دعوة إلى المسيحيين
أنتم حَمَلةُ دعوةٍ جليلة، أنتم خميرةُ الخلاص. لقد صرتم كذلك بفضلِ ذاك الذي تحملونَ اسمَه، وبهِ اعتمدتم. بيدَ أنّكم واهمونَ إن ظننتم أنَّ لكم شأنًا بدونِه. وتضلّون أيضًا إن توهّمتم أنَّ الآخرين عاجزون أبدًا عنِ التغيّرِ نحو الأفضل – وكأنّ للأسماءِ قيمةً في ذاتِها، وكأنّ المسيحَ لا يقدرُ، بماءٍ أو بغيرِ ماء، أن يُعمّدَ للهِ مَن يشاءُ أن يفيضَ عليهِ نعمتَه.
لا ريبَ أنَّ كلَّ شيءٍ صادرٌ عنِ المُخلّصِ الذي لهُ تسجدون: كلُّ حقّ، كلُّ طُهر، كلُّ عظمة، كلُّ مثال. فكلُّ خيرٍ في هذا العالمِ هو، بشكلٍ أو بآخر، من صُنعِ المسيح. غيرَ أنَّ الربَّ يعملُ حيثُ يشاء، وليسَ لكم أن تحدّوا عملَه. لقد وعدَ بأن يغمرَكم بنعمته، ولكنّه لم يقل إنّه سيجعلُكم وحدَكم حرّاسًا لها. أناشدُكم، ألّا تكونوا "ملكيّينَ أكثرَ منَ الملك" – أكثرَ من ملكِكم القادرِ أن "يقيمَ من هذهِ الحجارةِ أولادًا لإبراهيم" (متى 3: 9).
لا تحسبنّ أنفسَكم غايةَ هذا الكون! لم يُخلَقِ العالمُ لخدمتِكم، بل دُعيتُم أنتم لتكونوا خُدّامًا. والخادمُ يُصغي بانتباهٍ لمشيئةِ سيّدِه ويجتهدُ في تحقيقِ مقاصدِه. إنَّ مفهومَ السيادةِ غريبٌ عن إيمانِكم؛ لقد حلَّ محلَّه مفهومُ الخدمة. وفي التجرّدِ وحدَهُ يجدُ المسؤولُ بينكم شرعيّةً لسلطتِه. وما تلبثُ هذهِ السلطةُ أن تتلاشى إن تشرّبَ صاحبُها روحَ الاستهلاك. وغالبًا ما يُفقَدُ معنى وجودِ هذهِ السلطةِ حتّى قبلَ أن تزولَ فعليًّا. فلا الربُّ الذي تؤمنونَ به، ولا أولئك الذين أنتم رعاةٌ لهم، يعترفونَ بسلطةٍ لا تستندُ إلى الخدمة.
ثمَّ إنَّ التفوّقَ الثقافيَّ الذي تتذرّعون به لتبريرِ نوعٍ منَ الأفضليّةِ لكم، قد غدا اليومَ، إن لم يكن قد أمسى بالفعل، مجرّدَ أسطورة. لم تعدِ المعرفةُ وقفًا عليكم دونَ سواكم. والتنوير، بأبعادِه المتمثّلةِ في الانفتاحِ على الخير، والرقّة، والذوقِ السليم، والكياسة، آخذٌ في الانتشارِ بينَ الناسِ يومًا بعدَ يوم. وإذا كانتِ الحضارةُ مرتبطةً إلى حدٍّ كبيرٍ بالنساء، اللواتي يشكّلنَ نصفَ الجنسِ البشريّ، وهُنَّ مُلهِماتُه ومربّياتُه، فمنَ الجليِّ أنَّ لغيرِ المسيحيّاتِ نصيبًا في عطايا الطبيعةِ يُوازي نصيبَ المسيحيّات.
