الفصل الثاني
الانفتاح على المسيح
أروم أن أستجلي الأساس لكلّ فعلٍ مسيحيّ، وأعني به مفهوم الشهادة. للشهادة حَمَلة، ولها شروطٌ وطرائق. والمطلوب منّا، بدءًا، أن نتأمّل فيما إذا كانت المسيحيّة التي نحياها تمثّل كلّيًّا وحي الله في يسوع المسيح، ذاك الذي نقله الاثنا عشر والذي يحيا في الكنيسة إلى انقضاء الدهر. وتزداد المعضلة حدّةً لأنّ وجه الله المتعالي يتوارى، أكثر فأكثر، خلف أشكالٍ شتّى من الحلوليّة (immanence)، إذ ينشغل معاصرونا بالإنسان وحده، بمعزلٍ عن جذوره الإلهيّة.
عند المؤمن، الله وحده، وفقط الله، هو الذي يحدّد الكائن البشريّ ويؤثّر فيه، مخاطبًا إيّاه. ومصير الإنسان برمّته يُلعب في داخل قصد المحبّة الذي رسمه الله لنا قبل كون العالم. ومنطق المحبّة يقتضي أن يشهد الله بنفسه لنفسه، لأننا لا نستطيع أن نتوجّه إليه إلّا مذ يخاطبنا. إنّ سرّه الذي لا يُدرك، وكونه يعلو كلّ حكمةٍ وكلّ منطق، يعنيان أنّه لا يسع أحدًا أن يتكلّم عنه كما ينبغي إلّا هو نفسه. وما لا يمكن إيصاله، يوصله هو إلينا عبر "كلمته"، بواسطة الأنبياء "في رؤيا، أو في حلم" أو "فمًا لفم" (عدد 12: 6، 8). ومهما كانت وسائل تعبيره، فهو يخضع الإنسان ويحلّ فيه، لأنّ الكلمة، في المفهوم العبريّ، هي واقع (Davar)، تفرض الاعتراف بها، وكأنّها ذات كثافةٍ مادّيّة. إنّها لا تُقاوم.
عندما أرادوا منع النبيّ عاموس من إعلان رسالته، أجاب: "لست أنا نبيًّا ولا ابن نبيّ، بل أنا راعٍ وجاني جمّيز. فأخذني الربّ من وراء الضأن وقال لي الربّ: اذهب تنبّأ لشعبي إسرائيل" (عاموس 7: 14-15). وإرميا، أكثر أنبياء العهد القديم عنفًا ومأساويّةً، نطق هكذا: "قد أقنعتني يا ربّ فاقتنعت. وألححت عليّ فغلبت. صرت للضحك كلّ النهار. كلّ واحدٍ يستهزئ بي... لأنّ كلمة الربّ صارت لي عارًا وللضحك كلّ النهار. فقلت: لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنارٍ محرقةٍ محصورةٍ في عظامي، فمللت من الإمساك ولم أستطع" (إرميا 20: 7-9).
الكلمة النبويّة تتّجه إلى الشعب الذي اصطفاه الله ليشهد له أمام الأمم: "وأنتم شهودي، يقول الربّ، وعبدي الذي اخترته، لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أنّي أنا هو. قبلي لم يُصوَّر إله وبعدي لا يكون... أنا أخبرت وخلّصت وأسمعت، وليس فيكم غريب. وأنتم شهودي، يقول الربّ، وأنا الله" (إشعياء 43: 10، 12). ومع ذلك، يحدث لهذا الشعب أن ينسى أنّه حاملٌ لرسالة الخلاص. ولكن لديه في تابوت العهد ألواح الشريعة، وهذا التابوت يغدو مسكن الشهادة. إذن، الله حاضرٌ باستمرارٍ في الشعب، وإلى هذا الحضور يتوجّه رئيس الكهنة مرّةً في السنة، وهو (الحضور) يفضح كلّ خطايا إسرائيل حتّى اليوم الذي تُقام فيه الشركة الحقيقيّة بين الله وشعبه – عندما يُشاد هيكل الله الحقّ في شخص يسوع الناصريّ. حينئذ سيكون هو مسكن الشهادة والكلمة – ليس تلك الكلمة التي تُلقى من وقتٍ لآخر على الأنبياء، بل الكلمة الأزليّ الذي صار جسدًا.
المسيح هو "الشاهد الأمين الصادق" (رؤيا 3: 14). وخدمته كلّها يمكن اختصارها في جوابه لبيلاطس: "لهذا وُلدت أنا، ولهذا أتيت إلى العالم، لأشهد للحقّ" (يوحنّا 18: 37). على الصعيد التاريخيّ، يسوع هو شاهد الله المطلق والوحيد. الشهادة هي إقرارٌ عن معرفة، وتأكيدٌ لحقيقة. فـ "الله لم يره أحدٌ قطّ. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر" (يوحنّا 1: 18). كلمة "شاهد" باليونانيّة هي "martyros"، وهذه الكلمة ربّما تأتي من جذر "smri" (السنسكريتيّ) بمعنى "تذكّر". وحسب التصوّر الهنديّ، جوهر الألوهة كامنٌ فينا؛ يكفي أن نعي ذلك، متحرّرين من الجهل ومن ثقل المادّة. أمّا بلغة المسيحيّين، فشاهد الله هو ذاك الذي استلبه الله، الذي يشعر بأنّه محبوبٌ منه؛ الذي صار الله لديه الحقيقة الوحيدة، فيصرخ به من فوق السطوح، دون خشيةٍ من أن يصير أضحوكة؛ والذي مصيره الحتميّ هو الآلام، لأنّ التلميذ ليس أعظم من معلّمه. وإذا كان الرسول، المسوق إلى المحاكمة، لا ينبغي أن يهتمّ بما سيقول، فذلك لأنّ إيمانه بأنّ الروح القدس سينطق بلسانه، وأيضًا لأنّ الدم سيغدو الشهادة الأسمى للخبرة الروحيّة الاستثنائيّة التي يشارك فيها.
إنّ بساطة الشاهد المذهلة تنبع تحديدًا من كونه قد أفنى نفسه تمامًا أمام الحقيقة التي يحملها ويعلنها. لقد أمسى هو نفسه ينبوع ماءٍ حيٍّ يفيض إلى حياةٍ أبديّة (يوحنّا 4: 14). سرّ الشاهد وقوّته يُفسَّران بالانفتاح على المسيح، بتماهيه مع سرّ الفقر (الإخلاء). تمجيد المسيح، وكشف أنّه هو الربّ، كان ثمرة تواضعه وموته على الصليب. والمسيحيّ، السائر كمعلّمه على درب التواضع حتّى الموت، يصير رسالةً حيّةً، وتابوت شهادة. بتخلّيه عن زيف الدنيا، يتّبع النذور التي قطعها عند المعموديّة. في كلّ ليتورجيا إلهيّة، كما في أسبوع النور، تعيد الكنيسة اكتشاف ربّها، وتحيا به. إنّها مخصّبةٌ بفكره، وممتزجةٌ بدمه. في هذا السرّ الذي يهدي غير المؤمنين ويقودهم إلى المسيح. ولكن الكنيسة ليست إكليروسًا فحسب، الكنيسة هي شعب الله. كلمة "شعب" باليونانيّة "laos". ومنها تأتي كلمة "laikos" أي علمانيّ (من الشعب). العلمانيّ هو أيضًا عضو في شعب الله.
في الأدب المسيحيّ الواسع للكنائس حول هذا الشأن، أخال أنّه لا يوجد حتّى الآن تعريفٌ شافٍ لـ "العالم" الذي ينتمي إليه العلمانيّون. فالإكليروس هم أيضًا أعضاء في عائلة الله، "laikoi"، أي من الشعب. وإلى جميع المؤمنين يوجّه الرسول بطرس كلماته: "وأمّا أنتم فجنسٌ مختار، وكهنوتٌ ملوكيّ، أمّةٌ مقدّسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1 بطرس 2: 9).
التسبيح هو أيضًا، وفقًا للأدب المسيحيّ القديم، من عمل العلمانيّين (المؤمنين). القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم طالب بألّا نلقي كلّ شيءٍ على عاتق الكهنة، بل أن نهتمّ نحن أنفسنا كلّيًّا بالكنيسة جمعاء كجسدنا المشترك. في القرن الخامس، سمّى إيسيخيوس الأورشليمي سرّ الميرون الثاني "المسحة الكهنوتيّة"، ويوحنّا الذهبيّ الفم، مخاطبًا كلّ مؤمن، قال: "في جرن المعموديّة صرت أنت أيضًا ملكًا وكاهنًا ونبيًّا". هكذا يشرح كهنوت العلمانيّ: "أنت كاهنٌ لأنّك قدّمت نفسك لله، وبتقديم جسدك ذبيحةً، ذبحت نفسك أيضًا".
إذن، الاتحاد الآليّ والشكليّ في العبادة لا يمكن أن يكون، في نهاية المطاف، أداةً فعّالةً لوحدة الكائنات البشريّة في يسوع المسيح. فالكنيسة لا يمكن أن تجتمع كذبيحةٍ مرضيّةٍ لله، إلّا لأنّها تقدّم ذبيحة كلّ ثمار إشعاعها في العالم. الكنيسة ليست فقط جماعة مدعوّين، "ekklesia". إنّها أيضًا جماعة المقيمين في الشتات، "diaspora". كلّ كنيسة، سواءٌ عاشت في وطنها أو في الغربة، تقيم في الشتات. وكما تقول الرسالة إلى ديوغنيتس، وهي وثيقةٌ من القرن الثاني: "المسيحيّون يعيشون في أوطانهم كغرباء. الغربة لهم كالوطن، والوطن كالغربة". ويقول مصنّفٌ دفاعيٌّ آخر من القرن الثاني إنّ المسيحيّين "يسيرون بكلّ تواضع وصلاح، والكذب غير معروفٍ لديهم. وإذا كان بينهم رجلٌ فقيرٌ أو محتاج، يعوزه الضروريّ، فإنّهم يصومون يومين أو ثلاثة، ليقدّموا للمحتاج القوت الضروريّ... فمنهم تأتي تلك الطيبة القائمة في العالم. وبالنسبة لي، لا ريب عندي في أنّ الأرض باقيةٌ بصلوات المسيحيّين".
إذن، ليس ثمة تجلٍّ منفصل للمسيحيّة في الكنيسة وآخر منفصل في العالم، لأنّه حيثما يكون الروح القدس، هناك كنيسة الله. وحيثما نؤدّي سفارة، كما عبّر الرسول بولس بشكلٍ بهيّ، هناك تكون الكنيسة قد زُرعت بالفعل. الكنيسة الأزليّة تقيم عندنا في حاضر الله الأزليّ. وإذا صرنا في الشركة الإفخارستية جسدًا واحدًا مع المسيح، فذلك لكي نشارك في كأس آلام الناس المحيطين بنا – نشارك في الخدمة، وفي العمل، وفي الرحمة. وبالتسبّه بالله هكذا، يعيد الإنسان قبول الكون، ويأخذه على عاتقه، ويتّحد به مجدّدًا. في "المسيحيّين الجدد" الذين صرناهم، يدخل الكون بالفعل. يبقى في العالم إنساننا الداخليّ (الباطن)، الذي يقدّس العمل، ويؤنسن العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاد، ويبني ملكوت الله بطريقتين: بإظهار الربّ للعالم، وبلملمة الله المتناثر في العالم. هذا العمل المزدوج للإيلاج والإظهار، للانخراط والانتشار، يرمز إليه بالفعل الإفخارستي.
في هذا المنظور، الكنيسة ليست أداةً للهروب من العالم، ولا ذكرى لبيت الموتى. إنّها توقٌ نحو الملكوت، القائم والآتي. يدخل الملكوت في خليقة الله تلك التي بذل الله من أجلها ابنه الوحيد. ولهذا استطاعت سيمون فايل أن تكتب: "ليس بما يقوله الإنسان عن الله، بل بما يقوله عن الأشياء الأرضيّة، يمكن تحديد ما إذا كانت روحه قد دخلت في نار الله أم لا". وإذا كان القلب، كما قال القدّيس مقاريوس، "بعد أن يتطهّر، يضطرم بمحبّة كلّ خليقة"، فإنّ المسيحيّ سيسعى، خارج ذاته، إلى حلّ المعضلات التي تطرحها حضارته المعاصرة. لا توجد تقنيةٌ مسيحيّةٌ خاصّةٌ لبناء العالم. كما لا توجد أدواتٌ ضروريّةٌ بإطلاقٍ للرسالة، سواءٌ كانت مدارس أو مؤسّساتٍ اجتماعيّة. "الله حاضرٌ في كلّ الأشياء، يقول ديونيسيوس المنحول، ولكن ليس بالضرورة أن تكون كلّ الأشياء حاضرةً فيه".
بما أنّ الكنيسة متنبّهةٌ لحركة التاريخ ولاحتياجات الناس، يمكن لحفنةٍ من المسيحيّين داخل الكنيسة أن تستوعب إيقاعات ودروس كتاب العالم، كما قال القدّيس مكسيموس المعترف. بالنسبة للآباء اليونانيّين، الكون كتابٌ يمكن فيه قراءة كلمات الله، بينما الكتاب المقدّس هو الكون كما يفكّر فيه الله. بالاتحاد مع إيقاعات العالم هذه، لا ينبغي للمسيحيّ أن ينكر هويّته الذاتيّة؛ بل على العكس، حسب فكر القدّيس مكسيموس ذاته، يسعى إلى جمع "اللوغوي" (logoi) الروحيّة (مُثل الأشياء ومعانيها)، "ليقدّمها لله قرابين من الخليقة".
في إتمام وصيّة الشهادة، ثمة جانبٌ هامٌّ هو النقل اللفظيّ. وهذا الجانب، بدوره، مرتبطٌ بمعضلةٍ لاهوتيّةٍ أعمق تتّصل بقيمة الثقافة. هذا البعد من النقل مذكورٌ بوضوح في مستهلّ رسالة يوحنّا الأولى: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة. فإنّ الحياة أُظهرت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبديّة التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا" (1 يوحنّا 1: 1-2). وإذا كانت كلمة "نشهد" مرتبطةً بالحقيقة المنقولة، فإنّ الفعل "نخبركم" يؤكّد جانب النقل حتّى في هذه الحقيقة ذاتها. الرسولان بولس ويوحنّا، وكذلك آباء الكنيسة، يتحدّثون عن الفلسفة وحتّى عن الرسالات الدينيّة غير المسيحيّة كنقل. منذ اللحظة التي خلصنا فيها بيسوع المسيح، لا تحتفظ الفلسفة إلّا بقيمة الوساطة؛ في محتواها، لا يمكن إدراجها في الكرازة الإنجيليّة. لذلك، لجأ الكتاب المقدّس والآباء إلى أنظمةٍ شتّى من الفلسفة اليونانيّة، دون تفضيل أيٍّ منها. لقد شعروا بأنّ لهم ملء الحقّ في استخدام أفلاطون وأرسطو وأفلوطين والرواقيّين، رافضين في الوقت عينه أيّ فكرةٍ لديهم تتعارض مع الإنجيل.
إذا كان على المسيحيّ قليل التعليم أن يجوز في خبرةٍ نسكيّةٍ كبرى، لكي يتمكّن، عند الحاجة، من عرض إيمانه بشكلٍ متماسك – وهذا الواجب، وفقًا للرسول بطرس، يقع على عاتق كلّ واحد – فإنّ المطهر العقليّ ليس أقلّ قسوة، إذ يجب هنا الحذر من فخاخ تلك المفاهيم عن الله التي يسمّيها القدّيس غريغوريوس النيصي أصنامًا، ومن التأمّلات اللاهوتيّة المزعومة التي لا صلة مباشرة لها بسرّ المسيح. غاية كلّ نشاطٍ عقليٍّ هو إخضاع العقل للربّ، للتجديد بالمعموديّة، للتوبة. يجب إظهار المسيح فينا من خلال التأثير المباشر المعدي للنعمة ومن خلال فعل تطهير العقل. يمكن لمثل هذا العمل أن يسبق قبول المسيح. يجب الانطلاق من المبدأ الإلهيّ في الإنسان، وإدراك هذا المبدأ، وتجسيده وتسميته يسوع المسيح، مخلّصنا.
إذن، تبقى وسيلةٌ واحدةٌ فقط لإيصال الرسالة. تعليم الإنجيل يعني ترجمته إلى اللغة المعاصرة لبلدٍ معيّنٍ ومجتمعٍ محدّدٍ على جميع مستويات الثقافة. يجب بلوغ درجةٍ عاليةٍ من الحذق لنقل الإنجيل دون خيانته، لتقريب الحقيقة التي تكشّفت في السياق اليهوديّ-الهيلينيّ من أناسٍ عقولهم غريبةٌ عن هذه الثقافة، والذين يعتبرون الرمزيّة الليتورجية وعقليّة الآباء شيئًا أشبه بالشفرة. ومع ذلك، نعلم أنّ العنصرة لم تدخل إلى العالم "الغلوسولاليا" فقط – التكلّم بألسنةٍ غير مفهومة – بل أيضًا موهبة فهم الألسنة. المفهوم الجديد لا ينبثق من تلقاء ذاته، بل يتشكّل. يمكن أن يصبح ثمرة عمل جماعةٍ من الناس، مهمومين بخلاص عالمٍ جائعٍ ومحطّم. ولكن، أكرر مرّةً أخرى، هذه الجهود ليست حكرًا على اللاهوتيّين، لأنّ الرسالة يجب أن تتحقّق على الصعد كافّة، وطرائق نقل الرسالة تتغيّر عند الانتقال من سويّةٍ عقليّةٍ واجتماعيّةٍ إلى أخرى. الترجمة تعني وجود نمطين في التفكير – نمط المسيحيّ ونمط مستمعه. من هنا تأتي ضرورة التعمّق في ثقافة الآخرين، في نظام رموزهم، في نفسيّتهم، وبناء جسورٍ بيننا وبينهم. وفي الآن عينه، لا يجوز الوقوع في التوفيقيّة (syncretism)، أي يجب الحذر الشديد من إقحام عناصر غريبةٍ في بشارتنا، مستمدّةٍ من دين أو فلسفة محاورينا، وإلّا فلن ننقل الإنجيل بعد الآن، بل انتقائيّةً دينيّة. يمكن للمسيحيّ أن يستوعب عناصر من ثقافة أو فلسفة أو دينٍ غير مسيحيّ، ولكنّه لا يمكن أن يخلط الزوان بالحنطة. في كلّ تشابهٍ في الأفكار ثمة بعض الاختلاف، كما أنّ هناك إمكانيّةً للتوافق في التعارض.
بما أنّ النظام التاريخيّ ليس غريبًا عن القصد الإلهيّ، والله هو سيّد العالم والزمان، فإنّه توجد في التاريخ قيمٌ دينيّةٌ أغفلتها المسيحيّة إلى حدٍّ ما. إنّ فكرة التسليم لله، كما تطوّرت في الإسلام، إذا اتّحدت بإعلان الإنجيل، يمكن أن تغدو مثمرةً للغاية. يمكن بناء الحياة الروحيّة برمتها حول هذه الفكرة، وربطها بصليب يسوع. وستكون أكثر ديناميّةً بكثيرٍ ممّا هي عليه على أرضيّة الإسلام. هنا يكمن أهمّ جانبٍ في اللاهوت الإرساليّ وفي فهمنا لعمل الروح القدس. إذا كان الروح القدس موجودًا في كلّ مكانٍ أو يمكن أن يكون موجودًا في كلّ مكانٍ وفي جميع الثقافات والأديان غير المسيحيّة، وبالتالي، فهي لا تنتمي كلّيًّا إلى مجال الموت، فإننا، باكتشافنا حضور الربّ فيها، لا نستحقّ ذلك التوبيخ الذي وجّهه الملاك إلى حاملات الطيب: "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات؟" (لوقا 24: 5). بفعل الروح القدس، الذي يهب حيث يشاء، يكون المسيح، بلا ريب، حاضرًا بشكلٍ خفيٍّ خارج الحدود المنظورة للكنيسة.
