|

الفصل الخامس

الحرب والسلم

إخراج شيطان الفتك

هل يسوغ للمرء أن يعقل الحرب المعاصرة لاهوتيًّا؟ هذا السؤال لا يطرح إلّا بعد أن يكتوي المرء بواقعها المريع، والمدرك بالعقل في آنٍ. مدرك بالعقل، لأنّ خُطّة الحرب تُحبك بدم بارد. تُحصى فيها الأرواح المزمع إزهاقها، وتُوزن مصالح الدول أو الأحلاف التي تشنّ الحرب أو تشهرها. الحرب لا تبدأ ككارثةٍ طبيعيّةٍ، كغارة غابر الأزمان، لأننا لم نعد نحيا في ظلّ نظام قبليّ. الحرب تتخفّى وراء أناشيد الحريّة، وراء اللواذ بإله دنيويّ كالقانون الدوليّ، وراء نزعةٍ تتظاهر بأنّها توقٌ إلى السلام، ذاك الملكوت الواهي والرجراج، الذي يُدعى "المجتمع الدوليّ". الدولة التي تنخرط في حربٍ لا تواري مصالحها الماديّة الصرفة، وذودها عن حقوقها التي يهدّدها الأعداء. هؤلاء الأعداء تنتقيهم لنفسها وفق منطقها الصارم الذي لا يرحم، والذي ستقنع به الحلفاء، مقاسمةً إيّاهم الغنائم.

لا مناص من الحرب الشاملة. ولتطهير الضمير، سنحتكم إلى اتفاقيّات جنيف، وسنرثي الضحايا المدنيّين الأبرياء، وكأنّ الناس الذين يقتتلون على كلا الجانبين ليسوا ضحايا أبرياء بالقدر عينه، سحقتهم إيديولوجيّةٌ مثاليّةٌ بالقدر ذاته لكلا المعسكرين. التعبير المعاصر "الحرب الشاملة" لا يفعل سوى تحديث "مفهوم الحرب المطلقة المعاصرة بكلّ طاقتها الماحقة"، كما عبّر عن ذلك الجنرال كارل فون كلاوزفيتز، الذي قضى عام 1831. وفقًا لفون كلاوزفيتز، يتحتّم بلوغ أقصى درجات الضراوة في إدارة الحرب، كي لا يبلغها الخصم. وبمنطق الأشياء، ينبغي لجيشين "أن يلتهم أحدهما الآخر، كالماء والنار".

في المعارك، لا ينبغي أن تكون ثمة فوضى. تُهندس الاستراتيجيّة بعقلانيّةٍ، ولا يدع نظامها مجالًا للمباغتة. الحرب تستلهم منطقًا واحدًا: النصر كشرطٍ للسلام. لأنّه، وفقًا لتأكيد كلاوزفيتز الشهير، "الحرب هي استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى". إذا فُهمت الحرب على هذا النحو وخُطّط للسلام بالترابط معها، فلا يبقى مسوّغٌ للسؤال عن الحرب العادلة. هنا، أكثر من أيّ موضع آخر، تصدق كلمات باسكال: "ما هو حقيقةٌ في هذا الجانب من جبال البيرينيه، هو ضلالٌ في الجانب الآخر". فضلًا عن القسوة التي لا توصف، والأزمات الاقتصاديّة المتمادية، وامتهان القيم الأخلاقيّة الذي يترك وصمةً لا تُمحى، وتفاقم عدد المرضى المزمنين، الذين يُضاف إليهم عددٌ لا يحصى من المصابين بالأمراض النفسيّة، فإنّ كلمة "سلام" لا تكنّ سوى انتفاء حالة الحرب، وجدليّة السيّد والعبد. ستمرّ سنواتٌ مديدةٌ، وربّما عقودٌ، حتّى تنسى الأجيال الجديدة الضغائن وتؤمن بالمصالحة.

ما دام ثمة منتصرون ومهزومون، سيبقى السلام حكرًا للأقوياء. من هو أضعف، سيشهد تداعي إمبراطوريّاته، وأفول هيبته. سيحتاج المجتمع الوطنيّ إلى جسارةٍ كبرى ليتخلّى عن غطرسته. يحلّ المكر محلّ الصفاقة. أمّا الدول الضعيفة التي نالت استقلالها، فعليها أن تفقه أنّ هذا لا يعني الحريّة البتة. خلف المصطلح القانونيّ "استقلال" غالبًا ما تتوارى عودة الاستغلال في لبوسٍ آخر، وهو ما كان يُؤمّل أن تطويه حقبة ما بعد الاستعمار. في وعي الشعوب "المهانة والمظلومة"، يرسخ الاعتقاد بأنّها ستبقى تابعةً إلى الأبد، لأنّها لا تقوى على التحرّر من خلال تطوير التقانة المتقدّمة، إذ تُسلب منها السلع التي يكفل إنتاجها عظمة الآخرين.

العنصريّة المتستّرة بمقدارٍ أو آخر، والجشع السافر، وإرادة الهيمنة في نصف الكرة الشماليّ، تعين على إبقاء البلدان الفقيرة في حالة استعبادٍ، ولتأديب المارقين، يملك مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة دومًا حقّ النقض (الفيتو). لدى البلدان المترفة القدرة على اجتذاب العقول الجبّارة، لتسخّرها في خدمة العلم لديها. العلم يمهّد السبيل إلى التقانة الإنتاجيّة، والمال، والسلطة. للبلدان المهانة الحقّ في استهلاك هذا العلم، ولكن ليس في إنتاجه. وإلّا فقد تراودها طموحاتٌ لا تُغتفر. ينبغي أن يبقى المثال البروميثيوسيّ حكرًا للغرب. العقل الشرقيّ ينبغي أن يكون قدريًّا؛ والقلب الشرقيّ يتشبّث بالتعصّب. المجتمع كهنوتيٌّ حتّى الأصوليّة، لكنّ الأصوليّة لا تخدم سوى مآرب القوى العظمى، لأنّها تثبت تفوّق الغرب وحقّه في التدخّل حيثما تكون الحريّة، في زعمه، في خطر. فالبديهيّة الأساسيّة هي أنّه لا يحقّ لأحدٍ أن ينعم بالحريّة إزاء الغرب. يسوغ في بعض الأحيان المطالبة باحترام الحريّات في بلدٍ ضعيفٍ نسبيًّا، ينتمي إلى الفضاء الغربيّ.

حريّة الضعفاء لا يقرّ بها الأقوياء إلّا حين تُكتسب. حين تكون في طور المخاض، تُعدّ تمرّدًا، انتفاضةً. لذلك تُسلّط عليها إجراءاتٌ بوليسيّة. الضعفاء يمتشقون سلاح الإرهاب. إنّه مقبولٌ في الأوساط اليساريّة، التي تثقّفت غربيًّا. هذا السلاح وحشيٌّ، همجيٌّ، يستحقّ الإدانة، وهذا أمرٌ بديهيّ. ولكنّه يقلق بشكلٍ خاصّ روح المجتمع البوليسيّ لأنّه لا ينسجم مع قواعد فنّ الشعوب المتحضّرة، أي الحرب التقليديّة. لقد صيغت مفرداتٌ كاملةٌ لتأليب الضمير المرهف ضدّ البشريّة المعوزة والمسلوبة السلاح. وهكذا، فإنّ القنبلة التي يلقيها فلسطينيٌّ من لبنان في الجليل تُعدّ عملًا إرهابيًّا، وعلى النقيض، فإنّ الجنديّ الإسرائيليّ، حين يطلق النار على طفلٍ مدجّجٍ بالحجارة، يشارك في عمليّة قمعٍ بأمرٍ من الحكومة. لتوصيف أفعالٍ متشابهةٍ، تُستخدم مفرداتٌ متباينة.

العقلانيّة هي سمةٌ للإمبراطوريّة العالميّة الفعليّة أو الافتراضيّة. السلاح التقليديّ أو غيره جزءٌ لا يتجزّأ من هذه العقلانيّة. يُحتكم إلى المبادئ حين تكون نافعةً؛ ويُعرض عنها إذا كانت مصلحة الدولة هي الراجحة. يُطالب بالسيادة لبلدٍ خاضعٍ لكتلةٍ أجنبيّة، ولا يُهرع كثيرًا للمطالبة بها لشعبٍ أبيٍّ بشكلٍ مزعج، قد لا يغدو حليفًا. أحلافٌ وأحلافٌ فرعيّةٌ للدول الكبيرة، وكذلك الصغيرة، تحرّكها أخلاطٌ من الأهواء والمصالح الأرضيّة جدًّا. لبدو الصحراء ميزةٌ عليهم هي ميزة الغضب، وشعر الفوضى. القوى العظمى تسترشد بالحساب، الذي يبيح لها ازدراء كلّ مواثيق حقوق الإنسان، التي صاغها الغرب منذ القرن الثامن عشر، والمكث في وهمٍ جماعيٍّ، هذا إن كان وراء مسلكها أيّ صدقٍ على الإطلاق.

العنف الدوليّ جزءٌ من هذه اللاأخلاقيّة. أشدّ ما في العنف مأساويّةً هو عبثيّته. من خبر، عبر سنواتٍ مديدةٍ من المعاناة، التجربة الجماعيّة للموت، خبر اللاعقلانيّة في جوهرها الصرف. حين تهيج أهواء الشعوب في الأرض الموعودة، تغدو الحياة أثمن الهبات. في خضمّ العاصفة، يُطرح سؤالٌ أوحد: كيف النجاة؟ في وضعٍ كهذا، من الطبيعيّ للعقول أن يغويها آنيةٌ براغماتيّةٌ متطرّفةٌ كابية اللون. حين يمتدّ اليأس المطبق إلى أجلٍ غير مسمّى، يفرض سؤالٌ واحدٌ نفسه: كيف أنجو من الموت؟ ولكن حين يتكرّس هذا السؤال كحقيقةٍ وحيدةٍ للحياة الجارية، حين يكفّ عن كونه استثناءً، يغدو حينئذ مبتذلًا. يصير شيئًا كالحجر، كلّ معناه في ضخامته، في كمّه. حينئذ يغدو جزءًا من التوازن الذي تصونه السلطة، عنصرًا في التأمّل السياسيّ، تمرينًا للعقل، واقعًا جماليًّا. لأنّ أسوأ موقفٍ للإنسان إبّان استشراء العنف هو انعدام الإحساس بالعنف. في هاوية تدمير الأشياء، والناس، وبالتالي، ذاك الإنسان الذي يدمّر، تكون الخطيئة الحقيقيّة هي انعدام الإحساس. فبهذا المنطق، في مواجهة العنف، يسع المرء نفسه أن يتّخذ مكانًا في جوقة المعتوهين، وأن ينخرط في رقصة الموت، وأن يتوهّم أنّه يقوم بفعلٍ خلاصيّ، بينما يداه يدا خنّاق.

قد يغيب عن المرء ذاك الذي يضع الفرق – إن كان قد وجد أصلًا في عيني الله – بين المحارب والقاتل. يسع المرء الدفاع بالكلام عن قيمٍ لم يثبتها عمليًّا قطّ. هذه القيم ملتبسةٌ ومشبوهةٌ لمجرّد أنّك تدافع عن نفسك في مستوى آخر. هذه القيم تشوّهها الكراهية، وتشوّهها حقيقة فصلها عن مجمل القيم. لن نفقه أبدًا بوضوحٍ كافٍ أنّ القتل ينبع من القلب، وأنّه لا شرّ خارجيًّا، وأنّ العنف ليس سوى انبعاثٍ مسطّحٍ لكبرياء وغرور القبائل، التي لم تعاين أبدًا في الآخر وجه الله.

