَ يتدخَّلُ الطابعُ الإلهيُّ في مرحلةٍ ثانيةٍ، فيوحّدُ العروسينِ بينَ بعضِهما البعضِ، وبينهما كطرفٍ واحدٍ يقابلُه طرفٌ ثانٍ إلهيٌّ. إنَّ غايةَ السرِّ هوَ الوصولُ إلى القداسةِ، وبالتالي، أنْ يصبحَ مشروعُ الزواجِ محطّةً في طريقِ القداسةِ، وهوَ على أهمّيّتِه طبعاً، هدفٌ أبعدُ وأعمقُ منْ الارتباطِ بينَ شخصينِ. وتجعلُ النظرةُ الأسراريّةُ للزواجِ العلاقةَ الأفقيّةَ بينَ الزوجينِ ذاتَ بُعدٍ عاموديٍّ آخرَ معَ اللهِ.

ومنْ أكثرِ الدلالاتِ على تعاطي الكنيسةِ معَ الزواجِ على أنَّه سرٌّ، هيَ الرفضُ المبدئيُّ لحالةِ الإبطالِ أوِ الفسخِ التي تتناقضُ معَ الفكرةِ الأسراريّةِ لدى الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ. وفي حالِ قرَّرَ الزوجانِ العودةَ إلى الحياةِ الزوجيّةِ بعدَ أنْ تمَّ إعلانُ فكِّ الارتباطِ الزوجيِّ، عندَها لا تطلبُ الكنيسةُ منهم إجراءَ عقدٍ جديدٍ، بلْ يكتفي الطرفانِ بالعودةِ إلى الحياةِ الزوجيّةِ بقرارٍ منَ المحكمةِ فقط، دونَ أيِّ إعادةٍ لمراسمَ أوْ لاحتفالٍ كنسيٍّ، وقدْ يُكتفى بصلاةٍ خاصّةٍ 38 عاديّةٍ.

لقدْ تبنَّتِ الكنيسةُ مفهومَ السرِّ للزواجِ باكراً، إلّا أنَّ الكنيسةَ الغربيّةَ لمْ تتبنَّ طقسَ الزواجِ كسرٍّ قائمٍ بذاتِه، إلّا في القرنِ التاسعِ. أمّا في الكنيسةِ الشرقيّةِ، وإنْ ذكرتِ المراجعُ الآبائيّةُ مبكّراً مسألةَ مباركةِ الأسقفِ للزواجِ، إلّا أنَّنا لسنا أمامَ حالةِ الزواجِ كنسيِّ الذي نعرفُه اليومَ. وعلينا أنْ ننتظرَ حتّى القرنِ الثاني عشرَ لنجدَ للزواجِ خدمةً قائمةً بذاتِها، أوْ شكلاً خاصّاً بهِ كما نعرفُه اليومَ.

ج- الزواجُ عقدٌ

يمكنُ إدخالُ الزواجِ ضمنَ تصنيفينِ اثنينِ فهو "عهدٌ وسرٌّ" لجهةِ البعدِ الروحيِّ، و"عقدٌ" لجهةِ البعدِ العلائقيِّ. فالزواجُ عقدٌ منْ حيثُ الشروطِ اللازمةِ لنشوئِه واستمراريّتِه وانحلالِه، أيْ إنَّ الإطارَ الماديَّ المباشرَ للعرسِ هوَ عقدٌ مدنيٌّ، ويتَّضحُ منْ حيثُ عناصرِ العقدِ الثلاثِ (الأهليّةُ- الرضى- الصيغةُ القانونيّةُ) وسنبحثُ هذهِ العناصرَ لاحقاً ضمنَ شروطِ صحّةِ الزواجِ.

النظرةُ إلى الزواجِ كعقدٍ، تجعلُه ينهي أجلَه كانتهاءِ أجلِ أيِّ عقدٍ آخرَ، أيْ بوفاةِ أحدِ الطرفينِ، فيصبحُ الطرفُ الثاني مطلقَ الحالِ ويستطيعُ الزواجَ مرّةً ثانيةً. أمّا النظرةُ الأسراريّةُ، فتجعلُه قائماً في الملكوتِ منذُ الآنَ ومتخطّياً كلَّ موتٍ، وهاتانِ النظرتانِ موجودتانِ في الكنيسةِ. وقدْ ساعدَ القانونُ الطبيعيُّ في تشكيلِ نظرةِ الكنيسةِ إلى العقدِ الزوجيِّ، وسمحتْ تفاصيلُ بنودِ الزواجِ بالتحكّمِ في زيادةِ حمايةِ أطرافِه وخصوصاً المرأةَ والأولادَ الذينَ همُ الحلقةُ الأضعفُ في هذا العقدِ.

د- دورُ رجلِ الدينِ المسيحيِّ في عقدِ الزواجِ

تُشيرُ النظرةُ إلى خادمِ سرِّ الزواجِ في الكنيستينِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ، إلى أنَّه متمّمٌ للطقسِ فقط. وتُعَلّمُ الكنيسةُ أنَّ اللهَ هوَ المشرّعُ، وهوَ واضعُ سرِّ الزواجِ. أيْ إنَّ تلكَ الشركةَ بينَ الزوجينِ قدْ أسَّسَها الخالقُ، وسنَّ قوانينَها، وبالتالي فإنَّ النظرةَ إلى العائلةِ لا تقومُ على مجرَّدِ نظرةِ إنسانيّةٍ، وإنّما تقومُ على اعتبارِ العائلةِ مؤسَّسةً إلهيّةً ثابتةً لا تتغيَّرُ بحكمِ ثباتِ اللهِ المشرّعِ لها. إنَّ هذا الصَّهْرَ والذوبانَ بينَ الزواجِ والإرادةِ الإلهيّةِ لا يلغي العاملَ الاجتماعيَّ والثقافيَّ لدى المجتمعاتِ وطرقَ تعبيرِهم عنِ الارتباطِ.

"رجلُ الدينِ" المعروفُ بالكاهنِ، مصطلحٌ عُرِفَ في البيئةِ اليهوديّةِ، بأنَّه يقدّمُ الذبائحَ عنْ خطايا الشعبِ. أمّا معظمُ الكنائسِ فتستخدمُ عبارةَ "أب" للكاهنِ. ويعودُ ذلكَ إلى أنَّ يسوعَ نادى الجماعةَ التي تبعتْه بالتلاميذِ أوِ الرسلِ، ولمْ يقبلْ أنْ يستعملوا عبارةَ "أب"، ولا أنْ يقتدوا بالفريسيّينَ وخصائلِهم في مناداةِ الناسِ لهم بـ "معلّمي" لأنَّ أباهم واحدٌ في السماءِ. إلّا أنَّ الرسولَ بولسَ كرَّسَ استخدامَ عبارةِ "أب" منْ حيثُ إنَّه ولدَ المؤمنينَ في المسيحيّةِ عبرَ إعطائهم سرَّ المعموديّةِ. أمّا الكنائسُ الإنجيليّةُ فقدْ درجتْ على استخدامِ عبارةِ "قسّيس" لِمَنْ يخدمُ الجماعةَ في صلاتِها ووعظِها.

أخذَ الكاهنُ عدّةَ وظائفَ بحكمِ خدمتِه، فهو معلّمٌ منْ بابِ شرحِه لأحكامِ الطهارةِ، إذْ إنَّ النجاسةَ تدخلُ في بابِ الخطايا التي يتوجَّبُ التكفيرُ عنها، ومنْ بابِ النجاساتِ موضوعُ طمثِ المرأةِ، ولملمسُ الميتِ، وداءُ البرصِ. وهوَ الكاهنُ محاسبٌ ماديّاً منْ بابِ تقبُّلِه لتقدماتِ العشرِ. أمّا بالنسبةِ إلى علاقةِ الكاهنِ بالزواجِ، فقدْ تطوَّرَ دورُ الكاهنِ 39 منْ شخصٍ يُراجعُ للتأكُّدِ منْ شروطِ صحّةِ الزواجِ قبلَ عقدِه، إلى دورِ شاهدٍ على الزواجِ 40، ومنْ ثمَّ في القرونِ اللاحقةِ أخذَ دورَه الحاليَّ كمتمّمٍ لعقدِ الزواجِ 41.

وأصدرَ عنِ الإمبراطورِ الرومانيِّ شارلمان "الفصلُ العامُّ" الذي يقضي بالتأكُّدِ منْ موافقةِ الزواجِ للشرعِ المسيحيِّ، وعدمِ وجودِ مانعٍ للزواجِ كالقربى، فكانَ اللجوءُ المسبقُ إلى الكاهنِ، الذي لمْ يكنْ لهُ دورٌ أساسيٌ في تشكيلِ عمليّةِ الزواجِ رسميّاً، ثمَّ بعدَ ذلكَ، منْ أجلِ محاربةِ الزيجاتِ السرّيّةِ غيرِ الشرعيّةِ، إذْ كانَ لا بدَّ للسلطةِ الرومانيّةِ منْ أنْ تطالبَ بوجودِ كاهنٍ كشاهدٍ على العرسِ، لِيمنحَ صفةَ الديمومةِ للزواجِ، فلا يُعَدُّ مجرَّدَ عقدٍ. وعليهِ، لا تتعدَّى صلاحيّةُ الكاهنِ إطارَ البركةِ الروحيّةِ التي يعطيها الكاهنُ حتّى القرنِ التاسعِ. ولا تعودُ طرقُ حلِّ الزواجِ المدنيّةُ هيَ الساريةُ، وإنّما الطرقُ الكنسيّةُ، بالرغمِ منْ كلِّ المفاعيلِ التي يسبغُها حضورُ الكاهنِ على الزواجِ.

فأصبحَ دورُ رجلِ الدينِ منذُ القرنِ الحادي عشرَ حصريّاً، لا منازعَ لهُ لجهةِ التقريرِ في مسائلِ الهجرِ والطلاقِ منذُ أيّامِ مجمعِ تور 42 عام 1060. وفي أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ 43 أصبحَ الكاهنُ مسؤولاً عنِ التأكُّدِ منْ قانونيّةِ الزواجِ، والتحقُّقِ منْ عدمِ مخالفتِهما للقوانينِ الكنسيّةِ، خصوصاً لجهةِ قربى الدمِ، وهوَ الذي يستقبلُ العروسينِ أمامَ بابِ الكنيسةِ كتعبيرٍ ليتورجيٍّ، حاملينَ المصابيحَ والتقدمةَ منْ خبزٍ وخمرٍ أوْ منْ خمرٍ فقطْ، ويعلنانِ أمامَه رضاهما بالزواجِ. ومعَ الوقتِ درجتْ عادةٌ إسبانيّةٌ بأنْ يقدّمَ العريسُ العربونَ لعروستِه أمامَ المذبحِ 44.

والمفارقةُ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، أنَّ كاهناً أعزبَ يتمّمُ مراسمَ الزواجِ. وتاريخيّاً يعودُ القرارُ إلى البابا غريغوار السابع الذي فرضَ العزوبيّةَ على الكهنةِ في أوائلِ القرنِ الحادي عشرَ، لاشمئزازِه منْ تلويثِ القداسةِ بالعلاقاتِ الجنسيّةِ.

لمْ يكنْ لدورِ الكاهنِ في عمليّةِ عقدِ الزواجِ أهمّيّةٌ تذكرُ، وإنْ كانتِ التشريعاتُ والأنظمةُ التي كانتْ ترعاهُ سابقةً لدورِه بقرونٍ عديدةٍ. ورجلُ الدينِ المخوّلُ بإعطاءِ إذنٍ للزواجِ في المسيحيّةِ، هوَ المطرانُ، المرجعُ الأعلى للكنيسةِ المحليّةِ في الكنيستينِ الكاثوليكيّةِ والأرثوذكسيّةِ.

أمّا الخوري أوِ الكاهنُ، فهو مَنْ ينتدبُه المطرانُ للخدمةِ في رعيّةٍ معيّنةٍ، أو للخدمةِ على مذابحِ الأبرشيّةِ. وعليهِ، ولحُسْنِ سيرِ الطقوسِ، يؤمُّ الجماعةَ أو يرأسُها رجلُ دينٍ لهُ وظيفةٌ إجرائيّةٌ تقومُ على إقامةِ الأسرارِ وخدمتِها.

تفرضُ المادّةُ (828) إقامةَ سرِّ الزواجِ منْ كاهنٍ أو مطرانٍ، وهيَ نفسُ الشروطِ المطلوبةِ لإقامةِ سرِّ الإفخارستيّا، إذْ كانتْ رتبةُ الزواجِ تُقامُ ضمنَ خدمةِ القدَّاسِ الإلهيِّ، شرطَ إتمامِ العقدِ أمامَ المرجعِ الإكليريكيِّ المختصِّ وهوَ أمرٌ لا مفرَّ منهُ، وإلّا عرَّضَ غيابُه الزواجَ لاعتبارِه باطلاً. ويمكنُ الاستغناءُ عنْ حضورِ الكاهنِ والاكتفاءُ بالشهودِ فقطْ دونَ تعريضِ الزواجِ للبطلانِ، الذي يتمُّ فقطْ في حالةِ خطرِ الموتِ والتي ستمتدُّ ظروفُها إلى مدّةِ شهرٍ على الأقلِّ. وفي هذهِ الحالةِ تنصُّ المادّةُ (832 ف 3) إلى سعيِ الزوجينِ في أقربِ فرصةٍ للحصولِ على بركةِ الكاهنِ. وفي عام 1852 م صدرَ الدستورُ الفرنسيُّ، وأصبحَ بالإمكانِ عقدُ الزواجِ أمامَ موظَّفٍ رسميٍّ بدلاً منْ رجلِ الدينِ. ومنذُ ذلكَ الحينِ، انتهى دورُ رجلِ الدينِ "الموظف" في الدولةِ التي تعتمدُ القطعَ ما بينَ الدولةِ والكنيسةِ، واستمرَّ دورُ رجلِ الدينِ "الراعي" للأسرةِ.

رابعاً، الزواجُ بينَ السلطةِ الدينيّةِ المسيحيّةِ والسلطةِ المدنيّةِ

نجدُها في السردِ التاريخيِّ للزواجِ في المسيحيّةِ، علاقةً بينَ الزواجِ كعهدٍ، وسرٍّ، وعقدٍ، كما أنّنا نجدُ الصورةَ العمليّةَ لمختلفِ المراحلِ التي تشكَّلَ عبرَها الزواجُ. أعلنَ يسوعُ أنَّ مملكتَه ليستْ منْ هذا العالمِ، لكنْ بقيَ السؤالُ حولَ كيفيّةِ التلاقي معَ المجتمعِ المحليِّ المتعدّدِ الانتماءاتِ الدينيّةِ. وبقيَ أيضاً السؤالُ حولَ كيفيّةِ الانسجامِ معَ النظامِ الحقوقيِّ والسياسيِّ. فوُصِمَتِ الكنيسةُ بأنَّها تسعى إلى الانقلابِ السياسيِّ، كونَها لا تعترفُ بسلطةِ قيصرَ عليها، وأنَّها تخالفُ القوانينَ الرومانيّةَ، إذْ تدّعي أنَّ يسوعَ هوَ الملكُ الحقيقيُّ وإيّاهُ تعبدُ. وبقيَتِ العلاقةُ بينَ السلطتينِ الدينيّةِ-المسيحيّةِ والزمنيّةِ-السياسيّةِ مدارَ أخذٍ وردٍّ إلى يومِنا هذا.

في المرحلةِ الأولى، خيّمَ التضادُّ بينَ أهدافِ هاتينِ السلطتينِ، وسعى الإمبراطورُ إلى القضاءِ على المسيحيّينَ فعانوا طوالَ ثلاثةِ قرونٍ، إلى أنْ أصدرَ الملكُ قسطنطينُ مرسومَ ميلانو (عام 313 م) فتسامحَ معَ الدينِ المسيحيِّ، واعتبرَه أحدَ الأديانِ الموجودةِ على أرضِ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ، ويتمتَّعُ بالحقوقِ نفسِها كباقي الأديانِ، منْ حيثُ حريّةِ إقامةِ الشعائرِ الدينيّةِ. ولمْ ينتهِ القرنُ الرابعُ، حتّى أصبحَتِ المسيحيّةُ دينَ الإمبراطورِ نفسِهِ، لا بلْ دينَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ أيضاً. فأصبحَ الإمبراطورُ رجلَ دينٍ أيضاً ومدافعاً عنْ سلامةِ العقيدةِ. فلقبتِ الكنيسةُ الإمبراطورَ قسطنطينَ وأمَّه بـ "معادلي الرسلِ". واستمرَّتْ سلطةُ الإمبراطورِ على أنَّها مستمدّةٌ منَ اللهِ، وسعى قسطنطينُ إلى عقدِ المجمعِ المسكونيِّ الأوّلِ، وفرضَ بقوّةِ السلطةِ قراراتِه على جميعِ أنحاءِ الإمبراطوريّةِ، وأصبحَ كلُّ ما في القصرِ مقدَّساً، ولكنْ إلى حينٍ، إذْ أرادَ خليفتُه دعمَ تيّارِ آريوسَ المعاكسِ لتعاليمِ الكنيسةِ المعروفةِ، فشعرتِ الكنيسةُ عندئذٍ بالخطرِ منَ التمادي في إسباغِ صفةِ "المقدَّسِ" على السلطةِ الزمنيّةِ.

وساعدتِ المشاكلُ التي عانتْها الكنيسةُ منَ السلطةِ الزمنيّةِ على توضيحِ مواقفِ كلٍّ منهما بعضِهما منْ بعضٍ، وستتبلورُ معَ الزمنِ هذهِ المواقفُ في قضايا الأحوالِ الشخصيّةِ، معَ محاولاتِ إخضاعِ الأساقفةِ إلى سلطةِ الإمبراطورِ. في حينِ نجحَ أمبروسيوسُ أسقفُ ميلانو في الغربِ، بفرضِ قصاصِ توبةٍ على الإمبراطورِ ثيودوسيوسَ نفسِهِ، مدَّتُها ثمانيةُ أشهرٍ قبلَ عودتِه إلى حياةِ الشركةِ، ما أزالَ صفةَ المقدَّسِ عنِ السلطةِ الزمنيّةِ، التي ظهرتْ بمظهرِ المؤمنِ الذي لا يتمتَّعُ بامتيازاتٍ خاصّةٍ 45.

بدأتِ السلطةُ الدينيّةُ بالتوسّعِ شيئاً فشيئاً، وحظيتِ الكنيسةُ بامتيازاتٍ خاصّةٍ، وخصوصاً وضعَ إمكانيّاتِ الإمبراطوريّةِ بتصرّفِ الكنيسةِ، ولا سيّما في موضوعِ الحربِ على المهرطقينَ أوِ المبتدعينَ. ولكنْ في المقابلِ، بقيَتِ الدولةُ هيَ السلطةُ الأقوى، فعانَتِ الكنيسةُ منْ سطوةِ رجالِ الدولةِ وتدخّلِهم في حياةِ الكنيسةِ، إذْ سعوا إلى إرضاخِ رجالِ الدينِ تحتَ سيطرتِهم، فيستلمُ المطرانُ أسقفيّتَه بعدَ إذنِ الإمبراطورِ، ويُخْلَعُ ويُنْفى منها أيضاً بإذنِ الإمبراطورِ نفسِه.

وكانَ الزواجُ في هذهِ الفترةِ منَ الزمنِ خاضعاً للسلطةِ التنظيميّةِ الأقوى في الساحةِ الاجتماعيّةِ، وهيَ بطبيعةِ الحالِ السلطةُ الزمنيّةُ، حيثُ كانتِ الأولويّةُ للعاداتِ والطقوسِ. لمْ تكنِ الكنيسةُ تشعرُ أنَّ التنظيمَ القانونيَّ والسياسيَّ هوَ منْ مهمّاتِها أوْ أولويّاتِها، إذْ عاشتْ في ذاكَ الوقتِ مرحلةَ ضبطِ أنفاسٍ بعدَ صراعٍ طويلٍ معَ السلطةِ الحاكمةِ، قدَّمتْ خلالَه الكثيرَ منَ العذارى والشهداءِ للعريسِ السماويِّ. وفي المقابلِ، حافظتِ الكنيسةُ في الغربِ على سلطتِها الأخلاقيّةِ في إرشادِ الناسِ، وكانتْ للإمبراطوريّةِ الصفةُ الزمنيّةُ خصوصاً منْ بعدِ سقوطِها بيدِ البربرِ، ما استوجبَ التمييزَ بينَ مدينةِ اللهِ الباقيةِ والمدينةِ الأرضيّةِ الزائلةِ. ولنْ يكونَ الفصلُ القاطعُ بينَ السلطتينِ إلّا في اليومِ الأخيرِ، وهذا ما شدَّدَ عليهِ أُوغسطينُسُ 46.

تعاطى الآباءُ الرسوليّونَ معَ مشاكلِ الزواجِ منْ زوايا ثلاثٍ: الأولى، هيَ قضيّةُ الارتباطِ بينَ المؤمنِ والمهرطقِ، وقدْ أخذَ هذا موضوعُ الحيّزَ الأكبرَ منِ اهتماماتِ المجامعِ الكنسيّةِ. والثانيةُ، هيَ قضيّةُ المفاضلةِ بينَ البتوليّةِ والزواجِ. أمّا الثالثةُ، فهيَ درجةُ القرابةِ بينَ الزوجينِ، ومَنْ يحقُّ لهما الزواجُ أوْ مَنْ يُمنعُ عنهم. ولا يزالُ التخوّفُ منَ الالتفافِ على هذهِ القضايا مُسْتَشْعراً بهِ لدى الكنيسةِ.

