|

الفصل الثالث

أضواء المسيحيّة وظلالها

مفارقةُ الكنيسة

الانتماءُ إلى الكنيسةِ يمتزجُ حتمًا بالفرحِ والمشقّة. ففي طبيعةِ كينونتِنا ذاتِها، حيثُ يتّحدُ المبدأُ الإلهيُّ بالمبدأِ البشريِّ اتحادًا مفارقًا (paradoxical)، يكمنُ سرُّ أن نستشعرَ الكنيسةَ عذوبةً وجرحًا في آن؛ حضورًا للروحِ المعزّي وغصّةً للخطيئة. هذه الازدواجيّةُ الظاهريّةُ لا يزيلُها مبضعُ العقل. إنَّ كسلَنا وحدَه هو الذي يجعلُ الجماعةَ تركنُ كليًّا إلى كمالِ العقيدةِ وجمالِ الليتورجيا. لأنّه، شئنا أم أبينا، الهيكلُ يعجُّ بالباعةِ والصيارفة، وليسَ ثمةَ سورٌ يفصلُ، في الروحِ أو في التاريخ، بينَ "السرِّ" المسيحيِّ و"الوهنِ" المسيحيّ. وانسكابُ النعمةِ في الإفخارستيا لا يمنعُ الجماعةَ من التقهقرِ إلى "غيتو". وأحيانًا يصرخُ الشرُّ فينا، فاضحًا، حتّى لَيصعبُ فهمُ ما يربطُ هذه الكنيسةَ باللهِ التائهِ بينَ انقساماتِنا ورداءتِنا.

أعلمُ أنَّ الصراخَ ليسَ لاهوتًا. ولكن إذا لم يشأِ اللاهوتُ أن يكونَ إيديولوجيّةً، أي مخطّطًا لهذا الدهرِ زائلاً كأيِّ كلمة، فعليه أن يغدوَ خبرةَ ألم، لأنّه يزعمُ المشاركةَ، إلى حدٍّ ما، في صورةِ "رجلِ الأوجاع". ومعَ ذلك، فإنَّ الخبرةَ الأغنى، والأكثرَ مخادعةً في آن، هي سعيُ المسيحيّين للقاءِ اللهِ في الإنسان، ولإيجادِ الأبدِ في التاريخِ الملموس، وتقبّلِ واجباتِهم اليوميّةِ في نورِ الإيمان، في صرامةِ الطاعةِ كما في حريّةِ أبناءِ الله، في الانخطافِ والصبر، وفي الرجاءِ واليقينِ بأنَّ قوى الإنسانِ محدودةٌ وأنَّ اكتمالَ التاريخِ مستحيل. إنَّ رؤيةَ الكنيسةِ في العالم، منذُ مجيءِ يسوع، كـ "إناءٍ خزفيّ" يحملُ الكنزَ الإلهيَّ بتمامِه، تعني الإيمانَ العنيدَ، رغمَ شرخِ الخطيئة، بأنَّ الإنسانَ مدعوٌّ للتألّه. إنّها الموافقةُ، على مستوىً شخصيٍّ ومحدّدٍ جدًّا، في وداعةِ الغفران، على قبولِ وجهِ المسيحِ في الآخر.

كيفَ نحيا في الكنيسة، وبمَ نحيا؟ هذه هي المشكلةُ الوجوديّةُ المطروحةُ أمامي. هذه الجماعةُ، التي تقتاتُ بجسدِ المسيح، تنهشُ بعضَها بعضًا أيضًا، لأنَّ فيها كراهيّة. في الكنيسة، كما في أيِّ تجمّعٍ بشريّ، الإنسانُ ذئبٌ للإنسان. ما من رعيّةٍ، أو ولايةٍ كنسيّةٍ، أو كنيسةٍ مستقلّةٍ تحملُ في ذاتِها ضمانةَ الحياةِ الأبديّة. كلُّ شيءٍ يذوي ويموت. وإذا وصلتِ الخيانةُ حدَّ "البغاء"، فإنَّ خنقَ المسيحِ وإطفاءَ الروحِ يتمّان، بشكلٍ رئيسيّ، داخلَ الكنيسة. ومعَ ذلك، حتّى لو كانت كنيسةٌ ما، في أشخاصِ أعضائِها، غيرَ أمينة، فإنَّ اللهَ يبقى أمينًا لها. إنّه يحتفظُ بلحظةٍ حميمةٍ ليُظهِرَ تضامنَه معنا: هذا هو "الحضورُ الكشفيّ" (heuristic)، حيثُ ينغمسُ الإنسانُ التائبُ في انحدارِ الروحِ كانغماسِه في تيّارٍ ناريّ. في الحالاتِ القصوى، تغدو الكنيسةُ بذلك "مصلوبة"، مكانًا معدًّا للشهادة، وتكونُ دعوةُ الراعي الحقيقيّةُ والأخيرةُ هي أن يصيرَ ضحيّة، ذبيحةً دميّةً لوحوشٍ بشريّةٍ كانَ مؤتمَنًا على ترويضِها.

أعلمُ أنَّ الرعاةَ السيّئون آفةٌ رهيبة، وسببٌ واضحٌ ومباشرٌ للانحطاط. "حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً، وَصَارَتْ غَنَمِي مَأْكُلاً لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ... هَهِيَ أَنَا عَلَى الرُّعَاةِ، وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ" (حزقيال 34). ويا للأسف، تبقى كلماتُ العهدِ القديمِ راهنة. بعضُ الأساقفةِ قد يكونون غيرَ جديرين بالكنيسة، غارقين في السيمونيّةِ والمحسوبيّة. وغالبًا لا تُتّخذُ ضدّهم أيُّ إجراءاتٍ قانونيّةٍ إمّا بسببِ الجبنِ العامِّ أو التواطؤ. هؤلاءِ الإكليروسُ كفّوا عن أن يكونوا حملةً للحياة، لم يعودوا ينقلون أيَّ رسالة، ويطفئون روحَ اللهِ في النفوس. حينئذٍ، يجترحُ اللهُ موهبةً (charisma) بديلة، إن جازَ التعبير: يحيا المؤمنون مباشرةً بكلمةِ اللهِ وبالليتورجيا التي، وإن أُقيمت بلا روح، تبقى هي ذاتُها نبعًا للنعمة؛ يحيون بالنورِ الذي يستمدّونَه من بعضِهم البعض. بمعونةِ الأداةِ أو الوسيطِ أو بدونهما، يدخلُ اللهُ في الجماعة، محوّلاً إياها إلى جسدِه.

