|

الفصل الرابع

طرائق الحضور في العالم

الكنيسة: "كونٌ في كونٍ"

الكنيسة والعالم. منذ بضعة عقودٍ، اكتسب هذا الموضوع أهمّيّةً استثنائيّةً، لأنّنا وعينا أنّ جيلنا يحيا بنمطٍ جديدٍ تمامًا، وأنّ هذه الجِدّة تطرح علينا معضلاتٍ تزداد حدّةً. سيكون من نافلة القول الإسهاب في الحديث عن التحوّلات الجذريّة التي طرأت على المجتمع منذ الحرب الأخيرة، أو تحليل شعور القوّة والثقة بالعلم الذي يخبره الإنسان العاديّ. أمام الوضعيّة الجديدة، سواءٌ كانت فلسفيّةً أو فجّةً، ينكفئ الشعر والحبّ والرهبة.

صحيحٌ أنّ الكنيسة كانت دومًا تلتهمها "ضدّ-الكنيسة" (anti-Church). ولكن في الوقت الراهن، يشكّل جزءٌ كبيرٌ من البشريّة "لا-كنيسة" (non-Church). من ناحية، لا يتعلّق الأمر فقط بأولئك الذين يُحسبون غير مؤمنين، أو بتلك الكتلة من الفاترين التي تجرّها "اجتماعاتنا" وراءها، بل أكثر من ذلك بأولئك الذين فقدوا "حسّ الله". في نظام تصوّراتهم أو في إطار كيانهم الملموس، خرج الإلهيّ تمامًا "من اللعبة". إنّهم لا يستشعرون المعضلة الدينيّة. ينتمي هذا المجتمع، بحسب تعبير نيقولا برديائيف، إلى "قرونٍ وسطى جديدة"، تغيب فيها الأسطورة، والسحر، والمجهول، ويخفت فيها وجه الله، الذي بات يذكّرنا بالأحرى بهشاشتنا وجهلنا، والذي يمثّل وجوده للإنسان المعاصر عبئًا، وفي كلّ الأحوال، لا طائل من ورائه. بالنسبة لهذه الفئة من الناس، الواقع الأوحد هو العالم السائر على طريق التقدّم، وأيّ مجالٍ آخر للحياة لا يمكن تصوّره.

من ناحيةٍ أخرى، تنامى الاهتمام بالقضايا الاجتماعيّة، وبالعدالة الاجتماعيّة والدوليّة الملموسة، إلى درجة أنّ أيّ مبادرةٍ أخرى تبدو غير ضروريّةٍ في نظر أولئك الذين يخلطون بين "الحقيقة-الصدق" و"الحقيقة-العدالة". والحال أنّ العالم المسيحيّ لفترةٍ طويلةٍ لم يتجنّب فقط أيّ تغييرٍ جادٍّ في هذا المجال، بل وضع أيضًا موضع الشكّ أيّ ممارسةٍ اجتماعيّةٍ راديكاليّةٍ إلى حدٍّ ما، حتّى أمسى الإنسان المتألّم يعتبر الكنيسة أخيرًا غير مباليةٍ بأحزان الناس.

أمام هذا التحدّي المزدوج، شرعت الكنيسة تدرك رسالتها، ومكانتها الخاصّة في عالمٍ كان حتّى وقتٍ قريبٍ يطلق على نفسه اسم "عالم مسيحيّ". لكنّ المجتمع الإنسانيّ، سواءٌ في قناعاته أو في نضاله الاجتماعيّ، يرى نفسه الآن غير مسيحيّ. وإذا كانت دارُ المسيحيّة (Christendom) قد ماتت، فكيف تعرّف الكنيسة نفسها؟

الفكر المسيحيّ غالبًا ما يولد من رحم أزمةٍ تاريخيّةٍ. وفكرنا ليس استثناءً. لكنّ الفكر المولود في المخاض لا يتّخذ صورةً إلّا عندما يقف أمام ربّ المجد، الذي يمحّصه بالعمل. كلّ لاهوتٍ، إذا كان حقًّا رؤيةً لله، يغدو ينبوعًا للعمل. سنحاول، بقدر ما يسمح السرّ، أن نرسم ملامح الوشيجة بين الكنيسة والعالم، لندرك بعض أبعاد الرسالة المسيحيّة في العالم المعاصر ونلتقط بعض جوانب طبيعة الكنيسة.

إنّ دراسةً منهجيّةً لهذا الموضوع تتطلّب توضيح كيف يرتبط ببعضه البعض، التاريخ بشكلٍ عامٍّ وتاريخ الخلاص – وهما بُعدان للعالم وللكنيسة. وبشكلٍ خاصّ، سيتطلّب الأمر مناقشة مفهوم "تاريخ الخلاص" ذاته من وجهة نظرٍ أرثوذكسيّة. لقد تطوّر هذا المفهوم بشكلٍ مفرطٍ في اللاهوت الغربيّ على حساب مفهوم "السرّ" وتنوّع طرق تدبير الله، الذي تمّ من إبراهيم إلى يسوع الناصريّ ولم يستنفد بعد قصد الله. حدود هذا العرض تتيح لنا فقط إلقاء نظرةٍ سريعةٍ على العلاقة اللاهوتيّة والأخلاقيّة بين الكنيسة والعالم وتجلّي هذه العلاقات في مجال الثقافة والحياة الاجتماعيّة.

تاريخيًّا، استُلهم سلوك الأرثوذكس تجاه العالم من الرهبانيّة، ومن ناحيةٍ أخرى – من البحث عن وشيجةٍ بالدولة. بالطبع، بالمعنى الروحيّ، كلّ أرثوذكسيٍّ هو راهب، لأنّ همّه الأوحد هو البحث عن الملكوت. ولكن من الجليّ أنّ هذا البحث كان يتعلّق، بشكلٍ رئيسيٍّ، بالمستقبل، مطوّرًا لدى بسطاء المؤمنين توقًا إلى نوعٍ من "الهروب من العالم". هذا التوق إلى "عالمٍ آخر" أمسى أكثر وضوحًا مذ تولّت الدولة البيزنطيّة، التي كانت تؤدّي وظيفة الخدمة الخارجيّة وتحيا في "تناغم" (symphonia) مع الكنيسة، الخدمة الاجتماعيّة. وحيثما كانت الدولة مسلمةً، انغلقت الجماعة المسيحيّة حتمًا على نفسها، لأنّها كانت مستبعدةً قانونيًّا من الحياة العامّة. أضحت العبادة ملجأً ثقافيًّا حقيقيًّا، ومكانًا لتأكيد المضطهدين لهويّتهم الذاتيّة. كانت تعلن نور الملكوت وتعكس روعة أوروبا. فيها، بلا ريب، استمدّوا الشجاعة لمجابهة صروف الدهر، وفيها أيضًا بحثوا عن فهمٍ أموميٍّ وعطف. الكنيسة، التي طوّرت أروع جهازٍ دينيٍّ في العالم وأكثره جاذبيّةً وهجوميّةً؛ الكنيسة، المتّجهة نحو ما وراء الحدود، بأرستقراطيّتها في الصلاة وجماليّات نسكها، هي وحدها التي استطاعت آنذاك أن تصير "سفينة خلاص"، تبحر في مياه العالم العاصفة، الذي تزول هيئته. ومن هنا خطوةٌ واحدةٌ إلى كلمات الرسول يوحنّا القاطعة: "لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم... لأنّ كلّ ما في العالم: شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظّم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم" (1 يوحنّا 2: 15-16). يُربط العالم هنا بالمفهوم الكتابيّ للجسد. إذا كان كلّ هذا يؤلّف المجال الشيطانيّ، مجال الفساد والموت، فإنّ الكنيسة هي ذلك المجال الذي يخلص فيه أولئك الذين يحيون في المسيح يسوع من العالم.

هذا الموقف يفضي إلى كلّ صنوف الالتباسات. لقد اختلطت الدائرة الحكوميّة والدائرة الكنسيّة في الوعي التاريخيّ للأرثوذكسيّة لدرجة أنّ المسيحيّين لم يعودوا يعنون بالشهادة الإنجيليّة أمام ظلم الدولة الأرثوذكسيّة أو الدولة الملحدة. ليس هدف هذا التأمّل مناقشة اللاهوت الأرثوذكسيّ للدولة. لقد أظهر التفسير المعاصر أنّ الكتاب المقدّس ككلٍّ، وحتّى الإصحاح الثالث عشر من الرسالة إلى أهل رومية، لا يسوّغان بأيِّ حالٍ من الأحوال قبول أيّ سلطةٍ سياسيّةٍ، ناهيك عن الشرعنة المبهورة، التقليديّة جدًّا لدى الأرثوذكس، سواءٌ كانوا يساريّين أم يمينيّين. من المرير أن نلحظ أنّ الأرثوذكسيّة التاريخيّة لم تكن قادرةً على الشهادة نبويًّا في مواجهة الهياكل القائمة، وأنّها تجمع بشكلٍ مريحٍ جدًّا بين مانويّةٍ رهبانيّةٍ زائفةٍ وتحفّظٍ برجوازيٍّ صغيرٍ خانع. وحتّى حيث تكون منفصلةً عن الدولة أو مستقلّةً في تنظيمها الداخليّ، لا تفلح في تجنّب التحوّل إلى مؤسّسةٍ ما، خاضعةٍ للدولة وتتّخذ شكل جمعيّة علمانيّين. لم يعد العلمانيّ ذلك الإنسان، الموهوب بالكاريزما، الذي يغذّي الكنيسة في الحريّة التي يمنحه إيّاها الروح القدس، بل مجرّد عضوٍ في تسلسلٍ هرميٍّ موازٍ مهيمنٍ إلى حدٍّ ما.

لا تسود اليوم فكرة "الشركة" (أو العمل المشترك)، بل التحامٌ هشٌّ بين العلمانيّين والإكليروس. هنا وهناك – آمل ألّا ينطبق تحليلي على الكنيسة بأكملها – يُشرعن وجود شريحةٍ من العلمانيّين – "أشباه الإكليروس" – الذين لا يستطيعون تصوّر أنفسهم بشكلٍ مختلف، والتسلسل الهرميّ عاجزٌ عن النظر إليهم كشركاء حقيقيّين في العمل في المسيح، لأنّه بالنسبة له لا يوجد سوى "المرسومين" والعالم العلمانيّ، حتّى لو كان هذا هو الكنيسة. أمامنا نوعٌ من الأحاديّة الكنسيولوجيّة (monism) التي تدمّر تاريخيًّا العلاقة "الكنيسة-العالم".

في الوقت الراهن، الكنيسة أقلّيّةٌ ليس فقط من حيث العدد، ولكن أيضًا من حيث نظرة المجتمع المحيط إليها. هذا يقودها إلى إدانة انخراطها السالف في الحياة العامّة، والخروج عن إطار الحضارة وإيجاد في ذلك طريقة وجودٍ أكثر حريّةً وأبسط لنفسها وللآخرين. هنا وهناك تكتشف أنّها في وضعٍ كانت فيه منذ البدء؛ وأنّها مغمورةٌ في مجتمعاتٍ لم تعد مرتبطةً بها تاريخيًّا. وهكذا، على سبيل المثال، في "العالم الثالث"، حيث تحلّ المجتمعات الوطنيّة الناشئة بشكلٍ متزايدٍ محلّ الإقطاعيّة، التي كان للكنيسة فيها مكانها، لم تعد تشعر بأنّها سفينةٌ مجهّزةٌ تجهيزًا جيّدًا. ومع ذلك، فهي تذكر أنّ ربّها قد مشى على المياه أيضًا. إنّها تعلم أنّها لا تستطيع أن تنقذ نفسها من الهلاك إلّا إذا تخلّصت من الأثقال. هي الآن تدرك ذلك الوهن الذي يوحدها مع العالم المتألّم. لم تعد ذلك الكائن الذي يعرف كلّ شيءٍ ويستطيع أن يقول كلّ شيء؛ هي أيضًا ينبغي أن تسمع صوت الروح، الذي يدوي في جميع مظاهر البحث البشريّ.

هذا الانفتاح على العالم وصولاً إلى الحوار، الذي تُطرح فيه الكنيسة موضع تساؤل، ليس فقط نتيجةً لإفلاس المسيحيّة التاريخيّة، بل هو ببساطةٍ تعبيرٌ عمّا هو واردٌ في الوحي.

ففي الواقع، ثمة مفهومٌ للعالم لا يحقّره إطلاقًا، ولا يختزله في المبدأ الجسديّ: العالم كخليقة الله. "لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد" (يوحنّا 3: 16). ليس ثمة أيّ ثنائيّةٍ ميتافيزيقيّةٍ بين الله والعالم، بما أنّ العالم قد نال النور، والظلمة اختارها الأشرار. صحيحٌ أنّ مفهوم العالم في الإنجيل الرابع ملتبس. مثل المسيح، تلاميذه ليسوا من العالم (يوحنّا 17: 14). ولكنّ العالم يغدو معاديًا ليسوع لأنّه تحت سلطة الشرير (يوحنّا 17: 15). حتّى عندما يؤكّد الربّ أنّه لا يصلّي من أجل العالم (يوحنّا 17: 9)، فإنّ صلاته من أجل التلاميذ هي صلاةٌ غير مباشرةٍ من أجل العالم، لأنّ خلاص العالم، وعلى أيّة حالٍ، أبناء الله المشتّتين في العالم، يعتمد على أمانة التلاميذ ليسوع. وفوق ذلك، يصلّي الربّ أيضًا من أجل أن ينتهي التعارض بين العالم وجماعة تلاميذه، عندما يؤمن العالم (يوحنّا 17: 21). أليس لهذا السبب تعارض صلاة يسوع الكهنوتيّة التلاميذ مع العالم، لأنّ "طريق الصليب" (via crucis) سيدخل التلاميذ قريبًا في مجد الربّ (يوحنّا 17: 22)؟ من هم في يسوع، هم بالفعل في مجال المجد؛ لقد انتقلوا إلى نظامٍ أسمى، اقتحم العالم بمجيء يسوع. في إنجيل يوحنّا، يُعبّر عن وجهة نظرٍ أخلاقيّةٍ، وليست أنطولوجيّة (وجوديّة).

كيف نفهم التأكيد المزدوج للكتاب المقدّس، بأنّ الله أحبّ العالم، وأنّ المسيح أحبّ الكنيسة (أفسس 5: 25)، إن لم يكن بمعنى أنّ الكنيسة هي المكان الذي يُعلن فيه الحبّ الواحد، ويُبشّر به، ويعرفه الناس، عندما يتقدّمون معًا إلى مائدة الشركة؟ ليس ثمة موضوعان للمحبّة، ولا تفضيل لأولئك الذين هم في الربّ يسوع، لأنّ الله ينظر على حدّ سواءٍ إلى الأخيار والأشرار، الأبرار وغير الأبرار (متى 5: 45). للبعض أُعلن رجاء الخلاص، وهم يعلمون أنّهم ينتمون إلى جنس الله. الكنيسة، بلا ريب، هي ذلك المكان الذي يُسمّى فيه الله ويُدعى كأبٍ ليسوع المسيح، ولكن لا يمكن حصر الله لا في اسمه ولا في أسراره. بلا شكّ، حيثما يُذكر اسم الله، هناك تكون السماء بالفعل على الأرض ومن هناك ينبعث عبير الأبديّة، ولكن عطيّة الله لا تُقاس بالزمان والمكان. الحضور الإلهيّ ليس مرتبطًا بعلامته الكبرى – الكنيسة، بل ينتشر بحريّةٍ كاملةٍ ليشمل كلّ التدبير الدينيّ غير المسيحيّ، مستغنيًا عن علامة التعريف.

الكنيسة موجّهةٌ إسخاتولوجيًّا (أخرويًّا) ليس نحو العالم، بل نحو الله. إنّها مدعوّةٌ لتصبح "العروس"، وبالتالي، بشكلٍ ما، لتدخل في سرّ التعارض بالنسبة لله. وعلى النقيض، مع العالم المخلوق، ليست الكنيسة في علاقة تعارض. الكنيسة هي رجاء البشريّة، أيقونةٌ لما هي مدعوّةٌ لتكونه. وكأيقونة، هي مصنوعةٌ من نفس مادّة البشريّة ومن النور الصادر من العلاء. هي بالنسبة للبشريّة رجاء التجلّي. بموجب هذه الدعوة، الكنيسة هي، بكلمات أوريجانوس، "كون الكون". الكنيسة هي النظام، الانسجام، معنى كوننا، كما أنّ الابن، بكلمات أوريجانوس ذاتها، هو "كون الكنيسة". العالم، بشكلٍ ما، موجودٌ في الكنيسة. فيها ينكشف لذاته ويدرك معناه النهائيّ. عندما تميّز جماعة المؤمنين علامات الأزمنة، تكتشف في العالم معنى، لم يتجلّ لها وحدها، وهو حقًّا معنى الأشياء، لأنّه – كما قال أرسطو – ليس في الأشياء شيءٌ لم يكن سابقًا في الحكم. المهمّة النبويّة، التي هي مهمّة الكنيسة، تتمثّل في إظهار الله الخفيّ في العالم للعالم. الله، الذي مهمّته إعداد التاريخ لاكتماله – أورشليم الجديدة. مكان إتمام النبوءة هو العالم، وهو أيضًا – الحقل الذي تشعّ فيه بصمتٍ شهادة القداسة.