أ- قضيّةُ الزواجِ بالمهرطقينَ

لمْ تمانعِ الكنيسةُ في بداياتِها فكرةَ الزواجِ منْ غيرِ المسيحيِّ، إلّا أنّها اتّخذتْ موقفاً أكثرَ تعبيراً عنْ رفضِها للزواجِ معَ طرفٍ ينتمي إلى المهرطقينَ، أوِ المبتدعينَ الذينَ غيّروا أوْ بدَّلوا في متنِ العقيدةِ، وذلكَ حفاظاً على سلامةِ الإيمانِ وعدمِ تشويهِه. وقدْ نصَّ القانونُ اثنان وسبعون منْ مجمعِ ترولو 47Trullo على أنَّه لا يجوزُ لرجلٍ أرثوذكسيٍّ أنْ يتزوَّجَ امرأةً مبتدعةً" أوِ العكسُ أيضاً، وإلّا اعْتُبِرَ زواجهما باطلاً، ويجبُ فسخُه. ومَنْ أصرَّ على الاستمرارِ في الارتباطِ الزوجيِّ بمبتدعٍ، فالقانونُ يأمرُ بقطعِه عنِ الشركةِ الكنسيّةِ. وهذا ما يفسّرُ أنَّ سلطةَ الكنيسةِ في ذلكَ الوقتِ، كانتْ سلطةً معنويّةً، لا تقومُ على إمكانيّةِ الزجرِ أوْ فرضِ الأحكامِ الكنسيّةِ بالقوّةِ، بلْ على التمنّي والإصرارِ منْ بابِ الأبوّةِ الروحيّةِ. وتُكْمِلُ المادّةُ الآنفةُ الذكرِ فتمّيزُ بينَ الحالاتِ المعروضةِ عليها، وتستثني منْ أحكامِها مَنْ تزوّجا قبلَ انضمامِ أحدِ الطرفينِ إلى المسيحيّةِ، إذْ عندَها تدعو الكنيسةُ إلى الاستمرارِ في الزواجِ تحقيقاً لقولِ الرسولِ بولس "أنَّ الرجلَ غيرَ المؤمنِ يتقدَّسُ بالمرأةِ المؤمنةِ" (1 كورنثوس 7: 14). إنَّ قاعدةَ "عدمِ الزواجِ معَ المبتدعينَ" قديمةٌ ومبنيّةٌ على أنَّ المرأةَ في الزواجِ تنتمي إلى عشيرةِ الزوجِ، وبالتالي تصبحُ المرأةُ المبتدعةُ بالزواجِ منتميةً إلى الكنيسةِ الأمِّ، ما قدْ يشوّهُ صورةَ الكنيسةِ، ويعرّضُ تعاليمَها للخطرِ. وبالرغمِ منْ وجودِ القاعدةِ الآنفةِ الذكرِ، يمكنُ أخذُ بناتِ المبتدعينَ كزوجاتٍ، منْ دونَ أنْ يكونَ العكسُ ممكناً، تحتَ شرطِ الوعدِ بأنْ يَصِرْنَ مسيحيّاتٍ بحسبِ القانونِ رقم 31 منْ مجمعِ اللاذقيّةِ 48.

ب- الزواجُ وضرورةُ طقسِ الاحتفالِ

عالجَ الآباءُ القدّيسونَ مشاكلَ ما قبلَ الزواجِ أوْ ما بعدَه، دونَ التطرّقِ إلى موضوعِ الزواجِ كطقسٍ. ويستشهدُ أثيناغوراسُ (القرن الثاني) في دفاعِه عنِ المسيحيّينَ أمامَ الإمبراطورِ مرقس أوريليوس في الفصلِ (33) منهُ، فيذكرُ أنَّ "كلَّ واحدٍ منّا نحنُ المسيحيّونَ يتزوَّجُ بمقتضى قوانينِكم الخاصّةِ".

أمّا في الشرقِ، فيوصي إغناطيوسُ الأنطاكيُّ بعدمِ الزواجِ دونَ إذنِ الأسقفِ. ويشدّدُ على الذينَ يتزوَّجونَ، أنْ يكونَ اتّحادُهم على يدِ الأسقفِ "حتّى يكونَ الزواجُ حسبَ الرغبةِ. ليصيرَ كلُّ شيءٍ إجلالاً للهِ 49".

بالرغمِ منَ التباينِ في الظاهرِ حولَ دورِ الأسقفِ في الزواجِ بينَ الشرقِ والغربِ، إلّا أنَّه كانَ علينا الانتظارُ حتّى القرنِ التاسعِ، لنحصلَ على خدمةٍ خاصّةٍ بالزواجِ مستقلّةٍ عنْ أيّةِ خدمةٍ ليتورجيّةٍ أخرى، وخصوصاً عنْ "القدَّاسِ الإلهيِّ"، الذي كانَ الحُضْنَ الأوّلَ لخدمةِ الزواجِ "البركة"، وحيثُ كانَ ترتليانوسُ يكتفي باشتراكِ الزوجينِ في المناولةِ الإلهيّةِ كعلامةٍ لبركةِ الكنيسةِ للعروسينِ. أمّا يوحنّا الذهبيُّ الفم (القرن الرابع)، فيعتبرُ أنَّ المشاركةَ في القدَّاسِ هوَ الدليلُ على التحوّلِ في النظرةِ الكنسيّةِ إلى الزواجِ منْ علامةٍ للرضى أوْ للمعاشرةِ والإنجابِ، إلى نوعٍ منْ محاربةِ الشهواتِ.

صحيحٌ أنَّ مكانَ انعقادِ سرِّ الزواجِ هوَ الكنيسةُ، وأنَّه كانَ يُقامُ في الأصلِ ضمنَ سرِّ الإفخارستيّا كعلامةٍ للاتّحادِ غيرِ المرئيِّ، ومنْ ثمَّ يُقامُ في الكنيسةِ، ضمنَ وقتٍ وترتيبٍ منفصلينِ عنِ القدَّاسِ الإلهيِّ. لكنَّه معَ تقدّمِ العاداتِ الاجتماعيّةِ، أصبحَ بالإمكانِ إقامتُه خارجَ مبنى الكنيسةِ، معَ المحافظةِ على الخدمةِ في إتمامِ السرِّ، ونشاهدُ اليومَ عادةً أخرى تتمثَّلُ بِمَا يُعْرَفُ بالبركةِ الزوجيّةِ، أيْ أنْ يقومَ الكاهنُ بتلاوةِ بعضِ المقاطعِ على مَنْ تزوَّجَ أصلاً زواجاً مدنيّاً في الخارجِ، ورغبَ منْ ثمَّ في إقامةِ احتفالٍ خاصٍّ لإعلانِ زواجِه دونَ أنْ يُجْرِيَ معاملاتِ الزواجِ الكنسيِّ بكاملِها، فيكتفي ببعضِ صلواتٍ تكونُ ضمنَ برنامجِ الاحتفالِ. إنَّ هذهِ البركةَ أوِ الصلاةَ المقتضبةَ جدّاً، تلبّي في معظمِ الأحيانِ رغبةَ الأهلِ أوِ العروسينِ في إتمامِ ما هوَ أقربُ إلى ضميرِهم الكنسيِّ، الذي يطالبُهم بالبركةِ الإلهيّةِ لبدءِ الحياةِ الزوجيّةِ. لكنَّ هذا المنحى العمليَّ، يثيرُ قلقَ السلطةِ الدينيّةِ والتي تخافُ منْ تبدّلٍ في مفهومِ سرِّ الزواجِ نفسِه نتيجةً لهذهِ الممارساتِ، التي تؤسّسُ بطبيعةِ الحالِ لتقبّلِ فكرةِ الزواجِ الخارجِ عنْ إطارِ الكنيسةِ بالشكلِ وبالفعلِ أيضاً.

لا ترى الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ اليومَ، في الزواجِ معَ غيرِ المسيحيِّ خروجاً على تعاليمِ الكنيسةِ. ولا يُنظرُ أيضاً إلى مَنْ تزوَّجَ مدنيّاً في أوروبا على أنَّه واقعٌ مباشرةً في الزنى. ولكنَّنا نجدُ اليومَ نظرةً متشدّدةً تجاهَ الفتاةِ المسيحيّةِ، التي تقبلُ بكتبِ كتابِها إسلاميّاً دونَ التخلّي عنْ دينِها المسيحيِّ. إذْ تُعِدُّ السلطةُ هذا الفعلَ خروجاً عنِ الدينِ المسيحيِّ، ولا تجوزُ مناولتُها الأسرارَ إلّا بعدَ تصحيحِ وضعِها بالزواجِ في الكنيسةِ، ويمكنُ أنْ يُطلبَ أيضاً منَ الطرفِ غيرِ الكاثوليكيِّ أنْ يوقّعَ على استعدادِه لتقبّلِ سرِّ العمادِ.

ج- قضيّةُ الزواجِ والبتوليّةِ

أوّلُ ما تطالعُنا بهِ قراراتُ المجامعِ، هوَ قرارُ مجمعِ "غنغرة 50" المكانيِّ الذي يؤكّدُ على صوابيّةِ فكرةِ الزواجِ تحقيقاً لدعوةِ الربِّ "انموا وأكثروا" (تكوين 1:28) ويندّدُ بالأفكارِ التي ترى في البتوليّةِ شأناً أرفعَ، والتي تستندُ إلى الآياتِ الكتابيّةِ لدعمِ حجّتِها "مَنْ لا يزوّجها يفعلُ حسناً 51". وينصُّ في القانونِ الأوّلِ على إبسالِ كلِّ مَنْ يطعنُ في الزواجِ، واحتقارِ المرأةِ المؤمنةِ التقيّةِ لأنَّها لا تمارسُ الحياةَ الجنسيّةَ معَ زوجِها، ويزعمُ أنَّها لا تستطيعُ دخولَ الملكوتِ 52. إنَّ هذهِ القوانينَ ظهرتْ في القرنِ الرابعِ عامَ 340 معَ وجودِ قاماتٍ كبيرةٍ في الحياةِ النسكيّةِ، وبداياتِ ظهورِ الرهبنةِ بمفهومِها الحديثِ معَ أنطونيوسَ الكبيرِ وباخوميوسَ.

خامساً، الزواجُ في تاريخِ الكنيسةِ

بدأتِ الكنيسةُ منذُ انطلاقِها معَ الزواجِ بمحاربةِ الخطيئةِ، إذْ لمْ يكنْ عديدُ المنتسبينَ إليها يسمحُ بالتشدّدِ في فرضِ رؤيتِها الخاصّةِ للزواجِ كما نعرفُه اليومَ. كذلكَ لمْ يسمحِ المنصبُ الذي كانتْ تتحلّى بهِ الكنيسةُ منَ التفكيرِ بسنِّ قوانينَ خاصّةٍ تعبّرُ عنْ مفهومِها للزواجِ. ولذلكَ، دأبَ آباءُ الكنيسةِ على التعاطي معَ الزواجِ منَ البابِ الروحيِّ، فرفعَ إكليمنضسُ الإسكندريُّ (القرن الثاني) الزواجَ إلى مرتبةِ المشاركةِ في الخلقِ. وتناولَ الذهبيُّ الفم (القرن الرابع) الزواجَ كسلاحٍ لمحاربةِ الزنى ودواءٍ لمواجهةِ العُهْرِ 53.

أ- الزواجُ الواقعُ منَ القرنِ السادسِ إلى القرنِ التاسعِ

حاربتِ المسيحيّةُ التقاليدَ الوثنيّةَ وما ارتبطَ في حينِه بالزواجِ، واستندتْ إلى تعاليمِ الآباءِ منْ أجلِ تحقيقِ هذا الهدفِ. فوضعَ أُوغسطينُسُ 54 (القرن الخامس) عناصرَ الزواجِ الثلاثةَ، التي ما زالتْ متّبعةً إلى اليومِ وهيَ الإنجابُ والعهدُ والسرُّ. فالإنجابُ يقضي على الشهوةِ، والعهدُ يتطلَّبُ ولاءً كاملاً لزوجٍ واحدٍ، مُقصياً كلَّ فكرةٍ تسمحُ لتشريعِ تعدّدِ الزوجاتِ، أمّا السرُّ فيمثّلُ عمليّةَ تقديسِ الحبِّ ورفعِ شأنِ لهُ.

تعايشتِ الكنيسةُ الأولى معَ القانونِ الرومانيِّ للزواجِ حتّى بعدَ تحوّلِ الديانةِ المسيحيّةِ رسميّاً إلى ديانةِ الإمبراطورِ. فتشكَّلَ الزواجُ منِ التقاءِ المبادئِ المسيحيّةِ بالإطارِ المحدَّدِ في القانونِ الرومانيِّ، والمطبَّقِ بشكلٍ واسعٍ في العالمِ. ولمّا انقسمتِ الإمبراطوريّةُ الرومانيّةُ إلى قسمينِ: سقطَ القسمُ الغربيُّ أوّلاً منْ جرّاءَ هجماتِ البرابرةِ في القرنِ الخامسِ الميلاديِّ، ما تركَ بابا روما يجمعُ في ذاتِه السلطتينِ الروحيّةَ والزمنيّةَ 55. فتحوَّلَ البابا منْ رجلِ دينٍ إلى رجلِ دولةٍ، بعدَ أنْ كنّا شهدنا تحوّلَ الإمبراطورِ قسطنطينَ منْ إمبراطورٍ إلى رجلِ دينٍ 56. واستمرَّ الوضعُ على حالِه إلى القرنِ الثالثِ عشرَ، لتعودَ السلطتانِ الزمنيّةُ والروحيّةُ إلى الانفصالِ مجدَّداً ويسيرَ المجتمعُ نحو العلمانيّةِ الكاملةِ.

وحاولَ بابا روما جذبَ البرابرةِ الذينَ أصبحوا أباطرةً إلى اعتناقِ الدينِ المسيحيِّ، وسمحَ بواقعِ الحالِ بإدخالِ الشرائعِ المسيحيّةِ ضمنَ القوانينِ الوضعيّةِ، فكانَ التلاقحُ القانونيُّ بينَ المسيحيّةِ والقوانينِ الرومانيّةِ والأعرافِ 57.

فتبنَّتِ المسيحيّةُ عدّةَ ممارساتٍ كانَ القانونُ الرومانيُّ شرَّعها، ومنها مثلاً:
- حظرُ زواجِ الأقاربِ، الذي كانَ مقبولاً في الزواجِ اليهوديِّ، كأنْ يتزوَّجَ أخٌ زوجةَ أخيهِ المتوفّى مثلاً، ولكنَّ القانونَ الرومانيَّ كانَ يعتبرُها بمثابةِ أحدِ أفرادِ العائلةِ، وبالتالي لا يجوزُ تزويجُها بتاتاً منْ أخِ زوجِها.
- موافقةُ ربِّ العائلةِ والاحتفالُ العلنيُّ بالزواجِ معَ تقديمِ الخاتمِ كعربونِ ارتباطٍ، وعدمُ انحلالِ عقدِ الزواجِ.

وركَّزتِ الكنيسةُ كثيراً على قدسيّةِ الزواجِ ووحدتِه "يتركُ الرجلُ أباهُ وأمَّه ويتَّحدُ بامرأتِه فيصيرانِ كلاهما جسداً واحداً". وانطلاقاً منْ هذهِ الوحدةِ حاربتِ الكنيسةُ فكرةَ الطلاقِ وقيَّدَتْها بشروطٍ عدّةٍ وحصريّةٍ خوفاً منِ انحلالِ هذا الاتّحادِ. ويذكرُ الكاتبُ يوحنّا مايندورف أنَّ التشريعاتِ الرومانيّةَ، سمحتْ للكنيسةِ في القرنِ السادسِ، بكتابةِ عقدِ زواجٍ منْ دونَ أنْ يكونَ فرضاً موجباً قانونيّاً أوْ إلزاميّاً 58.

وكانَ علينا الانتظارُ إلى القرنِ السادسِ، للوقوفِ على أوّلِ مجموعةٍ قانونيّةٍ تُعْتَبَرُ مَصْدراً للتشريعِ الكنسيِّ معَ البطريركِ يوحنّا الأنطاكيِّ. وقدْ أتتْ هذهِ المجموعةُ القانونيّةُ محاولةً لتحويلِ الشرعِ المدنيِّ الرومانيِّ إلى الشرعِ الكنسيِّ. كما أصدرَ لاون الثالث في سنةِ 740 م كتابَ "إكلوغه" وهوَ كتابُ شرعٍ مسيحيٍّ، دامَ استعمالُ تشريعاتِه قرناً ونيّفاً، ومنْ ثمَّ أعيدَ استعمالُ مجموعةِ شرعِ يوستنيانوس الرومانيِّ 59.

ب- الزواجُ منَ القرنِ العاشرِ إلى السادسِ عشرَ

الشكلُ الحاليُّ للزواجِ، كما نعرفُه اليومَ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، هوَ نتيجةٌ مباشرةٌ للإصلاحِ الغريغوريِّ 60، لذلكَ، فمرحلةُ العصرِ الوسيطِ مرحلةٌ مفصليّةٌ في مسيرةِ الزواجِ، وتطوّرِ نظريّتِه، وخصوصاً لجهةِ التشدّدِ في التعبيرِ عنِ الرضى الشخصيِّ لطرفي الزواجِ.

بدأَ الإصلاحُ الغريغوريُّ معَ البابا غريغوريوس السابع في أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ، وطاولَ بإصلاحاتِه سلطةَ البابا المركزيّةَ على جميعِ الأساقفةِ.

وما سمحَ للكنيسةِ بفرضِ تشريعاتِها الخاصّةِ، التي استقتْها منَ التشريعِ الرومانيِّ أوِ الجرمانيِّ، هوَ تحكّمُها بشرعيّةِ الزواجِ. فاستطاعتْ عبرَ هذهِ التشريعاتِ، فرضَ سلطتِها وسلطةِ رجالِ الدينِ خصوصاً على جميعِ أتباعِها، الذينَ كانوا يؤلّفون في حينِه معظمَ المجتمعِ الأوروبيِّ عامّةً. وكانتْ تعاقبُ مَنْ يُخالفُ الشروطَ التي تشرّعُ الزواجَ، بعقوبةِ "الحرمانِ منَ الشركةِ الكنسيّةِ 61"، التي كانتْ تؤدّي إلى نزعِ كلِّ شرعيّةٍ أوْ امتيازاتٍ خاصّةٍ عنْ أيِّ إنسانٍ يقعُ تحتَ حكمِها، ولا يستطيعُ أيُّ منصبٍ أوْ مركزٍ أنْ يكونَ بحصانةِ منها، سواءٌ أكانتْ امتيازاتُه متأتّيةً نتيجةً لمنصبِه، أمْ للطبقةِ الاجتماعيّةِ التي كانَ ينتمي لها، حتّى لوْ كانَ رئيسَ السلطةِ المدنيّةِ أيِ الملكَ.

لمْ تشرّعِ الكنيسةُ نماذجَ مختلفةً للزواجِ بحسبِ الحالاتِ الاجتماعيّةِ أوِ المستجدّاتِ كالحروبِ. وإنّما بَقِيَتْ مخلصةً لنموذجٍ واحدٍ، هوَ رباطُ المسيحِ معَ الكنيسةِ، وهذا ما دفعَ بها إلى التشدّدِ في ضرورةِ الإبقاءِ على وحدةِ الأسرةِ، حتّى لوْ كانَ الزوجُ منخرطاً في حروبِ الإفرنجِ مثلاً، فلا يحقُّ لهُ الزواجُ منْ أخرى، ويُفضَّلُ ما عدا حالةَ زنى زوجتِه في البلدِ الأمِّ، أنْ يظهرَ لها المحبّةَ الإنجيليّةَ، ويغفرَ لها صوناً لوحدةِ العائلةِ 62.

في المجمعِ المسكونيِّ الثالث عشرَ عامَ 1245 م، المعروفِ بمجمعِ ليون الأوّلِ 63 للكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، وفي المادّةِ 16 منهُ، نجدُ التأكيدَ على إمكانيّةِ الزواجِ لِمَنْ ماتَ رجلُها، غيرَ أنَّه ليسَ للكهنةِ أنْ يباركوا مَنْ يتزوَّجونَ مرّةً ثانيةً. وبالتالي، وبالرغمِ منْ أنَّ الصيغةَ النهائيّةَ للزواجِ، كما نعرفُها اليومَ تشكَّلَتْ في هذهِ المرحلةِ، إلّا أنّنا أمامَ اعترافِ الكنيسةِ بإمكانيّةِ الزواجِ دونَ ضرورةِ وجودِ بركةِ كاهنٍ، أيْ بدونِ خدمةِ العرسِ برمّتِها، وهذا ما يؤكّدُ أنَّ للزواجِ بُعداً أنثروبولوجيّاً قبلَ أنْ يكونَ لهُ بُعدٌ أسراريٌ.

أمّا في مجمعِ التريدنتيني 64 عامَ 1563، وضمنَ "قوانين في شأنِ سرِّ الزواجِ المعروفِ بتامستي" وتحتَ طائلةِ الحرمانِ، نجدُ النصَّ على أنَّ الزواجَ هوَ سرٌّ منْ أسرارِ الكنيسةِ، وقاعدةَ منعِ تعدّدِ الزوجاتِ، وتحديدَ القرابةِ المانعةِ للزواجِ منْ دمويّةٍ، أوْ مصاهرةٍ، بسبعِ درجاتٍ، وعدمَ انحلالِ عقدِ الزواجِ لعلّةِ استجدَّتْ بعدَ الزواجِ كسببِ حياةِ مشتركةٍ لا تُطاقُ، كما نجدُ أنَّ جميعَ القضايا الزوجيّةِ هيَ منْ صلاحيّةِ القضاةِ الكنسيّينَ، وضرورةَ الإعلانِ ثلاثَ مرّاتٍ عنْ نيّةِ الزواجِ علانيةً في الكنيسةِ، مبطلةً بذلكَ ما كانَ يُعْرَفُ بالزواجِ في السرِّ، وأيضاً ضرورةَ إعلانِ رضى كلٍّ منَ الزوجِ والزوجةِ علانيةً برغبتِهما في الزواجِ، ونجدُ أخيراً منعَ عقدِ أيِّ زواجٍ منْ دونَ حضورِ الخوري وأمامَ شاهدينِ أوْ ثلاثةٍ، وإلّا عُدَّ باطلاً حُكماً.

ويمكنُ تلخيصُ تلكَ الفترةِ بأنَّ البابا على رأسِ الكنيسةِ كاثوليكيّةِ يصلّي، بينما الإمبراطورُ يأخذُ على عاتقِه الاهتمامَ بجميعِ الأمورِ التي تخرجُ عنْ نطاقِ الصلاةِ، وهيَ عديدةٌ طبعاً، وأبرزُها قيودُ الزواجِ ومفاعيلُه.

ج- الزواجُ ما بعدَ القرنِ السابعِ عشرَ

أصدرَ لويس الرابع عشر مرسومَ إلغاءِ اتفاقيّةِ التسامحِ الدينيِّ الموقَّعةِ منْ والدِهِ هنري الرابع، في نانت Nantes بتاريخ 18 تشرين الثاني 1685 بحيثُ أصبحَتْ فرنسا تدينُ فقطْ بالكاثوليكيّةِ، ولا يُسْمَحُ داخلَها بغيرِ قوانينِ تلكَ الكنيسةِ. وهذا ما دفعَ بالبروتستانتِ إلى الهجرةِ خارجَ فرنسا، أمّا مَنْ بقيَ فقدْ أُجْبِرَ على اعتمادِ شكلِ المساكنةِ بحكمِ عدمِ تمكّنِهم منْ تسجيلِ زواجِهم قانوناً، لعدمِ انطباقِ قوانينِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ على أوضاعِهم، وأشيرُ هنا إلى أنَّ المساكنةَ كانتْ تُعْتَبَرُ حالةً منَ الخطيئةِ. وبناءً على ذلكَ، أصدرَ الملكُ لويس السادس عشرَ عامَ 1787 قرارَ السماحِ للبروتستانتِ بالزواجِ المدنيِّ، منْ أجلِ حمايةِ أولئكَ الذينَ لا يتمتَّعون بحقِّ الزواجِ. وقدْ شكَّلَ هذا الأمرُ الضربةَ الأولى لاحتكارِ المؤسَّسةِ الدينيّةِ الكاثوليكيّةِ لعقدِ الزواجِ في فرنسا، ومنْ ثمَّ لاحقاً في بقيّةِ العالمِ التي اعتمدتِ الزواجَ المدنيَّ، وخصوصاً الإلزاميَّ منهُ.