حين يقضي المرء معظم حياته في النار، شهورًا بلا ماء، بلا قوت، بلا نورٍ وبلا عمل، فإنّ مفهوم الثورة يثير بحقّ ضحكًا جنونيًّا. تغدو الغاية الوحيدة التي ينبغي السعي إليها هي الوجود ذاته. ليلًا ونهارًا، ندور في دوّامةٍ في جوقة المعتوهين. أشباح المدينة المتلاشية تقود رقصة الموت. الشيء الوحيد الذي يُتذكر هو أنّ السلام لم يعد قائمًا. كلّ تأكيدٍ ملتبسٌ ومريب، وكلّ حديثٍ محكومٌ عليه بالابتذال. الأمل يتلاشى حين يكون الزمن خواءً. أحيانًا يملأه الحنين. كلّ حدٍّ فاصلٍ بين الشرّ الخارجيّ والمحن الداخليّة يوشك أن ينمحي. البصمة الوحيدة للروح هي الجسد المعذّب، الذي يدرك تفاهة كلّ الأشياء، وغياب الله. الخطيئة تحيل الحياة إلى شبح. أخطئ، إذن أنا موجود.

لا حديث عن الخطيئة، لأنّ الخطيئة لا عقلانيّة. حين تصاب الروح بالخطيئة حتّى الزيغ، لا تعود تُحدّ باللوغوس (الكلمة/العقل)، ينبوع سلامها ونظامها. تواتر الخطيئة يلد الهوى، وهو جنونٌ أخلاقيٌّ في أنقى صوره. حين يقول الرسول بولس إنّ الموت هو أجرة الخطيئة، لا يدور الحديث عن عقابٍ يحلّ بالخاطئ من الخارج، بحكمٍ إلهيّ. الله ليس رئيس محكمة. الحديث يدور ببساطةٍ عن حقيقة أنّ الموت لا ينفصل عن كلّ خطيئةٍ تولد في عقولنا. كلّ خطيئةٍ تحمل في طيّاتها جرثومة الموت. قبل كلّ شيء، الخطيئة ماحقةٌ للكيان الباطن؛ وبشكلٍ كامنٍ – للكينونة برمتها. أليس لهذا السبب تغدو العلاقات بين الناس خائنةً، لأنّ الرسالة الخاطئة الأصليّة قد عقدت بينهم وشائج زائفةً، تختنق فيها الحقيقة؟ العنف الجسديّ لا يفصح ببلاغةٍ إلّا عن حقيقة الكراهية المتبادلة. إنّه يُقترف خوفًا من الحقيقة. ما عادت الحقيقة تُنقل، لأنّ الناس يأبون أن يحيوها. أولًا، من كراهية الله، اتّخاذ موقف الضحيّة، ثمّ الاعتماد في الحياة على أسسٍ زائفةٍ وقتل الآخرين – هذا هو المنطق الصارم لأولئك الذين بتروا أنفسهم طوعًا عن ينبوع الحياة. حتّى باسم الله، يتمادى هؤلاء الناس في جنون بروميثيوس، في تحدّي الحريّة الشكليّة، جاحدين كلمة الله، التي وحدها تقدر أن ترشدنا وترسي أسس حريّتنا.

كم هي فظيعةٌ هذه الوثنيّة للمجتمع الكهنوتيّ، الذي يجرّد اسم الله من كلّ مضمون! كلمة "الله" تشرع في الإشارة فيه إلى إرادة القوة، وتغدو رمزًا دينيًّا للإرهاب. في المنتهى، قد يتحوّل الله حتّى إلى مفهوم، وبالتالي – إلى صنم. قد يغدو اسمه أداةً للتاريخ، وهذه الأداة ما عاد الناس يتلقونها منه، بل يصوغونها بأنفسهم ويسبغونها عليه بشكلٍ تعسّفي. القداسة تخلي المكان للبطولة، ولا يُحسب قدّيسًا سوى المحارب. وفقًا لهذا المنطق، يسع كلّ زمرةٍ من المتآمرين أن تؤول فكر الله، لأنّ الله وحده هو الذي يخوض الحرب. الإيمان بالله يقوم على أنّه يزرع الموت بين الغرباء، وكلّما تكاثر هذا الموت، كان الله أكثر صدقًا. أليس الإنسان خليفة الله، كما يؤكّد القرآن؟ وبطبيعة الحال، ينسب كلّ واحدٍ هذه الخلافة لنفسه. يلوح طبيعيًّا أن يتوهّم كلّ واحدٍ أنّه مُقدَّرٌ من العلاء لتحقيق هذه الوظيفة في الحياة الفانية. كلّ واحدٍ يحسب أنّ له الحقّ في الحياة والموت.

وبالتالي، كلّ حربٍ ميتافيزيقيّة، ولا يمكن المضيّ إلى الموت إلّا بشكلٍ دينيّ، حتّى لو لم يعتبر المرء نفسه مؤمنًا في زمن السلم. في الحرب، يغدو الإنسان صوفيًّا، بأيّ كلماتٍ عُبّر عن ذلك. إذا لم يؤمن المرء بشرعيّة انتقال إرادة الله إلى إرادة الإنسان، فسيشكّ أيضًا في نفسه كمفسّرٍ لمصائر البشر. شكٌّ كهذا سيفضي إلى التساهل، ومن ثمّ إلى العقلانيّة، التي تضع اللوغوس (الكلمة/العقل) فوق وخارج رأي المفكّر الخاصّ. عقلانيّةٌ كهذه ستراعي أيضًا وجود الآخر. ومع ذلك، في المنطق الذي نصفه، ثمة نقطةٌ جوهريّةٌ هي غياب الآخر. أو، إذا بدا موجودًا – بما أنّ المعركة تدور معه – فلا يمكن أن يكون سوى واقعٍ عرضيّ، لأنّ صوفيّة الحرب أهمّ من الحرب ذاتها. الآخر ليس له وزنٌ تاريخيّ، لأنّه لو كان له ذلك، لولج في الوحدة. إلى حدٍّ ما، لا يدور الحديث حتّى عن النصر، لأنّه في قصد الله، جماعتنا قد ظفرت بالفعل. النصر شيءٌ أشبه بفكرةٍ أفلاطونيّة، مهما كان تعبيرها التجريبيّ. إذا لم يتطابق مع النموذج الأزليّ، فيتحتّم أن يتغيّر الواقع. أساس إقصاء الآخرين هو التماهي مع الكلّ، وإذا لم تكن كمّيًا مساويًا للكلّ، فـ... هذا أسوأ للحقائق.

بالنسبة لأولئك الذين يتمسّكون بهذه الرؤية، يوجد دومًا تحالفٌ مقدّسٌ، يبدعه الله. وإلّا لما كان لله خليفةٌ دائم. إذن، الوضع التاريخيّ المعطى ليس سوى علامةٍ على حقيقة ما وراء التاريخ، التي ألقتها العناية الإلهيّة على عاتقنا. على هذه الرسالة يقوم الحاضر، وهي تكفل المستقبل. النقائص تجعل المرء يتشبّث أكثر بالأسطورة التي تُغذّى – أسطورة تبشّر الآخرين بالنهاية. حين تستحوذ على الروح شهوة الدم، يخلي الإيمان المكان للإيديولوجيّة. يُستبقى على الكلمات من المعجم الدينيّ، ولكن يتبدّل محتواها. تغدو رمزًا للواقع التاريخيّ أو للمعنى الذي نراه في وضعٍ ملموس. القراءة الأسطوريّة للماضي هي التي تغدو الشبكة التي تفصل بين معرفة الحقائق وتلك المعرفة التي تحدّد الفعل. لذلك يُطرد الآخر من العالم الماديّ أو الأخلاقيّ. إذا لم يكن له الحقّ في الحياة اليوم، فذلك لأنّ وجوده في الماضي كان خطأً. لا يمكن إعادة تربيته ليتخلّى عن كونه ذاته، ولا يمكن إزالته بيسرٍ من أرض الأحياء. ولكن يمكن، بإعادة صياغة التاريخ، طرده من مسكن الموتى. لا ينبغي له أن ينتمي إلى الذاكرة التاريخيّة لشعبه. أن يُحتمل في المكان، فهذا أيسر، ولكن المبتغى قبل كلّ شيء هو أن يلتمس لنفسه وضع لاجئ في التاريخ. فليختنق به!

ومع ذلك، فإنّ الضحيّة، وإن لم تعد تثور، لم تُمحق بعد بالكامل. لا يمكن أن تُحاكم الأغلبيّة بضمير الأقليّة. المعركة لم تنته، طالما لم تتخلّ الأقليّة عن قراءة تاريخها. الإيديولوجيّة ضروريّةٌ لكي يتخلّى الناس، المنتمون إلى الأقليّة، عن أنفسهم أو، على الأقلّ، ليتأقلموا مع القناع الذي سيحجب الوجه لحقبةٍ طويلة. الإيديولوجيّة تفترض وقتًا لتأسيسها. هذا التعبير لا يعني مجرّد حقبةٍ تاريخيّة، بل إيقاعًا، شيئًا أشبه بـ "المدة" (durée) عند برغسون، والتي، إذا أمسيت شريكًا فيها، خوفًا أو لمصلحة، ستسلبك خصوصيّتك وستلقي بك في ما سيُعرض على أنّه الحقيقة. في هذا يكمن العنف المرهف والفظيع، الذي يمكن أن يستغني عن السلاح. السلاح، في المنتهى، ليس سوى رمزٍ للإقصاء الذي يكابده الآخر.

لا ريب أنّ الآلهة هي التي تخوض الحروب. الأرض لا تعكس سوى قسوة السماء. الموت غريبٌ جدًّا ومعادٍ لطبيعتنا لدرجة أنّه يجب أن يُخضع لسببٍ إلهيّ. إذ ينبذه الإنسان كآخر شوكةٍ في جسده وفي تاريخه، لا يمكن أن يكون مؤسّسًا إلّا على إرادة الله، الذي له الحقّ في اصطفاء خلفاء له كما يشاء. ولهذا السبب، لا يجد تعليم الموت مكانه الحقيقيّ في أديان القدر، التي تخضع فيها الآلهة والإلهات لأهواء بشريّة. تعليم موت الآخرين لا يمكن تصوّره إلّا في توحيدٍ لا يعرف فيه الله محبّةً للآخرين تقوده إلى الموت. إذا لم يرتض الله الموت لنفسه، ليجعل الآخرين شركاء في القيامة المنبثقة عنه، فإنّه يحكم حتمًا على غير أتباعه بالهلاك. الإله الذي لا يعرف حوارًا داخليًّا مع ذاته، لا يعرف بالأحرى حوارًا مع الوثنيّين وغير المؤمنين. الحساسيّة اليهوديّة تبيح أن يُعطى على تساؤلات أيوب جوابٌ حقيقيٌّ في تلك المكافأة التي ينالها على محنه. ولكن بالنسبة لمن يدرك اللامحدود، لا يحمل الجواب لأيوب سوى التوحيد اللاحق، الذي يتكشّف فيه "الحمل المذبوح قبل الدهور". أسوأ ما في الأمر هو حين يؤسّس الإنسان كذب قلبه على الله، على إلهٍ يصطفي بحزمٍ خلفاء له ليجعل منهم قتلة. هذا التعليم لا يعرف القدر القديم، الذي خضعت له الآلهة والإلهات ذوات الأهواء البشريّة. يغدو موت الآخرين ضروريًّا حين يُقدّم الله ككلّي القدرة، يطرد الشرير من أمام وجهه ولا يرتضي الموت لنفسه. السبيل الأوحد لله للدخول في حوارٍ مع الإنسان هو التخلّي عن قدرته الكليّة من منطلق شفقةٍ لا نهائيّة واحترامٍ لحريّة خليقته. حينئذ ينبثق الله من موته الطوعيّ في قيامةٍ تستعيد الإنسان.

