الفصل الأول
عظمةُ اللهِ وتواضعُه
منذُ بضعِ سنين، وأنا مأخوذٌ بعمقِ كلماتِ يسوع: "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (متى 11: 29). لِمَ اختارَ الربُّ، وهو الذي له كلُّ النعوتِ الإلهيّةِ وكلُّ فضائلِ الإنسانِ الكامل، أن يصفَ ذاتَه بالوداعةِ والتواضعِ فحسب، وكأنَّ في هاتين الصفتين سرَّ تجلّي سائرِ الصفات؟
في مسالكِ الروحِ كافّةً، يقفُ الإنسانُ مبهورًا أمامَ عظمةِ السرمديّ. يقولُ القدّيسُ يوحنّا الذهبيُّ الفم، في معرضِ شرحِه للفصلِ الثاني من الرسالةِ إلى أهلِ فيلبي، حيثُ يدورُ الحديثُ تحديدًا عن الـ"كينوسيس" (الإخلاء): "عندَ الوثنيّين، تمايزٌ بين آلهةٍ كبرى وأخرى صغرى. أمّا في الكتابِ المقدّس، فلا نرى في كلِّ موضعٍ إلّا الإلهَ العظيم، ولا نجدُ ذكرًا لآلهةٍ صغرى قطّ".
والكتابُ المقدّسُ لا ينفكُّ يذكّرُنا بعظمةِ "يهوه". فالمرنّمُ يناجيه قائلاً: "وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَالشَّيْبِ يَا اللهُ لاَ تَتْرُكْنِي، حَتَّى أُخْبِرَ بِذِرَاعِكَ الْجِيلَ، وَبِقُوَّتِكَ كُلَّ آتٍ" (مزمور 71: 18). واللهُ يُظهِرُ قدرتَه للأمم: "فَكَكْتَ بِذِرَاعِكَ شَعْبَكَ" (مزمور 77: 15). وهو في الوقتِ عينِه الإلهُ الذي "ضَرَبَ الشُّعُوبَ بِسَخَطٍ ضَرْبَةً بِلاَ فُتُورٍ، الْمُتَسَلِّطُ بِغَضَبٍ عَلَى الأُمَمِ" (إشعياء 14: 6).
نلمسُ هنا تلكَ السمةَ الإلهيّةَ المتجلّيةَ في أفعالِه الجليلةِ عبرَ تاريخِ إسرائيلَ برمّتِه. ومع إسرائيل، ننتقلُ من النظامِ الكونيِّ إلى تجلّياتِ اللهِ في التاريخ (Theophanies). هنا، تغدو العظمةُ فداءً. إنّها عظمةٌ لا تحدُّها حدود، ولكنّها انطبعت في زمنِ البشر.
وبصرفِ النظرِ عن الوحيِ الذي أُنزِلَ على العبرانيّين، فإنَّ عظمةَ اللهِ ترتبطُ بذلك الانبهارِ الذي يعتري المخلوقَ أمامَ لا محدوديّةِ الخالق. يشعرُ المخلوقُ بأنَّ ربَّ الأكوانِ يسمو على الكونِ ويحتويه في ذاتِه. الإنسانُ محاطٌ بكيانِ الله، وكأنّه خارجٌ عن هذا الكون. وأحسَبُ أنَّ اللاهوتَ التنزيهيّ (Apophasism) هو قرينُ الإنسانِ في حالةِ الانخطافِ هذه، ومرتبطٌ بذلك الدوارِ الذي يأخذُ الإنسانَ في حضرةِ الإلهِ المحتجب. اللاهوتُ التنزيهيُّ يحوّلُ هذا "السُكْرَ" الذي نستشعرُه أمامَ الربِّ إلى وعيٍ بأنَّ اللهَ دائمًا يتجاوزُ ما نصفُه به، وأنّه فائقُ الألوهة (Hypertheos)، وأنّه في حركةٍ دائمةٍ، يسمو أبدًا على كلِّ جوهر. إنّه الثابت، لأنّه هو العلّيقةُ التي لا تحترق. وهو يسيرُ أمامَ شعبِه الذي جعلَه إسرائيل، لأنَّ إسرائيلَ رآه، وذلك ما جعلَ القبولَ والطاعةَ ممكنين. إنّه الواحد، إذ لا شبيهَ له. وهو لا يتطابقُ مع الرقمِ واحد، كما لا يتطابقُ مع الرقمِ ثلاثة. وفقط بالتخلّي عن كلِّ محاولةٍ لاختزالِ اللهِ في سلسلةٍ عدديّةٍ، نعرفُ أنّه لا يُقاس، وأنَّ عظمتَه تفوقُ كلَّ شيء. إنَّ ضخامةَ الكون، مهما بلغت أبعادُه في اتّساعِه الكامل، لا تُقارَنُ بهذه العظمة.
فلأنّه لا مقياسَ مشتركَ بين المخلوقِ وغيرِ المخلوق، فإنَّ اللهَ يكشفُ عن ذاتِه في الطبيعةِ بشكلٍ لا يُدرَك، ويبقى خارجَ حدودِ العقل. وعندما يكشفُ عن ذاتِه، يتجلّى كـ"الآخر". إنّه يسكنُ في قداستِه الخاصّة، فهي موضعُ خلوتِه، ومنها يُسمَعُ كلامُه. ونحنُ لا نستوعبُ هذا الكلامَ إلّا بمعرفةٍ تتجاوزُ حدودَنا، يهبُنا إيّاها، بلطفِه، قائلاً: "بِنُورِكَ نَرَى نُورًا" (مزمور 36: 9). وإذ نتحوّلُ بهذا النورِ للحياةِ الأبديّة، سنكتسبُ حواسًّا روحيّةً تمكّنُنا من تأمّلِه. حينئذٍ، سننمو من مجدٍ إلى مجد. وإذ نتشبّعُ بالطاقاتِ الإلهيّة، سنتمكّنُ من إدراكِ روعةِ اللهِ واستقبالِ نورِه الذي لا يُدنى منه. ولكنّنا لن نستطيعَ أبدًا أن نخترقَ جوهرَه الذي لا قرارَ له. إنَّ عظمتَه مطبوعةٌ بهذا التضادِّ الأزليِّ بين ما يمكنُ بلوغُه وما لا يمكنُ بلوغُه. اللهُ يتجلّى في ما يحجبُه. وهو وحدَه يشقُّ الظلامَ الإلهيَّ المحيطَ به ليقدّمَ لنا قربًا وجهًا لوجه.
ومع أنَّ الله، بانحدارِه إلينا، يُظهِرُ لنا ذاتَه، إلّا أنّه يبقى، مع ذلك، خارجَ نطاقِ الكلمةِ الكتابيّةِ ذاتِها التي تسمّيه "إله الجنود" (ربّ الصباؤوت). فهو ليس قائدَ جيوشٍ ولا يقهرُ أيَّ شعوب. ولا يخصّصُ لنفسِه أيَّ أرضٍ ولا يسلّمُها لقبائلَ رحّل. وهو لا يقسمُ الغنائمَ بين المنتصرين، ولا ينصّبُ ملوكًا أو يخلعُهم، ولا يربطُ عملَه بالنصر، ولا ينشرُ الإيمانَ به بالسيف، ولا يدعمُه بواسطةِ الموظّفين، ولا يقومُ بأيِّ حملاتٍ صليبيّةٍ أو يباركُها، ولا يثبّتُ ذاتَه من خلالِ سلطةٍ دنيويّة. إنّه لا يحرقُ الهراطقة، ولا يغتصبُ ضميرَ أحد، ولا يركضُ في طرقاتِ الدنيا بحثًا عن أنصار. إنّه يعترفُ بالحقِّ في الضلال، وبحرّيةِ الخاطئ. ولكنّه، مع ذلك، يقلبُ الأقوياءَ ويرسلُ الأغنياءَ فارغي الأيدي. إنَّ قطعانَ الآباء، وثرواتِ المسيحيّين الحكماء، والمشاريعَ المزدهرةَ للمجتمعاتِ التقنيّة – كلُّ هذا يبقى، بلغةِ الملكوت، كلماتٍ لا معنى لها، إذ لا تعكسُ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ عظمةَ الله.
اللهُ لا يفوّضُ نبيًّا بقتلِ الناس. ها هو إيليا بعد المذبحةِ التي أقامَها في الكرمل، يذهبُ إلى حوريب وهناك يلتقي الله: "اخْرُجْ وَقِفْ عَلَى الْجَبَلِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ، وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ... وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ... وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ" (1 ملوك 19: 11-12).
يجبُ أن نأخذَ كلامَ الربِّ على محملِ الجدّ: "قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (2 كورنثوس 12: 9)، إذ لا الثروة، ولا السلطة، ولا أيُّ شكلٍ من أشكالِ الإكراه، يُظهِرُ الله. ويا للأسف، كثيرًا ما تصدُقُ المقولة: "كلُّ سلطةٍ تفسِد، والسلطةُ المطلقةُ تفسِدُ إفسادًا مطلقًا". وللأسف، لا يزالُ إغراءُ التحالفِ بين العرشِ والمذبحِ قائمًا. يتّخذُ العرشُ أشكالاً مختلفة: قد يكونُ الكلمة، أو العلم، أو البلاغة. إنَّ الانتقالَ من نوعٍ من الخنوعِ إلى آخرَ من أجلِ تدعيمِ الكنيسة، والتودّدَ إلى الدواوينِ الدنيويّة، ومجاراةَ الأذواقِ السائدة، يعني اتّخاذَ مظهرٍ دنيويّ، وخلطَ الإلهيِّ بالبشريّ، والدخولَ في لعبةٍ مغرية، وهذا من شأنِ الشياطين. "لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ" (1 كورنثوس 8: 6). هذه وحدانيّةُ اللهِ تستبعدُ كلَّ الآلهةِ المزعومة. مجدُه يستبعدُ كلَّ مجدٍ آخر. ما أصدقَ قولَ الرسول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا. لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ" (1 كورنثوس 3: 18-19).
هنا تبرزُ إشكاليّةُ تجلّي اللهِ في الخليقة، "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ" (رومية 1: 20). هنا أودُّ أن أستعينَ بالمفسّرين. لا أعتقدُ أنَّ بولسَ اعتبرَ الطبيعةَ "تجلّيًا" (Epiphany)، إذ لا يمكنُ الاستدلالُ على اللهِ من الطبيعة، ولكن يمكنُ بالإيمانِ إدراكُ آثارِه. ما كان ليُسبَّحَ اللهُ لولا تكوّنُ فكرةٍ مسبقةٍ عنه كإلهٍ واحدٍ وشخصيّ. أعتقدُ أنّه من الطبيعيِّ للمؤمنِ أن ينطلقَ من "اللوغوس" (الكلمة) ليتلمّسَ "بذورَ الكلمة" (Logoi spermatikoi) المتناثرةِ في الخليقة. اللوغوس، الذي نلناه بالإيمان، سيقودُنا إلى "اللوغوي"، أي إلى "معاني كينونةِ" الموجودات. وإذ كشفَ عن ذاتِه كـ"حكمة"، فإنّه يوقظُ فينا حِكَمًا متعدّدةً للثقافةِ الإنسانيّة. بدونِ عونِ الروح، الذي يرشدُ إلى كلِّ حقّ، يبقى الإنسانُ أسيرَ محدوديّتِه. فكلُّ مكتسَبٍ بشريّ، منغلقٍ على ذاتِه، قد ينفتحُ أو لا ينفتحُ على الإخصابِ بالنعمة. إنَّ عظمةَ اللهِ لا تُقاسُ بما تقدّمُه الثقافة.