معَ تأسيسِ الجمهوريّةِ الأولى الفرنسيّةِ والدستورِ الفرنسيِّ الصادرِ في 3 أيلول 1791 أصبحَ الطريقُ واسعاً أمامَ الزواجِ المدنيِّ 65 الذي أقرَّ في تاريخِ 20 أيلول 1792 مبدأَ الطلاقِ الذي قَبِلَتْه الكنائسُ البروتستانتيّةُ، ورفضَتْه الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ لكونِه يناقضُ مبدأَ ديمومةِ السرِّ. ومنذُ ذاكَ التاريخِ بدأتْ حقبةُ تحريرِ المرأةِ، وفكِّ الارتباطِ الزوجيِّ أمامَ الكثيرِ منَ الزيجاتِ المتعثّرةِ. واسْتُعْمِلَ فيما بعدُ النموذجُ الفرنسيُّ في الكثيرِ منْ قوانينِ الدولِ الأوروبيّةِ كإيطاليا (1866) وسويسرا (1874) وألمانيا (1874) وبلجيكا (1830) وهذا ما سمحَ بمزيدٍ منِ انتشارِ عولمةِ الزواجِ. ويُعْتَبَرُ قانونُ 1905 الفرنسيُّ عادةً المحطّةَ المفصليّةَ على الصعيدِ السياسيِّ للفصلِ النهائيِّ بينَ الدينِ والدولةِ، بعدَ أنْ تمَّ الاعترافُ بالبروتستانتيّةِ عامَ 1802 وباليهوديّةِ عامَ 1808. لمْ ينصَّ قانونُ 1905 في وقتِها على عبارةِ العلمانيّةِ حرفيّاً، إلّا أنَّ هذا القانونَ تحديداً يُعْتَبَرُ البداياتِ للعلمانيّةِ عالميّاً.

د- المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني: الدستورُ الرعويُّ "الكنيسةُ في عالمِ اليومِ"

اعتُبِرَ المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني محطّةً مفصليّةً في الكثيرِ منَ الأمورِ والقضايا التي تواجهُها الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ. ومنذُ عامِ 1962 وإلى اليومِ، لا يزالُ هذا المجمعُ مرجعاً متوثّباً. فالكنيسةُ الكاثوليكيّةُ ما بعدَه ليستْ هيَ نفسَها كما كانتْ قبلَه. لقدْ جاءَ الدستورُ الرعائيُّ "الكنيسةُ في عالمِ اليومِ" ليواكبَ تجديداتِ الكنيسةِ معَ المتغيّراتِ الطبيّةِ والأخلاقيّةِ، ويخلقَ مساحةً منَ الحوارِ بينَ الشؤونِ الكنسيّةِ والشؤونِ الأرضيّةِ خصوصاً في موضوعِ الأسرةِ. إذْ قدْ أدخلَ الدستورُ الرعويُّ على مفهومِ الزواجِ المسيحيِّ الكثيرَ منَ النظريّاتِ التي كانتْ تُطْرَحُ في الأوساطِ الكنسيّةِ والعلميّةِ. ومنْ بينِ هذهِ النظريّاتِ الاعترافُ بالأوضاعِ السيكواجتماعيّةِ 66 وتأثيرُها على مؤسَّسةِ الزواجِ. وتُعْتَبَرُ مواكبةُ الكنيسةِ في تدبيرِ شؤونِ أبنائِها في ما توصَّلتْ إليهِ العلومُ الإنسانيّةُ، مفتاحاً أساسيّاً، ينزعُ عنِ الزواجِ الهالةَ التقديسيّةَ التي لا تسمحُ بأيِّ تبديلٍ أوْ تغييرٍ، ويُضفي في الوقتِ نفسِه الثباتَ على جوهرِ الزواجِ، رغمَ تبدّلِ الأوضاعِ والتقاليدِ.

سادساً، الزواجُ في الشرعِ الكنسيِّ

أفضتِ المبادئُ المسيحيّةُ في العصرِ الحديثِ، إلى ظهورِ منظومةِ الحقوقِ العامّةِ كمصدرٍ أساسيٍ لها. ثمَّ عادتِ القوانينُ الكنسيّةُ واستفادتْ منْ إرساءِ القواعدِ العامّةِ لحقِّ الزواجِ في شرعةِ حقوقِ الإنسانِ، لتعودَ الكنيسةُ وتؤكّدَ عليها داخليّاً في نصوصِ قوانينِها الملزمةِ للمعمّدِ المنتمي إليها، والتي وفقَ السلطةِ الأخلاقيّةِ يمتدُّ أثرُها ليطالَ شريحةً أوسعَ للعديدِ منَ الأبناءِ الروحيّينَ الذينَ ينتمونَ إليها. ومنْ هذهِ الحقوقِ، الحقُّ في الزواجِ: إذْ نصَّتْ مجموعةٌ منْ قوانينِ الكنائسِ الشرقيّةِ في المادّةِ (778) على ما يلي: "بوسعِ الجميعِ أنْ يتزوَّجوا ما لمْ يمنعْهم الشرعُ"، وأيضاً "يُقرُّ الشرعُ بمبدأِ التساوي بينَ الزوجينِ في الحقوقِ والواجباتِ، فيما يخصُّ شركةَ الحياةِ الزوجيّةِ" في المادّةِ (777).

الشرعُ الكنسيُّ 67 هوَ ما وضعتْه السلطةُ الكنسيّةُ منْ شرائعَ وأنظمةٍ تحدّدُ واجباتِ وحقوقَ أعضاءِ الكنيسةِ وعلاقاتِهم المتبادلةَ. ويُقْسَمُ الشرعُ الكنسيُّ منْ حيثُ البعدُ العلائقيُّ إلى شريعةٍ داخليّةٍ، تتعلَّقُ بالعلاقةِ الإيمانيّةِ بينَ اللهِ والمؤمنِ، وشريعةٍ خارجيّةٍ تتعلَّقُ بعلاقةِ أعضاءِ الكنيسةِ بعضِهم ببعضٍ. والالشرعُ الكنسيُّ الأدبيُّ، هوَ شريعةٌ إلهيّةٌ تستمدُّ أحكامَها منْ يسوعَ مباشرةً، وتتعلَّقُ فقراتُه بالعقيدةِ المسيحيّةِ، ولا تتعدَّلُ إلّا وفقَ آليّاتٍ معقّدةٍ، وتتميَّزُ بديمومةِ أحكامِها، ويندرجُ منهُ نظامُ إدارةِ الكنيسةِ، وفيهِ نجدُ قانونَ الأحوالِ الشخصيّةِ. أمّا الشرعُ الكنسيُّ القانونيُّ، فهو الشريعةُ الدينيّةُ المستمدّةُ مبدأها منَ الرسلِ، كما منَ التلاقحِ معَ الحضاراتِ والمجتمعاتِ المختلفةِ. ويمكنُ تعديلُه وفقَ آليّاتٍ سهلةٍ، وتخدمُ بشكلٍ لصيقٍ المستجدّاتِ منْ قضايا الناسِ المتغيّرةِ وفقَ الزمانِ أيضاً.

أ- شروطُ صحّةِ الزواجِ الكنسيِّ

الزواجُ منَ النواميسِ الطبيعيّةِ للحياةِ، وعليهِ يمكننا تبويبُه ضمنَ مجالِ القانونِ الطبيعيِّ. إلّا أنَّ الكنيسةَ تتعاطى معَه منْ حيثُ العلاقةِ بينَ الأعضاءِ، كفرعٍ منْ شريعةِ دينيّةٍ. وقدْ وجدتْ ما يستوجبُ التعاطي معَ الزواجِ باهتمامٍ كبيرٍ، وخصوصاً لِمَا لهُ منْ تأثيرٍ على العقيدةِ كحالةِ الارتباطِ معَ مهرطقٍ أوْ مبتدعٍ. وقدْ رفعتِ الكنيسةُ سرَّ الزواجِ إلى مرتبةِ الشريعةِ إلهيّةِ حيثُ إنَّ اللهَ واضعُه، وحرَّمَتِ الزواجَ محرَّمٌ بطبيعةِ الحالِ حفظاً وصوناً لعقيدةِ الكنيسةِ67.

إنَّ قواعدَ الزواجِ ثابتةٌ لا تتحوَّلُ إلى نسبيّةِ ما، ولا تتلوَّنُ بحسبِ الأهواءِ وإنّما تبقى ثابتةً لا تتغيَّرُ، وعلى الأعضاءِ الالتزامُ بها كليّاً خوفاً منَ الانقساماتِ والانشقاقاتِ. وقدْ نصَّ قانونُ الكنائسِ الشرقيّةِ على أنَّ يسوعَ هوَ مشرّعُ الزواجِ68، بالرغمِ منْ أنَّ الزواجَ كانَ معروفاً قبلَه وممارساً. ويعودُ هذا الارتباطُ التشريعيُّ في جذورِه إلى اعتبارِ الزواجِ ليسَ ارتباطاً اجتماعيّاً فحسبْ، وإنّما هوَ صورةٌ لارتباطٍ روحيٍ.

نلاحظُ أنَّ القدرةَ على التنفيذِ، هيَ منْ متطلّباتِ التشريعِ. ومعَ بدايةِ نشوءِ المسيحيّةِ، لمْ نجدْ إلّا التشريعاتِ العامّةَ المتعلّقةِ بالعقيدةِ وبالخطوطِ العريضةِ لنظامِ الإدارةِ. ولكنْ معَ تطوّرِ الحياةِ وسرعةِ انتشارِ المسيحيّةِ، خاصّةً معَ دخولِها إلى قصرِ الإمبراطورِ، معَ ما يعنيهِ هذا الأمرُ منْ سلطةٍ تنفيذيّةٍ، أصبحنا نجدُ شيئاً فشيئاً اتّساعَ رقعةِ القوانينِ والميادينِ التنفيذيّةِ التي تطالُها.

وبدأتْ عمليّةُ التحوّلِ في نظرةِ الكنيسةِ إلى رتبةِ الزواجِ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ معَ الإمبراطورِ البيزنطيِّ لاون السادس الحكيم (912) عبرَ المرسومِ (98) الذي فرضَ مباركةَ الكنيسةِ كخطوةٍ أولى لاعتبارِ الزواجِ شرعيّاً، دونَ المرورِ بدائرةِ سجلِّ الزواجِ الرومانيِّ. ومنْ أسبابِ تلكَ الخطوةِ التي شكَّلَتْ منعطفاً تاريخيّاً، نجدُ الموازاةَ بينَ موضوعي الزواجِ والتبنّي، واقتصارَ هذا الإجراءِ على فئةِ الأحرارِ في الإمبراطوريّةِ دونَ العبيدِ. الارتباطُ الوثيقُ المعبّرُ عنهُ في هذا المرسومِ بينَ السلطتينِ المدنيّةِ والدينيّةِ، هوَ منَ العواملِ المسهّلةِ الأساسيّةِ. وكانَ على العبيدِ الانتظارُ إلى ما يقاربُ المائةَ عامٍ ليحصلوا معَ الإمبراطورِ ألكسيوس الأوّل (1081-1118) على حقِّ عقدِ الزواجِ كنسيِّ.

وقدْ تضرَّرَتْ ثلاثُ فئاتٍ منْ هذا الدمجِ المستجدِّ بالمرسومِ (89)، فكانتْ فئةٌ تلجأُ إلى عقدِ زواجٍ ثالثٍ أو رابعٍ، وفئةٌ إلى الزواجِ المختلطِ، وفئةُ الأقاربِ منَ الدرجاتِ المقبولةِ مدنيّاً. وكانَ عملُ هذهِ الفئاتِ مقبولاً مدنيّاً ومرفوضاً كنسيّاً. والعقابُ المفروضُ كنسيّاً تجلّى بمنعِ المناولةِ المقدَّسةِ عنها لفترةٍ منَ الزمنِ، ومنْ غرائبِ التاريخِ، أنْ يضطرَّ الإمبراطورُ لاون نفسُه إلى اللجوءِ إلى الكنيسةِ بغيةَ عقدِ زواجٍ رابعٍ لهُ، الأمرُ الذي أحرجَ الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ وأدخلَها في بابِ المساوماتِ. بالإضافةِ إلى مسألةِ الزواجِ المختلطِ وإعطاءِ المناولةِ الإلهيّةِ لغيرِ المعمّدِ.

أمّا الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ فقدِ استلمتْ ملفَّ عقدِ الزيجاتِ، وبدلاً منْ أنْ تفرضَ نظرتَها للزواجِ، وجدتْ نفسَها مضطرّةً، إلى الأخذِ بعينِ الاعتبارِ مختلفَ المركّباتِ الاجتماعيّةِ عبرَ إعطائِها حقَّ عقدِ الزيجاتِ الحصريِّ. وبالتالي، فإنَّ مبدأَ فصلِ خدمةِ الزواجِ عنْ سرِّ الشكرِ أصبحَ حاجةً ملحّةً. ونلاحظُ أنَّ الكنيسةَ أبقتْ على مبدأِ تناولِ القرابينِ لِمَنْ هوَ مستوفٍ شروطَ الانتماءِ إلى الكنيسةِ، أمّا الغيرُ المستوفي لشروطِ الكنيسةِ القانونيّةِ69، فكانَ يتناولُ خمراً مباركاً فقطْ.

ألقى المرسومُ (89) عبئاً على كاهلِ الكنيسةِ، إذْ كانَ عليها أنْ تستوفيَ الشروطَ المدنيّةَ والكنسيّةَ، وأنْ تشرّعَ نصوصاً خاصّةً، تعمّمُها على جميعِ الكنائسِ داخلَ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ. وأدخلَ منحُ الكنيسةِ سلطةَ عقدِ الزيجاتِ في ميدانِ معالجةِ المشاكلِ المتأتّيةِ عنهُ، وخاصّةً حالاتِ الطلاقِ أوْ إبطالِ وفسخِ الزواجِ.

ب- موانعُ الزواجِ في المسيحيّةِ

المانعُ هوَ ظرفٌ موضوعيٌ يمنعُ أوْ يعرقلُ عمليّةَ الزواجِ. ويكونُ بحسبِ المصدرِ الذي ينبثقُ عنهُ إمّا نتيجةً لشرعٍ إلهيٍّ، غيرِ قابلٍ للتفسيحِ، كالقربةِ منَ الدرجةِ الثانيةِ مثلاً. وإمّا نتيجةَ ظرفٍ إنسانيٍّ كسنِّ الزوجينِ الذي لا يصلُ إلى السنِّ المسموحِ بهِ قانوناً للزواجِ.

أمّا موانعُ الزواجِ، فهيَ نوعانِ: جوهريٌ وشكليٌ. المانعُ الأوّلُ إذاً جوهريٌ ويطالُ السنَّ، القرابةَ، الأهليّةَ، الشرعيّةَ، الرضى، اختلافَ الدينِ، عدمَ وجودِ زواجٍ سابقٍ، عدمَ ارتباطِ الزوجِ بالدرجةِ المقدَّسةِ، وانتهاءَ العدّةِ للمرأةِ. أمّا المانعُ الثاني، فشكليٌ يتعلَّقُ بإجراءاتِ معاملاتِ الزواجِ، ويُقْسَمُ بحسبِ مراحلِ الإعدادِ لهذهِ المعاملاتِ على الشكلِ التالي: مانعُ المناداةِ، مانعُ النقصِ في الأوراقِ الثبوتيّةِ، ومانعُ النقصِ في صيغةِ الزواجِ.

ويمكنُ التمييزُ بينَ موانعِ الزواجِ بحسبِ العقوبةِ المتأتّيةِ عنْ هذا المنعِ. وأمّا الموانعُ70 فهيَ قسمانِ: مانعٌ تحتَ طائلةِ البطلانِ، ومانعُ تحتَ طائلةِ العقوبةِ.

ومنَ الموانعِ المطلقةِ، كونُ أحدِ الطرفينِ متزوّجاً قبلاً، ولمْ ينحلَّ زواجُه سابقٌ بتاريخِ عقدِ الزواجِ الثاني، أوْ كونُ أحدِ طرفيِ الزواجِ غيرَ مسيحيٍّ (قانونٌ أرثوذكسيٌّ71)، أوْ إذا كانتْ درجةُ القرابةِ لصيقةً بينَ العروسينِ، أوْ إذا لمْ تكنْ هناكَ موافقةُ الوليِّ لِمَنْ همْ تحتَ السنِّ القانونيِّ. ومنَ الموانعِ النسبيّةِ المؤدّيةِ إلى عقوبةِ مؤقَّتةٍ، بعضُ أنواعِ القرابةِ الدمويّةِ، أوِ المصاهرةِ، أوِ القرابةِ الروحيّةِ. ومنَ الموانعِ التي دخلتْ حديثاً مجالَ صحّةِ الزواجِ، هوَ المانعُ النفسيُّ الذي يُعْتَبَرُ منَ الموانعِ العلميّةِ التي تُثبتُ بتقريرِ خبيرٍ مختصٍّ. ويمكنُ استعراضُ هذهِ الموانعِ بالتفصيلِ لتبيانِ أيٍّ منها يعودُ إلى سببٍ دينيٍّ، وأيُّ يعودُ إلى سببٍ مدنيٍّ اجتماعيٍّ:

مانعُ السنِّ

إنَّ تقييدَ الحقِّ الطبيعيِّ للزواجِ بعمرٍ معيَّنٍ هوَ منْ بابِ خلقِ التوازنِ بينَ الحقوقِ الطبيعيّةِ التي لا يجبُ تقييدُها، وبينَ بلوغِ درجةٍ منَ النضوجِ الجسميِّ والجسديِّ يؤهّلُ الزوجينِ منْ ممارسةِ حقّهما بسلامةٍ ونجاحٍ.

ويعودُ مانعُ السنِّ لناحيةِ العمرِ إلى التشريعِ الرومانيِّ، الذي كانَ يمنعُ الزواجِ لِمَنْ همْ دونَ مرحلةِ البلوغِ أوِ الأهليّةِ للقيامِ بأعباءِ الزواجِ، أيْ دونَ الثانية عشرة للمرأةِ والرابعة عشرة للرجلِ. وإنّما يعودُ التمييزُ بينَ الذكرِ والأنثى، إلى القدرةِ على الإنجابِ منْ جهةِ المرأةِ خصوصاً، وعلى مدى قدرةِ تحمّلِه للمسؤوليّاتِ، وسدِّ الأعباءِ الحياتيّةِ والماليّةِ، وتحمّلِ مسؤوليّاتِ الأولادِ وتربيتِهم منْ جهةِ الرجلِ. ولهذا نلاحظُ الفرقَ بينَ سنِّ المرأةِ الذي هوَ عادةً أصغرُ، وسنِّ الرجلِ. ويؤمنُ القانونُ إجمالاً بالمساواةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، ويحدّدُ سنَّ الثامنة عشرة كسنِّ بلوغِ الأهليّةِ القانونيّةِ. وقدْ حدَّدَتِ الطوائفُ المسيحيّةُ سنَّ عقدِ الزواجِ، الذي يُعْتَبَرُ بنظرِ جميعِ الطوائفِ عقداً لمدى الحياةِ. وهنا تكمنُ المفارقةُ بينَ النظرةِ الموضوعيّةِ لطبيعةِ عقدِ الزواجِ وبينَ النظرةِ الاجتماعيّةِ ومدى تقبّلِها. وهذا ما يُبْرِزُ مدى الترابطِ بينَ ما هوَ مقرّرٌ دينيّاً وما هوَ متّبعٌ في المجتمعِ المحليِّ. وإذا ما تبدَّلتْ نظرةُ المجتمعِ إلى متطلّباتِ الحياةِ، تبدَّلتْ مقابلَها نظرةُ التشدّدِ الدينيّةِ.

ويُلْبسُ الدينُ الشروطَ الاجتماعيّةَ عباءةَ "المقدَّسِ" فيحترمُها الأفرادُ ويطبّقونَها خوفاً منَ العقابِ الأخلاقيِّ الدينيِّ. وكلّما عدَّلَ الناسُ في نظرتِهم إلى مجرياتِ الأمورِ، نجدُ إسقاطاً آليّاً للاعتباراتِ المقرَّرةِ دينيّاً، فيعودُ، بعدَ فترةٍ، رجالُ الدينِ لإقامةِ نوعٍ منَ الإصلاحِ حولَ نصِّ أحوالِها الشخصيّةِ، بغيةَ مجاراةِ الواقعِ المستجدِّ والمطبَّقِ عفوًا كعادةٍ اجتماعيّةٍ مقبولةٍ منَ الجميعِ.

ويميّزُ الأرثوذكسُ، أيضاً بينَ سنِّ الذكرِ السابعة عشرة، والأنثى الخامسة عشرة72. أمّا الإنجيليّونَ فجعلوها ثمانية عشر عاماً للذكرِ، وستّة عشر للأنثى. بينما حدَّدتِ الكنيسةُ الغربيّةُ سنَّ الزواجِ بالستّة عشر عاماً للرجلِ

والرابعة عشر للمرأةِ 73. وطبعاً، منْ أجلِ متابعةِ واقعِ الحالِ لجميعِ أنواعِ المجتمعاتِ المحليّةِ، يمكنُ السماحُ بتجاوزِ هذا المانعِ، بإذنٍ خاصٍّ منَ السلطةِ الكنسيّةِ، كالمحكمةِ عندَ الإنجيليّينَ والرئاسةِ الكنسيّةِ المحليّةِ للطوائفِ الأخرى.

القرابةُ المانعةُ منَ الزواجِ

وهناك ثلاثةُ أنواعٍ منها: القرابةُ الدمويّةُ والأهليّةُ والروحيّةُ. منها ما هوَ معروفٌ ومقبولٌ اجتماعيّاً وتاريخيّاً، ومنها ما هوَ منْ صنيعِ الدينِ وطقوسِه. أمّا القرابةُ الدمويّةُ، فبالرغمِ منْ أحكامِ الزواجِ التي تمنعُها بينَ الأقاربِ، فقدِ استمرَّ العملُ بها في الكنيسةِ، باعتبارِ أنَّ جميعَ المسيحيّينَ إخوةٌ وأبناءٌ لآبٍ سماويٍّ واحدٍ. وسيتمُّ تفصيلُ ذلكَ لاحقاً ضمنَ مبحثِ الزواجِ في الشرعِ الكنسيِّ.