في وضعٍ كهذا، تكمنُ الصخرةُ الأخطرُ في تنامي الروحِ "المعاديةِ للإكليروس" التي تخفي وراءها "إكليروسيّةً علمانيّةً" دنيويّة، حيثُ يحاولُ علمانيّون نافذون أو مفرطو النشاطِ احتلالَ مكانِ الأساقفةِ والكهنة، دونَ أن يكونوا أنبياءَ ولا صانعي عجائب. والحالُ أنَّ السلامَ الكنسيَّ ليسَ الخدمةَ المباشرة، بل الحياةَ المتكاملةَ لشعبِ الله، وعلى العلمانيّين أن يعملوا لتجديدِ الكنيسةِ ككلّ، وبخاصّةٍ أن يشاركوا في إصلاحِ الكهنوت، لتحريرِ الجسدِ بأسرِه.

يتقبّلُ المسيحيُّ، بحسٍّ مأساويّ، دمَ المسيحِ النازفَ من الكنيسةِ المسيحيّةِ التي هي كلّها جرحٌ عظيم. من وجهةِ النظرِ هذه، الفرحُ الفصحيُّ هو مجرّدُ استراحة، يصمتُ فيها الأنينُ اللامتناهي للحظة. رغمَ القيامة، هذا العالمُ وادي دموع. والكنيسة، في مسيرتِها نحو اللامتناهي، تتذوّقُ مرارةَ الموت، وإن كانت تتدفّقُ من جنبِها أنهارُ ماءٍ حيّ.

"كرامةُ المسيحيّةِ وعدمُ استحقاقِ المسيحيّين". هذا التمييزُ البرديائيفي (نسبة لبرديائيف) لا يحلُّ الصعوباتِ إلا إذا نظرنا للمسيحيّةِ كحكمةٍ يغترفُ الناسُ منها ما استطاعوا. غيرَ أنَّ رسالةَ يسوعَ أعظمُ بكثيرٍ من حكمة. لقد أُعلِنَت وعيشت عضويًّا كمحبّة، وتحتَ رايةِ المحبّةِ تُعرَفُ الجماعةُ بأنّها مرتبطةٌ بالمعلّم. حجرُ العثرةِ والشكِّ هو الحياةُ في التاريخ، التي يوضّحُها بأسىً ودقّةٍ مثلُ الحنطةِ والزوان. زرعَ العدوُّ زوانًا في حقلِ الحنطة، ومنعَ السيّدُ العبيدَ من قلعِه لئلا يقلعوا معه سنابلَ القمح. نظامُ الأشياءِ هو أن تتعايشَ في الكنيسةِ العناصرُ الصالحةُ والرديئة، وأنَّ خطَّ الفصلِ يمرُّ، في الواقع، عبرَ كلِّ نفس، حتّى يأتيَ الربُّ بمجدٍ ليدينَ الأحياءَ والأموات. لعلَّ السرَّ الوحيدَ لسلامِ النفسِ هو "صبرُ القدّيسين"، لأنَّ فيه رجاحةَ عقلٍ وتطهيراً (catharsis)، ورفضًا للدينونةِ وثقةً بالتدبيرِ الإلهيّ.

المفارقةُ الأكثرُ جنونًا، الناجمةُ عن هذا الوضع، تكمنُ في أنَّ تجديدَ الكنيسةِ يأخذُه على عاتقِهم أولئك الذين، بمعرفتِهم الوثيقةِ لانحطاطِ حياتِنا الكنسيّة، لا ينفكّون يناضلون من أجلِ التجلي الإلهيّ (Epiphany). يظنّون، في حماسِهم الشبابيّ، أنّهم قادرون، بعونِ الله، على خلقِ وضعٍ تاريخيٍّ جديد. خطؤهم يكمنُ في ظنّهم أنَّ الوضعَ التاريخيَّ قادرٌ على إنتاجِ حالةٍ صحيّةٍ طبيعيّة. بينما تُعَرَّفُ الكنيسةُ في الكتبِ الليتورجيّةِ بأنّها "مشفى". إنّها لا تصيرُ جماعةَ قدّيسين إلا لأنّها تبقى دائمًا جماعةَ ساقطين.

الكنيسةُ ليست مجتمعًا منعزلاً. إنّها، دونَ أن تخرجَ من العالم، تطيعُ أو لا تطيعُ ذاك الذي يصلّي لنجاتِها من الشرير. ولأنّه يحبّها، يثيرُ الربُّ فيها المحبّةَ أيضًا. إلى أيِّ مدىً تستجيبُ هي لمحبّتِه؟ بكونِها موضوعَ الرضا الإلهيّ، هي موضوعةٌ أمامَ وجهِ المسيحِ كعروسٍ لا تشيخُ بنموّها، بل تزدادُ شبابًا. مخلَّصةً بالفعلِ الفدائيّ، تنالُ هذا الخلاصَ وتتمّمُه بخوفٍ ورعدة، مترنّحةً وثابتةً في الأمانة؛ بقدرِ ما تبقى هشاشةُ أعضائِها قابلةً للنعمة. من يقولُ "عرسًا"، يقولُ "انجذابًا"، ولكنّه يقولُ أيضًا "نذرًا" و"رجاءً". في الرجاء، الوحدةُ متحقّقةٌ إلى حدٍّ ما. وجهُ الحبيبةِ يتجلّى أيقونةً للربِّ من خلالِ تأمّلِ وجهِه.

الكنيسةُ، بكليتِها، هي عطيّةُ التجلّي. وكما أنَّ الابنَ هو "زينةُ (cosmos) الكنيسة"، فالكنيسةُ نفسُها، بفضلِ هذه العطيةِ المجانيّة، هي قلبُ البشريّة، أو كما قالَ أوريجانوس "زينةُ العالم" (cosmos of the cosmos). بهذا المعنى، ليستِ الكنيسةُ متّجهةً نحو العالم، ولم تعد في العالم. العالمُ هو الذي في الكنيسة. هي "لوغوسُه"، هي معناه. هي تقودُه إلى غايتِه، إلى التجلّي، لأنّها تعرفُ كنهَه، وتعرفُ الطريقَ إليه.

العالمُ يحيا في سرِّ الكنيسةِ من أجلِ "البقيّةِ" المخلِّصة. كثرةٌ من المسيحيّين خاملةٌ في عدمِ الإيمان، أمّا "البقيّةُ" فتنتظرُ الملكوتَ وتخمّرُ العالم. الملكوتُ كنزٌ مخفيّ. ولكن ثمةَ شهادةٌ تتمُّ عبرَ الصمت، عبرَ الترنيم، في الغيرةِ التي لا توصفُ للنفوسِ الملتهبة، المجروحةِ بمحبّةِ يسوع، وهذا الجرح، كما يقولُ الأندلسيُّ ابنُ عربي، لا يلتئمُ أبدًا.

في بلدانٍ كثيرةٍ حيثُ المسيحيّون أقليّة، وتاريخُهم يبدو هادئًا ظاهريًّا، كان الإنجيلُ حيًّا هناك في الاعترافِ الجماعيِّ اليوميّ. وغيرُ المسيحيّين أيضًا يشهدون، ولو في أدبِهم، عمّا نالوه من هذه "القلّة" الإنجيليّة، التي لم تكن أبدًا غيابًا.