حين يقتل المسيحيّون باسم المسيح، فإنّهم "يتهوّدون"، بمعنى أنّهم يتوجّهون إلى إلهٍ يقصي الغرباء، بروح الآيتين الثامنة والتاسعة من المزمور 136 (في الترجمة السبعينيّة، وهو المزمور 137 في الترقيم العبريّ والبروتستانتيّ): "يا بنت بابل الشقيّة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا! طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة!". يعارض هذا الموقف يسوع المسيح وحده: "الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسةً أن يكون معادلًا لله. لكنّه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسانٍ، وضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موت الصليب" (فيلبي 2: 6-8). كم هو ناءٍ العالم المسيحيّ، بمفهومه عن الحروب المقدّسة ضدّ غير المؤمنين، عن هذه الرؤية!

لن أتوقّف هنا عند تاريخ الشعوب المسيحيّة التي شرعنت العنف. شُنّت حروبٌ مقدّسةٌ ضدّ "غير المؤمنين" من قبل ملوك مسيحيّين في بلدان شتّى، ولا سيما إسبانيا. إذا لم تستعر الحملات الصليبيّة من الإسلام جميع عناصر مفهوم "الجهاد"، فمن الصحيح مع ذلك أنّ حقوق الله – سواءٌ لدى حجّاج الغرب أو في الإمبراطوريّة البيزنطيّة – كان يُذاد عنها في حملاتٍ بشّر بها المتصوّفة. متوجّهًا إلى الشعب الإنجليزيّ، قال القدّيس برنارد من كليرفو: "الأرض ترتجف، لأنّ ربّ السماء قد فقد أرضه، التي ظهر فيها بين الناس (...) والآن، بسبب خطايانا، يرفع عدوّ الصليب هناك رأسه المكفّر ويدمّر بالسيف الأرض المقدّسة، أرض الموعد". المشاركة في حملةٍ صليبيّةٍ تعني، حسب القدّيس برنارد، الخلاص، وغفران الخطايا، والمجد الأبديّ. ربّما لم يتساءل عمّا إذا كانت فلسطين بالنسبة للمسلمين أرضًا مقدّسةً، مرتبطةً بمعراج النبيّ. بهذا النهج، يمكن إثبات الكلمة بالسيف.

الشيء عينه ينبغي قوله عن الإسلام، الذي قام بالفتوحات باسم الله وأقرّ لنفسه بوضع الفاتح. العالم المسيحيّ في شكل إمبراطوريّةٍ كان في كثيرٍ من جوانبه شبيهًا بما يسمّى دار الإسلام، الفضاء الذي يحكمه المسلمون، مع جزءٍ غير مسلمٍ هو دار الحرب، حيث كانت تُشنّ الحرب باسم الله، أي الجهاد. الإسلام ليس مرتبطًا بمكانٍ، بل بالكلمة، وهو يشرعن الحرب المقدّسة رغبةً في جلب كلمة الله إلى البلاد المفتوحة. الديانة الإسلاميّة في البلدان التي فتحها المسلمون كانت تُعرض على الوثنيّين، إذا وافقوا على اعتناقها، ولكن ليس على اليهود ولا على المسيحيّين. إذن، ينبغي الإقرار بأنّ الحرب المقدّسة الإسلاميّة تتطلّب من المحارب إعدادًا روحيًّا؛ وتنتهي بمعركةٍ داخليّةٍ كبرى ضدّ الأهواء، تسمّى الجهاد الأكبر. هنا، يظهر القدّيس برنارد، دون أن يدري، تشابهًا مع تابع الإسلام، لأنّ الصليبيّ، مثله مثل المحارب المسلم، ينال الخلاص في المعركة من أجل الله.

موقف الشرق المسيحيّ في هذه المسألة جليّ. القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم قطع كلّ من علّم أنّه يجب قتل الهراطقة. أمّا القدّيس باسيليوس الكبير، فقد فرض عقوبةً كنسيّةً على المحاربين الذين شاركوا في الحرب. الكنيسة الكبادوكيّة، التي كان ينتمي إليها، وكذلك الكنيسة البيزنطيّة، رفضت بشكلٍ قاطعٍ تطويب الجنود الذين قُتلوا في الحرب. اعتقد المسيحيّون الأوائل أنّهم سيقهرون الحرب بالإيمان والصلاة وقوة الله. لكنّ الإمبراطوريّة، على الرغم من أنّها أضحت مسيحيّةً، لم تستطع إلغاء الجيش. هذه الإمبراطوريّة لم تكن بعد ملكوت الله. كان عليها أن تذود عن نفسها ضدّ البرابرة. لقد فهمت انتصاراتها وطول عمرها كدفاعٍ عن القضيّة المسيحيّة. أضحى الصليب أداةً للنصر في هذا الدهر. العبادة البيزنطيّة مترعةٌ بمظاهر هذه الإيديولوجيّة، على الرغم من تطوّر روحانيّة التواضع والوداعة فيها في الوقت عينه.

ليس هذا مقام الجدال مع مفهوم "الحرب العادلة"، الذي نجده عند القدّيس أوغسطينوس والقدّيس توما الأكوينيّ. أعتقد أنّ المفهوم المسيحيّ لهذا لم يُشوّه في أيّ مكانٍ كما شُوّه في بيزنطة. كلّ صباحٍ، ترنّم جميع الكنائس الأرثوذكسيّة في العالم: "خلّص يا ربّ شعبك وبارك ميراثك، مانحًا النصر للمسيحيّين الأرثوذكس على الأعداء". بالطبع، لم يكن لدى الشرق المسيحيّ تعليمٌ عن الحرب. ولكنّه، مع ذلك، تبنّى فكرة الحرب الدفاعيّة، التي شُنت ضدّ الأتراك أو ضدّ الجيوش "الكاثوليكيّة"، حين تغزو بلدًا أرثوذكسيًّا، كما حدث في روسيا. لم تعد توجد هنا، حقًّا، نظريّاتٌ سلميّةٌ، سيما وأنّ الكنائس الأرثوذكسيّة، مع تفكّك الإمبراطوريّة البيزنطيّة، وجدت نفسها في معظمها خارج البطريركيّات القديمة وغدت كنائس مستقلّةً، يتطابق مجالها الجغرافيّ مع المناطق الوطنيّة المعنيّة. للكنائس الوطنيّة نزعةٌ قوميّةٌ، ونتيجةً لذلك، تبارك بشكلٍ أو بآخر الحروب التي تشنّها بلدانها. في هذا الخلط بين الأنواع، لا يضطرب الضمير بالحرب كحرب.

صحيحٌ أيضًا أنّ البيزنطيّين لم يقدّسوا الحدود أبدًا. بالنسبة لهم، شملت "الأويكوميني" (المسكونة) البلدان المسيحيّة للإمبراطوريّة. وبالتالي، فإنّ غزو البرابرة، إذا لم يُصدّ، كان يعني في نظرهم اضطهاد الكنيسة وسيادة انعدام الثقافة. أفقه الإرادة الشرسة لإنقاذ القسطنطينيّة، المدينة الأثيرة لدى الله ووالدة الإله، التي كانت موضع الكثير من المطامع حتّى سقوطها في القرن الخامس عشر. ولكن كيف استطاع الرهبان القدّيسون، والأساقفة الأجلّاء، والشهود الذين لا يحصون لأجمل ليتورجيا في العالم، أن يرنّموا في مديح (أكاثستوس) والدة الإله أنّها سورٌ للمملكة؟ كيف استطاعت هذه الكنيسة، التي، في اتحادٍ كتابيٍّ كاملٍ، ولّدت التوازن الوحيد الذي أعرفه من هذا النوع بين لاهوت الصليب ولاهوت المجد – كيف استطاعت على مدى قرونٍ مديدةٍ وفي أنقى تأمّلاتها أن تخلط بين قضيّة المسيح وقضيّة الإمبراطوريّة، ثمّ جميع "الممالك الأرثوذكسيّة"؟ كيف استطاعت أن تؤكّد في العبادة أنّ الصليب هو الصولجان الملكيّ؟ هذه الأجواء عرفها أيضًا نبيّ الإسلام. لقد قدّسها القرآن ثمّ تجاوزها. إبّان الإصلاح، كانت بيزنطة معروفةً قليلًا وبشكلٍ سيّئ، لكنّ كلّ المثقّفين الشرقيّين انجذبوا إلى الإسلام، الذي تعرّفوا عليه من مصادره الأولى.

إنّ رؤية السلام الداخليّ، الذي ينفتح عليه العالم كدعوتنا، لا يمكن أن تستقرّ في الكنيسة إلّا حين يُطرد شيطان الحرب. ولكن كيف استطاع المحقّقون، أناسٌ تحرّكهم نوايا نقيّةٌ وتقيّةٌ، أن يضرموا كلّ هذه المحارق؟ كيف استطاع النازيّون، الملهمون بتصوّر إنسانٍ جديدٍ وكاملٍ، أن يحملوا على أحزمتهم كلمات إشعياء: "Gott mit uns" (الله معنا)؟ في هذا تكمن إحدى مآسي وجودنا التاريخيّ. لن تُحلّ أيٌّ من هذه المسائل، ولن تُخطى خطوةٌ واحدةٌ على درب السلام، حتّى تتزعزع الأسس الكتابيّة للعنف. الضلال، في رأينا، ليس في التاريخ، بل في اللاهوت. العنف مُشرعن، يتغذّى من الإيمان بأنّ إله الكتاب المقدّس قد قاد إسرائيل من نصرٍ إلى نصرٍ وأخضع له جميع الشعوب. إذا كانت المسيحيّة الأرثوذكسيّة تؤمن حقًّا بهذا، فلا جدوى من التشكيك في لاهوت الحرب الدفاعيّة عند البيزنطيّين أو الصليبيّين.