إذن، أرى أنَّ في الفنِّ جانبًا إبداعيًّا ذا طبيعةٍ لاهوتيّة، وإن لم يكن بالضرورةِ دينيًّا. فنحن، بالمعنى الحقيقيّ، نشاركُ اللهَ في الإبداع. وإذا كان هناك "إخلاء" (كينوسيس) في الخلق، فهناك أيضًا إخلاءٌ في الإبداعِ الفنّي. لقد تركَ لنا اللهُ مهمّةَ خلقِ الجمال. وبتحويلِنا إلى فنّانين، بذلَ ذاتَه، بشكلٍ ما. الفنُّ هو طريقةُ تفكيرٍ تكادُ تكونُ إلهيّة. ولهذا قال ريلكه عن بعضِ قصائدِه إنّه لم يكتبها. وليس مهمًّا جدًّا أن يعرفَ الفنّانُ ما تلقّاه من اللهِ أم لا. بالطبع، مبدعُ الأعمالِ الفنّيّةِ ليس نبيًّا، لأنّه لا يحملُ رسالةً دينيّة، ولكنّه يُقادُ بالروحِ المحيي. هنا أيضًا، يدركُ المؤمنُ في الأشكالِ البشريّةِ روعةَ الله.
هل يمكنُ الحديثُ عن تواضعِ الله؟ أعتقدُ أنّه في العهدِ القديمِ لا يمكنُ تبيّنُ ذلك. أمّا في العهدِ الجديد؟ إلهُ العهدِ الجديدِ هو إلهُ الثالوث. الحديثُ عنه يعني الحديثَ عن ثلاثةِ أقانيم، وبعدَ ذلك فقط تأتي فكرةُ وحدةِ الجوهر. الأقنومُ الثاني في الثالوثِ هو الحَمَلُ المذبوحُ قبلَ تأسيسِ العالم. هل يمكنُ للابن، المرئيِّ أبدًا في آلامِه، أن يكشفَ لنا سرَّ تواضعِ الله؟ ماذا يعني أن يكونَ مذبوحًا قبلَ تأسيسِ العالم؟ إذا كان اللاهوتيون المدرسيّون يتحدّثون عن التضحيةِ استباقًا للخطيئة، فإنَّ التقليدَ الشرقيَّ – ولا سيّما عندَ القدّيسِ مكسيموس المعترف – لا يعتبرُ أنَّ هذه التضحيةَ مشروطةٌ بالخطيئة. لدى اللهِ قصدٌ ذبائحيٌّ لا يعتمدُ على الظروفِ التاريخيّةِ المتعلّقةِ بالشرّ. إنَّ تواضعَ الابنِ منقوشٌ في تلك الصورةِ التي كانت للهِ عنه قبلَ بدءِ الزمن.
إذا رُبِطَ "الإخلاء" بالتجسّد، فإنّه في العلاقاتِ داخلَ الثالوثِ غيرُ محسوسٍ ولا يُذكَرُ في الحديثِ عن الثالوثِ الإلهيّ. ومع ذلك، أليس عن الحَمَلِ المذبوحِ منذُ تأسيسِ العالم، كلمةُ المسيحِ الموجّهةُ إلى نيقوديموس: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يوحنا 3: 16)؟ هذا قيل بصيغةِ الماضي، حتّى قبلَ تضحيةِ الجلجثة.
ألم يكن الحَمَلُ هو مَنْ خلقَ العالمَ مع الآبِ والروح؟ إنَّ العالمَ هو ثمرةُ "العشقِ الإلهيِّ المجنون" (manikos eros) كما عبّرَ آباءُ الكنيسة. ألم يكن خلقُ الإنسانِ أوّلَ "إخلاء" لله؟ كيف يمكنُ للهِ أن يثبّتَ حرّيةَ الإنسانِ دونَ أن يحدَّ من تأثيرِه عليه؟ إذا كانت حرّيةُ الإنسانِ هبةً من الله، فهي إذن، كما يقولُ القدّيسُ غريغوريوس بالاماس، صورةُ اللهِ في الإنسان؛ ولا حاجةَ البتّةَ لاعتبارِها نوعًا من "الأساسِ الأوّل" (Urgrund) أو "الألوهة" (Gottheit) التي تسبقُ اللهَ نفسَه. هذا من شأنِه أن يجعلَها معارضةً أزليّةً لله، شيئًا أشبهَ بأقنومٍ رابع. ولكنَّ هذه الهبةَ المجّانيّةَ للإنسان، أي الحرّية، تتحوّلُ بالنسبةِ للهِ إلى تقييدٍ طوعيّ، وهكذا تُستشعَرُ عظمةُ اللهِ في ارتباطِها بهذا التقييدِ الذاتيّ، المقبولِ بمشيئتِه وإلى الأبد. إذا كان هناك "إخلاء" في الخلق، ألا يعبّرُ هذا عن "إخلاء" أزليّ؟ الآباءُ لم يسمّوا ذلك هكذا. ولكن ما يمكنُ تسميتُه كذلك، يُفهَمُ ضمنًا في المحبّةِ داخلَ الثالوثِ أيضًا. وكما أكّدَ كيرلس الإسكندريّ، فإنَّ المحبّة، التي تدورُ أزليًّا بين الأقانيم، هي التي تخلقُ الوحدة. إنجيلُ يوحنّا يعرّفُ المحبّةَ هكذا: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يوحنا 15: 13). ومحبّةُ الابنِ للرسل، وللمؤمنين به، أليست هي، في سرِّ التدبيرِ الإلهيّ، تجلّيًا لما يهبُه كلُّ أقنومٍ للآخر؟ هذا ما يقولُه يوحنّا عن العلاقةِ الأزليّةِ بين الأقنومين الأوّلين: "الآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" (يوحنا 3: 35). وأيضًا: "وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ" (يوحنا 5: 20). في هذه العلاقةِ الداخليّة، حياةُ كلٍّ من الأقانيمِ الإلهيّةِ مبذولةٌ للآخر؛ وهكذا يتمُّ تعارفُهم فيما بينهم.
من الواضحِ أنَّ الكتابَ المقدّسَ يتحدّثُ عن المحبّة، قبلَ كلِّ شيء، في سياقِ سرِّ التدبيرِ الإلهيّ، لأنَّ هدفَه الخاصَّ هو أن يعرفَ الإنسانُ المخلَّصُ أنّه محبوبٌ من الله. ولكنَّ سرَّ التدبيرِ يعتمدُ على سرِّ اللاهوت. هذا يعيدُ تحديدَ طبيعةِ المحبّةِ الأزليّة. على صعيدِ التاريخ، يقولُ يسوع: "قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ... إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يوحنا 12: 23-24). ونحنُ نعلمُ أنَّ المجدَ الذي ينالُه المسيحُ من الآبِ في ساعةِ موتِه، هو ذاتُ المجدِ الذي منحَه الآبُ إيّاه منذُ الأزل.
يمكنُ، إذن، الحديثُ عن الثالوثِ كأساسٍ للتواضعِ الإلهيّ. أعني التواضعَ المثلّثَ الأقانيم، الذي ينيرُ ذلك "الإخلاء" المذكورَ في الرسالةِ إلى أهلِ فيلبي. هناك يدورُ الحديثُ عن المجدِ الذي يخفيه الابنُ خلفَ حقيقةِ التجسّد، المجدِ الذي سيُظهِرُه مجدّدًا من خلالِ الآلام. يمكنُ توضيحُ ذلك بصورةِ "أوانٍ مستطرقةٍ" ثلاثة، أحدُها، إذ يبدأُ بالامتلاء، يملأُ الآخرينِ أيضًا. تفترضُ الحقيقةُ الفيزيائيّةُ أنَّ الوعاءَ الفارغَ سيبقى فارغًا لبضعِ لحظاتٍ أخرى. ولكن في حركةِ اللهِ الأزليّة، يمكنُ فهمُ محبّةِ الآبِ للابنِ والروحِ كـ"إفراغٍ ذاتيّ"، لكي يتجلّى الأقنومانِ الآخران. وكلٌّ منهما يتقبّلُ هذا الإفراغَ كمحبّة. وفي اللحظةِ التي يتجلّى فيها الأقنومُ عبرَ هذا الإفراغ، "يتنحّى" ليتجلّى الآخران. بهذا المعنى نفهمُ أنَّ المحبّةَ هي موتٌ من أجلِ الآخرين. ولكن في اللحظةِ التي يأتي فيها الموت، يأتي أيضًا الانبعاث. وهكذا، فإنَّ الذي عاشَ بين الناسِ في تاريخِ الله، قد عاشَ أزليًّا في الله. لماذا أُعدِمَ الابن، وليس الآب؟ نحنُ نعلمُ فقط أنَّ سرَّ المحبّةِ قد تجلّى هكذا.
إنّني أدركُ كلَّ الصعوباتِ التي قد تنشأُ عن مثلِ هذا التأمّلِ في الألوهة، خاصّةً وأنَّ تعبيرَه اللفظيّ، المقدَّمَ في حدودِ معرفتي، قد يبدو جديدًا بشكلٍ غريب. إنّه يُظهِرُ مزايا الحديثِ عن اللهِ بمصطلحاتٍ كتابيّة، وليس يونانيّة. لا أرى ما يمكنُ قولُه عن تواضعِ اللهِ من خلالِ تكوينِ مفاهيمَ جوهريّة. لطالما أقلقتني مسألة: لماذا يُمنَعُ اللهُ من التألّم؟ فكرةُ عدمِ قابليّةِ اللهِ للألم، هل هي حقًّا عقيدةٌ أم مجرّدُ بقايا أفلاطونيّة؟ وماذا يعني إذن تعاطفُ الله؟
أخيرًا، أظهرَ لنا اللهُ ذاتَه في الابنِ المتواضعِ والمُهان. فيه ومن خلالِه فهمنا أنَّ عظمةَ اللهِ تتجلّى كلّيًا في إذلالِ الابن، في قبولِه للعدم. لا يمكنُنا فقط أن نؤكّدَ أنّه ليس في الألمِ شيءٌ غيرُ لائق، بل يجبُ أن نقول، على صعيدِ اللاهوت، إنَّ الألمَ المتقبَّلَ قد اختارَه اللهُ أزليًّا لكونِه متوافقًا مع طبيعتِه كحاملٍ للمحبّة، وبالتالي، في آلامِ المسيح، لم تتعرّض الطبيعةُ الإلهيّةُ-البشريّةُ للعنف.
كيف نتجنّبُ التشبيهَ البشريَّ (anthropomorphism) في تصوّرِنا لعظمةِ اللهِ بدونِ مفهومِ تواضعِه؟ إذا كان تأكيدُ كينونةِ اللهِ يعني تأكيدَ "لا كينونتِه"، فلا يمكنُ الحديثُ عن روعةِ مجدِه إلّا بالقولِ إنّه ينعكسُ في حبِّه التضحويّ.
يجبُ إنقاذُ اللهِ من غموضِ عظمتِه، دفاعًا عن كينونتِه الحقيقيّة. الإلهُ غيرُ المتألّمِ يعذّبُ الناسَ ويسودُ عليهم. لقد أصبحَ اللهُ "المحقّقَ الأكبرَ" لأنَّ الناسَ خلقوه على صورتِهم. الإلهُ الذي يستعرضُ عظمتَه وسلطتَه في إماتةِ الناسِ لا يمكنُه أن يعترفَ لهم بالحرّية.
إنَّ مثلَ هذه النظرةِ للأمورِ ستبدو، بالطبع، سخيفةً في نظرِ أولئك الذين لا يقبلون يسوعَ الناصريَّ الوديعَ القلب، صاحبَ "الولاية"، ختمَ القداسة، كما يقولُ ابن عربي. يسوعُ المسيحُ هو الذي يكشفُ سرَّ التواضعِ الإلهيِّ والبشريّ. القدّيسُ يوحنّا السلّميّ، مع كلِّ التقليدِ النسكيّ، يقدّمُ التواضعَ كأسمى الفضائل، مدركًا أنّها تلكَ الدرجةُ من "السلّمِ المقدّس" التي لا يمكنُ لأحدٍ بلوغُها. ومن يصل إليها، تنكشفُ له كلُّ الحياةِ الداخليّةِ لله؛ يرى نورَ اليومِ الثامنِ ويصبحُ شاهدًا لهذا النور.