توجدُ حقبٌ يزورُها الله، حيثُ تنمو الأمانة، ويشتدُّ استشعارُ أسرارِ الله، ويتعاظمُ العطشُ إلى الكلمة. تغدو الكنيسةُ حينها أجمل، ويشعرُ العالمُ بجمالِها، فيتجلّى ببطءٍ وبشكلٍ غيرِ منظور. ليسَ الأمرُ كذلك الآن. يمكنُ القولُ إنَّ العالمَ المعاصرَ قد انغلقَ في استقلاليّةٍ مدمّرةٍ وصارَ يحدّدُ بنفسِه قيمَه الأخلاقيّة، التي ما تزالُ معَ ذلك تحتفظُ بصلةٍ ما بالإنجيل. أي أنّه من الواضحِ أنَّ للروحِ طرقَه في التأثيرِ على المجتمعِ الذي يطوّرُ حضارتَه خارجَ المفرداتِ والرموزِ المسيحيّة، ويبدو غريبًا تمامًا عن سرِّ الموتِ ورجاءِ القيامة.

إنَّ البشارةَ الجديدةَ للعالمِ الذي فقدَ مسيحيّته تمرُّ، بالطبع، عبرَ التطوّرِ الشرعيِّ للعلمِ والتكنولوجيا، والحريّةِ وحقوقِ الإنسان. المطلوبُ قراءةٌ حذرةٌ ونقديّةٌ لميثولوجيا المجتمعاتِ المتقدّمة. لأنَّ هذه المجتمعاتِ تدعمُ نظامًا غيرَ عقلانيٍّ بوضوح، وتمييزًا عنصريًّا، واستغلالاً للعالمِ الثالث، وظلمًا لشعوبِ النصفِ الجنوبيِّ من الكرةِ الأرضيّة. إذا لم تتمايز الكنائسُ عن ميكافيليّةِ بعضِ الدولِ العظمى، فإنَّ الشهادةَ المسيحيّةَ محكومٌ عليها بالعقم. وجودُ مسيحيّين أجانبَ في بلدٍ غيرِ مسيحيّ، يجلبون معهم القسوةَ والعنف، يُعَدُّ خطأً وإثمًا في نظرِ المسيحيّين الأصليّين هناك، الذين يُشَبَّهون بهم.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ الشعوبَ التي نالت استقلالَها لا تميلُ كثيرًا إلى المسيحيّة. لذلك يبدو لي أنَّ الرسالة (التبشير)، وحتّى الحوارَ المشبّهَ بها، لم تعُد مطروحة. تحويلُ المجتمعِ يُنظَرُ إليه الآنَ كشأنٍ دنيويّ، شأنِ المجتمعِ الدوليّ، لا كتجسيدٍ للإنجيلِ في الحياة. الآنَ لا يُعرفُ علامَ يمكنُ تطبيقُ كلماتِ الربّ: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (متى 28: 19). ومعَ ذلك، تبقى وصيّةُ يسوعَ بالنسبةِ لنا أمرًا قاطعًا، ومهما كان موقفُنا من الأديانِ ومكانِها المحتملِ في التدبيرِ الإلهيّ، يبقى المسيحُ لنا الطريقَ الوحيدَ إلى الآب. فيه تحديدًا يتمُّ اللقاءُ الأخرويُّ (الإسخاتولوجيّ) لأتباعِ الدياناتِ المختلفة.

الرسالةُ المنظّمة، بالطبع، مستحيلةٌ في مناطقَ شاسعةٍ من الكرةِ الأرضيّة، حيثُ لا يُعتَرَفُ بالحريّةِ الدينيّةِ أو حيثُ يمنعُ طغيانُ الدينِ السائدِ أيَّ اهتداء. ومعَ ذلك، حتّى هناك، الشهادةُ المسيحيّةُ معروفة، ومحسوسةٌ بفضلِ الجوارِ الحسن، والفنِّ الوطنيِّ المشترك، والأدب، وبفضلِ الرحمةِ المتأصّلةِ في بسطاءِ الناس. القيمُ الإنجيليّةُ الحقيقيّةُ هي للجميع. الحوارُ البسيطُ أو العلميُّ يفتحُ العقولَ والقلوبَ لحقيقةِ الإنجيل. وهكذا، يتحمّلُ المسيحيّون من جميعِ الطوائفِ مسؤوليّةً مشتركةً عن شهادةٍ موحّدةٍ في الجوهر. في المجتمعاتِ التعدّديّة، لا يهتمُّ المسيحيّون بالخلافاتِ العقائديّة. إنّهم مدعوّون ليكونوا ناقلين. ففي وضعِ الناقل، يمكنُ للمرءِ أن يتحرّرَ من الولاءِ السياسيّ، الذي لا يعترفُ به غيرُ المسيحيّين له، خاصّةً حيثُ تُعتبرُ المسيحيّةُ تعقيدًا أو تُعرضُ كشعورٍ مفرطٍ بالخصوصيّة. مشاركةُ المسيحيّين في تطويرِ الثقافةِ الوطنيّة، وعدمُ لامبالاتِهم بالمحنِ التي يقاسيها الشعب، تجبرُ الناسَ على الإصغاءِ للرسالة. الثقةُ بالمسيحيّين مرتبطةٌ بانخراطِهم في قضيّةِ العدالةِ والسلام، وبإرادتِهم الصالحةِ للتحرّرِ الوطنيِّ والاجتماعيّ، لا بمجرّدِ النضالِ من أجلِ الحقوقِ الحصريّةِ لأبناءِ دينِهم. المحبّةُ تُبرهَنُ في الحوارِ الذي تُجريه الحياةُ ذاتُها، المشتركةُ معَ الآخرين. مثلُ هذا الحوارِ الحقيقيِّ يمكنُ أن يقوم. تمسّكُ المسيحيّين بحقيقةِ المسيحِ لا ينبغي أن يحجبَ تلك الحقائقَ المتناثرةَ في التقاليدِ الدينيّةِ المحيطة. لأنَّ كلَّ هذه التقاليدِ تنبعُ من المصدرِ الإلهيِّ ذاتِه. كلُّ غذاءٍ روحيٍّ محيٍ يجبُ أن يتقبّلَه المسيحيّون لا ككلمةٍ بشريّة، بل كخبزٍ نازلٍ من السماء.

كلُّ كلام، كلُّ كتابةٍ تنفي الكلامَ الآخر، والكتابةَ الأخرى. لذلك فإنَّ الهدفَ النهائيَّ للحوارِ يتجاوزُ حدودَ التقاليدِ الدينيّةِ ويكمنُ في البحثِ عن الحقيقةِ الإلهيّة، المخفيّةِ تحتَ كلماتٍ ورموزٍ مختلفة. ليسَ في هذا نسبيةٌ للرسالةِ المسيحيّةِ ولا أيُّ توفيقيّة (syncretism). إنّه المسيحُ ذاتُه، الذي نعبدُه، في ترحالِه عبرَ فضاءاتِ الأديانِ اللامتناهيّة. هذا يتطلّبُ منا "كينوسيس" – إخلاءً للذات. الإخلاءُ شهادةٌ صامتة. ويمكنُ أن يأتيَ بثمارٍ وفيرة.