ومع ذلك، هذا لا يعني أنّه يمكن اتّخاذ موقفٍ متفائلٍ بلا رويّةٍ تجاه العالم الثقافيّ. لا يمكن القفز دون عقابٍ من مستوى إبداع الله إلى مستوى إبداع الإنسان. الإنسان خاطئٌ وحاملٌ للموت، وبالتالي فإنّ كلّ نشاطه، في جوهره، ملتبس. كما قال كلوديل عن الإبداع الفنّيّ: "الشرّ عبدٌ يستقي الماء". لا يوجد ولا يمكن أن يوجد تصوّفٌ للإبداع البشريّ في النظرة المسيحيّة للوجود. ولهذا لا يسعنا أن نبصم على تأكيد اللاهوتيّ البروتستانتيّ الكبير بول تيليش: "الدين جوهر الثقافة، والثقافة شكل الدين"، ولا على قول لاهوتيٍّ أرثوذكسيٍّ معاصر، يعتبر الثقافة ثمرةً وشكلًا وتجلّيًا لسلطة الإنسان على الإبداع باسم الخالق. في الواقع، توجد ثقافاتٌ وثنيّةٌ صرفة، لا تتجاوز مستوى الجماليّات البحتة، حتّى لو كانت مصطبغةً بصبغةٍ دينيّة. لاهوتيٌّ معاصرٌ آخر، البروتستانتيّ جاك إيلول، في كتابٍ بعنوان "الحضور في العالم المعاصر"، كتب هكذا: "إرادة العالم هي دومًا إرادةٌ للموت، إرادةٌ للانتحار. لا يمكن قبول هذا الانتحار، يجب العمل تحديدًا حتّى لا يتمكّن من الحدوث. وبالتالي، يجب معرفة ما هو شكل إرادة العالم للانتحار في الوقت الحاضر، لمقاومتها، لفهم أين يجب أن تُوجَّه جهودنا... الحديث يدور عن الولوج في النقطة ذاتها حيث تعمل هذه الإرادة للانتحار، ورؤية كيف يمكن في هذا الوضع أن تعمل إرادة الله للحفظ... إذن، نحن ملزمون بمعرفة هذا الجذب لعالمنا نحو الموت بكلّ عمقه، بكلّ واقعه الروحيّ، وتوجيه جهودنا إليه تحديدًا".
هذا هو الموقف الإرساليّ تجاه الروحانيّة الدنيويّة، وهو صحيحٌ جزئيًّا. صحيح، لأنّه يعارض كلّ عملٍ بشريٍّ بحكم الله، ولأنّه يرى الخطيئة في الإنسان بعمقٍ كتابيّ. وجزئيًّا – لأنّ الفكر البشريّ ليس فقط سعي الإنسان الساقط، بل هو أحيانًا تعبيرٌ عن تجدّد الإنسان تحديدًا في الغربة، خارج المجال المنظور للكنيسة، في ذلك المجال الخفيّ لها، حيث يوحد الروح القدس أولئك الناس من جميع الشعوب، الذين يتلمّسون العدالة والحقيقة. إذن، ثمة عناصر يجذب بها روح يسوع عددًا كبيرًا من الناس، ويتحتّم علينا أن نعرف كيف نميّز هذه العناصر بطريقةٍ إنجيليّة. هذه التأمّلات المتفرّقة حول الشهادة ستغدو لغوًا في اليوم الذي تصبح فيه كينونتنا دعوة. وإذا كان من المهمّ أن تفكّر زمرةٌ ما من المسيحيّين في معضلة التبشير، فإنّه من الأهمّ بلا حدود أن يتمكّن أولئك غير المنخرطين في خدمة المسيح من أن يدركوا، على وجه اليقين، أننا عبرنا من المظهر إلى الكينونة، ومن القلق إلى السلام، وأنّ حقيقة الله حاضرةٌ بالفعل في ذلك الفرح الذي لا يُقاس والذي هو فجر الملكوت.
دروب القداسة
إنّ ما يذهلني في القدّيس الذي يحيا بيننا هو كيف يستشعر، بقوةٍ متزامنةٍ ومتساوية، قدرة الله وضعفه البشريّ، وهما، علاوةً على ذلك، يشترطان بعضهما البعض بالضرورة. عندما يكسر الكاهن في الليتورجيا البيزنطيّة الخبز الإفخارستيّ قبل المناولة ويعلن: "القدسات للقدّيسين!"، يردّ عليه الخورس باسم الجماعة: "واحدٌ هو القدّوس، واحدٌ هو الربّ يسوع المسيح...". وبما أنّ التواضع هو شعورنا بعدمنا، وهو، حسب يوحنّا السلميّ، ذروة الدرجات في سلّم الفضيلة – فإنّه يتيح لنا أن نرى كم نحن بائسون، بمقدار ما يُعطى لنا تأمّل نور الربّ. هنا مفارقةٌ مزدوجة، مثبتةٌ عقائديًّا. إذا كانت القداسة هي تلاقي النعمة والإرادة الصالحة للإنسان، أي تآزر (Synergy)، فإنّ واقع الإنسان عند تقديسه لا ينمحي أبدًا.
لقد وضع الله الإنسان أمام وجهه إلى الأبد. لذلك، محبّتنا له ليست ذوبانًا فيه. لو كانت ذوبانًا، لأضحى ذلك رفضًا للخليقة. لم يلج أحدٌ سرّ المحبّة المتبادلة بين الله والإنسان. نحن نقف هنا أمام استحالة الاتحاد في الزواج السرّيّ: "أرى خدرك مزينًا يا مخلّصي، وليس لي ثوبٌ للدخول إليه". هذا هو عري الإنسان الأزليّ في الصلاة والستر الأزليّ الذي يمنحه إيّاه الله.
ومع ذلك، فإنّ القدّيس العظيم سمعان اللاهوتيّ الحديث، الذي عاش في بيزنطة في القرنين العاشر والحادي عشر، علّم أنّ الإنسان الروحيّ يوجد في وعي النعمة، الولادة الجديدة في الروح، وهو ما يوازي معرفة الروح ذاته. بالطبع، الإنسان لهذه الولادة قد حُمل به بالمعموديّة، ولا توجد اختراقاتٌ مفاجئةٌ للنعمة خارج الحياة الكنسيّة. ولكن، كما يؤكّد القدّيس سمعان، المعموديّة مجرّد اغتسالٍ بالماء، إذا لم تكن مقترنةً بموهبة الدموع. النعمة المعطاة لنا لا تثير فينا أبدًا شعورًا بالأهمّيّة الذاتيّة، لأننا نعلم أننا نبقى دومًا "عبيدًا بطّالين". نحن ندرك قداسة الله فينا، وقدرنا كنواقل، وعدم استحقاقنا الكلّيّ. العمل الإلهيّ-البشريّ برمّته يبقى، مع ذلك، لا يوصف.
القداسة لا تُدرك خارج مقولة "العشق" (Eros). عندما قال القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ عن يسوع: "عشقي مصلوب"، كان يعي أنّه من خلال الاستشهاد سيصل إلى خدر العرس. كثيرًا ما توضع "المحبّة" (Agape) في مقابل "العشق" (Eros)، ولكن الله يغذّي تحديدًا شغفًا بالإنسان. إنّه يبذل ذاته له في موت الابن ويثير فيه شغفًا متبادلًا بالله. الإنسان يسبر قلبه وبخضوعه يمتحن ظمأه إلى الله: "إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي" (يوحنّا 14: 15). الوجه الإلهيّ الذي نعاينه يغدو قوةً للتجلّي. الإنسان يؤمن لأنّ قلبه قد مُسّ. الإيمان هو أوّل ما تبدأ به خطبتنا لربّنا. وجه الله لا يزال محجوبًا، لأنّ نوره ساطعٌ جدًّا بالنسبة لنا. ولكن عندما يدخلنا المحبوب إلى خفاياه، يُمحى الحدّ الفاصل بين الإيمان والرؤية وتزهر وعود الحياة الآتية. ندرك أنّ الملكوت في داخلنا. كلّ شيءٍ يستنير بالطلبة من الصلاة الربّانيّة، التي كان القدّيس غريغوريوس النيصي يتلوها هكذا: "ليأتِ روحك القدّوس"، بدلًا من: "ليأتِ ملكوتك". محبّة الله ذاتها تصير قوّةَ الإيمان، تولّده، وتجدّده، وإذ تسعّره حتّى اللهيب، تحيط به. في أعماق القداسة، يسعى الإيمان والرجاء إلى الانصهار بالمحبّة. من وصل، حقًّا، إلى الوعي الكامل بأنّه محبوبٌ من الله، قد نُقل بالفعل إلى الملكوت ويأخذه معه إلى الموت. من ائتمنه الله، وتبنّاه في الابن، يعاين بالفعل النور الذي لا يغرب. بمعنى ما، قد قام بالفعل من بين الأموات. هو وحده يرى بوضوح قيامة المسيح كقدّوس وكربّ. نحن أحياءٌ في الحيّ، الذي يقوم فينا بالروح. لا معرفة خارج رؤية هذا الفصح الأزليّ، الذي نتذوّقه في نقاء القلوب.
المسيحيّ يعلم أنّه لا يتّكل إلّا على الله، لأنّه، بتخلّيه عن ذاته، تحرّر من كلّ شيء. وإذ يفعل دومًا ما يرضي الآب، يقوده "الكلمة"، وبطاعته، يكون "مطهّرًا، منارًا، مستنيرًا ومؤهّلًا لرؤية كشف الأسرار العظيمة، التي لم ير أحدٌ أعماقها ولن يراها أبدًا" [1]. عندما يقول يسوع إنّ أنقياء القلوب سيعاينون الله، فإنّه يعني المعاينة المباشرة للخالق والخليقة. المسيحيّ يُدخل الربّ في علاقاته مع الناس، وإذ يغدو خادمًا لهم، يخدمه هو تحديدًا. وفي رجاء المجد الذي قُدّر للكون أن يبلغه، يرى العالم الآن متجلّيًا. يمكن للناس الآخرين أن يبصروا نور الكون ووحدته من خلال القدّيسين. في الواقع، من الأهمّيّة بمكان أن نؤمن بأنّ القداسة لا تنير إخوتنا فحسب، بل الكون برمّته. مصير العالم يكمن في حرّيّة المادّة. هي الآن مستعبدة، ولكن "الخليقة أُخضعت للباطل لا طوعًا، بل من أجل الذي أخضعها، على الرجاء. لأنّ الخليقة نفسها أيضًا ستُعتق من عبوديّة الفساد إلى حرّيّة مجد أولاد الله" (رومية 8: 20-21). لقد حرّر الله الكون من خلال القدّيسين ومن أجل تلك السمفونيّة التي يجب أن تسود في الكون المتجلّي. وفي رجاء هذا التجلّي، في الصيرورة التاريخيّة التي هدفها دنوّ ملء الأزمنة، تنتمي القداسة إلى الجماعة الكنسيّة ككلّ. هذا هو البنيان الذي، حسب قول الرسول بولس، "الذي فيه كلّ البناء مركّبًا معًا ينمو هيكلًا مقدّسًا في الربّ. الذي فيه أنتم أيضًا مبنيّون معًا مسكنًا لله في الروح" (أفسس 2: 21-22). هذا يستبعد تمامًا الفهم الفردانيّ للخلاص ولحظة الخلاص. كلّنا يحملنا تيّارٌ واحدٌ من محبّة الله. لم يكن القدّيس إسحق السريانيّ يطيق فكرة أن يبقى أحدٌ في الجحيم إلى الأبد: "وما هو القلب الرحيم؟ هو احتراق القلب على كلّ الخليقة، على البشر، والطيور، والحيوانات، والشياطين، وعلى كلّ مخلوق. وعن ذكرهم، وعند النظر إليهم، تذرف عيناه الدموع من شدّة الرحمة، التي تكتنف القلب. ويصغر القلب، ولا يستطيع أن يحتمل، أو يسمع، أو يرى أيّ ضررٍ أو حزنٍ يسير، يصيب الخليقة. ولذلك، حتّى عن الحيوانات غير الناطقة، وعن أعداء الحقيقة، وعن الذين يلحقون به الأذى، يقدّم الصلاة كلّ ساعة، ليُحفظوا ويتطهّروا. وحتّى عن الزحّافات يصلّي برحمةٍ عظيمة، تنبعث في قلبه بلا قياس، تشبّهًا بالله" [2].
لا أحد يتمّم خلاصه منفردًا أو لنفسه فقط. الإنسان يتكوّن من حقيقة المحبّة. إذا كان الربّ يسكن في قلبه، فإنّه يوسّعه إلى فضاءاتٍ لا نهائيّة، وهذا تحديدًا ما يمنحه فهم أسرار الخليقة الجديدة. "متّحدين في المحبّة"، كما يقول الرسول، سيبلغ المؤمنون "كلّ غنى يقين الفهم، لمعرفة سرّ الله" (كولوسي 2: 2). فقط معًا سنتمّم عمل "بنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أفسس 4: 12-13). نحن لا نسعى إلى الكمال المنعزل للمؤمن، بل إلى كمال "الإنسان الكامل" بالمعنى الجامع (الكاثوليكيّ)، أي المسيح ككلّ، رأسًا وجسدًا.
كلّ حديثٍ لاهوتيٍّ عن القداسة يجب أن ينطلق من الثالوث، لأنّ القداسة هي حياةٌ ثالوثيّةٌ فينا. "لا أحد يعرف الابن إلّا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلّا الابن" (متى 11: 27). إذا كنّا قد نُقلنا مرّةً وإلى الأبد إلى حضن الثالوث الإلهيّ، وإذا كنّا نشارك في هذه الحياة المستمرّة من المحبّة، فإنّنا نتوجّه إلى الناس لنحمل لهم شهادتنا؛ وإذا تحوّلنا معهم إلى نار، فسيضطرم العالم ويتحوّل في مسيرته نحو الدهر الآتي.
نحن ننطلق من قناعةٍ راسخةٍ بأنّ مصدر معرفتنا بالإنسان هو الله. الله وحده يكشف طبيعة الإنسان ومآله. من وجهة النظر هذه، يكمن أساس الأنثروبولوجيا المسيحيّة في التأكيد العهد الجديدي بأنّنا "شركاء الطبيعة الإلهيّة" (2 بطرس 1: 4). من هذا الوحي، قبل كلّ شيء، تأتي الصيغة الآبائيّة الشهيرة: "صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا". بهذه الصيغة يبدأ تعليم "التألّه" (Theosis). الجوهريّ هنا هو أنّ الإنسان لا ينسلخ عن إنسانيّته، ليبقى صورةً ويغدو شبهًا لله. والله، إذ يبذل ذاته للإنسان، لا يتضاءل، والإنسان لا يغدو أكثر إنسانيّةً عندما يُفصل عن الله. الإنسانيّة تغدو في هذه الحالة، إذا جاز التعبير، ضعفًا ومساومةً مع الخطيئة. في ضوء ذلك، يسعى الآباء إلى تأسيس تلك الفكرة القائلة بأنّ طبيعتنا هي صعود، وليست سقوطًا. طبيعتنا، التي قبلها المسيح، الممجّدة والمحجوبة فيه في آن، تجلس عن يمين الآب، مشاركةً كرامة وعظمة الطبيعة الإلهيّة. تقديسنا هو صعودٌ مستمرّ، تحوّل كينونتنا إلى خليقةٍ جديدة. بدأ هذا التحوّل من الرأس. "بما أنّ الله صار إنسانًا، يمكن للإنسان أن يصير إلهًا. إنّه يرتقي في الصعود الإلهيّ بنفس القدر الذي أخلى فيه الله ذاته من محبّته للبشر، عندما، دون أن يتغيّر، أخذ على عاتقه أسوأ ما في حالنا"، يكتب القدّيس مكسيموس المعترف.
على الرغم من الهوة التي لا تُعبر بين جوهر الخالق وجوهر المخلوق، يبقى الله، بنوعٍ ما، مُتاحًا. لكي نغدو جديرين باسم "شركاء الطبيعة الإلهيّة"، يجب أن يكون في الله شيءٌ يمكننا أن نشارك فيه. بفضل انسكاب الله الأزليّ نحونا – أفعاله الإلهيّة (طاقاته)، كما يسمّيها الآباء، تمييزًا لها عن الجوهر الذي يبقى غير مدرك – تحيا الألوهة حقًّا فينا. النعمة هي نورٌ حقيقيٌّ ينير الكينونة برمتها.
الإنسان يصير الإله الذي يحبّه. الراغب يطوف حول المرغوب، مشاركًا بالفعل في حياته، في كينونته. "هذه المشاركة في الإلهيّات هي الشبه بين المشاركين وما يشاركون فيه"، يؤكّد القدّيس مكسيموس المعترف. الإنسان، في روحه وفي جسده، يتقبّل المجد المقدّس الذي يخترقه كلّيًّا. ولهذا تجاسر القدّيس مكسيموس على إعلان: "إذ غدت الخليقة إلهًا بالتألّه، فإنّها من الآن فصاعدًا لا تحمل في ذاتها ولا تظهر إلّا الطاقة المشتركة بين الله ومختاريه، أو، بالأحرى، من الآن فصاعدًا لا يوجد إلّا إلهٌ واحد، لأنّه، كما يليق بالمحبّة، يلج بكلّ كلّيّته كلّيّة مختاريه". هذه هي ذروة الاتحاد. ولكنّ الاتحاد يُعدّ بجهدٍ لا يكلّ، بسعيٍ صادقٍ نحو النعمة وبجهدٍ لاقتناصها. "ملكوت السماوات يُغصب، والغاصبون يختطفونه" (متى 11: 12). في العالم عاصفة، وفي قلوبنا عاصفة، ولكن لا يدور الحديث عن نقل الصحو إلى غرفنا. ينبغي أن نسكن مع يسوع، وأن نطرح جانبًا هموم المعيشة. ينبغي أن نسلّم قلوبنا ليسوع. رمز هذه الإرادة للتطهير هو دعاء اسم يسوع القدّوس. من خلال التركيز على هذا الاسم، من خلال هذا الواقع ليسوع فينا، نتحرّك نحوه في قلوبنا، وندخل معه في اندفاع محبّةٍ متأجّج.
ومع ذلك، فإنّ عمالقة الحياة الروحيّة نظروا دومًا إلى مآثرهم الروحيّة كإعدادٍ بسيطٍ لقبول عطايا السماء. لذلك قال القدّيس سيرافيم ساروفسكي في مستهلّ القرن التاسع عشر: "الصلاة، الصوم، السهر وكلّ الأعمال المسيحيّة الأخرى، مهما كانت جيّدةً في حدّ ذاتها، إلّا أنّ غاية حياتنا المسيحيّة لا تكمن في القيام بها فحسب، وإن كانت وسائل ضروريّةً لبلوغها. فالغاية الحقيقيّة لحياتنا المسيحيّة تكمن في اقتناء الروح القدس الإلهيّ". هذا يعني أنّه لا توجد تقنيّةٌ للقداسة، ولا حتّى انضباطٌ يهيّئ لها آليًّا. الجهد النسكيّ بحدّ ذاته هو بالفعل ثمرةٌ للنعمة، وهو طوال حياة الناسك لا يكفي لطرد الوساوس الشيطانيّة. الخيال، وأحاديث الناس عن التألّه، تبقى عقباتٍ كؤودًا. الجدّيّة القصوى في إتمام وصايا التطويبات، وضبط البصر، "ختان الحواسّ" كما يقول أوريجانوس، والأصوام القانونيّة، والصلاة الطويلة – كلّ هذا تدعمه عطايا الروح، وهي ذاتها الحجارة التي ينتصب عليها الناسك مترقّبًا هذه العطايا. وفقًا لقاعدة التقليد، "باتحاد برّ الأعمال ونعمة الروح، يفعمان حياةً مغبوطةً للنفس، التي يغدوان فيها متطابقين".