كانَ الزواجُ في الإمبراطوريّةِ البيزنطيّةِ قائماً على مفهومِ الحريّةِ، فبينما كانتِ المساكنةُ دليلاً كافياً على الزواجِ في بعضِ الأماكنِ، إلّا أنَّ الشرعَ المدنيَّ الرومانيَّ المحفوظَ عندَ موذيستينوس لمْ يأخذْ بهِ، لأنَّ "الزواجَ يتحقَّقُ بالعيشِ معاً لا بالمساكنةِ". والعيشُ معاً لا يمكنُ أنْ يتمَّ منْ دونِ إرادةٍ حرّةٍ. ولهذا، فالأمةُ لا يمكنها العيشُ معَ شخصٍ آخرَ منْ دونِ حريّةِ القرارِ الذي لا تتمتَّعُ بهِ، وهذا ما يُعْتَبَرُ حجرَ الزاويةِ لمفهومِ (الزوج - العقد) لدى الكثيرِ منَ التشريعاتِ الغربيّةِ. وطالما أنَّ الإرادةَ الحرّةَ هيَ شرطُ الزواجِ، فهذا دليلٌ على أنَّه لمْ يكنْ يحتاجُ إلى موافقةِ طرفٍ ثالثٍ للمصادقةِ عليهِ. إذْ إنَّ العيشَ معاً يفرضُ ضمنيّاً وجودَ الإرادةِ، والقبولَ بالزواجِ، وعلانيّةَ الزواجِ. أمّا دورُ السلطةِ الرومانيّةِ، فكانَ لتسهيلِ تسجيلِ عقودِ الزواجِ في السجلاّتِ منْ أجلِ حفظِها والرجوعِ إليها عندَ نشوءِ أيِّ خلافٍ.

وتقومُ هذهِ القرابةُ على رابطِ الدمِّ، أيْ بينَ الأشخاصِ المتناسلينَ بعضِهم منْ بعضٍ، أوِ الذينَ يعودونَ إلى أصلٍ واحدٍ. ويعودُ المنعُ هنا إلى مفهومِ العائلةِ الواحدةِ، التي لا يمكنُ أنْ تتجزَّأَ. ففي القرابةِ الدمويّةِ المانعةِ عندَ الكاثوليكِ تنصُّ المادّةُ (809) البندُ (1) على مانعِ الزواجِ بأيِّ ارتباطٍ منَ الخطِّ المستقيمِ، كأنْ يتزوَّجَ ابنةَ زوجتِه. وفي الدرجةِ الثانيةِ منَ الخطِّ المنحرفِ، كأنْ يتزوَّجَ شخصٌ زوجةَ أخيهِ المتوفّى. وعندَ الأرثوذكسِ حتّى الدرجةِ الرابعةِ، وأمّا الإنجيليّونَ فقدْ حدَّدوا القرابةَ بتعدادٍ حصريٍّ.

أمّا القرابةُ الأهليّةُ، فتُعْتَبَرُ أهليّةً عندما تكونُ بينَ أصلينِ، أيْ حيثُ يرتبطُ أحدُ الزوجينِ وأنسباءُ غيرِ الدمويّينَ، بالمصاهرةِ مثلاً. وقدْ تبنَّتِ الكنيسةُ التشريعَ الرومانيَّ في بداياتِها حيثُ كانَ التحريمُ يطالُ الأقاربَ للدرجةِ الثالثةِ. أمّا منذُ القرنِ السابعِ، فاتَّبعتِ الكنيسةُ في تشريعاتِها التقليدَ الجرمانيَّ 74 السائدَ، الذي يطالُ تحريمَ الزواجِ بينَ الأقاربِ منَ الدرجةِ الرابعةِ فقطْ.

ومنَ المواقفِ الشهيرةِ 75 التي اتَّخذتْها الكنيسةُ في تأكيدِ نظرتِها إلى رابطِ الدمِّ، الحُرْمُ الذي أطلقتْه في مجمعِ ليون عامَ 518، والذي كانَ بوجهِ "إتيان" الذي أرادَ الزواجَ منْ أختِ زوجتِه، وهذا الحُرْمُ منَ الشركةِ الكنسيّةِ طالَ كلَّ مَنْ ساعدَهم على الزواجِ، ومنْهم الملكُ نفسُه.

في القرنِ السابعِ 76، أصبحَ القانونُ الكنسيُّ هوَ القانونُ المدنيُّ، وبالتالي أصبحَ بالإمكانِ معاقبةُ كلِّ مَنْ يخالفُ شرطَ القرابةِ الدمويّةِ بالوقوعِ في سفاحِ القربى، فيُمْنَعُ مَنْ تولّي أيِّ وظيفةٍ عامّةٍ، ويُعاقَبُ بمصادرةِ أملاكِه والتي تعودُ ملكيّتُها إلى أهلِه بطبيعةِ الحالِ.

أمّا القرابةُ الروحيّةُ، فنجدُها في البعدِ الدينيِّ الواضحِ بشكلٍ كبيرٍ. إذْ إنَّ هناكَ نوعاً آخرَ منَ القرابةِ بينَ الناسِ، غيرُ الرباطِ الدمويِّ والرباطِ الزوجيِّ، وهوَ كفيلُ طالبِ المعموديّةِ، والذي يصبحُ بمنزلةِ الوالدِ أيضاً 77 فيمتنعُ أنْ يتزوَّجَ ابنُ العرّابِ الأختَ بالروحِ، أوْ أنْ يتزوَّجَ أخو العرّابِ أختَ ابنِ العرّابِ 78. ولكنَّ هذا المانعَ قابلٌ للتفسيحِ عنهُ منْ قبلِ السلطةِ الكنسيّةِ، ممّا يؤكّدُ وجودَ مراعاةٍ للحالاتِ المستجدّةِ، فلا تخسرُ الكنيسةُ أعضاءَها بسببِ بعضِ موانعَ يمكنُ تخطّيها.

والقرابةُ بالتبنّي، تُنْشِئُ رابطاً بينَ المتبَنّى والمتبَنّي كرابطةِ الأبِ معَ ابنِه 79. ويُعاملُ وفقَ هذهِ القاعدةِ، فلا يُقبلُ زواجُه كزواجِ الأخِ منْ أختِه.

ج- الرضى

إنَّ شرطَ الرضى واضحٌ ومثبَّتٌ مصدرُه، إذْ يعودُ إلى الشرعِ الرومانيِّ المدنيِّ، حيثُ يُعتبرُ الزواجُ أحدَ أنواعِ العقودِ التي تتطلَّبُ إعلانَ الرضى بشكلٍ واضحٍ لثبوتِه وقيامِه. وهذا الإعلانُ يُفترضُ أنْ يكونَ صريحاً في الزواجِ الكاثوليكيِّ، ويُقالُ جهاراً. أمّا في الزواجِ الأرثوذكسيِّ، فيُستدلُّ عليهِ ضمناً منْ حضورِ العروسينِ، والمشاركةِ في صلواتِ رتبةِ الزواجِ، حيثُ ما زالَ طابعُ هذهِ الرتبةِ يميلُ إلى طلبِ البركةِ الروحيّةِ منَ اللهِ أكثرَ منهُ إتمامَ عقدٍ أمامَ مرجعٍ مختصٍ.

وشرطَ الرضى منصوصٌ عنهُ في جميعِ القوانينِ، وأيُّ عيبٍ يشوبُه، كعدمِ الإدراكِ وعدمِ الإرادةِ، أوِ الخداعِ والإكراهِ، يؤدّي بالزواجِ إلى بطلانِه، مثلما هيَ الحالُ في أيِّ نوعٍ منَ العقودِ المدنيّةِ.

يدخلُ الرضى بينَ الزوجينِ كدليلٍ حاسمٍ على تأثّرِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ بفكرةِ العقدِ لسرِّ الزواجِ، والذي يعودُ إلى النظامِ القانونيِّ الرومانيِّ 80. ويسبقُ الزواجَ إقامةُ الخطبةِ كدليلٍ أوّليٍ على رضى الطرفينِ، الذي يسمحُ للمجتمعِ أيضاً بالعلمِ بالزواجِ، فيعلنُ المخطوبانِ نيّتَهما بالارتباطِ. وتُعبّرُ موافقةُ رئيسِ العشيرةِ حيثُ المجتمعُ القبليُّ متحمكّمٌ، عنْ رضى الطرفينِ، ولا حاجةَ إلى مراجعتهما مباشرةً، فالكلمةُ الفصلُ هيَ لرئيسِ العشيرةِ. إنَّ انتفاءَ الرضى بينَ الطرفينِ، يبطلُ الزواجَ إبطالاً مطلقاً. وهنا نلاحظُ أنَّ استعمالَ مصطلحِ "البطلان للزواج" إنّما هوَ مصطلحٌ قانونيٌ بَحْتٌ، ففي المصطلحِ الكتابيِّ تُستعملُ كلمةُ "الطلاق".

يطرحُ الكتابُ المقدَّسُ مصطلحَ الطلاقِ الذي يعالجُ مسألةً طارئةً في مرحلةِ الحياةِ الزوجيّةِ. أمّا المسائلُ المتعلّقةُ بفترةِ نشوءِ الزواجِ، فلا يتطرَّقُ إليها، إذْ إنَّ العادةَ الاجتماعيّةَ في حينِه كانتْ تُحتّمُ قبولَ العشيرةِ الذي يُعْتَبَرُ شرطاً أساسيّاً. فالهويّةُ الفرديّةُ للزوجينِ لمْ تكنْ قدْ تشكَّلَتْ بالشكلِ الذي نعرفُه اليومَ، وكانَ علينا الانتظارُ حتّى القرنِ الثاني عشرَ للتأكيدِ على ضرورةِ الأخذِ بموافقةِ العروسِ، وإنْ كانَ والدُها قدْ أعطى موافقتَه المسبقةَ على الزواجِ، فالعبرةُ لموافقةِ الطرفينِ الصريحةِ 81.

ونجدُ منذُ أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ، في المناطقِ الانكلو-ساكسونيّةِ كالنورمنديِّ 82 مثلاً، طقوساً خاصّةً برتبةِ الزواجِ، بالشكلِ الذي نعرفُه اليومَ، حيثُ يستقبلُ الكاهنُ العروسينِ أمامَ بابِ الكنيسةِ. فيعلنانِ هناكَ رضاهما بالارتباطِ الزوجيِّ، ومنْ ثمَّ يسيرُ الكاهنُ أمامهما ويدخلانِ الكنيسةِ لإتمامِ طقسِ الزواجِ المقدَّسِ.

إنَّ وجودَ شرطِ الرضى هوَ السِّمةُ الأولى لاعتبارِ الزواجِ عقداً. إلّا أنَّ للرضى أهمّيّةً روحيّةً أيضاً، إذْ تدلُّ على الإرادةِ الحرّةِ التي تتقبَّلُ الأسرارَ وتشتركُ بها طوعاً. وفي جميعِ طقوسِ الزواجِ، يُستعملُ الاسمُ الأوّلُ كتأكيدِ علنيٍ على الرضى، فيُقالُ "يُكَلَّلُ فلان على فلانة باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ".

وإذا كانَ الدخولُ في الزواجِ مبنيٌّ على حريّةِ الارتباطِ، إلّا أنَّ الخروجَ منْ هذا العقدِ لا يتمُّ برضى الطرفينِ، وإنّما برضى الكنيسةِ التي شهدتْ على الزواجِ.

د- عدمُ اختلافِ الدينِ

إنَّ مصدرَ البعدِ الدينيِّ واضحٌ. ولهذا، تشترطُ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ أنْ يكونَ الزوجانِ معمّدَينِ وينتميانِ إلى الدينِ المسيحيِّ. وهوَ شرطٌ مطلوبٌ تحقيقُه منْ قبلِ طرفيِ العقدِ. أمّا في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، فبعدَ المجمعِ الفاتيكانيِّ الثاني، وما أدخلَه منْ إصلاحاتِ، أصبحَ مطلوباً منْ أحدِ طرفيِ العقدِ فقطْ.

هـ- عدمُ وجودِ زواجٍ سابقٍ قائمٍ

تُعْرَفُ المسيحيّةُ بأنّها لا تقبلُ بتعدّدِ الزوجاتِ، ولا تقبلُ إقامةَ عقدِ زواجٍ ثانٍ قبلَ التأكُّدِ منِ انحلالِ عقدِ الزواجِ الأوّلِ. وتعودُ هذهِ النظريّةُ إلى مبدأِ "عدمِ انحلالِ" عقدِ الزواجِ، ما يحتمُ وجوبَ اعتبارِه. وكلُّ تعدّدٍ للزوجاتِ إنّما يضربُ هذا المبدأَ عرضَ الحائطِ.

وقدْ عرفَ مصطلحُ تعدّدِ الزوجاتِ تطوّراً. ففي البدايةِ، الارتباطُ بزوجةٍ واحدةٍ في نفسِ الوقتِ، إنّما هوَ أمرٌ بديهيٌ. وكانَ يُقصدُ بمصطلحِ "تعدّدِ الزوجاتِ" التعدّدَ بعدَ ارتباطٍ سابقٍ، كالزواجِ الثالثِ والرابعِ. وهذا ما نجدُه في القانونِ (80) لمجموعةِ باسيليوس الكبير والذي استعملَ هذا المصطلحَ الآنفَ شرحَه، وفرضَ عليهِ العقابَ وعاملَه معاملةَ الزاني. ونستشفُّ منَ القانونِ (40) أنَّ فكرةَ إعلانِ الزواجِ هوَ للتأكيدِ على أنَّ الزوجةَ حرّةٌ وليستْ عبدةً تحتَ سلطةِ شخصٍ آخرَ، وإلّا عُدَّ الزواجُ باطلاً 83. ولا نجدُ في هذهِ القوانينِ أيَّ ذكرٍ لشرطٍ خاصٍ أوْ لطقسٍ ما للزواجِ بحسبِ النظرةِ الدينيّةِ.

فهذا المنعُ إذاً، لمْ يكنْ أصلاً موجوداً في المسيحيّةِ، والآنَ ينصُّ عليهِ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيُّ صراحةً في المادّةِ (23) منهُ أوْ في المادّةِ (34) للطائفةِ الإنجيليّةِ. وقدْ ذهبتِ الكنيسةُ كاثوليكيّةُ مذهباً متشدّداً في وجوبِ احترامِ هذا الشرطِ إلى طلبِ إعادةِ درسِ أسبابِ انحلالِ الزواجِ الأوّلِ في حالِ كانَ أحدُ طرفيهِ كاثوليكيّاً، ولوْ بعدَ صدورِ قرارٍ مبرمٍ منَ المحكمةِ الروحيّةِ الكنسيّةِ الأخرى.

و- المانعُ لارتباطٍ بدرجةٍ مقدَّسةٍ

يمكنُ للكاهنِ (والشمّاسِ) أنْ يكونَ متزوّجاً قبلَ رسامتِه الكهنوتيّةِ. ويُحْرَمُ الزواجُ عليهِ إذا ما رُسِمَ كاهناً وعادَ بعدَ ذلكَ ليتزوَّجَ. ويقومُ في هذهِ المنزلةِ أيضاً، مَنْ كانَ راهباً أوْ راهبةً وحصلَ على الإسكيمِ الكبيرِ. ونلاحظُ في القوانينِ الكنسيّةِ الأرثوذكسيّةِ، أنَّ خدمةَ زواجِهم تصحُّ بعدَ تخلّيهم عنْ نذرِهم الأوّلِ، وتُعْقَدُ لهم مراسمُ الزواجِ وفقَ الرتبةِ الخاصّةِ بالزواجِ الثاني، حيثُ يُعتبرُ نذرُهم أوْ رسامتُهم الأولى، بمثابةِ زواجٍ أوّلٍ. ويطبّقُ بهذا المفهومِ، الشرطُ السابقُ أيْ "مانعُ وجودِ زواجٍ سابقٍ". والجديرُ ذكرُه أنَّ زواجَ القساوسةِ في الكنيسةِ الإنجيليّةِ بعدَ رسامتِهم أمرٌ مباحٌ صراحةً.

ز- شرطُ انتهاءِ عدّةِ المرأةِ

يُعَدُّ هذا الشرطُ اليومَ منْ بديهيّاتِ الأمورِ، حيثُ أصبحَ بالإمكانِ بواسطةِ التقنيّاتِ الطبيّةِ الحديثةِ، التأكُّدُ منْ خلوِّ رحمِ المرأةِ منْ أيِّ حملٍ قدْ يؤدّي إلى اختلاطِ الأنسابِ. وهذا الموضوعُ نصَّ عليهِ قانونُ العقوباتِ 84 المدنيُّ، ويلزمُ القانونُ الأرثوذكسيُّ المرأةَ بفترةِ أربعةِ أشهرٍ منَ الانتظارِ 85، قبلَ عقدِ زواجٍ ثانٍ. بينما جعلتْها الطائفةُ الإنجيليّةُ ثلاثمائةَ يومٍ منْ تاريخِ الانفصالِ بينَ الزوجينِ. وجعلتِ الكنيسةُ القبطيّةُ الأرثوذكسيّةُ 86 العدّةَ عشرةَ أشهرٍ ميلاديّةٍ، سواءٌ توفّي زوجُها أوِ انحلَّ زواجُها منهُ. أمّا الكنيسةُ المارونيّةُ، فتطبّقُ أيضاً العدّةَ على حالةِ وفاةِ المتزوّجِ أيضاً، وهيَ عشرةُ أشهرٍ. والملاحظُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لمْ ينصَّ على أحكامِ العدّةِ ومدَّتِها، وهذا ما يبرزُ الطابعَ الاجتماعيَّ الكامنَ وراءَ هذا المنعِ، والذي يهدفُ بطبيعةِ الحالِ إلى تثبيتِ البنوّةِ للأولادِ الشرعيّينَ معَ ما يستتبعُ ذلكَ منْ إقرارٍ وحفظٍ للحقوقِ.

ح- مانعُ العجزِ النفسيِّ

العجزُ النفسيُّ 87 هوَ منْ أكثرِ المعاييرِ جدّةً ومواكبةً لتطوّرِ الحياةِ، وللدرجةِ التي وصلَ إليها فهمُ الحالةِ الإنسانيّةِ ومعوّقاتِها. وهوَ يطالُ أحياناً أبعاداً غيرَ منظورةٍ في تصرّفاتِ الزوجينِ، ولكونِه معياراً يصعبُ ضبطُه بمعاييرَ لا تقبلُ الأخذَ والردَّ، أوجبَ القانونُ للاعتدادِ بهِ أنْ تترافقَ حالةُ العجزِ بعواملَ إضافيّةِ أخرى، كاشتراطِ أنْ يكونَ العجزُ سابقاً للزواجِ ومؤبَّداً وغيرَ قابلٍ للشفاءِ بالطرقِ الطبيّةِ المعروفةِ. ويختلفُ مانعُ العجزِ النفسيُّ عنْ مانعِ العقمِ. إذْ إنَّ العاملَ يؤثّرُ على الأعضاءِ التناسليّةِ، ويمنعُها منَ القيامِ بوظيفتِها رغمَ وجودِ القدرةِ على الإنجابِ بالفحصِ المخبريِّ. إنَّ اجتهاداتِ محكمةِ الروتا أوِ المحاكمِ الروحيّةِ لها دورٌ رئيسيٌ في توضيحِ هذا المنعِ وطرائقِ تطبيقِه 88.

إنَّ العجزَ النفسيَّ يؤثّرُ بشكلٍ مباشرٍ في إدراكِ الشخصِ والتعبيرِ عنْ رضاهُ بالزواجِ أوْ عنْ فهمِه للموجباتِ الزوجيّةِ فيصبحُ الزواجُ وفقَ هذا العجزِ فارغاً منْ مضمونِه 89.

سابعاً، الشروطُ الشكليّةُ

إنَّ الشروطَ الشكليّةُ تُشكّلُ عادةً مانعاً جديّاً وحقيقيّاً فلا يمكنُ عقدُ الزواجِ. وأمّا الموانعُ الشكليّةُ فهيَ: شرطُ الصيغةِ للزواجِ، وشرطُ المناداةِ.

أ- صيغةُ الاحتفالِ بالزواجِ

تطلبُ جميعُ الكنائسِ إقامةَ رتبةٍ مقدَّسةٍ لِتَمْنحَ البركةَ المقدَّسةَ بواسطةِ كاهنٍ مرخَّصٍ لهُ، وبعدَ التأكُّدِ منَ الرضى ومنْ عدمِ وجودِ أيِّ مانعٍ للزواجِ. وقدْ نصَّ القانونُ على هذهِ الشروطِ كافّةً. وبحسبِ قوانينِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ المادّةُ (828) "ليستِ الزيجاتُ صحيحةً إلّا التي يُحْتَفَلُ بها بطقسٍ مقدَّسٍ أمامَ الرئيسِ الكنسيِّ المحليِّ... وأمامَ شاهدَيْنِ لا أقلَّ، لكنْ وفقاً لأحكامِ القوانينِ". أمّا المادّةُ 13 منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ الأرثوذكسيِّ (2003) الفقرتانِ "و" و "ز" فتنصّانِ على إقامةِ صلاةِ الإكليلِ بحضورِ طالبي الزواجِ شخصيّاً. ويضافُ إليهما حضورُ اثنينِ على الأقلِّ عدا العروسينِ والإشبينينِ (م 15) كما تخلو مراسمُ الزواجِ الأرثوذكسيّةِ منْ أيِّ إعلانٍ عن الرضى بالزواجِ منْ قبلِ العروسينِ وما يستتبعُه ذلكَ منْ خلوِّ المراسمِ منْ أيّةِ صيغةٍ محدَّدةٍ للاحتفالِ الطقسيِّ. وينصُّ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للسريانِ الأرثوذكسِ في المادّةِ 20 منهُ على أنْ " يجرى عقدُ الزواجِ بحفلةٍ علانيّةٍ..." والمادّةُ 39 منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للأرمنِ الأرثوذكسِ تنصُّ على إقامةِ الإكليلِ في الكنيسةِ.

ب- المناداةُ أوِ الطابعُ العلنيُّ

يُستدلُّ تاريخيّاً على الطابعِ العلنيِّ للزواجِ منذُ لحظةِ انعقادِ الزواجِ في القدَّاسِ الإلهيِّ بحضورِ الجماعةِ المسيحيّةِ كلِّها. ويُستدلُّ عليهِ أيضاً منْ ضرورةِ وجودِ شاهدينِ 90 على الزواجِ هما الإشبينانِ أوْ بحسبِ بعضِ القوانينِ وجودُ اثنينِ على الأقلِّ عدا الزوجينِ والإشبينينِ 91. وفي الفكرِ اللاهوتيِّ الشرقيِّ، يُعتبرُ الإشبينانِ كما العرّابانِ في سرِّ المعموديّةِ، كفلاءُ حُسْنِ العيشِ في هذا الرباطِ أمامَ اللهِ.