ما هو الأساسُ اللاهوتيُّ لهذه الفضيلة؟ الكنيسةُ شاهدة، ليس لها إرادةٌ خاصّةٌ بها؛ في الصمتِ تصبحُ كلمةَ اللهِ في الإنسانِ الذي يحيا فيها. في شروحِه على "الصلاةِ الربّيّة"، يكتبُ القدّيسُ مكسيموس المعترف: "إذا كانت قوّةُ الملكوتِ غيرُ المنثلمةِ قد أُعطِيَت للمتضعين والودعاء، فمن ذا الذي سيكونُ خاليًا من المحبّةِ والرغبةِ في الخيراتِ الإلهيّةِ إلى حدِّ ألّا يتوقَ بكلِّ قوّتِه إلى التواضعِ والوداعة، ليصبح، قدرَ ما يمكنُ للإنسان، ختمًا لملكوتِ الله، حاملاً في ذاتِه ما يمنحُه بالنعمةِ صورةً مشابهةً لصورةِ المسيح، الملكِ العظيم؟... النفسُ التي انسكبت فيها طبيعيًّا قداسةُ صورةِ الله، تتحوّلُ بمشيئتِه إلى شبهِ الله... تصبحُ مسكنًا مُشرِقًا للروحِ القدس... من خلالِها يولدُ المسيحُ دائمًا سرًّا، متجسّدًا في أولئك الذين يخلّصُهم؛ إنّه يجعلُ النفسَ التي تلدُه عذراءَ-أمًّا".
هذه العذريّةُ للنفسِ يمكنُ أن تنالَها الجماعةُ المسيحيّةُ التي تسعى إلى إفراغِ ذاتِها من أجلِ الملكوت، رافضةً كلَّ وسيلةٍ أخرى للعملِ سوى الكلمة، لأنَّ الاهتمامَ الدنيويَّ بالفعاليّةِ يلقي على وجهِها حجابًا. بالتخلّي عن كلِّ إرادةٍ خاصّة، تصبحُ الكنيسةُ-الشاهدة، في الصمت، كلمةَ الآب.
الصليبُ: معراجٌ من التجسّدِ إلى القيامة
ينجلي لنا في الكتابِ المقدّسِ "السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ": إنّه "الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ" (كولوسي 1: 26-27). كلماتُ الرسولِ بولسَ هذه تعني أنّ نورَ المسيحِ كائنٌ معنا الآن، لكنّه، في آنٍ معًا، هو نورُ المجدِ الآتي. إنّ ما يُقنعُنا بأنّ الطريقَ مُنارٌ بضوءٍ صادرٍ عن المحبوبِ هو الرجاء. هذا الطريقُ يبدأُ من وجهِ المسيحِ ويقودُ إليه في الأبدية، حيثُ تُبطِلُ المحبةُ اندفاعاتِ الرجاء. فحينَ نكونُ في الحضرةِ الإلهيّة، لا شيءَ خارجَ هذه الحضرةِ يعنينا، فننتقلُ من مجدٍ إلى مجد. وكلّما شخَصنا إلى المسيحِ وتثبّتنا في رؤيتِه، اشتدّت رغبتُنا في حملِ رسالتِه للعالمِ كلّه، "لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (كولوسي 1: 28). ها هنا نقفُ بإزاءِ مفارقةٍ: فمن ناحية، يعيشُ الإنسانُ في الرجاء، ما يزالُ "عابرًا"، ومن ناحيةٍ أخرى، يبلغُ الكمالَ منذُ الآن. هذا بالضبطِ ما يختبرُه الإنسانُ الذي يتّخذُ المسيحَ مسكنًا فيه.
عندما يتحدّثُ المسيحيّون عن التجسّد، يؤكّدون أنّ اللهَ، بكلِّ كمالِه، يحلُّ في الإنسانِ الكامل. هذا أحدُ المعاني التي يخلعونها على لفظةِ "تجسّد". أيُّ ثمارٍ يلدُها هذا الإيمان، وإلى أيّ أفعالٍ يحثّ؟ أمامَنا حركةٌ مزدوجة: نزولُ اللهِ إلى ضعفِ الإنسان، وصعودُ الإنسانِ إلى الله، صعودٌ لا حدودَ له. وسواءٌ تجلّت هذه الحركةُ الصاعدةُ في سلوكٍ أخلاقيٍّ أو بناءٍ حضاريّ، فهي ليست سوى رجعِ صدىً لحنوِّ اللهِ وحنانِه حيالَ الإنسان. وحينَ يصيرُ الله، بمحبّتِه، هو المُضحّى به على الصليب، في مستوانا نحن، لا يبقى لنا إلّا أن نندفعَ صوبَ البابِ الذي يشرعُه لنا، إليه، إلى اللانهاية. لم يعد فوقَ رؤوسِنا سقف، ولا شيءَ يمكنُ أن يوقفَ اندفاعَنا. وإن لم يكن ماضينا كافيًا لنا، فأمامَنا الزمنُ المعطى لنا الآن، وذاك الذي سيأتي، وكذلك زمنُ إخوتِنا وأخواتِنا، لأنّنا جميعًا نشكّلُ إنسانًا واحدًا، منجذبًا نحو المجد.
عندما بشّرَ الملاكُ جبرائيلُ مريمَ بأنّ ابنَها سيملكُ وأنّ "مُلْكُهُ لَنْ يَكُونَ لَهُ نِهَايَةٌ" (لوقا 1: 33)، كان يقولُ لها إنّ الناصريَّ سيملكُ في مملكةِ المحبّة، أو بالأحرى، إنّه هو نفسُه هذه المملكة، وسيتجاوزُ الدهورَ فورًا مع أولئكَ الذين يحبّهم.
في خدمةِ عيدِ البشارة، نرتّل: "آدمُ يتجدّد، وحواءُ تتحرّرُ من حزنِها الأوّل". يغدو جسدُ مريمَ متألهًا، ويتغلّبُ على الحاجزِ القائمِ بين اللهِ والبشر، ليسكنَ في النورِ الإلهيّ ويُشرِكَ كلَّ خليّةٍ بشريّةٍ في جسدِ المسيحِ المشعّ. لقد غدا التلامسُ مع النعمةِ حقيقةً معاشة؛ وبذلك حقّقنا النصرَ على الخطيئةِ والموتِ وكلِّ المصائبِ الملازمةِ لهما. لقد ظهرَ إنسانٌ جديد. حدثَ تغييرٌ نوعيّ: من حياةٍ بدونِ المسيحِ عبرنا إلى حياةٍ فيه. هذه الحالةُ الجديدةُ أضحت واقعًا في هذا العالم. إنّها تتطلّبُ منّا، هنا والآن، أن نكتبَ تاريخَ اللهِ في البشر.
ومع ذلك، "لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ!" (لوقا 17: 1). وهي جمّة. حتّى في الكنيسةِ ذاتِها! نحنُ نعرفُ هذه العثراتِ جيّدًا؛ ويعرفُها أيضًا أولئك الذين لا يحبّوننا، لكنّهم لا يلحظون تلك القداسةَ وتلك التوبةَ اللتين تعبران أيضًا تاريخَ المسيحيّةِ كلّه. فالتوبة – أي وعيُ الخطيئة – يمكنُ أن تكونَ قويّةً جدًا في المناخِ المسيحيّ، علمًا بأنّه ما من تقليدٍ دينيٍّ آخرَ يتميّزُ بمثلِ هذا الإدراكِ الحادِّ للخطيئة.
في الواقع، نحنُ مدعوّون لأن نكونَ مثلَ المسيح، لا أقلّ. وللأسف، فإنّ معظمَ المؤمنين يتعثّرون ويسقطون عن "سلّمِ الفضائل" الذي نحاولُ ارتقاءه، وقلّةٌ نادرةٌ هم الذين يبلغون القمّة. هؤلاءِ يقطنون في الأعالي، هم مقربون بالفعلِ من العرشِ ويختبرون بأنفسِهم هولَ وسُكْرَ الوقوفِ أمامَ الله. من المستحيلِ تصوّرُ صلاحِهم وتواضعِهم والنورِ الذي يضيءُ شغافَ قلوبِهم!
المسيحيّ، عندما يغدو قدّيسًا، يتمتّعُ بنورِ اللهِ هنا والآن. هؤلاءِ القلّةُ يشكّلون الكنيسةَ المقدّسة، المقبولةَ كليًّا من العريس. علماؤنا اللاهوتيّون العظام يعرّفون الكنيسةَ هكذا بالضبط. وبالتالي، فإنّ الأعضاءَ الحقيقيّين للكنيسةِ ليسوا جزءًا من المجتمعِ المسيحيِّ الأفقيِّ الذي يستطيبُ الخطيئةَ إلى هذا الحدّ. ومع ذلك، فهم لا يزالون يتقبّلونَه، تمامًا كما يتقبّلون بمحبّة، وبنفسِ القوّةِ والإخلاص، أيَّ مجتمعٍ بشريٍّ آخر – بقدرِ ما يُسمحُ لهم بممارسةِ حرّيةِ المحبّةِ تجاهَه.
من يرتقي على أجنحةِ الرجاءِ إلى الكمالِ الإنسانيّ، يصيرُ، بوعيٍ أو بغيرِ وعي، حاملاً للطاقةِ المنبعثةِ من يسوع. كلُّ المتألّمين، أنّى كانوا، سواءٌ وجدوا ملجأً في العزلةِ أو تاهوا في صحراءِ القلوبِ البشريّة، تحرقُهم نارُ الحزنِ واليأس. كلّهم ينتمون إلى المسيحِ بالرجاء، بصرفِ النظرِ عمّا إذا كانوا قادرين على التعبيرِ عن ذلك ولو بتمتمة.
المسيحيُّ الذي تثبتُ هويّتُه المسيحيّةُ بطاقةِ الهويّة، ليس في مركزِ محبّتِي أكثرَ من أيِّ مخلوقٍ آخر. المعموديّةُ تمنحُ قوّةً يمكنُ أن تتحوّلَ إلى فعل، ويمكنُ أن تبقى حرفًا ميتًا. ثمّةَ من اعتمدوا بالماء، وهناك من اعتمدوا بدموعِهم. الماءُ لا يعني شيئًا إذا لم تُحيِه الدموع.
إنّ رسالةَ الإنجيلِ عن التجسّدِ تعني أنّ الصليبَ خلفَنا وأمامَنا. ولكن كما قادَ "كينوسيس" المسيحِ إلى قيامتِه، كذلك نحنُ نجتازُ طريقَ صليبِنا الشخصيِّ إلى قيامتِنا الشخصيّة. وهذا يسري أيضًا على الكنيسة، التي، بفعلِ "المحبّةِ الجنونيّة" (Manikos Eros) الموجّهةِ إليها، تصلُ عبرَ الموتِ إلى القيامة.
كم من الناسِ يقبلون الموتَ ليبلغوا من خلالِه الحياة، مانحين بذلك الحياةَ للآخرين! إنّهم يرفضون بازدراءٍ العثراتِ الحتميّة، ليتغنّوا بمجدِ المسيحِ وحدَه. ها هي معجزةُ الطهارة، ها هي القصيدةُ التي تُكتَبُ بالدمِ والصبر! هذا هو التجلّي! التجلّي ليس شيئًا مضمونًا، بل هو هبةٌ مجّانيّةٌ من الله، ترفعُنا إلى رجاءٍ لا نهائيّ.
إذن، الموتُ والقيامةُ صنوانِ لا ينفصلان، والفصحُ هو تاريخُ هذا الاقتران. مثلُ هذه الوحدةِ بين الموتِ والحياةِ لا يؤكّدُها إلّا حدثٌ واحد، حقيقيٌّ فقط بالنسبةِ للمسيح. واقتداءً به، يبصرُ أحباؤه هذا الحدثَ في عمقِ السرِّ والتأمّل. إذا بقينا في مجالِ المنظور، فأمامَنا حدثان متتاليان ولكنّهما مستقلّان. ومع ذلك، فهما مترابطان بشكلٍ غيرِ منظور، وعيدُ الفصحِ يعلنُ هذه الوحدةَ أفضلَ من أيِّ لاهوت. فالألمُ بحدِّ ذاتِه لا معنى له، وكذلك القيامةُ التي لا تنيرُ بحضورِها السرّيِّ الصليبَ نفسَه، بل تُفهَمُ كتغييرٍ محض، مستقلٍّ عمّا يسبقُه. النصرُ والجراحُ رافقا، وسيُرافقان دائمًا، القائمَ من بينِ الأموات.