النضال والموهبة (الكاريزما) – عطيّة النعمة – يندمجان في الشخصيّة. لم تعد الطبيعة مشوّهةً بالخطيئة ولا ممسوسةً بالإغواء. إنّها تغدو جميلةً، كفجر يوم الأحد الأخير الذي لن يعرف الغسق. في النسك الداخليّ، المكتسب بالتوبة، يستشعر المسيحيّ كم هو هيّن نير الربّ. القلب، حيث كانت تعشش الأهواء والعبوديّة سابقًا، يضحي المكان الذي يتكشّف فيه الملكوت، حيث يُعاين النور وحيث يكتنز المؤمن الكنوز التي ائتمنه الله عليها. قدرة الكائن على التأمّل، مستودع صورة الله في الإنسان، قلب المؤمن، يحرسه الروح. العقل، الذي يجب أن يبقى باردًا، يسهر لئلا يُعمى القلب بحماسة "شهوات الجسد". الاتزان، وصفاء العقل في الإنسان التائب – هذا تحديدًا ما تحدّث عنه المجاهدون الروحيّون العظام في الشرق: "العقل يهبط إلى القلب" بفعل الروح القدس.
هذا النموذج للقداسة لا يتبدّل حسب أذواق العصور. إنّه غير مرتهنٍ بشكل الحياة. سواء كان الإنسان راهبًا أم علمانيًّا، رجلًا أم امرأة، متزوّجًا أم عازبًا، سواء عاش حياة فلّاحٍ أم عمل في الصناعة، في مجال التقانة العالية، فإنّ قلبه يكابد الإغراءات عينها ويتلقّى القوة عينها من الله. لسنا أمام خيارٍ بين النشاط الاجتماعيّ أو السياسيّ من جهة، وتجلّي الكائن الباطن من جهةٍ أخرى. لدى المسيحيّ دومًا إيمان، قوامه التناغم مع الله ومع الحياة الداخليّة للإنسان ذاته. لا يمكن حسبان أنّ الروح القدس في جانب، والحياة العقليّة أو الاجتماعيّة أو العائليّة في جانبٍ آخر. في جميع أحوال الحياة، يلهمنا شيءٌ واحد – المطلق الإنجيليّ، ففيه الخلاص. لا يوجد سوى ذلك المدّ من المحبّة الذي، انطلاقًا من قلب الثالوث، يضرمنا والعالم، ويحوّلنا باستمرار ويبقينا أمام الربّ. نحن نمثل أمامه بانسحاقٍ لا حدود له، ولكنّه هو نفسه يمنحنا روحه يومًا فيومًا مرارًا وتكرارًا. "صبر القدّيسين" يترقّب الخطأة بالدموع. القدّيسون يخبرون الهاويات، لكنّهم يعلمون أيضًا أنّ الله أقوى من قلوبنا، وأنّ جحيم الإنسان مآله أن يتحوّل إلى نهارٍ مفعمٍ بالنور. القداسة عطيّةٌ فصحيّة، ترنيمة فرح، تُنشد على رجاء قدرة المحبّة الكلّيّة.
الشهادة هي القداسة عينها. الوصايا، المتضمّنة في شريعة الله، هي شهادةٌ تحديدًا لأنّه هو كلّيّ القداسة. حُفظت ألواح الشريعة في تابوت العهد، أو الشهادة (خروج 27: 21)، وسُمّيت خيمة الاجتماع خيمة الشهادة (خروج 38: 21). حمل الأنبياء شهادة الله، حين حاكم شعبه (إرميا 29: 23)، لأنّه شاء أن يحيله إلى مملكة كهنة، التي غدت في العهد الجديد "كهنوتًا ملوكيًّا" (1 بطرس 2: 9). في الآية الخامسة من هذا الإصحاح نفسه، يُنعت الكهنوت بالمقدّس، المفرز "لتقديم ذبائح روحيّة" بقداسة سيرتهم. الرسول بطرس يربط هكذا فكرة الشهادة بتكريس الجماعة لله: "وأمّا أنتم فجنسٌ مختار، كهنوتٌ ملوكيّ، أمّةٌ مقدّسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1 بطرس 2: 9).
إذا كان أنبياء إسرائيل القديم قد دُعوا شهودًا، فذلك لأنّ الكلمة التي حملوها كانت حضور الله عينه. الروح الذي نطق فيهم شهد لنفسه. عندما تخصّص الكنيسة الأرثوذكسيّة عيدًا لذكرى كلّ نبيّ – إشعياء، دانيال – فإنّها تقرّ بذلك بأنّ شخصيّته قد تجلّت عبر الكلمة. بعض اللاهوتيّين يذهبون إلى أنّ جميع الأنبياء قد تألّهوا.
بيد أنّ الشاهد الأمين بامتياز هو يسوع، لأنّه هو نفسه كلمة الله. إنّه ينطق بما يعرف، وبما رآه (يوحنّا 3: 11). إنّه يُعرّف الآب، لأنّه هو نفسه "الكائن في حضن الآب" (يوحنّا 1: 18). هذه هي الحميميّة الكاملة بينه وبين الله، الذي جعله شاهدًا: "كلّ شيءٍ قد دُفع إليّ من أبي. وليس أحدٌ يعرف الابن إلّا الآب. ولا أحدٌ يعرف الآب إلّا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (متى 11: 27). الشهادة هي اتحاد، وهذا مردّه إلى أنّ الشاهد نفسه يحيا في شركةٍ مع الله – شركة محبّة وطاعة. ولهذا أمسى يسوع الشاهد الدائم لله، الذي "كمّله بالآلام" (عبرانيّين 2: 10)، وسيبقى كذلك حتّى انقضاء التاريخ. عندما ظهر يسوع في موته "حمل الله"، صار رئيس كهنة نفوسنا.
لا شهادة أخرى سوى شهادة الصليب. هذا يعلّل لماذا، بعد الصعود، طالب بطرس بكلماتٍ كهذه بأن يحلّ أحدهم محلّ يهوذا الساقط: "فينبغي أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كلّ الزمان الذي فيه دخل إلينا الربّ يسوع وخرج، ابتداءً من معموديّة يوحنّا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنّا، يصير واحدٌ منهم شاهدًا معنا بقيامته" (أعمال الرسل 1: 21-22). المعايشة مع يسوع هي ينبوع الشهادة لظفره. لذلك، يسمّي الشرق المسيحيّ تأمّل يسوع "الحياة الرسوليّة" (bios apostolikos). فقط من عاين المسيح هو "مرسل".
أخيرًا، الشاهد هو شهيد. باليونانيّة، هي اللفظة عينها. من هم للمسيح، سيغلبون التنّين "بدم الحمل وبكلمة شهادتهم" (رؤيا 12: 11). ولأنّ المحبّة تقهر الطبيعة، "المُحبّ والمحبوب اتّحدا في الموت"، كما ترنّم الكنيسة في عيد القدّيس جاورجيوس. ومع ذلك، فإنّ الكنيسة ملزمة بالتعليم والكرازة. الكهنوت ذاته يُعرّف كخدمةٍ للكلمة. والحقّ أنّ كلمة معلّم الإنجيل لن تبلغ القلوب إلّا إذا كان قلبه هو نفسه مجروحًا بالكلمة. فقط لدى القوم الملتهبين تكون الكلمة لهيبًا. التعليم قد ينير الذهن، لكنّه لا يرتقي إلى مجد الله. لا يقدر على ذلك إلّا الأب الروحيّ، أي الإنسان القادر على أن يلد آخر في المسيح. ومثل هذا الإنسان قد لا يكون من سلك الكهنوت.
هذا النمط من الشهادة يصحّ بالقدر ذاته لمجتمعٍ يتّسم بالتعدّديّة الدينيّة أو المجتمع العلمانيّ. القلب الفاتر، البارد، الخائب أو المفعم بالكراهية، سيستجيب رغم ذلك لمن يحبّ بتجرّد. نور الشاهد يغدو إشعاعًا للوحي، إذا عرف معاشرو الإنسان أنّ قوّته تأتيه من المسيح. المحبّة تجعل الإنسان أكثر فطنة. إنّها لا تزهد بهذه الأداة الثقافيّة أو تلك، مثل الدراية العميقة بالأديان الأخرى في مجتمعٍ تعدّديّ. فالحديث يدور عن معرفة الإنسان الآخر في آخريّته، وفهمه وقبوله مع تمايزه. انفتاح القلوب يملي المسلك أو حتّى مضمون الحوار. احترام خصوصيّة الرسالات ضروريّ. ليس على الشاهد بالضرورة أن يخوض في اللاهوت المقارن، ناهيك عن الجدال. إنّه مرهف الحسّ للجمال الروحيّ، ولو صدر عن غير المسيحيّين. إنّه يتقبّله كعطيّةٍ من الروح. هذه الرهافة لا تستقيم إلّا حين يكون المرء متحرّرًا من الخوف، من عقدة الأقليّة، من الشعور بالذات كسجين لغيتو تاريخيّ. أجل، في أيّ بيئةٍ بشريّةٍ لا يسودها اختناقٌ بسبب انعدام الحريّة، يُدعى المسيحيّ إلى الإبداع. وحتّى حين يُكره الشاهد على الصمت، يطفح وجهه بشرًا وسلامًا. قد يقترن انفتاح القلب بانعدام العلم: الشاهد لا يفقه إلّا الكتاب المقدّس والليتورجيا، ومع ذلك يسطع منه النور.
جوهر الشهادة هو التماهي مع الفقير. أن تكون متحرّرًا ممّا تملك؛ ألّا تضطهد أحدًا؛ أن تشارك الجميع حتّى الإفلاس؛ أن ترنو إلى الآخرين كما رنا الربّ – هذه هي الحال الداخليّة المثلى للشهادة بالإنجيل. روح الفقر، والنسك الرهبانيّ، والصلاة والتواضع – هذه فضائل مسيحيّة كان الإسلام، على سبيل المثال، يتلمّسها دومًا. في مجتمعٍ هرميّ، في البلدان النامية، الشهادة كما رسمناها، لا تختلف في جوهرها عن الشهادة في العالم العلمانيّ. التحفّظ، والشكليّة الدينيّة، والأصوليّة تفضح الغياب ذاته للإله الحيّ، كما يفضحه المجتمع الملحد تمامًا.
المجتمع التقليديّ والمجتمع العلمانيّ، ربّما يؤمنان بأساطير متباينة. لكنّ العصبة التي تزعم أنّها تسترشد بالله، تستند في الواقع إلى مفهومٍ وثنيٍّ عن إلهٍ منتقم، يُبقي الإنسان في حالة هوان أو يجمّده في ذهنيّة عشيرة – عشيرة يسوسها الله. قد تسعى عصبةٌ ما أيضًا، في تطلّبها للتقنيّة التي تعوزها، إلى التورّط في أسطرة التقنيّة وفي العلمويّة، وهي أكثر بدائيّةً إلى حدٍّ ما من الوضعيّة الجديدة المعاصرة. تاريخ المجتمعات لا يحمل أيّ رسالة، ودين الإعلام يبثّ في كلّ صقع الثرثرة والفراغ المحض، وكلاهما ينتمي إلى الموت. إذا خشينا أيضًا من كارثةٍ بيئيّة، أو كارثةٍ نوويّة، وشهدنا تداعي إمبراطوريّاتٍ أو دولٍ صغيرة، لا مصلحة لأحدٍ في الذود عنها، قد نتردّى في حالةٍ من القلق المقيم. وعيٌ كهذا مستعدٌّ لتأليه عقله الخاصّ، أو الإيمان بالتقمّص، أو الشروع في قمع رهبة الموت بالمخدّرات والجنس.
بالطبع، ينبغي تطوير الكثير: دفاعيّاتٌ جديدة (apologetics)، مقدّمات إيمانٍ جديدة (prolegomena)، موصولةٌ بالعلوم الحديثة. بعد الإقرار بنظريّة "الانفجار العظيم"، لا يسوغ الاستمرار في جرّ فلسفةٍ مبنيّةٍ على معارف بادَت. لا مراء أنّه يجب نحت لغةٍ جديدة؛ يجب إعادة فتح الحديث عن كيفيّة فهم الإيمان. ينبغي أيضًا صون الثقافة الأصيلة بكنوزها من الوجدان والعقل؛ يجب الذود عن الحريّة أو النضال من أجلها حيثما وُئدت، لأنّ الحريّة هي المناخ الأمثل للنموّ السويّ للإنسان ولقبول الإيمان، غير المؤسّس على السذاجة أو الأحكام المسبقة أو الخوف من الله. المجتمع العلمانيّ، الذي لا يدعو الله، لا ينبغي أن يرهبنا. من زاويةٍ معيّنة، هو أكثر عافيةً من العالم الوثنيّ، الذي يعبد آلهةً كاذبة. "ليغدُ المسيحيّون، بعد أن نبذوا السلطة والعنف، خدّامًا فقراء ومسالمين للإله المصلوب، الذي يثبّت حريّة الشخص. ليجاهدوا في العالم إلى جانب أولئك الباحثين عن معنى هذا العالم. ليكفلوا إيمان الآخرين. ليكفلوا أيضًا أولئك الذين لا إيمان لهم، ولكنّهم يبدعون، ولو بتواضعٍ جمّ، الجمال والخير" [3].
إنّ سيرة قدّيس مثل سيرافيم ساروفسكي ساطعةٌ للغاية. هذا الرجل الإلهيّ، الذي تنبّأ بالمحن المحدقة بروسيا، واجه صروف دهره، وهي، ربّما، لم تكن تختلف كثيرًا عن تلك التي تجابهنا اليوم. الحلّ الذي انتقاه لم يكن الانغماس في الحياة الدنيويّة للعالم، في نشاطٍ محمومٍ من أجل خلاصه. لقد وطئ ببساطة الطريق الملوكيّ لبذل الذات الكلّيّ للربّ، حسب قول الكتاب: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28). ببساطة قلبه سار إلى يسوع. لم يُشرع لنا سبيلٌ آخر، لا خلاص خارج المسيح. أحد إغراءات العصر الذي نحيا فيه هو الزعم والتفكير بأنّ الخلاص في الإنسان ومن الإنسان. الفنّ، الفكر، السياسة تعرض علينا سلسلةً كاملةً من بدائل الخلاص. ولكن شهادتنا اليوم، كشهادة القدّيس سيرافيم، هي أن نقول ونظهر في حياةٍ متجلّية أنّ الخلاص ينحدر من الله ويحلّ في الإنسان الذي يتقبّله بانسحاق. ونحن، الذين تشدّدنا بهذه القناعة الراسخة، لا يبقى لنا إلّا أن نخطب أنفسنا ليسوع المسيح من أجل تجلّي الكينونة. وبهذا المسرى نحو ملكوت الله، سنحقّق في التاريخ شهادتنا بأقوالنا وأفعالنا. سنفلح في تحويل بعض هياكل المجتمع أيضًا، وهذا هامٌّ كذلك. ولكن ما لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أبدًا هو: من لم يقتت بخبز الحياة ولم يرتوِ بماء الحياة، فإنّه يهيّج العالم فحسب، ولكنّه لا يقدر على تغييره بعمق، لأنّ روح الله وحده هو الذي يغيّر العالم حقًّا. الرسالة التي نقلها القدّيس سيرافيم إلى سحابة الشهود، التي نحن في عدادها، تكمن في خوض هذا الصراع المميت من أجل القداسة، وفي الإيمان الوطيد بمخلّصنا الأوحد المسيح يسوع. إنّها تكمن في أننا مفتقرون إلى الخلاص، وهذا يعني إدراك عدمنا وقدرة الله الكلّيّة المحوِّلة. الحديث يدور عن استشعارنا في خبرتنا الروحيّة بأنّ كلّ شيءٍ قد وُهب لنا. بمقدار ما نعي عطيّة النعمة هذه التي تغيّرنا، وبقدر ما تمّ هذا التحوّل الداخليّ، بمقدار ما تغيّر العالم. الله يكشف عن نفسه في الجمال الإلهيّ للكينونة، لجميع الكائنات. من يحوّله الربّ إلى حدّ أن يغدو وجهه أيقونةً للمسيح، هو الشاهد الأمين. القدّيسون وحدهم يحقّقون وحدة الكنيسة، هم وحدهم يشهدون لوحدة الله والعالم. لن يدرك الإنسان الحقّ بالعقل أبدًا، إن لم يطهّر الله قلبه. من سربله الله بالنور، هو حامل الشهادة، وهو ذاته فحواها.
نور العالم
زعم فيزيائيٌّ رومانيٌّ مؤخّرًا أنّه في الطور الأخير من تطوّر الكون، لن يبقى سوى النور، لأنّ البروتونات – وهي جسيماتٌ أوليّةٌ موجبة الشحنة – هي الشيء الوحيد الذي سينجو من المادّة. ولكن، ريثما تتحوّل المادّة إلى نور، يمكن للإنسان نفسه أن يغدو نورًا وأن يعمل بمقتضى قول المخلّص: "أنتم نور العالم" (متى 5: 14). يتحقّق هذا بالاقتداء بالمسيح، الذي قال عن نفسه: "أنا نور العالم" (يوحنّا 8: 12). هذا يعني أننا مدعوّون أيضًا لنصير نورًا، مثل الله، منعتقين من كلّ الظروف التي نحيا فيها، من قيود العالم والمكان والزمان. كأننا لم نُجبل من لحمٍ ودم، كأننا وُلدنا بالنعمة من الله وصرنا أحرارًا من كلّ تغييرٍ وفساد. إنّ رجاء بلوغ مثل هذه الحال هو استهلالٌ لاختبارها بالفعل. يبدأ الأمر بالإيمان. الإيمان يلد المحبّة. المحبّة تحثّ على الأعمال الصالحة، التي بدورها تتيح لنا الارتقاء إلى رؤية الله. رؤية الله تتحقّق على مستوى القلب. لذلك قيل إنّ أنقياء القلوب سيعاينون الله (متى 5: 8). لن يحدث هذا فقط في الدهر الآتي، في الملكوت، بل بالفعل في الزمن الحاضر. إذا اتّخذت محبّة الله منزلًا فيك، إذا أدركت أنّك محبوبٌ من الله، فستتحرّر من كلّ شيء، كما كتب عن ذلك الرسول بولس: "فأقول هذا أيّها الإخوة: الوقت منذ الآن مقصّر، لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم، والذين يبكون كأنّهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنّهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنّهم لا يملكون، والذين يستعملون هذا العالم كأنّهم لا يستعملونه. لأنّ هيئة هذا العالم تزول" (1 كورنثوس 7: 29-31).
أولئك الذين يسلكون هكذا لا يهجرون هذا العالم، لكنّهم ليسوا من العالم، لأنّهم يحيون منذ الآن في الملكوت الذي يسود قلوبهم. إنّهم لا يحيون بعد على صورة هذا العالم، لأنّهم قبلوا صورة المسيح. يسعهم أن يتزوّجوا إن شاؤوا، أو ألّا يتزوّجوا، لأنّهم تخطّوا العلاقات الزوجيّة. يأكلون ويشربون، لكنّهم أحرارٌ من مطالب الجوف. يتعاطون المال، لكنّهم يبقون فقراء في سعيهم إلى الله. يصادقون الفنّ والفكر، ليغمسوهما في عقل الله وجماله الإلهيّ. أولئك منهم الذين يسوسون الدول، يكونون خدّامًا للناس؛ همّهم هو أن يتقبّلوا كلّيًّا المسؤوليّة الملقاة على عاتقهم. وكذلك أولئك الذين يخدمون الناس في الكنيسة، يعنون بضمان خير هؤلاء الناس. وهكذا، بعكسهم للنور الذي فيهم، يحيونه بحرارة أولئك الذين يقبلون إليهم.
سيعترض البعض بأنّ وصفنا لما يُدعى إليه الناس الذين يأخذون دعوة الله إلى التقديس مأخذ الجدّ، هو مثاليٌّ للغاية، وأنّه يفتقر إلى الواقعيّة، لأنّ العالم ليس كذلك. جوابنا بسيط: في الواقع، لا يوجد سوى سبيلين ممكنين – إمّا ترك العالم لأولئك المستعدّين للمتاجرة بالحقيقة، ممّا سيؤدّي به إلى الهلاك، أو قيادة العالم إلى ما وراء حدوده الخاصّة ومنحه بذلك فرصةً للخلاص. سيقولون لنا أيضًا: "أنتم تنسون أننا نحيا في عالمٍ شرير، كاذب، وضيع، ماكر، شهوانيٍّ ومتقلّب". سنجيب بأننا نعلم كلّ هذا، لكنّنا نتوخّى رؤية نضوج عالمٍ جديد. نتوخّى أن يصير الناس خليقةً جديدة. سنضيف أنّ للعالم منطقه الخاصّ، ولأولئك الذين يسعون إلى الملكوت منطقهم الخاصّ. إنّهم يدركون أنّ العالم سيضطهدهم ويسبّب لهم كلّ صنوف الأحزان. لكنّهم يعلمون أيضًا أنّ "الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزي، لأنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رومية 5: 3-5). ببساطة، لا حياة بدون جهد. وبما أنّ كلّ جهدٍ هو صلب، فإنّ أولئك الذين يرتضون الصعود إلى الصليب قد اختاروا نصيبهم: أن يقوموا في هذا العالم.
