الفصل الرابع: حماية الحريّات ذات العلاقة بالحريّة الدينيّة
للحريّات ذات العلاقة بالحريّة الدينيّة أهميّة قصوى في الدلالة على رفعة الحريّة الدينيّة وأهميّتها، وترابطها الوثيق مع مختلف أنواع الحريّات العامّة، وبخاصّة حريّة التعبير عن الرأي لما فيه من تماس مباشر مع حريّة ممارسة الشعائر الدينيّة. إنّ موضوع إثارة النعرات الطائفيّة يدخل أيضًا في هذا القسم بالإضافة إلى حريّة التعليم الدينيّ.
حريّة التعبير عن الرأي
أثارت أغنية «أنا يوسف يا أبي»، التي وضع كلماتها الشاعر محمود درويش172 وغنّاها فنّان مارسيل خليفة، جدلاً واسعًا حول تلحينه لبيت من القصيدة المذكورة، هو في الوقت عينه جزء من آية قرآنيّة: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ»173. ادّعت النيابة العامّة على «خليفة» بتهمة تحقير الشعائر الدينيّة174 الإسلاميّة. وتقرّرت تبرئته من التهمة لانتفاء النيّة الجرميّة، كما لأنّ «ليس لهذه المحكمة، في أيّ حال من الأحوال، الخوض في بحث ما إذا كان فعل المدّعى عليه يشكّل خروجًا عن التقاليد الإسلاميّة ومحرّماتها»175. إنّ فعل أداء نصّ ما غناءً... لا يحمل أيّ مسّ بقدسيّة النصّ القرآنيّ أو ما يسيء إليه أو إلى مضمونه... «إنّ غناء نصّ قرآنيّ يشكّل خروجًا عن التقاليد الإسلاميّة التي تحرّم تلحين الآيات القرآنيّة وغناءها، لكنّ التقاليد الإسلاميّة لا تشكّل قانونًا وضعيًا إجرائيًا ملزمًا في لبنان»176.
طرحت قضيّة المشاعر الدينيّة، في مقال للصحفيّ والأديب عقل العويط «رسالة إلى الله» عشيّة الحرب الأميركيّة على العراق ٢٠٠٣ في جريدة «النهار»177. أثارت هذه المقالة ردود فعل متباينة عند شريحة من اللبنانيّين رأت فيها أنّها تمسّ بالدين الإسلامي. فتحرّك القضاء للنظر فيها، إلاّ أنّه لم يُصدر فيها حكمًا178، فأُسقطت بمرور الزمن.
حريّة الرأي وإثارة الفتنة الطائفيّة
أصدر القاضي المنفرد الجزائيّ في بيروت قرارًا179، في معرض إثارة النعرات الطائفيّة مع وقف التنفيذ، في قضيّة تنظيم لقاء لأصدقاء حبيب الشرتوني ونبيل العلم المتّهمين والملاحقين أمام المجلس العدليّ بجرم اغتيال رئيس الجمهوريّة الأسبق بشير الجميل. استند هذا القرار إلى الفقرة «ج» من مقدّمة الدستور التي كفلت الحريّات العامّة، وفي طليعتها حريّة المعتقد والرأي. غير أنّ تجاوز حدود المطالبة بإصدار عفو إلى تمجيد أفعال المتّهمين بالاغتيال في بلد ما زال يعاني مرارة الاغتيال السياسي، اعتبرها القاضي استفزازًا لمشاعر شريحة من المجتمع اللبنانيّ.
حريّة التعليم الدينيّ
نصّت المادة ١٠ من الدستور على وجوب احترام حريّة التعليم المعطاة للطوائف، إلاّ أنّ ذلك لا يفيد أنّ الدولة تنازلت عن دورها في جعل وزارة التربية والتعليم العالي تشرف عبر الامتحانات الرسميّة على هيكليّة المواد التعليميّة. إنّ رقابة الدولة في هذا المجال دليل على إمكانيّة المؤازرة بين المذاهب والأديان من جهة والدولة من جهة أخرى للنهوض بالمواطن. ونشير هنا إلى وجود مدارس خاصّة اختارت عدم تقديم أيّ تعليم دينيّ، وأخرى اختارت تقديم ثقافة دينيّة متعدّدة بهدف تلبية معتقدات المواطنين.
في العام ٢٠٠٨180، اعتبر القاضي المنفرد في بيروت فوزي خميس أنّ متابعة الدروس الدينيّة لتلميذ من دين مختلف لا يخالف الدستور واتفاقيّة حقوق الطفل، إذ إنّ ممارسة حريّة المعتقد وشعائرها بشكلٍ راقٍ ورصين ولغاية نبيلة، تسمح للطفل بالنموّ بحريّة وانفتاح.