وعليهِ، تدحضُ العلانيّةُ فكرةَ الزواجِ السرّيِّ، ومنَ الإجراءاتِ الداعمةِ لمبدأِ العلانيّةِ، كانتْ فكرةُ "المناداةِ 92" قبلَ الزواجِ لإعلامِ الجميعِ باقترابِ موعدِ الزفافِ، أقلُّه قبلَ موعدِ الزواجِ 93 بثلاثِ آحادٍ أوْ ثلاثةِ أيّامٍ 94. ولِيُعلنَ مَنْ عندَه سببٌ مبطلٌ للعقدِ أمامَ السلطةِ الكنسيّةِ. وهذا ما حُدّدَ منذُ مجمعِ لاتران Latran الرابعِ 95 عامَ 1215، إذْ نصَّ في الفصلِ (51) تحتَ عنوانِ منعِ الزواجاتِ السرّيّةِ ما يلي: " في اقتفاءٍ لآثارِ أسلافِنا، نمنعُ منعاً قاطعاً الزواجاتِ السرّيّةِ، كما يُمنعُ أيُّ كاهنٍ منْ حضورِ مثلِ هذهِ الزواجاتِ. ولهذا، فإنَّنا نمدُّ عادةً اختصَّتْ بها بعضُ الأمكنةِ إلى الأمكنةِ الأخرى جميعِها، ونُقرُّ بأنْ يُعلنَ الكهنةُ في الكنائسِ الزواجاتِ المنويِّ عقدُها في مهلةٍ موافقةٍ ومحدَّدةٍ، يتمكَّنُ فيها الراغبُ والقادرُ أنْ يكشفَ أيَّ عائقٍ شرعيٍ. وعلى الكهنةِ أنفسِهم أنْ يتحرّوا أيَّ مانعٍ منْ شأنِه أنْ يقفَ في وجهِ الزواجِ".

المبحثُ الثالثُ: الزواجُ في الإسلامِ

عبَّرَ القرآنُ عنِ الزواجِ بـ "النكاح" بكسْرِ النونِ، وهوَ المصطلحُ التاريخيُّ للزواجِ، ولفظةُ نكاحٍ تعني الوطءَ 96. وفي الاصطلاحِ هوَ عقدٌ بوليٍّ وشاهدينِ. وانعقدَ الإجماعُ الفقهيُّ على أنَّ النكاحَ هوَ منَ العقودِ الشرعيّةِ. واتَّفقتْ أئمّةُ المذاهبِ على أنَّ مَنْ تاقتْ نفسُه إلى الزواجِ وخافَ العنتَ أيِ الزنى، فإنَّه يتأكَّدُ في حقِّه. ويكونُ أفضلَ منَ الحجِّ والجهادِ والصلاةِ والصومِ. والزواجُ مستحبٌّ لِمَنْ يحتاجُ إليهِ، وكانَ واجداً للعدّةِ عندَ الشافعيّةِ والمالكيّةِ. أمّا أحمدُ بنُ حنبل فقالَ: مَنْ تاقتْ إليهِ نفسُه وخشيَ العنتَ وجبَ عليهِ. وقالَ أبو حنيفة: هوَ مستحبٌّ مطلقاً وهوَ أفضلُ عندَه منَ الانقطاعِ للعبادةِ 97.

﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 230)96 هنا عبارةُ تنكحُ تعني الوطءَ. أمّا في كتابِ السنّةِ، فالحديثُ عنْ أبي عبّاس "وُلِدْتُ منْ نكاحٍ لا منْ سفاحٍ".

اهتمَّ الإسلامُ بالزواجِ واعتبرَه منْ ضمنِ بابِ المعاملاتِ، وإنْ جرى البعضُ حديثاً على اعتبارِه منَ العباداتِ98 فالمعاملاتُ هيَ منْ فقهِ العلاقاتِ البشريّةِ التي تتغيَّرُ بتغيّرِ الظروفِ والأسبابِ، وإنِ استمدَّتْ منَ الشريعةِ خطوطَها الأساسيّةَ. أمّا العباداتُ فهيَ العلاقةُ باللهِ وهيَ ثابتةٌ لا تتغيّرُ. بكلِّ حالٍ، الزواجُ يدخلُ في الأحوالِ الشخصيّةِ التي أحاطَها القرآنُ بمجموعةٍ منَ الواجباتِ والمستحبّاتِ والمحرَّماتِ والمكروهاتِ، وكلُّ ما يُحاكُ حولَ الزواجِ منْ حقوقٍ وواجباتِ إنّما يدخلُ في الإسلامِ ضمنَ فقهِ الاجتماعِ الزوجيِّ العامِّ99. ويُعْتَبَرُ الامتناعُ عنَ الزواجِ مبغوضاً للخالقِ.

في سورةِ الذارياتِ في القرآنِ، (الآية 49) نجدُ مفهومَ الثنائيّةِ كقاعدةٍ تحكمُ العلاقاتِ. ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49) أيْ إنَّ قاعدةَ الثنائيّةِ تحثُّ على الزواجِ بديهيّاً. وفي سورةِ ق أيضاً ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (ق: 7).

وفي سورةِ الرومِ الآية (الآية 21)، نجدُ التعريفَ الأشهرَ للزواجِ عندَ الكتّابِ المسلمينَ المعاصرينَ100، إذْ تنصُّ على ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الوم: 21) فالمودّةُ والرحمةُ هما المصدرانِ اللَّذانِ يقومُ عليهما مفهومُ الزواجِ، وهما يشكّلانِ بطبيعتِهما مصدرينِ أبديينِ غيرِ محدَّدينِ، ويصلحانِ للاستنباطِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ. كما يمكنُ الإضافةُ إليهما عاملَ المعروفِ إذْ ذُكِرَ في سورةِ النساء (الآية 19) ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ويستوعبُ مفهومُ المعروفِ الكثيرَ منَ العاداتِ الاجتماعيّةِ والتبدّلاتِ الثقافيّةِ. إلّا أنَّه ولأهمّيّةِ موضوعِ الزواجِ، أتى القرآنُ على تفاصيلَ كثيرةٍ تُحْكِمُ الرباطَ الزوجيَّ معَ كلِّ ما يتفرَّعُ عنهُ منْ آثارٍ بتدقيقٍ كبيرٍ. ونجدُ أيضاً في سورةِ الحُجُرات (الآية 13): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحُجُرات: 13).

وذكرَ القرآنُ الزواجَ في أمكنةٍ عدّةٍ وبعدّةِ جوانبَ لهُ، فهو عمليّةٌ جنسيّةٌ بَحْتةٌ. وأيضاً يُعْتَبَرُ المتزوّجُ مكمّلاً لنصفِ دينِه. منَ الآياتِ الشهيرةِ التي تذكرُ الزواجَ على أنَّه عمليّةُ نكاحٍ، وتسمحُ بقاعدةِ تعدّدِ الزوجاتِ الآيةُ الثالثةُ الواردةُ في سورةِ النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: 3).

تعرَّضَ الفقهاءُ المسلمونَ المعاصرونَ لأسبابٍ أخرى في الزواجِ، منْها إنجابُ الأطفالِ والتعاونُ بينَ الزوجينِ. السيّدُ محمّد حسين فضل الله يُعَنْوِنُ أحدَ فصولِ كتابِه عنِ الزواجِ بـ: "الرباط المقدَّس"101 وهذا العنوانُ يهدفُ إلى مقاربةٍ لصيقةٍ أكثرَ للعصرِ الذي نحيا فيهِ اليومَ.

يرفضُ الإسلامُ منطقَ الرهبنةِ، أيِ البتوليّةَ الطوعيّةَ استناداً إلى الآية (27) منْ سورةِ الحديدِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾102 (الحديد: 27). ويقولُ البعضُ إنَّ الإسلامَ بينَ الفجورِ والانقطاعِ عنِ الزواجِ، إلّا في حالةِ العجزِ الجنسيِّ، ويعدّهما منَ المعاصي لإرادةِ اللهِ. غيرَ أنَّ الإسلامَ لا يشترطُ لعقدِه وجودَ رجلِ دينٍ، أوْ طقسٍ محدَّدٍ، أوْ مكانٍ محدَّدٍ لإتمامِ طقسِ الزواجِ. وإنّما يتّفقُ المسلمونَ سنّةً وشيعةً على ضرورةِ استعمالِ صيغةٍ محدَّدةٍ للقولِ بصحّتِه. ولقدْ رأى بعضُ الفقهاءِ في هذا الزواجِ، بمعنىً منَ المعاني، عقداً مدنيّاً كاملاً.

ولمْ يعرفِ الإسلامُ مفهومَ العزوبيّةِ كطريقةِ حياةٍ قائمةٍ بذاتِها، وإنّما اتَّخذَ الزواجَ منهجاً للحياةِ. فالزواجُ يحقّقُ استمرارَ الخلافةِ على الأرضِ، وهيَ أحدُ مقاصدِ اللهِ في الإنسانِ، وهيَ فطريّةُ المنشأِ. منْ هنا تمَّ تحريمُ العزوبيّةِ (إلّا لأسبابٍ خاصّةٍ) والتشجيعُ على التزاوجِ لِمَنْ كانَ قادراً عليهِ. ويُروى عنْ عائشةَ الحديثُ الصحيحُ عنِ الرسولِ بقولِه: "ومَنْ كانَ لهُ ما يتزوَّجُ بهِ ولمْ يتزوَّجْ فليسَ منّا"103 والشائعُ اعتبارُ فعلِ الزواجِ في الإسلامِ يوازي نصفَ الالتزامِ الدينيِّ.

ولكيْ نفهمَ واقعَ المرأةِ في الإسلامِ، علينا العودةُ إلى الفترةِ التي عاشتْ فيها المرأةُ قبلَ الإسلامِ، وهوَ وضعٌ إذا ما قسناهُ بمقياسِ اليومِ لا تُحسدُ عليهِ. فقدْ كانتِ المرأةُ غيرَ متمتّعةٍ بأيٍّ حقٍّ اجتماعيٍّ أوْ سياسيٍّ أوْ دينيٍّ. وكانَ زواجُ المرأةِ يقومُ على إرادةِ القبيلةِ فقطْ، وفي الجاهليّةِ كانتْ عادةُ مقايضةِ المرأةِ معروفةً وتمَّ النهيُ عنها في الإسلامِ، هذا دونَ ذكرِ عادةِ وأدِ الفتاةِ وهيَ حيّةٌ104.

وزَّعَ الإسلامُ الأعباءَ العائليّةَ أوِ الالتزاماتِ بينَ الزوجِ والزوجةِ بحسبِ إمكانيّةِ كلٍّ منهما. فللزوجِ الحقُّ بالجماعِ الجنسيِّ باستثناءِ فترةِ الحيضِ، وللزوّجةِ الحقُّ بالمطالبةِ بالمصاريفِ المنزليّةِ وبالحياةِ الجنسيّةِ. واليومَ، ينظّمُ الإسلامُ الزواجَ، ويجعلُ منْ فكرةِ إشهارِ عقدِ الزواجِ القاعدةَ، وينصُّ على شكليهِ الشفويِّ والخطيِّ بحضورِ شاهدينِ ومأذونٍ لإتمامِ عقدِ الزواجِ، وبحضورِ الوليِّ رمزاً لموافقةِ العائلةِ على التزويجِ.

تاريخُ عقدِ الزواجِ الإسلاميِّ

كانَ الزواجُ في الجاهليّةِ عندَ العربِ هوَ الأصلَ. وكانَ يُسمّى بزواجِ البعولةِ. وينشأُ بالخطبةِ والعقدِ والمهرِ. وقدْ أقرَّه الإسلامُ، ودعاهُ الزواجَ الشرعيَّ. لكنْ وُجِدَتْ في المقابلِ، أنكحةٌ أخرى رفضَها الإسلامُ105. ومنْها الاستبضاعُ، فالرجلُ في الجاهليّةِ الذي كانَ يريدُ أنْ يكونَ لهُ فتىً نجيباً وشجاعاً، يطلبُ منْ زوجتِه أنْ تذهبَ إلى مَنْ يتّصفُ بهذهِ الصفاتِ فتستبضعَه. فإذا حملتْ منهُ، اعتزلَها زوجُها حتّى تلدَ ولدَها منْ ذاكَ الرجلِ. فإذا ولدتْ نُسِبَ الولدُ إلى زوجِها106. ومنْها أيضاً، المضامدةُ، وهيَ معاشرةُ الفقيرةِ لغيرِ زوجِها الذي يدفعُ بامرأتِه في زمنِ القحطِ إلى مضامدةِ رجلٍ غنيٍّ. تحبسُ نفسَها عندَه، حتّى إذا غنيَتْ بالمالِ والطعامِ عادتْ إلى زوجِها107. ومنْها أيضاً، المُخادنةُ، وهيَ في اللغةِ المصاحبةُ. وكانتْ تُطلقُ في الجاهليّةِ على معاشرةِ رهطٍ منَ الرجالِ لامرأةٍ واحدةٍ. فإذا حملتْ ووضعتْ حَمْلَها، أرسلتْ إلى الرجالِ، ولا يستطيعُ واحدٌ منهم أنْ يمتنعَ. فتقولُ لهم: "قدْ عرفتمْ ما كانَ منْ أمري، وقدْ ولدتُ، فهو ابنُك يا فلان." فتقولُ فتشيرُ إلى منْ أحبَّتْ باسمِه108.

معَ بدايةِ انطلاقةِ الإسلامِ لمْ يكنْ للزواجِ أيُّ إطارٍ محدَّدٍ سوى النصارى واليهود109. فكانَ الزواجُ أهليّاً دونَ ضرورةٍ لوجودِ هيئةٍ دينيّةٍ أوْ قواعدَ ناظمةٍ لهُ فكانَ مدنيّاً110 بامتيازٍ لجهةِ ابتعادِه عنِ القواعدِ الدينيّةِ والتصاقِه بالقواعدِ والأعرافِ الاجتماعيّةِ. أمّا اليومَ في الشريعةِ، فهو عقدٌ مدنيٌ ذو طابعٍ علنيٍّ، وهو عقدٌ رسميٌ يُسجَّلُ في سجلاّتِ المحكمةِ، في جميعِ الدولِ الإسلاميّةِ111.

وقدْ تمَّ اليومَ، في أغلبِ البلدانِ العربيّةِ تجاوزُ قانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ، الذي كانَ يرعى النظمَ القانونيّةَ للزواجِ. ففي سوريا منذُ 1953؛ وفي مصرَ بشكلٍ جزئيٍ منذُ 1936؛ أمّا في لبنانَ فما زالَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ الخاصُّ بالطائفةِ السنّيّةِ يتبعُ ما صدرَ عنِ السلطنةِ العثمانيّةِ في آخرِ إصداراتِها كقانونٍ يتعلَّقُ بحقوقِ العائلةِ، ومنْ ضمنِها بابُ عقدِ النكاحِ. أمّا الطائفةُ الجعفريّةُ، فقدْ شرَّعَتْ لها قانوناً خاصّاً بها، يطبّقُ قانونَ حقوقِ العائلةِ العثمانيَّ في كلِّ ما لا يتعارضُ معَ أحكامِ أحوالِها الشخصيّةِ112. أمّا القانونُ العثمانيُّ، فقدِ اعتمدَ جملةً منَ المصادرِ113 وأهمّها مذهبُ أبي حنيفةَ، وبعضاً ممّا استقرَّ عليهِ الرأيُ منَ المذاهبِ الثلاثِ الأخرى. والأهمُّ أنَّه أخذَ بالعاداتِ والأعرافِ المستجدّةِ التي اختلفتْ بطبيعةِ الأمورِ عمّا وصلتْ إليهِ العلومُ في زمنٍ ما سابقاً، فكانَ لا بدَّ منْ تجميعِ هذهِ المصادرِ وسكبِها في نصٍّ موحَّدٍ يسهّلُ بالضرورةِ الوصولَ إلى الأحكامِ المناسبةِ لا يخلقُ بينها تناقضاتٍ واسعةً.

وفي تركيا114 التي بالرغمِ منَ المنحى العلمانيِّ في الجمهوريّةِ الحديثةِ الذي أقرَّه واعتمدَه مصطفى أتاتورك عام 1926 م حيثُ عدَّلَ الدستورَ، وألغى كلَّ النصوصِ المتعلّقةِ بالدينِ الإسلاميِّ، ونقلَ سلطةَ المحاكمِ الشرعيّةِ إلى اختصاصِ المحاكمِ المدنيّةِ، إلّا أنَّ تركيا اليومَ ومنذُ عام 2017 أجازتْ لرجلِ الدينِ التابعِ لرئاسةِ الشؤونِ الدينيّةِ، وهيَ مؤسَّسةٌ مرتبطةٌ بالحكومةِ التركيّةِ وتطالُ أتباعَ المذهبِ السنّيِّ منَ الإسلامِ حصراً، أجازتْ عقدَ القرآنِ، بعدَ أنْ كانَ يتمُّ حصريّاً عبرَ موظَّفٍ مدنيٍ، كرئيسِ البلديّةِ والمختارِ ورؤساءِ البعثاتِ الدبلوماسيّةِ.

وفي تونس، تمَّ توحيدُ القضاءِ عقبَ استقلالِها عام 1956، وأصبحَ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ المدنيُّ يطبّقُ على جميعِ المواطنينَ دونَ استثناءٍ، ويُقدَّمُ إلى المجتمعِ كنوعٍ جديدٍ منْ إعادةِ قراءةٍ للشريعةِ الإسلاميّةِ، يمنعُ تعدّدَ الزوجاتِ، ويشترطُ الطلاقَ قضائيّاً، ويساوي بينَ المرأةِ والرجلِ. إلّا أنَّ تعديلاً حصلَ بصدورِ مرسومِ 1970 م حيثُ مُنِعَتِ المسلمةُ منَ الزواجِ منْ غيرِ المسلمِ، كما مُنِعَ الموظَّفونَ أيضاً منْ تسجيلِ هذهِ الحالةِ الأخيرةِ، وإنْ عُقِدَتْ خارجَ تونس115.

في إمارةِ أبو ظبي، صدرَ حديثاً، بتاريخ 7 تشرين الثاني 2021 قانونٌ جديدٌ للأحوالِ الشخصيّةِ لغيرِ المسلمينَ، حيثُ يتمُّ زواجُهم بالعقدِ المدنيِّ أمامَ موظَّفٍ رسميٍ، وتُحَلُّ خلافاتُهم أمامَ محاكمَ مدنيّةٍ تأخذُ بمعاييرَ دوليّةٍ، بحيثُ يتمُّ الطلاقُ بحكمِ محكمةٍ، وتُفرضُ الحضانةُ المشتركةُ أيْ مناصفةً بينَ الزوجِ والزوجةِ، أمّا الميراثُ فليسَ فيهِ أيُّ نسبةٍ محفوظةٍ لأحدٍ منَ الأقاربِ.

وفي إيرانَ، يُفضَّلُ استعمالُ الزواجِ المؤقَّتِ كمرحلةٍ أولى تحلُّ مكانَ الخطبةِ. فإذا اتَّفقَ "الزوجانِ" يتمُّ تحويلُ الزواجِ المؤقَّتِ إلى زواجِ دائمٍ. وينعقدُ الزواجُ أمامَ موظَّفٍ رسميٍ هوَ "قاضٍ" في المحكمةِ المدنيّةِ، وتتضمَّنُ ورقةُ الزواجِ خمسةَ عشرَ شرطاً تُضافُ إلى متنِ عقدِ الزواجِ، تستطيعُ المرأةُ طلبَها كشرطِ لعدمِ زواجِ رجلِها منْ امرأةٍ أخرى إلّا بعدَ إذنِها (كزوجةٍ أولى). وتهدفُ هذهِ الشروطُ إلى المحافظةِ على الشريعةِ الإسلاميّةِ، فلا يتَّفقُ الزوجانِ بِمَا يُخالفُها كشرطِ عدمِ الزواجِ منْ امرأةٍ ثانيةٍ بالمطلقِ.

ثانياً، أنواعُ عقودِ الزواجِ

يعرفُ الإسلامُ عدّةَ أنواعٍ منْ عقودِ الزواجِ، وكلُّ عقدٍ ينفردُ بتسميةٍ خاصّةٍ، وبشروطٍ خاصّةٍ مميّزةٍ لهُ عنْ باقي العقودِ. وفي غالبِ الأحيانِ، يُنظرُ إلى هذا التنوّعِ في شروطِ عقدِ الزواجِ على أنَّه منْ بابِ التسامحِ واحترامِ التنوّعِ. ففي الإسلامِ، الدينُ يُسرٌ وليسَ عُسراً، ويجبُ سدُّ الذرائعِ، حتّى لا يقعَ الإنسانُ في الزنى. أمّا طائفةُ الموحّدينَ الدروزِ، فلا تعترفُ بأيٍّ نوعٍ منْ عقودِ الزواجِ سوى العقدِ المحدَّدِ قانوناً لديها، ولأيِّ سببٍ اجتماعيّاً كانَ أوِ اقتصاديّاً أوْ سياسيّاً.

والأصلُ في عقودِ الزواجِ التي تعترفُ المحاكمُ الشرعيّةُ بهِ، هوَ عقدُ الزواجِ الدائمِ الذي يمكنُ تسجيلُه في وثيقةٍ رسميّةٍ منْ سجلِّ المحكمةِ، ويتمُّ بموجبِه تعديلُ الوضعِ الشخصيِّ منْ عازبٍ إلى متزوّجٍ، وتُنقلُ الزوجةُ منْ خانةِ سجلِّ والدِها إلى خانةِ سجلِّ العريسِ لدى دائرةِ الأحوالِ الشخصيّةِ اللبنانيّةِ.

وقدْ عرفَ عقدُ الزواجِ تطوّراً ملحوظاً مقارنةً بِمَا كانتْ عليهِ الحالُ قبلَ الإسلامِ وفي عصرِ صدرِ الإسلامِ، حيثُ كانتَ بعضُ عقودِ الزواجِ تتمُّ مشافهةً، فيما دُوّنَ بعضٌ آخرُ على ورقِ البردى في نهايةِ القرنِ التاسعِ ميلاديّ. وبينَ ما جرتْ عليهِ العادةُ في مصرَ في القرنِ الحادي عشرَ ميلاديّ116، وما هوَ معروفٌ اليومَ في العصرِ الحديثِ، حافظَ ركنُ الإيجابِ والقبولِ على مركزيّتِه، ولكنِ اختلفتْ أهمّيّةُ الشهودِ أوْ دورُ الوكيلِ.

ويحتمَلُ تعدّدُ أنواعِ عقودِ الزواجِ عبرَ مسمّياتٍ متعدّدةٍ، فوارقَ في الشروطِ والتبعاتِ، وهوَ أمرٌ واقعٌ في الإسلامِ. وهذا النمطُ منَ التفكيرِ بأنْ تنظّمَ المؤسَّسةُ الدينيّةُ إطاراً ليسَ معهوداً لدرءِ واقعٍ معيَّنٍ، إنّما يشيرُ إلى مدى رحابةِ صدرِ الإسلامِ في مقاربةِ المشاكلِ المستجدّةِ على المجتمعِ.