هذه الصلة الوثيقة بين الجانبين الكونيّ والخلاصيّ لعمل الله يمكن تتبّعها في كلّ تعليم الكتاب المقدّس. يكفي أن نحلّل هنا بإيجازٍ وحدة العمل الإلهيّ في "الترنيمة المسيحولوجيّة" من الرسالة إلى أهل كولوسي (1: 15-20): المسيح – "بكر كلّ خليقة. فإنّه فيه خلق الكلّ: ما في السماوات وما على الأرض [...] الكلّ به وله قد خلق. وهو قبل كلّ شيءٍ، وفيه يقوم الكلّ. وهو رأس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بكرٌ من الأموات، لكي يكون هو متقدّمًا في كلّ شيء. لأنّه فيه سرّ أن يحلّ كلّ الملء، وأن يصالح به الكلّ لنفسه". لن نتوسّع في تفسير هذا المقطع. نودّ فقط أن نشير إلى أنّ للمسيح الواحد ذاته مهمّة كونيّة – أن يكون "بكر كلّ خليقة" – ومهمّة خلاصيّة كـ "بكرٍ من الأموات". به خُلق كلّ شيءٍ، كلّ شيءٍ يقوم (1 كورنثوس 8: 6) وكلّ شيءٍ مرتبط. مقدّمة الرسالة إلى العبرانيّين تظهر لنا في نظرةٍ واحدةٍ ذاك المسيح الذي يحمل العالم، وذاك الذي سيظهر في الأزمنة الأخيرة. الترنيمة تقول إنّ كلّ شيءٍ خُلق به وله. يوضّح يوحنّا الذهبيّ الفم أنّ "له" تعني أنّ جوهر كلّ الأشياء موجّه نحوه كمبدأ تعتمد عليه. أقول أكثر: الكون مقدّرٌ له أن يصير سماءً جديدةً وأرضًا جديدة، وفقًا لسفر الرؤيا (21: 1). سينتقل الكون من الكينونة الفاسدة إلى الكينونة غير الفاسدة، وبالتالي، سيصير كلّه كنيسة. إنّه موجّهٌ بالضرورة نحو نهاية الأزمنة. حينئذ ستكتمل المصالحة، وستنتقل الكنيسة إلى الآب. سيبلغ الكون مصيره في المسيح، عندما تصل الكنيسة "إلى قياس قامة ملء المسيح" (أفسس 4: 13).

الكتاب المقدّس يبيح لنا الحديث عن استعادةٍ إسخاتولوجيّةٍ (أخرويّة) للكون، عن فداءٍ للكون، يكتمل طبيعيًّا في خلاص الإنسان. في مثل هذه الرؤية، يشكّل العالم جزءًا من الكنيسة، تمامًا كما تشكّل الكنيسة، الممتدّة في جسدها وتاريخها، جزءًا من العالم. نرى أنّ أصل ودعوة الكنيسة والعالم يحدّدهما الربّ الواحد ذاته. العالم كخليقة هو موضوع إيمان. في الإيمان، الكنيسة والعالم ليسا غريبين عن بعضهما البعض، وليسا واقعين يمكن معارضتهما إسخاتولوجيًّا. بشكلٍ عامّ، الكنيسة هي الكون بأسره في ذلك البعد الخلاصيّ والإسخاتولوجيّ الذي أدخله فيه القائم من بين الأموات. التقليد الآبائيّ يعرّف الكون فقط كواقعٍ مخلوق، تسكنه الأفعال الإلهيّة. نور طابور يملأ كلّ شيء، والمادّة المتجلّية ستشكّل مجال الكنيسة في كمالها، عندما يأتي المجيء الثاني (Parousia). عند الحديث عن تغيير الكون، يستخدم القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث تعبير "ولادة جديدة" [6]: "أجسادنا والخليقة ككلّ ستتجدّد بالقيامة وستشارك في إشراق ما وراء الحدود". في رجاء هذا التجديد الكونيّ تحديدًا يكمن الآن الاتحاد بين الأرض والملكوت. سيتحقّق الخلاص عندما يرث الودعاء الأرض المجدّدة. في انتظار ذلك، نختبر بالفعل الآن مقدّمات التجديد الكونيّ، عندما يحيا فينا الروح القدس. يعتقد القدّيس سمعان أنّ العالم سيكون غير قابلٍ للفهم تمامًا وبأيّ حالٍ من الأحوال "غير قابلٍ للتحديد بالنسبة لنا"، لأنّه سيصبح روحيًّا. مأخوذًا بين الخلق والاستعادة النهائيّة – في انتظار حريّة أبناء الله وفدائه، يمكننا أن نضيف – لا يمكننا إدراكه دينيًّا إلّا في طريقه نحو النور.

ربّما نشأ التعارض بين الكنيسة والعالم من خطأ منطقيّ: يقارنون الكنيسة، كما هي معرّفة في قانون الإيمان، بالعالم في رعبه الظاهراتيّ، أي المرئيّ للعين. ينسون أنّ قداسة الكنيسة يجب أن تُفهم إسخاتولوجيًّا (أخرويًّا)، كقداسة رأسها، وتلك اللحظة التي يتمّ فيها السرّ، والمجيء الثاني. لكنّ الكنيسة كمجتمع خطأة – حسب قول القدّيس أفرام السريانيّ – تقع تحت علامة "سرّ الإثم"، وبالتالي، فهي تشكّل جزءًا من الحياة التاريخيّة وتشارك في وضعنا البائس. الكنيسة تستمرّ في كونها شعب الله وتخضع، بالتالي، للدينونة النبويّة. بالنسبة للفكر الآبائيّ في الغرب والشرق، لا تبدو الكنيسة بلا دنس، بل خاضعةً للشفاء. نظرًا لجهل أعضائها وتشوّهاتهم العديدة، للكنيسة كلّ الأسباب لتردّد يوميًّا: "واترك لنا ما علينا". الكنيسة تحيا بغفران الله.

الوعي الأرثوذكسيّ حاليًّا لا يقبل التعبير الذي كان شائعًا في السابق "الكنيسة التائبة". هذا الرفض هو ردّ فعلٍ على البروتستانتيّة. يبدو تعبير "الكنيسة التائبة" غير متوافقٍ مع فكرة المشاركة في القداسة، والاتحاد غير القابل للانفصام بين المسيح وجسده. يبدو أنّ هذا التعبير يحوّل سرّ الكنيسة إلى مفهومٍ ظاهراتي (phenomenological). إنّ تعريف الكنيسة كشعب الله يصحّح انحراف التفسير المعاصر، الذي أصرّ بشكلٍ مفرطٍ على تعبير "جسد المسيح". لقد خُلطت الكنيسة بالمسيح إلى درجةٍ أصبح معها أيّ تمييزٍ بينهما مستحيلًا. الكنيسة في كيانها التاريخيّ وفي أسرارها أضحت متماهيةً تمامًا مع حياة الملكوت. هذا التبادل المصطلحيّ بين "الرب" و"الكنيسة" ألغى تمامًا صورة الاتحاد، الزواج السرّيّ بين المخلّص والمخلَّصين، لأنّه لا يمكن الحديث عن زواجٍ إلّا عندما يكون ثمة اختلاف. والحال أنّه في كلّ التقليد الكتابيّ من هوشع إلى نشيد الأناشيد، الزواج بين الربّ وشعبه هو واقعٌ في طور التكوين، ويستند إلى أمانة الربّ وعودة الشعب إلى الطاعة. وبالمثل في العهد الجديد، فإنّ الوحدة بين الكلمة المتجسّد والبشريّة التي يخلّصها لا تلغي الطابع الملازم لأولئك الذين يتحرّكون نحو الخلاص، ولكنّهم، بسبب ضعفهم، لا يزالون ينتمون إلى هيئة هذا العالم الزائلة. خطيئة العالم لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أن تكون أنطولوجيًّا (وجوديًّا) خارجيّةً عن الكنيسة في علاقتها بالعالم.

أخشى أننا غالبًا ما نخلق لاهوتًا لعظمتنا الخاصّة، لتفوّقنا الأخلاقيّ المتخيّل على أولئك الذين نعدّهم ينتمون إلى هذا العالم. ومع ذلك، حذّرنا أوريجانوس بالفعل: "يحدث أحيانًا أنّ المطرود إلى الخارج يقيم في الداخل، ومن هو في الداخل، يكون في الخارج" [7]. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أيّ دليلٍ على أنّ خبرة قرب الله لدى المسيحيّين أكبر ممّا هي لدى الآخرين. الله وحده يعلم كيف يستجيب الإنسان لمحبّته. سرّ المحبّة (agape) في نفس المسيحيّ وغير المسيحيّ يبقى لغزًا لم يُحلّ. على الصعيد التاريخيّ-السوسيولوجيّ، ليس لدينا أيّ معيارٍ للتحقّق من تفوّق البيئة المسيحيّة فيما يتعلّق بالمحبّة (agape).

لكي نفقه بشكلٍ ملموسٍ أكثر العلاقات بين الكنيسة والعالم، نحتاج إلى الرجوع إلى الليتورجيا. ثمة قاعدةٌ ملكيّةٌ، أعلنها القدّيس إيرينيوس: "إيماننا يتّفق مع الإفخارستيا، والإفخارستيا تؤكّد إيماننا" [8]. ناهيك عن الصليب والهيكل، اللذين يتّخذان معنى كونيًّا، من الجليّ أنّ مجرى العبادة الليتورجيّة كلّه، الذي يشمل المادّة، يكتسب ثقل وإيقاع العالم. تدرك الجماعة أنّ الخميرة، والخمر، والماء، والزيت، والزهور، والثمار، والشمع، والفحم، والبخور، والنار، والنور، مأخوذةٌ كما هي، ومقدَّمةٌ كعطيّةٍ للربّ. وفوق ذلك، تشير الصلاة إلى الإنسان بحرفته وعائلته، وعمره، ومكانته في المجتمع. إنّها تُرفع من أجل هذا الإنسان كما هو. تُذكر الخطيئة فيما يتعلّق بالجماعة كلّها، التي ترنّم معًا: "يا رب ارحم". القائم بالخدمة يعترف بنفسه كخاطئ: "لا أحد مستحقٌّ من المرتبطين بالشهوات الجسديّة والملذّات أن يأتي أو يقترب أو يخدمك، يا ملك المجد"، ولكنّ العمل الإلهيّ يبيد خطيئته. العالم كما هو، بكلّ ضعفه، يلج في الليتورجيا وفي جوهره يُثبّت بها. الخطيئة لا تمزّق الواقع. في العمل الليتورجيّ، تُثبّت وحدة المخلوق وغير المخلوق.

الإنسان في الليتورجيا مأخوذٌ في بعده الطبيعيّ وفي بعده التاريخيّ، في جهده لتحقيق سيادته على الطبيعة والتاريخ. يتّضح من بداية سفر التكوين أنّ صورة الله هي، قبل كلّ شيءٍ، صورة السيادة: فأوّل ذكرٍ لخلق الإنسان على صورة الله ومثاله، وكذلك الذكر الثاني لخلق الزوجين البشريّين على صورة الربّ، يصاحبهما منح الإنسان السيادة (تكوين 1: 26-28). يُنظر إلى الإنسان هنا كوسيطٍ بين الله والعالم. إنّه يقوم بهذه الوساطة في العمل، والفن، والحياة السياسيّة. العمل يُؤسّس لاهوتيًّا كمشاركةٍ في الحكمة الإلهيّة، كطريقةٍ لإعادة خلق الكون. في الليتورجيا الكونيّة، هو شبيهٌ بتقدمة القرابين (proskomedia). في الليتورجيا، كلّ شيءٍ يعني واقعًا يتجاوز حدود الهيكل بكثير. بفضل الفداء، لم يعد ثمة فرقٌ بين غير المقدّس والمقدّس، الطبيعيّ وما فوق الطبيعيّ. السرّ يكشف لنا أنّ المسيح حاضرٌ، مدعوٌّ للحضور إلى ما وراء السياج المقدّس. واقفين في الصلاة مع الجميع، نعلم أننا "نشكّل سرًّا" ليس فقط مجمع سكّان السماء، بل أيضًا جوقة كلّ الآمال البشريّة، الصاعدة إلى الربّ، وأنّ الحقيقة والجمال كلاهما واقعيّان. هيكل التدبير الأرضيّ يقع بين هيكل الكون وهيكل السماء. إنّه يشارك في كليهما. من وجهة النظر هذه، الكنيسة ليست "غيتو" (معزلًا) يفصلنا عن التاريخ، بل سرّ شركةٍ كونيّة. والعمل الكنسيّ، مأخوذًا بكلّ ثرائه، يرمز ويقدّس ويلهم ويكمل الحياة الغامضة للبشريّة.

بفضل المائدة الإفخارستية، نغدو جسد الربّ، وبالتالي، بالقوة – جسد البشريّة كلّها، لأننا بذلك نأخذ على عاتقنا ما أخذه المسيح على عاتقه. نحن نحمل هذه البشريّة فينا بشفقةٍ لا نهائيّة. بالنسبة للجماعة، قبول الإفخارستيا يعني المرور بـ "الكينوسيس" (إفراغ الذات)، وفقدان نفسها، لتكتسب الحريّة وتقبل البشريّة دون قيدٍ أو شرطٍ بكلّ تنوّعها، بكلّ تعاستها. معرفة سرّ الإفراغ الذاتيّ هذا يعني رؤية الكنيسة كما يراها الله غالبًا: كنيسةٌ ينقطع فيها التواصل. هذا يعني – في لحظةٍ ما من التاريخ – إيقاظ الكنيسة التي أمست شبيهةً بالمجمع، المثقلة بالطقوس، وتذكيرها بدعوتها إلى الشركة. ولكنّ هذا لا يمكن أن يتمّ حقًّا إلّا بقدر ما نسعى إلى أن تتفتّح بين الناس محبّةٌ تتجاوز الحقّ والقوة معًا. هذا يغمرنا فورًا وبعمقٍ في الإشكاليّة الأخلاقيّة، وبشكلٍ خاصٍّ، يضعنا أمام مشكلة الثقافة والثورة الاجتماعيّة.

العالم المسيحيّ يواجه باستمرارٍ أزمةً أخلاقيّة. في الواقع، إذا كان الإغراء في مجال العقل هو الطبيعانيّة الوثنيّة، فإنّ الإغراء في مجال الممارسة هو الشرعويّة المشابهة لليهود، والطابع الخارجيّ للإيمان. يبدو أحيانًا أنّ الأخلاق المسيحيّة لم تتجاوز بعد تبرير الذات بالشريعة، الذي حاربه بولس في رسالتيه إلى أهل رومية وإلى أهل غلاطية. ومع ذلك، فإنّ المسلك المسيحيّ الأصيل لا يتحدّد بفكرةٍ مجرّدةٍ عن الخير وبنظامٍ غير شخصيٍّ للعلاقات. هذا الموقف هو "كينوسيس" (إفراغ ذاتيّ)، توبة، دعاءٌ لتلك المحبّة التي يحبّنا بها الله في يسوع المسيح. هذه طاعةٌ تجدّدنا، حتّى يتمكّن الله من خلالنا من أن يتكشّف للقريب كمُحبٍّ له. الإنسان يوجد لأنّه يعلم أنّ الله يحبّه؛ لأنّه يمكنه الدخول في شركةٍ تحثّه على اكتشاف هذه المحبّة. الفكرة، القاعدة، الخوف من النجاسة، لا تكشف لنا إلّا ضعفنا. "مطلقيّة" العالم الساحقة التي تسيطر علينا تفجّر عبثيّة الحدث الذي يدركنا. لا يقبل الإنسان إلّا رؤيةً يكون فيها مصير العالم فرحنا. الدرس الذي تحمله لنا "النعمة والحق" هو أنّ الشخص أسمى من الطبيعة والتاريخ.

العالم ينتظر منا أن نصبح قدّيسين. القداسة هي الشيء الوحيد الذي لا يتّسع له إطار صورة العالم التي خلقها لنفسه. والحال أنّ النهضة الروحيّة للبشريّة لا تغدو ممكنةً إلّا عندما تهدم الشهادة الإنجيليّة القواعد وكلّ تصوّرنا المعتاد عن العالم. القداسة وحدها هي التي تعيد وضعنا موضع تساؤل، مزعزعةً الأمان الظاهريّ الذي نسعى للاحتماء به. أنا مقتنعٌ بأنّه على الرغم من كلّ تعقيد المشاكل التي تطرحها علينا الحياة المعاصرة، فإنّ ما ينقذ الإنسان هو اكتشاف شخصٍ آخر، يوافق دون مقابلٍ على خدمته. الإنسان يتّحد بالإنسان في شركةٍ تجعله خالقًا، لأنّها هي نفسها شركة أحياء.