في الحوارِ تنكشفُ الكنيسة، وتتعمّق، وتعرفُ ذاتَها. ليسَ الحوارُ بالنسبةِ لها وسيلةً تربويّةً أو سياسيّةً لضمِّ الآخرين إليها. على أيِّ حال، الحوارُ هو الاتّصالُ الوحيدُ الممكنُ في المجتمعِ التعدّديّ. حتّى في البلدانِ المسيحيّةِ أصلاً، أصبحَ الإلحادُ والغنوصيّةُ والشيعُ تقاليدَ ذاتَ طبيعةٍ دينيّة، لدرجةِ أنَّ تلك الرسالةَ التي تبدأُ بتحطيمِ أصنامِهم، باتت مستحيلة.

المسيحيُّ بقوةِ الروحِ يبني هذا العالمَ داخليًّا. ومتجددًا بالروحِ نفسِه، يشاركُ في العملِ المشتركِ للبشريّة. عبرَ العالمِ المخلوقِ والتاريخيِّ كلِّه يرحلُ، حرًّا في داخلِه، منجذبًا بوجهِ المسيح. لن يستطيعَ المسيحيُّ توسيعَ العالمِ إلى الأبعادِ اللامتناهيةِ للملكوتِ إلّا إذا انتمى بشغفٍ إلى العالمِ وإلى الملكوتِ معًا. بالإعراضِ عن العالم، لن يُدرَكَ الملكوت. لا يمكنُ خلاصُ العالمِ إلّا بكلِّ قوةِ المسيحِ الآتي. في هذا السعيِ الخلّاقِ يكمنُ سرُّ الشهادة.

الكنيسةُ المترنّحة

في الأصلِ كانت كلمةُ "كنيسة" تعني الجماعةَ المجتمعةَ لإقامةِ الليتورجيا الإلهيّة. والكلمةُ نفسُها تعني جسدَ المسيح. تعبيرُ "شعب الله" جاءنا من العهدِ القديم؛ وكان يعني ذلك الشعبَ الذي خاطبَه اللهُ عبرَ موسى، وسارَ أمامَه، قائداً إياهُ إلى أرضِ الموعد. الإنجيلُ يطلقُ هذا التعبيرَ على تلاميذِ المسيحِ في طريقِهم إلى الملكوت. في كلا العهدين، ليسَ هذا الشعبُ اتحادًا بشريًّا يمكنُ للعلومِ الاجتماعيّةِ أن تصفَه. شعبُ اللهِ هو ذلك الشعبُ الذي يخلقُه اللهُ بكلمتِه. العهدُ الجديدُ يشيرُ إلى أنَّ تعبيرَ "شعب الله" يتعلّقُ بأولئك الذين يجتمعون في اليومِ الأوّلِ من الأسبوع، أي الأحد، لكي يقتاتوا بكلمةِ اللهِ وبالإفخارستيا. ويستخدمُ العهدُ الجديدُ أيضًا تعبيرَ "أمّة مقدّسة".

ومعَ ذلك، لا تُستخدَمُ هذه التعابيرُ كثيرًا. كلمةُ "كنيسة" تحلُّ محلَّها جميعًا. إنّها تعني أولئك الذين يؤلّفون جسدَ المسيحِ في مدينةٍ واحدة، سواءٌ كانت كورنثوس، أو أورشليم، أو أيَّ مكانٍ آخر. نادرًا ما يتحدّثُ العهدُ الجديدُ عن كنيسةٍ تشملُ المسكونةَ كلَّها. ولا يُقالُ في أيِّ مكانٍ في العهدِ الجديدِ إنَّ جميعَ المجتمعين في مكانٍ واحدٍ يشكّلون جزءًا من وحدةٍ عالميّة. إذن، هذا الفهمُ للكنيسة، التي تحقّقُ ذاتَها في الإفخارستيا، لا يتيحُ أيَّ إمكانيّةٍ لقراءةٍ سوسيولوجيّة، وكلُّ وصفٍ للكنيسةِ كمجتمعٍ اجتماعيٍّ للمؤمنين هو وصفٌ خاطئ. وهكذا، فإنَّ العادةَ المتّبعةَ في لبنانِ بتسميةِ المجموعاتِ الدينيّةِ المختلفة، المسيحيّةِ منها والإسلاميّة، بكلمةِ "طائفة"، ليسَ لها أيُّ أساسٍ لاهوتيّ.

هذا لا يعني، بالطبع، أنَّ الكنيسةَ يمكنُ أن توجدَ بدونِ البشرِ الذين يؤلّفون دها؛ ولكنّها ببساطةٍ لا تختزلُ إلى مجموعِهم. هي المسيحُ فيهم. المسيحُ يعني أكثرَ من الجماعةِ بكلِّ مؤسّساتِها، وسياستِها، وردودِ أفعالِها الدفاعيّة. ولهذا لا تبلغُ الكنيسةُ ملأها إلّا عندما تنتهي "إِلَى وَحْدَةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ، إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل، إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" (أفسس 4: 13).

هذا يقودُنا إلى المعنى الآخرِ لكلمةِ "كنيسة"، ألا وهو: جسدُ المسيح. هذا الجسدُ يبدأُ من الرأس – من المسيحِ الجالسِ عن يمينِ الآب. لقد نقلَ إلينا رسولُ الأممِ صورةَ "بناءِ الله"، الذي له "يَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ" (أفسس 2: 20-22).

تشيرُ هذه الصورةُ إلى المباني القديمة، التي لم يكنِ الإسمنتُ يربطُ حجارتَها، بل "قفلُ القبو" (حجرُ العقد). كانتِ الحجارةُ تتراصفُ في بناءٍ واحدٍ لأنَّ حجرَ العقدِ كان يسندُها. فيه وبفضلِه كانتِ الحجارةُ تصبحُ بيتًا لله.

تؤكّدُ الرسالةُ إلى كولوسي أنَّ كلَّ شيءٍ قد جُمِعَ في المسيح، و"هُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كولوسي 1: 18-19). نحنُ نتحرّكُ في طرقِ اللهِ على رجاءِ الوصولِ أخيرًا إلى المسيح، رأسِ الجسد. نحنُ جسدُه الذي يتركّب.