أ- عقدُ المسيارِ

المسْيار117 في اللغةِ العربيّةِ، صيغةُ مبالغةٍ على وزنِ مِفعالٍ، فتقولُ رجلٌ مسيارٌ، أيْ كثيرُ السيرِ. وسُمّيَ بهِ الرجلُ المتزوّجُ بهذا النوعِ منَ الزواجِ، لأنَّه يسيرُ إلى زوجتِه في أيِّ وقتٍ يشاءُ، ولا يُطيلُ المكوثَ عندَها، ولا يبيتُ. ويذهبُ البعضُ إلى أنَّ كلمةَ مسيارٍ، كلمةٌ عاميّةٌ تُسْتَعْمَلُ في إقليمِ نجدٍ بالمملكةِ العربيّةِ السعوديّةِ، بمعنى الزيارةِ النهاريّةِ. وأُطلِقَ هذا الوصفُ على هذا النوعِ منَ الزواجِ، لأنَّ الرجلَ يذهبُ إلى زوجتِه غالباً في زياراتٍ نهاريّةٍ شبيهةٍ بِمَا يكونُ في زياراتِ الجيرانِ.

والمسيارُ هوَ منْ عقودِ الزواجِ التي تطلبُ جميعَ الشروطِ المعروفةِ بعقدِ الزواجِ، ولكنْ يُعفى فيها الرجلُ منْ تأمينِ السكنِ، إذْ هوَ الذي ينتقلُ إلى الحياةِ معَ زوجتِه، وعادةً ما تكونُ هذهِ الزوجةُ هيَ الزوجةُ الثانيةُ بحيثُ تخفُّ نفقةُ الرجلِ عليها.

وليسَ لهذا الزواجِ أصلٌ في الفقهِ الإسلاميِّ، بلْ هوَ مأخوذٌ منَ الواقعِ، ولمْ يذكرْه الفقهاءُ القدامى. ولذا، فإنَّ العلماءَ يجتهدونَ في توصيفِه. يقولُ الشيخُ يوسفُ القرضاوي في دفاعِه عنِ القبولِ بهذا النوعِ منَ عقودِ الزواجِ، بالأخذِ بضروراتِ الحياةِ المستجدّةِ، وبالتطوّرِ الاجتماعيِّ، وبقاعدةٍ فقهيّةٍ "ما لا يُدْرَكُ كلُّه لا يُتْرَكُ جُلُّه". إنَّه زواجٌ شرعيٌ يتميّزُ عنِ الزواجِ العاديِّ، بأنَّ الزوجةَ تتنازلُ فيهِ عنْ بعضِ حقوقِها، كأنْ لا تطالبَه بالنفقةِ، ولا بالمبيتِ الليليِّ إنْ كانَ متزوّجاً بغيرِها، كما هيَ حالُ المذهبِ الإسلاميّةِ. ويكونُ زواجُ المسيارِ غالباً، هوَ الزواجُ الثاني أوِ الثالثُ، وهوَ نوعٌ في تعدّدِ الزوجاتِ. وأبرزُ ما فيهِ أنّها تتنازلُ بإرادةٍ تامّةٍ واختيارٍ ورضا عنْ بعضِ حقوقِها.

ويقولُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيع: إنَّه زواجٌ مستكملٌ لجميعِ أركانِه وشروطِه. فهو يتضمَّنُ إيجاباً وقبولاً بينَ طرفيِ العقدِ. وشروطَه المعروفةَ منْ رضا الطرفينِ والولايةِ والشهادةِ والكفاءةِ بينَ الزوجينِ. وفيهِ المهرُ المتّفقُ عليهِ. وكما هوَ حالُ الزواجِ العاديِّ، لا يصحُّ زواجُ المسيارِ إلّا بانتفاءِ الموانعِ الشرعيّةِ. وبعدَ إتمامِ العقدِ، يثبتُ لطرفيهِ جميعُ الحقوقِ المترتّبةِ على العقدِ منْ حيثُ النسلِ والميراثِ، والعدّةِ، والطلاقِ، واستباحةِ الجماعِ، والسكنِ، والنفقةِ. إلّا أنَّ الزوجينِ ارتضيا واتَّفقا على ألّا يكونَ للزوجةِ حقٌّ في المبيتِ أوِ القسْمِ (تقاسم المبيت بين الزوجات). والأمرُ راجعٌ للزوجِ متى رغبَ بزيارةِ زوجتِه في أيِّ ساعةٍ منْ ساعاتِ الليلِ118.

يُكتبُ عقدُ المسْيار ويُوثَّقُ على أنَّه زواجٌ عاديٌ منْ دونِ أيِّ شروطٍ فيهِ. وما كانَ بينهما منْ شروطٍ يكونُ على التراضي بينهما. وبهذا تُحفظُ حقوقُ الأولادِ والزوجةِ119.

انتشرَ هذا النوعُ أوّلاً في منطقةِ القصيمِ بالمملكةِ العربيّةِ السعوديّةِ، ثمَّ انتشرَ في المنطقةِ الوسطى. وكانتْ لهُ صورٌ مشابهةٌ قبلَ عقودٍ. وكانوا يسمّونَه سابقاً، الزواجَ السرّيَّ، وزواجَ الملفا (كان التاجر يتزوّج في مكان سفره)، وزواجَ الخميسِ (حين كان يذهب إلى زوجته أيّام الخميس)120.

ومنْ أهمِّ الأسبابِ وراءَ ظهورِ هذا النوعِ منَ الزواجِ، وجودُ عددٍ كبيرٍ منَ النساءِ اللواتي بلغنَ سنَّ الزواجِ ولمْ يتزوَّجن بعدُ، أوْ تزوَّجن وفارقَهُنَّ الأزواجُ لموتٍ أوْ طلاقٍ. كما أنَّ كثيراً منَ النساءِ يرفضنَ تعدّدَ الزوجاتِ، فيلجأُ الرجالُ إلى زواجِ المسيارِ121.

لكنِ اختلفَ الفقهاءُ المعاصرونَ في حُكْمِ زواجِ المسيارِ على ثلاثةِ أقوالٍ:

القولُ الأوّلُ: الإباحةُ معَ الكراهةِ أحياناً، لأنَّه يفتقرُ إلى ما يتميّزُ بهِ الزواجُ العاديُّ منَ السَّكنِ النفسيِّ، والإشرافِ على الأهلِ والأولادِ، ورعايةِ الأسرةِ، وهوَ ممّا يتنافى معَ مقاصدِ الشريعةِ. كما اعتبرَه بعضُ الفقهاءِ مهيناً لكرامةِ المرأةِ وإنِ ارتضتْ هذا النوعَ منَ العقودِ122.

القولُ الثاني: التحريمُ. ومَنْ قالَ بالتحريمِ استندَ إلى أنَّ زواجَ المسيارِ يتنافى معَ مقاصدِ الزواجِ الشرعيّةِ. وحرَّمَه بعضُهم منْ بابِ سدِّ الذرائعِ، لأنَّ كلَّ ما أدّى إلى حرامٍ فهو حرامٌ. وإنَّ النتائجَ الضارّةَ لزواجِ المسيارِ متوقَّعٌ حدوثُها عادةً، وليستْ منَ الأمورِ الطارئةِ أوِ النادرةِ. ولأنَّ الزوجَ يتخفَّفُ منْ مسؤوليّاتِه كزوجٍ، ويصبحُ الزواجُ لقضاءِ الحاجةِ الجنسيّةِ وحسبْ، تحتَ مظلّةٍ شرعيّةٍ123.

القولُ الثالثُ: التوقّفُ في إصدارِ حُكْمِ الإباحةِ أوِ التحريمِ. والفقهاءُ الذينَ توقَّفوا عنْ إصدارِ حُكْمٍ شرعيٍ في زواجِ المسيارِ، لمْ يظهرْ لهم كُنْهُهُ حتّى يرجّحوا أيّاً منَ الحُكْمَيْنِ عليهِ، ولا بدَّ منْ دراسةِ تفاصيلِه وحيثيّاتِه قبلَ ذلكَ124.

ب- العقدُ المؤقَّتُ أوْ زواجُ المتعةِ

اشتهرَ هذا النوعُ منَ العقودِ لدى الرجالِ البعيدينَ عنْ أوطانِهم بحالِ السفرِ أوِ الحربِ، حتّى لا يقعوا في حالةِ زنىً. ومنْ عناصرِ الزواجِ الشرعيِّ، أنْ يكونَ الزواجُ غيرَ محدَّدٍ بمدّةٍ، ويُقْصدُ عادةً بالزواجِ الاستمرارُ طبعاً منْ دونِ تحديدِ أجلٍ مسبقٍ. ولكنْ بوجودِ هذا النوعِ منَ العقودِ، إنّما يُقصدُ بهِ الزواجُ لمدّةٍ محدَّدةٍ قدْ تكونُ ساعةً أوْ سنةً، ويرفضُ السنّةُ هذا العقدَ بينما يقبلُه الشيعةُ. وعندما يحلُّ الأجلُ المتّفقُ عليهِ فإنَّ العقدَ ينحلُّ حُكماً دونَ الحاجةِ إلى طلاقٍ ولا يلتزمُ الزوجُ بمسكنٍ أوْ بنفقةٍ بعدَ الطلاقِ، وإنّما عليهِ فقطْ دفعُ المهرِ. وهذا النوعُ منَ العقودِ لا يقيمُ أيَّ وزنٍ لحقوقِ المرأةِ وهوَ ممقوتٌ في معظمِ الأحوالِ، ولا يُسجَّلُ في المحكمةِ الشرعيّةِ، إلّا إذا تنازلَ الرجلُ عنِ المدّةِ، ومنْ ثمَّ تمَّ عقدُ زواجٍ دائمٍ.

وزواجُ المتعةِ، هوَ الزواجُ المحدَّدُ الأجلِ لقاءَ بدلٍ يُدفعُ، وينتهي بانتهاءِ أجلِه حُكماً، دونَ الحاجةِ إلى طلاقٍ أوْ دفعِ نفقةٍ. وزواجُ المتعةِ منْ أكثرِ المسائلِ الفقهيّةِ اختلافاً بالرأيِ بينَ المذهبِ السنّيِّ الرافضِ لهُ، والمذهبِ الجعفريِّ الموافقِ عليهِ، والذي يعتبرُه الإمامُ موسى الصدرُ حلاً شرعيّاً لمنعِ انحلالِ الأخلاقِ125 وأيضاً حلاً عمليّاً للحؤولِ دونَ اللجوءِ إلى الزواجِ المدنيِّ.

وقدْ حُلِّـلَ زواجُ المتعةِ بالآية (24) منْ سورةِ النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 23 - 24].

زواجُ المتعةِ منَ المسائلِ الفقهيّةِ التي احتملتْ جدلاً واسعاً، فقدْ وُجدَ هذا النوعُ منَ العقودِ وأُبيحَ أكثرَ منْ مرّةٍ، وتمَّ تحريمُه أيضاً أكثرَ منْ مرّةٍ. والملفتُ هوَ السببُ الموجبُ الكامنُ وراءَ تحليلِه، وهوَ الظرفُ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ الخاصُّ. ومنْ تلكَ الأسبابِ، وقوعُ الغزوِ126 البعيدِ أوِ السفرِ الطويلِ. ويُعْتَبَرُ زواجاً كاملاً بفارقِ التوقيتِ، إذْ هوَ محدَّدٌ لأجلٍ معيَّنٍ مسبقاً منَ الناحيةِ الشرعيّةِ لا منَ الناحيةِ الرسميّةِ.

- الزواجُ العُرفيُّ

هوَ منسوبٌ إلى العُرفِ، والعُرفُ في لغةِ العربِ هوَ العلمُ، والتعريفُ هوَ الإعلامُ. أمّا في المصطلحِ، فقدْ عرَّفَه الدكتورُ عبدُ الفتّاح عمرو بأنَّه "عقدٌ مستكملٌ شروطَه الشرعيّةِ، إلّا أنَّه لمْ يُوَثَّقْ أيٌ منهُ بدونِ وثيقةٍ رسميّةٍ كانتْ". وسُمّيَ هذا الزواجُ بـ "العُرفيِّ" أيضاً، لأنَّ المسلمينَ تعارفوا عليهِ منذُ عهدِ الرسولِ وصحابتِه، ولمْ يهتمّوا في تلكَ الأيّامِ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ في مؤسَّساتٍ تابعةٍ للدولةِ، ولمْ يجدوا حرجاً في ذلكَ127.

وقدْ بدأتْ كتابةُ العقودِ، عندما راحَ المسلمونَ يؤخّرونَ دفعَ المهورِ أوْ شيئاً منها للزوجةِ. وأصبحَتْ هذهِ الوثائقُ التي يُدَوَّنُ فيها المَهْرُ المؤخَّرُ أحياناً وثيقةً لإثباتِ الزواجِ نفسِه128. فالزواجُ العرفيُّ لا يختلفُ عنِ الزواجِ الرسميِّ إلّا منْ حيثُ التوثيقِ الرسميِّ في الدوائرِ المختصّةِ. في المقابلِ، لا يجبُ شرعاً تسجيلُ عقدِ الزواجِ، ويكفي أنْ يستكملَ الشروطَ129. والفارقُ هنا، أنَّ الزواجَ المسجَّلَ رسميّاً، ثابتٌ قطعاً، ولا يمكنُ الطعنُ فيهِ وفي نتائجِه. أمّا الزواجُ العرفيُّ، وبسببِ عدمِ تسجيلِه، يقبلُ الطعنَ فيهِ، ويقبلُ الإنكارَ في المحكمةِ الشرعيّةِ130. والإلزامُ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ يندرجُ في بابِ السياسةِ الشرعيّةِ، ويمكنُ لوليِّ الأمرِ (الحاكم) إلزامُ الناسِ بتسجيلِ عقودِ الزواجِ لِمَا في ذلكَ منْ مصالحَ131.

أمّا أسبابُ اللجوءِ إلى الزواجِ العرفيِّ في الزمنِ الراهنِ فهيَ عديدةٌ، منها القيودُ التي فرضتْها قوانينُ الأحوالِ الشخصيّةِ على الزواجِ، ومنها حقُّ الزوجةِ في طلبِ الطلاقِ في حالةِ زواجِ زوجِها مرّةً ثانيةً، وحقُّ الزوجةِ الثانيةِ طلبِ الطلاقِ إنْ لمْ تكنْ تعلمْ أنَّ زوجَها متزوّجٌ منْ قبلِها، ووجوبُ إعلامِ الزوجةِ الأولى بنيّتِه الزواجَ منْ ثانيةٍ، وإعطاءُ المطلَّقةِ حقَّ الحضانةِ والسكنِ في مسكنِ الزوجيّةِ معَ أطفالِها. ومنها أيضاً الصعوباتُ الماديّةُ منْ غلاءِ المهورِ والمبالغةِ في تكاليفِ الزواجِ، والدراسةِ، وقلّةِ الأجورِ، وعدمِ توافرِ المسكنِ الملائمِ، وضعفِ الوازعِ الدينيِّ، وعدمِ الرغبةِ في التنازلِ عنِ الراتبِ التقاعديِّ للزوجِ المتوفّى132.

- زواجُ السرِّ

زواجُ السرِّ وهوَ ما كُتِمَ أمرُه وخَفِيَ، حينَ يُوصى الشهودُ أثناءَ العقدِ بكتمانِه، أوْ أُوصِيَ غيرُهم بالكتمانِ. ولهُ صورتانِ:

الصورةُ الأولى: أنْ يكونَ الزواجُ بينَ الزوجينِ فقطْ دونَ حضورِ الوليِّ أوِ الشاهدينِ، أوْ بحضورِ الوليِّ دونَ الشاهدينِ، ثمَّ يتواصونَ بكتمانِه. وهذا الزواجُ باطلٌ عندَ عامّةِ الفقهاءِ، لفقدِه شَرْطَيِ الوليِّ والشاهدَيْنِ. أمّا لوْ حضرَ الشاهدانِ ولمْ يحضرِ الوليُّ وتواصوا بكتمانِه عنِ الوليِّ وعامّةِ الناسِ، فهو أيضاً منَ العقدِ الباطلِ.

الصورةُ الثانيةُ: أنْ يتمَّ الزواجُ مستوفياً لأركانِه وشروطِه منَ الإيجابِ والقبولِ والوليِّ والشهودِ. ولكنَّهم اتَّفقوا كلُّهم على كتمانِ الزواجِ عنْ عامّةِ الناسِ أوْ عنْ طائفةٍ منهم. وقدِ انقسمَ الفقهاءُ في حُكْمِهِ إلى رأيينِ:

الأوّلُ: ذهبَ جمهورٌ منَ الفقهاءِ الحنفيّةِ والشافعيّةِ والحنابلةِ إلى أنَّ الزواجَ صحيحٌ معَ الكراهةِ، لأنَّه بوجودِ الشاهدَيْنِ لمْ يعدِ الزواجُ سرّاً.

الثاني: ذهبَ المالكيّةُ إلى أنَّ هذا الزواجُ باطلٌ ويُفْسَخُ، لأنَّ المقصودَ منْ شهادةِ الشهودِ الإعلانُ والإظهارُ، وهوَ شرطٌ لصحّةِ الزواجِ133.

إنَّ تعدّدَ أنواعِ عقودِ الزواجِ عبرَ مسمّياتٍ متعدّدةٍ يحتملُ فوارقَ في الشروطِ والتبعاتِ، وهوَ أمرٌ واقعٌ في الإسلامِ وهذا النمطُ منَ التفكيرِ بأنْ تُنظّمَ المؤسَّسةُ الدينيّةُ إطاراً ليسَ معهوداً لدرءِ واقعٍ معيَّنٍ، إنّما يشيرُ إلى مدى رحابةِ صدرِ الإسلامِ في مقاربةِ المشاكلِ المستجدّةِ على المجتمعِ.

هـ - الزواجُ بشرطِ الطلاقِ

هذا النوعُ منَ الزواجاتِ موجودٌ في الفقهِ القديمِ، لكنَّه أُثيرَ أخيراً بعدَ كثرةِ الابتعاثِ إلى الخارجِ للدراسةِ، ثمَّ العودةِ إلى البلدانِ الأصليّةِ، أوْ بسببِ الهجرةِ بهدفِ اكتسابِ الجنسيّةِ، وعدمِ الاستقرارِ في بلدٍ واحدٍ لدوافعِ العملِ أوِ التجارةِ، فيتزوَّجُ المسافرُ بنيّةِ تطليقِ زوجتِه عندما يعودُ إلى بلدِه، أوْ عندما يغيّرُ مكانَ إقامتِه. أمّا الموقفُ الفقهيُّ منهُ فهو إباحتُه عموماً، ما دامَ أنَّ نيّةَ الطلاقِ غيرُ منصوصٍ عليها في العقدِ، وإلّا أصبحَ أشبهَ بنكاحِ المتعةِ، أوِ الزواجِ المؤقّتِ. لكنَّ بعضَ الفقهاءِ قالوا بكراهتِه، دونَ أنْ يحرّموهُ.

وصورةُ هذا الزواجِ، هيَ أنَّ الزوجَ يعقدُ الزواجَ على امرأةٍ وهوَ يضمرُ في نفسِه نيّةَ التطليقِ متى تغيّرتْ ظروفُه أوْ مكانُ إقامتِه، دونَ أنْ ينصَّ على ذلكَ صراحةً في العقدِ134.

- الزواجُ بشرطِ الشَّغارِ

اشتهرَ زواجُ الشَّغارِ في الجاهليّةِ، وهوَ يقومُ على أنْ يُزوِّجَ أحدٌ ابنتَه أوْ أختَه بشرطِ أنْ يُزوِّجَه الآخرُ كذلكَ، وليسَ بينهما صداقٌ. وسُمّيَ بالبَدَلِ أوْ بالشَّغارِ لشغورِه منَ المَهْرِ. وقدْ صحَّحَ العلماءُ هذا النكاحَ بفرضِ مَهْرِ المِثْلِ منَ النساءِ. أمّا ابنُ تيميّةَ فرفضَ الزواجَ إلّا بِمَهْرٍ.

ثالثاً، شروطُ صحّةِ عقدِ الزواجِ الشرعيِّ

اشترطَ الإسلامُ شروطاً عدّةً ليكونَ عقدُ الزواجِ صحيحاً، ويُستطاعُ توثيقُه رسميّاً، ويُعْتَدُّ بهِ في المحاكمِ الشرعيّةِ، ويصحُّ فيهِ نسبُ البنوّةِ وكاملُ مفاعيلِ عقدِ الزواجِ، وما يترتَّبُ عليهِ منْ ميراثٍ. وفي حالِ عدمِ اكتمالِ أركانِ الزواجِ، يُستطاعُ فسخُ العقدِ لعيبٍ اعتُبِرَ سابقاً لتاريخِ عقدِه. ويمكنُ تقسيمُ شروطِ صحّةِ الزواجِ إلى شروطِ انعقادٍ (الإيجاب والقبول والصيغة الدالّة على ذلك، الإشهار)، وهذهِ الشروطُ تُمسي أركاناً للعقدِ، ومنْ دونِها لا يمكنُ القولُ بانعقادِ الزواجِ أصلاً. وشروطٍ عاديّةِ، وهيَ التي تُصيبُ عقدَ الزواجِ بعيبٍ بالرغمِ منِ انعقادِه أصولاً (كأنْ تكونَ المرأةُ في عدَّتِها).

واختلفَ فقهاءُ المذاهبِ كثيراً حولَ ما يدخلُ في أركانِ العقدِ خاصّةً، وبينَ المذهبِ الحنبليِّ والمذاهبِ الأخرى، حيثُ يعتمدُ الحنابلةُ كلَّ شرطٍ ملزمٍ إلّا ما خرجَ بالدليلِ الشرعيِّ كالنصِّ القرآنيِّ. أمّا المذاهبُ الأخرى فتطلبُ النصَّ الشرعيَّ للقولِ بأركانِ العقدِ للالتزامِ بهِ.

أ- طرفا العقدِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّ الزواجَ يتمُّ، بالعقدِ المشتملِ على الإيجابِ والقبولِ منَ المخطوبةِ والخاطبِ، أوْ مَنْ ينوبُ عنهما كالوكيلِ والوليِّ، ولا يتمُّ بمجرَّدِ التراضي بينهما دونَ عقدٍ135.

وبحسبِ الطوائفِ الإسلاميّةِ، على طرفيِ العقدِ أنْ يكونا خاليينِ منْ أيِّ مانعٍ كالقرابةِ الدمويّةِ المانعةِ، أوِ القرابةِ بالرضاعةِ، أوْ أنْ تكونَ المرأةُ مرتبطةً بزواجٍ لمْ ينحلَّ بعدُ، أوْ لمْ تُنْهِ مدّةَ عدَّتِها منْ بعدِ الطلاقِ، أوْ بسببِ اختلافِ الدينِ بالنسبةِ للمسلمةِ عندَ السنّةِ والشيعةِ، إذْ يجوزُ عقدُ الزواجِ عندَ الطائفةِ السنّيّةِ والجعفريّةِ بينَ مسلمٍ ومسلمةٍ أوْ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ. وكلُّ ما عدا ذلكَ في حالِ وقوعِه يُعتبرُ باطلاً لعلّةِ اختلافِ الدينِ.