في المسيحيّة، لا يوجدُ لاهوتٌ للألم، بل لاهوتٌ للقيامةِ فحسب. الألمُ بغيض، لأنّه مرتبطٌ بالخطيئة. "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رومية 6: 23). وكذلك الموتُ بغيض، لأنّه يعارضُ الكينونة. "آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ". نحنُ نؤكّدُ في إيمانِنا أنّه "في البدء" لم يكن الموتُ موجودًا، بل دخلَ بالمكر، وجاءَ كعقاب. لذلك، من العسيرِ تسميةُ المسيحيّةِ دينًا يبشّرُ بالألم، والمسيحيّين أناسًا يتلذّذون بالمأساة. نحنُ لا نتباهى بالحزنِ والمصائب، والحزنُ ليس بالنسبةِ لنا معيارًا للقداسة. على العكس، نحنُ نؤيّدُ الصبرَ لأنّه يجلبُ العزاء.
إذا تكلّمنا لاهوتيًّا، فلا يجوزُ لنا أن نئنَّ في الآلامِ والأحزان، ولا أن نخلقَها عن قصد، ظانّين أنّنا بذلك نتّحدُ بالمسيحِ على الصليب. هذا من شأنِه أن يعظّمَ شيئًا لا يفعلُ سوى التقليلِ من الكينونة. ضعفُ جسدِنا وحزنُ روحِنا هما، للأسف، صفتان مكتسبتان. إنّهما يرافقان حياتَنا اليوميّة. ونحنُ كمسيحيّين لسنا بحاجةٍ إلى السعيِ إليهما أيضًا؛ بل على النقيض، رجاؤنا يكمنُ تحديدًا في التغلّبِ عليهما والشفاءِ منهما. ومع ذلك، لن نشاركَ في كينونةٍ أكملَ إلّا من خلالِ الفسادِ الذي يعيشُ فينا؛ فبوقوعِنا أسرى للفسادِ بدأنا مسيرتَنا نحو الموت، ولكن حتّى في هذه المسيرةِ نسعى إلى الحياة. الصليبُ والقيامةُ زوجان لا ينفصلان.
الصليب، الذي نسجدُ أمامَه على الأرض، يحثّنا على اكتشافِ أغوارِ الإنسان. الصليبُ حاملٌ للحياة. منه يشعُّ النور. وهو الذي يقودُنا إلى القيامة. "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مرقس 8: 34). لكي نتبعَ يسوع، يذكّرُنا الإنجيل، يجبُ أن نُهلِكَ حياتَنا ونحملَ صليبَنا. هذه دعوةٌ للتغلّبِ على "الأنا" المنغلقةِ وكلِّ ما يعيقُ حركتَنا نحو الحقيقةِ والمحبّة.
ثمّ تأتي كلمةٌ جديدةٌ من الربّ: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مرقس 8: 36). بهذا يقولُ لنا إنّ كلَّ ما نملكُه، مالًا كان أم سلطة، يمكنُ أن يقودَنا إلى الهلاكِ إذا تعلّقنا به بشغف. عندما يكونُ لدينا إيمان، نحيا كليًّا بالرجاء، لأنّنا حينئذٍ لا نسعى في حياتِنا اليوميّةِ إلّا لشيءٍ واحد – أن نمتلئَ بالنعمةِ المنسكبةِ علينا. إذا أردنا أن "نغتنيَ بالله"، فلا بدّ أن نعيشَ في الفقر. يجبُ أن نموتَ اليومَ لنحيا غدًا.
بمحبّتِنا للمالِ والقوّةِ الجسديّة، نخاطرُ بأن نسمحَ لهما بابتلاعِنا ومنعِنا من الاتّكالِ على الله. لن يقبلَنا اللهُ إلّا عندما نتجرّدُ من كلِّ هذه الأشياء – فالمالُ والقوّةُ والجسد – كلُّ هذه حقًّا "أشياء" – وحتّى من أنفسِنا. نصبحُ شيئًا عندما ننظرُ إلى أنفسِنا كملكيّةٍ لنا: نهلكُ إذا صادقنا ما هو محكومٌ عليه بالهلاك. كتبَ الأميرُ نياغوي باساراب، الذي حكمَ رومانيا في القرنِ السادسَ عشر، إلى ابنِه: "من وُهِبَ عقلاً مستنيرًا، لا يظلمُه لا مُلك، ولا سيادة، ولا بطريركيّة، ولا أسقفيّة، ولا رئاسةُ دير، ولا كلُّ هذا الزائلِ الذي يشغلُنا؛ همُّه الوحيدُ هو أن يحبَّ الربَّ الإلهَ من كلِّ قلبِه".
من تحرّكَه إيمانٌ عظيم، لا ينتمي إلى العالم. بل العالمُ ينتمي إليه. هو لا يخاف، لأنّه ليس من العالم. إنّه يبني بالمحبّةِ كونًا جديدًا. المؤمنون قلّة، ولكنّ إيمانَهم هو الذي يحرّكُ العالمَ نحو التجلّي. كلُّ ما هو أفضلُ في العالمِ يأتي من الأعمالِ الصالحةِ للأنقياءِ القلوب. "حكماءُ العالم" يعتبرون المؤمنين الحقيقيّين سذّجًا، لأنّهم ليسوا عدوانيّين ولا ماكرين. "الحكماء" يعتبرون من يرفضُ الكذبَ والمكرَ بسيطًا. على العكس، بالنسبةِ لمن يعيشُ في الطهارة، فإنّ "المتجلّي" يمرُّ عبرَ الأزمنةِ ويسودُ عليها، يملؤُها بسخاءٍ بثمارِه. إنّه يفهمُ كلَّ الأشياءِ في الله، بينما الآخرون يتوهون على سطحِ كينونتِهم متفرّقين ويأخذون قلقَهم على أنّه الواقع.
عندما يكتبُ الرسولُ بولس: "وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غلاطية 5: 24)، يريدُ أن يقولَ إنّ صلبَ المؤمنِ السائرِ على طريقِ التطهيرِ هو وحدَه الذي يعكسُ جمالَ المخلّص. خارجَ مثلِ هذا الصلب، ستتحوّلُ "شهواتُ" المسيحيِّ إلى قمعٍ للآخرين. ثمّ يقولُ الرسول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلاطية 6: 14). بهذا يذكّرُنا بأنّ المؤمنَ يجبُ أن يفرحَ بصلبِه، لأنّه يجعلُه مستقلاً عن العالم، وبالتالي سيّدَه.
على النقيضِ من ذلك، إذا سمحَ المؤمنُ لنفسِه بأن ينجرفَ وراءَ عدمِ الاعتدال – وحبُّ السلطةِ هو أحدُ أشكالِه – فلا يمكنُه التباهي إلّا بالآلامِ التي يسبّبُها للآخرين.
المؤمنُ لا يبحثُ عن الصليبِ بجنونٍ محموم؛ الصليبُ هو الذي يبحثُ عنه، الأشرارُ يجرحونَه بقسوةٍ دونَ استئذان. هذا لا يعني أنّ المسيحيَّ يجبُ أن يستمتعَ بالاضطهاداتِ وأنّه ليس من حقِّه مقاومةُ الظلمِ والضيقِ الذي قد يتعرّضُ له – فالآباءُ الشهداءُ ثاروا مرارًا ضدّ إرادةِ الأباطرة – ولكنّ المسيحيَّ الحقيقيَّ يعرفُ أنّ أهلَ العالمِ يريدون هلاكَه وأنّ هذا هو نصيبُه في أرضِ الأحياء. إنّه يحاولُ أن يعلّمَهم الحرّية، مع علمِه بأنّ الحرّيةَ الحقيقيّة – تلك التي تحرّرُ بحقٍّ وحقيقةٍ كلاً من المغتصبِ والآخرين – نادرةٌ جدًّا، لأنّها ابنةُ الإيمانِ الإنجيليّ، الذي يعيشُ في خدمةٍ شاملةٍ وعملٍ دؤوب.
من له خبرةُ هذه الحرّية، يخشى عليها، لأنّه يعرفُ كم هي هشّة. إنّهم يدركون أنّ البحثَ عن هذه الحرّيةِ لن ينتهيَ أبدًا وأنّه لا يوجدُ مجتمعٌ يمكنُه اعتبارُها مكتسَبة. لأنّ الحكوماتِ غالبًا ما تميلُ إلى عدمِ إعطاءِ أهمّيّةٍ للنصوص، والديماغوجيّةُ تطلقُ العنانَ للشرِّ والكراهية. مأساةٌ تلوَ أخرى، بحيثُ يظلُّ من الضروريِّ دائمًا، قدرَ الإمكان، محاولةُ ضمانِ الحرّيةِ على مستوى التشريعِ وهياكلِ الدولة.
سندُنا الحقيقيُّ في الله. فيه نبحثُ عن باكورةِ الحياةِ الجديدة. في هذه الأزمنةِ القاتمة، عندما يضطهدُنا كلَّ يومٍ "أهلُ البيت" والجيران، لم يعد بإمكانِنا أن نغترَّ بالوعودِ ونستمرَّ في خداعِ الآخرين بها. نحنُ مع المسيحِ كأنّنا نقفُ على صخرةٍ متزعزعة، نعملُ ونرى كيف يعملُ الآخرون بضعفٍ وعجز. نتضاءل، "لنعطيَ مكانًا للغضبِ الإلهيّ"، عندما تحنينا آلامُ العالم، ولكنّنا أيضًا نصعدُ إلى قممِ الرجاء، متشبّثين بأعشابٍ لا يكفُّ الربُّ عن إرسالِها إلينا. هكذا تسيرُ حياتُنا، وهكذا ستكونُ حتّى نهايةِ الأزمنة، حتّى المجيءِ الثاني والمجيدِ للمسيح.
إذا نسينا، ونحنُ أمامَ الصليب، ولو للحظةٍ واحدة، النصرَ الآتي، فهذا يعني أنّنا نوافقُ على أنّ الألمَ يخلّص، بينما نعرفُ يقينًا أنّه ليس سوى تعبيرٍ عن إدانتِنا، وسقوطِنا الوجوديّ. بتأمّلِنا روحيًّا أمامَ الصليب، لا يجبُ أن نرى فيه فقط أداةَ إعدامِ المخلّص؛ بتأمّلِنا الصليب، نسجدُ له، فبفضلِه امتلأَ الكونُ فرحًا.
لهذا السبب، في الفنِّ البيزنطيّ، كان المصلوبُ يُصوَّرُ في الأصلِ بعينين مفتوحتين بكلِّ كمالِ أصالتِه وواقعيّتِه – ميتًا، ومع ذلك، ملكًا: "لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" (عبرانيين 2: 10). لقد "كمّلَ" اللهُ المسيحَ – أي جعلَه كاملاً في طبيعتِه البشريّة – من خلالِ الآلامِ على الصليب، وبالصليبِ تمجّد.
خلالَ مواجهتِه الأخيرةِ لمملكةِ الموت، يقولُ يسوع: "الآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟ وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ. أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ!". فيجيبُه صوتٌ من السماء: "مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!" (يوحنا 12: 27-28). يتبعُ هذا المشهدَ حديثٌ موجزٌ جدًّا عن النور: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ..." (يوحنا 12: 46). وفي خطبةِ الوداع، يطوّرُ المعلّمُ هذا الموضوع، مختتمًا هكذا: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يوحنا 17: 5). إذن، هذا المجد، الذي كان عندَ التجسّدِ مخفيًّا في الطبيعةِ البشريّة، لم يفارق الربَّ أبدًا في جوهرِه وظهرَ فيه مجدّدًا في ساعةِ موتِه.
لم يمت المسيحُ رغمَ إرادتِه، ولا ميتةً عنيفة. لم يستطع أحدٌ أن يُكرِهَه على الموت. ظنَّ أعداؤه أنّهم أهانوه، ولكنّه هو، من محبّتِه، منحَهم الحياة. لم يجلب له الموتُ سوى الشرفِ والتمجيد. لم يُهزَم المسيحُ من الموت. لقد خضعَ طوعًا للموتِ للحظة، ولكنّه في اللحظةِ ذاتِها تحرّرَ وانتصرَ عليه.