المنطق الإلهيّ بسيطٌ أيضًا. إنّه يتطلّب منا الشهادة. والشهادة قوامها رؤية الله هنا والآن وأن نغدو شهودًا على ذلك. إذا كنت ترى العالم فحسب، فإنّك تخاطر بأن تُعمى به؛ وستُفسد معايير حكمك جرّاء ذلك. سيجذبك العالم أعمق فأعمق، وفي النهاية سيبتلعك. على النقيض، إذا كان بصرك كلّ لحظةٍ شاخصًا إلى الله، فسيكون دومًا عن يمينك، لكي لا تتزعزع (أعمال الرسل 2: 25). القوة التي يمنحك إيّاها هذا النظر المستمرّ إلى الله ستعينك على أن تنظر بنفس النظرة إلى نفسك وإلى الآخرين. هذه القوة ستمنحك القدرة على الفعل، دون أن تدير ظهرك لما عاينت. وبوساطتك، سيغدو العالم حينئذ كنيسة، أي فضاءً للمسيح. لا شيء ممّا هو موجودٌ في العالم – بيوت، تجارة، علم، تكنولوجيا – سيضيع. الله يشاء ألّا يضيع شيء، ولكنّه يشاء أيضًا أن تتبدّل النوايا التي تُستخدم بها كلّ هذه الأشياء، وأن تسمو الطهارة فوق كلّ استخدام. لن يتبدّل شيء في الخليقة، الطبيعة، المادّة، الروح، ولكنّ الخليقة ستغدو خليقةً إلهيّة، ونفس الشيء سيحدث للطبيعة والمادّة والروح. عندما يتشبّه الإنسان بالله هكذا، فإنّ القوة الإلهيّة، الحاضرة فيه، قادرةٌ على التجدّر في أعمق أعماق التاريخ. مظهر العالم، بالطبع، سيبقى كما هو، ولكنّ نظامه وروحه سيتبدّلان. باستيعاب مقاصد الله، سيتكيّف العالم أيضًا مع طرائق الله في العمل.
في النهاية، ستضطرّ إلى الإقرار بأنّه لا يسعك تغيير مجرى الأمور. ستدرك أنّ الحروب والخطيئة تواصل تحقيق الظفر. الواقعيّة ستقودك إلى القبول بأنّ العالم كان دومًا هكذا وأنّه لن يتغيّر شيء. ولكنّ الواقعيّة لا ينبغي أن تقتل الرجاء، أو بعبارةٍ أخرى، أن تشلّ الجهد. لا يقول الكتاب المقدّس في أيّ موضعٍ إنّ الله في المجيء الثاني سيجد العالم أفضل. ولكنّ هذا لا ينبغي بأيِّ حالٍ من الأحوال أن يثنيك عن العمل الذي أنت مسؤولٌ عنه: محاولة تحسين العالم، بمعونة الحقيقة التي فيك، وقيادة الإخوة إلى ولادةٍ جديدة. العالم التاريخيّ يحيا في سجلّاتٍ شتّى، والنور فيه يجاور الظلام. إذن، يتحتّم عليك أن تشقّ الظلام باستمرار وتنشر النور حولك.
سيتحتّم عليك أيضًا أن تقرّ بأنّ الشرّ يستفحل. ربّما سيتراءى لك أنّ هذا هو ما يحدث في أيّامنا هذه. يجب أن تذكر دائمًا أنّ "قليلين هم المختارون" (متى 22: 14). ولكن لا تدع هذا يكربك. عملك هو أن تواصل دعوة الإخوة إلى الوليمة. سيكون دومًا بينهم من يصغي لدعوتك. واجبك هو أن تدعو الجميع، لأنّك أنت نفسك قد دُعيت لإنقاذ العالم. أولئك الذين لا يصغون إليك قد يهلكون، لكنّهم هم من يختارون مصيرهم. أنت زارعٌ، ولست حاصدًا. الله سيجمع الحصاد في اليوم الأخير. وفي غضون ذلك، دون أن يكشف لك "سرّ الخطيئة"، يدعوك اليوم وغدًا باسمه لاستئصال الخطيئة. سيتحقّق هذا هنا أو هناك، عندما لا تتوقّع ذلك أبدًا.
الأهمّ هو أن تصون نفسك من الشرّ. لأنّك مسؤولٌ عن خلاص نفسك. إذن، ستتطهّر كلّ يومٍ بامتناع الإنسان الذي لا يرضى بأيّ قذارةٍ ويأبى أيّ مساومة. لا تنسَ، مع ذلك، أنّ من أفلح في وقاية نفسه من أدران العالم، يجب أن يقي الآخرين منها أيضًا. الله سيكافئك على كلّ شعاعٍ نقلته.
إذن، يجب أن تذكر دومًا أنّ عبارة "خلاص نفسك" لا تعني تكديس الفضائل لمنفعتك الخاصّة، وهو ما لن يكون له أيّ معنى، على أيّة حال، لأنّه من الجليّ أنّ من يخلّص نفسه، يخلّص بالضرورة نفوس من حوله أيضًا. بل على العكس، تعني هذه العبارة أنّك لا تستطيع تطهير الآخرين إذا لم تطهّر نفسك أولًا. هذا بالضبط ما نروم قوله عندما نضع تحرير كياننا من براثن الظلام، التي تلوّثنا كلّ لحظة، في المقام الأوّل. بمعاينتهم لحرّيّتك الداخليّة، سيُحَثّ الآخرون أيضًا على التحرّر الذاتيّ.
بما أنّ كلّ شيءٍ ينبع من داخل الإنسان، فلا تتوهّم أنّك قادرٌ على تطهير الروح بأعمال تلوح لك صالحة: فالأعمال لا يمكن أن تكون صالحةً إلّا عندما تصدر من روحٍ طاهرةٍ وصالحة. أنت أهمّ من أعمالك. قد يتوجّب عليك تأسيس مؤسّساتٍ ضخمة، ولكن إذا لم يتمّ ذلك من قلبٍ محبّ، فلن تجدي نفعًا. يسعك أن توجّه نفسك بجهدٍ إراديّ، ولكن إذا افتقرت إلى المحبّة، فسيكون كلّ هذا مجرّد اصطلاح. كلّ منظّمةٍ دنيويّة، إذا كانت محدودةً بالروح الدنيويّ، ستهلك مع العالم. الناس بحاجة إلى أن يُحبّوا، حتّى لو عاشوا في قلب الصحراء. جزءٌ من كنيستنا كان في وقتٍ ما بدويًّا. هذه الكنيسة الحيّة كانت تُسمّى في الأردن "كنيسة الخيام"، وكان أساقفتها وكلّ رعيّتهم من البدو. عرفت كنيستنا أيضًا إنجازاتٍ مرموقةً عالميًّا، ومؤسّساتٍ مزدهرة، لكنّها تبيّن أنّها غريبةٌ عن الروح. المهمّ هو امتلاك معايير التمييز بين الخير والشرّ، الدائم والزائل، الوجود الحقّ وتنظيم الوجود. الحقّ لا يُرى دومًا من خلال التنظيم. عندما تساهم في إنشاء المؤسّسات، الأهمّ هو وضع المحبّة في الصدارة، ومعرفة الغاية النهائيّة، التي لا تكون أبدًا وسيلة. أنا لا أقول إننا لسنا بحاجةٍ إلى أدواتٍ ووسائل، بل ألفت الانتباه فقط إلى حقيقة أنّ تكديسها بكمّياتٍ وفيرة لا يكون دومًا ملهمًا بالروح. حيثما يشاء الروح أن يهب، يجد وسائله الخاصّة للتعبير، وهذه الوسائل لا تنحصر في مجال العقل. إذا لم يزر العقل القلب ليستنير فيه ويعرف حدوده الخاصّة ووهنه الخاصّ، فسيغدو أكثر جفافًا وسيجد الرضا في تكديس الأشياء. والقلب وحده هو الذي يربط كلّ الأشياء.
ما قيمة الجنديّ المدرّب جيّدًا دون حبّ للوطن؟ ما قيمة الكاهن الذي لا تضطرم فيه نار الله؟ ما قيمة الكنيسة دون الكلمة؟ ما قيمة العالم كلّه إذا حُرم من عطايا السماء؟ كيف يمكن أن تغدو وريثًا لملكوت الله إذا لم تظهر في حياتك، في ممارسة فضائل فقر الروح، والوداعة، والرحمة والسلام، التي ذكرها يسوع في وصايا التطويبات، تلك "الشرعة" الحقّة للملكوت، التي يمكن اختزال الإنجيل كلّه إليها؟ ما قيمة المسيحيّ إذا لم يكن "نور العالم" و "ملح الأرض"؟ "وإن فسد الملح" – قال المعلّم – "فبماذا يُملّح؟" (متى 5: 13). ليس من قبيل الصدفة، على الأرجح، أن تكون أولى الكلمات التي نطق بها الربّ بعد التطويبات في عظة الجبل هي: "أنتم ملح الأرض" (متى 5: 13). ما هي النتائج العمليّة لهذه الدعوة لنكون ملح الأرض قاطبةً؟ الملح يهب الطعام نكهةً أو يحسّن مذاقه. أولئك الذين يحظر عليهم الأطبّاء الملح يدركون هذا جيّدًا: بالنسبة لهم الطعام لا طعم له. فضلًا عن ذلك، الملح يحفظ الطعام. يتحدّث العهد القديم عن "عهد ملح" (عدد 18: 19). في هذا العهد، جعل الله داود ونسله ملوكًا (2 أخبار الأيام 13: 5). إذا ربطنا هذه الكلمة من العهد القديم بفكرة إنجيل متى، فإنّ فحوى الآية: "أنتم ملح الأرض"، سيكون كالتالي: "كلّما ازدادت ملوحتكم، أضحيتُم أنتم أنفسكم عهدًا بين الله والناس. بقدر ما أنتم فقراء بالروح، ودعاء، رحماء، صانعو سلام، بقدر ما تغدون أنتم أنفسكم هذا العهد". اللقاء بين الله وأهل الله يتمّ عبر أولئك الذين فقهوا أنّهم في وسط العالم مواطنو الملكوت. إنّهم يصونون العالم ويسبغون عليه نكهة. العالم ليس امتدادًا وكثرة، العالم هو قلّةٌ من الأنقياء. العالم يستمدّ منهم ما يمكن أن يستخلصه، ولكنّ أولئك الذين اتّخذ الله فيهم منزلًا، يملكون كلّ شيءٍ بالفعل.
فاه يسوع بهذه الكلمات بعد أن اصطفى أربعةً من تلاميذه. اثنان تركا شباكهما ليتبعاه، واثنان آخران تركا أباهما. رافقهم جمعٌ غفيرٌ من الناس، لأنّ هؤلاء الناس أحبّوا يسوع وتاقوا أن يسمعوا كيف يعلن الملكوت. ولكن ما هذا الملكوت؟ ماذا سيكون فيه؟ ما هي الفضائل التي ينبغي اقتناؤها للمضيّ إليه؟ ردًّا على هذه الأسئلة، كموسى الذي أعطى شعبه الشريعة، المسطورة على جبل سيناء، قاد يسوع، بصفته موسى الجديد، الناس إلى جبلٍ في الجليل ليعطيهم شريعةً جديدة. "فتح يسوع فاه": الشريعة الجديدة هي هو نفسه. أعتقد أنّ الجبل المقصود هو جبل طابور، حيث سيتجلّى لاحقًا، إذ لا يوجد جبلٌ آخر في تلك البقعة. يبدو أنّ متى يريد أن يوحي بأنّه لا يمكن التجلّي إلى إنسانٍ جديد إلّا عندما يحيا المرء وفقًا لهذا العهد الجديد. بعد أن أتمّ العظة، ينزل الربّ من الجبل ويجترح عشر معجزات. إنّه يرشد أصحابه بالكلمة وبالمحبّة: الكلمة والمحبّة كلتاهما تفضيان إلى الشفاء. ثمّ يصطفي اثني عشر رسولًا ويرسلهم، ممتلئين بقوّته، بدورهم، ليرشدوا ويشفوا. إنّه يجعلهم ملح الأرض.
عبارة "ملح الأرض" تقدح في الذهن أمرين على الفور. من ناحية، رسل يسوع يحيون فيه، ومن ناحيةٍ أخرى – يرسلهم ليس لينكمشوا على أنفسهم ويتلذّذوا بجسارتهم، وليس ليخلقوا "وسطًا" مسيحيًّا، بل ليكونوا مع الآخرين ويخدموهم. بالطبع، جميع الرسل موحّدون روحيًّا، ولكنّ هذا الروح ينبغي أن يعمّ الأرض قاطبة. إنّهم في كلّ مكانٍ في العالم، لكنّهم لا يحتكرون العالم. هم كالملح: يهب الطعام نكهة، لكنّه لا يُرى، هو ليس كلّ الطعام. تلاميذ يسوع ليسوا خاضعين للعالم، لأنّهم ليسوا من العالم. لكنّهم يسعون إلى أن يتشرّب العالم بروحهم، ويدعونه إلى الاعتراف بربّهم. أن يؤلّف المسيحيّون جماعةً – هذا طبيعيّ، لأنّ الربّ قد وحّدهم معه، جاعلًا إيّاهم شركاء في جسده ودمه. إنّهم يتّحدون به في محبّته لهم وفي طاعتهم لإرادته. كلماته تصوغهم، لأنّهم يتقبّلون هذه الكلمات ليحيوا بها ويتحوّلوا هم أنفسهم إلى كلمات الربّ. هكذا يغدون حضوره في العالم، وهو يعمل من خلالهم. إنّهم يحيون باستمرار مع المعلّم على جبل طابور، لأنّهم لا شيء إن لم يتجلّوا فيه. بتجلّيه تحديدًا يجابهون الظلام، ويتحرّرون من قمع العالم ومن شباكه، كأنّهم لم يألفوها أبدًا. إنّهم يألفونها، ولكنّ بساطة المسيح تتيح لهم أن يفعموا جميع الناس نورًا. وفي هذا تكمن الحكمة. إنّهم لا يستلذّون بأيِّ شخصٍ أو أيِّ شيءٍ سوى حريّتهم. إنّهم لا يسترشدون بأخلاق برجوازيّة، أو بأيِّ قوانين أو أعرافٍ لفئةٍ اجتماعيّة. إنّهم لا يصمون الناس بتسميات، لأنّهم يعلمون أنّ البارّ قد يرتدّ، والشرير قد ينصلح. ودون إدانة أحد، يدركون أنّ العشّارين والزناة يسبقون إلى ملكوت السماوات كثيرين ممّن يحسبون أنفسهم أنقياء.
أصحاب يسوع يشفون الناس بوداعتهم. العالم يضجّ بالقسوة، لأنّ الناس فيه يهابون بعضهم بعضًا. إنّهم يخشون أن يلحق بهم الآخرون الأذى. أولئك الذين ينتمون إلى المسيح لا يخشون الجراح، لأنّهم مجروحون بالفعل بالمحبّة، والمحبّة لا يقوى أحدٌ على قهرها. إنّهم لا يخشون أولي السلطة، لأنّهم هم أنفسهم لا يتوقون إلى السلطة. إذا ظنّ الحاكم أنّ السلطة ستمنحه الاستقرار، فذلك لأنّه لا يدرك مدى تضعضع عرشه. الأنقياء ليس لهم ملاذٌ في هذا العالم، ولكن لا أحد يستطيع أن يلحق بهم الضيم. إنّهم يقيمون في قلب الله، حيث قُبلوا بلطفٍ لا نهائيّ. عظمتهم تكمن في العطاء، دون حساب، دون ترقّب أيِّ عوض. إنّهم يعتقون الأشياء من قبحها، ولا شيء يمكن أن يشوّههم هم أنفسهم. ولهذا، عندما يقول المسيح: "وإن فسد الملح فبماذا يُملّح؟"، فإنّه لا يخفي خشيته على عدم ثباتنا. لأنّه إذا حدث ذلك، فكيف لا يهوي العالم؟ بماذا يُصان؟
المأساة الحقيقيّة للمسيحيّين هي أنّهم ما عادوا يعرفون سرّ دعوتهم. إنّهم مشدودون إلى العالم. إنّهم يخشون أن يغدوا قطيعًا صغيرًا، بينما الإحصاءات تظهر وتتنبّأ بتناقص عددهم. من المحتمل أنّهم يجهلون أنّه ليس من الضروريِّ على الإطلاق أن تكون فعّاليّة المسيحيّة أعظم حين يكون المسيحيّون كثرًا، لأنّ الجموع لا تعني شيئًا إن لم تكن يقظةً روحيًّا. لقد نسوا أنّ اثني عشر منهم، بلا سلاحٍ وبلا فصاحةٍ خاصّة، أقنعوا العالم. لقد نسوا أيضًا أنّه خلال القرون الثلاثة الأولى من تاريخهم، تزايد عدد المسيحيّين لأنّ شهادتهم كانت ممهورةً بالاستشهاد. موت الشهداء وإشعاعهم الروحيّ لحموا الكنيسة آنذاك. لقد تاه المسيحيّون الآن عن الدرب، ظانّين أنّهم سيجدون القوة حيث لم تكن قطّ. في الواقع، هم حتّى الآن غير مقتنعين بأنّ المسيح قد قلب جميع المعايير عندما قلب طاولات الصيارفة في الهيكل. الكمّ، المال، النفوذ وكلّ ما يتبع ذلك، لا شيء يمكنها فعله إزاء قوّة الودعاء والمتواضعين. عندما يكتفي أولئك الذين يستشهدون بالمسيح بالفضائل البرجوازيّة، يغدون هم أنفسهم طعامًا يحتاج إلى تمليح، لأنّهم هم أنفسهم لا شيء مطلقًا دون حقيقة الله، المتدفّقة عليهم في إشراق المحبّة. إذا سعوا إلى التشبّه بتلك الشعوب التي تتباهى بسطوتها وحسنها الظاهر، فسيغدون عمّا قريب أسوأ من أولئك، لأنّ أولئك على الأقلّ يحافظون على بعض اللياقة ويسترشدون بالعقل إلى حدٍّ ما. يمكن تناول أيِّ طعامٍ إذا اعتاد المرء عليه. لكنّ الملح الذي كفّ عن كونه مالحًا، فقد كلّ معنى لوجوده. يُطرح خارجًا ليدوسه الناس (متى 5: 13).
من الأوهام الكبرى الاعتقاد بأنّه إذا تظاهرت فحسب، يمكنك أن تكون، وأنّه بذلك يمكن التأثير في الناس. الناس لا يثقون بك حين يحسبونك قويًّا، بل حين يمكنهم لمس عظمتك بأصابعهم. الشعوب ترى في مظهر القوة وسيلةً للتعبير. إذا تباهوا بملوكهم، وقصورهم، وخيولهم، وجنودهم، فليس ذلك لأنّهم يجهلون تفاهة كلّ هذا، بل لأنّهم يسعون للتعبير عن قوّتهم، المزعومة، عبر الرموز. الأمر مختلفٌ تمامًا بالنسبة للمسيحيّين. ليس لديهم أيّ شيءٍ مزعوم: العظمة الحقيقيّة لا يمكن حجبها، ولا يمكن التعبير عنها بوسائل مصطنعة. الناس إمّا يعيشونها، أو هم غرباء عنها. إمّا أن تكون فقيرًا بالروح، وديعًا، رحيمًا ونقيّ القلب، أو لا تكون. يسعك محاولة خداع نفسك والآخرين. لكنّ الحقيقة لا يمكنك حجبها عن نفسك، ولا يمكنك حجبها عن الله، ولا عن الآخرين. المظهر الخارجيّ يضفي قيمةً على ما لا قيمة له. من يهتمّ به بشكلٍ مفرط، يخدع نفسه، ولا يمنح الآخرين إلّا فتاتًا من نفسه. لكنّ هذا لن يخدع أحدًا. نبذ الكذب والانفتاح يكلّفان غاليًا، ولكنّ هذا هو ثمن بلوغ الخلاص. من لا يزرع المسيح بكلّ حقيقته، لن يحصد إلّا الريح. إذا لم تحاول أن تحيا بكلّ صرامةٍ عظة الجبل، فليس فيك المسيح. لا تحتاج إلى إقناع أحدٍ بأنّك ملح الأرض. الأرض ستقبل رائحتك وطعمك، حين تنشرك محبّتك على دروب العالم كافّة. حينئذٍ ستنشد البشريّة تسبحةً لسكّان السماء. النور وحده، إذا حلّ فيك نارًا وأضحى حياتك ذاتها، يمكنه أن يقيم الناس من بين الأموات ويعلن بيقين ظفر القيامة الإلهيّ.