ولا ينصُّ قانونُ الأحوالِ الشخصيّةِ للموحّدينَ الدروزِ على نصٍّ واضحٍ يمنعُ فيهِ تزويجَ الموحّدِ الدرزيِّ منْ غيرِ ملَّتِه. غيرَ أنَّ المادّةَ الثامنةَ منْ قانونِ تنظيمِ القضاءِ المذهبيِّ الدرزيِّ يحصرُ النظرَ فيهِ على القضايا المتعلّقةِ بتطبيقِ أحكامِ الشرعِ والتقاليدِ الدرزيّةِ، فيُستشفُّ منَ العُرفِ عدمُ جوازِ عقدِ زواجٍ على طرفٍ غيرِ درزيٍ لعدمِ اختصاصِ المحاكمِ المذهبيّةِ بالنظرِ في الخلافاتِ الناشئةِ عنهُ.

ب- الرضى

إنَّ شرطَ الرضى موجودٌ في النظريّةِ العامّةِ للعقودِ ومعروفٌ منذُ أيّامِ الشرعِ الرومانيِّ. ولكنَّ شروطَ وجودِه في عقدِ الزواجِ دفعَ بالكثيرِ منَ الفقهاءِ المسلمينَ إلى القولِ إنَّ عقدَ الزواجِ الإسلاميَّ إنّما هوَ عقدٌ مدنيٌ في مضمونِه، ولا تعارضَ بينهما منَ الناحيةِ الفقهيّةِ، فجوهرهما واحدٌ إذْ هما منَ العقودِ الرضائيّةِ136، وما المقصودُ بشرطِ الرضى سوى الابتعادِ عنْ كلِّ إكراهٍ في الزواجِ، فالرضى مطلوبٌ منَ الطرفينِ137 أوْ منَ الرجلِ ومِمَّنْ يمثّلُ المرأةَ كالوليِّ في الحالاتِ التي لا تستطيعُ توكيلَ نفسِها.

إنَّ طريقةَ التعبيرِ عنِ الرضى يجبُ أنْ تكونَ صريحةً138 وعلانيّةً لا لُبسَ فيهما، ولا يُقبلُ الإبهامُ بتاتاً في عقدِ الزواجِ. ولدى طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ (كما عندَ بقيّةِ الطوائفِ الإسلاميّةِ)، في حالِ تَعنّتِ وكيلِ الفتاةِ لغيرِ سببٍ محقٍّ منَ السماحِ بالزواجِ بابنتِه، يحقُّ لشيخِ العقلِ أوْ لقاضي المذهبِ أنْ يأذنَ لها بنفسِه (المادّةُ السادسةُ منْ قانونِ الأحوالِ الشخصيّةِ للطائفةِ الدرزيّةِ الصادرِ بتاريخِ 24 / 2 / 1972؛ وبالمعنى ذاتِه نجدُ المادّةَ الثامنةَ منْ قانونِ حقوقِ العائلةِ العثمانيِّ الصادرِ بتاريخِ 25 / 10 / 1917. إنَّ ضرورةَ وجودِ وكيلٍ عنِ الفتاةِ دليلٌ على أهمّيّةِ قبولِ المجتمعِ لحالةِ الزواجِ، فالزوجانِ لا يُعتدُّ بإرادتِهما المنفردةِ، وإنْ كانَ رضاهما أساسيّاً في إتمامِ العقدِ.

ج- الوليُّ

يقومُ الوليُّ بولايتِه عنِ الذكرِ في حالِ كانَ قاصراً تحتَ السنِّ الأدنى للزواجِ فقطْ. وتستمرُّ ولايةُ الأبِ على ابنتِه وإنْ أصبحَتْ راشدةً139. أمّا وليُّ المرأةِ في الزواجِ عندَ السنّةِ، فهو العصبةُ بنفسِه على الترتيبِ الآتي: الأبُ ثمَّ الأخُ ثمَّ الجدُّ للأبِ ثمَّ العمُّ. وإلّا فيكونُ القاضي عندئذٍ هوَ الوليَّ في الزواجِ.

ويتداخلُ موضوعُ الوليِّ بشرطِ الرضى بالنسبةِ إلى الفتاةِ، حيثُ يُشترطُ رضاها. ولكنَّ الوليَّ هوَ مَنْ يعبّرُ عنها. وهذا ما يخلقُ حالاتٍ منْ عدمِ الوضوحِ حولَ درجةِ التدخّلِ الذي يمارسُه الوليُّ. وقدِ اتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ الشرعيّةِ منْ شافعيّةٍ ومالكيّةٍ وحنبليّةٍ على عدمِ إمكانيّةِ تزويجِ الفتاةِ لنفسِها، والسببُ منْ وراءِ ذلكَ لهُ مظهرٌ اجتماعيٌ: إذْ إنَّ الفتاةَ الزانيةَ هيَ مَنْ تقومُ بذلكَ ونكاحُها باطلٌ140، أمّا المذهبُ الحنفيُّ فأقرَّ للمرأةِ البالغةِ العاقلةِ الحقَّ في تزويجِ نفسِها.

الوليُّ في الزواجِ عندَ الطوائفِ الإسلاميّةِ هوَ العصبةُ منَ الذكورِ على الترتيبِ (أيِ الذكرُ في العائلةِ، ودائماً لجهةِ الأبِ: الأبُ ثمَّ الأخُ ثمَّ الجدُّ للأبِ ثمَّ العمُّ) ويشترطُ أنْ يكونَ مكلَّفاً، فلا ولايةَ للصبيِّ والمجنونِ والمعتوهِ على أحدٍ أصلاً. والوليُّ عندَ الشيعةِ الإماميَّةِ هوَ الأبُ والجدُّ فقطْ نظراً لمدى حرصِهما على حقوقِ الزوجةِ. وبما أنَّ ضرورةَ وجودِ مَنْ يتولَّى إعلانَ الموافقةِ عنِ المرأةِ، فهذا يدلُّ على أنَّ فكرةَ التزاوجِ تتعدَّى في أثرِها الاجتماعيِّ ما يدورُ بينَ

الطرفينِ ذاتهما وتمتدُّ للتوسّعِ لتطالَ فكرةَ المصاهرةِ بينَ العشيرتينِ أوِ القبيلتينِ، خصوصاً أنَّ حالةَ القبائلِ معَ انطلاقةِ الإسلامِ لمْ تكنْ تجيزُ للمرأةِ حقَّ الموافقةِ. أمّا عندَ مَنْ أجازَ موافقتَها، فكانتْ هذهِ الموافقةُ تتعطَّلُ، إذا كانَ العريسُ ابنَ العمِّ 141. هذا كانَ واقعُ الحالِ، الذي يبرزُ أهمّيّةَ رابطةِ الدمِّ والنسبِ عندَ القبائلِ العربيّةِ وفي شبهِ الجزيرةِ العربيّةِ تحديداً.

ومنْ أنواعِ الولايةِ، ولايةُ الجبْرِ، وهيَ اقتصارُ الرضى في الزواجِ على الوليِّ وإنْ رفضتِ الزوجةُ ذلكَ، وهيَ موجودةٌ عندَ الشافعيّةِ والمالكيّةِ والحنبليّةِ. أمّا عندَ مذهبِ الحنيفةِ فالأفضلُ استعمالُ "ولايةِ الاستحبابِ" والتي هيَ "ولايةُ مشاركةِ" الفتاةِ لوليّها بالقرارِ وسماحِها لهُ بتنظيمِ عقدِ الزواجِ. وقدْ رفضتْ معظمُ الدولِ العربيّةِ، عبرَ تحديثِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيّةِ، ولايةَ الإجبارِ وأبقتْ على ولايةِ المشاركةِ حتّى للصغيرةِ.

وعندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، لشيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ، أنْ يأذنَ بالزواجِ للمراهقِ الذي أكملَ السادسةَ عشرةَ منْ عمرِه ولمْ يكملِ الثامنةَ عشرةَ، إذا ثبتَ لديهِ طبّيّاً أنَّ حالتَه تتحمَّلُ ذلكَ، على أنْ يكونَ إذنُ أحدِ شيخيِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ موقوفاً على إذنِ وليِّ المراهقِ. ولشيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ أنْ يأذنَ بالزواجِ للمراهقةِ التي أكملتِ الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ ولمْ تكملِ السابعةَ عشرةَ، إذا ثبتَ لديهِ طبّيّاً أنَّ حالَها يتحمَّلُ ذلكَ، وأذِنَ وليُّها 142.

وإذا طلبتِ الكبيرةُ التي يتراوحُ سنُّها بينَ السابعةَ عشرةَ والحاديةِ والعشرينَ أنْ تتزوَّجَ بشخصٍ، فشيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ يبلّغُ ذلكَ لوليّها، وإذا لمْ يعترضِ الوليُّ في مدّةِ خمسةَ عشرَ يوماً منْ تاريخِ تبليغِه أوِ اعترضَ ورُؤيَ اعتراضُه في غيرِ محلِّه، أذِنَ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ بزواجهما 143.

د- إشهارُ الزواجِ

المقصودُ بإشهارِ الزواجِ تسجيلُه، بحيثُ يكتسبُ صفةَ العلانيّةِ ويزيلُ عنْ عقدِ الزواجِ الصفةَ السرّيّةِ، التي قدْ توقعُ الزوجانِ في شبهةِ الزنى. كما إنَّ مفهومَ الإشهارِ يحمي مؤسَّسةَ الزواجِ منَ التنكّرِ لهُ بفعلِ الضغوطاتِ الاجتماعيّةِ أوِ الاقتصاديّةِ ويحفظُ مصالحَ الزوجينِ وحقوقَ الأولادِ. ويُستكملُ الإشهارُ قانوناً عندَ تسجيلِ عقدِ الزواجِ في الدوائرِ الرسميّةِ، فيُسْتَحْصَلُ على شهادةٍ بذلكَ.

هـ- الصيغةُ القانونيّةُ للزواجِ

الصيغةُ القانونيّةُ هيَ الصيغةُ المعتمدةُ للدلالةِ على الإيجابِ والقبولِ، ويجبُ أنْ يتوافقَ القبولُ معَ الإيجابِ تماماً. ويجوزُ للأخرسِ الإشارةُ إلى القبولِ بالإيماءِ 144. إنَّ مجرَّدَ التقاءُ الإيجابِ والقبولِ بينَ الطرفينِ يسمحُ باعتبارِ الزواجِ قائماً. ومنْ أشهرِ العباراتِ المستعملةِ في الصيغةِ القانونيّةِ، كأنْ تقولَ المرأةُ أوّلاً زوّجتُك نفسي بمهرٍ قدرُه... ويقولُ الرجلُ قبلتُ التزويجَ. وقصرَ الشافعيّةُ والحنابلةُ ألفاظَ الصيغةِ على عبارتي النكاحِ والتزويجِ 145، أمّا الحنفيّةُ والمالكيّةُ فأجازوا التزويجَ باستعمالِ كلِّ لفظٍ يدلُّ على ذلكَ 146، فالعبرةُ في العقودِ بالمقصودِ لا بالألفاظِ والمباني.

و- الشاهدانِ

وجودُ الشهودِ هوَ منْ بابِ إشهارِ الزواجِ، ويُسمّى الشاهدانِ عدلاً. ويمكنُ أنْ يكونا منْ أصولِ أوْ فروعِ الخاطبِ أوِ المخطوبةِ. والمقصودُ بضرورةِ وجودِهما هوَ الإشهارُ بعمليّةِ الزواجِ، الذي قدْ يكونُ في حدّهِ الأدنى شاهدانِ اثنانِ 147 فقطْ، ووجودُ الشهودِ غيرُ مطلوبٍ عندَ الشيعةِ في الزواجِ وإنّما للطلاقِ، بعكسِ أهلِ السنّةِ الذينَ لا يوجبونَ حضورَ الشاهدينِ عندَ الطلاقِ. وعندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ، ضرورةُ حضورِ أربعةِ شهودٍ على الأقلِّ.

والشاهدانِ هما منَ الذكورِ، ودورهما التأكُّدُ منْ عمليّةِ احترامِ قواعدِ عقدِ الزواجِ، وهما ضروريّانِ بعكسِ حالةِ وليِّ أمرِ الزوجةِ، إذْ هوَ مطلوبٌ في حالاتٍ وفي حالاتٍ أخرى غيرُ مطلوبٍ وجودُه.

ز- رجلُ الدينِ

يتطلَّبُ تسجيلُ الزواجِ رسميّاً، حضورُ الزوجينِ إلى المحكمةِ الشرعيّةِ منفردَيْنِ، أوْ بحضورِ الشيخِ الذي يعقدُ الزواجَ، ومنْ ثمَّ هوَ يتولّى هوَ عمليّةَ التسجيلِ منعاً للوقوعِ في علاقةِ حرامِ ومنْ أجلِ تسجيلِ الأولادِ رسميّاً.

والمأذونُ هوَ الشخصُ المعيّنُ بحسبِ القانونِ الشرعيِّ، وتقومُ مهمَّتُه على إتمامِ عقدِ الزواجِ وتسجيلِه، بحيثُ تنتفي إشكاليّةُ الشيخِ الصوريِّ، الذي لا يُعْتَدُّ بعقدِه في بعضِ الدولِ وخصوصاً في مصرَ مثلاً.

عندَ طائفةِ الموحّدينَ الدروزِ لا يكونُ العقدُ صحيحاً إلّا إذا أجراهُ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ أوْ مَنْ أنابَه عنهُ لإجرائِه. ويُعيَّنُ المأذونَ شيخُ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ في كلِّ قضاءٍ. وعلى المأذونِ بعدَ إتمامِ عقدِ الزواجِ أنْ يرسلَه إلى شيخِ العقلِ أوْ قاضي المذهبِ منْ أجلِ المصادقةِ عليهِ 148.

بذلكَ إذاً، يكونُ دورُ رجلِ الدينِ في عقدِ الزواجِ موثّقاً لهُ فقطْ، ويمكنُ الاستغناءُ عنهُ شرعاً 149، إذْ يمكنُ أنْ يقومَ مقامَه أيُّ شخصٍ آخرَ، وخصوصاً أنَّ الإسلامَ أيضاً لا يشترطُ إتمامَ عمليّةِ الزواجِ داخلَ المسجدِ أوْ أيِّ مكانِ عبادةٍ خاصٍّ 150. وفي فتوى 151 شهيرةٍ لمفتي الجمهوريّةِ اللبنانيّةِ الشيخ حسن خالد عام 1958 عُمِّمَتْ على البعثاتِ الدبلوماسيّةِ، سمحَ بموجبِها لهم بعقدِ الزواجِ بينَ مسلمٍ وكتابيّةٍ، على أنَّ يُزوَّدَ كلُّ ممثلٍ في الخارجِ باستنابةٍ خارجيّةٍ تُعطى منَ المحاكمِ الشرعيّةِ صاحبةِ الشأنِ في لبنانَ تخوّله عقدَ الزواجِ.

ح- المَهْرُ

ويُطلقُ عليهِ الصَّداقُ، بكسرِ الصادِ وفتحِها. وسُمّيَ المهرُ صداقاً، لأنَّه يدلُّ على صدقِ رغبةِ باذلِه في النكاحِ، الذي هوَ الأصلُ في إيجابِ المهرِ 152. ويُسْتَحَبُّ في المهرِ ألّا ينقصَ عنْ عشرةِ دراهمَ فضيّةٍ. وقالَ أبو حنيفة: "لا يجوزُ أقلُّ منْ ذلكَ". وقالَ مالك: "الصداقُ ربعُ دينارٍ ذهبيٍ". ويستحقُّ المهرُ عندَ الوطءِ أوْ عندَ موتِ الزواجِ 153.

وإنْ لمْ يُسَمَّ المهرُ في العقدِ، صحَّ عقدُ النكاحِ، ووجبَ مهرُ مثلِه منْ نساءِ الأقاربِ. أمّا عندَ مالك فيُبطلُ النكاحُ 154. والأصلُ منْ وراءِ المهرِ فيهِ ما وردَ في الآيةِ الرابعةِ منْ سورةِ النساء: ﴿ وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنيئاً مَريئاً ﴾ (النساء: 4).

على العروسينِ الاتّفاقُ مسبقاً على المَهْرِ. والمهرُ كانَ يُدفعُ معجَّلاً ولا يؤخَّرُ. إلّا أنَّه، بعدَ أنْ كثرَ لدى المسلمينَ الزواجُ وتأخيرُ دفعِ المَهْرِ، تمَّ اشتراطُ تسجيلِه في عقودِ الزواجِ، حتّى تستقيمَ الأمورُ وإنْ طالَ الزمنُ، ولا يُنسى مبلغُ المهرِ. ودرجتْ عادةُ تسجيلِ عقودِ الزواجِ في سجلاّتٍ رسميّةٍ تُحفظُ في المحاكمِ الشرعيّةِ.

وعندَ الموحّدينَ الدروزِ، المهرُ هوَ الذي يجبُ بالزواجِ. ويترتَّبُ على الزوجِ للزوجةِ بمجرّدِ العقدِ الصحيحِ عليها. وهوَ قسمانِ معجَّلٌ ومؤجَّلٌ. يترتَّبُ المعجَّلُ على الزوجِ بمجرّدِ العقدِ الصحيحِ. أمّا المؤجَّلُ فيجبُ على الزوجِ عندَ حلولِ أحدِ الأجلينِ، الطلاقُ أوِ الوفاةُ 155.

رابعاً، محرَّماتُ الزواجِ

يُشترطُ في صحّةِ عقدِ الزواجِ خلوُّ المرأةِ منَ الموانعِ، أيْ أنْ تكونَ محلاً صالحاً للعقدِ. والموانعُ قسمانِ: نسبٌ، وفيهِ سبعةُ أصنافٍ تقتضي التحريمَ المؤبَّدَ؛ وسببٌ، فيهِ عشرةُ أصنافٍ، منها ما يوجبُ التحريمَ المؤبَّدَ، ومنها التحريمُ المؤقَّتُ.

أ- محرَّماتُ النسبِ:

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّ النساءَ اللاتي يحرمنَ بالنسبِ هنَّ سبعٌ:
أوّلاً: الأمُّ، وتشملُ الجدَّاتِ لأبٍ أوْ لأمٍّ.
ثانياً: البنتُ، وتشملُ بناتِ الابنِ وبناتِ البنتِ وإنْ نزلنَ.
ثالثاً: الأختُ، سواءٌ أكانتْ لأبٍ أوْ لأمٍّ.
رابعاً: العمّاتُ.
خامساً: الخالاتُ.
سادساً: بناتُ الأخِ وإنْ نزلنَ.
سابعاً: بناتُ الأختِ وإنْ نزلنَ.

والأصلُ في ذلكَ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ﴾ 156 (النساء: 23).

أمّا عندَ الموحّدينَ الدروزِ، فإنَّ زواجَ النساءِ ذواتِ الرحمِ المحرَّمِ برجلٍ بينَه وبينهنَّ قرابةٌ نسبيّةٌ ممنوعٌ وباطلٌ. والنساءُ المذكوراتُ أربعةُ أصنافٍ:

1 - أمُّ الرجلِ وجدَّاتُه.

2 - البناتُ والحفيداتُ.

3 – الأخواتُ وبناتُ الإخوةِ والأخواتِ مطلقاً وحفيداتُهنَّ.

4 - العمّاتُ والخالاتُ مطلقاً 157.

كما يُمنعُ تزوّجُ الرجلِ بمرضعتِه أوْ بأختِ الرضاعةِ.

ب- أمّا التحريمُ بالسببِ فهو:

أوّلاً، المصاهرةُ

وقدِ اتَّفقَ الفقهاءُ على التحريمِ بسببِ المصاهرةِ في الحالاتِ التاليةِ:

أوّلاً: تُحَرَّمُ زوجةُ الأبِ على ابنِه وإنْ نزلَ، بمجرَّدِ العقدِ على الزوجةِ، سواءٌ دخلَ بها أمْ لمْ يدخلْ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (22) منْ سورةِ النساء (ولا تنكحوا ما نكحَ آباؤكم منْ قبلُ).

ثانياً: تُحَرَّمُ زوجةُ الابنِ على أبيهِ وإنْ علا، بمجرَّدِ العقدِ عليها. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء (وحلائلُ أبنائِكم الذينَ منْ أصلابِكم).

ثالثاً: تُحَرَّمُ أمُّ الزوجةِ وإنْ علَتْ بمجرَّدِ العقدِ على ابنتِها، إنْ لمْ يدخلْ عليها زوجُها. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء (وأمهاتُ نسائِكم).

رابعاً: لا تُحَرَّمُ ابنةُ الزوجةِ على العاقدِ بمجرَّدِ العقدِ على أمّها. فيجوزُ لهُ الزواجُ بها قبلَ أنْ يدخلَ على الأمِّ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (23) منْ سورةِ النساء ﴿... و ر با ئبُكُمُ اللَّا تي في حُجُو ركُم مِّ ن ن سا ئكُمُ اللَّا تي د خلْتُم بِ هِنَّ ف إن لَّمْ ت كُونُوا د خلْتُم بِ هِنَّ ف لا جُ نا حَ ع ليْكُمْ... ﴾ وقالَ الحنفيّةُ والمالكيّةُ، بخلافِ الجعفريّةِ والشافعيّةِ والحنابلةِ، إنَّ اللمسَ والنظرَ بشهوةٍ يوجبُ تحريمَ ابنةِ الزوجةِ، وهما تماماً كالدخولِ على الأمِّ 158.

المحرمات بالمصاهرة عند الموحدين الدروز

أمّا عندَ الموحّدينَ الدروزِ، فإنْ تزوَّجَ الرجلُ النساءَ الذي بينَه وبينهنَّ مصاهرةٌ، فذلكَ ممنوعٌ وباطلٌ. والنساءُ المذكوراتُ أربعةُ أصنافٍ:

أوّلاً: زوجاتُ الأبناءِ والحفدةِ.

ثانياً: أمّهاتُ الزوجاتِ وجدّاتُهنَّ مطلقاً.

ثالثاً: زوجاتُ الآباءِ والأجدادِ.

رابعاً: بناتُ الزوجاتِ وحفيداتُهنَّ.