لا شكَّ أنّه ما من شيءٍ أثمنُ لدى قلبِ المسيحِ من هذا المجرى للأحداث. فالمسيحُ يبذلُ ذاتَه للجميع، وليسَ هو بأيِّ حالٍ ملكيّةً حصريّةً لأحد. إنّه يستجيبُ لحاجاتِ الكلّ، تمامًا كما كانَ في خدمتِه الأرضيّةِ يتمّمُ أعمالَه بغضِّ النظرِ عن معتقداتِ البشر. فكلُّ تقدّمٍ يحرزُه مَن هم على غيرِ الإيمانِ يُفرحُه كما يُفرحُه نجاحُ تلاميذِه. إنّه مخلّصُ العالم، وليسَ مخلّصَ أتباعِه فحسب. إنّه يقودُ إلى الخلاصِ بسبلٍ شتّى، منها الثقافةُ والتقنيّةُ ووسائلُ النضالِ الاجتماعيِّ المشروعة. فلِمَ لا نبتهجُ معه بمنجزاتِ الآخرين؟
وأبعد من ذلك: الربُّ حاضرٌ في الثوراتِ الأخلاقيّةِ والفنيّةِ والعلميّةِ التي تستنيرُ بها الدنيا، والتي تكشف، بشكلٍ أو بآخر، عن حضورِه في الكون. والفكرُ المسيحيُّ المعاصرُ يتقبّلُ هذا الموقف، وبدأَ يعي أنَّ اللهَ ليسَ حاضرًا في التواضعِ والطيبةِ والرحمةِ وحسب. إذا كان الله، في تجلّي حضورِه، يريدُ الخيرَ للجميع، فلا بُدَّ له أن ينوّعَ وسائلَ التعبير. والحياةُ الروحيّة، على الرغمِ من كلِّ ما تحملُه من إلهامٍ وقوّةٍ مُحوّلةٍ للشخصيّة، لا تستنفدُ الطاقةَ الروحيّةَ الكامنةَ في العالم.
أجل، العالمُ يتحوّلُ بالقداسة. وحينما كانَ صغيرًا، غيرَ قويٍّ كفاية، وكانت مشاكلُه لا تُقارنُ بالنظامِ الكونيّ، اتّخذتِ القداسةُ مظهرًا واحدًا. أمّا في عالمٍ منفتح، يسيرُ نحو الوحدة، بتعقيداتِه المتزايدةِ وعولمتِه وما ينجمُ عنها من تحدّيات، فإنَّ القداسةَ عينَها لا بُدَّ أن تتّخذَ أشكالاً جديدة؛ أشكالاً لا تكونُ غريبةً عن السعي الموضوعيِّ لإيجادِ حلولٍ لمعضلاتِ الحياةِ الإنسانيّة. إنَّ الإبداع، الذي من خلالِه يصبو إنسانُ اليومِ إلى النموِّ وتجاوزِ ذاتِه، يفترضُ حضورًا مستترًا للمسيحِ في العالم. سيأتي يومٌ يصيرُ فيهِ هذا الحضورُ جليًّا، ولكنّهُ إلى حينهِ يجبُ أن يبقى خفيًّا.
واجبُ المحبّةِ إزاء العالمِ يُلزِمُ تلاميذَ الربِّ بالمشاركةِ في تنميتِه واستحالته. لم يعد مسموحًا لمحبّتِهم أن تظلَّ حبيسةَ المستوى الفرديّ، بل عليها أن تتجلّى على مستوى التأثيرِ الاجتماعيِّ والتغييراتِ التاريخيّة. على المسيحيّين، بالتعاونِ معَ سائرِ البشر، أن يعملوا على هذا التحوّلِ الكونيِّ لخيرِ الجميع. فلا يمكنُ أن يكونَ هذا من شأنِ فئةٍ واحدةٍ أو بلدٍ بعينِه، مهما أوتيَ من قوّة. كلّا، لم يعد ممكنًا أن يظلَّ هذا التحوّلُ ثمرةَ جهدٍ أحاديِّ الجانب؛ فلا بُدَّ منَ التبادلِ والمشاركة. لأنَّ أيَّ مساعدةٍ منَ القويِّ للأقلِّ نموًّا، تعرّضُ القويَّ لخطرِ إخضاعِ الضعيف، وفرضِ شروطِه عليه، لينتهيَ بهِ الأمرُ إلى سياسةِ الهيمنة. على المؤمنِ ألّا يكتفيَ بالعطاءِ السخيّ، بل عليهِ أن يعرفَ كيفَ يأخذُ بنفسِ البساطةِ والتواضعِ اللذين يُفتَرَضُ أن يعطيَ بهما.