ترنيمةُ الفصحِ تذكّرُنا بذلك: "المسيحُ... واهبُ الحياةِ للذين في القبور". رأى الناسُ الموت، ولكنّه بالحقيقةِ كان خارجَ القبرِ الذي وضعوه فيه. ليس بعدَ ثلاثةِ أيّام، بل فورًا، داسَ الموتَ بالموتِ وأعطى أولئك الذين يحبّهم القوةَ ليتحرّروا منه. القيامةُ في اليومِ الثالثِ ليست سوى تجلٍّ منظورٍ في فترةِ زمنيّةٍ محدّدةٍ وملموسةٍ لتلك الومضةِ من النورِ التي أشرقَ بها المسيحُ في الجمعةِ العظيمة. لسنا أمامَ فيلمٍ تتوالى فيه الصور، بل أمامَ واقعٍ خلاصيّ، ويتجلّى بطرقٍ مختلفة. نحنُ في صميمِ سرّ، لا يدركُه العقل، ولا يسعُنا إلّا أن ننحنيَ كليًّا.
نحنُ بعيدون عن ذلك اللحمِ والدمِ اللذين يقدّمُهما لنا المسرحُ والسينما بوفرةٍ في الأعمالِ المكرّسةِ لآلامِ المسيح. الحزنُ على يسوع، والأسفُ عليه – يعني إنكارَ الجانبِ الإلهيِّ والمضيءِ للخلاص، كأنَّ اللهَ سمحَ بهلاكِ ابنِه ليرويَ بدمِه غضبًا إلهيًّا ما. قيل لنا إنَّ العدالةَ تطلّبت موتَ الله، لأنّ مثلَ هذا الموتِ فقط كان يمكنُ أن يرضيَ الغضبَ الذي أثارتُه خطيئةُ الإنسانِ لدى الله. هذه الهرطقةُ انتشرت في القرونِ الوسطى في اللاهوتِ الغربيّ؛ وقد طبعتِ التقوى الغربيّةَ أيضًا، مشجّعةً لدى المسيحيّين نوعًا من الولعِ بالأحزانِ وحاثّةً الناسَ على التباهي بآلامِهم، واعتبارِها علامةَ نعمة، وكأنَّ المشوّهين والمسوخَ هم الأقربُ إلى الله.
أصبحَ البحثُ المبالغُ فيه عن الشقاءِ علامةً للفضيلة. وفي العروضِ المكرّسةِ للمسيح، سعوا لإظهارِ ضعفِه، ومرضِه، لتصويرِه كجثّة. ومع ذلك، يعلّمُنا التقليدُ القديمُ أنّه حتّى كلمة "جثّة" لا تليقُ بالربّ، بسرِّ موتِه. جسدُ المسيحِ على الجلجثةِ وفي القبرِ هو ذاتُ الجسدِ الجالسِ على العرشِ مع الآبِ والروح.
المسيحيّون الذين يفصلون بين طبيعتي المسيحِ ويصرّون على إنسانيّتِه المتألّمة – لأنّ ذلك أسهل، ولأنّه يجعلُ المسيحَ شبيهًا بنا أيضًا – يقعون، في الواقع، في هرطقةٍ نسطوريّة. صحيحٌ أنّ المسيحَ كان، مثلَنا، من لحمٍ ودم، وأنّه شابهنا في كلِّ شيءٍ ما خلا الخطيئة. ولكنّه يدعونا لنكونَ مثلَه، بمعنى آخر: لقد تعالى فوقَ الآلامِ الجسديّة، وتقبّلَها على نفسِه، في ألوهيتِه، وحوّلَها إلى مجالٍ لعملِ محبّةِ الله.
أنّ المسيحَ شابهنا – هذا معروف. وأنّنا يجبُ أن نشابهَ المسيح – هذه دعوةٌ لنا. للأسف، كثيرٌ من المسيحيّين لا يميّزون ذلك، مفضّلين ممارسةَ – سواءٌ في روحانيّتِهم، أو في العقليّةِ النابعةِ منها، أو في التعبيرِ الفنّي – نوعٍ من النسطوريّة، بفصلِ طبيعتِه البشريّةِ عن الإلهيّة. ينتجُ عن ذلك مسيحيّةُ إماتة. لقد رأى نيتشه هذا جيّدًا حينَ ندّدَ بالمسيحيّين كمنحطّين. المسيحيّةُ العاطفيّة، المحبّةُ للحزن، مثلَ المأساةِ اليونانيّة، تضعُ الإنسانَ في ظلِّ العبوديّة.
ابتداءً من تجسّدِ المسيحِ وبفضلِ كلِّ ما كشفَه لنا عن نفسِه، نحنُ أناسُ القيامة. روحُ القيامةِ موجودٌ في كلماتِه وفي معجزاتِه. روحانيّتُه مشرقةٌ ومبهجة. إنّه يضمّدُ الجراحَ وينيرُها بأكاليلَ من نور.
عندما يلتقي اللهُ الموت، فإنّه يبيدُه، ولا داعيَ للحديثِ عنه بعد، لأنّ المسيحَ "لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. الْمَوْتُ لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ بَعْدُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ فَقَدْ مَاتَ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً" (رومية 6: 9-10). أمّا نحن، فسنبقى مع فصحِنا المسيحِ الحيِّ وسنعيشُ تحتَ ظلِّه بين الشعوبِ حتّى نهايةِ الأزمنة.
في حديثِه مع مرثا، قبلَ إقامةِ لعازر، يعطي يسوعُ معنىً جديدًا لمفهومِ القيامة، مؤكّدًا أنّه هو نفسُه القيامة. إنّه لا ينكرُ القيامةَ في اليومِ الأخير، التي تؤكّدها مواضعُ كثيرةٌ في الكتابِ المقدّس، ولكنّه يضعُنا أمامَ قيامةٍ قد تحقّقت بالفعل، تحدثُ اليوم، وليس فقط في اليومِ الأخير. نقفُ كأنّنا أمامَ "تكثيفٍ" للزمن، تحقيقٍ للرجاء، كأنّ الأزمنةَ الأخيرةَ جاءت "مضغوطةً" في اللحظةِ الحاليّة. المسيحُ معاصرٌ لكلِّ إنسان. مع أنّه جاءَ إلى الأرضِ في الماضي، إلّا أنّه لا يزالُ هنا الآن. إنّه ليس فقط "آتيًا" في نهايةِ الأزمنة، بل هو دائمًا يأتي إلينا ويقيمُ بيننا. إنّه معنا ليس فقط في تعليمِه – إنّه حاضر. نحنُ لا نتعاملُ مع كتاب، بل مع شخصٍ حيّ، لا يُظلِمُه أيُّ ليل. نحنُ أنفسُنا نشاركُ في الكينونةِ فقط بقدرِ ما خُلقنا على صورةِ هذا الشخص. تفرّدُ المسيحيّةِ يكمنُ في أنّها لا تتكوّنُ فقط من تعليمٍ عن المسيح، أو رأيٍ عن الله، أو تصوّرٍ عن العالمِ وما يترتّبُ عليه، بل هي قبلَ كلِّ شيءٍ وأكثرَ من كلِّ شيءٍ المسيحُ نفسُه وعلاقتُنا الشخصيّةُ به، أمانتُنا له.
إذن، محبّتُنا ليسوعَ الناصريِّ هي المعيارُ المطلقُ الذي نمتحنُ به أفعالَنا. يسوعُ الناصريّ، وليس الأرضُ أو السماء – هو ملجؤنا الوحيد. لذلك يقول: "مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يوحنا 11: 25). مع أنّ الفعل "سيحيا" يعني بحدِّ ذاتِه المستقبل، فإنّ تتمّةَ الجملةِ تزيلُ كلَّ لبس: "وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ" (يوحنا 11: 26). لقد قيل بوضوحٍ إنّ المؤمنَ لن يعرفَ الموت، وإنّه غيرُ خاضعٍ للموت. إنّه أسمى من الحزن، أسمى من المأساة، يجدُ الراحةَ في ذاك الذي يمنحُه، كما يمنحُ الكونَ كلّه، القيامة. القيامةَ التي يتذوّقُها مسبقًا هنا، بكونِه مع المسيح. هنا نرى لماذا يرتبطُ سبتُ لعازرَ ارتباطًا وثيقًا بالفصح: إنّه يمثّلُ الطريقَ الذي يقودُ من الاستعادةِ إلى الانبعاث، المسيرةَ نحو جمالِ ذاك الذي يقولُ عنه إشعياء (42: 1-4): "هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ. وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ" (متى 12: 18-21).
في هذا الفتى، في اكتشافِه، تكمنُ العفّةُ الحقيقيّة، والزهدُ العظيم. سيُعطى لنا بقوّةٍ لا يحلمُ بها أولئك الذين يستمتعون بالسلطة. الوديعُ لا يثبتُ شيئًا، هو نفسُه إثبات. هو وسيط، وهو لغةٌ أيضًا. الآخرون يصرخون، وكلُّ صرخةٍ هي تضخّمٌ للكينونة، ادّعاءٌ بالكينونة. الوديعُ يعترفُ بـ"آخريّةِ" الآخر، لأنّه لا يرغبُ لنفسِه في حرّيةِ التحدّي، بل تلك الحرّيةِ التي تضعُ نفسَها موضعَ تساؤلٍ في الحوار، أي حرّيةِ المحبّة. من يحبّ، يفضّلُ أن ينكرَ ذاتَه ويموتَ على أن يصرخ. إنّه عنيدٌ في محبّتِه إلى درجةِ أنّه يجبرُ الآخرَ أيضًا على الانفتاح. وعندئذٍ يتعرّفُ النورُ على نفسِه في النور. وفي هذا تكمنُ الشجاعةُ الحقيقيّة، السلطةُ الحقيقيّة. لذلك، الوداعةُ يملكُها الأقوياء.
لشبّهتُ الوديعَ بالمرأة – بمعنى أنّه قادرٌ على قبولِ الآخر. الوداعةُ هي حوارٌ بين شخصين يرفضان أن يكونَ أحدُهما سيّدًا والآخرُ عبدًا. الوداعةُ نصيبُ أولئك الذين تحرّروا من الخبثِ الذي لوّثت به الحضارةُ كلا الجنسين. هذا هو موقفُ الإنسانِ الجديدِ الذي يحيا أبديًّا في حضنِ اللهِ وفي حضنِ المرأة. ولهذا يقولُ المعلّمُ السريانيُّ العظيمُ أفرام إنّ اللهَ أمّ. هو أمٌّ لأنّه يرحمُ ويتعاطفُ ويتنازل. في اللغاتِ الساميّة، كلمةُ "الرحمة"، التي تدلُّ على كلِّ هذه الصفات، تعودُ إلى كلمةِ "رَحِم". كلّنا، رجالاً ونساءً، ننحدرُ من رحمِ اللهِ الأموميّ.
الوديعُ ليس ساذجًا. إنّه يرى الأشواك التي تبرزُ من بعضِ الناس، لكنّه يعرفُ أنّ أشعّةَ نورِه ستُلينُ حدّتَها. لا يمكنُ إزالةُ الصعوباتِ بطريقةٍ أخرى. وإلّا، ستتصادمُ الرماح، وسيتوقّفُ الإنسانُ الطيّبُ عن كونِه طيّبًا. عفّةُ الطيبة، ككلِّ عفّة، يفسدُها العنف.