سرّ الجامعيّة (السويّة/Sobornost)
يُروى أنّ الإنجيليّ يوحنّا، وقد طعن في السنّ، لم يكفّ عن أن يردّد على مسامع المؤمنين: "أحبّوا بعضكم بعضًا" (1 يوحنّا 3: 11؛ 4: 7، 11). ولأولئك الذين سألوه إن كان لا يعرف شيئًا آخر سوى هذه الكلمات التي ملّوها، أجاب يوحنّا: "لم أتعلّم شيئًا آخر على صدر المعلّم". إذا شئنا أن نغوص في كلمات وتعاليم يسوع الناصريّ، لاكتشفنا أنّ كلّ ما علّمه يختزل في هذه الدعوة إلى المحبّة. إذا نسينا هذه المحبّة التي دعانا إليها الناصريّ، فقد كلّ شيءٍ في المسيحيّة معناه وحرارته وقوّته. كلّ العقائد، التقوى، القداسة، المؤسّسات الكنسيّة، العلاقات بين المؤمنين. بدون هذه المحبّة، لكانت المسيحيّة، ربّما، فلسفةً أو، كما يشاع بشكلٍ متزايد، دينًا صالحًا لتلك الحفنة من الناس التي تفقه لاهوتها. لطالما أثار هذا الزعم استيائي – فإحدى عمّاتي، وهي امرأةٌ أمّيّة، بحساسيّتها وطهارتها وفهمها، بلغت في معرفة المسيح قممًا لا أزال عاجزًا عن بلوغها. وكثيرون آخرون من الأمّيّين، الذين ماتوا من أجل المسيح في روما، وفي أرجاء الإمبراطوريّة كافّة، لم يتلقّوا التعليم الذي يتيح لهم الدنوّ من قمم المعرفة. نحن في ديارنا عشنا في المسيح مئات السنين دون مدارس لاهوتيّة، دون حلقاتٍ دراسيّة للكتاب المقدّس، دون وعظ. ومع ذلك، فإنّ بعض الآيات الإنجيليّة منقوشةٌ في حنايانا، وليتورجيتنا تلبسنا النور. كلّ هذا أنارنا، ونقلنا إيماننا إلى أطفالنا في نقاء الأفعال. فالمسيحيّة ليست دين المتعلّمين: فهؤلاء طريقهم إلى الجليليّ غالبًا ما يكون مكتظًّا بالحواجز التي لا تزحزح. النخبة المسيحيّة الحقّة مختلفةٌ تمامًا، إنّها نخبة القلوب الجريحة بالحبّ، وفهمهم ليس دومًا في متناول أهل الكتب.
أنا أدرك ضرورة التعلّم وحتّى تحصيل تعليمٍ عالٍ متخصّص. ولكنّي أعلم أيضًا أنّ التعليم لا يفعل سوى ترجمة ما يعتمل في النفوس المتواضعة، حين لا يسكن فيها إلّا الله وحده، إلى لغة العقل أو الفنّ أو العبادة. لننظر، على سبيل المثال، إلى عقيدة الثالوث الأقدس. لقد عبّرنا عنها بلسان الفلسفة اليونانيّة، التي استعرنا منها بعض المصطلحات والمقولات، وجعلناها متناغمةً مع الإنجيل. هجمات الخصوم اضطرّتنا إلى استخدام تعابير الثقافة السائدة آنذاك. وسعينا للحفاظ على هذه القوالب الفكريّة بقدر ما يمكن أن تكون نافعةً في أيّامنا هذه. ولكن غالبًا ما يكون التقليد طبقةً سطحيّةً على وجه الأرض، والمهمّ هو معرفة ما راموا قوله حقًّا في ذلك الحين. سيما وأننا أكّدنا دومًا أنّنا لسنا مكبّلين بالعقل، أو بالأحرى، مدعوّون لتجاوز تخومه، لأنّ الله ليس مشروطًا به.
ما هي تلك الحقيقة التي تتجاوز حدود العقل؟ هذه الحقيقة تكمن في الأقانيم الثلاثة. كنّا موقنين بأنّنا، بقولنا هذا، نتّبع الإنجيل بأمانة. هل نحن ملتزمون الآن بهذا التعبير فحسب أم بما يجهد لنقله، بمعناه العميق؟ لنفترض أنّه في بيئةٍ معيّنةٍ لم يعد هذا التعبير يمرّ، لم يعد ينقل الرسالة. ماذا نصنع حينئذ؟ هل نكره هذا الشعب على دراسة أرسطو لبلوغ المسيح؟ أم نقترح عليهم الاطّلاع على الفلسفة الحديثة ليتعلّموا عبادة الله؟ لقد رمنا أن نقول إنّ الآب والابن والروح لا يخضعون للعدّ. فهذا من شأنه أن يحدّهم، إذ العدّ فعلٌ عقليّ. أمّا الثالوث فهو شيءٌ آخر تمامًا، ليس من طبيعةٍ عدديّة. الله ليس واحدًا، بل هو وحيد. هذه الوحدة هي وحدة المحبّة الأزليّة في الله بين الآب وابنه وروحه. نحن لا نتحدّث عن الآب والابن والروح إلّا لأنّ هذا ما تكشّف لنا في العهد الجديد. أحاول أن أعبّر عن فكرة أنّنا، حين نتحدّث عن الثالوث، نريد ببساطةٍ أن نقول إنّ الله محبّة.
حين نتحدّث عن الأسرار المقدّسة، عن الليتورجيا الإلهيّة، ونؤكّد أنّه في الخبز والخمر يتجلّى لنا جسد المسيح ودمه، نريد أن نقول إنّ يسوع الناصريّ في هذا اللقاء يحوّلنا إلى ذاته. إنّه يجعل كلّ عضوٍ في الجماعة يشرع بالعيش في كلّ عضوٍ آخر. إنّه يحوّلنا بعضنا إلى بعض. هكذا يتحقّق الاتحاد بين المسيح المُحبّ والمؤمن المحبوب منه، وبين جميع الذين يحبّون الناصريّ. قد تمضي عمرك كلّه في محاولة وصف كيفيّة وجود المسيح في الأسرار المقدّسة؛ في محاولة معرفة ما إذا كان حضوره حقيقيًّا، هل هو مدركٌ بالعقل أم ينشأ بفعل الإيمان؛ في دراسة المقاربات المختلفة، والجدالات التي مزّقت الكنيسة على مرّ تاريخها. ربّما تكون مقاربتك أرثوذكسيّة، أي قريبةً من معنى الكتاب المقدّس، بقدر ما يستطيع التأكيد اللاهوتيّ. ولكن إذا لم تختبر في الآن عينه الليتورجيا الإلهيّة كسرّ محبّة الله لك وللجماعة، وكمحبّةٍ بينك وبين كلّ عضوٍ في الجماعة، فإنّك لم تفقه شيئًا، وكان الأجدر بك أن تحرق كتبك ومعرفتك. لا ريب أنّه لخدمة الليتورجيا لا بدّ من مبنى، ومن طقس، ومن قواعد، ومن عظمة وجمال الفنّ. ولكن إذا لم تبصر من خلال كلّ هذه الحجب يسوع المصلوب ونفسك المصلوبة، ولم ترَ كيف تنصبّ أنت فيه وهو فيك، وكلاكما في الإخوة والأخوات – فحينئذٍ أنت تبدّد وقتك فحسب، وتبقى نائيًا عن الجوهر.
لا يمكن التيقّن من أنّ القدماء كانوا دومًا قريبين من الجوهر، ولا حتّى من أنّ النصوص الليتورجيّة هي السبيل الأمثل للبلوغ إليه. فنحن نعلم أنّ أولئك الذين وضعوا النصوص والطقوس والقوانين لم يكونوا دومًا الأقدس ولم يحوزوا الفهم الأسلم. وبالتالي، نحن بحاجةٍ إلى العمل باستمرارٍ على طرح الأسئلة الروحيّة، لتنقية ما نُقل إلينا باستمرار، وللتأكّد من أنّ تعابيرنا وقوانيننا وشروحنا تتوافق مع الوحي الإلهيّ، وأنّ حياتنا، المقدّسة بالروح عينه، أضحت أقرب إلى هذا الوحي من حياة أسلافنا. الكنيسة بنيانٌ أساسه الله والوحدة البشريّة. لا يمكن وضع الله موضع تساؤل، ولكنّ كلمات البشر ونهج عملهم يجب دومًا أن يوضعا موضع تساؤل، حتّى لا تتغشّى رؤية الله، وحتّى نكون أكثر طاعةً لمشيئته، وأكثر قدرةً على التعبير عنها وكشفها للآخرين. هذا الجهد نحو التجديد لا يتطوّر فقط عبر القرون، بل يجب أن يشمل الجميع هنا والآن. لا ريب أنّه لا بدّ من صبرٍ عظيم، "لئلا يهلك أحد". ولكن لا بدّ أيضًا من فضيلةٍ أخرى يعسر اكتسابها – الرغبة في الاستماع إلى الجميع بروح الشركة (الشورى/ المجمعيّة). في التقليد الأرثوذكسيّ، لا تقتصر الشركة (الجامعيّة - Sobornost) على مقارنة الآراء فحسب، بل تتجلّى، بشكلٍ رئيسيٍّ، في عدم ازدراء إخوة يسوع الأصاغر، إذ قد يملك أحدهم الحقّ.
في حياتنا الكنسيّة، التي تفترض انصهار الأصوات والمواهب المتنوّعة في روحٍ واحد، غالبًا ما لا تكمن الصعوبة الرئيسيّة في رفض "هؤلاء الصغار"، بل في رفض التقاء التيّارات أو المدارس الروحيّة المتباينة. المعضلة الكبرى هي كيف يتعايش العارفون فيما بينهم. في ذلك الصراع الذي نشأ في زمن بولس في كنيسة كورنثوس، لم يتصادم الصغار مع الكبار، بل أولئك الذين سمّوا أنفسهم "البولسيّين، الأبولوسيّين، الكيفاسيّين، المسيحيّين". عند تناول هذه المعضلة، يبدو أنّ الرسول لم يمنع أحدًا من تفضيل أبولوس أو كيفا عليه – وهو تفضيلٌ روحيٌّ مشروع، قائمٌ على الخصال التي يمكن للمؤمن أن يجدها في بولس، وكذلك في كيفا، أو العكس. كلّ الروافد تلتقي في نهرٍ واحدٍ هو المسيح. قد يكون هذا الرسول أو ذاك قد حجب، بوعيٍ أو بغير وعي، وجه المسيح أو وجه رسولٍ آخر، إذا اعتبر نفسه وحده يحيا في ملء الشركة مع المسيح. من شعر بذلك، كان قريبًا من الكارثة.
إحدى مشاكل الكنيسة هي أنّنا غالبًا ما نخفي الكراهية أو الحقد أو الحسد خلف نظريّات، أو بإشاراتٍ إلى القوانين المقدّسة، أو بقراراتٍ متسرّعة، يُعترف بها فورًا كتعبيرٍ عن السلطة الكنسيّة، بينما هي مجرّد مظهرٍ من مظاهر الاستبداد السلطويّ. وباسم هذه السلطة نحاول إقحام الناس في خلافاتٍ شخصيّةٍ أو حزبيّة. أصعب ما في الأمر هو حلّ معضلة كيفيّة تكيّفنا مع سلطة الله. أحد جوانب هذه المعضلة يكمن في حقيقة أنّ سلطة الأسقف تنحدر من الله. تؤمن بهذا الكنائس الأمينة للتقليد التليد. ومع ذلك، يبقى السؤال: كيف يمكن للأسقف أن يعلم ما إذا كان هذا الفعل أو ذاك أو هذه الكلمة أو تلك تستند إلى سلطة الله هذه ولم تكن نابعةً عن تطلّعاته الخاصّة، أو شخصيّته، أو أهوائه الشخصيّة؟ تزداد هذه المعضلة حدّةً لأنّ أولي السلطة في الكنيسة، كما في الأنظمة الملكيّة، يرون أنفسهم في اتحادٍ كاملٍ مع الله. الجواب العقلانيّ على سؤالي معروف: إنّه يكمن في روح الشركة (الجامعيّة) التي ينبغي أن تسود بين الأساقفة والمؤمنين. نظريًّا، هذا صحيح، ولكنّ الحديث هنا ليس عن النظريّة، ولا عن مجرّد فهمٍ عقليّ. كلّ هذا موجودٌ في الكنيسة بوفرة، ولكن من هو المستعدّ، على الصعيد الوجوديّ، للاعتراف بأنّ بينه وبين الله هوةً سحيقة؟
في الواقع، لا يوجد جوابٌ عقلانيٌّ أو مؤسّسيٌّ على هذا السؤال. صحيحٌ أنّ الكنيسة تقبل مبدأ الشركة (الجامعيّة)، وبالتالي، يعترف كلّ واحدٍ بحاجته إلى الآخر. ولكن في الممارسة الحياتيّة، لا يضمن هذا النظام لقاءً وجوديًّا بين الإكليروس والمؤمنين، أو، كما نقول الآن، العلمانيّين. حتّى المشاورات المستمرّة، لو تمّ إدخالها، لا يمكنها إصدار قراراتٍ نهائيّة. وحتّى لو اقتصر نظام الزمالة على لقاء الأساقفة في المجامع، سيوجد دومًا طريقةٌ للاستثناء، ولمواجهة الأغلبيّة بالأقلّيّة. ثمة الكثير من المفاهيم التي لا يجوز ذكرها في المسيحيّة، حتّى لو اضطررنا أحيانًا إلى اللجوء إليها لحلّ المشاكل العمليّة. لا يمكن تأسيس نظام الشركة (الجامعيّة) على قواعد قانونيّة: فكما هو الحال في حضن الألوهة، لا ينطبق هنا مفهوم العدد المحدّد، وبعبارةٍ أخرى، ليس لديّ جوابٌ شافٍ على هذا في مجال العقل. مثل الثالوث الأقدس والإفخارستيا، الشركة (الجامعيّة) سرّ، وبمعنى أنّها ممنوحةٌ من الله، قد لا تكون كذلك. إنّها تتجلّى بقدر ما تكون القلوب مجروحةً بالحبّ، والنفوس تحيا في التواضع، في النسك، في الانفتاح، وبذلك تسمح لله بأن يمضي حيث يشاء، وأن يكون هو الحامل الوحيد للسلطة في الأجساد المدعوّة إلى الموت.
روح الشركة
أن نكون معًا يعني أيضًا أن نشهد معًا. إذا كانت الكنيسة منذ العصور الرسوليّة، المتّحدة، مثل كنيسة كورنثوس، بالتقليد الرسوليّ وبكسر الخبز، قد بلغت بسبب الانقسام الداخليّ إلى درجة أنّها ولّدت شهادةً مضادّة، فكم بالحريّ تلك الكنائس التي تفاقمت فيها الخلافات من الانشقاق حتّى الإصلاح، لا تستطيع أن تُظهر للعالم قوّة محبّتها وتحجب حتمًا وجه الربّ. فماذا يمكن أن تعني شركة الشهادة خارج العمل المشترك (praxis)؟ المحبّة هي ذلك الواقع الذي يسمو على كلّ معرفةٍ ويحدّدها. في رسالة يوحنّا الرسول الجامعة الأولى، نجد تطابقًا كاملًا بين الشركة مع الله والشركة مع بعضنا البعض، بين اكتساب المعرفة والحقّ، والوصيّة، وبين متطلّبات أن نكون في العالم وأن نغلب العالم.
في الحقيقة، الروح القدس هو الذي يشهد، والشهادة تتمّ في الروح القدس. إذا كنّا جميعًا حاملين له، فسنظهر في الجماعة الحياة الثالوثيّة. الروح يوثّق اتحادنا ويجعلنا تجلّيًا إلهيًّا واحدًا. ومع ذلك، لا يغدو هذا ممكنًا إلّا حين يصل المؤمنون، وقد تقاربوا بشدّةٍ في المحبّة، إلى ذلك الفهم الكامل الذي يسمح لهم باختراق سرّ الله (كولوسي 2: 2). وبفضل المشاركة في هذا السرّ تحديدًا، يمكننا أن نخدم "لبنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أفسس 4: 12-13). هذه الحركة نحو الكينونة الكنسيّة، الجامعة، الجماعيّة، تكتمل برؤية سرّ الكنيسة كمكانٍ يُرتقب فيه النور الذي لا يغرب، حيث تقام وليمةٌ يلتقي فيها المجيئان (parousias)، وهذا مستحيلٌ في حالة الانقسام الراهنة.
نحن نسير نحو السلام معًا ليس بفضل جهدٍ مشتركٍ أو تعاونٍ مخطّطٍ له. فقط هويّة الكينونة الإفخارستية، علامة الإيمان المشترك، هي التي تشكّل وجهنا الواحد وتقدّمه للعالم. الطبيعة الإلهيّة، التي نشارك فيها، صاعدين إليها بلا انقطاع، هي التي تبني هويّتنا ووحدتنا معًا. بتعليم الإنجيل لا يستنير العقل فحسب، بل يتطهّر القلب أيضًا، متحرّرًا من الأهواء. كما يقول القدّيس مكسيموس المعترف، فإنّ النور الإلهيّ عينه، المقبول في عمق كياني وكيانك، يمثّل من الآن فصاعدًا "طاقةً مشتركةً بين الله ومختاريه؛ أو، بالأحرى، من الآن فصاعدًا لا يوجد إلّا إلهٌ واحد، لأنّه... بكلّ كلّيّته يملأ كلّيّة مختاريه". هكذا يخلق الله نفسه "الشركة" (koinonia) بين أولئك المؤمنين الذين مجّدهم بالفعل، إلى أيِّ كنيسةٍ انتموا. شركة الشهادة هي خاصّيّة للكينونة الجماعيّة الكنسيّة، المؤسّسة في الله ذاته. وحدة العمل تنبع من وحدة الرؤية. العالم لا يشعر إلّا بكمال الحياة، من أيِّ مصدرٍ انحدرت. هذا لا يقلّل بأيِّ حالٍ من أهمّيّة العقائد. إنّها علامات الأرثوذكسيّة والتربة الوحيدة للقداسة. ولكن الروح يهب حيث يشاء، والقداسة، مفهومةً كإشراقٍ وتمجيد، يمكن أن يتقبّلها الناس كافّة. جسد المسيح يتألّف من كلّ هؤلاء الرجال والنساء، الذين ولجوا سرًّا في شركة الروح القدس. على سؤال كيف يعرّف القدّيسون الآباء الكنيسة، يمكن الإجابة بأنّ الكنيسة هي جماعة المتألّهين، الذين، بكونهم بلا أهواء، تحرّروا من الأهواء وأمسوا مسكنًا للثالوث الأقدس. لقد أمسوا أهل بيتٍ للثالوث بقول الربّ: "ليس أحدٌ يعرف الابن إلّا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلّا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (متى 11: 27). يتمّ ذلك هكذا: يسوع، الرائي للآب أزليًّا، "بقوّة، بروح القداسة" (رومية 1: 4)، يجعلنا شهودًا، لأننا بالفعل شركاء في قيامة الموتى. الشهادة، إذا كانت مجرّد كلمةٍ منطوقة، لا تعني شيئًا. إذا لم يصر جسد الشاهد كلمةً، تحوّل في الإفخارستيا الشخصيّة كلّها بالكامل، فلن تُنقل أيّ رسالة. حتّى في العهد القديم، لم تكن الكلمة أبدًا خارجيّةً عن النبيّ؛ شخصيّة النبيّ تحوّلت بالكلمة، التي غدت نفسه. ولهذا السبب لكلّ نبيٍّ عيده الخاصّ وأيقونته الخاصّة.