لن نتوسّع هنا في الحديث عن تجديد الكنيسة. من المستحيل التأكيد بقوةٍ كافيةٍ على أهميّة النسك، والحماسة المستمرّة لامتلاك الملكوت. إذا كان ينبغي، على الصعيد الشكليّ، تكييف هذا النظام القانونيّ أو ذاك مع الظروف الحديثة لوجودنا، فلا يمكن تخفيف النسك الرهبانيّ الجسديّ إلّا بحذرٍ شديد. بالإضافة إلى ذلك، قبل الحديث عن روحانيّة الشرق المسيحيّ، من المفيد للغاية أن نتثبّت في عظة الجبل. أن تكون نزيهًا، إن لم تكن فاضلًا بشكلٍ مباشرٍ – هذا شرطٌ لا غنى عنه (sine qua non) لمحاربة الأخلاقويّة (moralism). اللاهوت يأتي بعد ذلك. وهكذا، فإنّ الرسول بطرس، بعد أن دعا أهل كولوسي أولًا إلى "إماتة أعضائكم التي على الأرض" (كولوسي 3: 5)، يخبرهم بما يجب أن يصيروا عليه، "إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه، حيث ليس يونانيٌّ ويهوديٌّ، ختانٌ وغرلة، بربريٌّ سكيثيّ، عبدٌ حرّ، بل المسيح الكلّ وفي الكلّ" (كولوسي 3: 9-11). إذن، بفضل التجديد الذي يختبره كلّ واحد، ينهار جدار الفصل، وتُبنى وحدة الكنيسة، ومنها تنمو وحدة البشريّة كلّها. مثل هذا التطهير المستمرّ للإنسان سيعيد للكنيسة صورتها المفقودة. لن تكون بعد الآن مكانًا خانقًا؛ ستغدو ذلك المكان الذي نكتشف فيه أنّ المسيح الإله هو "نسمة حياتنا" (إرميا، LXX، مراثي 4: 20). على الرغم من أنّ إصلاح النسك ضروريّ، إلّا أنّ المعضلة الأكبر ليست فيه. يمكن أن يتعايش مع روحانيّةٍ سطحيّة. الناس لا يبحثون في المسيحيّة عن أنماط حياةٍ جديدة، ولا عن أشكالٍ خارجيّة. ما يجذبهم هو الحقيقة فقط. قوة جذب الصليب، الذي يكشف النور للناس، هائلة. ليست العقيدة، المصاغة بمصطلحاتٍ علميّة، هي التي تنفّرهم. لكانوا على استعدادٍ لخوض غمار علمٍ صعب، لو رأوا كيف يمكنه أن يحوّل كيانهم. إذا كان اللاهوت الأرثوذكسيّ النيوباتريستيكي (الآبائيّ الجديد) يأسر الناس ويلهب حماستهم، فذلك لأنّه، من خلال الغلاف اللفظيّ، المعقّد مثله مثل الكتب اللاهوتيّة، يدخلنا في عمق الواقع الروحيّ. تحديدًا لأنّ هذا اللاهوت عميقٌ وصارم، فإنّ المطالب التي عبّرت عنها بعض حركات الشبيبة في الأرثوذكسيّة المعاصرة قد أُخذت على محمل الجد. على النقيض، عندما يدير ظهره للجمهور وللثقافة، عندما يصير روحه متصلّبًا، فريسيًّا، حينئذٍ تدخل الحركة في انحطاط.

إذا كانت رسالة العنصرة حاضرةً هنا، فإنّها ستمزّق القشرة البالية وتثبّت التوازن والصحّة والأرثوذكسيّة لتجديدنا اللاهوتيّ والكتابيّ، وإصلاحنا الليتورجيّ وممارستنا الاجتماعيّة. كيف ندعو الآب ونحيا في الكنيسة، محافظين على الجرأة؟ كيف نحافظ على السرّ، ونحن ننقله باستمرار؟ كيف ندخل العالم في سرّ الله، في خدر العرس، دون أن نجرّده من ديناميّته الخاصّة؟ كلّ هذا، من حيث المبدأ، ممكنٌ داخل تجديدٍ قويٍّ على الصعيد الشخصيّ والعام. لقد فقد العالم حساسيّته تجاه فكرة المجهود النسكيّ. العملاقة الروحيّة تبدو اليوم باردةً، فردانيّة. ما يجذب الإنسان المعاصر هو صورة المسيح الذي يحيا بين الناس، يأكل ويشرب معهم، ولكنّه يبقى "نور الله"، بدون كذبٍ، بدون أيّ تحالفٍ يشينه؛ المسيح، الوديع أمام الناس، ولكنّه خاضعٌ للآب وحده، متساهلٌ مع الخطأة، ولكنّه مخيفٌ للأقوياء ولأولئك الذين هم أبرارٌ فقط حسب الشريعة. بمقدار ما يتشبّه التلميذ بهذه الصورة، بمقدار ما يصير محورًا للتجديد، ناقلًا إيّاه إلى الكنيسة وإلى جيل معاصريه كلّه.

إذا ثبت، على الصعيد اللاهوتيّ والأخلاقيّ، أنّه لا يوجد مجالان للكينونة الروحيّة، فإنّ نشاط المسيحيّين يجري على حدّ سواءٍ في المذبح وخارجه. يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم إنّ الفقير هو "هيكلٌ أكبر من الكنيسة؛ ذلك المذبح الذي يمكنك أن تراه منصوبًا في كلّ مكانٍ في الشوارع، وفي كلّ ساعةٍ يمكنك أن تقدّم عليه ذبيحة" [9]. حضور المحبّة في المسيحيّ هو حضور المسيح في الجماعة كلّها. وهكذا، نعلم أيضًا أنّه، ابتداءً من الصليب، لا يوجد دخولٌ تلقائيٌّ في التاريخ على صعيد الخلاص. للوصول إلى المسيح، كألفا وأوميغا لكلّ الخليقة، يجب المرور بالموت والقيامة. لكي يتجلّى ويتطوّر في النور، يغدو التاريخ صلبًا مستمرًّا. وأبناء النور يذهبون إلى الصليب في حياتهم، "المستترة مع المسيح في الله".

بلا ريب، الحياة العميقة للبشريّة، التي تُحسب أمام الله، ليست بالضرورة موازيةً للتقدّم التاريخيّ. لا يمكن قسرُها على التطابق مع "إنجازات" المعرفة، أو الفن، أو حركة التحرير. وبالطبع، يفهم الشرق الأرثوذكسيّ نهاية الأزمنة ككارثةٍ إسخاتولوجيّةٍ (أخرويّة) ستنهي التاريخ، مدمّرةً التفاؤل الهادئ ومخزيةً التقدّمية السطحيّة. لقاء المخلوق مع غير المخلوق سيتجاوز كلّ ما يمكن أن نتوقّعه منه. بما أنّ الجمال، المعدّ لنا في الأبديّة، لا يوصف، ينشأ لدى بعض المسيحيّين إغراء التعامل بازدراءٍ مع إبداع الإنسان. برأيهم، كلّ ما لا يمكن تسميته بشكلٍ لا لبس فيه وصارمٍ كنسيًّا، ينتمي إلى هذا الدهر، إلى ظلٍّ زائل. إنّهم يستندون إلى الأدب الرهبانيّ، الذي يؤكّد أنّ الراهب يجب أن يتعلّم فقط الكتاب المقدّس وكتابات الآباء. أليس من المدهش أن نقرأ، على سبيل المثال، مثل هذه الكلمات، الصادرة عن قلم راهبٍ عالم: "صومعة السلام ليست مختبرًا للباحث العلميّ ولا مكتب كاتب، بل مكانٌ للصلاة والعمل والتأمّل" [10]؟ وهذا التكبّر المتواضع يملأ العالم الأرثوذكسيّ. بالطبع، يليق بنا، مع باسكال، أن نؤكّد تفوّق الرحمة على العقل، ولكن لكي نتحدّث عن هشاشة وزوال الجمال والفكر العقلانيّ، يجب أوّلًا أن نتعرّف عليهما قليلًا على الأقل. بشكلٍ عام، باستثناء حالاتٍ نادرةٍ لحملة الكاريزما، لا يكون التجرّد الحقيقيّ إلّا حيث توجد خبرة، وإلّا فهو مجرّد ثرثرةٍ قليلة القيمة، يختلط فيها التضحية الحرّة والواعية من أجل الإنجيل بالتدمير الذاتيّ المازوخي.

إنّ تأليه المعاناة ليس ملازمًا فقط للعصور الوسطى الغربيّة. بعض القمع للعقل، ورفض العلوم الدنيويّة في المسيحيّة القديمة كان أحد أشكال ردّ الفعل على الوثنيّة. كانت الثقافة الإنسانيّة اليونانيّة موضع شكٍّ لدى المسيحيّين حتّى الوقت الذي ترجم فيه أبوليناريوس اللاوديكي الكتاب المقدّس شعرًا، وأوصى باسيليوس الكبير بتعليم الشباب الأدب. في اعتراضه المطوّل على كلسوس، الذي اتّهم المسيحيّين بالعداء للحياة العقليّة، كتب أوريجانوس الإلهيّ: "اللوغوس (الكلمة) يرغب في أن نكون حكماء" ("ضد كلسوس"، III، 45). ويختم: "بلا ريب، ليس في التعليم الحقيقيّ شر، لأنّ التعليم طريقٌ إلى الفضيلة" (III، 49).

لا حاجة للإسهاب هنا في الحديث عن الأهمّيّة الاستثنائيّة التي كانت للفلسفة اليونانيّة في تطوير корпуس (مجموعة) العقائد الأرثوذكسيّة. على الرغم من كلّ الحريّة التي تعامل بها الآباء مع أفلاطون والأفلاطونيّة المحدثة، وعلى الرغم من حقيقة أنّهم لم يُهلينوا (يصبغوا بالصبغة الهيلينيّة) الوحي وأنّ الأرثوذكسيّة بقيت في مضمونها كتابيّةً حقًّا، فإنّ التعليم المسيحيّ بالشكل الذي قُدّم لنا به، لا يمكن فهمه خارج فئات الفكر الهيلينيّ. هذا يعني أنّه لا يتعيّن علينا البحث عن الثقافة في مكانٍ بعيد، خارج سياج الهيكل. الليتورجيا لا تعكس فقط التصوّر القديم للجمال، بل تستخدم أيضًا، عند الحديث عن الملائكة، فئة "المُثُل" الأفلاطونيّة. في الشرق، حيث لم يعرفوا الإنسانيّة الغربيّة، بقيت العبادة حتّى القرن الماضي المصدر الوحيد للثقافة. لا يدور الحديث هنا عن صدفةٍ تاريخيّة. الفيلسوف اللبنانيّ رينيه حبشي يعتبر أنّه من الطبيعيّ للعقل أن يخلق لنفسه وسطاء بين الغريزة والإيمان، بين التجريبيّة والوحي، مثل العلم والفلسفة: "هذا التمييز يضعف الأواصر التي لا تزال تربط بشكلٍ غير لائقٍ الروحيّ بالزمني".

ماذا نقول عن الحضارة التقنيّة؟ ألم يؤدِّ نموّها الاستثنائي، على الصعيد العقليّ، إلى نوعٍ من الفصام؟ فمن ناحية، نواصل استهلاك كلّ ما يجلبه لنا الإنتاج الصناعيّ، ومن ناحيةٍ أخرى – نحيا في حنينٍ رومانسيٍّ إلى الماضي. أخشى أن تقع الأوساط المسيحيّة، الخائفة من التطوّر المتزايد لقدرات الإنسان، في ثرثرةٍ رؤيويّةٍ (أبوكاليبتيّة)، ورثاءٍ للقيم الروحيّة المفقودة، وفي كارثيّةٍ هستيريّةٍ للشعوب المتخلّفة. في هذه الحالة، يخاطرون بنسيان أنّه في الظروف الحاليّة للوجود، فقط التوزيع العادل لوسائل الإنتاج على المستوى الدوليّ، وفقط نقل التكنولوجيا والأموال إلى بلدان نصف الكرة الجنوبيّ، قادران على تحرير هذه البلدان من الاستعباد الاقتصاديّ للقوى العظمى، ومن الجوع وفقدان جوهرها العميق. يمكن، بالطبع، رثاء فقدان "ثقافة الرمزيّة، العالم الداخلي، التلّوريّة (الارتباط بالأرض)"، ولكن، ربّما يكون هذا ثمن العدالة والخبز والكرامة. ربّما سيُعوَّض الباقي بعد الموت؟ في النقطة الحاليّة من تطوّرنا التاريخيّ، لا يمكن اعتبار ثقافةٍ ما إنسانيّةً إلّا إذا نشرت نفسها في العالم: فالعالم، المخلوق لجميع الناس، هو معيار الثقافة البشريّة. طالما لم يتحقّق الطابع الديمقراطيّ للتعليم، كانت المتاحف والفن والحياة العقليّة حكرًا على البرجوازيّة؛ وبالنسبة للعديد من البلدان، لا يزال هذا صحيحًا حتّى الآن. على أيّة حالٍ، لا تصير الثقافة إفخارستيةً إلّا عندما تتخلّى عن الاكتفاء الذاتيّ وتجعل نفسها شركة. الإنسان وحده سينقذها من خطر الغموض الملازم لها، ومن الجماليّة أو إرادة السلطة التي تغرينا بها. في شركة القدّيسين فقط يمكنني أن أفقه أنّ الإنسان يتجاوز بلا حدود الطبيعة، والعلم، والإنتاج المادي، والإبداع الفني.

سواءٌ كانت الثقافة في أساسها أدبيّةً أو تقنيّة، هذا لا يغيّر شيئًا: فبانغماسه في إنتاجه اللفظيّ أو الميكانيكيّ، لن يخلص الإنسان إلّا إذا أدرك أنّه محبوبٌ من الله. بعد العمل في المصنع، في المختبر، بعد رحلةٍ بين الكواكب، سيبقى الإنسان وحيدًا وجهًا لوجهٍ مع معضلة المحبّة. نشوةٌ كونيّةٌ ما، شعرٌ شبيهٌ بذلك الذي يمتزج بالهندسة، ستمنح الإنسان بعدًا يمكنه فيه اكتشاف الله ليس فقط من خلال إنكار الذات، بل أيضًا من خلال فيض إنسانيّته الخاصّة. ما معنى هذا التطوّر للفكر وللحياة المسيحيّة داخل سياج الهيكل؟ ماذا يعني بناء الهيكل الكونيّ بالنسبة للهيكل الكنسيّ من حيث اللغة والرموز والصيغ العقائديّة؟ إذا كان ثمة فرقٌ بين الرسالة المسيحيّة وتلك الثقافة اليهوديّة-الهيلينيّة التي تتشح بها، فهل يمكن القول إنّ الإنجيل يجب أن يرتدي ثوبًا آخر ليُسمع؟ الإجابة على هذه الأسئلة لا تمكن إلّا داخل عمليّة تجديدٍ روحيٍّ كبير، يصير أقوى من التاريخ، مصدرًا للجرأة. ستكون الإجابة ممكنةً إذا كشفت الحساسيّة تجاه الحضارة الناشئة عن مواهب الخيال والإبداع. الإجابة تكمن في محبّةٍ عميقةٍ لإنجيل يسوع المسيح وللإنسان، كما يقدّمه لنا التدبير الإلهيّ الذي يسوس التاريخ.

التقنيّةُ في ميزانِ العدالة

يسعى العالم المنقسم اليوم إلى العدالة داخل ذلك المجتمع الذي يريد أن يراه تقنيًّا أو الذي أمسى كذلك بالفعل. كيف تُترجم متطلّبات العدالة إلى الصعيد الوطنيّ العامّ أو الإنسانيّ العامّ، إذا صحّ أنّ التقنية وسيلةٌ ضروريّةٌ، أو حتّى شرٌّ لا بدّ منه، لتطوّرنا؟ المسيحيّون، إذ يشاركون البشريّة جمعاء في البحث عن حلٍّ لهذه المهمّة، سيشرعون بذلك العمل الذي ينخرط فيه الناس ليتحرّكوا نحو حقيقة الله. هذا العمل المشترك يجب أن ينيره الله، يجب على الله أن يمنحه قيمةً ويوجهه. حينئذ ستكتسب دعوة المسيحيّ الدائمة إلى القداسة ذلك البعد الكونيّ المقدَّر لها في قصد الله. الطابع العالميّ لهذه المهمّة يجب أن نجسّده نحن في حياة مجتمعٍ يصف نفسه بأنّه مسؤول.

المسؤوليّة هي موقفٌ أخلاقيٌّ يعبّر عن حقيقةٍ لاهوتيّةٍ حول التضامن البشريّ. فمبدأ التضامن منقوشٌ بالفعل في بنية الخليقة. يؤكّد الكتاب المقدّس وحدة الجنس البشريّ (أعمال الرسل 17: 26-27)؛ نظام الأشياء (الأزمنة التي تحيا فيها الشعوب؛ حدود انفصالها)، القادر على أن يفضي إلى معرفة الله. هذه الوحدة تعكس الوحدة الإلهيّة، لأنّ صورة الله، الكامنة في الإنسان، منقوشةٌ، وفقًا لغريغوريوس النيصي، في كلّ المجتمع البشريّ بأسره. "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" (تكوين 1: 27). الإنسان هنا هو الرجل والمرأة معًا، في جماعتهما النهائيّة. هذه هي البشريّة ككلّ، مأخوذةٌ إسخاتولوجيًّا (أخرويًّا) من قبل المسيح. هو يحقّق بذاته تلك البشريّة المخلوقة على صورة الله. لقد نقل المخلّص هذه الصورة إلى الكنيسة، مانحًا إيّاها ذاته (أفسس 5: 25). والإنسان يستعيد مجدّدًا الشبه المفقود بالله، عندما، متّبعًا المسيح، يسلك درب المحبّة. لقد أمست وحدة الجنس البشريّ فعليّةً بفضل ذبيحة يسوع المسيح وانتصاره على الموت. في الزمن الحاضر، علامة هذه الوحدة هي الكنيسة. وللأسف، هي، مثل وحدة الكنيسة، ممزّقةٌ بالخطيئة، بكبرياء بروميثيوس. لكنّ شرّ طبيعتنا، وكلّ الإغراءات التي نتعرّض لها، لا تقلّل إطلاقًا من واقع هذا التأكيد الإيمانيّ: الطبيعة البشريّة واحدةٌ أنطولوجيًّا (وجوديًّا).

على صعيد الخلاص، يبدأ مفهوم الجسد السرّيّ في وضع أساسٍ لهذه الوحدة. التقليد – الذي لم ترفضه الكنيسة ويمثّله آباءٌ عظامٌ مثل غريغوريوس النيصي، وإسحق السرياني، ومكسيموس المعترف – يسمح بالإيمان بالخلاص الشامل. لم يُكشف تعليم "الأبوكاتاستاسيس" (الاستعادة الكلّيّة) في الكتاب المقدّس، لئلا يسيء الإنسان استخدام رحمة الله. إذن، إذا لم يكن هذا التعليم موضوع إيمان، فإنّه يبقى موضوع رجاء. ومهما كان عدد المختارين، فإنّ جسد الربّ السرّيّ أوسع من كلّ جماعة المعمّدين، والإسخاتولوجيا (الأخرويّات) المسيحيّة تقدّم لنا رؤيةً نهائيّةً لوحدة الجنس البشريّ. هذه الوحدة تُثبَّت في كلّ مكانٍ على أنّها مؤسّسةٌ على الشريعة الطبيعيّة، "المسطورة في قلوبنا" (راجع رومية 2: 15). لا يدور الحديث هنا عن معارضة الطبيعيّ بما فوق الطبيعيّ، الغريب عن النعمة. الشرق لا يعرف هذه الثنائيّة. الحديث يدور عن ذلك الـ "كينوسيس" (الإفراغ الذاتيّ) الإلهيّ، الذي يجعلنا منذ لحظة الخلق شركاء في الأفعال الإلهيّة. هذه الشركة، التي كانت في الأصل والتي قُدّر لها أن تكون مجدّدًا، حقيقة أنّنا جميعًا موضوع اهتمام الله الواحد ذاته، هذه القرابة في الطبيعة مع الله، هذه الرفقة التاريخيّة وما وراء التاريخيّة له، تؤلّف الأساس اللاهوتيّ لأخلاقيّات المشاركة والخدمة.