ماذا يقول الكتاب المقدّس عن هذا؟ ينسب العهد القديم لله "يدًا عظيمةً"، "أظهرها أمام المصريّين" (خروج 14: 31). الربّ يضرب "كلّ بكرٍ في أرض مصر، من الإنسان إلى البهيمة" (خروج 12: 12). والربّ نفسه، إذ يقاتل عن شعبه، يدخله أرض كنعان، طاردًا من هناك "الكنعانيّين والحثّيّين" وشعوبًا أخرى (يشوع 3: 10). الربّ يسلم للغزاة أريحا وملكها، موحيًا إلى قائدهم باللعنة التالية: "ملعونٌ أمام الربّ الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا. ببكره يؤسّسها وبصغيره ينصب أبوابها" (يشوع 6: 26). عن مدينة عاي، يقول يشوع بن نون: "ويكون عند أخذكم المدينة أنّكم تضرمون المدينة بالنار. حسب قول الربّ تفعلون" (يشوع 8: 8). في هذا الفتح، الذي يقوده الله، نرى بوضوحٍ تامٍّ الدمار والمذابح. المزامير تمجّد هذه الأعمال العظيمة. يقول داود عن أعداء شعبه: "كما تحرق النار الوعر، وكما يلهب اللهيب الجبال، هكذا اطردهم بعاصفتك، وبزوبعتك أرعبهم" (مزمور 83: 15-16، يجب أن يكون هذا المزمور 82 في الترقيم السبعينيّ). وفقًا لهذا التصوّر، الله نفسه يخدم إسرائيل، الذي يؤسّس هيمنته على أرضٍ أجنبيّة. ليس إسرائيل هو الذي يستوعب فكر الله، بل الربّ نفسه يتبنّى منه شهوةً بشريّةً بحتةً للفتوحات والسيادة في تحالف القبائل السامية. هذا غريبٌ تمامًا عن طبيعة ذاك المحبّ للجميع، الذي هو إله جميع الشعوب والذي يسود على التاريخ في مجراه كلّه. إذا كان هذا الإله هو حقًّا إله يسوع المسيح – ذاك الذي اسمه، وحضوره، وحقيقته – كلّها محبّة – لما دعم المذبحة التي اقترفها يشوع بن نون.

لهذا الإله الدمويّ، تقابله صورة الإله الرحيم، الذي يدوي صوته من أفواه الأنبياء العظام، ولا سيما إرميا، وهوشع، وفي نشيد الأناشيد. النبرات الإنجيليّة تدوي أيضًا في النصّ المتعلّق بالزواج بين الربّ وشعبه، وفي أناشيد إشعياء عن العبد المتألّم. إذ رأى مرقيون التعارض الذي لا ريب فيه بين هذين الوجهين للربّ، قرّر في منتصف القرن الثاني أنّ الحرب، والإدانة، والعقوبات، الموصوفة في الكتاب المقدّس، لا يمكن أن تكون أعمال الإله الصالح، أبي يسوع المسيح، وأنّ كلّ هذا هو أعمال إلهٍ أدنى، وهو الإله الحقيقيّ لليهود. كان من الجليّ أنّه لكي تنقذ الكنيسة وحدة الكتاب المقدّس، يجب عليها رفض ثنائيّة مرقيون. الأيقنة البيزنطيّة مشبعةٌ جدًّا بفكرة الوحدة بين يهوه ويسوع، لدرجة أنّها تكتب على الهالة المحيطة برأس المسيح كلمة "Ο ΩΝ" (أو أون) – الكائن. هذا هو الاسم الذي ترجم به السبعون اسم الربّ، الذي كُشف لموسى في تجلّي العلّيقة الملتهبة.

التفسير الآبائيّ للعهد القديم هو في أساسه نموذجيّ (typological). تبنّى آباء الكنيسة هذا النهج لأنّ المسيح هو الصورة الوحيدة لله. اعتبروا الكثير في الكتاب المقدّس كصور (أنماط/types) للمسيح أو للصليب. وهكذا، فإنّ إكليمنضس الرومانيّ، معلّقًا على قصّة راحاب الجاسوسة والخيط القرمزيّ الذي أنزلته من النافذة، يقول إنّ الخيط القرمزيّ هو صورةٌ لدم الربّ المسفوك. التقليد بالإجماع يرى في الأيدي المرفوعة صليبًا. الأيقنة البيزنطيّة، والقراءة في السهرانيّات، تعكس هذا التفسير.

فما هو المعنى الحقيقيّ للوحي؟ إذا كان صحيحًا أنّ العهد القديم هو، بشكلٍ ما، أيقونةٌ للعهد الجديد، فإنّ العهد الجديد هو أيضًا صورةٌ، نمطٌ أو نموذجٌ أوليٌّ للعهد القديم، تمامًا كما نظر القدّيس باسيليوس الكبير إلى خبز وخمر الإفخارستيا قبل الاستحالة (epiclesis) كصورةٍ لجسد ودم الربّ. ولهذا السبب، أُؤثر تطبيق كلمة "أنماط" (types) على حقائق العهد الجديد، لأنّ الإنجيل يكشف بالفعل الإسخاتون (الأخرويّات). وبالتالي، فإنّ التفسير النموذجيّ للآباء، الذي تبنّته الليتورجيا أيضًا، يمكن أن يحجب المعنى التاريخيّ للكتاب المقدّس. لذلك، بالإضافة إليه، أقترح قراءةً يمكن تسميتها "كينوتيّة" (kenotic - إخلائيّة). هذا التعبير يأتي من الرسالة إلى أهل فيلبي، حيث يتحدّث عن إفراغ الذات للكلمة – من الله إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى العبد، ومن العبد إلى جسدٍ ميّتٍ على الصليب. في هذا الـ "كينوسيس" – الإفراغ الطوعيّ للذات – لا يكفّ المسيح عن كونه الله، وألوهة طبيعته لا تتوارى، بل ببساطة لا تظهر نفسها. تغدو سرًّا، والمعرفة الإلهيّة في الكلمة المتجسّد لا تكون فعّالةً إلّا مع نموّ الجانب البشريّ فيه. تآزر (synergy) الطبيعتين يلهم أيضًا الكتاب المقدّس، الذي هو جسد المسيح.

بتساهلٍ من الله، وكذا وفقًا لمستوى ثقافة العصر، الذي كانت عقليّته مشوّشة، تتوارى الكلمة والحقيقة أحيانًا بعمقٍ تحت الكلمات، تحت الغطاء الجسديّ للكتاب المقدّس. هنا يدخل في الاعتبار ما يسمّيه الغرب شخصيّة أو ذاتيّة المؤلّف المقدّس. الأرثوذكس لا يعترفون بهذه الذاتيّة. من وجهة نظرهم، يشوع بن نون هو نموذجٌ أوليٌّ ليسوع الناصريّ. إنّه لا يغزو كنعان، بل العالم، المصاب بالخطيئة، ولا يسلم أحدًا للموت، بل يرتضي الموت لنفسه. كلّ ما هو إلهيٌّ في الكتاب المقدّس يتّخذ شكلًا بشريًّا، وكلّ ما هو بشريٌّ يحمل في طيّاته صورة الله. في ضوء هذا التفسير، أرفض أن أنسب الحروب التي خاضها إسرائيل إلى إرادة الله. قوة إسرائيل لم تستطع أن تمهّد لظهور قوة الله على الصليب. وإلّا فإنّنا نقع أسرى لأخلاق الوسائل، جاعلين الموت أداةً للحياة وسقوط الشعوب شرطًا للإيمان، وصعود وازدهار شعبٍ واحد، حتّى لو كان شعب الله. فالصليب وحده أضحى موطن انتصار الله وينبوع الإيمان. كلّ ما في الكتاب المقدّس لا يتّفق مع سرّ المحبّة، يحجب الكلمة. لا تدوي الكلمة حقًّا إلّا في المحبّة، لأنّ المحبّة وحدها هي تجلٍّ إلهيّ (Theophany).

لا يمكن تبرير أهوال الحرب التي قادها يهوه في نظر الشعوب المهزومة، لا بظروف العصر، ولا بفكرة الوحي التدريجيّ. مفهوم الوحي التدريجيّ لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن يعني شيئًا آخر سوى النضج الروحيّ، والتطهير الداخليّ، الضروريّين لاستقبال الجمال الإلهيّ. من إله الخروج، إله يشوع بن نون، إذا فُهم كمحارب، لا يوجد أيّ انتقالٍ إلى إله يسوع المسيح. الصورة الوحشيّة لا يمكن أن تصير جميلة.

يخال لي أنّ فكرة التقدّم في الوحي قد نمت من جدليّة هيغل. لا يوجد في الفكر اليهوديّ أيّ أثرٍ لمثل هذا التطوّر. لا أؤمن بأنّ الكتاب المقدّس هو حقًّا تاريخ الخلاص. الله يكشف عن نفسه في الزمن، لكنّه لا يُخلق بالزمن. التاريخ ليس خالق فكر الله. إنّه يمثّل فقط إطارًا للوحي، ثمّ لتجسّد الكلمة. فيه يغدو الإيمان متاحًا للفهم. ولكنّه لا يستطيع بأيّ حالٍ من الأحوال صياغة الإيمان. إذا كان التاريخ بدايةً بشريّةً بحتة، فإنّ البداية الإلهيّة تلج فيه، دون أن تتمازج به. لذلك، ليس الكتاب المقدّس فيضًا للألوهة في الزمن، بل هو تطابقٌ لظهورات الله عبر الزمن. الفرق الوحيد بين التجلّيات الإلهيّة هو أنّها لا تتشح بالروعة عينها، ولكنّها، بحكم التربية الإلهيّة أو تدبير محبّة الله، تخفي نفسها بدرجاتٍ متفاوتة. إذا كان كلّ شيءٍ قد اكتمل حقًّا على الصليب، فإنّ حقيقة الله النهائيّة هي حقيقة المحبّة. المسيح يحيا في الكتاب المقدّس، الذي يخفيه ويظهره بشكلٍ جدليّ. إذا كان هو الحامل الوحيد للوحي، فهو أيضًا، في حياته وموته، المفسّر الوحيد للكتاب المقدّس، ونظام إسناده الوحيد. ولهذا السبب، فإنّ معاناة كنعان والشعوب المقهورة ليست من الله. على النقيض، كان هو دومًا إلى جانبهم ولم يدعم أبدًا الجيوش التي انتهكت اسمه. حين قاد يشوع بن نون اليهود إلى المعركة، كان ذاك الذي سيحمل لاحقًا الاسم عينه، إلى جانب الضحايا، تمامًا كما كان إلى جانب إسحق حين طلب الله من إبراهيم أن يقدّم ابنه ذبيحة. الربّ لا يتجلّى في يده المرهوبة، بل تحديدًا في ضعف أولئك الذين سحقتهم جيوش ربّ الجنود (الصباؤوت). تحت هذا الاسم، فهم إسرائيل قوته الخاصّة. كان إسرائيل شعب الله، ولكنّه لم يكن جسد الربّ. واقع جسد الربّ لم يكن ليكتشف قبل الـ "كينوسيس" (الإفراغ الذاتيّ) داخل الثالوث، دون ذلك الإفراغ الذاتيّ الذي قام به يسوع من منطلق المحبّة. كان لا بدّ أن يبلغ الربّ في الألم كمال طبيعته البشريّة، لكي يُعرف الكمال، ولكي تتكشّف طبيعته الحقيقيّة. هذا التنازل الإلهيّ يُنقل إلينا من خلال "صانعي السلام" مثل العميان، والعرج، وجميع محرومي الأرض. هم بامتياز حملة عطيّة الله – عدم مقاومة الشرّ.