يقولُ الرسولُ بولس إنَّ المسيحَ هو "رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ" (أفسس 5: 23). ومعَ ذلك، فإنَّ هذا الجسدَ لم يخلُص بعد، كما أنَّ الكنيسةَ لم تصبح بعد "كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ" (أفسس 5: 27). حينَ تصبحُ كذلك فقط، ستصيرُ "زوجة". الآنَ هي مجرّدُ عروس، كاملةٌ برأسِها، ولكنّها في حياتِها الأرضيّةِ موصومةٌ دائمًا. فيها الكثيرُ من البقعِ والتجاعيد. هذا بسببِ الطريقِ الذي تسلكُه، وبسببِ البشرِ الذين يؤلّفون دها. لن تتحقّقَ الكنيسةُ بملئها إلّا في اليومِ الأخير، حينَ لا يستطيعُ شيءٌ أن يفصلَها عن العريس.

هذا جدلٌ (ديالكتيك) دقيقٌ جدًّا، لأنَّ في الجماعةِ المتغرّبةِ يوجدُ بالفعلِ سكانٌ للملكوت، والأزمنةُ الأخيرة – الإسخاتولوجيّةُ كما نقولُ باليونانيّة – حاضرةٌ، من جهة، في تلك اللحظاتِ التي نكونُ فيها تحتَ سلطانِ المحبّةِ الإلهيّة، ومن جهةٍ أخرى – في ذلك القربِ الذي تخلقُه مناولةُ الأسرارِ المقدّسةِ بينَ كلِّ نفسٍ والربّ. لكنَّ كلَّ هذا سيبقى ناقصًا وخفيفَ الوزن، حتّى ينزعَ النورُ الأبديُّ عنّا كلَّ ما هو دنيويٌّ في اليومِ الأخير.

إذن، في التاريخِ البشريِّ الكنيسةُ ناقصة. هي واهنةٌ لأنّها ملقاةٌ في الزمن، وإن كانت مضاءةً بالحضورِ المباركِ للربّ. وكما صارَ الربُّ شريكًا للطبيعةِ البشريّةِ الضعيفة، ما خلا الخطيئة، كذلك تشتركُ فيها الكنيسةُ عبرَ أعضائِها. هي لم تشارك بعدُ في مجدِ الربّ. نحنُ نحيا في رجاءِ هذا المجد.

ومعَ ذلك، وكما يستحيلُ فصلُ الكنيسة، جسدِ المسيح، عن أجسادِ أعضائِها، كذلك لا نستطيعُ القولَ إنّها عرضةٌ للخطيئة. لو ادّعينا ذلك، لوصلنا إلى الفصلِ فيها بينَ الإلهيِّ والإنسانيّ. في هذا الضلالِ وقعَ لوثر، عندما ميّزَ بينَ الكنيسةِ المنظورةِ وغيرِ المنظورة. وبناءً على هذا التمييزِ يتحدّثُ إخوتُنا البروتستانتُ عن "الكنيسةِ الخاطئة". على العكسِ من ذلك، وفقًا للقناعةِ الأرثوذكسيّة، المنظورُ وغيرُ المنظورِ في الكنيسةِ غيرُ منفصلين، وبالتالي لا يسعُنا الفصلُ بينَ كنيسةٍ مُجاهِدةٍ على الأرضِ وكنيسةٍ مُنتصرةٍ في السماء؛ فالكنيسةُ واحدةٌ ومقدّسة، والخطيئةُ لا تمسُّ طبيعتَها بل تقيمُ في أعضائها. في الزمنِ البشريّ، تترنّحُ الكنيسةُ، لكنّها لا تسقط.

تشبهُ الكنيسةُ أولئك الشيوخَ الذين يمشون بحذرٍ شديد. يخافون أن يسقطوا وتنكسرَ عظامُهم. يترنّحون لكي لا يفقدوا توازنَهم. وفي النهاية، تسندُهم العنايةُ الإلهيّة.

تُظهرُ الكنيسةُ على الأرضِ أعراضَ الشيخوخة. لكنّها قادرةٌ أيضًا على النهوضِ والعودةِ إلى الشباب. يساعدُها في ذلك الوثبةُ النبويّة. يدركُ الأنبياءُ أنَّ كلمةَ اللهِ لا تتغيّرُ وأنّها قادرةٌ على جعلِنا أبناءَه بالروحِ وإعطائِنا القوةَ للانتفاضِ ضدَّ أوامرِ الزمنِ وتلكَ الأفخاخِ الميتةِ التي أعدّها لنا. الأنبياءُ أناسٌ يستطيعون قولَ "لا" لأنفسِهم، وللجماعة، ولأيِّ شكلٍ من أشكالِ الجمود. لا ينحنون أمامَ الصعوبة، ولا أمامَ القرارِ المتّخذِ وفقًا لحكمةِ هذا الدهر، لا بوحيٍ من الله. يحدثُ لرجالِ الكنيسةِ أن يفقدوا الرجاء، أن يتركوا محبّتَهم الأولى، وحينَ يفعلون ذلك، يبدأون في إدارةِ الكنيسةِ بحكمِ البشر، لا بفكرِ المسيح.

هكذا تبدو لنا كنيستُنا غالبًا. أحيانًا، بتكيّفِها معَ التاريخِ حدَّ المساومة، تساهمُ في سقوطِها، بل تصبحُ هي نفسُها سببَه حيثُ كان يجبُ أن تنتصر. تصبحُ موضوعَ عثرة. وهذا أمرٌ مأساويّ، لأنَّ رجالَ الكنيسة، المرتهنين بسلوكِ أعضاءِ الكنيسةِ النافذين، يبدأون في مقاومةِ المسيحِ أو يبتعدون عنه. على مجرى التاريخِ لا يؤثّرُ القدّيسون فحسب، بل وأولئك الذين يقودون الكنيسةَ والذين هم قادرون على الخيرِ والشرِّ معًا. قلبُ الإنسانِ حقلٌ، يتجاورُ فيه القمحُ والزوان، وسينموان جنبًا إلى جنبٍ حتّى النهاية.

خطيئةُ الإنسانِ العاديِّ تدنّسُه هو ودائرةَ مقرّبيه الضيّقة. ولكن عندما يتعلّقُ الأمرُ بأسقفٍ أو مجمع، فإنّنا، لعلمِنا بأنَّ الخطيئةَ قد تسكنُ في قلوبِ مَن يحكمون الكنيسة، لا يمكننا أن نجادلَ في أنَّ عواقبَها تكونُ أشدَّ تدميرًا، لأنَّ هذه الخطيئةَ تخلقُ عثرة، وتقوّضُ ثقةَ "صغارِ المؤمنين" بالكنيسةِ وتهزُّ وجودَها نفسَه، دافعةً الناسَ للبحثِ عن مأوى خارجَ الكنيسة. نحنُ ننتظرُ من الراعي أن يقودَنا إلى المراعي ومياهِ الحياة. عندما لا يفعلُ ذلك، قد يحلُّ الجفافُ الروحيُّ واليأس.