إن كانت هذهِ هي الرؤى المسيحيّةُ اليوم، فعليكم، أيّها المسيحيّون، حيثما كنتم، أن تُبدوا الاستعدادَ للبذلِ والأخذ، أي أن تكونوا شركاء. أن تُبدوا الاستعدادَ للعطاء، لأنّكم أوتيتم الكثيرَ منَ المسيح. وأن تُبدوا الاستعدادَ للأخذ، لأنَّ هذا أيضًا منّةٌ يمنحُكم اللهُ إيّاها بواسطةِ الآخرين.
فكرةُ "المشاركة" هذهِ قد تكونُ عطيّة بلادِنا على المستوى العالميّ، إذ يبدو أنّ القوى العظمى لم تكتشفها بعد. وغالبًا ما يجيء التنبيه منَ الصغار. ولكن، إليكم ما هو ألصقُ بكم وأهمّ: عليكم أن تدركوا أنَّ حياةَ الإنسانِ الحقّةَ تكمنُ في نسيانِ الذات. فمتى نسيَ الإنسانُ نفسَه والتقى الآخرَ في الحقّ، وجدَ نفسَه أخيرًا.
حتّى الآن، لم تعرفوا الآخرَ في الربّ. لم تروا إلّا قباحةَ الآخر. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ ضعيف، متناقض، وما من أحدٍ يخلو من رعونةٍ ومَكرٍٍ وتمركزٍ حولَ الذات. ولكنَّ قبحَ المخلوقِ لا يمكنُ أن يطمسَ ختمَ الخالقِ عليه. فكلُّ شخصيّةٍ إنسانيّة، بحكمِ دعوتِها ذاتِها، وما أوتيت من مواهبَ إلهيّة، وتوقِها إلى الآفاقِ الرحبة، هي شريكةٌ للمسيح. وفي هذا النورِ وحدَهُ يجبُ أن تنظروا إليها. هكذا تعينونَها على أن تحييَ في ذاتِها تلكَ الشخصيّةَ الإلهيّةَ التي قُدِّرَ لها أن تكونَها. والأهمّ: عليكم أن تدركوا أنّكم لن تكونوا شيئًا، بل ستغدون غرباءَ عنِ المسيح، إن رفضتم هذهِ النظرةَ للآخر.
فلِمَ إذن هذا الإصرارُ على تفوّقِكم الموهوم، والرغبةُ في أن يعترفَ بهِ الآخرون مهما كلّفَ الأمر؟ إنَّ المسيحَ لا يقيمُ معنا إلّا في المحبّة، وإن لم تمتلئوا محبّة، فلن تسهموا بشيءٍ في بناءِ وطنِكم، ولن تجلبوا خيرًا للبشريّة. فبالمحبّةِ وحدَها تستبينونَ معنى أنفسِكم وحياتِكم، ولذا يجبُ أن تكونَ المحبّةُ كلَّ شيءٍ لكم. بدونِها، تقتربونَ من العدم، وتعودونَ إلى همجيّةٍ بدائيّة.
أنتم، في الجوهر، تلكَ الحبّةُ التي لا بُدَّ أن تموتَ ليحيا الآخرون. أنتم تملكونَ سرَّ الحياةِ الحقيقيّ، لأنَّ هناك مَن علّمَكم كيفَ تقبلونَ الموت. كلُّ ميزتِكم في هذا الإخلاءِ (الكينوسيس)، في هذا الاندفاعِ الدائمِ الذي يحفّزُكم لتوسيعِ خيامِ الكنيسةِ نحو آفاقٍ جديدةٍ لشهادتِكم الباذلة. لن تستطيعوا تثبيتَ هويّتِكم إلّا إذا كففتم عن تأكيدِها أبدًا. فكلُّ فرادتِكم تكمنُ في ألّا تسعوا إلى إبرازِها أو إرغامِ الآخرين على التسليمِ بها. لن تنالوا الخلاصَ إلّا إذا لم تلتمسوا لأنفسِكم حماية. بل عليكم، على العكس، أن تخوضوا غمارَ الصراع، في قلبِ معضلات هذا العالم. لن تسعوا إلى السيادة، لأنّ "رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ" (متى 20: 25). أمّا أنتم فلستم من هذا العالم.
كلّما شعرتم بزهوٍ لأنّكم أقوياءُ بمنطقِ هذا العالم، أو مُكرّمون في الرأي العام، فارقكم الروحُ المحيي. "فَإِنَّ اللهَ اخْتَارَ... أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ" (1 كورنثوس 1: 28).
أتؤمنونَ بكلِّ هذا؟