فقط انطلاقًا من هذا الضعف الإلهيّ يمكن فهم تعليم يسوع والتقليد – الذي كان بالإجماع حتّى أوغسطينوس: حول عدم مقاومة الشرّ. المضلّل الأكبر، إذ يرى عجز يسوع الظاهريّ على الصليب، يعرض عليه النزول من الصليب. الإغراء الأعظم هو الإيمان بأنّه يمكن تغيير العالم دون الله، وأنّه يمكن فرض أدواتٍ بشريّةٍ على الله، وأنّه في اللحظة التي يترك فيها ربّ الكون العالم، معلنًا بذلك موته، يحتلّ الإنسان المكان الشاغر، ليقيم العدالة. الثورة والثورة المضادّة – وكلاهما ظاهرتان من نظام بروميثيوس – تنبعان من غياب الله كمخلّص. كان برديائيف محقًّا حين أكّد أنّ كلّ ثورةٍ هي رجس؛ لأنّها تنطلق من وهم، مفاده أنّها، بطرد الناس والحلول محلّهم، وبتأكيد مبادئ حكمٍ أخرى، تقيم العدالة.

ينبغي أن يتغيّر ميزان القوى، وأن تدخل في العمل شرائح اجتماعيّةٌ جديدةٌ، وديناميّةٌ جديدة – حينئذ فقط ستلهم النسمة الخلّاقة الفقراء والمنبوذين. العنف يعلن نفسه الردّ الوحيد اللائق على العنف غير المرئيّ، الذي تمارسه الأنظمة الاجتماعيّة القمعيّة والظالمة. توجد مجتمعاتٌ استبداديّةٌ مدمّرةٌ، قائمةٌ على التمرّد. توجد هياكل عنفٍ تخلق جوًّا تتوارى فيه الإنسانيّة. جزءٌ كبيرٌ من البشريّة مساقٌ إلى يأسٍ يجعل العنف يبدو لها المخرج الوحيد. أولئك الذين، بسبب لون بشرتهم، أو انتمائهم الدينيّ، أو حيادهم الإيديولوجيّ، ليس لهم الحقّ في المشاركة في السلطة أو ممارسة وظائف عامّة؛ أولئك المحرومون من حقّ التصويت، والحقّ في التعليم، والغذاء، والدواء، والرعاية الصحيّة، يعانون من ظلمٍ هو في حدّ ذاته أسوأ أنواع العنف. الحرب الأهليّة، التي تتعقّد وتتجدّد بلا نهاية، تسير في حلقةٍ مفرغةٍ وتنتهي فقط بالجوع، وتُظهر كلّ عبثيّة العنف.

في مرحلةٍ معيّنةٍ من التوتّر الاجتماعيّ، يفقد الاحتجاج ضدّ الظلم معناه. الحرب، التي أضحت نظامًا للحياة الاجتماعيّة، لم تعد تسمح بطرح سؤال القدّيس توما الأكوينيّ عن الثورة ضدّ الطاغية. هنا تظهر دوّامة العنف التي وصفها الأب هيلدر كامارا كجدليّة "الظلم – الثورة – القمع". حين تبدو جميع الحكومات، بعد أن وقعت في وضعٍ لا يمكن السيطرة عليه ولا عقلانيٍّ تمامًا، محكومةً بالعجز، نخرج من ذلك المجال الذي ينطبق فيه القانون البسيط. في هذه الظروف، لم يعد العنف حتّى وسيلة. حين تصل الكراهية، والريبة، والفساد، والتعصّب، والقمع إلى ذروتها، يغدو سؤال الاختيار بين الحلّ السياسيّ أو غيره نافلًا. كلّ موقفٍ سياسيٍّ تمليه الحسابات، وفي مستوى معيّنٍ من التفكّك الاجتماعيّ، كلّ سياسةٍ هي مجرّد سياسويّة. السياسة الحقيقيّة لا يمكن تصوّرها إلّا إذا انطلقت من خطابٍ داخليّ. إذا كنّا في هذا الخطاب الداخليّ نميل إلى الآخر، فإنّنا نضع أنفسنا بالفعل وراء الوسائل. ينبغي أن أتحرّر من المفهوم المنغلق للمجموعة ومن التعلّق بها، لأكتسب القدرة على استقبال وجهٍ غريب، في ضوئه أستطيع استقبال وجهي الخاصّ والولوج حقًّا في عالم الشخصيّة.

في منظورٍ موجّهٍ نحو النهاية، حين نبصر بالفعل شركة المحبّة، يكفّ المجتمع عن كونه مجرّد واقعٍ تجريبيٍّ ينشأ من عالم القانون وتنظيم الاقتصاد. مقاربة الأمور من وجهة نظر الفعاليّة تعني محاولةً متواضعةً لترتيب المجتمع وفقًا لصيغٍ مريحةٍ ومؤقّتة. ربّما لا يسعنا وضع هدفٍ آخر لأنفسنا، خاصّةً في العالم الثالث، حيث كلّ شيءٍ غير مستقرٍّ إلى هذا الحدّ. ومع ذلك، لا يمكن للسياسة أن تجد تبريرًا داخل ذاتها. إذا كان الإنسان هو الهدف، فإنّ مجتمع الناس ليس واقعًا إحصائيًّا، بل شركة أشخاص، لا يمكن تصوّرها في نهاية المطاف إلّا حين يتألّه الجميع معًا في الإفخارستيا. "Politeia" (بوليتيا - نظام الحكم أو الدولة) و "politeuma" (بوليتيوما - المواطنة أو الجسم السياسيّ) لا تتحقّقان إلّا في الجماعة الإسخاتولوجيّة (الأخرويّة)، التي تضع حدًّا للوضع الحاليّ للقبائل والشعوب واللغات. إذا نظرنا إلى الأمور روحيًّا، فإنّ الحدود بين المجتمعات البشريّة تميل إلى التلاشي. وفي الوقت عينه، لا يمكن أن يُملى سلوكنا حصرًا بما يسمّى السياسة الواقعيّة وأن يتحدّد في الوقت ذاته بالبحث عن الملكوت. إذا كان ملكوت الله يلوح منعكسًا في ملكوت قيصر، فذلك لأنّه لا يوجد مجتمعٌ مدنيٌّ في شكله النقيّ. مثل هذا المجتمع يجب أن يكون، وتتطلّبه الشركة الإفخارستيا، التي تحتضنه وتحييه، حسب قول أوريجانوس: "الكنيسة هي كون الكون" – بمعنى أنّ الكنيسة ذاتها هي كونٌ روحيٌّ، يحتوي في ذاته على الكون التاريخيّ، تمامًا كما يجعل النظام عادلًا وعضويًّا ما كان يفتقر فقط إلى التنظيم.

كان رفض الحرب في الكنيسة الأولى إجماعيًّا: فالمسيحيّة قبل أوغسطينوس رفضت استخدام العنف. هذا الإجماع يظهر بوضوح أنّ الموقف المناهض للحرب يتّفق مع تعليم الكنيسة وتقاليدها. قد يبدو أنّ الشرعيّة، كما فُهمت في الإمبراطوريّة، والانضمام إلى "باكس رومانا" (السلام الرومانيّ) الذي جاء من الرسول بولس، يعنيان قبول الجيش والحرب. في الواقع، بعد معموديّة بولس لكرنيليوس وسجّان فيلبي، وحتّى عام 170 م، لا يُذكر في أيّ مكانٍ وجود جنودٍ مسيحيّين. عدم مشاركة المسيحيّين في الدفاع عن أورشليم عام 70 م. ونزوحهم إلى بيلا يظهران أنّهم لم يكونوا مهتمّين إطلاقًا بمصير هذه المدينة. الوثنيّ كلسوس حوالي عام 178 م. يحثّ المسيحيّين على مساعدة الإمبراطور بكلّ قوّتهم في الحفاظ على العدالة، والقتال من أجلها والخدمة في الجيش. إنّه يحتجّ بأنّ الإمبراطور إذا بقي وحيدًا في جهوده، فإنّ المجتمع مهدّدٌ بالخطر: يمكن أن تقع السلطة في أيدي الخارجين عن القانون والبرابرة (18). من كتابات ترتليانوس نعلم أنّه كان في الجيش الرومانيّ عددٌ كبيرٌ من الجنود المسيحيّين. ومع ذلك، يكتب ترتليانوس ذاته أنّ الربّ، بنزعه سلاح بطرس، نزع سلاح كلّ جنديّ. لا لباس، يقول ترتليانوس، يكون شرعيًّا إذا كان ما يلزمه به غير شرعيّ [19]. في "وصيّة ربّنا يسوع المسيح" مسطور: "ليمتنع أولئك الذين يرومون أن يعتمدوا في الربّ عن الخدمة العسكريّة وعن كلّ وظيفةٍ عامّة. وإلّا فلا يمكن قبولهم".

أوريجانوس، الذي، مثل ترتليانوس، استند إلى تحريم الربّ لبطرس قتل الجنديّ، يقول إنّ المسيحيّين لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم ضدّ أعدائهم، ولا يمكنهم ضرب إنسان، وإنّهم لا ينبغي لهم بعد الآن رفع السيف ضدّ أيّ شعبٍ وتعلّم فنّ الحرب. على حجّة كلسوس يجيب بالتأكيد على أنّ البرابرة، إذا أُرشدوا بالإنجيل، سيخضعون للشريعة وستلين أخلاقهم؛ حينئذ ستُلغى جميع العبادات الوثنيّة وستسود المسيحيّة، لأنّ الكلمة حينئذ ستستولي على جميع النفوس. النبرة عينها نجدها عند الرسل. أثيناغوراس يتحدّث عن قتل أعدادٍ لا تحصى من الناس، وعن تدمير المدن، وعن إحراق السكّان لبيوتهم، وعن إبادة قوميّاتٍ بأكملها. إنّه يؤكّد أنّه لا معاناة في هذه الحياة يمكن أن تكفّر عن مثل هذه الخطايا. المسيحيّون، كما يقول، لا يمكنهم إلّا أن يتألّموا، وهم يرون كيف يُسلّم الإنسان للموت، حتّى لو كان ذلك من أجل قضيّةٍ عادلة. ووفقًا لإكليمنضس الإسكندريّ، من يهاب الله، يعارض الحرب.

أقتبس هذه النصوص لأبيّن أنّ المسيحيّين الأوائل لم يشعروا بالرعب من الحرب ولم يعدّوها شرعيّةً فحسب، بل آمنوا أيضًا بأنّهم يستطيعون التغلّب عليها، والانتصار عليها روحيًّا. مثل هذا الموقف، سواء كان طوباويًّا أم لا، يجب التمسّك به ببساطة لأنّه أساس الشهادة، التي بنار الروح تقاوم الموت. يمكن للموت أن يتّخذ مثل هذا الاتّساع، مستقرًّا في الجسد، في الحجر، في الأشجار، في وعي الإنسان، لدرجة أنّ كلّ خيارٍ يفقد معناه، ويبدو المخرج الوحيد الممكن تصوّره عمليًّا هو قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من الناس من المعسكر المقابل. وظفر سياسةٍ كهذه يعلن ويكفل، بعد انقطاعٍ قصيرٍ إلى حدٍّ ما أو آخر، تجدّد العداء. حين لا يجد أحدٌ حيلةً ضدّ سياسةٍ كهذه، لا يتجاوز الناس حدود إيديولوجيّتهم فحسب، بل يجعلونها زائفةً، مغربين إيّاها عن هدفها الأصليّ والطبيعيّ – صون الكينونة. حين تغدو إرادة الموت متعةً ويسوس حكّام الدول أنفسهم كأطفالٍ مدجّجين بالسلاح، لا يعود ثمة ذكرٌ لعدم المقاومة. ينبغي أن يكون تعليم عدم المقاومة فعّالًا، وينبغي التبشير به كنظريّةٍ سياسيّة.