يجبُ أن يقترنَ التواضعُ بالوداعة. لهذا السببِ يقولُ يسوع: "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (متى 11: 29). لماذا شاءَ المعلّم، الذي امتلكَ كلَّ الفضائل، أن يصفَ نفسَه بهاتين الفضيلتين تحديدًا؟ لقد أرادَ أن يُفهِمَنا أنّنا إذا بلغنا التواضع، فإنّ كلَّ ما كان حتّى الآن يعيقُنا عن الوصولِ إلى الوداعةِ سيختفي فينا. تواضعُنا يكمن، في جوهرِه، في أنّ الإنسانَ يدركُ تفاهتَه. المخلوقُ لا يجرؤُ على تسميةِ نفسِه متواضعًا أو على الاعتقادِ بأنّه اقتربَ من التواضع، لأنّ التواضعَ هو إنكارٌ كاملٌ للذاتِ أمامَ اللهِ والإخوة. فاللهُ وحدَه يستطيعُ أن يقولَ من أنا. في الـ"كينوسيس" الكامل، الذي هو التواضع، تختفي كلُّ تلك الأشواكِ والمخالبِ والأنيابِ التي يؤكّدُ بها الإنسانُ "أناه". الوداعةُ ابنةُ التواضع، وهي تحثّني على أن أقول: "خذني يا ربُّ تحتَ جناحِك". أختبئُ تحتَ هذا الغطاء. واللهُ سيقبلُني كما أنا، غيرَ مستنير. سيقبلُني كتقدمة، لأنّ الربَّ نفسَه أيضًا تحتَ غطاء. فيه لن تمسّني شمسُ الظهيرةِ ولن يُدمَّرَ مسكني، لأني تحتَ غطاءٍ لا يشفُّ من خلالِه إلّا عيناي، لأتحدّثَ ببساطة، بلغةِ المحبّة. وأعلمُ أنّي، بفعلِ ذلك، سأوصلُ الرسالة، وأنّ من ينظرُ إليّ بخجلٍ سيجدُ له مكانًا في بلدِ السلام.
حركةُ المحبّة
الثالوث، في الوجدانِ المسيحيّ، هو ينبوعُ كلِّ فكرٍ، وأسُّ كلِّ عمل. المسيحيّةُ تعرفُ اللهَ محبّةً، هكذا سُطِرَ في رسالةِ يوحنّا الرسولِ الأولى. بهذا المعنى، أصلُ المحبّةِ إلهيّ. لذلك، لا يستطيعُ الناسُ أن يلاقوا المحبّةَ ويتعرّفوا إليها إلّا بقدرِ ما يحيون في الله. بل أكثرُ من ذلك، المحبّةُ هي الحياةُ في الله. لقد تكشّفَ هذا تاريخيًّا في صلبِ يسوعَ المسيح. الصليبُ هو المكانُ الذي ترسّخَ فيه هذا اليقين، ومنه فاضَ على الكون. هو أفضلُ ما أُتيحَ لنا لنعرفَ الله.
تُفهَمُ المحبّةُ على أنّها تلك الحركةُ المنطلقةُ من الآبِ إلى الابنِ والروح. وبالتالي، فإنّ الابنَ كائنٌ لأنّه محبوب. في حركةِ المحبّةِ هذه، هو نفسُه يحبُّ الآب، تمامًا كما أنّ كلَّ واحدٍ من الأقانيمِ الثلاثةِ مُحِبٌّ ومحبوب. هذه المحبّةُ الأزليّةُ هي مصدرُ وحدةِ الأقانيم، لكنّها لا تجرّدُ أيًّا منها من طابعِه الخاصّ. وكما أنّ وحدةَ الثالوثِ لا تُقصي اختلافَ الأقانيم، كذلك اختلافُهم لا ينفي الوحدة. الوحدةُ تكمنُ في تلك الحركةِ الأزليّةِ التي هي المحبّة.
الآب، منذُ الأزل، ووفقًا لطابعِه الأقنوميّ، يهبُ الابنَ بسخاءٍ عبرَ ولادتِه إيّاه وانبثاقِ الروحِ القدس، لتكتملَ دائرةُ المحبّة. وبعبارةٍ أخرى، يختفي الآبُ في الابن، لأنّه منذُ الأزلِ ينبوعُ المحبّةِ للابن، وكلاهما معًا محبّة. تتجلّى المحبّةُ في الكلمةِ وفي الروحِ تحديدًا لأنّها ملازمةٌ للطبيعةِ الإلهيّة. إنّ حقيقةَ أنّ الابن، بولادتِه، يتقبّلُ الآبَ الذي هو محبّة، تحثُّ الابنَ أيضًا على التجلّي في الآب، أي على إنكارِ "أناه". كلٌّ منهما شخصٌ محبوبٌ وشخصٌ مُحِب، وفي هذه الحالةِ لا ينفصلان.
هذا يفسّرُ لماذا كثيرًا ما نسمّي الأقنومَ "شخصًا". عندما يتّجهُ شخصٌ إلى شخصٍ آخر، يحدّقانِ في بعضِهما البعض، وكلاهما في شخصٍ ثالث. إذن، المحبّةُ تكمنُ في النظرِ وجهًا لوجه. لكلٍّ من الأقانيمِ الإلهيّةِ الثلاثةِ خصائصُه: الآبُ غيرُ مخلوقٍ وغيرُ مولود، الابنُ مولودٌ من الآبِ قبلَ الدهور، والروحُ القدسُ ينبثقُ من الآب. هذه هي الخصائصُ المميّزةُ لكلِّ شخص. كلّهم يلتقون في الوحدة، أو في المحبّة.
وهكذا، تمثّلُ المحبّةُ بالنسبةِ لنا الرباطَ الأزليَّ بين الأشخاصِ الثلاثةِ للإلهِ الواحد. بالمعنى العدديّ، اللهُ ليس واحدًا، بل هو محبّةٌ واحدة، حركةٌ أزليّةٌ بين الآبِ وكلمتِه وروحِه، ومن خلالِهم يأتي إلى العالم. لقد خُلِقَ العالمُ بالمحبّة، ومن يختبرِ المحبّةَ في هذا العالمِ يشاركْ في حياةِ اللهِ ذاتِه.
لا تُعطى المحبّةُ إلّا لمن ينجذبُ إلى وجهِ الآب، لمن يعودُ إلى الآبِ كالابنِ الشاطر، مع كلِّ من يحبّهم، ومع الكونِ بأسرِه. في الحقيقة، الكون، المجزّأ والمكسورُ اليوم، سيعودُ أيضًا إلى الآب، عندما يستنيرُ بالمسيحِ في اليومِ الأخير.
إنّ تألّهَ المحبّةِ سرٌّ لا يُدرَكُ إلّا في أغوارِ اللهِ وفي أغوارِ الروح. أيُّ تأكيدٍ آخرَ ليس سوى مقاربةٍ عقلانيّةٍ للربّ، وليس محاولةً للوقوفِ معه وجهًا لوجه. والوقوفُ وجهًا لوجهٍ مع اللهِ يعني الدخولَ في عهدٍ معه، ممّا يرسّخُ اللهَ في الإنسانِ ويقوّي الإنسان. لا ينبغي اتّهامُ أنصارِ المحبّةِ بالحلوليّةِ (pantheism) بسببِ ذلك: لا أحدَ يقولُ إنّ الجوهرَ الإلهيَّ يمتزجُ بالجوهرِ البشريّ. ولكن بدونِ محبّة، لن يتمكّنَ اللهُ من امتلاكِ الإنسانِ والسكنى فيه. بالنسبةِ لأولئك الذين أُعطوا أن يستشعروا هذا، من الجليِّ أنّ اللهَ يقيمُ في الإنسان، والإنسانَ في الله، في مجدِه ونورِه.
وبقدرِ ما تتشرّبُ مشاعرُ الناسِ بهذه المحبّة، بقدرِ ما سيكونُ الناسُ في تلك العلاقةِ الثالوثيّةِ تجاهَ بعضِهم البعض، الكائنةِ في الله. لا يمكنُ للعاطفةِ البشريّةِ أن تدنوَ من المحبّةِ الإلهيّةِ إلّا عندما يقيمُ شخصان، المُحِبُّ والمحبوب، علاقةً بينهما ليست علاقةَ قربٍ خارجيّ، وهي الازدواجيّة، بل يتّجهانِ وجهًا لوجهٍ بحيثُ ينظرُ كلٌّ منهما إلى وجهِ الآخر، وكلاهما إلى وجهِ الثالث، الله. لأنّه هو وحدَه القادرُ على إحياءِ وجهينِ بشريّينِ وتثبيتِهما في الاستقلالِ وفي الوحدةِ معًا. المحبّةُ الإلهيّةُ هي سرُّ المحبّةِ البشريّة. الثانيةُ بدونِ الأولى إمّا أن تستنفدَ فورًا أو تستقرَّ فقط في مستوى الطبيعةِ البشريّة.
إذا نقلنا كلَّ هذا إلى مستوى الكينونةِ البشريّة، فإنّ عظمةَ اللهِ تكمنُ في أنّه يسمحُ بأن يُنقَلَ إلينا، ونحنُ نقول: أنا فيك، وأنت فيّ؛ لا يمكنُني أن أوجدَ كشخصٍ إلّا فيك، ولا يمكنُك أن تكونَ أنت إلّا فيّ. شخصيّتُك تعي ذاتَها وتحيا في حركةٍ نحو الآخر؛ تموتُ عندما تنغلقُ على ذاتِها. إذا أردتَ أن تكونَ ذاتَك، يجبُ أن توافقَ على النظرِ إلى الآخرين وجهًا لوجه، أي أن تعطيَ وتأخذ. أنت تحيا بقدرِ ما تبذلُ نفسَك وكلَّ ما تملك، وإذا لم تبذل، تموت. أنت لا توجدُ عندما تعي وجودَك كوجود، بل عندما تعي ذاتَك كهبةٍ لك. أنت توجدُ بقدرِ ما تبذلُ حياتَك، أي بقدرِ ما تموت. وإذا وعيتَ ذاتَك تمامًا كمُحِبّ، ستكونُ الكينونةَ كلَّها.
فما هذا السرُّ الذي يحثّك على الموتِ من أجلِ الآخرين والذهابِ لملاقاةِ الموتِ بلا خوف؟ لا يمكنُك أن تموتَ من أجلِ آخرَ إلّا إذا اعتبرتَه كلَّ شيءٍ بالنسبةِ لك. بما أنّه هو الكونُ كلّه، فإنّك تضحّي بنفسِك من أجلِه، وهذه هي الإمكانيّةُ الوحيدةُ لوجودِك. إذن، لا يمكنُك أن تحيا إلّا من خلالِ الموت. على العكس، إذا أعطيتَ نفسَك أيَّ أهمّيّة، لا يمكنُك تقديمُ أيِّ تضحية، لأنّ همَّك هو الحفاظُ على ما لديك. إدراكُ أنّك لا شيءَ هو الشرطُ المسبقُ لتوليدِ الآخر. لا يمكنُ للآخرِ أن يولدَ منك إلّا عندما تقتلُ "أناك". بموتِك، تقوم، وكذلك قريبُك، بنفسِ الحركةِ الواحدة، لأنّه لا يمكنُ لأحدٍ أن يقومَ من بينِ الأمواتِ دونَ المرورِ بالموت. وعلى العكس، من لا يوافقْ على قبولِ الموتِ طوعًا، سيمتْ في النهايةِ على أيِّ حال، وسيمتْ معه الآخرين – بنفسِ الحركةِ الواحدة.
لقد كشفَ المسيحُ سرَّ المحبّةِ هذا في الواقعِ التاريخيّ، وأظهرَه في قدرتِه على تقبّلِ الجراح. من جُرِحَ بمحبّةِ يسوع، يصبحُ مستودعًا لهذا السرّ. لهذا السبب، من المستحيلِ التمييزُ بين من يحبُّ بشكلٍ إلهيّ، والتمثيلِ الموثوقِ لوجهِ المسيح.
ولكنّ قدرةَ المسيحِ على تقبّلِ الجراحِ ليست سوى جانبٍ واحدٍ من إرادةِ الآبِ للبذلِ الذاتيِّ المتجلّيةِ في التاريخِ وخارجَه. الآبُ يستنفدُ ذاتَه في محبّتِه للابنِ والروح. المحبّة، بحكمِ تعريفِها، ليست سوى فناءِ الذاتِ في الآخر.