هذه الوحدة بين البشر تجاه عطايا الله ليست مفهومًا مجرّدًا. مع الجميع ومع كلّ فرد، نختبر بشكلٍ ملموسٍ وحدةً تدفعنا لا إراديًّا إلى التعرّف في كلّ إنسانٍ على أخٍ في الجنس. جماعتنا البشريّة الشاملة تحيا في كلّ من هو مُلقى على طريق العالم، مجروح بلصوص التاريخ، دمه ينسكب كما ينسكب دم الربّ. هنا ليس فقط مفهوم الكرامة الكامنة في كلّ إنسان، وليس فقط الاعتراف بالحريّة، والخلود، والعدالة، والتشبّه بجمال النموذج الإلهيّ، كما يقول غريغوريوس النيصي، بل أيضًا، كما يكتب أوريجانوس ومكسيموس المعترف – تأكيد قداسة الناس الذين "يمكنهم إظهار كلّ الفضائل، حتّى لو لم يكن لديهم فهمٌ كاملٌ لسرّ الفداء" [11].

يصل هذا الخطّ الفكريّ إلى غريغوريوس بالاماس (القرن الرابع عشر)، الذي اعتبر أنّ كلّ عرقٍ بشريٍّ يرتقي، من خلال معرفة الخليقة، إلى جنس الخالق. يشير هذا المعلّم العظيم للشرق إلى أنّ كلّ الجماعة التي تقطن العالم تقريبًا – "هي في حدّ ذاتها، دون تعلّم وصايا الإنجيل، تمتلك الله، الذي ليس آخر غير خالق الكون" [12]. ومع ذلك، بالنسبة لمن يعرف النهج القائم على الخبرة العميقة للاهوت الشرقيّ، من المفهوم أنّ الحديث هنا لا يدور عن امتلاك غير المسيحيّين لعلمٍ عن الله، بل عن معرفتهم به من خلال المشاركة في حياة الله.

مفهوم وحدة العالم هذا خلاصيٌّ بالنسبة لنا. إنّه يكشف لنا الطبيعة الحقيقيّة لوحدة الكنيسة. الكنيسة ليست كتلةً صمّاء منغلقة. إنّها لا تعرّف نفسها كمعارضةٍ أنطولوجيّة (وجوديّة) للعالم، للتاريخ، بل تعرّف نفسها ديناميكيًّا، في حوارٍ مع العالم، الذي يُعاد خلقه وبناؤه. بالطبع، تغدو الكنيسة جماعة أقليّة بمعنى أنّها في مجتمعٍ علمانيٍّ بشكلٍ متزايد، لا تبدو بالضرورة للناس كقيمةٍ أساسيّة. في الإبداع التاريخيّ، كفّت عن أن تكون واقعًا حاسمًا. إنّها تدرك بشكلٍ متزايدٍ ضعفها، ممّا يدفعها إلى إعادة النظر في مؤسّساتها، وإعادة تقييم ماضيها، والاعتراف بضرورة الاعتماد في كثيرٍ من الأمور على أسسٍ جديدة، لأنّها في سفينةٍ لا يمنعها من الغرق سوى الربّ وحده. ولهذا السبب يدفعها التاريخ إلى البحث عن وحدةٍ تتطابق مع وحدة العالم. لهذا البحث، لا بدّ من وداعة الحوار وموهبة (كاريزما) الخدمة المشتركة المتجدّدة كلّيًا.

وحدة الكنيسة لا تعارض وحدة العالم، كما أنّ الكنيسة ليست في علاقة تعارض مع العالم المخلوق. الكنيسة هي أيقونةٌ لما ستغدو عليه البشريّة؛ هي معنى العالم، معقوليّته (intelligibilité) أو، بالتعبير الهامّ لأوريجانوس، "كون الكون". تبقى الكنيسة قلب العالم، حتّى لو لم يعرف العالم قلبه. من هنا يترتّب أنّ كلّ ما تختبره، تختبره رمزيًّا، بالمعنى السامي للكلمة. إنّها تعرف وحدة العالم، التي كشفها الروح. هكذا سيكون حتّى المجيء الثاني (Parousia)، عندما يصير العالم والكنيسة عروسًا واحدةً للربّ، الآتي في المجد.

يمكن للعالم والكنيسة أن يُظهرا مصيرًا واحدًا، إرادةً واحدةً لتدبير الأرض. وفي الوقت عينه، الكنيسة، المرتبطة سرًّا بالمسيح، الكنيسة التي يكشف لها ديّان التاريخ – الروح – مقاصده، تحيا، مضغوطةً باستمرارٍ من العالم. وهي نفسها تضغط باستمرارٍ على العالم. هي بالنسبة للتاريخ دومًا "شوكة في الجسد". إنّها تعلن النور الآتي، الملكوت الذي ليس من هذا العالم. إنّها تبشّر برجاء الخلاص، الذي أُعطي لها، والذي تترقّبه في الصلاة، وتتذوّقه مسبقًا في السرّ، والذي لا يمكن ببساطةٍ مطابقته مع طاقة الإنسان الذي يبني مدينته الخاصّة. الكنيسة مغمورةٌ في جرن الأبديّة، الذي لا يمكن أن يتجلّى بالكامل في أيّ عملٍ بشريّ. علاقتها بالنهاية ليست مجرّد تاريخٍ صاعد. فيها بُعد "الكارثة"، لأنّه في طبيعة الأشياء يوجد تمزّقٌ في النسيج، لن يشفيه سوى سلام الملكوت.

من هنا يترتّب أنّ السعي المسيحيّ لا يمكن مطابقته بأيّ سعيٍ آخر. المسيحيّ هو مثيرٌ للقلق، إنّه يضع كلّ النظام القائم موضع تساؤل. إنّه يقيم في الحركة أكثر ممّا يقيم في "التأسيس". إنّه يدعو إلى تجاوز الحدود باستمرار، ولذلك يُنظر إليه كعنصرٍ هدّام. لذلك لا يقبله أهله، أولئك الذين استبدلوا النضال بشرعويّةٍ يمينيّةٍ أو يساريّة. في صميم لاهوت الشركة هذا بين الكنيسة والعالم، تحيا أخلاقيّات الانشقاق أو، على الأقلّ، المسافة. لقد خرج المسيحيّ من الهيكل ليكون وسيط المسيح في العمل، في الفن، في السياسة. يتكشّف له حضور المسيح في عالم الناس. ومن خلال ذلك الكهنوت الذي اتشح به، تصعد إلى الهيكل السماويّ كلّ آمال البشر في الخير والجمال. إنّه يعلم أنّه، بقبوله جسد الربّ، يحمل في ذاته جسد البشريّة كلّها، التي يتعاطف معها بلا حدود. إنّه مستعدٌّ لأن يهلك نفسه، لتكتسب البشريّة الحريّة. في هذه الحركة، ينفض عن جسد الكنيسة غبار المجمعيّة، والجمود الطقوسيّ، وفي الوقت عينه، يصلبه رفاقه في الترحال الأرضيّ، مسمّرًا على صليب وحدةٍ لا شفاء منها. في جدليّة الشركة والقطيعة هذه، يحضر المسيحيّ في كلّ مكانٍ لا يزال يتعيّن فيه على الإنسان بلوغ الإنسانيّة الكاملة.

على الرغم من ازدواجيّة العالم المخلوق وما يُصنع بالإنسان، يبقى موقف المؤمن إيجابيًّا ونشطًا. "حياتنا المسيحيّة – يكتب أوليفييه كليمان – يجب أن تغدو منفتحةً على كلّ بحث، على كلّ فرحة اختراع واكتشاف، على كلّ جهد إبداع وجمال للثقافة البشريّة. كلّ واقع – من الذرة إلى الجرم السماويّ – كلّ جمال، من كهوف ما قبل التاريخ إلى ألعاب الفنّ التجريديّ المقلقة، كلّ جهد من أجل العدالة والحريّة، كلّ وسيلةٍ جديدةٍ لاستغلال الأرض [...] – كلّ هذا يجب أن نمرّره عبر غربال محبّتنا، كلّ هذا نجمعه في مخزن الكنيسة، التي وحدها ستتمكّن من المرور سالمةً عبر كارثة النهاية". ويكمل: "لا توجد طرقٌ معصومةٌ من الخطأ لسياسة مسيحيّة، لاقتصاد مسيحيّ، لفنٍّ مسيحيّ، ولكن يمكن ويجب حتمًا أن يكون ثمة حضورٌ شخصيٌّ للمسيحيّين في السياسة والاقتصاد والفنّ [...]: حضورٌ منفتح، مُحوِّل" [13].

من وجهة النظر التي تبنيناها، يمكن التأكيد قبل كلّ شيءٍ أنّ الجنس البشريّ ككلّ هو حاملٌ وملهمٌ لتطوّره الخاصّ. إذا كان، حسب قول غريغوريوس النيصي، "في جميع الناس إنسانٌ واحد"، فإنّ هذا المجتمع المسؤول يتألّف من البشريّة ككلّ. الكنيسة، كونها الشعب المسيحيّ، لا يمكنها أن تحلّ محلّ البشريّة. لا يمكنها أن تفكّر نيابةً عن البشريّة – فهذا بمثابة إعلان نفسها كبرى، والبشريّة صغرى. بالإضافة إلى ذلك، هي تميل بالفعل أكثر من اللازم إلى التباهي بتفوّق "الحضارة المسيحيّة". في منظورٍ تاريخيّ، يتميّز بنموٍّ ديموغرافيٍّ كبير في البلدان غير المسيحيّة، ستكون الكنيسة حقًّا "قطيعًا صغيرًا". هذا "القطيع الصغير"، الضائع حرفيًّا في الكتلة البشريّة، المدعو إلى إدراك تضامن الشعوب، لن يخشى شيئًا إذا استطاع، في دعوته التضحويّة، أن يغدو ضمير العالم الحيّ. فقط إذا عبرت الكنيسة عبر نار الروح، سيكتشف فيها الناس أنّ نسمة العالم المتحرّك نحو الحقيقة هي المسيح.

فيما قاله الأنبياء وآباء القرنين الرابع والخامس بشكلٍ مسيّانيٍّ حادٍّ ومثمرٍ جدًّا بالنسبة لنا عن العدالة، تجد المسيحيّة وتقدّم لنا تعليمًا متكاملًا عن الملكيّة، يمكن أن يغدو للمجتمع الدنيويّ أساسًا لمسؤوليّته. من النبيّ عاموس إلى الرسول يعقوب، يشير الوحي الكتابيّ ببلاغةٍ في جميع الحالات إلى الموقف اللائق تجاه بؤس العالم. هكذا كلمات أيوب عن المحرومين: "عُرَاةً يَبِيتُونَ بِلاَ كِسَاءٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ غِطَاءٌ فِي الْبَرْدِ. يَبْتَلُّونَ مِنْ مَطَرِ الْجِبَالِ، وَلِعَدَمِ الْمَلْجَأِ يَعْتَنِقُونَ الصَّخْرَ"، و"يُجْبِرُونَهُمْ أَنْ يَمْشُوا عُرَاةً بِلاَ لِبَاسٍ، وَالْجِيَاعَ يُطْعِمُونَهُمْ سُنْبُلًا" (أيوب 24: 7-8، 10). هذا هو بالضبط النوع من الكلام الذي يترقّبه العالم. الإنسان المعاصر يشعر بصورة المسيح، الذي عاش بيننا، أكل وشرب، ولكنّه كان "قدّوس الله"، غير كاذب، غير ملوّثٍ بالتساهل، وديعًا ومتساهلًا مع الخطأة، عنيفًا مع أصحاب السلطة. والحال أنّه حتّى بين أعضاء مجامعنا يوجد مسيحيّون ذوو نفوذ، مستغلّون معروفون للجميع. إذا تساهلت الجماعة الإفخارستية معهم، فهي تحيا في الكذب، في نوعٍ من الثرثرة الدينيّة، وهذا عثرةٌ للبشريّة كلّها. طالما يُسمح بانتماء أولئك الذين قيل عنهم: "أنا أعرف كم هي جرائمكم عديدة وكم هي خطاياكم ثقيلة" (عاموس 5: 12) إلى المسيحيّة دون نقاش، يمكن الحديث بلا نهاية عن "المهمّة النبويّة للكنيسة"، وعن ضرورة "إخضاع الهياكل لاختبار النقد". إذا أردنا حقًّا أن نشكّل في العالم كلّه مجتمعًا مسؤولًا، فإنّ شهادتنا، قبل كلّ شيء، يجب أن تستعيد الصرامة النبويّة في فضح الظالمين، السائدين في بلدٍ أو قارة. فهم يمكنهم بسهولةٍ التكيّف مع التعليم العامّ حول العدالة الاجتماعيّة، طالما أنّ الوعظ لا يمسّهم وطالما يمكنهم المشاركة في الإفخارستيا. في الكنيسة القديمة، كان يُقطع المرء من الشركة لزلاتٍ أقلّ من ذلك.

الخدمة النبويّة، المؤدّاة بفعاليّةٍ في الكنيسة المحليّة، يجب أن يدعمها تعليمٌ لاهوتيٌّ عن الخيرات الأرضيّة، يغدو تعبيرًا حقيقيًّا عن لاهوتٍ إفخارستيّ. أشار القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم إلى هذا التوسّع للعمل الإفخارستيّ خارج حدود المقدّس، عندما تحدّث عن الفقير: "هذا المذبح يسعك أن تراه منصوبًا في كلّ مكانٍ في الشوارع، وفي كلّ ساعةٍ يسعك أن تقدّم عليه ذبيحة" [14].

ليس ثمة أيّ حاجة للإسهاب هنا في الحديث عن الفكر الاجتماعيّ للآباء. لقد استهدفوا نظامًا جديدًا، تُعلن فيه الملكيّة كإرثٍ مشتركٍ لجميع الناس. اليوم، نفس هذا الطموح سيتضمّن تغيير الهياكل الاجتماعيّة. لا أحد يمكن أن يبقى غير مبالٍ بهذه إعادة تشكيل المجتمع، التي تسعى، على الأقلّ، إلى القضاء على الفقر، الأمر الذي سيكون المرحلة الأولى للتنمية البشريّة الشاملة المنشودة. هل هذا يعني أنّ الكنائس نفسها يجب أن تقترح هياكل جديدة؟ "الكنائس – كما جاء في نداء مؤتمر نظّمه المجلس العالميّ للكنائس – تضع نصب أعينها مهمّة تعليم الجميع كيفيّة تحقيق الفعاليّة على الصعيد السياسيّ". يشير النداء إلى الكنائس بمهمّتها السياسيّة؛ يجب عليها الدخول في علاقاتٍ مع الأحزاب السياسيّة من أجل التنمية واتّخاذ موقفٍ مؤيّدٍ بشكلٍ علنيٍّ لـ "التحوّلات الثوريّة". يمكن للمرء أن يتساءل، وليس بدون سبب: ألن يكون هذا المفهوم أو ذاك، الذي أمسى خلفيّةً لدخول الكنيسة هذا في السياسة، متعارضًا مع مفهوم المجتمع السياسيّ المسؤول؟ إذا كان هدف العمل السياسيّ هو المجتمع المدنيّ، فلا يمكن للكنيسة ككنيسة أن يكون لها عملٌ سياسيٌّ مستقلّ. نشاط أعضائها يجري في حضن الجماعة الوطنيّة أو الدوليّة بالاشتراك مع المواطنين الآخرين. بهذا المعنى، كان اللاهوتيّ الرومانيّ ت. بوبيسكو محقًّا عندما قال: "لن تضطرّ الكنيسة إلى إنشاء علمٍ آخر، أو فنٍّ آخر، أو أشكالٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو حتّى اقتصاديّةٍ أخرى. لا يمكنها تدمير القائم، ولا تدعي أنّها تخلق من العدم (ex nihilo) عالمًا كاملًا، جديدًا، مثاليًّا، عالمها الخاصّ، لا يرتبط بأيِّ شيءٍ بالعالم القائم" [15]. في استخدام مجلس الكنائس للمصطلحات، يمكن لكلمة "كنيسة" أن تعني فقط المسيحيّة التاريخيّة. وهذا يتضمّن تعريف الكنيسة كمجتمعٍ مكتفٍ ذاتيًّا، مجتمعٍ كامل "يتمتّع بالنفوذ" وبالتالي ليس غريبًا عن السلطة السياسيّة. هذا المفهوم يعكس موقف تلك البلدان حيث تسود الكنيسة وتدرك نفسها قويّةً بما يكفي للتأثير في مجرى الأحداث. لم يعد هذا صحيحًا في تلك البلدان حيث الكنيسة أقلّيّةٌ أو مجبرةٌ على الصمت.