خامساً، الجمعُ بينَ المحارمِ

منَ الثابتِ في الإسلامِ تحريمُ الجمعِ بينَ الأختينِ طبقاً للآية (22) منْ سورةِ النساء (وأنْ تجمعوا بينَ الأختينِ). واتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ، على تحريمِ الجمعِ بينَ امرأةٍ وعمّتِها أوْ بينَها وخالتِها، لأنَّ عندَهم قاعدةً تقولُ: لوْ كانتْ إحداهما ذكراً لَحُرِمَ عليهِ تزويجُ الأخرى، فلوْ فرضنا العمّةَ ذكراً لكانتْ عَمّاً. ولا يجوزُ لهُ الزواجُ منِ ابنةِ أخيهِ، ولوْ فرضنا ابنةَ الأخِ ذكراً، لكانَ ابنَ الأخِ، ولا يجوزُ لابنِ الأخِ الزواجُ منْ عمّتِه. وكذلكَ هوَ القياسُ بالنسبةِ إلى الخالةِ.

واختلفَ فقهاءُ الجعفريّةِ. فمنْهم مَنْ قالَ بقولِ المذاهبِ الأربعةِ. لكنَّ أكثرَهم ذهبَ إلى أنَّه إذا تزوَّجَ أوّلاً ببنتِ الأخِ، أوْ بنتِ الأختِ، فلهُ أنْ يتزوَّجَ العمّةَ أوِ الخالةَ، وإنْ لمْ تأذنْ لهُ بنتُ الأخِ أوْ بنتِ الأختِ. أمّا إذا تزوَّجَ العمّةَ أوِ الخالةَ أوّلاً، فلا يجوزُ لهُ أنْ يعقدَ على ابنةِ الأخِ أوِ ابنةِ الأختِ، إلّا إذا أذِنَتْ لهُ العمّةُ أوِ الخالةُ. واستدلوا بالآية (24) منْ سورةِ النساء (وأُحِلَّ لكُم مَّا ورآءَ ذلِكُمْ). فبعدَ أنْ عدَّدتِ الآيةُ المحرَّماتِ أباحتْ غيرَهنَّ. وهذهِ الإباحةُ تشملُ الجمعَ بينَ العمّةِ وبنتِ الأخِ وبينَ الخالةِ وبنتِ الأختِ. ولوْ كانَ هذا الجمعُ محرَّماً لنصَّ عليهِ القرآنُ، كما نصَّ على تحريمِ الجمعِ بينَ الأختينِ 159.

أ- الزنى

قالَ الشافعيّةُ والمالكيّةُ: "إنَّ ابنةَ الزنى تبقى أجنبيّةً عليهِ، ولا يجري بينهما توارثٌ ولا نفقةٌ. وليستْ بنوتُها البيولوجيّةُ مانعاً منَ الزواجِ بها". أمّا الحنفيّةُ والجعفريّةُ والحنابلةُ فقالوا: "تُحَرَّمُ ابنةُ الزنى على الأبِ، كما تُحَرَّمُ البنتُ الشرعيّةُ، لأنّها متكوّنةٌ منْ مائِه. هيَ ابنتُه لغةً وعُرفاً. ونفيُها شرعاً يوجبُ نفيَ الآثارِ الشرعيّةِ فقطْ منْ توارثٍ ونفقةٍ". وقالَ الإماميَّةُ: "مَنْ زنى بامرأةٍ أوْ دخلَ بها شبهةً، وهيَ متزوّجةٌ أوْ معتدّةٌ منْ طلاقٍ رجعيٍ تُحَرَّمُ عليهِ مؤبّداً. أمّا لوْ زنى بها وهيَ خليّةٌ منْ زوجٍ، أوْ كانتْ معتدّةً عدّةَ وفاةٍ، أوْ منْ طلاقٍ بائنٍ (نهائيٍّ) فلا تُحَرَّمُ عليهِ، أيِ العقدُ عليها. وعندَ المذاهبِ الأربعةِ لا يوجبُ الزنى العقدَ لاحقاً بينَ الزاني والزانيةِ سواءٌ أكانتْ صاحبةَ زوجٍ خلالَ الزنى أمْ كانتْ خاليةً منْ زوجٍ 160.

ب- عددُ الزوجاتِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّه يجوزُ للرجلِ أنْ يجمعَ بينَ أربعِ نساءٍ، ولا تجوزُ لهُ الخامسةُ. والأصلُ فيهِ الآيةُ (3) منْ سورةِ النساء (فانكحوا ما طابَ لكم منَ النساء مَثْنَى وثُلاثَ وثُلاثَ ورُباعَ). فإذا خرجتْ إحداهنَّ منْ عصمةِ الزوجِ بطلاقٍ أوْ وفاةٍ جازَ لهُ التزوّجُ منْ أخرى. وقالَ الإماميَّةُ والشافعيّةُ: "إذا طلَّقَ إحدى زوجاتِه الأربعِ طلاقاً رجعيّاً، فلا يجوزُ لهُ أنْ يعقدَ على أخرى حتّى تنتهيَ عدَّتُها. أمّا إذا كانَ الطلاقُ بائناً فيجوزُ لهُ ذلكَ". وقالتْ سائرُ المذاهبِ الأخرى: "ليسَ لهُ أنْ يعقدَ على غيرِها حتّى تنتهيَ عدَّتُها، ولا أنْ يعقدَ على أختِ المطلَّقةِ إلّا بعدَ انقضاءِ العدّةِ. لا فرقَ في ذلكَ بينَ طلاقٍ رجعيٍ أوْ بائنٍ" 161.

ج- اللّعانُ

إذا قذفَ رجلٌ زوجتَه بالزنى أوْ نفى مَنْ وُلِدَ لهُ على فراشِ الزوجيّةِ، وأكذبتْه هيَ، ولا بيّنةَ لهُ، جازَ لهُ أنْ يلاعنَها. أمّا كيفيّةُ الملاعنةِ فهيَ أنْ يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ أنَّه منَ الصادقينَ فيمَا رماها بهِ، ثمَّ يقولُ في الخامسةِ أنَّ لعنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ منَ الكاذبينَ. ثمَّ تشهدُ المرأةُ أربعَ شهاداتٍ باللهِ أنَّه منَ الكاذبينَ. ثمَّ تقولُ في الخامسةِ إنَّ غضبَ اللهِ عليها إنْ كانَ منَ الصادقينَ. فإنِ امتنعَ هوَ عنِ الملاعنةِ أُقيمَ عليهِ حدُّ القذفِ. وإذا لاعنَ وامتنعتْ هيَ أُقيمَ عليها الحدُّ. وإذا تمَّتِ الملاعنةُ بينهما يسقطُ الحدُّ عنهما، ويُفَرَّقُ بينهما، ولا يلحقُ الولدُ بهِ الذي نفى نسبتَه إليهِ. والأصلُ فيهِ الآية 7 منْ سورةِ النور ﴿ وا لَّذِي نَ يَرْمُونَ أ زْ واجَهُمْ و لَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَداء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهادةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللََّّ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللََّّ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللََّّ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللََّّ عَلَيْها إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ (النور: 7). واتّفقوا جميعاً على وجوبِ التفرقةِ بينهما بعدَ الملاعنةِ. واختلفوا هلِ التحريمُ بينهما مؤبَّدٌ أمْ مؤقَّتٌ. فقالتِ الشافعيّةُ والإماميَّةُ والحنابلةُ بالقولِ الأوّلِ. وقالتِ الحنفيّةُ إنَّ الملاعنةَ كالطلاقِ، فلا تُحَرَّمُ مؤبَّداً 162.

د- عددُ الطلقاتِ

اتّفقوا على أنَّ الرجلَ إذا طلَّقَ زوجتَه ثلاثاً بينهما طلقتانِ رجعيّتانِ حُرِمَتْ عليهِ. ولا تحلُّ لهُ حتّى تتزوَّجَ رجلاً آخرَ ثمَّ يطلّقَها. وعليهِ، فإنَّ الطلاقَ الثالثَ منْ أسبابِ موانعِ الزواجِ، وهوَ التحريمُ مؤقَّتٌ لا مؤبَّدٌ. لكنَّ الإماميَّةَ قالوا: لوْ تكرَّرتْ حالاتُ الطلاقِ والرجعةِ والتحليلِ بعدَ الطلاقِ الثالثِ، ثلاثَ مرّاتٍ حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً، أيْ لوْ طلَّقَ المرأةَ تسعاً طلاقَ العدّةِ حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً، بمعنى أنَّ زوجَها لوْ طلَّقَها ثمَّ راجعَها وواقعَها ثمَّ طلَّقَها ثانيةً فراجعَها وواقعَها، وطلَّقَها ثالثةً فلا تعودُ إليهِ إلّا بمُحَلّلٍ. فإذا تكرَّرتِ الطلقاتُ الثلاثُ على المنحى نفسِه، مرّتينِ أُخريينِ، حُرِمَتْ عليهِ مؤبَّداً 163.

هـ- اختلافُ الدينِ

اتَّفقَ الفقهاءُ على أنَّه لا يجوزُ للمسلمِ ولا للمسلمةِ الزواجُ بِمَنْ لا كتابَ سماويّاً لهُ، أوْ لا شبهةَ كتابٍ. والمقصودُ عبدةُ الأوثانِ والنيرانِ والشمسِ والنجومِ، وكذلكَ الملحدينَ. واتَّفقَ فقهاءُ المذاهبِ السنّيّةِ الأربعةِ على أنَّ مَنْ لديهم شبهةُ كتابٍ لا يجوزُ الزواجُ منهم. والمقصودُ بهم مثلاً المجوسُ الذينَ يُقالُ إنَّه كانَ لديهم كتابٌ سماويٌ ثمَّ بدَّلوه. واتَّفقتِ المذاهبُ الأربعةِ أيضاً على جوازِ زواجِ المسلمِ منَ الكتابيّةِ، النصرانيّةِ أوِ اليهوديّةِ. لكنْ لا يجوزُ زواجُ المسلمةِ منَ الكتابيِّ. أمّا فقهاءُ الإماميَّةِ فاتَّفقوا على تحريمِ زواجِ المسلمةِ منْ كتابيٍ كما هوَ قولُ المذاهبِ الأربعةِ. واختلفوا فيما بينهم في زواجِ المسلمِ منْ كتابيّةٍ. فبعضُ الإماميَّةِ قالَ لا يجوزُ ذلكَ، واستدلّوا بالآية 10 منْ سورةِ الممتحنة (ولا تمسكوا بعصمِ الكوافرِ). وقالَ آخرونَ يجوزُ زواجُ المسلمِ منْ كتابيّةٍ، والأصلُ فيهِ الآية 5 منْ سورةِ المائدة (والمحصناتُ منَ المؤمناتِ والمحصناتُ منَ الذينَ أوتوا الكتابَ منْ قبلِكم) 164.

و- الرضاعُ

اتَّفقوا جميعاً على صحّةِ الحديثِ النبويِّ: "يُحَرَّمُ منَ الرضاعِ ما يُحَرَّمُ منَ النسبِ". وعليهِ، فكلُّ امرأةٍ حُرِمَتْ منَ النسبِ تُحَرَّمُ كذلكَ في الرضاعِ. وأيُّ امرأةٍ تصيرُ بسببِ الرضاعِ، أمّاً أوْ بنتاً أوْ أختاً أوْ عمّةً أوْ خالةً أوِ ابنةَ أخٍ أوِ ابنةَ أختٍ، يحرمُ الزواجُ منها بالاتّفاقِ. واختلفوا في الشروطِ، فقالَ الإماميَّةُ يُشترطُ أنْ يحصلَ لبنُ المرأةِ منْ نكاحٍ صحيحٍ. فلوْ درَّ لبنُها منْ دونِ زواجٍ أوْ بسببِ الحملِ منْ زنىً، فلا يؤدّي الرضاعُ في هذهِ الحالةِ إلى تحريمِ الزواجِ منَ الأمِّ بالرضاعةِ قياساً على محارمِ النسبِ. أمّا الحنفيّةُ والشافعيّةُ والمالكيّةُ فقالوا: لا فرقَ بينَ أنْ تكونَ المرأةُ بكراً أوْ ثيّباً، ولا بينَ أنْ تكونَ متزوّجةً أوْ غيرَ متزوّجةٍ، متى كانَ لها لبنٌ يدرُّ منها ويشربُ منهُ الرضيعُ. وقالَ الحنابلةُ لا تترتَّبُ أحكامُ الرضاعِ شرعاً إلّا إذا درَّ اللبنُ بسببِ الحملِ. ولمْ يشترطوا أنْ يكونَ الحملُ بزواجٍ صحيحٍ 165.

ز- العدّةُ

اتّفقَ الفقهاءُ على أنَّ المعتدّةَ لا يجوزُ عقدُ الزواجِ عليها كالمتزوّجةِ تماماً، سواءٌ أكانتْ عدَّتُها لوفاةِ الزوجِ، أوْ طلاقِها منهُ طلاقاً رجعيّاً أوْ بائناً. والأصلُ فيهِ الآية 228 منْ سورةِ البقرة (والمطلقاتُ يتربصنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قروءٍ)، والآية 234 منْ سورةِ البقرة (والذينَ يتوفّونَ منكم ويذرونَ أزواجاً يتربصنَ بأنفسِهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً). وقالَ الإماميَّةُ لا يجوزُ العقدُ على المعتدّةِ الرجعيّةِ أوِ البائنةِ. وإذا عُقِدَ عليها معَ العلمِ بالعقدِ وبالحرمةِ بطلَ النكاحُ، وحُرِمَتْ مؤبَّداً، سواءٌ أدخلَ عليها أمْ لمْ يدخلْ. ومعَ الجهلِ بالعدّةِ وبالحرمةِ لا تُحَرَّمُ مؤبَّداً إلّا إذا دخلَ عليها 166.

ح- الإحرامُ

قالَ الإماميَّةُ والشافعيّةُ والمالكيّةُ والحنابلةُ يُحَرَّمُ للمحرمِ منْ أجلِ أداءِ الحجِّ أوِ العمرةِ أنْ يتزوَّجَ أوْ يُزوّجَ، رجلاً كانَ أوِ امرأةً، وكيلاً أوْ وليّاً. وإنْ حصلَ الزواجُ كانَ باطلاً. والأصلُ فيهِ الحديثُ النبويُّ: "لا ينكحُ المحرمُ ولا يُنكحُ ولا يخطبُ". وقالَ الحنفيّةُ: الإحرامُ لا يمنعُ الزواجَ. وقالَ الإماميَّةُ إذا حصلَ الزواجُ معَ العلمِ بالتحريمِ فُرِّقَ بينهما، وحُرِمَتِ المرأةُ مؤبَّداً، بخلافِ رأيِ المذاهبِ الأخرى 167.

خلاصةٌ

بالرغمِ منَ التشابكِ الكثيفِ لكثيرٍ منَ الاعتباراتِ المتقاطعةِ حولَ الزواجِ، إلّا أنّنا نستطيعُ تمييزَ ثلاثِ مراحلَ للزواجِ في أوروبا الغربيّةِ بشكلٍ خاصٍّ لكونِ عاداتِ هذهِ المنطقةِ قدْ طبعتْ صورةَ الزواجِ عالميّاً. المرحلةُ الأولى، حيثُ كانَ الزواجُ يتمُّ بعدَ وقتٍ قدْ يطولُ أوْ لاحقاً، لحينِ تحقيقِ إنجابِ الأولادِ، فيتمُّ الزواجُ عندئذٍ.

المرحلةُ الثانيةُ، معَ بداياتِ القرنِ الثامنِ عشرَ والثورةِ الاقتصاديّةِ وعصرِ الأنوارِ، تبلورتْ وبصورةٍ سريعةٍ أحقيّةُ اختيارِ الشريكينِ بعضِهما لبعضٍ بناءً على عاملٍ واحدٍ هوَ الحبُّ دونَ أيِّ اعتبارٍ آخرَ للزواجِ المدبّرِ أوِ القسريِّ. فمسألةُ الزواجِ مسألةٌ شخصيّةٌ بحتةٌ، بدلاً منِ اعتبارِها قضيّةَ نظامٍ سياسيٍ أوْ إثنيٍ أوْ طبقيٍ.

إنَّ تقاطعَ الزواجِ معَ عدّةِ محاورَ تطالُ حياةَ الإنسانِ، يُؤَسّسُ لفهمٍ أفضلَ لحيثيّةِ الزواجِ، ولمدى تداخلِ كلٍّ منَ العاملِ السياسيِّ والاجتماعيِّ والدينيِّ. أمّا في تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، فاللهُ هوَ المشرّعُ وهوَ واضعُ سرِّ الزواجِ. أيْ إنَّ تلكَ الشركةَ بينَ الزوجينِ قدْ أسَّسَها الخالقُ، وهوَ مَنْ سنَّ قوانينَها. وبالتالي، إنَّ النظرةَ إلى العائلةِ، لا تقومُ على مجرَّدِ نظرةٍ إنسانيّةٍ، وإنّما على اعتبارِ العائلةِ مؤسَّسةً إلهيّةً ثابتةً، لا تتغيَّرُ بحكمِ ثباتِ اللهِ المشرّعِ لها. فهلْ يلغي هذا الصهرُ والذوبانُ العاملَ الاجتماعيَّ والثقافيَّ لدى المجتمعاتِ، بينَ الزواجِ والإرادةِ الإلهيّةِ؟

يُشكّلُ الزواجُ محطّةً في المسيرةِ الروحيّةِ، إذْ خلقَ اللهُ الرجلَ والمرأةَ أحدَهما للآخرِ، فليسَ حسناً أنْ يبقى الإنسانُ وحدَه. والاتّحادُ بينهما يُنشئُ رباطاً جديداً، فيصبحانِ كلاهما جسداً واحداً. أيْ إنَّ الزواجَ يؤسّسُ لوحدةٍ لا تنفصمُ على كلِّ المستوياتِ. وعلى المستوى الأفقيِّ، يتركُ الرجلُ أباهُ وأمّهُ ويَلزمُ امرأتَه، وعلى المستوى العاموديِّ أيضاً، لا يمكنُ لأحدٍ غيرِ اللهِ أنْ يدخلَ بينهما.

إنَّ النظرةَ إلى الزواجِ تتمثَّلُ بقيمٍ عُليا، التي إذا ما نظرنا إليها نظرةً شاملةً، نظنُّ أنفسَنا في الفردوسِ. وبالتالي، فالنظرةَ إلى الزواجِ هيَ نظرةٌ شاملةٌ أخرويّةٌ، تضعُ الأسسَ العامّةَ وتتعاطى معَ الموضوعِ كاستباقٍ للملكوتِ وللخيراتِ الآتيةِ. والمثالُ الأعلى لكلِّ زوجينِ، إنّما هوَ زواجُ المسيحِ بالكنيسةِ-العروسِ بحسبِ ما أسَّسَه الرسولُ بولسُ في رسالتِه إلى أهلِ أفسسَ. حتّى إنَّ الطلاقَ لا يُنظرُ إليهِ نظرةً عاديّةً، فالطلاقُ هوَ نتيجةٌ لقساوةِ القلبِ في التغلّبِ على الضعفِ البشريِّ المتمثّلِ بالخطيئةِ.

وتتراجعُ في الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ النظرةُ لقيمةِ الزواجِ العُليا أمامَ البتوليّةِ، فيصبحُ الزواجُ مجرَّدَ شأنٍ منْ "شؤونِ هذا الدهرِ العابرِ". أمّا الرباطُ بينَ الزوجينِ فهو الحبُّ، الذي هوَ صورةٌ عنِ المحبّةِ الإلهيّةِ الخالقةِ للإنسانِ، والمتجلّيةِ في أنَّه على صورةِ اللهِ ومثالِه. وهذا الحبُّ هوَ فطريٌ، ونزعةٌ إنسانيّةٌ متمركزةٌ في كلِّ نفسٍ بشريّةٍ. وليسَ الزواجُ سوى تلبيةٍ للدعوةِ الإلهيّةِ، إذْ قالَ "انموا وأكثروا واملأوا الأرضَ وأخضعوها".

يبقى أنَّ التداخلَ كبيرٌ بينَ الأعرافِ الاجتماعيّةِ والممارساتِ الطقوسيّةِ للاحتفالِ بالزواجِ، وإذا أضفنا البعدَ السياسيَّ عبرَ الاستئثارِ بالسلطةِ منْ قبلِ الكنيسةِ، أصبحَتِ الصورةُ التي تُقَدَّسُ فيها جميعُ الممارساتِ والتقاليدِ واضحةً منْ حيثُ ينابيعِها ومنْ حيثُ مراميها. إنَّ إدخالَ الزواجِ ضمنَ الشرعيّةِ الكنسيّةِ، فتحَ البابَ واسعاً أمامَ الكنيسةِ للدخولِ في فضاءِ الأخلاقِ المسيحيّةِ، منْ بابِ القوّةِ الجبريّةِ كسلطةٍ معترفٍ بها قانوناً وليسَ فقطْ منْ بابِ الوعظِ والتمنّي.

اختفى الحدُّ الفاصلُ بينَ كلٍّ منَ التشريعِ المدنيِّ (العقد) والتشريعِ الكنسيِّ (الإلهيِّ)، وأصبحَ العقدُ والسرُّ صورةً واحدةً لحالةٍ واحدةٍ. وبدلاً منْ أنْ تأخذَ الكنيسةُ على عاتقِها رفعَ الناسِ وحملَهم إلى الملكوتِ، انزلقتْ إلى زواريبِ مشاكلِ الناسِ بمختلفِ حالاتِهم وإلى دخولِ الأسرارِ في يوميّاتِ الناسِ.

أمّا الزواجُ في الإسلامِ فهو رباطٌ دينيٌ تنظيميٌ اعتنى بهِ، ووُضِعَتْ أحكامُه منذُ بداياتِ ظهورِ الإسلامِ. وعُرِفَ الزواجُ بمرونةٍ عاليةٍ سمحتْ للدينِ أنْ يرافقَ الحالاتِ المختلفةَ والأوضاعَ المستجدّةَ على الحياةِ لدرءِ الوقوعِ في المفاسدِ، هذهِ ديناميكيّةُ في التعاطي معَ الزواجِ سمحتْ في تقنينِ الكثيرِ منَ الأوضاعِ، التي لوِ اعْتُمِدَتْ واحدةٌ منها في الزواجِ، لاعْتُبِرَتِ الحالاتُ المتبقيّةُ غيرَ صحيحةٍ.

ويأخذُ الإسلامُ في ميدانِ الأحوالِ الشخصيّةِ بمجملِ المنظومةِ الحقوقيّةِ، ولا يقبلُ بفكِّ الارتباطِ بينَ الزواجِ ومفاعيلِه، وبينَ أحكامِ الدينِ عينِه. لقدِ اختلفَ الفقهاءُ في كثيرٍ منَ النقاطِ التي يصعبُ تلخيصُها ولقدْ نُظِرَ إلى هذا الاختلافِ لا منْ بابِ التفاضلِ بينَ المذاهبِ، بلْ منْ بابِ الاحترامِ وتقبّلِ الاختلافِ، ولطالما بَقِيَتِ الثوابتُ ضمنَ إطارِ النصِّ الدينيِّ ولمْ تخرجْ عنْ صريحِ ما هوَ مذكورٌ فيها.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.