على هذه الأرض، يؤكّدُ الإنسانُ ذاتَه عندما يتواضع، أو يموتُ في الآخر. الطريقةُ الوحيدةُ للتعبيرِ عن المحبّةِ هي التغلّبُ على كلِّ ازدواجيّة. الموتُ في الآخرِ هو، في جوهرِه، قيامة. في الواقع، من يحبُّ لا يموت، لأنّه يبقى في حالةِ عطاءٍ دائم. ومن هو محبوبٌ لا يمكنُ أن يموتَ لأنّه يبقى في حالةِ قبولٍ دائم.
لا أحدَ يستطيعُ أن يدّعيَ أنّه يعيشُ هكذا إذا لم يؤمنْ بالله، ولم يدركْ أنّه يقيمُ في الله، ولم يشملْ بنظرِه الكينونةَ كلَّها. من ينظرْ بهذه الطريقةِ إلى الكينونةِ كلِّها، يجدْها جميلة، تمامًا كما اعترفَ اللهُ بأنّ كلَّ شيءٍ "حَسَنٌ جِدًّا". عندما ترى الغبارَ على وجهِ أخيك، ستحاولُ مسحَه، لأنّك تحبُّ جمالَه. موضوعيًّا، يمكنُك الاعترافُ بذنبِ أخيك، لكنّ الخطيئة، مهما كانت عظيمة، لن تشوّهَ أبدًا روعتَه الأصليّة. بل أكثرُ من ذلك، لن يتوبَ أخوك إلّا إذا أحببتَه. إذن، يجبُ أن تحبَّه، وأن تعتبرَه أفضلَ منك، وأن تعترفَ بكلِّ خاطئ، مجرم، فاسد، جميلاً مقارنةً بك، لأنّك مدعوٌّ لترى الفسادَ في نفسِك، وليس في الآخرِ أبدًا. اللهُ يعرفُ عن الآخر، وهو وحدَه الديّان. لا يمكنُك استباقُ الدينونةِ وجعلُ نفسِك ديّانًا.
هنا نلامسُ معنى الرحمةِ (الرحمنيّة) بالفهمِ الذي أعطانا إيّاه يسوع. كلمةُ "رحمة" (الرأفة، الشفقة) مشتقّة، بلا شكّ، من "رَحِم". عندَ الحديثِ عن رحمةِ الله، أكّدَ المعلّمُ السريانيُّ العظيمُ أفرام، وقبلَه إكليمنضس الإسكندريّ، أنّ اللهَ "أمّ"، لأنّه يلدُ جميعَ الناسِ ويقبلُهم عندما يعودون إليه. ربّما لكلمةِ "رحمة" معنىً آخرُ غيرُ كلمةِ "محبّة". ولكن إذا انتقلنا من المستوى اللغويِّ إلى الاندفاعِ الإلهيِّ ذاتِه، فهل يمكنُنا اعتبارُ حركةِ الرحمةِ وحركةِ المحبّةِ تنتميان إلى سجلّين مختلفين؟ قد يُظَنُّ أنّ للرحمةِ مجالَ تطبيقٍ أضيقَ من المحبّة، لأنّها غفرانٌ للخطايا. قد يبدو أنّها مرتبطةٌ أكثرَ بحالةٍ سلبيّةٍ في حياةِ الإنسان، تتغلّبُ عليها بالغفرانِ لتصلَ إلى الشفاء. بهذا المعنى، ستكونُ درجةً أو جانبًا من مفهومِ المحبّةِ الأوسعِ والأكثرِ شمولاً. في الواقع، محبّةُ اللهِ تتدفّقُ من قلبِ اللهِ ذاتِه، من أعمقِ كينونتِه الخفيّة. المحبّةُ ليست إحدى صفاتِه، ولا جانبًا من شخصيّتِه، بل هي كمالُ هذه الشخصيّةِ في حركتِها المستمرّةِ نحو قلبِ الإنسان. هدفُ هذه الحركةِ هو تحريرُ هذا القلبِ من الأنا وإقامتُه في الأنا الإلهيّة.
بالطبع، أتفهّمُ الواقعيّين أو أولئك الذين يدّعون الواقعيّة، الذين يقدّمون أنفسَهم كخبراءَ في التحليلِ النفسيِّ أو النفسيِّ المرضيّ، بينما هم في كثيرٍ من الأحيانِ مجرّدُ حملةِ أحكامٍ مسبقة. لنتخيّلْ أنّهم يستطيعون اكتشافَ بعضِ الحقائقِ أو حتّى كلِّ ما يتعلّقُ بالشخصِ الخاضعِ للتحليل. هل هذا يعني أنّ جميعَ أفعالِه تنبعُ من القلب؟ إذا كان لا أحدَ يستطيعُ أن يحكمَ على قلبِه، بما في ذلك قلبي أنا، فكيف يمكنُني أن أسمحَ لنفسي، واللهُ وحدَه يخترقُ أعماقَ القلوب، بالتحقيقِ في الأسرارِ الحميمةِ للآخرين، مهما كانت كلماتُهم وأفعالُهم؟ الكائنُ البشريُّ سرّ، لا يمكنُ أن يخترقَ أعماقَه إلّا اللهُ الذي خلقَه. وبنفسِ المنطق، أيُّ خاطئٍ هو أيضًا سرّ، وليس لي إلّا محاولةُ شفاءِ جراحِه. في اللحظةِ التي أبدأُ فيها بإيذائِه بدلاً من ذلك، أكونُ قد آذيتُ نفسي.
سرُّ الكينونةِ هو أنّ كلَّ شخصيّةٍ هي الكلّ، كلَّ واحدة، بمزاياها وعيوبِها، بما هو متغيّرٌ فيها وما هو ثابت. كلٌّ منّا كونٌ مصغّر. في جوهرِه الحقيقيّ، يحتوي كلٌّ منّا على كونٍ مصغّرٍ لا يمكنُ أن يحدَّه، لأنّ كلَّ شخصيّةٍ بشريّةٍ هي حركةٌ لا نهائيّة، ولا شيءَ يمكنُ أن يضعَ حدًّا لثروتِها. اللهُ يتحوّلُ إلى القريبِ ومن خلالِه يتوجّهُ إليك بطريقةٍ خاصّةٍ جدًّا، لا تشبهُ أيَّ طريقةٍ أخرى. أنت تحبُّه بقدرِ ما يتكشّفُ لك جمالُه – على الأقلِّ ما يكفي من الجمالِ لإخفاءِ قبحِه أو جعلِه غيرَ ذي تأثير. وإذا رفعتَ نفسَك فيه، ورفعتَه فيك، فستذهبانِ معًا إلى ما هو أسمى من الزمنِ ويشعُّ أكثرَ من العقل. لا معنى لتقليدِ بعضِنا البعض. ليحتفظْ كلٌّ بما أُعطِيَ له، نصيبَه من الجمال. شخصيّةُ كلِّ إنسانٍ هي شيءٌ أشبهُ بالبنية. النعمةُ تعملُ في كلِّ واحد، وفقًا لشخصيّتِه الخاصّة. أيُّ نهجٍ آخرَ سيكونُ مصطنعًا. الكونُ لوحةٌ واسعة، وكلٌّ منّا يضيفُ إليها اللونَ الذي يعيشُ فيه.
الألوانُ تتناغمُ فيما بينها بقدرِ قوّةِ الفنّانِ الإبداعيّة. الناسُ سيتناغمون فيما بينهم عندما يكتشفُ كلٌّ منهم أنّ الآخرَ هو إضافةٌ ضروريّةٌ لسعادتِه. إنّ تنوّعَ المواهبِ (الكاريزمات) بحدِّ ذاتِه لا يخلقُ مصيرًا مشتركًا. وافِقْ على الاعترافِ بموهبةِ الآخرِ والابتهاجِ بها، وهذا سيسمحُ لك بالذهابِ إليه وإيجادِ راحتِك فيه، وهو سيجدُ راحتَه فيك. فقط بمثلِ هذا النهجِ يمكنُ إقامةُ علاقاتٍ تتجاوز، دونَ عنف، اللياقاتِ والأعراف، والمجاملةَ والوضعَ الراهن. لذلك، لا يجبُ أن تخافَ أحدًا، لأنّه لا أحدَ في العالمِ يمكنُ أن يؤذيَك أو يهينَك. بالطبع، من الممكنِ إلحاقُ الضررِ بجسدِك، وربّما بسمعتِك؛ ولكن "أناك" الحقيقيّةَ ليست في الجسد، أمّا السمعةُ فلا يجبُ أن تهتمَّ بها إلّا بقدرِ ما يمكنُ أن يشلَّ سقوطُها نشاطَك ويقلّلَ من نجاحِه. على العكس، إذا تحوّلتَ، فإنّ سمعتَك الطيّبةَ ستدافعُ عن نفسِها لإذلالِ الحاسدين والمفترين.
كم سيكونُ جميلاً اليومُ الذي يفرحُ فيه كلُّ واحدٍ بنجاحِ الآخر، بقوّتِه، بمعرفتِه، بلطفِه، بذكائِه، بنقائِه! كم كان عظيمَ النفسِ يوحنّا المعمدان، الذي كان سعيدًا برؤيةِ التلاميذِ يتركونه ليتبعوا المسيح: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يوحنّا 3: 30). لقد جاء يوحنّا ليدعوَ إلى التوبة. والتوبةُ الحقيقيّةُ تقودُ إلى يسوعَ الناصريّ. إذن، الحديثُ عن التوبةِ يعني توجيهَ الناسِ إليه. من يحبّ، يرغبْ في رؤيةِ من يحبّهم يلمعون أكثرَ ممّا كانوا يلمعون في حضرتِه، لأنّ القصدَ النهائيَّ هو أن يقيمَ الجميعُ في النور.
منذُ حوالي أربعين عامًا، كنتُ أتلقّى اعترافَ فتاةٍ في الرابعةِ عشرةَ من عمرِها، طلبت منّي أن أعلّمَها كيف تعترف. أتذكّرُ أنّي سألتُها هل تشعرُ بالحسد. عندما أجابت بالإيجاب، قلتُ: "إذا كنتِ تعتبرين نفسَك جميلة، فماذا ستخسرين إذا كانت الفتياتُ الأخرياتُ جميلاتٍ أيضًا؟ إذا كنتِ تعتبرين نفسَك ذكيّة، فلماذا تشعرين بالحرجِ عندما تلتقين بشخصٍ أذكى منك؟".
استطاعَ المسيحُ أن يتحدّثَ عن المحبّةِ لأنّه لم يكن منفصلاً عن حضنِ الآب. وبكونِه في حضنِ الآب، تعلّمَ يسوعُ كلَّ شيء. وبهذا المعنى قيل له، حتّى قبلَ أن يُخلَقَ النور: "مِنَ الْبَطْنِ قَبْلَ كَوْكَبِ الصُّبْحِ وَلَدْتُكَ" (مزمور 110: 3). البنيةُ الشخصيّةُ ليسوعَ تكمنُ في هذه المحبّةِ التي تنيرُ كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى العالم. وهي تميّزُ أيضًا أولئك القريبين منه، لأنّ مسكنَ يسوعَ الأزليَّ في حضنِ الآبِ أصبحَ مسكنَهم أيضًا.
هذه المشاركةُ نسمّيها جسدَ المسيح. المسيحُ نفسُه علّمَنا أنّه هو الكرمةُ ونحنُ الأغصان. وهو الذي أرشدَنا إلى أنّه في هذا الجسدِ الذي يوحدُنا، في هذا الجسدِ الكونيِّ الذي غلبَ العالم، كلُّ واحدٍ منّا هو فريد. وكما ننتظرُ جميعًا مجيءَ المخلّص، لنجدَ أنفسَنا فيه – كلُّ واحدٍ في تفرّدِه – كذلك هو ينتظرُ أن نجتمعَ كلّنا فيه ونتّحدَ في المحبّة. وفي الوقتِ نفسِه، سيحتفظُ كلُّ واحدٍ بوجهِه، لأنّ المخلوقاتِ العاقلة – بقدرِ ما تختلفُ عن بعضِها البعض وعن اللهِ ذاتِه – لن تتلاشى في الربّ.
