الخاتمةُ
الزواج مؤسّسة عالميّة ذات أبعاد حضاريّة خاصّة بكلّ بيئة ودين وتقليد. وهي أيضاً مؤسّسة ضاربة في الزمن، عاصرت الحضارات والإمبراطوريّات، وعرّجت على جميع الأديان، حتّى شكَّلت باباً خاصّاً في العلاقات الإنسانيّة. وتميّز أتباع الأديان عن بعضهم بنواحٍ عدّة، أبرزها من الناحية الاجتماعيّة – القانونيّة لجهة قواعد عقد الزواج المتميّزة في كلّ دين. فقد أخذت الأديان عمومًا عمّا سبقها من أديان وُجدت قبلها، ورفضت عمومًا أو مانعت في تعديل قواعدها لجهة المستجدّات والمتطلّبات التي طالتها في المستقبل البعيد. وإذا عُدنا إلى بدايات الزواج في البشريّة، نجد البَوْن الشاسع مع ما نشهده اليوم من تعقيدات للحياة وتشعّبات لضغوطات الحياة التي أجبرت الأنسان على أن يغدو هو أيضًا إنسانًا عالميّاً يُخالط المجتمعات المتعدّدة، ويتعاطى مع أتباع الأديان المتنوعة والمتباعدة بوتيرة جدّ سريعة تُحاكي التطوّر التكنولوجي الذي أوجده الإنسان، فلا يبقى الرجل كما المرأة أسيرَيْن في بيئة محدّدة أو بقعة جغرافيّة ضيّقة، فحتى لو لم يسافر المرء خارج مجتمعه، فقد أصبح العالم بفضل الذكاء الاصطناعي، هو مَن يزور الفرد في مكانه، ويسمح له بالتلاقح مع المجتمعات المتعدّدة. وقد عملت الأنظمة الحاكمة على تحديد إطار الزواج وأدوار مكوّنات المجتمع في عمليّة تشكيل الزواج، وتقلّصت الصلاحيّات العائليّة-العشائريّة خصوصًا في المدينة لصالح طرفي العقد المباشرين، وتقلّصت معها الشروط الخارجيّة لصالح ما يراه الزوجان مناسبًا لهما من ناحية النصّ التشريعيّ (أي قانون) أو لناحية القضاء المختصّ بمتابعة آثار العقد (المحكمة الصالحة لحلّ الخلافات) أو لناحية مكان أو زمان إتمام الطقس ليصبح ساريًا.
محاور وبواعث التحول في مفهوم الزواج
إذًا نحن أمام محورَيْن اثنين تتقاطع عندهما عمليّة الزواج، تُمثّل السلطة المدنيّة المحور الأوّل، وتُمثّل السلطة الدينيّة المحور الثاني. أمّا العوامل التي تجنح بالزواج نحو أحد هذين المحورين فهي: أوّلًا، المظهر الاجتماعيّ للعرس ومَن يُقرّر الشكل الذي سيظهر فيه، فإن كان أيّ نظام بخلاف قرار العروسين، فنحن أمام ميل واضح للزواج الدينيّ، كونه يُراعي التقاليد الاجتماعيّة الموروثة بدقّة أكبر من تلك التي يُظهر فيها المشرّع المدنيّ اهتمامه وتقديره لتفاصيل تلك العادات والتقاليد. أمّا العامل الثاني، فيتمثّل بالصراع المباشر بين السلطتَيْن المدنيّة والدينيّة وبرضوخ أيّ منهما للثانية، فالدول التي تستند إلى الشرع الإلهيّ تتمسّك بالتقاليد الدينيّة، وتتشدّد في الممارسة الضيّقة واللصيقة لتفاصيل عمليّة الزواج. بينما الدول التي تفصل بين الاثنين بشكل كامل وواضح، فتميل إلى تسهيل عمليّة الزواج، وتتخطّى الكثير من المتطلّبات التي تبدو اليوم من الأمور التي تزيد عمليّة الزواج تعقيدًا. أمّا العمل الثالث الذي تميل عبره دفّة الزواج باتّجاه أيٍّ من السلطتين الآنف ذكرهما، فهو واقع المرأة والنظرة إلى حقوقها، حيث إنَّ السلطة المدنيّة تُظهر مرونةً أكبر نحو تطويع مؤسّسة الزواج، بما يخدم مصالح المرأة وواقع المسؤوليّات المناطة بها والمستجدّة عبر الزمن، والتي ينبغي على المؤسّسة الدينيّة العمل بشكل مضطرد وبالسرعة المطلوبة على تطوير قوانينها، وهذا ما ليس بمتوفّر، ولا تستطيع