الضعف التاريخيّ لبعض كنائس الشرق، ومشاركتها في المصير الوطنيّ، وانضمامها إلى تطلّعات شعوبها، يجعلها أكثر حساسيّةً تجاه الجماعة الوطنيّة الحقّة، التي تبدو الحامل الوحيد للعمل الاجتماعيّ ومحرّك التقدّم التقنيّ. بالنسبة للشرق المسيحيّ، تبقى الكنيسة حضور الإفخارستيا المحوِّل، كائنًا حيًّا يؤمن، وتعمل فيه المحبّة. الكنيسة لا تعرف العلوم الاقتصاديّة والاجتماعيّة. حتّى لو امتلكت مراكز بحثيّةً، ومؤسّساتٍ اقتصاديّة، فلن يكون لها، كهيئةٍ كنسيّة، اختصاصٌ للحكم على أمورٍ تنتمي بطبيعتها إلى مجال المعرفة المستقلّة. تتأمّل الكنيسة لاهوتيًّا وأخلاقيًّا في وضع الإنسان، وفي هياكل عالم الإنتاج والعمل. ولكن عندما تتناول البيانات العلميّة البحتة، فإنّها تنتج منتجًا ثانويًّا ذا طبيعةٍ معرفيّة، محاولةً بخجلٍ وتأخّرٍ تقليد المنظّمات المؤهّلة. هذه الأخيرة، على النقيض، إذ تدرك طابعها التقنيّ الخاصّ، ربّما تسعى لسماع صوتٍ ملهمٍ، روحيّ، يرشد البشريّة إلى دعوتها وهدفها. "دعوا الكنيسة تكون كنيسة!" الكنيسة، المقودة بالروح، ستتمكّن من القول ما هي كلّ هذه التنمية التي نشهدها – إغراء أم نقطة أخيرة يجب السعي إليها. بالنسبة لها، من الأهمّيّة بمكان ألّا يكون اللاهوت الذي طوّرته مجرّد تقديسٍ للفلسفة الاقتصاديّة للبلدان المتقدّمة. في بلدان الغرب، يُغرى المسيحيّون بتقديس العالم، بحلم إمبراطوريّة "مسيحيّة"، حتّى لو اتّخذت شكلًا علمانيًّا: اخدش الإنسان الغربيّ – وسترى صليبيًّا! على العكس، المثال التقليديّ للمسيحيّ الشرقيّ هو "الاكتفاء الذاتيّ" الليتورجيّ، الذي لا يُرى فيه العالم إلّا في معناه الإسخاتولوجيّ (الأخرويّ)، والذي يصاحب فيه الجمود العقليّ كارثيّة رؤيويّة (أبوكاليبتيّة) ليست من الطراز الرفيع. وراء التجرّد الرهبانيّ غالبًا ما يختبئ اللامبالاة بمصير العالم. على النقيض، يحدث للمسيحيّة الغربيّة أن تؤمن بواقعها الخاصّ على أساس أنّها تحوّل الحياة المسيحيّة إلى ثقافة أو إنسانيّة تسمى مسيحيّة. بالطبع، "الثقافة طريقٌ إلى الفضيلة" [16]، ولكنّها مجرّد طريق. بالنسبة للحركة العامّة للبشريّة، هي طريقٌ ضروريّ. ولهذا السبب، عند مواجهة إغراء الهروب من العالم، حاول الفكر الأرثوذكسيّ تأسيس الثقافة دينيًّا. حاليًّا، هذا يعني موقفًا روحيًّا يقبل التقنيّة والهياكل السوسيولوجيّة المرتبطة بها بشكلٍ لا مفرّ منه. داخل هذه الأشكال، سيحاول المسيحيّون غرس علاقاتٍ أكثر إنسانيّةً في الناس، وإعطاء معنى لوقت الفراغ في مجتمعٍ استهلاكيّ، ودعم رجاء ونضال شعوب البلدان النامية. الحديث يدور عن المشاركة في تطوير التقنيّة، ولكن ليس تقديسها، وعن النضال ضدّ الأخلاق العلمويّة والصوفيّة التقنيّة في مجتمعٍ، تعدّديٍّ بالضرورة. نظريًّا، ليس من المستبعد أن تفضّل البشريّة، التي أصابها الهلع أمام صنع يديها، اتّجاهًا آخر على طرق الرفاهيّة وتنطلق في البحث عن ثقافةٍ داخليّة؛ ولكنّ هذا يبدو ممكنًا فقط عندما تُقسَّم خيرات التقنيّة بكرامةٍ على البشريّة جمعاء؛ ويُقسم الخبز المكسور بالعدل. أمّا بالنسبة للإنسان المعاصر المتعلّم تقنيًّا، فلا شيء يمنعه من أن يكون حسّاسًا بلا حدود للشعر الصوفيّ، ولعظمة وغرابة الليتورجيا، ولثروتها الروحيّة، ولبساطة نظرة المحبّة الإنجيليّة.

المهمّة الملحّة للكنيسة في مجتمعٍ، يثير تطوّره السريع قلق العالم كلّه والمتخصّصين في التنمية أنفسهم، تتمثّل في أن تعرف مسبقًا معنى تطوّر العالم. مؤلّفو النداء، المسمّى "تأمّل لعام 1985"، إذ كانوا أوفياء لهذه المهمّة، أكّدوا على قيمٍ مثل تفرّد الإنسان، واحترام الحياة، وكرامة الرجل والمرأة، والتضامن بين الأفراد وتجاه الأجيال القادمة. كانت هذه المجموعة تدرك أنّ "قيم مجتمعنا يمكن اختيارها بحرّيّة بشرط أن نكون يقظين وألّا نسمح بتطوّر طفيليّ يبتلع حضارتنا، قد لا نستطيع السيطرة عليه يومًا ما". وهكذا، "تغدو التنمية، بشكلٍ رئيسي، مشكلة حضارة [...]، مشكلة القيمة المتزايدة للناس في نظامٍ معمّمٍ للاقتصاد البشريّ والتنمية المنسّقة" [17]. هذا مستحيلٌ بدون فهمٍ للأهداف، التي تُحدّد "ليس فقط بزيادة رفاهيّة الناس من جميع الطبقات الاجتماعيّة، بل أيضًا بنموّ الإنسانيّة، والقيمة الممنوحة لها" [18]. إذا كانت الكنيسة تحتوي في ذاتها على كلّ ما هو إنسانيّ، فإنّ دورها يكمن في تحديد اتّجاه التنمية، حينئذ يكمل إشراق اللوغوس (الكلمة) وفيض الروح العمليّة الأنثروبولوجيّة في بعدها الاجتماعيّ. ستستمرّ الكنيسة في تمثيل القيمة الأسمى للشركة الكونيّة للبشريّة. في الواقع، ما هذه التنمية الموحّدة، إذا لم تتحوّل إلى محبّة؟

بشكلٍ ملموس، هذا يعني أنّ هدف جهود الكنيسة هو خلق موقفٍ موحّدٍ وعملٍ موحّدٍ بين الناس لصالح الفقراء. المشروع الذي أمامنا يتمثّل في إعادة التفكير في علم الاقتصاد بحيث يعكس التعاون بين الناس، لأنّ علم الاقتصاد تدعمه فلسفةٌ ماديّةٌ، فردانيّةٌ أو جماعيّة. ومع ذلك، يحتاج الإنسان إلى اقتصادٍ لا يغرّبه عن دعوته الروحيّة. عند التماس مع الروحانيّين، ستغدو مهامّ الاقتصاديّين نسبيّةً بالضرورة؛ ستُحدّد بإمكانيّات الإنتاج، ولكن أيضًا بالاحتياجات التي ينبغي تلبيتها. ومن بين هذه الاحتياجات، لا يمكن ألّا تكون الحاجة الروحيّة. وهكذا، سيتحتّم على البشريّة البحث عن قيم منسيّة وإيجادها. لن تتمكّن بعد الآن من إهمال جودة العلاقات الإنسانيّة أو بناء هياكل لا تترك فيها البيروقراطيّة، والسرعة، والمجهوليّة، والطابع القانونيّ، للإنسان إمكانيّة التجلّي ككائنٍ فريدٍ لا يتكرّر. لا يمكن أن يكون خيال الناس، القلقين من مملكة انعدام الشخصيّة، عاجزًا عن إيجاد هياكل أكثر مرونةً، وأكثر انفتاحًا على تجلّي الإنسان. دور الكنيسة سيتمثّل في أن تدرك، على الصعيد الجماعيّ، هموم الناس وأن تضع بشكلٍ مشتركٍ الإلهام المنشود في خدمة البشريّة. هكذا يمكن تجنّب خطأين: نشاطيّة القمم، أي رؤساء الكنيسة، ونشاطيّة القاعدة، الملازمة للعمل الفرديّ البحت.

خطر النشاطيّة في القمم يكمن في أنّها تنتج تصريحات رسميّة، تتّسم ببعض الدوغماتيّة وتقيّد الفكر، وهو أمرٌ غير مقبولٍ عندما يتعلّق الأمر بموضوع متحرّكٍ مثل التنمية البشريّة. بطابعها المقدّس ذاته، تسعى الكنيسة إلى تقنين النصوص التي تنتجها. ومع ذلك، فهي، في معظمها، ثمار "مشاورات" بين العلماء واللاهوتيّين، "يتحمّل مسؤوليّتها" السلطة القائمة؛ إنّها مجرّد تقديسٍ لعمل لجانٍ واسعةٍ إلى حدٍّ ما أو آخر. عندما كان الأمر يتعلّق بإعلان عقيدة، لم تكن الأمور تجري هكذا. لقد عُيشت العقيدة في الشهادة، في خبرة القدّيسين، وبالتالي، كانت حقًّا تعبيرًا عن أعمق وعيٍ كنسيّ. بالإضافة إلى ذلك، لا يليق بالرجال الرسوليّين، "أن يتركوا كلمة الله ويخدموا الموائد" (أعمال الرسل 6: 2). ولهذا السبب، يمنع القانون الكنسيّ الشرقيّ الإكليروس من ممارسة النشاط السياسيّ.

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ النشاطيّة القاعديّة، الفرديّة، غير كافيةٍ بنفس القدر كالنشاطيّة في القمم. المسيحيّ مهجورٌ بالفعل في صحراء العالم المعاصر، ولا ينبغي للكنيسة أن تتركه يبحث على مسؤوليّته الخاصّة، الأمر الذي لن يؤدّي إلّا إلى زيادة حيرته وشعوره بالعجز. لا بدّ من التماسك بين المسيحيّين، يجب أن تكون شهادتهم جماعيّة – خاصّةً وأنّ الحديث يدور عن "تنمية جماعيّة". مجموعةٌ من المسيحيّين من جميع المهن، الراغبين في الانخراط في عملٍ مشترك، يمكن أن تمثّل الوجه الحقيقيّ للكنيسة. يحتاج الناس اليوم إلى معرفة أنّ شهادة المسيحيّ، حتّى لو كانت فرديّة، يشاركها إخوته، وأنّها تعكس بشكلٍ ما معاناة الجماعة. حقًّا، الكنيسة مُمثّلةٌ في مجموعاتٍ تعمل بشكلٍ مشتركٍ وحرّ، دون أن تصل بالضرورة إلى نفس الاستنتاجات. هؤلاء الناس الحقيقيّون يأخذون على عاتقهم هموم العالم.

هذه الجهود المسيحيّة يمكن أن تتّخذ في الوقت الحاضر شكل مؤسّسةٍ أيضًا. حيثما لا تزال الكنائس تدير مؤسّسات ثقافيّة وخدماتٍ اجتماعيّة، يجب أن تتجلّى عدالةٌ حقيقيّة، خاصّةً في مجتمعٍ تعدّديّ. أهمّ جانبٍ في خدمتنا هو إعداد الإنسان للحياة في العصر التقنيّ. على سبيل المثال، يجب على جامعة مسيحيّة، أو حتّى مجرّد جامعة يمكن للمسيحيّين أن يكون لهم فيها بعض التأثير، أن تفتح برامج بحثيّة حول سبل التنمية الوطنيّة أو تتناول مشاكل البلدان النامية الأخرى. المسيحيّون الذين يعملون في مؤسّسة واحدة أو في مجمّع مؤسّسات، يجب أن يدرسوا معًا طرق تحويلها. قد يتجلّى هذا في حركةٍ للإصلاحات الاجتماعيّة، يوافق عليها الكثيرون بوعي، بينما سيتّخذ آخرون، حتّى في البلدان المتقدّمة جدًّا، موقفًا أكثر راديكاليّة بكثير. المهمّ هو أن نسمح للروح بأن يقودنا وأن نحافظ على "وحدة الروح برباط السلام" (أفسس 4: 3). ومهما كان الموقف السياسيّ لمختلف مجموعات المسيحيّين، سيتحتّم على الكنيسة "في كلّ مكانٍ أن تقف إلى جانب المحرومين"، وليس فقط في البلدان النامية. هذا هو مطلب الخدمة النبويّة: يجب على الكنيسة كلّها أن تتماهى مع الفقراء، وأن تغدو ممثّلتهم.

تقف الكنيسة دومًا خارج أيّ وضعٍ سياسيٍّ مهما كان، منحازةً إلى أولئك الذين يضطهدهم النظام القائم، سواء كان برجوازيًّا أم ثوريًّا. غالبًا ما تحيا الكنيسة في وضعٍ ثوريّ. على مدى قرنين في رومانيا، قاد الكهنة الأرثوذكس ثورة الفلّاحين. لقد دعموا الوطنيّين اليونانيّين في حربهم التحريريّة ضدّ الأتراك في القرن التاسع عشر؛ انخرطوا في النضال السياسيّ في قبرص وفلسطين، مشاركين الناس معاناتهم. لم يكن الأمر بالنسبة لهم أبدًا يتعلّق بإنشاء لاهوتٍ للحرب العادلة أو لاهوتٍ للثورة. التقليد الروحيّ الأرثوذكسيّ غريبٌ جدًّا عن تقديس العنف لدرجة أنّه لا يسمح حتّى بالدفاع المشروع عن النفس. لكن لا ينبغي للكنيسة أبدًا أن توافق، إذا قيل: "سلام، سلام"، بينما لا سلام ولا هم يحزنون. عندما يصرخ دم الفقراء إلى السماء ويصبح نفاق العالم المتحلّل وحشيًّا، حينئذ، ربّما، ينظر الربّ إلى الثورة كخدمةٍ له. الكنيسة توافق على ما هو عادلٌ في الثورة، لكنّها ضدّ جانبها الظالم. الكنيسة تقدر أنّ الثورة تطوّر حتّى أولئك الذين تضطهدهم، لكنّها ستفضح دومًا الطابع الدينيّ الزائف و"الكونيّ الزائف"، حسب تعبير برديائيف، للثورة. ستأتي الكنيسة لمساعدة الناس الذين ستغريهم مسيانيّة الثورة، كما جاءت لمساعدة المسيحيّين الذين أغرتهم الحضارة البرجوازيّة.

في بلدٍ غنيّ، يمكن للمرء أن يسهب طويلًا في الحديث عن مخاطر الثورة، وأن يناقش بلا نهاية إلحادها، وأنّها تأكل نفسها وتتحوّل دومًا، في نهاية المطاف، إلى شناعة. لدى الناس الذين لديهم ما يسدّ رمقهم دومًا ما يكفي من دقّة التحليل، ولكن ليس دومًا يختار الإنسان الوضع الثوريّ بإرادته. حيثما تُحترم حريّة الضمير، فإنّ الحفاظ على النظام القائم يحتوي على خطرٍ روحيٍّ لا يقلّ عن تغييره. المهمّ هو أن تبقى الكنيسة يقظة، لتبصر الملكوت من خلال كلّ الأهوال التي يعاني منها الناس. في هذا الدفاع عن عالمٍ أكثر إنسانيّة، يكتسب الرجوع إلى مصادر الأنثروبولوجيا المسيحيّة أهمّيّةً كبرى على الصعيد المسكونيّ. إنّ اتحاد المبدأ الإلهيّ والمبدأ البشريّ البحت في طبيعة الإنسان تقبله الكنائس بطرقٍ مختلفة. علاقة الطبيعة والنعمة، تأليه (theosis) المسيحيّ – مواضيع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذه الإشكاليّة الأنثروبولوجيّة. ولكن من يقول "أنثروبولوجيا"، يقول أيضًا "كوسمولوجيا" (علم الكون) و"إكليزيولوجيا" (علم الكنيسة).

الحتميّة اللاهوتيّة تقيم في الكنيسة بشكلٍ لا ينفصم. وحدة الخبرة الروحيّة تتجلّى في التركيب الإلهيّ-البشريّ – هذا هو خطّ اللاهوت التحرّريّ، الملموس، الأكثر أهمّيّةً من أيّ وقتٍ مضى في مواجهة تطوّر العالم. يجب على الغرب المسيحيّ أن يساعد الكنيسة الشرقيّة على إيجاد لغةٍ مناسبةٍ للتعبير عن الأنثروبولوجيا الآبائيّة، التي يتغذّى منها تقليدها الروحيّ. الممارسة المسيحيّة ستوحّد حينئذ المسيحيّين في شهادةٍ مشتركة. تحديدًا في العمل، كما تقول إحدى الترانيم البيزنطيّة، سيتمكّنون من الصعود إلى سلّم التأمّل. في تحديد هذه المهمّة، ثمة تلك الزيادة في الحساسيّة تجاه الكونيّ، التي سيرى فيها المسيحيّ، المكرّس لتنمية العالم، عمل حقيقة الله على الإنسان. المثاليّ، بطبيعة الحال، هو أن يتمكّن جميع الناس من الاتحاد في جهدٍ مشترك، موجّهٍ نحو التنمية. لكنّ البشريّة لا تسترشد بمفاهيم اقتصاديّة وفلسفيّة موحّدة. بالنسبة للماركسيّين وغير الماركسيّين، بالنسبة لنصف الكرة الشماليّ والعالم الثالث، القيم متباينة. المسيحيّ من بلدٍ نامٍ سيحلّل الواقع بشكلٍ مختلفٍ عن المسيحيّ من بلدٍ فائق التطوّر.