تكمنُ عظمةُ الكنيسةِ ووهنُها في أنَّ البشرَ مسؤولون عنها دائمًا. إذا نَعَسَ هؤلاءِ البشر، فلن نخاطرَ بالاعترافِ بأنَّ المسيحيّةَ محيية. بالطبع، طرقُ اللهِ ليست كطرقِنا. قد يفضّلُ أن يخاطبَنا عبرَ أبينا، أو أمّنا أو صديقِنا. لكنّنا لا نستطيعُ الاستغناءَ عن ذلك العملِ الرئيسيِّ الذي يقومُ به الأساقفةُ والكهنة. لذلك من المهمِّ جدًّا اختيارُ إكليروسٍ جيّدين. في الكنيسةِ الأولى لم تكن هناك مصالحة (تساهل). هذا لا يعني أنَّ الخطيئةَ لم تكن وفيرةً هناك. لكنَّ الكنيسةَ كانت تعرفُ كيفَ تكشفُ المسيءَ في حضنِها وتعاقبُه. لم تكن تتردّدُ في قطعِ الشركةِ معَ كبارِ الخطاة، وكانت تطبّقُ على الآخرين إجراءاتِ التأديب. كانت تتصرّفُ هكذا لأنّها كانت مقتنعةً بأنَّ عليها أن تحفظَ الطهارةَ وأن تسهر، كما في ورشةِ بناء، حيثُ لا ينبغي لأحدٍ أن ينام.

أن نرى الضعفَ ونتألّمَ له؛ أن نعيَ أنَّ الانحطاطَ قادم، ونبكيَ لذلك – هذا هو قدرُنا اليوميّ. وينزفُ القلبُ أكثرَ حينَ نرى أنَّ الراغبين في التغييرِ الحقيقيِّ لا يشكّلون سوى "بقيّةٍ صغيرة". ولكن ليسَ هذا هو الأسوأ. الحزنُ الأعظمُ هو أنَّ الساقطين أنفسَهم لا يدركون ذلك. إذا فكّرنا بعمق، فما هي الخطيئةُ إن لم تكن فقدانَ الحسّ؟

الذين يسعون لمحوِ كلِّ بقعة، يجاهدون لكي تبدوَ الكنيسةُ جسدَ المسيح. لكن أن تكونَه في كيانِها الداخليّ، في العمق – فهذا ليسَ من شأنِهم. هذه عطيّةُ الله. ولكن لكي تصيرَ حقًّا، هنا والآن، جسدَ المسيح، وتظهرَ عروسًا فرحةً اليومَ لا غدًا – فهذا مسؤوليةُ أولئك الذين اختارَهم اللهُ لكيلا تكونَ كنيستُه مكانًا للنوح. كلٌّ منهم يدركُ نفسَه خاطئًا، لكنَّ الخطيئةَ تجرحُهم أكثرَ عندما تصيبُ الجماعة. المهمُّ ألّا يخجلَ المسيحُ بنا.

أَللمسيحيّةِ مقوّماتُ البقاء؟

هل المسيحيّةُ قابلةٌ للحياة؟ أظنُّ أنَّ هذا السؤالَ المؤلمَ لا يطرحُه إلا مسيحيّ. إنّه، في الواقع، ليسَ مجرّدَ غيرِ راضٍ عن تاريخِ المسيحيّةِ وحسّاسٍ للخطيئة، بل هو مجروحٌ بعمقٍ وقلقٌ بسببِ أمراضِ الكنيسة. يطرحُ على نفسِه هذا السؤالَ لأنّه يعلمُ أنّه إذا جازَ له التفكيرُ في عرشِ الله، فلا شيءَ يحدُّه. مشدودًا كالوترِ بينَ السماءِ والأرض، يدركُ أنَّ في هذا كلَّ معنى حياتِه. وأكثرَ من ذلك، لعلمِه بأنَّه قد قيلَ في الكتاب: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ"، فإنّه يفضّلُ ألّا يعتبرَ أيَّ فترةٍ من تاريخِ الكنيسةِ عصرًا ذهبيًّا، وألّا يفتتنَ بلا تحفّظٍ بأيٍّ من القدّيسين. كلُّ ما عرفَه عن القدماءِ والمعاصرين جعلَه إنسانَ رجاء؛ وعلى العكس، ذاك الذي يعرفُ عنهم أقل، يخترعُ لنفسِه عصورًا ذهبيّة، ليختبئَ فيها من مرارةِ الحاضر. والحالُ أنَّ كلَّ الأزمنةِ سيئةٌ بالسواء، بما فيها تلك السنواتُ الثلاثُ التي علّمَ فيها المعلّمُ تلاميذَه، فخانَ أحدُهم، وأنكرَ آخر، وطرحَ الجميعُ تقريبًا عليه أسئلةً سخيفة، ترويها الأناجيل.

لا أنوي هنا أن أعدَّ قائمةً بالخطايا التي ارتكبناها في الماضي وما زلنا نرتكبُها بلا انقطاع. لكن من الواضحِ أنّنا سنحتاجُ إلى إيمانٍ عظيم، لكي نسمّيَ الكنيسةَ – مجمعَ القدّيسين، وجسدَ المسيح – أيَّ مجتمعٍ للمسيحيّين في أيِّ عصرٍ وبلد. لستُ بغافلٍ عن الأعمالِ المظلمة، والمظالم، والعنف، والخيانات التي قد قرحتِ الكنيسةَ منذُ زمنِ المسيح. وأعرفُ أيضًا كم من الهراء، والكبرياء، والتنافسِ الباطلِ يوجدُ اليومَ في كنائسِ العالمِ أجمع. لدى الملحدين أوراقٌ رابحة، فهم يصفون بصدقٍ قباحاتِ الكنيسة، وبذلك نجحوا غالبًا في إبعادِ الناسِ عن الله. ولاحقًا، سعى حملةُ إيديولوجياتٍ مختلفةٍ لتقديمِ تعليمِ الكنيسةِ كيوطوبيا، داعين الناسَ للإعراضِ عنها والالتحاقِ بيوطوبياتٍ أخرى، لقّنوهم إياها على عجل. واليومَ شاخت هذه اليوطوبياتُ نفسُها في الغالب، لشدةِ ارتباكِ أنصارِها.

وأخيرًا، استوطنَ الشكُّ في قلوبِ كثيرين ممّن بقوا مسيحيّين. إنّهم يعتبرون أنَّ المسيحيّةَ تنقصُها الواقعيّة، لأنّهم سمحوا بإقناعِ أنفسِهم بأنَّ الدينَ يجبُ أن يوافقَ مقياسَ الإنسانِ العاديّ، المُعلَنِ أنّه غيرُ قادرٍ على التغلّبِ على أهوائِه والتحرّرِ تمامًا من الميولِ الخاطئة. من وجهةِ النظرِ هذه، يجبُ على أيِّ دينٍ "عاقل" أن يمنحَ الإنسانَ حريّةَ الاستسلامِ ولو قليلاً لأهوائِه ودوافعِه. دينٌ كهذا سيكونُ مقبولاً سوسيولوجيًّا وغيرَ مرهق؛ وسيسمحُ للناسِ بأن يفعلوا القدرَ الكافيَ فقط لكي يكونَ هو نفسُه أعلى منهم.