في كلّ الأحوال مجاراة السلطة المدنيّة صاحبة القرار الحرّ والواسع في هذا الميدان. أمّا العامل الرابع الذي يسمح بالقول بتوجّه المؤسّسة الزوجيّة نحو أحد هذين المحورين، فيتمثّل بحقّ المساواة في التعامل بين جميع مواطني الدولة، من أبناء ومقيمين من مختلف الانتماءات الدينيّة أو التبعات الفكريّة. وكلّما كان الحقّ بالمساواة مكفولًا، كلّما تقاربت الأبعاد بين الزواج والإرادة المدنيّة. أمّا إذا تمّ التعامل مع أتباع الديانة الأكبر عدداً، فهذا الأمر يدفع بالقوانين إلى المفاضلة بين أتباع هذه الأديان وأتباع سواها، فتحصل الأكثريّة على الحصّة الكاملة في التمييز باحترام تنظيمها الدينيّ. أمّا أتباع الأقليّات فتُهمَّش مطالبهم وتسقط الإمكانيّة في مراعاة نظرتهم إلى الزواج.
لقد أشرْتُ في هذه الدراسة إلى تطوّر فكرة الزواج القائم اليوم أوّلًا وأخيرًا على شريعة الحبّ، التي أصبحت المقياس شبه الوحيد في تصنيف عقود الزواج، فكلّما كان عامل الحبّ محترَمًا كانت عمليّة الزواج مقبولةً، وكلّما تضاءلت نسبة الحبّ في الزواج، أصبح هذا الرباط ممقوتًا من الرأي العامّ المحليّ والدوليّ. وما المساكنة اليوم إلّا ظاهرة مسكوت عنها تُعبّر عن إرادة العيش معًا دون أي قيد أو شرط. ثُمّ عرضتُ للمواقف المسيحيّة من الزواج عمومًا، والزواج المدنيّ خصوصًا، مستعينًا بشرعة الدين المسيحيّ، حيث تتمّ المناداة بسرّ الزواج كتحقيق للشريعة الإلهيّة، وكيف عرف اللاهوت المسيحيّ التوسّع في بناء العقيدة الاجتماعيّة، وفق أسس تسمح للكنيسة باستعادة مكانتها من جديد كمدافعة عن الإنسان. أمّا في المواقف الإسلاميّة، فيغلب على مواقف الشارع الإسلاميّ منها، استعماله مفردات الثورة التي تظهر في عناوينها، كـ "الزواج المدنيّ وهدم الأسرة وتفتيت المجتمع442"، أو "الزواج المدنيّ بين رفض الدين ومخالفة التقاليد443"، أو "الزواج المدنيّ مشروع فتنة بين اللبنانيّين444"، وأيضًا "الزواج المدنيّ تعدٍّ على المعتقدات والخصائص الدينيّة445" واعتماد أسلوب القطْع أو النَّهْي عن المُنْكَر في مقاربتهم للزواج. ولكنَّ ما يلفت النظر، تتطابق مواقف السلطة الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة عبر المقالات التي صدرت من المرجعيّات الدينيّة في لبنان على اختلاف انتماءاتها أو مواقفها من الزواج المدنيّ، وبوجه خاصّ في كتابات مَن يرفضونه، كما بيَّنْتُ في الفصل الثاني، ودون أن ينسحب بشكل استثنائي على الكثير من القضايا الوطنيّة الأخرى، رغم أنَّ هناك مواقف أخرى إسلاميّة ومسيحيّة داعمة لطرح الزواج المدنيّ، وهي مواقف عابرة للأديان لأنّها تُلاقي دعمًا من مرجعيّات دينيّة. وقد تبيَّن عند التدقيق في تفاصيل الأسباب الرافضة للزواج في كلا الدِّينَيْن الإسلاميّ والمسيحيّ، أنَّه يمكن البحث في العديد من النقاط المشتركة أو المتقاطعة، والوصول إلى نقاط توافُق تُسهم في تسهيل معاملات الكثير من المواطنين، وتعبيد طريق الكثير من سكّان لبنان، وخصوصًا الأجانب منهم المقيمين على أرضه، من خلال زاوية التعاطي الوطنيّ مع الأمور، لا من خلال التخلّي عن العباءة الدينيّة أو الموافقة على اندثار عادات وتقاليد دينيّة، لصالح نظام قانونيّ جديد مستورد من الخارج، لا يُعالج قضايا راهنة من صميم الحياة اليوميّة الداخليّة.