شهادتنا تغدو إلهيّةً بمقدار إفراغنا لذواتنا (كينوسيس). وهكذا، إذ تصير جماعةً للودعاء، تُظهر الكنيسة وجه يسوع، الذي من خلال موته أضحى حمل الله وراعيه معًا. ولهذا السبب، فإنّ الكنيسة، في نهاية المطاف، لا تغدو علامةً نبويّةً إلّا بفضل الشهداء.
الفيلسوف الروسيّ العظيم فلاديمير سولوفيوف يذهب أبعد من ذلك ويربط توحيد الكنيسة بمجال الإسخاتولوجيا (الأخرويّات). في "قصّة المسيح الدجّال" من "ثلاث محاورات"، ترمز الشخصيّات الرئيسيّة الثلاث، كما توحي أسماؤها، إلى الفروع الثلاثة الكبرى للمسيحيّة: الكاثوليكيّة، الأرثوذكسيّة، والبروتستانتيّة. بعد أن قتلهم المسيح الدجّال، يقومون معًا ويستعيدون الوحدة المفقودة. الفرق الأساسيُّ بين العهدين القديم والجديد هو أنّ الربّ لا يغدو نبيًّا كاملًا إلّا من خلال الموت. وبالمثل، برفضها العنف، تستعيد الكنيسة أنوثتها، التي فيها تسلّم نفسها ليسوع وتقبل نفحة روحه. الكنيسة، المرسلة إلى العالم، تدعو الناس إلى ما تستشعره هي نفسها: إنّها فرحة الكون مع يسوع في خدر العرس. ومن أجل هذا الزواج السرّيّ تحديدًا تواجه العالم، المفهوم بالمعنى اليوحناويّ. الملكوت الذي تعلنه يمزّق نسيج التاريخ. هذا هو الإنكار الحقيقيّ لهذا الدهر، حين، برفض عبادة الأوثان، "سحابة الشهود" التي تحيا فيها، تعلن الوعد بالدهر الآتي. عمل الله ليس مجرّد تتابعٍ للزمن، بل سلسلةٌ من التجلّيات الإلهيّة، تحدث في أمانة الروح لنفسه وفي عدم القدرة على التنبّؤ بالتاريخ. هكذا تناضل الموهبة النبويّة ضدّ شيطنة العالم. المصيبة الكبرى هي أنّ الخطيئة توصف وتحلّل كضعفٍ عاديٍّ للكينونة، وليس كنتيجةٍ لإغواء الحيّة – مصدر تفكّك الكينونة، المؤدّي إلى الموت.
هذا يعني أنّه يمكن النظر إلى العالم كوئامٍ وجمالٍ فردوسيّ، حسب قول الكتاب: "لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد" (يوحنّا 3: 16). العالم شعرٌ، تجلّياتٌ، كتابٌ إلهيّ، مظهرٌ لحكمة الله الأزليّة؛ العالم مصدرٌ لا ينضب لتلك الثقافة التي، حسب قول أوريجانوس، تقود إلى الفضيلة؛ مصدرٌ لتلك الرقّة التي تقودنا إلى عتبة الملكوت، على الرغم من التباس الثقافة والعطش الذي لا يرتوي للجمال. هنا الكنيسة والعالم لا يشكّلان فضائين، ولا ينتميان إلى زمنين مختلفين. وإذ تدرك الكنيسة محبّة يسوع لها، تجول عبر الزمان والمكان. هي في العالم، وليست في مكانٍ ما خارجه. ولهذا كان أوريجانوس محقًّا حين كتب: "المسيح هو كون الكنيسة، والكنيسة هي كون الكون". بهذا المعنى، الكنيسة ليست متّجهةً نحو العالم ولم تعد في العالم. بل العالم هو في الكنيسة. هي منطقه (لوغوسه)، معناه. هي تقوده إلى مصيره، إلى التجلّي، لأنّها تعرف ما هو، وتعرف الطريق إليه. العالم يحيا في سرّ الكنيسة من أجل "البقيّة" الخلاصيّة. جموع المسيحيّين خاملةٌ في عدم الإيمان، و"البقيّة" تترقّب الملكوت وتحوّل العالم. الملكوت كنزٌ خفيّ. ولكن ثمة شهادةٌ، تتمّ من خلال الصمت، من خلال الترنيمة، في الاجتهاد الذي لا يوصف للنفوس الملتهبة، المجروحة بمحبّة يسوع، وهذه الجراح، حسب قول الأندلسيّ ابن عربي، لا تلتئم أبدًا.
في كثيرٍ من البلدان، حيث المسيحيّون أقلّيّة، مرّ تاريخهم، على ما يبدو، بهدوء، ومع ذلك، في الاعتراف الجماعيّ اليوميّ، عاش الإنجيل هناك. وغير المسيحيّين أيضًا، ولو في أدبهم، يشهدون بما تلقّوه من هذه القلّة الإنجيليّة، التي، مع ذلك، لم تكن غيابًا على الإطلاق. ثمة عصورٌ افتقدها الله، ينمو فيها الإخلاص، ويتعمّق استشعار أسرار الله، ويشتدّ الظمأ إلى الكلمة. تصبح الكنيسة حينئذ أجمل، ويشعر العالم بجمالها ويتحوّل ببطء، بشكلٍ غير مرئيّ. الآن ليس الأمر كذلك. يمكن القول إنّ العالم المعاصر قد انغلق في استقلاليّة مدمّرة ويحدّد هو نفسه قيمه الأخلاقيّة، التي مع ذلك تحتفظ ببعض الوشيجة بالإنجيل. أي، من الواضح أنّ للروح طرقه الخاصّة للتأثير في المجتمع، الذي يطوّر حضارته خارج المفردات والرمزيّة المسيحيّة ويبدو غريبًا تمامًا عن سرّ الموت وتوق القيامة.
إنّ التبشير الجديد للعالم الذي فقد مسيحيّته يمرّ، بالطبع، من خلال التطوّر المشروع للعلم والتكنولوجيا، والحريّة وحقوق الإنسان. يتطلّب الأمر قراءةً حذرةً ونقديّةً لأساطير المجتمعات المتقدّمة. فهذه المجتمعات تدعم نظامًا غير معقولٍ بشكلٍ واضح، وتمييزًا عنصريًّا، واستغلالًا للعالم الثالث، وظلمًا لشعوب نصف الكرة الجنوبيّ. إذا لم تنأَ الكنائس بنفسها عن ميكافيليّة بعض القوى، فإنّ الشهادة المسيحيّة محكومٌ عليها بأن تظلّ عقيمة. إنّ وجود مسيحيّين أجانب في بلدٍ غير مسيحيّ، يجلبون إليه القسوة والعنف، يُعتبر، من وجهة نظر المسيحيّين الأصليّين هناك، الذين يُشبَّهون بهؤلاء، ضلالًا وذنبًا.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الشعوب التي نالت استقلالها لا تنجذب كثيرًا إلى المسيحيّة. لذلك، يخال لي أنّ الإرساليّة وحتّى الحوار المشابه لها لم يعودا ذوي أهمّيّة. يُنظر الآن إلى تحويل المجتمع كعملٍ دنيويّ، عملٍ للمجتمع الدوليّ، وليس كتجسيدٍ للإنجيل في الحياة. لا يُعرف حاليًّا إلى أيّ شيءٍ يمكن تطبيق كلمات الربّ: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متى 28: 19). ومع ذلك، تبقى وصيّة يسوع بالنسبة لنا أمرًا قاطعًا، ومهما كان موقفنا من الأديان ومكانها المحتمل في القصد الإلهيّ، فإنّ المسيح يبقى بالنسبة لنا الطريق الأوحد إلى الآب. فيه تحديدًا يحدث اللقاء الإسخاتولوجيّ (الأخرويّ) لأتباع الديانات المختلفة.
الإرساليّة المنظّمة، بالطبع، مستحيلةٌ في مناطق شاسعةٍ من الكرة الأرضيّة، حيث لا يُعترف بالحريّة الدينيّة أو حيث يستبعد قمع الدين السائد أيّ تحوّل. ومع ذلك، حتّى هناك، تُعرف الشهادة المسيحيّة، وتُستشعر بفضل حسن الجوار، والفنّ الوطنيّ المشترك، والأدب، وبفضل الرحمة المتأصّلة في البسطاء من الناس. القيم الإنجيليّة الحقّة هي للجميع. الحوار البسيط أو العلميّ يفتح العقول والقلوب لحقيقة الإنجيل. وهكذا، فإنّ المسيحيّين من جميع الطوائف يتحمّلون مسؤوليّةً مشتركةً عن شهادةٍ واحدةٍ في جوهرها. في المجتمعات التعدّديّة، لا يُعنى المسيحيّون بالخلافات العقائديّة. إنّهم مدعوّون ليكونوا ناقلين. ففي وضع الناقل، يمكن للمرء أن يكون متحرّرًا من الولاء السياسيّ الذي لا يعترف به غير المسيحيّين، سيما حيث تُفهم المسيحيّة كتعقيدٍ أو تُقدّم كشعورٍ متضخّمٍ بالخصوصيّة. إنّ مشاركة المسيحيّين في تطوير الثقافة الوطنيّة، وعدم لامبالاتهم بالمحن التي يكابدها الشعب، تجعل الناس يصغون إلى الرسالة. الثقة بالمسيحيّين موصولةٌ بانخراطهم في قضيّة العدالة والسلام، بإرادتهم الصالحة للتحرير الوطنيّ والاجتماعيّ، وليس فقط بالنضال من أجل الحقوق الحصريّة للمؤمنين معهم. المحبّة تُثبت في الحوار الذي تُجريه الحياة ذاتها، المشتركة مع الآخرين.
يمكن إقامة مثل هذا الحوار للحقيقة. إنّ تمسّك المسيحيّين بحقيقة المسيح لا ينبغي أن يحجب تلك الحقائق المتناثرة في التقاليد الدينيّة المحيطة. فكلّ هذه التقاليد تنبع من المصدر الإلهيّ عينه. كلّ غذاءٍ روحيٍّ محيي يجب أن يتقبّله المسيحيّون ليس ككلمةٍ بشريّة، بل كخبزٍ نزل من السماء. كلّ كلامٍ، كلّ كتابةٍ ترفض كلامًا آخر، كتابةً أخرى. لذلك، فإنّ المآل النهائيّ للحوار يتجاوز التقاليد الدينيّة ويكمن في البحث عن الحقيقة الإلهيّة، المستترة تحت مختلف الكلمات والرموز. ليس في هذا نسبيّةٌ للرسالة المسيحيّة – ولا أيّ توفيقيّة (syncretism). إنّه المسيح ذاته، الذي نسجد له، في رحلته عبر فضاءات الأديان اللامتناهية. هذا يتطلّب منا "كينوسيس" – إخلاء الذات. الكينوسيس هو شهادةٌ صامتة. يمكن أن يؤتي ثمارًا وافرة. في الحوار، تنكشف الكنيسة، تتعمّق، تعرف ذاتها. بالنسبة لها، هذا ليس وسيلةً تربويّةً أو سياسيّةً لضمّ الآخرين إليها. على أيّة حال، الحوار هو الاتصال الوحيد الممكن في مجتمعٍ تعدّديّ. حتّى في البلدان المسيحيّة أصلًا، أمسى الإلحاد، والغنوصيّة، والطوائف، تقاليد ذات طبيعةٍ دينيّةٍ إلى درجة أنّ تلك الإرساليّة التي تبدأ بسحق أصنامهم لم تعد ممكنة. المسيحيّ بقوة الروح يبني هذا العالم داخليًّا. متجدّدًا بالروح عينه، يشارك في العمل المشترك للبشريّة. عبر كلّ العالم المخلوق والتاريخيّ، يجول، حرًّا داخليًّا، منجذبًا بوجه المسيح. لن يتمكّن المسيحيّ من توسيع العالم إلى أبعاد الملكوت اللامتناهية إلّا عندما ينتمي بشغفٍ إلى كلٍّ من العالم والملكوت. بالابتعاد عن العالم، لا يُكتسب الملكوت. لا يمكن إنقاذ العالم إلّا بكلّ قوّة المسيح الآتي. في هذا السعي الإبداعيّ يكمن سرّ الشهادة.
الجماعات الصغيرة
كان المسيحيّون الأوائل، وهم قلّةٌ في مستهلّ أمرهم، يعرفون بعضهم بعضًا شخصيًّا. كانوا يلتقون يوميًّا للصلاة. وبما أنّهم "كانَ كُلُّ شَيءٍ عِندَهُم مُشتَرَكًا" (أعمال الرسل 2: 44)، فقد كانوا، عند اشتراكهم في الشركة الإفخارستية، يشعرون بأنّ الاتحاد الذي عرفوه من خبرتهم اليوميّة يزداد كمالًا في المناولة المشتركة لجسد المسيح. وبهذا المعنى تحديدًا يكتب الرسول بولس: "فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (1 كورنثوس 10: 17). كان المسيحيّون يحبّون بعضهم بعضًا وينادون بعضهم بالاسم. وإذ يغفرون لبعضهم البعض، الأمر الذي كان يوطّد اتحادهم باستمرار، كانوا يدركون أنّ هذا الاتحاد يزداد كمالًا – الله نفسه يجعله كاملًا – عندما يتقدّمون معًا إلى كأس الربّ. أن تكون مع الربّ كان يعني لكلٍّ منهم أن يكون أيضًا مع أخيه، وأن يغدو، بشكلٍ ما، هذا الأخ، لأنّ الربّ الواحد ذاته يحيا في هذا الأخ وذاك. إنّه يتعرّف على ذاته في كلٍّ منهم. لم يعد ثمة انقطاعٌ بين حياتهم اليوميّة وتلك الحياة التي كانوا يتذوّقونها من الكأس الواحدة. كانت الحياة اليوميّة تغدو مع كلّ أحدٍ أحلى وأعجب. النور السماويّ، الذي كانوا يتلقّونه في ذلك اليوم، كان ينيرهم طوال الأسبوع. أعضاء الجماعة لم يكونوا مجرّد قائمة أسماءٍ في سجلّ الرعيّة. كانوا يؤلّفون قطيع المسيح، وكانت أسماؤهم مسطورةً في السماوات. إلى هذا القطيع دعاهم الربّ ووحّدهم بالمعموديّة. هذه الوحدة كانت تتجلّى في وعيهم كمسؤوليّة بعضهم عن بعض، وكانت مناولة جسد المسيح ودمه تجعل هذه المسؤوليّة أكثر حرارةً وإشراقًا.
كان المسيحيّون الأوائل يقيمون العبادة في مكانٍ محدّد، عادةً في بيت أحد أعضاء الجماعة، وبالطبع، لم يكن بإمكانه استيعاب عددٍ كبيرٍ من الناس. وكانت الجماعة الصغيرة تعرف أنّها تصبح جسدًا واحدًا عندما ينسكب عليها الروح القدس أثناء الليتورجيا الإلهيّة. كان كلّ واحدٍ يحضر قليلًا من الخبز والخمر – ثمار عمله. لم يكونوا يذهبون إلى الخبّازين، بل كانوا يعجنون العجين بأنفسهم ويخبزون الخبز، لتكون تقدمة الخبز رمزًا لجهودهم. وهكذا، كان الله الآب، بقبوله الخبز في السرّ، يقبل أيضًا الحياة، الحياة المتّحدة للناس المجتمعين.
عندما انقضت حقبة الاضطهادات في عهد قسطنطين الكبير، شرع المسيحيّون يقدّسون بيوت عبادتهم. كانت الكنائس البيزنطيّة في تلك الحقبة متواضعة الحجم في معظمها، لأنّها كانت مخصّصةً لعائلاتٍ من حيٍّ واحد، يعرفون بعضهم بعضًا، ويحبّون بعضهم بعضًا، ويسيرون معًا في طريق القداسة. فيما بعد، في المدن الكبيرة، شرعوا ببناء كنائس مزخرفةٍ ببذخ، يمكن أن تتّسع لمئات، بل لآلاف من الناس. ومع ذلك، بقيت هذه الكنائس استثناءً يؤكّد القاعدة، التي بموجبها كان أولئك الذين يصلّون معًا يعرفون بعضهم بعضًا ويحيون في الجوار. كانت الليتورجيا الإلهيّة مناسبةً للتواصل، لاختبار تجربةٍ مشتركةٍ لأناسٍ كانوا، فضلًا عن ذلك، يساعدون بعضهم بعضًا، لكونهم دومًا قريبين. الوجوه، الملتفتة بعضها إلى بعض طوال الأسبوع، كانت تلتقي بشكلٍ طبيعيٍّ أيضًا في الكنيسة في يوم الربّ. في الحياة اليوميّة، وجه القريب هو أيقونةٌ لنا. هذه الأيقونة ذاتها ينبغي أن نجدها في الليتورجيا الإلهيّة. بتبخير المؤمن بالبخور، يكرمه الكاهن كأيقونة. هذه البركة سترافقه طوال الأسبوع. مأرب التبخير هو ترميز كرامة الإنسان السامية.
لاحقًا، نشأت عادة بناء كنائس كبيرة في المدن. كان يأتي إليها المؤمنون من أحياء مختلفة، وأحيانًا نائية. رويدًا رويدًا، نُسي أنّ مكان العبادة في البدء كان يُسمّى "كنيسة"، أي جماعة، لأنّ "الكنيسة" الحيّة كانت تجتمع هناك. حينئذٍ، عندما كانوا يقولون "كنيسة"، كانوا يقصدون جماعةً من الناس يعرفون بعضهم بعضًا. يخال لي أننا، بزيادة حجم الكنائس، كففنا عن إدراك أنّ الكنيسة هي قبل كلّ شيء المؤمنون معًا، في شركة. إذا اجتمع المؤمنون من كلّ حدبٍ وصوب، ولكنّهم أناسٌ لا تربطهم أيّ آصرة، فلن يكون هذا كنيسة، بل مجرّد حشدٍ من الغرباء والأجانب. يأتون إلى الكنيسة لأنّ العبادة تقام هناك. يأتون للمشاركة في طقوسٍ كانت ستقام حتّى بدونهم. تلوح لهم هذه الطقوس احتفالاتٍ مكتفيةً بذاتها، لا تعتمد على شيء. قد يُبدي المشارك فيها حماسةً شخصيّةً حارة، لكنّه لا يدخل في شركةٍ مع الآخرين، ولا يشعر بأنّه عضوٌ في الجسد عينه كالآخرين. كيف يمكن الانتماء إلى جسدٍ واحد، دون حتّى معرفة بعضنا بعضًا؟ كيف نغدو واحدًا عند كأس الخلاص، ونحن منفصلون في الحياة اليوميّة؟
أضحت الكنيسة مكانًا تحتشد فيه الجموع. والجموع ليست جماعةً حيّة. حتّى لو تناولنا جسد المسيح في آنٍ واحد، سنبقى منفردين كلٌّ في زاويته، إذا كان المتناولون الآخرون غرباء عنّا. فإذا لم ننادِ بعضنا بعضًا بالاسم، ولم نشاطر بعضنا بعضًا الهموم بعد الليتورجيا، سنبقى غرباء. لا حماسة في الحشد. الحماسة في الجماعة، في الاتحاد الحقّ. هي تشعّها في الحياة اليوميّة، وهذا الإشعاع يبلغ ذروته عندما يصبح شعب الله جسدًا واحدًا في المشاركة في جسد المسيح. الكنائس الكبيرة، وخاصّة الكاتدرائيّات، هي أماكن تجذب الجموع، مشجّعةً بذلك التقوى الفرديّة. صلاتنا الكنسيّة لا يمكن أن تندمج حقًّا مع صلاة الآخرين، إذا لم تكن حياتنا مندمجة. الوضع مختلفٌ إلى حدٍّ ما في القرية، حيث يعرف الناس بعضهم بعضًا بشكلٍ أفضل. ولكن هل يعرفون جميع الأطفال، وهل يعرف الأطفال الكبار؟ ولا ننسَ أيضًا الخلافات بين العائلات وغيرها التي تعقّد الصورة. أمّا في قريةٍ كبيرةٍ بها كنيسةٌ واحدة، فتوجد المعضلات عينها الموجودة في المدينة. سواءٌ في المدينة أو في القرية، فإنّ الكنائس الكبيرة والكاتدرائيّات لا تتيح حدوث لقاءٍ وجوديٍّ بين المؤمنين. في أغلب الأحيان، لا تقرّب هذه الكنائس الناس من بعضهم. لا يُلتقى الأخ من حين لآخر أيّام الآحاد. إذا غدونا جزءًا من بعضنا البعض، فلا يسوغ لنا أن نكون فقط جنبًا إلى جنب. بمشاركتنا في جسد المسيح، نشارك أيضًا إخوتنا، ولا نكتفي بتحسين أنفسنا. ومثل هذه المشاركة لا يمكن أن تحدث في الكنائس الكبيرة أيّام الآحاد.