في إطار هذا العمل، لا يليق الإسهاب في هذا، لكنّ الواقع قاسٍ ومهين لدرجة أنّ الكثير من الناس، مهما اختلفت قناعاتهم، يتّفقون فورًا على هذه الأرضيّة. نشعر بشكلٍ متزايدٍ بمصيرٍ مشتركٍ للجنس البشريّ. الإنسان، الرافض لقمع التقنيّة، يثور؛ بكلّ غرابة الأطوار التي قد يعبّر بها عن رفضه للمجتمع، لا يسعى فقط إلى السعادة الأرضيّة. الشباب يبحثون عن عالمٍ يمكن فيه التنفّس؛ الحبّ الحرّ احتجاج، ولكنّه أيضًا علامةٌ على ما هو هامٌّ حقًّا: اللقاء بالآخر في أصالته. عبادة العفويّة الحاليّة قد تكون ردّ فعلٍ على الإفراط في الفكرانيّة (intellectualism) التي تفتقر إلى الإنسانيّة. اللقاء البسيط بين الناس اليوم أهمّ من الأفكار. الإنسان هو الذي يحرّك العالم، بكلّ بساطته، وليس الفكرة. اللقاء هو الذي يقرّر كلّ شيء، وليس الحوار. ولهذا السبب، يسع الملحدين والمؤمنين – إذا لم يكن الإلحاد عدوانيًّا وإذا كان المؤمن قادرًا على تمييز الإلهيّ في المخالف في الرأي – أن يجتازوا معًا المسيرة البشريّة. الإنسان دومًا أعمق من فكره؛ يحدث لنا أن نعرف الله، دون تسميته باسمه.

أعتقد أنّ المساهمة الأوليّة للأديان الكبرى يمكن أن تكون مُثُلها التاريخيّة، لأنّ مُثُل التنمية لا تخلقها العلوم الاقتصاديّة والاجتماعيّة. بعبارةٍ أخرى، نحتاج إلى البحث لدى المفكّرين الدينيّين عمّا ليس غريبًا عن البعد الاجتماعيّ. المثال الروحيّ العميق، المتوافق مع الكلمة، مرتبطٌ بالمحبّة، بالحياة الصلاتيّة، بالانضباط الداخليّ – ولكن هل هذا المثال متوافقٌ مع الحضارة التقنيّة؟ إذا أردنا تجنّب ردّ فعلٍ عنيفٍ من جانب المؤمن الذي يشعر بالاختناق في مثل هذا العالم، وكذلك الانغماس النهائيّ لهذا العالم في اللاإنسانيّة، فإنّ الحوار بين خدّام الأديان المختلفة والناس المنخرطين في هياكل العالم المعاصر يفرض نفسه.

العالم ينتظر منا، نحن المسيحيّين، يقظةً كبرى. إنّه لا يريد أن تكتفي الكنائس بتكرار وصفاتها أو اتّباع الموضات الفكريّة. إنّه لا يبحث عندنا عن أشياء، ولا عن أفكار، ولا عن مفاهيم هيكليّة، بل عن قيم. لقد سيطرت على الكنائس والدوائر الدينيّة الأخرى الآن روحٌ من الخجل. والحال أنّ إنسان اليوم يريد أن يسمع كلمة حياة، وليس مباركةً لما يفعله. إنّه يحترم "القطيع الصغير"، الذي يجرؤ على التحدّي. العالم يحبّ أن تستمع إليه الكنيسة وأن تجري معه حوارًا وديعًا وعقلانيًّا. إنّه يتوقّع منها أن تكون ذاتها أو أن تتوارى. إنّه لا يكرم سوى الشهداء وسحابة شهود الله الحيّ، الله المتعالي. هذا الإله هو الديّان، لكنّ رحمته عظيمةٌ لدرجة أنّه يسمح لنا بالتسبّه به بالفعل في هذا العالم، على الأرض التي يرثها الودعاء في انتظار قيامة أجساد البشريّة كلّها المجيدة.

الفن والخليقة

في فترات الأزمات، نأمل دومًا وننتظر ظهور المبدعين، العديد من المبدعين، أناس، مثل المسيح، سيمشون على مياه وجودنا المضطرب، ليحلّوا محلّه وجودًا خلاصيًّا. إذا قيل "خلق"، فهذا يعني أنّ وجودنا ليس ثابتًا، لم يُعطَ مرّةً واحدةً وإلى الأبد في شكلٍ نهائيٍّ ومحدّد، وأننا نحن أنفسنا نشارك في صيرورته. أيّ تعريفٍ آخر للخلق من شأنه أن يحطّ من قدره، ويختزله إلى لا شيء. لو أنّ الله قد رتّب الكون نهائيًّا، بحيث لم يبق للإنسان سوى تنظيم المادّة وإنتاج الأشياء، ومزج الألوان وتأليف الكلمات بشكلٍ متناغم؛ لو أنّ كلّ ما هو موجود كان مجرّد فيض فكرٍ أو تحقيقٍ لخطّة معدّة سلفًا – بمعنى أنّ الله نفسه هو الذي يضفي القيمة على الأشياء – لكنّا حينئذ مجرّد حرفيّين مهرة، ولسنا مبدعين. على النقيض، إذا وقف الإنسان أمام الله وساءله، وإذا كان الله نفسه ينتظر منه هذا الحوار، بل أكثر من ذلك – ينتظر المشاركة في خلق عالمٍ لم يكتمل بعد، فإنّ محاولة الانخراط في هذا أمرٌ مشروع، ونحن ننخرط في تأمّلٍ لاهوتيٍّ يصعب التملّص منه.

إنّ الجدل الفلسفيّ المستمرّ حتّى يومنا هذا حول الإبداع الفنيّ لا يُفسَّر إلّا بحقيقة أننا، نحن البشر، مخلوقات الله، لدينا وجهات نظرٍ متباينة حول الله والإنسان. لا يبدأ الأمر بالجماليّات (esthetics)، ولا بسوسيولوجيا الفنّ أو سيكولوجيّته. مثل هذه الأسئلة أتركها لآخرين، ومع ذلك لا يسعني تجنّب بعض الملاحظات. بعد عرض المعضلة اللاهوتيّة، من الضروريّ الإشارة إلى عدّة عوامل مهّدت في التاريخ لسبل الجمال. أقول "أشير": لا أنكر تأثير الطبيعة والبيئة على ولادة الفنّ وتطوّره، ولكنّ أنثروبولوجيا الفنّ لا تستند بشكلٍ رئيسيٍّ وحصريٍّ إلى هذه العوامل والأبعاد. سيختفي الفنّ ويُنسى في اليوم الذي يتجاوز فيه، بحريّته، إمكانيّات بيئته، ولكنّه في اليوم الثالث سيقوم من حضن الأرض.

عندما أتحدّث عن الخلق، أعني الفن، وليس العلم. إذا فكّرنا بشكلٍ شامل، فكيف نتجنّب محاولة ربط مجال المعرفة العقلانيّة ومجال الفنّ؟ إنّ الانفصال بينهما يقع على عاتق عصر النهضة، لأنّه هو الذي فصل العلم الدقيق عن الشعور. ولكنّنا نشعر تمامًا بأنّ اكتشافات العلم خياليّة كالعجائب الأثريّة الكبرى. العالم كلّه ليس سوى أشكالٍ وقوى، ومن وجهة النظر هذه، العلم طريق، وهدف هذا الطريق هو أن يقودنا إلى جمالٍ جديد، سيشرق، كالفجر، من المختبر. ومع ذلك، فإنّ العلم هو ثمرة تراكم. إنّه يأتي من الماضي، من جهدٍ جماعيّ. الإنسان يطوّره كما لو كان يسعى وراء هدفٍ ما أو يقوم برحلة، وهو يسبقه. إنّه يطارده ويكاد يكون متأكّدًا من أنّه سيلحق به. لأنّ العلم منقوشٌ في الواقع: نحن نسائل المادّة ونجد تحت رمادها العلم. على عكس الفن، يفرض العلم نفسه على أولئك الذين لا يمارسونه. أمّا الفن فهو كلّه حريّة. ولادته حرّة، والتمتّع به حرّ. هذا يجعله مختلفًا عن البحث العلميّ.

في مجال الجماليّات، الذي سنقتصر عليه هنا، نصل إلى مسألة المبادئ النهائيّة للفن، التي تجعله "هبة" بأعمق معنى للكلمة. هذه الهبة هي فيض ما، نسمّيه إلهيًّا. دعاه العربُ قديمًا 'عبقريّة'، ناسبين إيّاه إلى 'وادي عبقر'، أو "جنًّا"، وهو ما يقابل الكلمة اليونانيّة "daimon" (روح أو إلهام). حتّى عن رسول الله قيل إنّه كان شاعرًا. نقرأ في القرآن: "وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ" (الحجر: 6). هذا "الجنون" يثبت أنّ الشاعر يستمدّ إلهامه من خارج هذا العالم وأنّ مسكن الفن يقع في آنٍ واحدٍ "هنا" و"هناك". لدى جميع الشعوب، اللغة ذاتها توحي بأنّ الفنّان ليس مجرّد حرفيٍّ يكتفي بنسخ الطبيعة أو تقليدها، بل إنّه مُلهم، موهوب، مشارك في الألوهة أو فيما سُمّي "الجنّ". لذلك كثيرًا ما يُتساءل عن العلاقة بين "المبدعين" وخالقهم. وراء هذه العلاقة تكمن مشكلة خلق الله برمتها. عندما نتحدّث، فيما يتعلّق بالعمل الفنّيّ، عن الخلق، فهذا ليس مجرّد اصطلاحٍ لغويٍّ أو صورةٍ شعريّة. لا، الفنّان أيقونة. والأيقونة، حسب قصد مصوّر الأيقونات، مخصّصة للصلاة، حتّى لو كانت معلّقة الآن في صالون برجوازيّ أو في متحف. الخبراء الحقيقيّون يعلمون أنّها تتجاوز ذاتها. قد لا يدرك الفنّان أنّ موهبته من الله، لكنّه يشعر أنّ ما أبدعه هو، حسب تعبير رودولف أوتو، "الآخر تمامًا" (das ganz Andere).

ما هي العلاقات بين هذين الخالقين – الله والإنسان؟ ماذا يعني هذا الحدس العميق، الذي بفضله يهبط الفنّان من السماء؟ هل توجد كلمةٌ إلهيّةٌ تدعم هذه المغامرة – خلق الجمال؟ جاء في القرآن: "أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" (العنكبوت: 19). هذا يعني أنّ الله يعيد خلق ما مات. "اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" بعد القيامة. الحديث يدور عن تغييرٍ جوهريّ، يسمح للخليقة بأن تتجلّى وتنمو، وأن تُقاد إلى الحياة بنفخة، لا أن تُجبَل من جديد بعد القيامة. "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ... يُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ الْفَسَادِ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ الْمَوْتِ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ الْفَسَادِ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ الْمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ" (1 كورنثوس 15: 52-54). غاية الفنّ هو جعل الخليقة أبديّة. جاء في سفر التكوين أنّ الخالق بروحه وضع حدًّا للفوضى الأولى. "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ" (تكوين 1: 3-4). كما نرى، الخلق، كما هو موصوف في الكتاب المقدّس، لا يعني إطلاقًا الخلق من العدم (ex nihilo). فقط في سفر المكابيين الثاني، وهو متأخّرٌ جدًّا وغير مدرجٍ في قانون الكتاب المقدّس العبريّ، نقرأ أنّ الله خلق كلّ شيءٍ من لا شيء. بالطبع، يتحدّث العهد الجديد بوضوحٍ تامٍّ عن الخلق من العدم، ونفس الشيء يؤكّده آباء الكنيسة، رافضين رأي أفلاطون والميثولوجيا اليونانيّة، التي تروي عن مادّةٍ غير مخلوقة. ومع ذلك، عندما يتحدّث الكتاب المقدّس عن الخلق، فإنّه يعني، بشكلٍ رئيسيّ، ظفر الله على الظلام وسيادته على الكون. إنّه لا يقدّم نظريّةً ميتافيزيقيّةً عن السببيّة. يجد سفر التكوين موازاةً له واكتمالًا في سفر الرؤيا، الذي يُذكر في نهايته "سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً" (رؤيا 21: 1).

جاء فيه: "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْباً، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهاً لَهُمْ" (رؤيا 21: 3). الغاية النهائيّة للخلق هي الفداء. هذه هي "نقطة أوميغا" عند تيار دي شاردان. الخلق مستمرّ. "أَبِي حَتَّى الآنَ يَعْمَلُ" (يوحنّا 5: 17). الله يعتني بخليقته بلا انقطاع. الأمر: "ليكن..." – لا يزال فعّالًا بالقدر ذاته. لذلك علّم القدّيس باسيليوس الكبير أنّ المحبّة تربط جميع أجزاء العالم. المحبّة منقوشةٌ في صميم بنية الكينونة. الإنسان، الذي يحيا في المحبّة، هو "خليقة جديدة": "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً" (2 كورنثوس 5: 17). عندما نتحدّث عن الله الخالق، فهذا يعني، في نهاية المطاف، أنّه يحبّ. الله يخلق الناس لأنّه يحبّهم. الإنسان صورة الله: عندما يحبّ الله، يخلق ما يحبّه. يخرجه من الظلام إلى النور. العمل الإبداعيّ لله والعمل الإبداعيّ للإنسان لهما هدفٌ واحد – خلق ملكوت النور. محبّة الله ليست فقط شاملةً وكونيّة، بل هي أيضًا خاصّة، مميّزة. كلّ خليقةٍ تتشح بهذه المحبّة بمجرّد أن تصير ذاتها، وليس فقط بحكم انتمائها إلى الجنس البشريّ. هذه المحبّة تؤكّد كلّ كائنٍ في تفرّده ولا تسمح له بالامتزاج بالكلّ. وهكذا، الأشياء غير قابلةٍ للمزج، ولا يختفي أيٌّ منها في الآخر. الله يشاء أن يكون كلّ إنسانٍ على حدة، كلّ زهرة، كلّ نجمة.

كذلك الفنّان: إنّه يخلق لأنّه يحبّ. بمجرّد أن يظهر فيه استشعارٌ للشيء ويحبّه، يراه وحده. يؤكّده في تفرّده. ينسى كلّ شيءٍ آخر. الشيء المتأمّل يلوح له الوحيد. يراه في علاقته بالأشياء الأخرى. يرى الوشيجة بين اللحن واللحن، بين اللون واللون. هذه الرؤية الجديدة للأشياء – هكذا يكتشف المحبّ فورًا أنّ هذه الفتاة ليست ككلّ الأخريات. هي ليست واحدةً من النساء، هي الوحيدة في العالم، هي العالم ذاته. بالنسبة للفنّان، يغدو العالم كلّه تلك اللوحة التي يغطّيها بالألوان. وكذلك الخاطئ، المتوسّل للمغفرة، يغدو وحيدًا في نظر الله. كما نرى، الإنسان شبيهٌ بالله. ولكن هل يمكن لذلك تسميته خالقًا؟ ألن تكون هذه الكلمة مجرّد تشبيه، اصطلاح؟

في هذه النقطة من تأمّلنا، يجب القول إنّ الفنّان يجدّد الخليقة. إنّه يضفي شكلًا جديدًا على مادّة هذا العالم. لا اللحن، ولا اللون، ولا النصّ المكتوب، توجد ككياناتٍ قائمةٍ بذاتها في الطبيعة. ومهما بذل الفنّان من جهدٍ للاقتراب من الواقع، يبقى دومًا شيءٌ من شخصيّته الخاصّة، التي تحوّل الانطباعات المتلقّاة من الخارج. الفنّان قبل كلّ شيء يقرأ الكون، ثمّ يعبّر عنه. يمكنه أن يتعمّق في العالم الداخليّ لدرجة أنّه يبتعد أحيانًا تمامًا عن العالم الخارجيّ. من حيث المبدأ، عالم الفنّ هو أجمل عالم. إنّه جوهر العالم العاديّ، عمقه، الوشيجة التي توحّده بالمجد الذي سيشعّ في اليوم الأخير. الفنّ وترٌ مشدودٌ بين هذا الدهر والدهر الآتي. إنّه استشعارٌ لذلك الجمال الأسمى، الذي يفيض علينا من علياء السماء.

قد يتكوّن لدى القارئ انطباعٌ بأنّني أجعل من الفنّان قدّيسًا. الحقيقة هي أنّ كلّ قدّيس فنّان، ولكن ليس العكس. القدّيس يحبّ جميع المخلوقات، العاقلة وغير العاقلة. إنّه يرى الكينونة بنظر الله. هذه الرؤية تحوّل الكينونة. القدّيس يروّض الوحوش البريّة، يحوّلها إلى رفاقٍ يلجون في عالمه الجديد. القدّيس يسمو فوق الجريمة التي اقترفها الخاطئ، يفصل الخاطئ عن خطيئته، ناقلًا الإنسان إلى الدهر الآتي. القدّيس يحيا في عالمٍ يتجلّى ويدرك العالم كنور.

يختلف القدّيس عن الفنّان في طريقة التعبير. يمكنه أن يعبّر عن نفسه، إذا امتلك الثقافة اللازمة لذلك، ولكن يمكنه أيضًا ألّا يعبّر، ويكفيه الموت شهيدًا. قد يستخدم لغة التقوى بشكلٍ أخرق، مضحك، مملّ، لكنّ عباراته المتعثّرة لا تعبّر حقًّا عن فكره. إنّه يشعر بانتصاره على الخطيئة كطريقه الأوحد، أو بالأحرى – كطريق الله الأوحد إليه. إنّه لا يتصوّر أنّه في عالم التعبير. إنّه لا يدرك أنّه يسير في طريق التطهير. على النقيض، يقول: "المسيح مات من أجل الخطأة، الذين أوّلهم أنا"، أو شيئًا من هذا القبيل من تقليدٍ آخر.