الزواج هو عقد وليس أبداً عقدة أمام تقدّم المجتمع ونموه، فالخير العام الذي يجب أن تسعى إليه جميع القوى إنّما هو الخير الذي يُصيب الإنسان أوّلًا وأخيرًا، والتعنّت برفض الزواج المدني بصورتيه الاختياريّة والإلزاميّة يزيد الأمور تعقيداً كلما تقدّم الزمن، خصوصًا أنَّ وتيرة المطالبة بإقرار الزواج المدني ازدادت وتيرتها في السنوات الماضية على ما كانت عليه قبلًا. وأضف إلى تلك الوتيرة المتسارعة ككرة الثلج، الضغط الدولي نحو إقراره كشرط لدخول لبنان في إصلاحات تطال نظامه وكيانه. لقد بيّنتُ أنَّ استعمال الحجّة الدينيّة في اتّجاه مَن يرفض المضيّ قدمًا بمشروع الزواج المدنيّ، إنّما هو أقرب مسافة إلى الصوت الدينيّ، الذي كان يغلب عليه رفض أيّ خطاب حقوقيّ منادٍ بغير الزواج الدينيّ. ولم تصل المحاولات التي خاضها الكثير من الحقوقيّين بنيّة الضغط على السلطة الدينيّة أبدًا إلى غاياتها، لا بل شجّعت بطريقة معاكسة على التأثير على الناس من أجل رفضه، وبحديّة أكبر من تلك التي سبقت هذه التحرّكات المطلبيّة. نعم الزواج عامل مهدئ يسمح باستقرار أكبر للمجتمع، وخصوصًا أنَّ الزواج المختلط يدعم فكرة التعاضد بين جميع الناس دون أيّ طبقيّة ماليّة أو فكريّة.