بعد الحربين العالميّتين الأخيرتين، وضعت البشريّة المتحضّرة نصب عينيها مهمّة: من خلال عمل المنظّمات الدوليّة، مقاومة العدوان ومنع النزاعات. يبدو أنّ بعض البلدان، خاصّةً في أوروبا الغربيّة، بفضل تعاونٍ وثيقٍ إلى حدٍّ ما أو آخر، قد نأت بنفسها عن خطر العداء فيما بينها في المستقبل المنظور. إذا بلغت البلدان المجاورة تنميةً اقتصاديّةً وثقافيّةً عاليةً، فستكتشف أنّ الخلافات التي ساقتها إلى المواجهة قد ضعفت بشكلٍ كبير. هذه هي عمليّة أنسنة المجتمعات. هل هذا يعني أنّ الإثراء العامّ يحلّ معضلة الحرب؟ ففي نهاية المطاف، حيث الثروة، هناك السلطة، وكلّ سلطةٍ تتعارض مع سلطةٍ أخرى. ربّما يكمن مفتاح المعضلة في إنشاء إمبراطوريّة؟ ولكن هل يمكن وجود إمبراطوريّةٍ تكفل العدالة لجميع الشعوب والأعراق والأديان؟

العدالة والسلام لا ينفصلان. الظلم يؤدّي إلى اليأس والتهيّج، والتمرّد والسعي إلى التدمير. إنّه يفضح إرادة القوة، التي تحرّك الطاغية والمحتلّ، والتمييز الملازم لهذه الإرادة. إرادة القوة تلد الكذب، وتتستّر به في دولة القانون وتثبت كقاعدةٍ عمليّة "الظلم – التمرّد – القمع" ذاتها. الكراهية، وانعدام الثقة، والتعصّب، والعنصريّة، والقمع – كلّ هذا يوسم نهاية الحوار الاجتماعيّ. كلّ سياسة قوّةٍ تغدو سياسويّةً وتستبعد الشهادة. إذا كانت الحياة الحرّة أو، على الأقلّ، المتسامحة، محظورةً عليّ، فهذا يعني أنّ كياني الداخليّ قد رُفض. يمكنني أن أشهد ضدّ هذا بصمتٍ إبداعيٍّ أو بالاستشهاد. فليُدمّر وجودي اجتماعيًّا، لكنّ الله يعرفني ويغذّيني برجاء الملكوت. شركة القدّيسين ممكنةٌ حتّى في زمن الحرب والاضطهادات.

الشهيد يقيم في سلامٍ مع الله خارج الجسد السياسيّ. لا قوّة يمكن أن تسحقه، لأنّه يتأمّل نور وجه ذاك الذي كُتب عنه: "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحدٌ في الشوارع صوته. قصبةً مرضوضةً لا يقصف، وفتيلةً مدخّنةً لا يطفئ" (متى 12: 19-20). ملكوت السلام مُعدٌّ بمجيء ذاك الذي تسمّيه الليتورجيا "رئيس السلام" (إشعياء 9: 6). وبولس يتحدّث عنه بشكلٍ أعمق وأكثر حميميّة: "فإنّه هو سلامنا" (أفسس 2: 14). ثمّ، عن أنّه "قتل العداوة" (أفسس 2: 16). هنا نحن خارج مجال الفقه القانونيّ، خارج إطار الأمم المتّحدة. أمّا الواقع التاريخيّ، على النقيض، فيُحكم إمّا بالقوّة أو بالحقّ، وكلا هذين المجالين غريبان عن منطق القداسة. القانون يُكره ويستخدم القوّة. السلام، المفهوم كغيابٍ للحرب، يمكن أن يكون جزءًا من التفكير السياسيّ والأخلاق السياسيّة، لأنّها تعكس ثقافةً إنسانيّة. الإنسان السياسيّ يسعى إلى مثل هذا السلام السياسيّ. سيحقّقه هنا والآن. لكنّه يفكر بواقعيّةٍ كافيةٍ ليدرك أنّ نزع السلاح الشامل لا يمكن تصوّره، وأنّ الصناعة العسكريّة ضروريّةٌ في بنية القوى العظمى. ليس من الضروريّ التوقّف عند أيّ مصدرٍ للشرّ، جماعيٍّ وفرديٍّ، يكون الخوف. حتّى نهاية التاريخ، سيبقى الناس مستعبدين لهذا الخوف من الموت. العنف جزءٌ لا يتجزّأ من عمل الموت. اللاعنف، المفهوم كمجرّد عدم استخدام القوّة، ليس بعد انتصارًا على العنف. اللاعنف كجسارةٍ وتغلّبٍ على الذات – هذا لم يعد موقفًا سياسيًّا، بل شهادة.

إذا لم يكن ثمة، في جوهر سلوكهم، مقياسٌ مشتركٌ للقدّيس والسياسيّ، فإنّ القدّيس مع ذلك يصلّي من أجل أن يستقرّ السلام، السلام السياسيّ، على الأرض. السلام هو البيئة الطبيعيّة التي يتطوّر فيها الإنسان، السلام علامةٌ على انتصاره على شهواته الخاصّة. وفي كون الناس يعدّون أنفسهم ملزمين بالبحث عن حلولٍ سلميّةٍ للنزاعات، يكمن تقدّمٌ أخلاقيٌّ كبير. لكنّ الرغبة في الحفاظ على السلام بأيّ ثمنٍ غالبًا ما تكون علامةً على الجبن. الإنسان لا يغدو أفضل بمجرّد حقيقة التفاوض على السلام. لا يغدو السلام قيمةً أخلاقيّةً إلّا بقدر ما يعبّر عن مصالحةٍ حقيقيّةٍ بين دولتين كانتا في حالة عداءٍ سابقًا. هنا نقترب ممّا تسمّيه الليتورجيا البيزنطيّة "السلام العلويّ"، أي السلام الآتي من فوق. بعد أن دعت إلى مثل هذا السلام، تتحدّث الليتورجيا بعد ذلك "عن سلام العالم كلّه". يتّضح من هذا النصّ أنّه لا يمكن أن يسود سلامٌ عميقٌ في الكون إلّا حين يتوب (يتحوّل). السلام كدعوةٍ إلهيّةٍ وكواقعٍ سيتحقّق في الملكوت، هو تلك البيئة الإلهيّة التي يدعونا إليها الربّ على الرغم من فساد الوجود الأرضيّ.

نظرةٌ كهذه تتطلّب منا جهودًا مستمرّةً، موجّهةً ضدّ الحرب بين الناس. لتحقيقها كعلامةٍ للملكوت الآتي، دون التفكير في الفعاليّة، بل بالاتّكال على الخلاص، لا بدّ من الوداعة الإنجيليّة. حين يتحوّل بلدٌ إلى غبارٍ ويشعر الناس بأنّهم وحوشٌ، تُطارد ليلًا ونهارًا، مهمومون باستمرارٍ بكيفيّة البقاء على قيد الحياة، يغدو الملجأ الوحيد للإنسان هو الربّ. الكينونة، كأنّها لا إراديًّا، تُنقل إلى مستوى الملكوت، الذي يغدو التربة الوحيدة التي لا تزول من تحت الأقدام. الإيمان حينئذ ليس فقط إثباتًا لأمورٍ لا تُرى. إنّه حينئذ ذاك "الشيء" الذي يقتنيه المرء ليتجنّب رصاصة قنّاص. ذاك "الشيء" الذي يروم به القنّاص أن ينقذ نفسه من وجوه القتلى المألوفة التي تحاصره.

هذا ما يقوله مكسيموس المعترف: "إذا كانت قوّة الملكوت غير المنثلمة قد أُعطيت للمتضعين والودعاء، فمن ذا الذي سيكون خاليًا من المحبّة والرغبة في الخيرات الإلهيّة إلى حدّ ألّا يتوق بكلّ قوّته إلى التواضع والوداعة، ليغدو، قدر ما يمكن للإنسان، ختمًا لملكوت الله، حاملًا في ذاته ما يمنحه بالنعمة صورةً مشابهةً لصورة المسيح، الملك العظيم؟ ... النفس، التي انسكبت فيها طبيعيًّا قداسة صورة الله، تستحيل بمشيئته إلى شبه الله. ... تغدو مسكنًا مُشرقًا للروح القدس. ... من خلالها يولد المسيح دومًا سرًّا، متجسّدًا في أولئك الذين يخلّصهم؛ إنّه يجعل النفس التي تلده عذراء-أمًّا" [20].

في التماس اليوميّ والوثيق مع الباكين، يتحوّل الإنجيل في كلّ مكانٍ إلى شفقةٍ، وبساطة قلبٍ، ووداعةٍ، ومعموديّةٍ دمعيّة. صبر القدّيسين يتيح فهم أنّ ثمة الكثير من الرجال والنساء الذين لا يستطيعون تصوّر ما ينتظرهم في المستقبل القريب أو البعيد، ولكن في إذلالهم تتكشّف عظمة الله. الملكوت، الذي في داخلنا، يغدو نصيب أولئك الذين لا يدينون أحدًا. إنّهم لا يفكّرون فيما قرأوه سابقًا عن سلوك الآخرين. بالنسبة لمن خبر هاويةً لا اسم لها، لا يبقى سوى الموت التضحويّ، الشهادة. الخليقة الجديدة في داخلنا، ونحن نعلم أنّها لا علاقة لها بالتاريخ، ولا بالإنجازات البشريّة. هذا الموقف لا يضع موضع تساؤلٍ انخراط المسيحيّ في السياسة في حالاتٍ أخرى. ولكنّه يتيح فهمًا أفضل للتخلّي عن هذا الانخراط من أجل الملكوت. يكون هذا التخلّي جادًّا مع استقلال العقل، وغياب العداء تجاه الغريب، وفهم جميع عناصر التجلّي الكامنة في أيّ حدثٍ كان. الإنسان غير السياسيّ لا يمكن أن يكون حرًّا؛ إنّه غارقٌ في الغياب، وفيه يحدث تراجع. فقط انطلاقًا من قوّة الإشراق الداخليّ يمكن رفض استخدام القوّة. تحديدًا في الوعي المتحرّر تتمّ شهادة الودعاء.