النصوصُ الإنجيليّةُ ليست ساذجة. إنّها، كأيِّ كتابٍ آخر، تعرفُ ضعفَ الإنسان، ونفاقَه وفسادَه. توبيخاتُ المسيحِ للفرّيسيّين – وفيهم لكلِّ من يحذو حذوَهم في أيِّ عصر – لا نظيرَ لصرامتِها في أيِّ سياقٍ دينيٍّ آخر. وبنفسِ القدرِ من القسوةِ الاستثنائيّةِ جاءَ توبيخُ المسيحِ لبطرس: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ" (متى 16: 23). أقلُّ ما يمكنُ قولُه، هو أنَّ ذاك الذي تحيا به الأناجيل، لا يقولُ مجاملاتٍ ومتحرّرٌ من كلِّ محاباة: "أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ" (يوحنا 15: 14).

بعدَ صعودِ الربّ، أصبحَ الأساسُ الوحيدُ للوشائجِ بينَ الرسل، وبينَ المؤمنين هو الأمانة: "شِدَّةٌ وَضِيقٌ عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ" (رومية 2: 9-11).

إذ يذكّرُنا بأنّنا جميعًا كنّا في عبوديّةٍ للخطيئة، يؤكّدُ الرسولُ مجدّدًا ما قيلَ في الكتاب: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رومية 3: 10-12). هذا التأكيدُ لم يخفّفْه أبدًا أيٌّ من الآباء الروحيّين، عندَ وصفِ الحالةِ التي يعيشُ فيها المسيحيّون. وإذ يتحدّثون عن عبوديّةِ الخطيئة، يضعون مقابلَها جميعًا ذلك البرَّ "الَّذِي بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ [...] مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ" (فيلبي 3: 9). يتبعُ ذلك أنَّ المسيحيّين مدعوّون ليصيروا خليقةً جديدة، تعرفُ صلاحَ المسيح، فلا تكتفي بالرجاءِ في الخلاصِ في آخرِ الأزمنة، بل من الآنَ تختبرُ هي نفسُها القيامةَ في قيامةِ المسيح. خلاصُها قد تحقّقَ بالفعلِ في كلماتِ المسيحِ ذاتِها: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (يوحنا 6: 51). كلُّ هذا ليسَ سوى شرحٍ إضافيٍّ لما عبّرَ عنه المعلّمُ بطريقةٍ أخرى: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لوقا 17: 21).

كانتِ الكنيسةُ الأولى تظنُّ أنّها ستحيا دائمًا كما تحيا، وأنَّ المسيحَ سيأتي ثانيةً عما قريب. وإن كان أحدٌ ما قد صارَ خائنًا، فإنَّ مئاتِ المسيحيّين قبلوا الموتَ بحدِّ السيف. وفقًا لمحاضرِ إعدامِهم، فاقت بطولةُ المسيحيّين كلَّ توقّع. لم يكونوا يخافون الموت، بل كانوا بالأحرى يفرحون بقدومِه، وكأنّهم في حضرةِ المسيح، قاهرِ الموتِ ذاتِه. لم يشعروا بالهوّةِ بينَ جسدِهم والسماء، لقد عاشوا الإنجيلَ حرفيًّا، وبقبولِهم المعموديّةَ كبارًا، عاهدوا أنفسَهم ألّا يخطئوا بعدَها أبدًا.

ثم جاءَ قسطنطين ومعه نهايةُ الاضطهادات. وتيمّنًا بالقياصرةِ قبلَ الناسُ المسيحيّةَ أفواجًا. ظهرتِ المساوماتُ أيضًا، وناسبَ ذلك الكثيرين، لكنَّ "البقيّةَ الصغيرة" ظلّت تحيا بصرامةٍ بحسبِ الإنجيل. لم يتباهوا بفضائلِهم، بل شهدوا للمحبّة، حتّى إنَّ الإمبراطورَ يوليان الجاحدَ نفسَه اضطرَّ للاعتراف: "من العجيبِ رؤيةُ المسيحيّين يطعمون ليسَ فقراءَهم فحسب، بل وكلَّ فقراءِ روما".

عندما تغلغلتِ المساوماتُ في حياةِ الجماعاتِ المسيحيّة، ظهرتِ الرهبنةُ – تأكيدًا للحدِّ الأقصى (الماكسيمالية) الإنجيليِّ وللكمال. رغمَ ما كان فيها من عاطفيّة، ومن تجاوزات، إلّا أنَّ الأدبَ الصوفيَّ الذي ولّدته، يعكسُ خبرةً هائلةً في صراعِ الأهواء. حُلّلت فيها كلُّ الأهواءِ البشريّة، وهبّاتُها، وعلاماتُها، وحيلُها ومتاهاتُها. وُضِعَت فيها الأسسُ الروحيّةُ للحياةِ المسيحيّة، وطُوِّرَتِ التقنيّةُ النسكيّةُ للتغلّبِ على الأهواءِ ولارتقاءِ الإنسانِ نحو الكمال، وهذا هو ملكوتُ اللهِ المتجسّدُ في التاريخ. بقراءةِ آلافِ الصفحاتِ من الأدبِ الرهبانيّ، ندركُ أنَّ هؤلاءِ الرهبانَ بلغوا مستوىً لا يُتخيّلُ من القداسة، أنّهم كانوا عمالقةَ الحياةِ الروحيّةِ حقًّا. لقد لجموا شهواتِ الجسدِ وحاجاتِه، وصنعَ الروحُ القدسُ مسكنًا في عمقِ قلوبِهم. كلّما رجعنا إليهم، أدركنا أكثرَ أنَّ هؤلاءِ الناسَ قد نموا حتّى عرشِ الله.

هذا لا يعني، بالطبع، أنَّ الجماعاتِ الإنجيليّةَ كانت فقط أخوياتِ الأديرة. فمن قرنٍ إلى قرن، وفي أماكنَ مختلفة، نشأت حركاتٌ للتجديدِ الروحيّ، نادت بالتقوى العميقةِ والحياةِ البارّة. من بينِ هذه الحركاتِ أودُّ أن أشيرَ إلى البعثةِ اليسوعيّةِ في القرنِ السادسَ عشرَ في بيرو. نمطُ حياةِ هذه الجماعةِ بممتلكاتِها المشتركةِ يذكّرُ بشكلٍ مدهشٍ بكنيسةِ أورشليمَ الأولى.