وسيظلّ موضوع إقرار الزواج المدنيّ في عهدة ثلاث مجموعات محرّكة له، أوّلها، الحراك النسويّ وهو المُطالب الأوّل بتعديل القوانين الجائرة بحقوق المرأة؛ وثانيها، الحقوقيّون الذين يرَوْن في إقرار الزواج المدنيّ محطّةً أساسيّة وركيزةً مفصليّة تُسهم في تحديث الدولة، وتدعم الحريّات العامّة فيها؛ وآخرها، رجال الدين المغرّدون خارج سرب آراء مرجعيّاتهم، والداعمون لمبدأ عدم التزييف في الالتزام الدينيّ من أجل مصالح ضيّقة. إنَّ تجانس وتآزر المنطلقات الدينيّة المسيحيّة والإسلاميّة والزواج المدنيّ، كبيرة جدًّا. وعمليّة الانطلاق من فكرة التعاون لا من فكرة إلغاء الآخر، تطال مختلف مباحث الزواج المدنيّ، من دقائق عقده إلى الحديث عن مفاعيله. إذ لا يوجد ما يمنع المرء، من الوصول إلى توافق بين الموقع الدينيّ وحاجة المجتمع الذي ما فتئ يُطالب منذ سنين طويلة من تاريخ لبنان الحديث. كما أنَّ عدم وجود رجل دين مسيحيّ، أو انعقاد الزواج خارج مبنى الكنيسة، ليس بحالة كفر أو عداء للدين المسيحيّ، طالما أنَّ إمكانيّة استتباع الزواج المدنيّ بإقامة زواج دينيّ لاحق تبقى قائمة بحسب الأنظمة المعمول بها. وكما أنَّ مسألة الطلاق وانحلال الزواج بطرق لا تقبل بها بعض التشريعات الدينيّة ستبقى قائمةً وإن توسَّعت دائرة الأسباب التي تسمح بفك الارتباط الزوجي. وستبقى هذه الأسباب مطروحةً على ضمير المؤمن الذي ينتظر من السلطة الكنسيّة مرافقته في حياته الزوجيّة. ولن يجد تنوّع عقود الزواج الإسلاميّة وشروطها وقبولها شرعًا مضرّةً في اعتماد المسلم للزواج المدني، طالما أنَّ شروطه تدور في فلك الأحكام الشرعيّة، كما يحصل في الكثير من الدول التي تُلزم به قانونًا. كذلك أيضًا، الاكتفاء الطوعي أو التشريعي في الزواج بالتزام زوجة واحدة، لا يُشكل تعدّيًا على الإسلام الذي لا يمنع صراحة هذا الفعل، لا بل يمكننا القول إنَّه يُشجّع عليه، فلا خوف على الإسلام من إقرار الزواج المدنيّ، الذي يُوجب الاقتران بامرأة واحدة وفق التوصيات الدوليّة. وأخيرًا، ليس الزواج المدنيّ زواجًا متفلّتًا من القيود أو الالتزامات أو حتّى من الأخلاق أو الضوابط والتقاليد الاجتماعيّة. لذلك فالكرة اليوم في ملعب السلطة الدينيّة التي تستطيع المساهمة في بناء لبنان دون أن تتخلّى عن جلبابها، فاللاهوت الدينيّ مطواع، وضرورات الإفتاء بالعمل على إبراز الهويّة الإنسانيّة القابلة للحياة لكلّ فئات المجتمع واسعة. كما أنَّ الزواج المدنيّ لا يمسّ ما ثبتت عليه الطوائف من زواج موافق لمعتقداتها، وإنّما هو فسحة أمل، أوّلًا لِمن لا ينتمي إلى هذه الطوائف، وثانيًا للمناضلين في سبيل حريّة اختيار النظام الذي سيحمي زواجهم.
قائمة المراجع
قوانين ودساتير
الدستور اللبنانيّ.
قانون عثماني "حقوق العائلة" 25 / 10 / 1917
القرار 60 ل.ر. تاريخ 3 / 10 / 1936
القرار 61 ل.ر. تاريخ 13 / 3 / 1936
القرار 53 ل.ر. تاريخ 30 / 3 / 1939
قانون 24 / 2 / 1948 قانون الأحوال الشخصيّة لطائفة الموحّدين الدروز
قانون 2 / 4 / 1951 تحديد صلاحيّات المراجع المذهبيّة للطوائف المسيحيّة والطائفة الإسرائيليّة
قانون 23 / 6 / 1959 الإرث لغير المحمَّديين
قانون 16 / 7 / 1962 قانون تنظيم القضاء الشرعيّ السنّي والجعفريّ
مرسوم اشتراعي رقم 78 تاريخ 9 / 9 / 1983 فرض شهادة طبيّة قبل الزواج
قانون 16 / 10 / 2003 قانون الأحوال الشخصيّة وأصول المحاكمات لدى بطريركيّة أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.
مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، منشورات المركز الفرنسيسكاني للدراسات الشرقيّة المسيحيّة، القاهرة، 1995.