أقرب الناس إلى الفنّان هو النبيّ. بالطبع، الفنّان ليس مرتبطًا بشكلٍ مباشرٍ كالنبيّ بالوحي الإلهيّ، فهو لا يتلقّى الكلمات بأمرٍ إلهيّ. ولكنّ النبيّ، كما فقهه اليهود – وهم الكلاسيكيّون فيما يتعلّق بالنبوءة – هو رجل رسالةٍ مكتوبة ويجب عليه إعلانها. قال له الله: "خُذْ لَكَ دَرْجَ سِفْرٍ وَاكْتُبْ فِيهِ كُلَّ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكَ بِهِ" (إرميا 36: 2). أو "الْكَلاَمُ الَّذِي صَارَ إِلَى إِرْمِيَا مِنَ الرَّبِّ". نرى أنّ للأنبياء القدماء طرائقهم الخاصّة، التي ساعدتهم على بلوغ قمم التعبير الأدبيّ. ليس هذا مقام مناقشة النظرة التقليديّة في الإسلام، التي تنفي مشاركة محمد في إنشاء القرآن. ولكنّنا نعلم ما يهبه الله للنبيّ عندما يقول (في القرآن، في سياق النبيّ محمد): "فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الأعراف: 157). لاحظوا أنّه لم يقل: "أُنزل عليه"، بل "أُنزل معه".

لقد تساءلنا عن تطبيق كلمة "خالق" على الإنسان. هل هذا تشبيه أم واقعٌ له جذورٌ أعمق؟ هل ما زال على الإنسان أن ينجز شيئًا على مستوى علاقته بالله؟ هل توجد حريّة حيث يوجد إنسان؟ في الواقع، إمّا أنّ حريّتنا تتعلّق بالله بشكلٍ ما، أو أنّها غير موجودة. الكتاب المقدّس يحدّثنا بشكلٍ سرّيٍّ عن الحريّة، عندما يروي صراع يعقوب مع الملاك (تكوين 32: 23-33). بعد عودته إلى وطنه، ليلتقي بأخيه عيسو، الذي كان يطارده لأنّ يعقوب سلب منه حقّ البكوريّة، عبر يعقوب النهر مع عائلته وكلّ ما يملك، ثمّ بقي وحده. حينئذ صارعه الملاك – الذي يرمز هنا إلى الله ذاته – حتّى طلوع الفجر. وإذ رأى أنّه لا يغلبه، لمس حقّ ورك يعقوب وأصابه. ثمّ قال ليعقوب: "أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ". لكنّه أجاب: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي". يسأل الملاك: "مَا اسْمُكَ؟" وبعد أن تلقّى الجواب، يقول: "لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ". يطلب يعقوب بدوره: "أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ". لكنّه يسمع الجواب: "لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟ وَهُوَ عَجِيبٌ". يتلقّى يعقوب البركة ويسمّي المكان فنوئيل، لأنّه، كما يقول، "رَأَيْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي".

ينبغي الإشارة هنا إلى أنّ لقاء الله بالإنسان يحدث ليلًا، عندما يكون الجميع قد عبروا النهر. آلام الولادة تأتي ليلًا، كلّ الولادات تحدث ليلًا، في ذلك الليل الذي كان قبل البدء، حتّى قال الله: "ليكن!". الإنسان دومًا يصارع الله بعنف، والله يوافق على أن يُغلب في هذا الصراع. حينئذ يشرق الفجر في قلب الإنسان. ويغدو خالقًا، لأنّه رأى وجه الله. يطلب الله أن يُطلق سراحه، ويصير الإنسان قويًّا لدرجة أنّه يتلقّى اسمًا جديدًا. تغيير الاسم بالنسبة لليهود، كما بالنسبة للمسيحيّين، كان يعني تغيير درجة المسؤوليّة. في هذا الصراع، الذي ألهم المتصوّفة العظام، يُدخَل يعقوب في مصيره، في مهمّته الإبداعيّة لخلق شعبٍ جديد. الله يمنح الإنسان القوة ليقاومه. بالطبع، هذا لا يعني أنّ الإنسان ينتصر على الله بقواه الخاصّة. ولكنّه قد يعني أنّ الله يشاء أن يُغلب. يشاء أن يكون الإنسان قويًّا وأن يقف معه وجهًا لوجه إلى الأبد. هذا لا يمكن تصوّره بالنسبة لإلهٍ طاغية، إله يفرض قوّته وسلطته، كما أنّه مستحيلٌ بالنسبة لإنسانٍ عاجز، ضعيف. ولكن هل يمكن لله الكلّي القدرة أن يتخلّى عن قدرته الكلّيّة؟

هنا يليق بنا إدخال مفهومٍ معروفٍ في اللاهوت وفي التصوّف المسيحيّ: الـ "كينوسيس" (kenosis)، أو الإفراغ الذاتيّ (الإخلاء). هذه الكلمة يستخدمها الرسول بولس في رسالته إلى أهل فيلبي: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ" (فيلبي 2: 5-8). المسيح في التجسّد يحجب مجده. إنّه يتخلّى طوعًا عن استخدام قدرته غير المحدودة. يتخلّى، ليلج في حوارٍ مع الخليقة، ليكون مع الإنسان في علاقة صداقة، دون أيّ تصنّع. يموت من المحبّة، ليثير المحبّة، ليكسب الإنسان ليس بفعلٍ عنيف، بل بالمحبّة، المحبّة التي تهب ذاتها والتي يجب على الإنسان، بدوره، أن يهب ذاته لها.

لا يسع الله أن يخلّص الإنسان، إذا لم يخلّصه أوّلًا من العبوديّة، التي أخطر جوانبها هي أن يكون عبدًا لله. الله لا يشاء أن يكون الإنسان أسيره، لا يشاء أن يستعبده بقدرته الكلّيّة. لأنّ قدرته هي خدمة. في طبيعة الله ذاتها – بذل الذات؛ إنّه لا ينغلق أبداً على نفسه.

في علاقاته مع الإنسان، حتّى قبل الحوار بالمعنى الدقيق للكلمة، أي حتّى قبل أن يبدأ الإنسان في مساءلته، ينخرط الله بالفعل في منطق تحدّيه، ويوافق على أن يسائله الإنسان. إنّه يعرّض نفسه للخطر الذي يفترضه كلّ لقاء. بطريقةٍ لا توصف ولا تُفقه تمامًا، يقدّم هو نفسه ذبيحةً كاملة. ينحني بانخفاضٍ شديدٍ في محبّته، ليرى أمامه الوجه المحبوب، الذي من أجله يوافق على أن يموت أبديًّا. ولكن عندما يموت الملك ميتة عبد، وبالتالي، يتخلّى عن أبديّة ملكوته، تبدأ تلك الأبديّة ذاتها من جديد، كما يُرنّم في ترنيمة الميلاد البيزنطيّة. ما يصحّ على الفداء، الذي يلد خليقةً جديدة، يصحّ أيضًا على خلق العالم. بإيجاده العالم، بخلقه السماء والأرض في البدء، أفرغ الله ذاته لأوّل مرّة، أخلى ذاته من أجل حريّة الإنسان، حتّى يغدو الإنسان نفسه خالقًا، ليس بالتشبيه، بل بالمشاركة.

كان خلق العالم مجرّد تلعثم، مجرّد قراءة مُتهجّاة بالمقارنة مع ما آل إليه التجسّد. في المسيح أشرقت الحقيقة بكلّ بهائها، ولكنّها لم تُخلق حينذاك. حوار الخلاص كان قد بدأ بالفعل بعد خلق العالم. الصليب جدّد الخليقة، كشف وأظهر الحريّة. من لا يعرف الحريّة التي لنا في المسيح، سيعرف مع ذلك الحريّة الأولى، الحريّة الأصغر، كما يسمّيها أوغسطينوس. إنّها تلك الحريّة التي نحدّد فيها ذواتنا داخليًّا، التي نخلق فيها عالم الجمال. الإنسان ليس خالقًا لأنّه يستخرج المادّة من العدم، بل هو خالق لأنّه، بفضل القوة الكامنة فيه، يخترق ما قيل عنه: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ" (1 كورنثوس 2: 9). الفنّ هو تحرّرنا من عبوديّة الحواسّ ومن عبوديّة ذواتنا، خروج إلى العالم الآتي، الذي يقبع وراء الحواسّ وصراعنا مع ذواتنا. الفنّ هو حريّة استعادة الكينونة. "اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي". الفنّ هو عشاؤنا السرّيّ مع الكينونة. نحن لا نشرب في هذا العشاء كأس هذا العالم، ناهيك عن كأس العالم الآخر، بل نشرب الكأس التي امتزج فيها هذا النبيذ وذاك.

بالطبع، هذا السرّ عظيم. وبعبورنا عتبته، قد نتعثّر. حريّة الفنّ يمكن أن تغدو إغراءً، إذا استسلمنا له، قد ينأى بنا عن تلك الحريّة العظيمة التي ينزلها علينا عالم القداسة. كثيرًا ما يحدث أنّ خلق الجميل يغدو عائقًا أمام خلق الخير. للتعبير حدود، وفيه أيضًا أخطاء. يمكن أن ينفلت من أحضان الروح ويصير خيانة. لذلك، لا ينبغي لنا أن نخلط بين الجمال الحقّ والزخارف اللامعة للجماليّة (aestheticism). عندما نحوّل الجمال إلى مسألة مدرسةٍ أو مبادئ ويقودنا ذلك إلى الجماليّة، نسقط في هوةٍ سحيقة. الجماليّة هي شأن أولئك الذين يديرون ظهورهم للحقيقة والخير ويكتفون بالتأمّل. هؤلاء، في نهاية المطاف، لا يحيون إلّا في عالم الحواسّ، بينما شاء خالق الجمال تحديدًا تجاوز الحواسّ. الإنسان الجماليّ (l'esthète) هو شخصٌ معرّض لجميع صنوف التأثيرات ويجانب شهادة الجمال ذاته. إنّه رجل الموضة، يكتفي بالحديث عن الجمال. يوجد بين المثقّفين، المنغمسين في الدعة الفكريّة، الذين يناقشون الحريّة والثورة ومواضيع أخرى مشابهة. همّه هو الذود عن المواقف، وليس اقتحامها. إنّه مهووس بكلّ ما هو أصيل في الفنّ، بآخر صرعة. إنّه مجرّد مستهلك للفنّ. أمثاله يؤلّفون نخبةً تحتقر البسطاء من الناس، الذين لا يعرفون سوى الصرعة السابقة. في نظر الإنسان الجماليّ، المهمّ ليس الرائي، بل المرئيّ.

الفنّ معادٍ للانغلاق على الذات. لا يسع الإنسان أن يبدع إذا لم يُفرغ ذاته في البحث عن الحريّة. حينئذ سيكون فنّه شبيهًا بتلك العلّيقة التي رآها موسى في حوريب، تشتعل ولكنّها لا تحترق (خروج 3: 2). الفنّ العظيم لا يتوارى في تعبيره، ولا يُستنفد بالتجسيد. إنّه لا يجترّ ما قيل، ولا يتكرّر، ولا يقلّد ولا يبيح تقليده. إنّه دومًا أكبر من لغته، ولا يبيح لنفسه الانجراف وراء سحر الكلمة. بالنسبة لنا نحن العرب، الإغراء الكبير هو فتنة البلاغة، والفصاحة، والصور الجميلة، والموسيقى اللفظيّة، والتلاعب بالعبارات. لم نفقه بعد أنّ الإبداع الفنيّ العظيم يبلغ ذروته بوسائل شحيحة. الإنجيليّ يوحنّا سطّر أعمق سفرٍ في العالم بلغةٍ يونانيّةٍ في زمن انحطاطها. دوستويفسكي، عبقريّ الرواية، أسلوبه ثقيل. يمكن للفنّ أن يكون ماهرًا إلى حدٍّ ما في تعبيره. المعضلة كلّها تكمن في سطوع وقوّة الرؤية، اللتين تجدّدان العالم أمامنا.

انحطاط الفنّ يثير مشكلة ولادة الفنّ ذاته. نسائل أنفسنا: هل من الممكن إنقاذ الجمال من سطوة العدم؟ هل يمكن وجود فنٍّ إلهيّ؟ هل يمكن أن يتلاقى في عملٍ فنّيٍّ واحدٍ عالم الجمال وعالم القداسة، بحيث يبدو هذا العمل وكأنّه هبط من السماء، أو كأنّنا نحن أنفسنا اقتربنا في نشوة وجدٍ من مدينة الله؟ أمثلة برنانوس ومؤلّف "الإخوة كارامازوف" تؤكّد أنّه يمكن كتابة رواية عن القداسة، وأنّ الخطيئة ليست المصدر الوحيد للإلهام الفنيّ. إذا قرّر برنانوس كتابة رواية، فذلك لأنّه كانت لديه رسالة تتطلّب النقل. لقد أبدع عملًا أدبيًّا، وإن لم يكن يسعى إلى ذلك. نفحة الله فيك تتحوّل إلى عاصفة، وهي تكشف لك رؤى يقود إليها الروح ذاته، الذي ينسج لك ثوب العرس. بهذا الثوب ستلج في عرس مع الكون. "والمعلّم الإلهيّ، كما يقول القدّيس مكسيموس المعترف بشكلٍ بهيّ، يغذّيك، كما في الإفخارستيا، بمعرفة صيرورة العالم". الفنّ والنبوءة والقداسة متقاربة هنا إلى حدّ التداخل. من نفس هذا القبيل كانت ترانيم القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ وبيزنطة القديمة بشكلٍ عامّ. إنّ التخلّي عن المرافقة الموسيقيّة أضفى على هذه الموسيقى ذلك الرنين الدينيّ الذي يتلمّسه الروحانيّون في جميع الأديان. شاهد الوحي يرى أمام الحمل أربعة حيوانات وأربعة وعشرين شيخًا، كلٌّ منهم يحمل قيثارة ويرنّم ترنيمةً جديدة. فكرة الموسيقى الدينيّة القديمة هي أنّ الإنسان يرنّم هذه الترنيمة الجديدة، محاكيًا اللحن السماويّ. كيف نخضع مادّة الصوت، لتغدو أداةً لهذا اللحن ولكي يأتي جمالها من تلك الموسيقى ذاتها، القادرة، وفقًا لغريغوريوس النيصي، على شقّ طريق إلى المستحيل؟ من يتردّد على الكنيسة منذ زمنٍ طويل، يعلم كيف نشيّد، مع الله ومن أجل الله، هيكل الجمال. نحن نعلم كيف يمكن للفنّ أن يغدو استباقًا للملكوت وكيف يمكنه أن يسلبنا الملكوت.

العمارة الدينيّة برمّتها مشبعة بهذا الطابع الإلهيّ. إنّها تنطلق من فكرة أنّ الكنيسة هي سماء على الأرض، وأنّ الله يسكن في فضائها السماويّ، وأنّه يمشي هناك، كما في جنّة عدن. في صميم المبنى – الله. هيكل العهد القديم بُني وفقًا لإرشادات الله ذاته. وفي الوقت عينه، الهيكل هو صورةٌ للعالم، مركز الكون. الجمال هنا يكمن في توازن العمارة ونسبها، في القبّة المائلة، في صورةٍ لاهوتيّةٍ محدّدةٍ جدًّا، في خدمة الليتورجيا، في السجود على الأرض، في الركوع والوقوف المستقيم، في الترتيل، في اللحن والنور، في وحدة الروح، في تبخير البخور، الذي يجذبنا إلى السماء. كلّ هذه العناصر من العبادة تتبع بعضها بعضًا، تتشابك. كلّها معًا مغمورة في الزمان والمكان، اللذين يتجاوزان ذاتهما، ويكتسبان بعدًا جديدًا، لينصبا، كنهر، في الملكوت الذي نرجوه.

لعلّ الشكل الأكثر تعبيرًا لهذا الفنّ الملكوتيّ هو الأيقونة. إنّها تكشف لنا واقعًا متضمّنًا في "الكالوكاغاثوس" (kalokagathos - الجمال والخير معًا)، الذي أُعلن فيه الاتحاد العضويّ بين الجمال والخير. باليونانيّة، كلمة "doxa" (دوكسا) تعني المجد والرأي معًا، بمعنى أنّ الفكر القويم يضمن التمجيد الحقّ وأنّ الحمد الحقّ هو مصدر الفكر السليم والقويم. هنا يرتبط الإلهيّ والبشريّ ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم. الإنسان يصير شبيهًا بالله، لأنّه، بتأمّله مجد الله، يتحوّل إلى تلك الصورة ذاتها، من مجد إلى مجد (2 كورنثوس 3: 18). في هذه الصيرورة، يتألّه الإنسان – ليس بقواه الخاصّة أو برغبته، بل بالأفعال غير المخلوقة، التي تدعمه وتجذبه إلى اللانهاية. الإنسان، المنار بهذا النور الأزليّ، يجمع في ذاته الطبيعة المخلوقة وغير المخلوقة، ويظهرهما في وحدة "من خلال اكتساب النعمة"، كما يقول القدّيس مكسيموس المعترف. هذا النور الإلهيّ، الذي نتذوّقه في أسرار الكنيسة، هذا النور الإسخاتولوجيّ (الأخرويّ)، الذي يلمع على وجوه القدّيسين، هذا النور، المحيي للعظام اليابسة – هو ذات النور الذي تسعى الأيقونة إلى عكسه.