طريق يسوع هذا – الموصوف بالفعل في النشيد الأول عن العبد المتألّم – يعكس سلوك الربّ نفسه، حين ظهر لإيليا على جبل حوريب. هناك لم يكن اللقاء بالله كما كان على الكرمل، أثناء قتل أنبياء البعل: قال الربّ لإيليا: "اخرج وقف على الجبل أمام الربّ. وإذا الربّ عابرٌ، وريحٌ عظيمةٌ وشديدةٌ تشقّق الجبال وتكسّر الصخور أمام الربّ، ولم يكن الربّ في الريح. وبعد الريح زلزلةٌ، ولم يكن الربّ في الزلزلة. وبعد الزلزلة نارٌ، ولم يكن الربّ في النار. وبعد النار صوت منخفض خفيف، وهناك الربّ" (1 ملوك 19: 11-13، يجب أن تكون الآية 12 حسب النصّ المعتمد لدى الكاتب، "بعد النار صوت هدوء خفيف" أو "صوت سكينة رقيقة" بدلًا من "منخفض خفيف"). هذه الريح الهادئة هي تجلٍّ إلهيّ (Theophany). ليس عبثًا أنّ الربّ، من بين جميع الفضائل التي تتشح بها القداسة البشريّة، أشار لتلاميذه إلى واحدة: "احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأنّي وديعٌ ومتواضع القلب" (متى 11: 29). هذه الفضيلة، مع غيرها، ستكون فينا ثمرةً للروح (غلاطية 5: 22-23، مع تصحيح الإشارة إلى الإصحاح). الشعب المسيحيّ، الموجّه قلبه نحو الوجه القدوس والذي يرى "كينوسيس" (إفراغ ذات) الوجه الإلهيّ، يسعه لقرونٍ، مع بقائه أمينًا للمطلق، ألّا يقوم بأعمالٍ عظيمةٍ، بل ببساطةٍ أن ينقل الكلمات التي قيلت له، والأشكال التي حُصرت فيها صلاته. حاملًا صليب يسوع، خاضعًا لوصيّة المحبّة، سيشهد في ظلام التاريخ للفصح الأزليّ.

سفكُ الدمِ جحودٌ بالخالق

حياتنا هبةٌ من الله. الله يمنحنا إيّاها، والله يستردّها منا. لا يملك الإنسان أيّ حقٍّ على حياته، ولا يسوغُ له التعدّي عليها. الله وحده يملك الحقّ في حياة الإنسان. نحن نتلقّى الحياة من الله. ومنه أيضًا نتلقّى الناس المحيطين بنا. يمكنهم أن يحيوا كما يشاءون. دورنا هو أن نسدي لهم النصح بسخاءٍ، وأن نكون إلى جانبهم، وأن نخدمهم، وأن نحاول تحسين مصيرهم وحياتهم. وبتقديمنا هذه المعونة لهم، ينبغي علينا بذلك أن نسعى لجعل نفوسنا أجمل. ليس لنا الحقّ في قتلهم، حتّى لو التمسوا منا ذلك، لأنّهم هم أنفسهم لا يحقّ لهم وضع حدٍّ لحياتهم. هذه الحياة لا تخصّهم، بل هي مؤتمنةٌ لهم. لذلك، الإجهاض محرّم: الأمّ لا تملك حقًّا على حياة الجنين. لا أحد "يملك" المريض، وبالتالي، لا أحد يستطيع تقصير أيّامه أو المساعدة في تقصيرها، مهما بلغت معاناته. لا يحقّ لأحدٍ حتّى التصرّف بالجسد الميت. حتّى لو كان المريض لا يعي شيئًا، لا يمكننا أن نحلّ محلّه، وإذا فعلنا ذلك، فإنّنا نتعدّى على سرّ الوجود. جسدنا ليس شيئًا يمكننا التصرّف به بإرادتنا الخاصّة. إنّه جزءٌ لا يتجزّأ من شخصيّتنا. وهو أيضًا ليس ملكًا للحكّام أو القضاة؛ فالأوائل لا يحقّ لهم إساءة معاملته، والثانون لا يحقّ لهم تسليمه للموت.

من الجسد يصدر الكلام البشريّ. من يحكم على آخر بالموت، يكشف عن ازدراءٍ كاملٍ لطبيعته البشريّة، رافضًا الدخول معه في حوار. نحن والآخرون، كلٌّ بجسده، ينبغي أن نتّجه معًا صعودًا. فالله نفسه يجذبنا بأجسادنا إليه. هو الذي يوحدنا. من يتحرّك نحو الأعالي لا يمكنه أن يلتقي بالآخر إلّا إذا غدا هذا الآخر رفيقًا في الحجّ. إذا لم نتوق كلانا إلى الربّ، فقد تضطرب علاقاتنا، فتغدو علاقات قمعٍ أو مصلحة. في مثل هذه العلاقات، يشرع القامع والمقموع بالنظر إلى بعضهما البعض كشيء. كلّ علاقةٍ إنسانيّةٍ حقيقيّةٍ تتمّ بين كائنين داخليّين، ولا عالم داخليّ حيث لا يوجد الله. الكائن في حقيقته النهائيّة لا يغدو فعليًّا إلّا حين يكون منفتحًا على خالقه، وبالتالي، على الكائنات الأخرى. بمثل هذا الانفتاح، لا يعود يقول "أنا"، بل يقول "نحن". هذا ينسحب أيضًا على الجسد. يحتاج إلى تجاوز حدوده الخاصّة، والتحرّر من كلّ عبوديّة، ليغدو قادرًا على فهم الآخر وقبوله. حين يجتمع "الأنا" و"الأنت" و"هو" الإلهيّ، يتّجه الإنسان كلّه وجميع الناس الآخرين نحوه. أمّا القتل فيحطّم هذه الثلاثيّة. من يُقصي الآخر، يُقصي نفسه وينكر سلطة الله على نفسه وعلى الآخر.

كلّ خطيئةٍ هي إنكارٌ لله، وهذا الإنكار يتعلّق بهذه الصفة أو تلك من صفات الله – الوداعة، أو الرحمة، أو المحبّة. أمّا القتل فهو إنكارٌ كاملٌ لله. إنّه يعني إنكار وجوده كمانحٍ للحياة. نحن نقتل الآخر لأنّنا نحسب أنّه يعيق خططنا، أو مصالحنا، أو أهواءنا، أو حريّتنا وكلّ ما يرتبط بها. ونخال أنّ هذا القرار سيقوّينا، وسيعزّز كلمتنا، وسيثبّت سلطتنا. في نهاية المطاف، القتل يعني عزل النفس، لفرض أهدافها على الكينونة والنظر إلى الذات كإله. بوعيٍ أو بغير وعي، نروم احتلال مكان الله. عند كلّ انتهاكٍ للوصايا، نستبدل الله بأنفسنا جزئيًّا. ولكن حين يصل الأمر إلى القتل، نحتلّ مكانه بالكامل.

في فيلم عن جان دارك، راقتني لقطةٌ، بعد أن هزمت الإنجليز تحت أسوار أورليان، تحزن فيها جان على كلّ الدماء التي أُريقت في صفوف العدوّ. على الرغم من اقتناعها بأنّها مُقدَّرةٌ من العلاء لقيادة هذه الحرب، لا تستطيع جان تحمّل كلّ هذه المذبحة. عبثًا يشرح لها قائد الجيش أنّه لا حرب دون إراقة دماء. تبقى جان على منطقها الخاصّ. لقد تحدّثت عن هذا الجدال بين العذراء القدّيسة والجنديّ البراغماتيّ فقط لأعترف بأنّ الرعب يغمرني كلّما قرأت: "نجّني من الدماء يا الله" في المزمور الخمسين. أنا موقنٌ بأنّ هذا الإغراء يمكن أن يتعرّض له أيّ إنسان، على الأقلّ، من يملك السلطة. في الكنيسة الأولى، كلّ كاهن، حتّى لو تسبّب عن غير قصدٍ في وفاة إنسان، كان يُمنع فورًا من الخدمة. ووفقًا لبعض القوانين، كان يُفعل الشيء عينه مع الكاهن أو الأسقف الذي ضرب إنسانًا.

العلاقات بين الناس هي كلام، وإلّا فلا وجود لأيّ علاقات. وكلّ كلامٍ يصدر من اللوغوس (الكلمة/العقل)، الذي يتحدّث عنه إنجيل يوحنا، أي من كلمة الله. هو الذي يوحدنا. بدونه، ننكر وجودنا الخاصّ ووجود إخوتنا. هذا يطرح مشكلة القتل الجماعيّ. حين يشرع شعبٌ في إبادة شعبٍ آخر خوفًا من ذلك الذي يوحي به إليه، فهذا يعني أنّ القتلة، الذين اجتاحهم الخوف، يتخيّلون أنّهم سيتمكّنون من تعزيز وجودهم بالبقاء وحدهم، خارج أيّ تعايشٍ مع أولئك الذين يقتلونهم لأنّهم – مختلفون. قابيل يقتل أخاه هابيل، لأنّه راعٍ، وهو نفسه له مهنةٌ أخرى. الآخر قد لا يكون من بلدنا، ولا ينتمي إلى عرقنا، أو ديننا، أو حزبنا، ولهذا يجب أن يُسلّم للموت. وبما أنّنا لا نستطيع أن نجعل القانون يدينه على ذلك، فإنّنا نقتله بأنفسنا، دون محاكمة، لأنّ كلّ محاكمةٍ هي بالفعل حوار.

يمكن القول إنّ كلّ إبادةٍ للناس تتمّ باسم إله، سواء كان هذا الإله يسكن في السماوات أو يتطلّب العبادة على الأرض. وهكذا، فإنّ كلّ قتلٍ جماعيٍّ "دينيّ" – بمعنى أنّ الانتماء العرقيّ أو العقيدة السياسيّة يغدوان في حدّ ذاتهما شكلًا من أشكال الدين. الدين أيضًا يمكن أن يُفهم أو يفهم نفسه على أنّه هو وأتباعه لا يمكن أن يقعوا في الضلال. "يأتي وقتٌ يظنّ فيه كلّ من يقتلكم أنّه يقدّم خدمةً لله" (يوحنا 16: 2). توجد "ليتورجيا إبادة"، حين تُعلن اللعنات والأحكام باسم الله. أولئك الذين ينطقونها موقنون بأنّ الله قد أمر "مختاريه" بقتل أولئك الذين ليسوا من حزبهم. المنطق العميق لكلّ إراقة دماءٍ جماعيّةٍ ينطلق من الرأي القائل بوجود طريقةٍ واحدةٍ فقط للرؤية، ينبغي أن تسود في العالم. إذا كان القتل باسم الله، يغدو الله صنمًا. الفرد، الذي يصدر أمرًا بالقتل الجماعيّ، يتوهّم أنّه خليفة الله، حامي الشعب المقدّس، الذي يسمّيه البعض "أمةً" والبعض الآخر "إكليزيا" (كنيسة).

حين يُستخدم العنف المعنويّ أو الجسديّ، يتحوّل الشعب المقدّس إلى مجموعةٍ سوسيولوجيّة. ما كان علامةً على الحضور، يغدو مكانًا للسلطة المطلقة. كلّ مكانٍ آخر يبدو الآن فارغًا. المجتمع البشريّ، الذي كان يخلق وحدة هذه المجموعات، يُدمّر إذا أنكر بعضها البعض. تُنكر الوحدة من جذورها. كلّ أولئك الذين يحاولون استعادتها، يستحقّون الموت. العقلانيّة الوحيدة التي نعتمد عليها في هذا الوضع تغدو الموت. في البلدان التي لا تكون فيها عقليّة الشعب علمانيّة، يعتبر الناس، الذين يخوضون حربًا أهليّة، أنّها صراعٌ ميتافيزيقيّ. في تلك البلدان من العالم الثالث، حيث، كما في لبنان، يقوم المجتمع على الطوائف، تُفهم كلّ حرب، حتّى لو كانت أجنبيّة، كحربٍ دينيّة. إذا كان هذا تدخّلًا مباشرًا من الغرب، فإنّه يُسمّى حملةً صليبيّة. العالم الإسلاميّ لم يتجاوز حتّى الآن الصدمة المعنويّة التي ألحقتها به الحملات الصليبيّة. حتّى مع فهمهم العقليّ بأنّ الدول الغربيّة لا تحرّكها اعتباراتٌ دينيّةٌ على الإطلاق، يواصل المسلمون النظر إلى أوروبا وامتدادها الثقافيّ – أمريكا – كبلدان مسيحيّة. الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، على الرغم من أنّ كلا الطرفين جمهوريّتان سوفيتيّتان سابقتان، كان يُنظر إليه كصراعٍ ذي صدى دينيّ.