تذكّرُنا كلماتُ الإنجيلِ عن الدينونةِ الأخيرة (متّى 25: 31-46)، نحنُ الذين ننتظرُها، بأنّنا سنُدانُ على رحمتِنا وعلى كيفيّةِ استخدامِنا لتلك المواهبِ (الكاريزمات)، تلك العطايا التي مُنِحَت لنا. هذا النصُّ يخبرُنا أنّه يجبُ علينا أن نضعَ المواهبَ في خدمةِ الناس، ليقبلَها اللهُ كذبيحةٍ مرضيّة. إذن، يجبُ ألّا ندفنَ مواهبَنا في الأرض، مثلَ العبيدِ الكسالى، بل أن نزيّنَ ونجعلَ كلَّ ما أُعطِيَ لنا من اللهِ مثمرًا.
المدهشُ في هذا المقطعِ من الإنجيلِ أنّ الربَّ لا يسألُنا كيف صلّينا أو صمنا، ولا يقولُ شيئًا عن الوصايا العشر، بل فقط عن المحبّةِ الحيّة. هذا لا يعني أنّ الروحَ الإنجيليَّ لا يعرفُ شريعةَ موسى القديمة، ولكنّه يعتبرُ الرحمةَ تاجَ الشريعة. الوصايا العشرُ وسيلةٌ للتعبيرِ عن مفهومِ اللهِ في قلوبِنا ومفهومِ الإنسانِ في الله. من لم يصلْ بعدُ إلى هذا الفهم، يحتاجُ إلى دراسةِ الوصايا والشريعة.
العهدُ الجديدُ لا يلغي موسى. إنّه يتجاوزُه. إنّه يقودُنا أبعد، أعمق. إنّه يرغبُ في أن تنبعَ ممارستُنا للصومِ أيضًا من هذه الأعماق. الكنيسةُ تدعونا لاكتشافِ أنّ اللهَ يسكنُ في قريبِنا، وأنّه من الممكنِ لنا أن نتأمّلَ وجهَه ليس إلّا في الوجهِ البشريِّ الملطّخِ بالدم، في الجسدِ البشريِّ الممزّقِ بالجوع، في الروحِ البشريّةِ المسلّمةِ للعزلة. هنا، علاقتُنا باللهِ لا تتحقّقُ من خلالِ الناس، بل في الناس.
بقولِه: "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يوحنّا 14: 6)، لا يقتصرُ يسوعُ على الإشارةِ إلى نفسِه كصلةِ وصلٍ بين الإنسانِ وخالقِه. إنّه يوسّعُ نطاقَ تطبيقِ كلماتِه، مؤكّدًا أنّه لا أحدَ سيأتي إلى اللهِ إذا لم يجدْه في أقربائِه.
في القراءةِ الإنجيليّةِ عن الدينونةِ الأخيرةِ عشيّةَ الصومِ الكبير، نسمعُ كلماتِ يسوع: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي" (متّى 25: 35). وبعدَ قليل: "لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي" (متّى 25: 42). لا شيءَ يُضافُ إلى هذا: في نهايةِ الأزمنةِ أو في نهايةِ مسيرةِ كلِّ إنسانٍ الأرضيّة، سيحكمُ اللهُ على أعمقِ خفاياه. عدلُه سيصدمُنا، ولن نتمكّنَ من إخفاءِ أيِّ شيءٍ ممّا كان معنا.
على هذه الأرض، يمكنُنا أن نلعبَ أدوارًا، نخدعَ أنفسَنا والآخرين، نتظاهرَ بأنّنا أذكى ممّا نحن، نخترعَ لأنفسِنا ملاجئَ ومبرّرات. نحنُ نتردّدُ بين الشيطانِ والجنّة، لأنّ كليهما يعيشُ فينا. ولكن لا اليومَ ولا غدًا سنتمكّنَ من خداعِ الله. حتّى القدّيسون العظامُ لن يتمكّنوا من التتويجِ أمامَه بالمجد، لأنّهم بفعلِ ذلك سيفقدون كلَّ قداسةٍ ويعودون أقزامًا روحيّين، كما كانوا قبلَ أن يجتازوا تجربةَ القداسة.
المهمُّ في فكرةِ الدينونةِ الأخيرةِ هو أنّ جميعَ الكائناتِ البشريّةِ تافهةٌ أمامَ الربّ، وليس لديها ما تغطّي به عريَها البائس. لا أحدَ يملكُ تصريحَ مرورٍ إلى السماء. الطريقُ الوحيدُ إلى هناك هو ربُّ السماءِ نفسُه، الذي يمدُّ لنا يديه من هناك ليقبلَنا برحمتِه. الأمرُ لا يقتصرُ فقط على أنّنا سنموتُ روحيًّا إذا تباهينا بفضيلتِنا. يقولُ إشعياء: "وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا" (إشعياء 64: 6). اللهُ وحدَه سيتعاملُ معنا. إنّه يرى كم نحنُ سيّئون، ولكنّه يشاءُ أن يغسلَنا بماءِ محبّتِه، ثمّ يلبسَنا النورَ ويقبلَنا في نورِه.
تُذكَرُ الدينونةُ الأخيرةُ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ عند الإنجيليّين الأربعةِ جميعًا. لا يمكنُنا أن نغضَّ الطرفَ عن صورةِ اللهِ-الديّان التي قدّموها. الله، في الواقع، ديّانٌ لشعبِه. إنّه يعطيهم وصايا وينتظرُ تنفيذَها. هذه الصورةُ للهِ تثيرُ الرهبة، لأنّ لديه العقابَ والمكافأة. بل يقولُ إشعياء إنّه في يومِ الربّ – في اليومِ الأخير – سيحكمُ اللهُ على البشريّةِ بالنار.
إنجيلُ يوحنّا، مع ذلك، يقدّمُ لنا صورةً أخرى لهذا اليوم. إنّه يعلّمُنا أنّ الدينونةَ تحدثُ بالفعلِ اليوم: "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَكُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يوحنّا 3: 19). إذن، الدينونةُ تتمُّ في قلبِ الإنسان، وليس في أيِّ مكانٍ آخر.
لقد دِينَ العالمُ لأنّه قتلَ المسيح. العالمُ نفسُه ضربَ ذاتَه بهذا القتل. المعنى العميقُ والنهائيُّ للجريمةِ التي ارتُكِبَت على الجلجثةِ هو هذا: لقد رغبت البشريّةُ في إزالةِ الإلهيِّ من ذاتِها وتسليمِ المحبّةِ للموت. ولكن يسوعُ أعطى موتَه معنى قيامةِ الإنسان. لقد حقّقَ هذا المعنى من خلالِ قيامتِه الخاصّة. أمامَ النورِ الذي تدفّقَ من القبرِ الفارغ، لا يمكنُنا إلّا أن نختارَ واحدًا من اثنين: إمّا أن "نلبسَ" المسيحَ أو أن نرفضَه.
وإذا كانت الدينونةُ حقًّا، في أعمقِ أبعادِها، تتمُّ في النفسِ البشريّةِ وعلى هذه الأرض، إذا لم تكن سوى تعريةِ النفسِ أمامَ حقيقةِ الله، فإنّ الجحيمَ أيضًا ليس سوى احتراقِ النفسِ في نارِ شهواتِها الخاصّة. لا نارَ أخرى سوى تلك التي فيك. وفيك أيضًا توجدُ السماء. يمكنُك أن تكونَ سماءً للآخرين، ويمكنُك أيضًا أن تكونَ جحيمًا.
يؤكّدُ القدّيسُ إسحق السرياني أنّ "المعذّبين في جهنّمَ يُضرَبون بسوطِ المحبّة... المحبّةُ بقوّتِها تعملُ بشكلٍ مزدوج: تعذّبُ الخطاةَ وتفرّحُ بنفسِها من حفظوا واجبَهم". اللهُ نفسُه نورٌ للبعضِ ولهيبٌ حارقٌ للبعضِ الآخر. هو وحدَه مسكنُك، إذا اخترتَ أن تسكنَ فيه وتأتمنَه. وإذا أقامَ فيك، ستصبحُ أنت نفسُك مسكنَه، كما كتبَ يوحنّا الذي أحبَّه الربّ.
عمّا يتحدّثُ المسيحُ إلينا في الإنجيل، عندما يؤكّد: "جعتُ فأطعمتموني"؟ المسيح، الذي ينظرُ إليه متّى كابنِ الله، يماهي نفسَه في الوقتِ ذاتِه مع الفقير، مع الجائع، المريض، السجين وجميعِ أمثالِهم. رفاقُ يسوعَ المختارون هم منفيّون على الأرض. لقد أصبحوا إخوةً له، لأنّ إخوتَهم بالجسدِ قد رفضوهم، وهم الآن وحيدون ومهجورون. لا يتركُ لنا المسيحُ خيارًا: اللقاءُ بالمنبوذين هو شرطُ الاقترابِ منه. إنّه يتألّمُ عندما يرى الناسَ في المنفى، في الازدراء، في الحاجة.
مدهشةٌ هي قدرةُ الإنسانِ على التكيّفِ مع ظروفِ الحياةِ الصعبة. يمكنُ للكائنِ البشريِّ أن يكتفيَ بأقلِّ القوت، وأن يعيشَ في كوخ، وأن يتحمّلَ المرض، لأنّ الذهابَ إلى الطبيبِ مكلف. ليس هذا ما يعذّبُه أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر. الأقسى هو عندما يجعلُ أصحابُ الثروةِ والسلطةِ البائسَ يشعرُ بأنّه كائنٌ أدنى. هذا أسوأُ بكثيرٍ من الحاجة.
أمّا يسوع، فيتحدّثُ عن البؤساءِ بحنانٍ لا مثيلَ له، ويسمّيهم "إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ". يقولُ إنّه هو نفسُه عانى من الجوع. لم يماهي نفسَه مع أيِّ أحدٍ آخرَ كما فعلَ معهم. في مواضعَ أخرى، يتحدّثُ عمّا يمكنُ مقارنتُه به: "الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يوحنّا 6: 63). لم يقل: "هذا الكلامُ هو أنا نفسي"، حتّى لو كان يقصدُ ذلك. يقولُ عن الأسرارِ المقدّسة: "هذا هو جسدي"، ولكن ليس "أنا نفسي"، حتّى لو كان ذلك ما يعنيه ضمنًا. ولكنّه عن المطروحين يقولُ بشكلٍ لا لبسَ فيه: "أنا جعت، أنا عطشت، بي فعلتم".
يليقُ بالمُحِبِّ أن يكونَ حاضرًا في العالم، وأن ينشرَ المحبّةَ بالوسائلِ التي يملكُها، كاشفًا في كلِّ مكانٍ عن وجهِ المسيحِ ومكثرًا من عددِ محبّي الله. نحنُ نعلمُ أنَّ "الابتهاجَ باللهِ" (Godly joy) لا يمكنُ إلّا في آبِ يسوعَ المسيح، حتّى لو لم يسمِّ الإنسانُ اللهَ كذلك. وفي اليومِ الأخيرِ أمامَ وجهِ الله، سيشكّلُ كلُّ محبّي اللهِ جسدَ المسيحِ الواحد.
هكذا يحبُّ المسيحُ الكنيسةَ وكلَّ عضوٍ فيها. هكذا يحثُّ كلَّ واحدٍ على المشاركةِ في محبّتِه، قدرَ استطاعتِه. لا ينبغي لنا أن نقارنَ الدرجاتِ المختلفةَ للصعودِ في محبّةِ الله. اللهُ وحدَه يعلمُ من ينالُ هذه المحبّة: كلُّ واحدٍ مدعوّ، وكلُّ واحدٍ تقوّيه. لا يُمجَّدُ من يتلقّى محبّةَ اللهِ فقط، بل من ينشرُها بين الآخرين. سرُّ حركةِ المحبّةِ هذه هو أنّك إذا وجدتَ فرحَك في الواهب، فإنّك تجدُ هذا الفرحَ ذاتَه في المتقبّلين أيضًا. العطاشُ سيرتوون من الينابيع، والقنواتُ ستوصلُ الماءَ الحيَّ إلى حيثُ يجب.
خارجَ هذا، كلُّ شيءٍ باطل.