في رأيي، لا يمكن حلّ هذه المعضلة العويصة إلّا ببناء كنائس في كلّ حيٍّ من أحياء المدينة أو القرية الكبيرة. وهذا، مع ذلك، ليس ممكنًا دومًا لأسبابٍ ماليّة. ونحن نعلم أيضًا أنّه لا يجدر دومًا حثّ الناس على زيارة كنائسنا الحديثة، لأنّها بالنسبة للكثيرين مجرّد أماكن تُقام فيها طقوسٌ منغلقةٌ على ذاتها بحضور حشدٍ كبيرٍ من الناس وبدون حماسةٍ حقّة. نحن المسيحيّين لا نأتي إلى الكنيسة فقط من أجل لقاء المسيح، بل أيضًا من أجل لقاء إخوتنا. وأيُّ أخٍ هذا الذي لا تعرفه، ولا تزوره؟
من الناحية الرعويّة والكنسيّة، يجدر بنا أن نشرع بالناس الذين جمعتهم الحياة في حيٍّ واحدٍ أو في بيتٍ واحد. ينبغي استئجار أو شراء مكانٍ يقع في موقعٍ مناسبٍ بين ثلاثة أو أربعة بيوت، وجعله مكانًا للقاء سكّان هذه الجزيرة الصغيرة. عادةً ما يلتقون في المصعد أو في اجتماعات السكّان. لقد نشأت بينهم بالفعل بعض الوشائج. إنّهم يؤلّفون وحدةً اجتماعيّةً يمكن لليتورجيا الإلهيّة أن تقوّيها وتقدّسها. قبل كلّ شيء، يمكن دعوتهم كعائلاتٍ إلى أمسياتٍ روحيّة. وعندما يشعرون بأنّهم قريبون بما يكفي من بعضهم بعضًا، ينبغي أن يقال لهم إنّ الصداقة الناشئة لن تكون مثمرةً ولن تصل إلى العمق، إذا لم يتّحدوا حول جسد الربّ ودمه. سيأتون إلى العبادة في شقةٍ تحوّلت إلى كنيسة، بعضهم في البدء بدافع الفضول، وآخرون، ربّما، بحماسة الإيمان بالفعل. على أيّة حال، سيتعلّمون أن يلتقوا في حضرة الربّ. لاحقًا، إذا أظهر أحدهم حماسةً خاصّة، وإذا نما في التعليم والمعرفة وكان يعنى حقًّا بالإخوة، فيمكن أن يُطلب منه الموافقة على أن يمثّلهم في الصلاة. حينئذٍ سيُمنح تعليمًا دينيًّا أعمق، وسيصير أباهم، لأنّه سيكون لديه بالفعل خبرة الأبوّة تجاههم.
نحن بحاجةٍ إلى العديد من هذه الشقق في كلّ مدينة. مثل هذا النظام للعمل الرعويّ سيعيد الناس إلى الحياة الليتورجيّة، لأنّه سيشركهم في الرحمة، وسيمنح القوّة للوشائج الناشئة. سيسأل البعض حتمًا عن فعاليّة مثل هذا النهج. من المحتمل جدًّا أن يستشهدوا بالتقاليد التي ورثناها، مذ شرعنا بتزيين كنائسنا ببذخٍ وتقديسها بالزيت المقدّس. في حالة الضرورة، ومع ذلك، يجب أن يُسمح للراعي بخرق هذه القواعد. ينبغي أن تحرّرنا الحاجة أيضًا من بعض القناعات الموروثة أيضًا، والتي بموجبها يجب أن تكون الكنيسة بالضرورة في مكانٍ خاصّ، وألّا يكون فوق سقفها سوى قبّة السماء. حسب فهمي، فإنّ المطلب الأوحد الذي يجب أن يُعطى الأولويّة على كلّ الاعتبارات الأخرى هو إنقاذ النفوس وقيادتها إلى المسيح. وإلى المسيح لا يأتي الناس إلّا بطرق الحياة، حياتهم الخاصّة، من خلال الرفقة مع الآخرين، من خلال صدق الوشائج. إذا لاحت بعض التقاليد – مثل بناء وتقديس الكنائس ذات الطراز المعماريّ البيزنطيّ – في أيّامنا هذه متصلّبةً إلى حدٍّ ما ولا تعين على قيادة الشعب كلّه في طريق الخلاص، فلا شيء يمنع من إدخال تقاليد جديدة اليوم، إلى جانبها أو بدلًا منها، والتي ستتشرّب بلا شكّ بنفحة الروح.
لماذا لا نقوم بمثل هذه التجربة؟ في الواقع، أمامنا سؤالٌ واحدٌ وحيد: كيف نحثّ الناس على العيش في المسيح يسوع. أعلم أنّ العديد من الظروف تصدّ الناس عن زيارة الكنائس. في معظم المدن، أكثر من 90٪ من أعضاء جماعاتنا لا يذهبون إلى الكنيسة بانتظام. في أكثر رعايانا ازدهارًا، من بين كلّ مئة معمّد، ثمة ثلاثون فقط يمارسون شعائرهم. أين الـ 70٪ الباقون؟ أنا لا أقول إنّ فكرتي، كالسحر، ستقلب الوضع. أنا، في الواقع، لا أعرف شيئًا. ومع ذلك، أنا موقنٌ من أننا، بقبولها، سنبني على الأساس الذي أرسته الكنيسة الأولى في زمن الاضطهادات. لا بدّ لنا حتمًا من إجراء دراسةٍ اجتماعيّة-نفسيّة. ينبغي أن نضع أنفسنا موضع تساؤلٍ جدّي، وأن نعيد النظر في ممارستنا الرعويّة ونقرّ بإهمالنا وكسلنا. ما أقترحه هنا ليس سوى محاولة، وفي أساسها شيءٌ إنسانيٌّ عميق: واقع المجتمعات المصغّرة وواقع الصداقة. الرعايا الصغيرة تحمل في طيّاتها لهيبًا وجوديًّا لا تعرفه الجماعات الكبيرة أحيانًا. أعضاء المجموعة الصغيرة يدركون أكثر من غيرهم أنّ جذر الصلاة يكمن في واقع لقائهم الحياتيّ وأنّ الحياة الأبديّة تستهلّ في واقع المحبّة والرحمة، الخبرة المكتسبة حيثما تمضي حياتهم.
الكاهن "رسولًا" في هذا الدهر
تبدأ رتبة الكاهن بدعوة. وما هي هذه الدعوة؟ لا بدّ أنّها دعوةٌ إلهيّة، تسبق الرسامة ويستقبلها الوعي الفرديّ للمرشّح للخدمة الكهنوتيّة. ومع ذلك، فإنّ مفهوم مثل هذه الدعوة، وهو ما يُستشفّ أيضًا في رتبة الرسامة ذاتها، لا يلوح لي مستندًا إلى العهد الجديد. بالطبع، الكهنوت موهبة (كاريزما)، عطيّة من الروح القدس. ولكن هذه العطيّة يدركها الروحانيّون في الجماعة، أولئك الذين يسمّيهم الرسول بولس أنبياء، وتُنقل هذه العطيّة بوضع الأيدي (1 تيموثاوس 4: 14). بالإضافة إلى ذلك، في الممارسة الأرثوذكسيّة التقليديّة، يُقدّم المرشّح البالغ إلى الأسقف من قبل جماعة المؤمنين. وعادة ما يوكل الأسقف أمره إلى أبٍ روحيّ، ليعدّه ويُعرّفه بمتطلّبات الرسائل الرعويّة والقانون الكنسيّ. يُقبل الكاهن المستقبليّ مجدّدًا من قبل المؤمنين المجتمعين للإفخارستيا حول الأسقف، الذي يدعو عليه الروح القدس ويسلّمه الكهنوت. وهكذا، فإنّ الدعوة الإلهيّة تُنقل عبر الأسقف ويعترف بها المجمع.
الكاهن لا يحيا، كالراهب، خارج دهره. إنّه، بحكم التعريف، خميرةٌ للعجين. الخدمة الإنجيليّة ذاتها تربطه بالعلمانيّ، وكونه "رسولًا" لا يعني أنّه يتّبع "نمط حياة" خاصًّا. الرسول هو ذاك الذي تحدّده المحبّة. عمله هو خدمة الكلمة. ولكنّه لا يكتسب هذه الكلمة بكلّ أبعادها واستجاباتها البشريّة إلّا بقدر ما يكون قد تعلّم الكلمة المخلوقة، التي زوّده بها أفضل المعلّمين. الرأس النيّر وحده، الغنيّ بمعرفة العلوم الإنسانيّة، هو القادر على استيعاب الرسالة الإنجيليّة ونقلها إلى معاصرينا. لن يكون مناسبًا لأيِّ وظيفةٍ بشريّةٍ من لم يكن حسّاسًا لهذا العالم؛ فبدون امتلاء وجوديّ، لا تمثّل الأصوليّة الطائفيّة سوى كلمةٍ عاجزة. لقد آن الأوان للكنيسة أن تكفّ عن كونها مدرسةً ابتدائيّة، وأن يعبّر خدّامها عن حماستهم، بكلّ قوّتها ونورانيّتها، بلغةٍ يمنحها التعليم الجامعيّ. في الواقع، من المهمّ أن يسمو الكاهن فوق المستوى المتوسّط للمجتمع، وأن يحوز ذلك النضج الذي بدونه لا يمكن لخادم الكلمة أن يفقه الإنجيل ولا أن ينقله.
في المسيحيّة القديمة، لم يكن الحديث يدور أبدًا عن ثقافةٍ لاهوتيّةٍ منهجيّة. آباء الكنيسة لم يقتاتوا إلّا بالليتورجيا، والوعظ، وتعاليم المعلّمين الذين أعدّوهم للحياة الروحيّة. الكنيسة، التي تنمو في الصلاة، وفي التأمّل في الكتاب المقدّس، والتي تجذب الشباب إلى المسيح من خلال التعليم المسيحيّ، والسهرات الروحيّة، وحركة الشبيبة، والنشاط الاجتماعيّ، ستلد دومًا كهنةً يكتسبون في حياتهم الجماعيّة العادية المبادئ الأساسيّة اللازمة لخادم الكلمة. مصدر فهمنا الروحيّ هو الحياة في الكنيسة. الكهنوت فينا يتشكّل في جوهره في حياة العلمانيّ. في المدرسة اللاهوتيّة، معارفنا المسيحيّة الأساسيّة، إذ تُستكمل وتُفسّر، تغدو أدواتٍ مفاهيميّةً لعملنا الرعويّ. بالطبع، اللاهوت الحقّ يكشف لنا جماليّاتٍ غير متوقّعة للحياة في الله، وسبلًا شقّها الروح والعروس (الكنيسة) عبر تاريخ البشر. المدرسة اللاهوتيّة ليست هي الالتزام بعد، ولكنّها علامة على الالتزام. إنّها توقظ فقط الثمرة التي نضجت بالفعل على شجرة المسيحيّة الحيّة.
تقول الرسائل الرعويّة إنّ الكاهن يجب أن يكون متزوّجًا، بلا لوم، صاحيًا، عفيفًا، محبًّا للغرباء، تعليميًّا، غير محبٍّ للمال، وأن يدير بيته حسنًا ويُخضع أولاده للطاعة بكلّ وقار، "لأنّه إن كان أحدٌ لا يعرف أن يدبّر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟" (1 تيموثاوس 3: 5). بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون له "شهادةٌ حسنةٌ من الذين هم من خارج"، أي من غير المسيحيّين (1 تيموثاوس 3: 7). هذه هي الفضائل اللازمة للخدمة الكهنوتيّة. يكتسبها الإنسان الذي يحيا في مجتمعٍ حقيقيٍّ من الناس. علامةٌ أخرى على أهليّة المرشّح هي العمر: لا يقلّ عن 30 عامًا، كما قرّرت المجامع. الراعي المستقبليّ سيكون قد تعلّم بالفعل كيفيّة التعامل مع المال، وفهم الناس، وسيكون له بيتٌ وأسرةٌ متوافقة. لا يجوز المخاطرة بالكنيسة، بإسنادها إلى شابٍّ لا يُعرف عنه سوى أنّه قرأ بعض الكتب المدرسيّة، واجتاز امتحاناتٍ مدرسيّة، ومارس التقوى قليلًا، وهي تقوى لم تُمحّص صلابتها بعد خارج أسوار المدرسة اللاهوتيّة.
وبالتالي، سيكون مثاليًّا جذب العامل أو صاحب المهنة لدراسة اللاهوت. التعليم الجامعيّ الموجود بالفعل أو معرفة الحرفة سيمكّنان الشخص، في حال رفض رسامتِه، من الاندماج مجدّدًا في حياة المجتمع. لا ينبغي إكراه الكنيسة على رسامة أشخاصٍ ذوي قدراتٍ متوسّطةٍ خوفًا من أنّهم، بعد تخرّجهم من المدرسة اللاهوتيّة دون نجاحٍ كبير، لن يتمكّنوا من تدبّر أمورهم في الحياة. المذبح هو ساحة معركة مع قوى الشرّ، وليس ملجأً لغير المتكيّفين اجتماعيًّا. الخبرة الحقيقيّة في الحياة الدنيويّة – هذا، على ما يبدو، هو الطريق الأوحد والطبيعيّ لتحرير الكهنة من تلك اللغة المتملّقة، الأسلوب الذي يحيلهم إلى طبقةٍ خاصّة.
في ضوء هذا المفهوم عن التوازن العقليّ والنفسيّ، ينبغي النظر في مسألة الكهنة المتزوّجين، التي أُريق بسببها الكثير من الحبر في الكنيسة الرومانيّة. عددٌ هائلٌ من الكهنة يعترضون على العزوبيّة الإلزاميّة. الكنيسة الجامعة رفضت هذا المطلب، الذي ذادت عنه روما، في مجمع نيقية عام 325 م. انضمّ المجمع إلى رأي الناسك المصريّ بافنوتيوس، الذي قال إنّه لا ينبغي إثقال كاهل الكاهن وزوجته بنير لم يفرضه الربّ. تمّ قبول وجهة النظر اليهوديّة، التي بموجبها يُطلب من الكاهن الامتناع (عن المعاشرة الزوجيّة) في الوقت الذي يستعدّ فيه لتقديم الذبيحة في الهيكل. برفضها الرأي الرومانيّ، لم تتجنّب الكنيسة الشرقيّة تمامًا الإغراء اليهوديّ: فقد طلبت من الكاهن الامتناع عشيّة خدمة الليتورجيا. صحيح أنّها سوّغت هذه الممارسة بالإعداد الأفضل للإفخارستيا، واليقظة الروحيّة. ودعت العلمانيّين إلى الشيء عينه. ولكن في الشرق، باستثناء الأديرة أو الرعايا الكبيرة التي بها عدّة كهنة، لم تُخدم الليتورجيا يوميًّا أبدًا. كانت تُخدم أيّام الآحاد والأعياد وأيّام أسبوع النور.
هذا الاتجاه الغربيّ، حتّى في نصوص القرن الرابع، مرتبطٌ بلا شكّ بالأفلاطونيّة المحدثة ذات الطابع الإنكراتيّ (المُمسِك). البابا القدّيس سيريسيوس يستغرب كيف يمكن لشخص "تنجّس بفراش الزوجيّة" أن يتناول السرّ المقدّس. لاحقًا، بحث المؤلّفون الغربيّون عن دوافع أخرى للعزوبيّة – نفسيّة أو مرتبطة بتصوّر تقليديّ لحياة يسوع كموضوعٍ للمحاكاة. موسوعة "Catholicisme"، الصادرة عام 1949، تكرّر حجّة سيريسيوس. تقول إنّ معظم الناس "يشعرون بالحرج من فكرة التقدّم إلى المذبح بعد النهوض من فراش الزوجيّة". أمّا في الشرق، على النقيض، فيُعتقد أنّ الزواج بالنسبة للكاهن علامة عفة.
لن نتوقّف عند الحجّة الأكثر فعاليّة للفكر الكاثوليكيّ التقليديّ، التي تقدّم الامتناع (العزوبيّة) كبذل كاملٍ للذات لله. هذه الفكرة، بلا شكّ، تنتمي إلى العهد الجديد (1 كورنثوس 7)، ولكنّها في العصور القديمة لم تُعتبر أبدًا مرتبطةً بالكهنوت. كانت تُنسب إلى الحياة الرهبانيّة. العفّة في الكتاب المقدّس تُعلن كاستباق وتذوّق للحياة الأبديّة (لوقا 20: 34-36). التجاوز الفعليّ للحياة الجنسيّة هو حقيقةٌ من حقائق ملكوت السماوات ويعني مشاركةً عميقةً وغامضةً فيه، دعوةً إلى ذلك النمط الاستثنائيّ من الحياة القائم على موهبة، أي العطيّة الروحيّة للعفّة. ومع ذلك، فإنّ عطيّة الروح تعني أيضًا الحريّة في الروح. تستقرّ العطيّة على الإنسان الذي يصطفيه الربّ، بغضّ النظر عن المنصب الذي يشغله هذا الإنسان، حتّى لو كان متزوّجًا. حينئذٍ يترك بيته ويكرّس نفسه لله، متقبّلًا نضال الامتناع الرهبانيّ. هذا الطريق لا يرتبط إطلاقًا بإقامة العبادة، التي تتمّ في شركة الإيمان والكلمة والأسرار. على عكس الممارسة الغربيّة المتأخّرة، فإنّ التقليد يُبعد الرهبان عن الكهنوت. الكهنوت مرتبطٌ جدًّا بهذا الدهر، بالهموم الحياتيّة للناس، لدرجة أنّه في الوضع المثاليّ لا ينبغي أن يقترن بحالةٍ تستبق حياة الدهر الآتي.
هذا الموقف لا يخلو من اعتباراتٍ تتعلّق بالحكمة الرعويّة. يجب على الكاهن أن يعرف عن كثب، وبشكلٍ حميميّ، كلّ ما يكابده الناس. صحيح أنّ الإنسان الذي عرف أغوار الحياة الروحيّة، قادرٌ على فهم كلّ شيءٍ وتوجيهه. ولكن ليس أقلّ صحّةً أنّ الكاهن، الذي عرف كلّ ضعف الحياة العادية، سيجد في تجربته الطبيعيّة مصدرًا للشفقة، ممّا سيسهّل عليه الانتقال من الحكم الأخلاقيّ المجرّد إلى الوداعة تجاه الخاطئ. وفي الوقت عينه، صحيح أنّ تجربة الزواج الفاشل غالبًا ما تضرّ بالحياة الروحيّة. عالم النفس الذي قلت له إنّ وجود زوجة للكاهن يطرح العديد من المشاكل العمليّة، اعترض قائلًا: "ولكن غيابها يطرح المزيد منها". ولهذا السبب طالب الرسول بولس بأن يكون زواج الكاهن ناجحًا بالمفاهيم البشريّة.