مهما سُمّيت الحرب – تحقيق رسالةٍ حضاريّةٍ أو عمليّة حفظ سلام – فهي دومًا في صالح الغازي. وعي الغازي يحتاج إلى كلمات. لتغطية العنف، لا بدّ دومًا من أسطورة. الحرب، حتّى المعاصرة منها، هي صراع آلهة. ما أهمّيّة أن تُلبس أسماء جديدة؟ يتّضح هذا بشكلٍ خاصٍّ في مثال الحروب الأهليّة في البلدان النامية. الفهم الأسطوريّ لمختلف الجماعات لماضيها ولدعوتها لا يسمح لها بتحليل الحقائق ويشترط نشاطها. الفهم الأسطوريّ لطبيعتها يحدّد أيضًا تلك النظرة إلى الآخر، التي يجب أن تكون نتيجتها الحتميّة إقصاؤه الجسديّ أو المعنويّ. اختفاء الآخر يتضمّن اختفاء تاريخه، الذي يُقدّم كضلال. إذا كان من المستحيل الآن محوه من على وجه الأرض المأهولة بالأحياء، فيمكن، على الأقلّ، تزييف التاريخ وإجباره على الاختفاء من مسكن الموتى. لم يعد ينتمي إلى الذاكرة الجماعيّة للبلاد. تحمّل وجوده الماديّ – هذا ممكنٌ إلى حدٍّ ما، ولكنّ المطلوب حتمًا هو أن يكون غائبًا عن ذلك العرض للآلهة الذي يسمّى التاريخ. في وضعٍ كهذا، يغدو أساس الإيديولوجيّة هو الرغبة في الموت. الحرب الدوليّة بطبيعتها لا تختلف عن الحرب الأهليّة. البلد العدوّ، أو الطائفة، أو العرق، يغدو شيئًا مغلقًا، منيعًا، ويجب أن يختفي. تتغيّر فقط الأسطورة التي تستخدمها الموت. ولكن هنا وهناك، يُنكر تماثل الآخر. يجب خلق تاريخٍ جديد، كما يُراد له أن يكون. إلغاء التاريخ – هذا هو مطلب الحقيقة، والحقيقة بطبيعتها مطلقة. الحقيقة هي خصوصيّة المجموعة، مدّتها، ذاك الخلاص الذي ستحقّقه حين تنتهي العداوة.

إذا شعر الناس بأنّهم مُهانون مع موتى أبناء جلدتهم، فلا يمكنهم الاحتجاج إلّا بقوّة السلاح. السلاح هو احتجاجٌ ضدّ ظلم التاريخ وأملٌ في حقيقةٍ لم تأتِ بعد. إذا شُعر بأنّ شهادة الصليب عبثيّة، فيجب صلب الآخرين. موتهم سيثبت وجودنا الخاصّ. ربّما لن تشوّه العلاقات بين أناسٍ من شرائع مختلفةٍ بعد الآن التصوّر الخاطئ للتعايش. الناس لا يهمّهم أن يُقتلوا، أو أن يقتلوا هم. الحقيقة لا تُحتمل جيّدًا، تحت وطأتها تنحني الأكتاف، وهذا لأنّنا لم نحي في إشراق القداسة الوديع والمسالم.

في الحرب الأهليّة، ثمة عنفٌ مرهف، يفسد المشاركين فيها بعمق. الإنسان فيها يغدو متنكّرًا، يتجذّر في أسوأ أنواع الكذب – كذب القلب، لأنّ القلب هو الذي يعلن اللعنات. الحرب الأهليّة، كلّ حربٍ أهليّة – هي دومًا جريمة. تحكمها منطق المجموعات المسلّحة، "الجيوش"، التي لا توجد إلّا في مواجهة مجموعاتٍ مسلّحةٍ أخرى. ومع ذلك، لا يمكن لمثل هذه المجموعة أن تدافع عن مصلحةٍ عامّة، لأنّها أُنشئت أصلًا لتدمير مجموعةٍ أخرى. بهذا الروح ينبغي الحكم على الحرب الدائرة في لبنان. طالما لم تتب كلّ مجموعةٍ اقترفت جرائم قتل، لن تكون ثمة توبةٌ حقيقيّةٌ أمام الوطن، أي أمام البشريّة كلّها التي يمثّلها. الله لن ينتصر إلّا إذا اعترف كلّ معسكرٍ أمام الوطن بأنّه كان سببًا في خطايا المعسكر الآخر وأنّه يأسف الآن لذلك.

بالتعمّق في هذه المعضلات، يرى المرء أنّه لا شيء أكثر زيفًا من القول الشائع عندنا: "الماضي يغفره الله". هذا غير صحيح. الله لن يغفر لنا إلّا حين يعترف كلٌّ منا بأنّه يتصرّف بشكلٍ إجراميّ، بإبادته للآخرين أو بالدعوة إلى إبادتهم. من كانت يداه ملطّختين بالدماء، ومن تمنّى الموت، أو النفي، أو إخضاع الآخر، يشاركون بالقدر عينه في خطيئة الإبادة هذه. كلّ ضحيّةٍ، أُريق دمها، بريئة، إلى أيّ معسكرٍ انتمت، لأنّها الآن مستترةٌ في الله، والله لا يشاء أن يقتل الناس بعضهم بعضًا باسمه. الله وحده، حين تكون تلك مشيئته، يرسل الموت، ولكن لا يحقّ لأحدٍ أن يقدّم نفسه كممثّلٍ له في شأن الموت. في أكواخ لبنان المتداعية، ظفر سلام الله على العنف، والغفران اللامتناهي. من استسلم للكراهية، شعر بالذنب. نحن، بمفهومنا عن رحمة الله، عرفنا أنّ الخانقين، ربّما، مجرّد أناسٍ تعساء، لا يعرفون الحقيقة، قد يتكشّف لهم جمال الله يومًا ما. حين كان الشرّ يتكاثف، كنّا نشعر أنّه لا أحد ينتمي إلى حزب الله، وأنّ كلّ واحدٍ بطريقته أمسى قاتلًا، وأنّنا الآن لن نتمكّن من العيش إلّا إذا غفرنا. من يروم أن يحيي الآخرين، يسلم هو نفسه للموت. لذلك، المحيي الحقيقيّ هو المسيح.

بصعوده طوعًا على الصليب، ألغى إلى الأبد كلّ لاهوتٍ يبرّر تسليم الآخرين للموت، وكلّ تقديسٍ للحملات العسكريّة، وكلّ إقصاءٍ للناس يمكن أن يخلق "غيتو"، وكلّ تعليمٍ يشرعن الانتقام، وكلّ نشرٍ لحقيقة الله بالإكراه، وكذا كلّ استخدامٍ للسلاح بالاستشهاد بالله: "ردّ سيفك إلى مكانه. لأنّ كلّ الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون!" (متى 26: 52، مع تصحيح الآية إلى 52 وليس 51). الربّ لم يأمر أحدًا بأن يدين أيّ شخصٍ كان. هو وحده الديّان، هو الذي يعرف خفايا الإنسان. إنّه يشاء أن يكون الإنسان حرًّا، بغضّ النظر عمّا إذا كانت قرارات الإنسان ستكون صالحةً أم طالحة. إنّه يدع الحنطة والزوان ينموان معًا، ويأمر الشمس بأن تشرق والمطر بأن ينزل على الجميع دون تمييز. إنّه يوزّع عطاياه على الجميع ويأمل أن يقبل كلّ واحدٍ ما مُنح له.

لا أرى إمكانيّةً لإقناع الإنسان بتبنّي أخلاقٍ سلميّة، إذا لم يكن يؤمن بالله. إذا لم يكن الله موجودًا، فأنا نفسي إلهٌ لنفسي. موجة القتل المتزايدة، التي نلحظها في كلّ مكانٍ تقريبًا، لا تُفسَّر إلّا بتأليه الذات، بتأليه "الأنا" الفرديّة أو الجماعيّة، الذي يقوم به معاصرونا. من الجليّ أنّه يمكن ردع الناس عن الجريمة بالتهديد بالعقاب. بالنسبة للأفراد، قد يكون هذا صحيحًا، ولكن ماذا نصنع إذا لم يكن ثمة عقاب، كما في حالة الحروب العرقيّة أو الطائفيّة، التي يكمن تبريرها المنطقيّ الوحيد في أنّ المشاركين فيها يؤمنون بأنّ إله "نا" يريد أن يقمع إله "هم"، أي أنّ فهم الله، الذي تتبنّاه هذه المجموعة أو تلك وتعبّر عنه في أفعالها، ينكر وجود فهمٍ وتعبيرٍ وطريقة عملٍ أخرى؟ المجتمع التعدّديّ نسمّيه تحديدًا ذاك المجتمع الذي يعترف بالاختلافات، ويعتبر أنّ ثمة العديد من المفاهيم للإله الواحد، لأنّه يمكن أن يتجلّى بطرقٍ مختلفةٍ في البيئة عينها، حين تتكوّن من العديد من الجماعات الصغيرة.

المفهوم الرائج حاليًا "التربية من أجل السلام" لا يخلو من الغموض، لأنّه قد يوحي بفكرة الموافقة على الخيانة في بعض مناطق العالم. لكنّ الفكرة تبقى مثمرةً، فهي تنطلق من قناعةٍ بأنّ كلّ بلدٍ ينبغي أن تتاح له إمكانيّة التعاون مع الآخرين، وأنّ كلّ مجموعةٍ عرقيّةٍ أو دينيّة، تحيا في بلدٍ متعدّد الطوائف، لها الحقّ في الضلال وأنّ رفض الضلال هو إمّا عطيّةٌ من الله أو نتيجةٌ للحوار. هذا يعني أنّني أستطيع أن أشير لك إلى الضلال وأنّ لك الحقّ عينه تجاهي. هذه هي الطريقة الوحيدة لعدم تحويل الضلال إلى مأساة والقدرة على مناقشته، معترفين لبعضنا البعض بالحقّ في الحياة. من هذا يترتّب أنّ التعايش لا يمكن أن يقوم على البراغماتيّة. الأساس الوحيد للحياة المشتركة هو الله. لقد مات الله فينا، وأمسينا نحن أنفسنا إلهًا. لذلك نحسب أنّ كلّ شيءٍ مباح. هل سيعود الإله الحقّ؟ أعتقد أنّ الإنجيل، بإعلانه: "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام"، أراد أن يقول إنّ تمجيد الله هو الشرط الذي بموجبه سنتمكّن من دخول ملكوت السلام. كلمة "سلام" هي أحد أسماء الله في المسيحيّة أو الإسلام. فمتى سيُعطى لنا أن نحبّ السلام في الله؟