ومعَ ذلك، فإنَّ خبرتَنا اللاحقةَ لا تسمحُ بتسميةِ سوى عددٍ قليلٍ من الجماعاتِ التي ظهرَ في حضنِها يسوعُ المسيحُ متجلّيًا، وكأنَّ كلَّ عضوٍ فيها كان المسيحَ نفسَه. أمّا بخصوصِ ما جاءَ في العهدِ الجديدِ "كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا" (أعمال 4: 32)، فذلك لم يعد منذُ زمنٍ بعيدٍ واضحًا كما كان في الجماعةِ الإفريقيّةِ في القرنِ الثاني، التي استطاعَ الرومانُ أن يقولوا عنها: "انظروا كيفَ يحبُّ بعضُهم بعضًا". معَ مرورِ الزمن، أصبحتِ المسيحيّةُ المألوفةُ تتكوّنُ من طقوسٍ خارجيّةٍ وقواعدَ تحدُّ من الحريّة. لم يصبحِ المسيح، كما عبّرَ إرميا، "نَفَسَ أفواهِنا" بقدرِ ما رسخنا في الامتثاليّةِ (conformism) الكنسيّةِ والتسلّط. وضعَ الإصلاحُ هدفًا له إعادةَ الناسِ إلى كلمةِ اللهِ المحيية، ولكن، بدورِهم وسريعًا جدًّا، انقسمَ البروتستانتُ إلى شيعٍ كثيرةٍ وأصبحوا هم أيضًا امتثاليّين.

خلالَ هذا الوقت، أنشأَ المسيحيّون مؤسّساتٍ كثيرة، إنجازاتُها ضخمةٌ وباهرة. نشأت ثقافةٌ عظيمة، تشكّلُ فخرَ الشعوبِ المسيحيّةِ وتبدو أسمى بالمقارنةِ معَ انحطاطِ ثقافاتٍ أخرى، أقدم. يظنُّ كثيرٌ من الناسِ الآنَ أنَّ المسيحيّةَ هي هذا الأدبُ العظيمُ والحضارةُ المتطوّرة، بينما هذا التصوّرُ في غايةِ الوهم. يتفاقمُ الوضعُ بكونِ هذا التطورِ كلِّه كان مصحوبًا عادةً بتحالفِ الكنيسة – في شخصِ قادتِها – معَ عظماءِ هذا العالم، وفي هذا التحالفِ كان كلُّ طرفٍ يحاولُ استغلالَ الآخر. هل يمكنُ تعتيمُ صورةِ المعلّمِ الجليليِّ أكثرَ من ذلك، وهو الذي كان فقيرًا وجاء، بحسبِ قولِه، ليبشّرَ الفقراء.

ومعَ ذلك، هنا وهناك ترتفعُ أصواتٌ تدعو المسيحيّين للتجديد، للفقرِ الطوعيِّ والحياةِ المتعفّفة. وهكذا، في الكنيسةِ الواحدةِ يتجاورُ أولئك الذين لا يريدون مجدًا آخرَ سوى الصادرِ عن الله، ومحبّو السلطة، الذين قالَ عنهم الربّ: "مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ تَقْبَلُونَ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ" (يوحنا 5: 44). في حقلٍ واحدٍ يتجاورُ القمحُ والزوان – أولئك الذين يحاربون الخطيئة، وأولئك الذين يسكرون بها. التوبةُ (Metanoia) الإنجيليّة – الارتداد، تغيّرُ الكيانِ كلِّه – تحوّلت إلى سرِّ التوبة، الذي يعترفُ فيه المؤمنُ بالخطايا التي اقترفَها، دونَ أن يسعى دائمًا ليصبحَ إنسانًا جديدًا.

أخشى أنَّ الملكوتَ لن يتحقّقَ هنا إلّا في رجاءِ عددٍ قليلٍ من الناس، وأنّه لن يُعطى لنا أن نراه في حدودِ الزمنِ الحاضر. في استعراضي لتطوّرِ المسيحيّة، لا يسعني، معَ ذلك، إلّا أن ألاحظَ أنّها ما تزالُ تعرفُ حركاتٍ للتجديدِ ووثباتِ شباب، يريدون، في بحثِهم الدؤوبِ عن التطهيرِ ورفضِهم العنيدِ للخضوعِ للإغراءات، التذكيرَ بأنَّ مجيءَ الملكوتِ على هذه الأرضِ ممكنٌ دائمًا. في حضنِ الكنيسةِ ذاتِه يتواجهُ أولئك الذين يقبلون بالانحطاط، وأولئك الذين يريدون الخروجَ منه. هذا لا يعني أنَّ الراغبين في التجديدِ بلا خطيئة، إنّهم ببساطةٍ لا يريدون أن يكونوا في تحالفٍ معَ الشرِّ ويرفضون بحزمٍ أيَّ بديلٍ لإنجيلِ يسوعَ المسيح.

إذن، هناك ذلك "المسيحيّ" الذي أحدّدُه، بألمٍ وحزنٍ عميقين، كإنسانٍ يتباهى ببعضِ، أو حتّى بكلِّ الفضائلِ الإنجيليّة. وهناك "البقيّةُ الصغيرة"، الجماعةُ التي سمعت عن نفسِها من الربِّ أنّها ملحُ الأرض، وتسعى لكيلا يفقدَ الملحُ ملوحتَه. هذه "البقيّةُ الصغيرة" لا توافقُ على إفراغِ الإنجيلِ من مضمونِه لأنَّ الإنسانَ ضعيف، بل بكلِّ الوسائلِ تجتهدُ لبلوغِ قياسِ قامةِ ملءِ المسيح.

مسيحيّةٌ كهذه قابلةٌ للحياة. إنّها ترفضُ أن تصبحَ دينًا سوسيولوجيًّا، أن تدخلَ في نظامِ القيمِ الاجتماعيّة، متعايشةً معَ تلك النقائصِ البشريّةِ التي يكشفُها لنا علمُ النفس. المسيحيّةُ التي بلغت قياسَ قامةِ ملءِ المسيح، هي رفضٌ للمواتِ ورجاءٌ في التجلّي بالنعمة. الصعودُ ممكن، ومثالُ ذلك المسيحُ الجالسُ عن يمينِ الله.

"البقيّةُ الصغيرة" عاشت دائمًا في هذه القناعة. ودائمًا سيوجدُ أناسٌ يسلكون هذا الطريق. سيصبحون نورَ العالم. سيكونُ الأمرُ كذلك، حتّى لو تشتّتتِ الأغلبيةُ وسقطت في التجارب، ضحيّةَ جهلِها بالأعماقِ التي يقدّمُها المسيح.

سرُّ المسيحِ يكمنُ في أنّه قادرٌ دائمًا على دعوةِ أناسٍ مؤمنين، وفي أنَّ السماءَ متاحةٌ في هذا العالم، في حدودِ اللحمِ والدم، لأنَّ المسيحَ قادرٌ على تجليةِ وإنارةِ اللحمِ والدمِ حتّى قبلَ نهايةِ الأزمنة.