قبل أن يضع أوّل لمسة فرشاة، يأخذ مصوّر الأيقونات البركة من الكاهن ويطلب منه أن يصلّي من أجله، ثمّ يرنّم طروباريّة التجلّي. الخلفيّة الذهبيّة للأيقونة تسمى في اللغة التقنيّة "النور". الألوان، التي تلوح في البدء وكأنّها تعتم الصورة، تغدو تدريجيًّا أكثر إشراقًا، لأننا نتحرّك خطوةً بخطوة نحو النور، بقدر ما نقترب من الشكل النهائيّ للأيقونة. في الوقت عينه، يسعى الفنّان إلى تطهير نفسه من كلّ فردانيّة حسّيّة، متوجّهًا نحو رؤية محبّةٍ كاملةٍ ونقيّة. قبل العمل، يصوم ويصلّي، ليتحرّر من الأهواء. ومهما كان الفنّان موهوبًا، لا يمكنه الشروع في رسم أيقونة بمجرّد الخيال. من يفعل ذلك، فهو غريب عن الأيقونة وليس له الحقّ في رسمها. النسك، الصلاة، موهبة التأمّل الروحيّ، إلى جانب الموهبة الفنيّة، هي شروط ضروريّة لخلق الأيقونة. أمام أيقونة الثالوث لـ أندريه روبليف، قال الناس: "نعاين السماوات مفتوحة ومجد الله". بالطبع، قبل روبليف بوقت طويل، في بيزنطة وفي أماكن أخرى، عمل مصوّرو أيقونات آخرون على هذا الموضوع. ومع ذلك، فإنّ روبليف، إذ شاركهم تمامًا فهم السرّ الثالوثيّ بروح التقليد، تمكّن من التعبير عنه بقوة نادرة، مظهرًا عبقريّة شخصيّة، وهو ما يسمح لنا بإثبات تجذّره في الكنيسة، وكذلك حريّته، لأنّه أبدع عملًا فنيًّا.

صحيحٌ أنّ الأيقونة محافظة، لأنّ العمل عليها يتمّ وفقًا لقواعد رهبانيّة صارمة. لذلك تبدو جميع الأيقونات متشابهة فيما بينها، وكأنّها خرجت من ورشة واحدة، خاصّةً إذا كانت تنتمي إلى نفس البلد ونفس الحقبة. هذا التشابه يخلّصها من الرومانسيّة الذاتيّة، لكنّه لا يجرّدها من الشخصانيّة المرهفة. ثمة حياء لا يعيق الاندفاع. بالطبع، تحمل المدارس المتباينة سمات شعوبها ومدنها. في منطقتنا، يتّخذ نفس الاتجاه الأيقونيّ أشكالًا متنوّعة للغاية – من أيقونة السيدة العذراء لـ كفتون من القرن الثاني عشر إلى فنّانين مثل نعمة الله ناصر، الحمصي في القرن الماضي. كلّ هؤلاء الفنّانين ألهمهم ما يمكن تسميته بالجمال الروحيّ. ولكن كيف نتحدّث عن الجمال الفنيّ في الكنيسة الشرقيّة، إذا كانت روحانيّتها (mysticism) مطهّرة من كلّ خيال وحلم، وإذا كانت ترفض كلّ وهم ولا تبيح للعاطفة أن تجرفها؟ إنّها تتّبع في ذلك أشدّ الطرق النسكيّة صرامة، لتتحرّر من نير الأهواء ومن كلّ أنواع العاطفيّة الدينيّة.

في الشرق، الصلاة هي في الغالب صلاة "عقليّة"، مجرّدة من أيّ صور أو كلمات. نحن نعدّ الوجد (ecstasy) علامةً للمبتدئين، وليس للكاملين. الأيقونة مرتبطة ارتباطًا لا ينفصم باللاهوت الشرقيّ. إنّها تستند إلى فكرة تقديس الإنسان بالنور غير المخلوق. هذا يعني أنّ الإنسان نفسه يغدو نورًا، وأنّه يتجاوز حدود الحسّ والعقل ويتلقّى خبرة الأشياء الإلهيّة، كما هي في ذاتها. إنّه يخترق ذلك المجال حيث المعرفة بلا صور، بلا موضوع، وحيث لا يملك العقل شكلًا حسّيّا. الأيقونة مخصّصة لتقديس البصر، لأنّها تتجاوز المرئيّ، لتقود إلى الاتحاد بالله. الأيقونة طريقٌ يقود إلى ما وراء ذاتها، لبلوغ الجوهر النقيّ، الألوهة النقيّة. إذن، الأيقونة في جوهرها مفارقة. إنّها لقاء الفنّ مع ما يعارض شرعيّته باستمرار. من المستحيل أن تولد أيقونة في بيئة غير مألوفة باللاهوت الشرقيّ ولا تحيا به. هذا يفسّر اختفاءها في الغرب بعد جيوتو، وتشيمابوي وأمثالهم. لذلك لم يتمكّن الغرب حتّى الآن من اكتساب فنّ مقدّس.

بالطبع، توجد في الغرب أعمال فنيّة ذات مواضيع دينيّة. ولكن من ذا الذي يستطيع بتركيز وقلب منسحق أن يصلّي أمام عذارى رافائيل؟ كلّ الفنّ المقدّس في الغرب يدور حول الإنسان، ومعاناته. مسيح رووه (Rouault) لا يتجاوز حدود الإنسانيّة المتألّمة. إنّه يبقى في هذا العالم، في كلمات: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" – ولا يرتقي أبدًا إلى ترنيمة: "المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت". مع فنّ الغرب، نبقى في هذا الجانب من العالم – حيث يوجد الضلال، والرغبة، والجرح. الطفل في المذود، والأمّ، شخصيّات مثل الرعاة والمجوس. هم من لحم ودم واحد – دمنا، كأنّ الميلاد لم يُعمّد بنور القيامة. كلّ وجه، قبل أن يتوارى، يضيع في الأشياء المرئيّة. الكينونة تتناثر في الأفق. الجسد هو جسد، بكلّ كثافته، وهو يتوارى حتّى النهاية.

ليست كذلك الأيقونة – إنّها تتّجه نحو الإنسان المنار، ترنو إليه بحنان. لها خلفيّة مذهبة، صلبة كالأبديّة التي ترمز إليها. إنّها ذلك الوجه السماويّ، الذي يرنو إليك برحمة والذي تلوذ به بتركيز وانسحاق. وها هو من هذا الوجه الساكن ينسكب الحراك وتجذبك إليه ومن خلاله – إلى وجه الآب الرحيم. عمق إنسانيّتك يلتقي بعمق ألوهته، وحياتك الآن "مستترة مع المسيح في الله".

ما قلناه عن الفنّ المسيحيّ كافٍ لإقناعنا بإمكانيّة وجود فنّ إلهيّ في مجال الإبداع البشريّ. الله هنا لا ينقضّ كالبرق. تؤمن الكنيسة الشرقيّة بأنّ الحوار بين الخالق والخليقة يبدأ مع خلق العالم. وتؤمن أيضًا بأنّه في العمل الفدائيّ تلتقي النعمة والحريّة في تآزر (synergy) مدهش. كان يمكن الحديث عن الأيقونة من وجهة نظر تقنيّتها، وتكوينها، وعن جذورها المصريّة والسريانيّة وغيرها، وعن التقليد الشرقيّ العجيب، الممتدّ من الصين إلى البحر الأبيض المتوسّط عبر بلاد فارس – لإظهار مشاركة البشريّة كلّها في الفنّ الشرقيّ، الذي له منطقه الخاصّ وقواعده المميّزة. لكنّنا آثرنا الحديث عمّا يميّز الأيقونة، انطلاقًا من جذورها الشرقيّة ذاتها، عن تلك البصمة الروحيّة الخاصّة التي تجعلها جزءًا لا يتجزّأ من كنيسة الشرق كلّه، وترفعها إلى مستوى تعبيريّ لا يضاهى في الفنّ الصوفيّ.

بعد عرض فنّ الأيقونة من جانب تفرّده، يجب علينا العودة إلى الإنسان الذي يخلق الأيقونة في علاقته بالطبيعة وبالمجتمع. عالم الفنّان سيكون غير مفهوم إذا ربطناه فقط بالمعطيات الاجتماعيّة أو البيئيّة وإذا كانت ثروته تأتيه فقط من هناك. بالطبع، تمنحه الطبيعة الخصوبة، لكنّه لا ينتمي إلى مجال الطبيعة، فهو ليس مرآتها ولم يُخلق على مثالها، حتّى لو كان متجذّرًا فيها وعاشقًا لها. الإنسان عديم الإحساس لا يخلق جمالًا، ولا تصدر منه قداسة. الشغف هو مصدر كلّ كينونة. ولكن إذا كانت الطبيعة، من وجهة نظر فنيّة، هي أساس الشخصيّة، فهي لا تكون أبدًا لا شكلها ولا قانونها. الطبيعة هي تيّار الحياة، الذي نضفي عليه نظامًا. في هذه العمليّة، تثري الطبيعة فينا في الوقت ذاته الذي تفيض فيه، في ثراء الكينونة، إلى وجودنا. هكذا ننتقل من الفردانيّة العازلة إلى الكينونة الشخصيّة الحقّة، التي تحرّرنا من نير الطبيعة. الشخصيّة هي المكان الذي تُروّض فيه قوى الطبيعة وتُصقل. الشخصيّة تحيل الطبيعة إلى "كائن". هي ذلك الحضور المضيء، المحبّ، الذي يسمو على الطبيعة. من بين أسمائها اليونانيّة كلمة "بروسوبون" (prosopon)، أي الوجه. كما يقول الفيلسوف نقولا برديائيف، الوجه لا ينتمي إلى عالم الأشياء. فيه نتغلّب على عقبات الموضوعيّة الباردة والصمّاء أو الذاتيّة المنغلقة على نفسها، التي تدمّر الحقيقة.

الوجه هو ذلك العمق المرتبط باللوغوس (الكلمة)، بالكلمة. ولهذا يلوح لنا أنّ الفنّ المعاصر، بقضائه على الوجه، يقودنا إلى رحم الطبيعة الأموميّ، حيث يلفّ الظلام الجنين. الجسد مجرّد مخطّط، ينتظر الوجه. على الصعيد الفنيّ، لا يستعبدنا العالم المحيط بحدوده وأشكاله. ولكن عندما ينكر الفنّان الخليقة المحيطة به، فإنّه يثقل كاهلنا بذاتيّته الضالّة، التي تتخبّط في الزائل والعرضيّ والعابر. إنّه يقدّم لنا كائنًا واقعًا تحت تأثير محيطه. إنّه يشكّل سجلًا لهذا المحيط، ثمّ يعرضه للإنكار، وفي النهاية، يدمّره. وقبل أن يتوارى، يدور موضوع إلهامه للمرّة الأخيرة، يرتجف في رعشة الموت ويسقط. الروح تجد نفسها عارية، غارقة في مأساتها، تشهد على العاصفة التي تقيم فيها، وقد خلطت بين الإخلاص، أي التوافق مع الذات، والحقيقة، أي التوافق مع الواقع.

فيما مضى كان الفنّان ممتلئًا بالطبيعة، أمّا الآن فهو يملأ الطبيعة بنفسه، وكأنّه يؤثر أن تبقى روحه بلا هيئة وفارغة، كما كانت الأرض عندما "روح الله يرفّ على وجه المياه" (تكوين 1: 2). في هذا نوعٌ من الحنين إلى الرحم الأموميّ، إلى هذا الدفء اللاعقلانيّ الناعم، وكأنّنا نرغب في مادّة ذات كينونة ولكن بدون شكل؛ وكأنّنا نريد تذوّق صحبة الجنّ، "الأرواح"، بهمسهم المخيف؛ وكأنّ النفق الذي تتحرّك فيه البشريّة أفضل لدينا من الخروج إلى النور. كلّ رعب الوحوش التي رسمها غويا، ينبع بشكل أو بآخر من تحلّل الشكل، التحلّل الشيطانيّ، الذي يحاصرنا ويقمعنا. عندما يتوارى وجه الله، يضطرّ وجه الإنسان إلى التواري أيضًا. حينئذ تكفّ الطبيعة عن أن تكون جسدًا عضويًّا ومتناغمًا، وتتحوّل إلى كومة من الأنقاض، تشهد على ما هلك.

يقال إنّ الفنّ الإسلاميّ تجريديّ؛ إنّه لا يعرف الوجه. ولكنّ هذا غير صحيح. كانت صور الوجوه معروفة، حتّى تمّ توقيع الحديث الذي يحرّمها. ووُجدت أيضًا في وقت لاحق. ولكن إذا افترضنا أنّ هذه الأحاديث النبويّة صحيحة، فيجب أن نذكر أنّها انطلقت من مبدأ أنّ الصورة هي محاولة لإيقاف الحياة بواسطة الفنّ، وسيلة لمواصلة الحياة، بينما يجب أن تنتهي يومًا ما. وهذا يعني أنّ الفنّ يخرج الحياة من تحت سلطة خالق الحياة، ويسلّمها إلى أيدي الإنسان، وفي هذا جوهر السحر. أودّ أن أشير إلى أنّه في الإسلام، يتجلّى وجه الله في القرآن، والقرآن معجزة الله، فنّ الله. الإنسان بمهارته وحرفته لا يشارك في خلقه. على النقيض، حيثما يعيد الإنسان إنتاج الحياة، يضعفها. وهكذا، فإنّ القوة الحيويّة للحيوان، إذ تتضاءل، تغدو نباتيّة؛ ونوع النبات يقترب من الخطّ. في هذه الحركة نحو التجريد، يتجلّى رفض العالم، الذي حياته "لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ" (سورة الحديد: 20). الفنّ في الإسلام – كالملكيّة والأبناء – مجرّد "زينة". "وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا" (سورة الكهف: 46). ومع ذلك، بواسطة هذه "الزينة"، أي الفنّ، يسمو الإنسان فوق السطح المستوي للحياة، مفعمًا إيّاها بعجائب "الكتاب الكريم"، مزيّنًا الأشياء الجامدة، لترتاح عليها العين. هذا ما تفعله العمارة. إنّها تخضع الحواسّ وتعلن أنّ الله يتجاوز الخليقة جمالًا وأنّه لا جمال آخر يضاهيه. إذا كان وجه الإنسان غائبًا في الإسلام، فذلك لكي يتردّد بإصرار أكبر التأكيد على أنّ وجه الله وحده هو الجدير بالتبجيل والعبادة. ما يلهم الفنّ التجريديّ في الإسلام لا علاقة له بالتجريد في الفنّ المعاصر.

في الحياة الاجتماعيّة، يشارك الفنّان وفي الوقت عينه يبقى مستقلًّا إلى حدّ الوحدة. غالبًا ما يكون في خلاف مع أمثاله، لأنّه يسبقهم في بلوغ الكمال. نظر إليه الآخرون، وأعماهم نوره. حياته تبدو لهم جنونًا. قد يُدان لانحرافه عن القاعدة، لأنّ من يكرّس نفسه للجمال الحقّ، يتجنّب الأماكن التي يُبذل فيها الفنّ الرسميّ. إنّه يزعج نظام الأشياء الرتيب، وأمان الروتين، وكلّ ما يصير في الفنّ موضة أو زخرفة فارغة. هذه الصدمة العاطفيّة خطيرة على تراثنا الفكريّ؛ إنّها تهاجم أكثر ما هو مألوف ومعروف لدينا. من الإنسان المرهف للفنّ، تتطاير شررٌ تنير آفاقًا جديدة. ولهذا السبب كان الفنّان دومًا في طليعة مجتمع جديد، يُبنى على أنقاض القديم. المجتمع يبدأ دومًا بالدمار. القيامة تأتي بعد الموت، والصداقة – بعد الفراق. تنهار المظاهر التي لاحت لنا أساس الأشياء، لأنّ المعرفة الداخليّة تلبسها ثوب العرس لزواجنا بأعماق الكينونة. ملاحظة أعماق العالم، ومعرفة المجتمع بشكل مستقلّ – لا يعني الانقطاع عن الناس وعن مشاكلهم. محبّتنا ترفض القطيعيّة، تتيح لنا لقاء كلّ إنسان في ما هو فريد فيه. بعد هذا اللقاء، ندخل مع الإنسان في تحالف كينونة. نغدو حلفاء لدرجة أنّنا نشعر بالفقر، والجهل، والعري، والكرامة المداسة كجسد ممزّق ودم مسفوك. التعاطف مع جميع الأحياء – هو ذلك النبع الذي ينزف بلا انقطاع، والذي يرتشف منه كلّ روح مبدعة. جراح المهانين والمظلومين، إذ تصير معاناتنا المستمرّة، تغدو أيضًا لغة البشريّة القادمة. هكذا يُنقذ الجمال من عبادة الأوثان والرضا عن الذات.

هذا لا يعني أنّ اللون الأحمر الفاقع يعبّر دومًا عن راديكاليّتنا، أو أنّ الصراخ هو الأبلغ تعبيرًا. صور المسيح لـ هولباين أو دورر ليست بالضرورة أفضل تعبير عن آلام الناصريّ. العري غالبًا ما يكون وقحًا. أفضل صورة للمسيح هي التجلّي. لكنّ ثياب المسيح الوادع المشعّة لن تغطّي لا آثار المسامير على راحتيه، ولا أثر الحربة في جنبه. اليقظة هي بدء كلّ إبداع فنيّ، اليقظة، والصبر، والانتباه الدائم. ليس من شأن الفنّ أن يمتطي صهوة الدعاية. ما إن يهبط إلى مستوى التعبير عن السياسة – قضي الأمر، وقع الطائر في الفخّ، وسيلوى عنقه. مع الناس، ولكن بمعزل عن أيّ نظام اجتماعيّ، بتساؤل مستمرّ على الشفاه – هكذا يلوح لنا مسلك الفنّان. هذه الرفقة مع أناس من مختلف الطبقات والأحوال هي التي تتيح للشعور الفنّيّ بالحفاظ على طابعه، المحليّ والكونيّ في آن. فالإنسان لا يصير إنسانًا كونيًّا إلّا عندما يستقي من ينابيع وطنه ويتجاوزه في الوقت ذاته. نحن لا نبلغ الآفاق اللامتناهية إلّا إذا كانت جذورنا عميقة.