|

كلمة إلى القارئ

لا يَسَعُني أن أُخفيَ ما يعتريني من وجلٍ وأنا أُفَكِّرُ في أنَّ هذهِ المجموعةَ سترى النورَ باللغةِ الروسيَّة. ولعلَّ القارئَ الكريمَ يلمسُ فيها شيئًا من الصدى لما أنا مدينٌ بهِ للثقافةِ الروسيَّة، وقد نهلتُ من معينِ فكرِها اللاهوتيّ.

لقد تَلَقَّيتُ دروسي اللاهوتيَّةَ في باريس، في رحابِ معهدِ القِدِّيسِ سرجيوسَ الذي أقامَهُ لاهوتِيُّون روس. هناك، تَذَوَّقتُ حلاوةَ الإرشادِ المُرهَفِ والمُحِبّ، وهناك أَلِفتُ شبابًا فاعلاً مُفعَمًا بالحياة، يَستَلهِمُ الإنجيل.

جئتُ باريسَ بُعَيدَ رحيلِ الأبِ سرجيوس بولجاكوف، إلَّا أنَّ الحظَّ أسعفني بأن أَتَتَلمَذَ على يدِ الأسقفِ كاسيان (بيزوبرازوف)، والأرشمندريت كبريان (كيرن)، والأستاذِ أنطون كارتاشوف، والأبِ فاسيلي زينكوفسكي، والأبِ نقولا أفاناسييف، والأبِ ألكسي كنيازيف، وسرجي سرجيفيتش فيرخوفسكوي، والأبِ جورج فلوروفسكي، والأستاذِ فلاديمير وايدله، والأبِ ألكسندر شميمن.

وقبلَ أن أَلتحِقَ بالمعهد، كنتُ قد قرأتُ لنقولا برديائيف ولبعضِ المفكِّرين الدينيِّين الروس. ولعلَّ أفكارَهم تلك، هي وكتبُ دوستويفسكي، ما حَثَّني على اختيارِ معهدِ القِدِّيسِ سرجيوس. أضِف إلى ذلك، تلكَ الصداقةَ العميقةَ المتينةَ التي ربطتني بشبابٍ روسٍ منَ الحركةِ المسيحيَّة.

بَيدَ أنّي لم آتِ إلى معهدِ القِدِّيسِ سرجيوسَ من فراغٍ صحراويٍّ عربيّ. إنَّ كنيسةَ أنطاكيةَ هي أمي. وفي أنطاكية، على وجهِ التحديد، دُعِيَ تلاميذُ المسيحِ "مسيحيِّين" للمرَّةِ الأولى (أعمال 11: 26). هناك ارتويتُ من نبعِ الإيمان، وهناك انطلقت مسيرةُ حياتي في الصلاة.

وهناك، كنَّا سبعةَ عشرَ طالبًا شابًّا، فَأَسَّسنا في العامِ 1942 حركةَ الشبيبةِ الأرثوذكسيَّة، التي غدت أقوى ينابيعِ الحياةِ المسيحيَّةِ في الحَيِّزِ الذي تنشطُ فيهِ كنيستُنا المحلِّيَّة. انطلقتِ البشارة، وتَجَلَّت فيها نفوسٌ ذاتُ حيويَّةٍ فريدة. ومن هناك انبَثَقَت رهبانيَّتُنا المعاصرةُ بأسرِها.

هناك ترعرعَ أغلبُ كهنتِنا المرسلينَ وأساقفتِنا. وما من أحدٍ يتحدَّثُ عن يسوعَ بحرارةٍ أصيلةٍ إلَّا وتأثَّرَ، على الأرجح، ببشارتِنا الرسوليَّة. لقد أنقذنا الربُّ من إسارِ التَحَفُّظِ الضيِّق، ومن طقوسيَّةٍ مُتَصَلِّبَة، وأمرنا بأن نشهدَ للحياةِ الإنجيليَّةِ في جوهرِها.

ولعلَّ هذا هو أثمنُ ما استطاعت كنيسةُ أنطاكيةَ أن تهديهِ إلى الأرثوذكسيَّةِ الجامعة. إنَّ الكثيرَ مِمَّا ستجدونَه ههنا مُستَقًى من هذهِ الخبرةِ عينِها. فالصياغاتُ اللاهوتيَّةُ هي التي تخدمُ نقشَ هذهِ الخبرةِ في لغةِ المفاهيم.

إنَّ الروحانيَّةَ الكنسيَّة، الثريَّةَ بأفضلِ ما في تراثِنا، هي حاملةٌ للحياةِ إلى العالم. ولعلَّ أجملَ ما في هذا الكتابِ نابعٌ من تجربةِ تجاورِ الأديانِ المُتَعَدِّدَةِ في ديارِنا. ولربما تكمنُ خصوصيَّةُ أرثوذكسيَّتِنا في كونِنا نمتلكُ فهمًا للشرقِ المعاصر، وللغربِ كذلك، إذ تحيا فينا أيضًا الثقافةُ الغربيَّة.

فالأرثوذكسيَّة، الضاربةُ جذورُها في خبرةِ الآباء، وربما بشكلٍ أخصَّ في خبرةِ الآباءِ النُسَّاك، تَتَقَبَّلُ كلَّ نسمةٍ تَهبُّ منَ الروح.

جورج خضر

متروبوليت جبيل والبترون - جبل لبنان