بالإضافة إلى هذه الاعتبارات، التي تلوح لي صحيحةً في أيِّ حقبةٍ تاريخيّة، يليق بنا أن نأخذ في الحسبان اعتراضًا معاصرًا آخر ضدّ العزوبيّة في الكنيسة الغربيّة: في حضارتنا، حيث للجنس أهمّيّةٌ كبرى، كثيرٌ من الناس، الذين رُسموا في سنٍّ مبكّرة، لم يعودوا قادرين على تحمّل نمط الحياة المرتبط بالكهنوت. في مجتمعٍ وقحٍ مثل مجتمعنا، يمكن لأيِّ تأكيدٍ لا جدال فيه أن يغدو، على الأقلّ، غير حذر. يجب أيضًا الاعتراف بأنّ الحياة الزوجيّة لعددٍ كبيرٍ من الكهنة الشرقيّين – إلى جانب الفقر الطوعيّ والنسك، والتقوى الليتورجيّة الشخصيّة العميقة، والتفاني الرعويّ – تقرّبهم من أبناء رعيّتهم. وفي الكنائس البروتستانتيّة أيضًا، لم تمنع حياة القساوسة الزوجيّة أبدًا ظهور لاهوتيّين بارزين.
بالطبع، الزواج ليس حلًّا سحريًّا على الإطلاق. سخر كيركيغارد من البروتستانتيّة الدنماركيّة، التي كان الزواج فيها يعتبر بحدّ ذاته علامةً على الجدّيّة. سيكون من الخطأ إضفاء طابعٍ صوفيٍّ على الزواج، كما يُفعل حتّى الآن فيما يتعلّق بالعزوبيّة. يجب التأكيد، أخيرًا، على أنّ الممارسة الشرقيّة المعاصرة للزواج الحتميّ قبل الرسامة لا تتوافق إطلاقًا مع روح بولس. بالنسبة للرسول، كان من المهمّ أن تشير حياة الإنسان العائليّة السعيدة إلى فضائل مثل القوة والحكمة. والحال أنّه ليس ثمة ما هو أقلّ موثوقيّةً من زواجٍ معقودٍ على عجل، ومن غير المرجّح أن يغدو خرّيج مدرسةٍ لاهوتيّةٍ مثقلٌ به كاهنًا قويًّا وحكيمًا جرّاء ذلك.
إذا لم يكن بالإمكان فرض أيّ نمط حياة واعتباره ملازمًا للراعي الكامل، فإنّ معضلةً أخرى تواجه الكنيسة: كيف تتعامل مع الزواج بعد الرسامة. التقليد القانونيّ يطالب بشكلٍ قاطعٍ بأن يصير الكاهن الذي يتزوّج علمانيًّا. في الغرب، يُقطع مثل هذا الشخص. ومع ذلك، من المعروف أنّه في رتبة الرسامة الغربيّة لا يُقال شيءٌ عن العفّة، بل فقط عن نذر العزوبيّة. كثيرًا ما يُتحدّث عن الزواج السرّيّ بين الأسقف وأبرشيّته، بين الكاهن والمذبح. عقد زواج "جسديّ" بعد ذلك يعني، كما يقال، أن يغدو المرء متزوّجًا من اثنتين. من ذا الذي لا يلحظ هنا خلطًا بين المستويات، ولعبًا متعمّدًا بالكلمات؟ حاليًّا، في الأوساط الكاثوليكيّة المطّلعة جيّدًا، يُعتقد أنّ الكنيسة ستتنازل في النهاية عن هذه النقطة.
يعتقد العديد من اللاهوتيّين الأرثوذكس أنّ الحظر التقليديّ على زواج الكاهن له أساسٌ رعويٌّ بحت: ألّا تُثقل علاقات الكاهن مع النساء غير المتزوّجات بالغموض. أعتقد أنّ ما يعيق المناقشة الصادقة لهذه المسألة هو الخشية من أن تُفسّر كلماتنا كتعبيرٍ عن صعوباتنا الشخصيّة. ولهذا السبب، قال لي لاهوتيٌّ كاثوليكيٌّ بارز، من أنصار السماح للكهنة بالزواج، وكأنّه يبرّر نفسه: "يمكنني أن أناقش هذا بحرّيّة – فأنا أكبر من أن أتزوّج". بين المدافعين العنيدين عن العزوبيّة، كثيرًا ما نجد علمانيّين أو كهنة لا تضايقهم هذه العزوبيّة إطلاقًا. في الشرق، تُناقش هذه المشكلة مجدّدًا، خاصّةً جانبها المتعلّق بإمكانيّة الزواج الثاني للكاهن الأرمل.
يجب على ضمير الكنيسة أن يحلّ على الأقلّ مسألتين في الحياة الرعويّة. أولًا، الإنسان المستعدّ للرسامة قد لا يكون قد التقى بعد بمن يرغب في اتّخاذها زوجةً له. هذه المشكلة كانت غير ذات أهمّيّة عندما كان الزواج المصلحيّ سائدًا في المجتمع، ولكنّ الفتاة المعاصرة ستشعر بالإهانة إذا تزوّجها طالب لاهوتٍ ليصير كاهنًا. ثانيًا، الكاهن، حتّى لو كان مفعمًا بأصدق اندفاعٍ روحيّ، قد يقتنع بعد بضع سنواتٍ من الخدمة بأنّه بالغ في تقدير قوة امتناعه. فلماذا يُحكم على مثل هذا الإنسان، الذي له روح كاهن وقدرات راعٍ، بالعودة إلى صفوف العلمانيّين العاديّين؟ لماذا يجب أن يُحرم الكاهن الذي فقد زوجته، إذا كان لا يزال شابًّا وعلى عاتقه عدّة أطفال، من إمكانيّة الزواج مرّةً أخرى؟ لقد آن الأوان للاعتراف بأنّ حريّة أبناء الله تشمل إمكانيّة اختيار كلّ إنسانٍ يحيا في العالم الحالة التي تتوافق على أفضل وجهٍ مع نموّه في حياة الروح.
مع مشكلة الحريّة هذه، يرتبط النقاش في الغرب حول إمكانيّة ممارسة الكاهن لحرفةٍ ما. الشرق اعترف دومًا، فعليًّا وقانونيًّا، بالحقّ في العمل. الكاهن-العامل بين المهاجرين الأرثوذكس في أوروبا الغربيّة، الكاهن-الحرفيّ أو الفلّاح في أيِّ بلدٍ أرثوذكسيّ – هذه ظاهرةٌ طبيعيّة. دعوة الكاهن لا تفصله عن مشاغله الاجتماعيّة.
ولكن كيف يمكن التوفيق عمليًّا بين خدمة الكاهن ويوم عملٍ كامل؟ يمكن الافتراض بأنّ بعض الكهنة سيُعفون من بعض الواجبات الرعويّة. ولكن سيكون من العبث تمامًا أن يُفرض على الإنسان تكريس نفسه بالكامل لأعمالٍ غير مرتبطةٍ بإقامة الأسرار، أو فقط لوعظ كلمة الله. الكاهن هو، قبل كلّ شيء، رئيس الجماعة الإفخارستية، الناقل المباشر للرسالة الإنجيليّة. بهذه الخدمة تحديدًا يجب أن يكسب رزقه. الشهادة المسيحيّة للحياة الدنيويّة هي، بشكلٍ رئيسيّ، عمل العلمانيّين. حتّى تدريس اللاهوت، طالما أنّه غير مرتبطٍ بالعبادة، هو أيضًا عمل العلمانيّين. إذا لم يعد الإنسان ينتمي داخليًّا إلى خدمة الله في الجماعة، وابتعد عن الوعظ، وعن الحديث الروحيّ والتبشير في شكله المباشر، فإنّ مثل هذا الإنسان لم يعد يؤمن بفعاليّة الكلمة وفقد شعوره الذاتيّ ككاهن.
إذا سُمح للكاهن بممارسة مهنةٍ على حساب تقليص وقت الخدمة، فيجب أن يكون خادم الله مؤمّنًا ماديًّا، ليتمكّن من الاستماع، والتعزية، والصلاة عند فراش المرض، والتأمّل في القضايا الرعويّة الراهنة، ودراسة الكتاب المقدّس. لا توجد دعوةٌ تستبعد، إذا جاز لي القول، الجوانب "الروتينيّة" للكهنوت. لا يوجد خيارٌ كهذا: أن تكون فقط معلّمًا مسيحيًّا، أو لاهوتيًّا، أو مقيمًا للعبادات، أو إداريًّا؛ فحتى لو رأت الجماعة فينا هذه الموهبة الروحيّة أو تلك، فمن الضروريّ خدمة المسيح بأبعادٍ متعدّدةٍ وبنشاط. لذلك، إذا كان للإنسان حقًّا قلب كاهن، فإنّ عمل المعلّم، العامل، الطبيب، البرلمانيّ، الناشط النقابيّ سيكون بالنسبة له مجرّد عملٍ مساعد. إلّا إذا كان يحيا في بلدٍ يمنع فيه النظام الحاكم الاتباع الحرّ للإنجيل، فيضطرّ إلى أن يكون، قبل كلّ شيء، رجلًا من هذه المهنة أو تلك، وأن يكون حذرًا في علاقاته مع الناس ويلتقي بالربّ أثناء الإفخارستيا يوم الأحد.
التأكيد على أنّ مهمّة الكاهن المباشرة هي الخدمة في الجماعة، لا يعني منعه من التأمّل في السياسة. رسالة المسيح لا تُفقه إلّا في إطار الحضارة التي ينتمي إليها مستمعونا، أي داخل السياق الاجتماعيّ-السياسيّ. وبعبارةٍ أخرى، الدينامية السياسيّة هي أيضًا بعدٌ من أبعاد الكلمة. الإنجيل حيّ، وهو حيٌّ تحديدًا بهذا المعنى الدقيق، أنّ الكلمة غنيّةٌ ويمكن أن تتجسّد في لغةٍ مفهومة للإنسان المعاصر. ولهذا السبب، تضع الكلمة مجدّدًا موضع تساؤل النظام القائم في الكنيسة، المصاحب ببساطة للنظام القائم. الكلمة حركة، وبهذه الصفة، تجتاح كلّ بنيةٍ سوسيولوجيّةٍ تبنّتها الكنيسة إرضاءً للعصر. الكلمة النبويّة تولد لكي تكتسب الكنيسة صورة يسوع المسيح. وإذ تجوب الأرض، تسحق الكلمة كلّ ما شاخ في الكنيسة وفي العالم. ولذلك يهزّ الأنبياء الحياة السياسيّة للشعب. هذا العمل لتغيير الهياكل ملازمٌ للكاهن، يقوم به طاعةً لوحي الإنجيل الذي يحرق دومًا. وتقوم به أيضًا الكنيسة، التي رأت الموهبة النبويّة لراعيها، الذي لا يحفظها فحسب، بل يخضعها أيضًا. كهنوت العهد الجديد هو، من ناحية، إدخال الكنيسة في التاريخ، ومن ناحيةٍ أخرى – اندفاعٌ ولهيب، انتقالٌ إلى القيامة. في هذه العمليّة، الكلمة، إذ تشمل الواقع بأسره، تسعى لأن تغدو سياسيّة. للكاهن هنا همٌّ مزدوج: همّ التغييرات الضروريّة وهمّ الوحدة. يجب اختبار كلّ سلطة على محكّ العدالة. الكاهن هو ذلك الإنسان الذي يناشد جميع أصحاب السلطة ليخضعوا لله، لتستقيم الطرق المعوجّة ولتُنسج الرسالة الإنجيليّة، التي كانت حتّى الآن خميرة، بعملٍ سياسيّ، في نسيج التاريخ. إذا لم تكن الكلمة منقوشةً في جسد العالم، فهي مجرّد "نحاس يطنّ أو صنج يرنّ".
إنّ انخراط الكاهن في الحياة العامّة لا يمكن أن يصل إلى حدّ الانضمام إلى حزبٍ سياسيٍّ أو إلى حقدٍ شخصيّ، لأنّه هو نفسه، بحكم دعوته، شاهدٌ على وداعة الملكوت. هذا هو المبدأ الأساسيّ، الذي لم يمنع الكهنة في رومانيا وبلغاريا واليونان وفلسطين من النضال بنشاطٍ ضدّ المحتلّ. ولكن الكاهن هو إنسانٌ يشارك جسد المسيح مع أولئك الذين، إذ طُبعوا بسمة عصرهم، اختاروا الطريق الجذريّ، ومع أولئك الذين بصدقٍ ليسوا مستعدّين بعد للانضمام إلى حركة التاريخ. من هذا التأمّل، الموحى به بالسعي إلى العدالة والمبنيّ على دراسةٍ متأنّيةٍ للمشاكل، يترتّب أنّ الكاهن مسؤولٌ فقط أمام يسوع المسيح. إنّه لا يسعى إلى اتّباع الأفكار السياسيّة لأسقفه أو إلى اتّخاذ موقف الأشخاص المؤثّرين في رعيّته. الكاهن ليس جزءًا من البنية السوسيولوجيّة لكنيسته. إنّه يقوم بعملٍ مشتركٍ مع أنبياء جميع العصور، مع معلّمه يسوع المسيح.
وفقًا لرتبة الرسامة الأرثوذكسيّة، التي تتمّ أثناء الليتورجيا، يسلّم الأسقف بعد تقديس القرابين الإفخارستيا إلى الكاهن، ليحملها حتّى المناولة ذاتها كعلامة على الأمانة. أثناء جنازة الكاهن، وهو راقدٌ بكامل حلّته الكهنوتيّة، يوضع على وجهه "الستر" (الغطاء) الذي كان يغطّي الخبز والخمر الإفخارستيين، وكأنّ الكاهن في نهاية خدمته الأرضيّة قد أضحى هو نفسه تقدمة ذبيحة. بين الدعوة إلى الكهنوت والدعوة إلى الملكوت، موجّهة إليه كلمات الرسول بولس: "اكرز بالكلمة. اعكف على ذلك في وقتٍ مناسب وغير مناسب. وبّخ، انتهر، عظ بكلّ أناة وتعليم... كن صاحيًا في كلّ شيء. احتمل المشقات. اعمل عمل المبشّر. تمّم خدمتك" (2 تيموثاوس 4: 2، 5). الكاهن يعلم أنّه يجب أن يحمل هذه الدعوة في نفسٍ ضعيفةٍ وجسدٍ فانٍ. مدفوعًا أبدًا بالصوت الداعي، مجروحًا دومًا بالحبّ الذي أيقظه فيه هذا الصوت، يسير وراءه، شاعرًا بضعفه ومؤمنًا بذاك الذي يرسل هذا الصوت في رائحةٍ طيّبة، في فرحٍ لأولئك الذين أُعطوا أن يسمعوا خطواته.
رسالة إلى إيليا عشيّة رسامته
غدًا ستقيم للمرة الأولى ككاهن خدمة عيد النبيّ الذي تحمل اسمه. لقد تمّ اصطفاؤك لهذه الخدمة، لأنّهم قرأوا على وجهك المحبّة التي طبعتك بها الكلمة. مع شباب كنيستك تعلّمت منذ الطفولة، قارئًا الكتاب المقدّس وسيرة من كان شفيعك. ماذا أقول لك، أنت الذي نشأت جامعًا بين غيرة إيليا الحارّة ووداعة الإنجيل؛ لك، أنت الذي في بحثك عن المعرفة أدركت أنّها لا تُعطى إلّا لأنقياء القلوب، وإذ أدركت، اتّبعتها؟ في البلد الذي هاجرت إليه، تعلّمت التواضع. لم يغرّك الوجه الذي استقبلك به هذا المجتمع، فآثرت أن تكرّس نفسك للربّ كلّيًّا. في شبابك هذا، عُهد إليك برعيّة، لأنّ الناس جياع، وليس من يكسر لهم الخبز. ستصير لهم طعامًا. سيتغذّون بك – ألم توافق على أن تهب نفسك كلّيًّا لكنيسة الله؟
كلّ يومٍ ستعمّق معارفك في الكتاب المقدّس. تأمّل فيه في صمت، لتتشبّع أنت نفسك بذلك الخبز الذي ستشاطره مع الجموع. صلِّ بحرارة، لئلا تقع في الضلال ولا تجرفك أهواء الشباب. من السهل أن تضلّ الطريق، إذا تملّقوك أو آذوك بالنميمة. احذر أن تدنّس خدمتك، باحثًا عن مكافأة لها في إرادة السلطة أو الانتقام. بأعظم إكرام يجب أن تحيط أصغر الصغار.
اطلب وجه ربّك، ففيه وحده الملكوت، أمّا وجه الإنسان فيغطّيه الغبار. إذا أحببت، ستملك؛ وإذا كرهت، فستموت وفي يوم الدينونة ستكون مسؤولًا عن أولئك الذين، بسبب إهمالك، سيرحلون في عزلة. من الإغراءات التي ستجابهك الرغبة في معرفة الكثير جدًّا، تلك الساعات التي تقضيها بين الكتب، لتتذوّق دقائق اللاهوت، بينما المؤمنون حولك يتوقون إلى العزاء. لا تنسَ أنّك، قبل كلّ شيء، من يمسح الدموع ويغسل الأقدام. إذا أفرغت نفسك هكذا، فسيظهر الربّ أمامهم. ولكنّه هو، الكلمة، يبقى معك. لا تجعله يجفّ في فمك. إذا دفئ قلبك بعيدًا عنه – فهو يقودك إلى الله. كلمته سترشدك، وأحيانًا ستضربك كالسوط. كرّرها لتحفظ نفسك، ولكن أيضًا لتقود أولئك النّائين عنه. أعلنها يومًا بعد يوم، سنةً بعد سنة، حتّى لو رأيت الخطيئة تتربّص بهم وتأخذهم. لن تخلص إلّا إذا وعظت بالكلمة؛ أمّا خلاصهم فموكلٌ إلى ذاك الذي دعاك من الظلمة إلى نوره العجيب.
إنجيل المسيح متطلّب. لا تخف أن تجرح. اجرح وضمد، لأنّك طبيب، ولست رفيق سمر. أنت من يقودهم إلى الملكوت، الذي فيه سيحقّقون ذواتهم؛ لست أجيرًا. في البداية سيعاملونك بجرأة، لأنّ الإنسان الذي مسّه الشرّ لم يعتد سماع الكلمة. أمّا أنت، فابقَ تحت تأثير الكلمة، لتصير أنت نفسك الكلمة. حالتك ستعبّر عنها صرخة النبيّ الذي تحمل اسمه: "حيٌّ هو الربّ الإله الذي أنا واقفٌ أمامه!". إذا بقيت على هذا الموقف، أو إذا ابتعدت ثمّ عدت إليه، فستصير حياتك مستودعًا للروح، وستدخل في صفوف أولئك الذين يشاركون في الفداء ويقودون الأرض إلى الفردوس. بفضل القداسة تحديدًا سيؤتي السرّ الذي تمّ عليك ثماره. القداسة ليست طهارةً ملائكيّة. فللإنسان يدان ليلمس بهما الأرض. الربّ ببساطةٍ لن يقبل المتشبّهين به زورًا. لا شيء في العالم يحلّ محلّ القداسة؛ هي وحدها الكينونة بكلّ أبعادها. وهي لا تتوافق مع أيِّ مساومة، مع الشرّ فيك وفي الآخرين. أنت مجروحٌ إلى الأبد بذلك الجرح الذي جعلك الإنجيل عرضةً له. احذر أن تترك محبّتك الأولى. إذا استعدت حرارتك بعد فترةٍ من الفتور، إذا تجاوزت كلّ السقطات واحدةً تلو الأخرى، فستكون مطيعًا لذاك الذي أسلمك إليها ببساطة قلبك وروحك. كلّ ما سوى ذلك زائلٌ وعابر. سنةً بعد سنة، حتّى الشيخوخة، لن تتمسّك إلّا بالإيمان، لأنّك لن ترى تحقيق الملكوت. فأنت تعلم أنّ حياتنا "مستترة مع المسيح في الله" (كولوسي 3: 3). في سنّ النضج سيغمرك الارتباك، كأنّ كلّ شيءٍ ينهار؛ في نفسك وحولك ستشعر بالوحدة. ساعات الليل الكئيبة، عندما لن يكون بجانبك أحدٌ في الغرفة، والكأس المقدّسة التي ستشرب منها، طالبًا المغفرة، ستصبح لك واحةً في الصحراء التي اخترتها لنفسك، والتي اختارها لك ذاك الذي يقدّم لنا الصليب.
الآن، اذهب إلى المذبح واجذبنا معك إلى الربّ. أعطنا خبزًا وخمرًا لئلا نموت. شكرًا لك، يا إيليا.