الفصل الثالث
الحريّة الدينيّة في المسيحيّة
إن كان صحيحًا أنّ عبارة الحريّة الدينيّة لم ترد حرفيًّا في الكتاب المقدّس، فالصحيح، أيضًا، أنّ أيّ عبارة، تناقض قيمة هذه الحريّة، لم ترد فيه أيضًا. هناك، في الكتب المقدّسة، مفاهيم عديدة تؤيّد الحريّة، وتعلّي قيمتها، وتدعمها وفق النظام الاجتماعيّ والسياسيّ الذي ساد في مطلع ظهور المسيحيّة. ولا نختصر هذه المفاهيم أو نختزلها بما لا يعبّر عنها كلّها بأجمعها إن ذكرنا مفهوم «محبّة الله والقريب».
لم يأتِ يسوع كملك أرضيّ، ولم يدعُ إلى أيّ نظام سياسيّ. لكنّه، على العكس من ذلك، ظهر كمحرّر للإنسان49. في خدمته، اعترف بالسلطة المدنيّة التي كانت قائمة في زمانه وبما لها من حقوق50 على الناس. هذا لا يعني أنّه لم يكن له ما يقوله لسلاطين زمانه. فهو، حاملاً روح النبوءة، نادى بالسلام والاهتمام بفقراء الأرض الذين أسماهم «إخوته الصغار»، أي المدلّلين عنده، ضاربًا كلّ تمييز بين الناس أو محاباة بين وجه وآخر.
في أوّل ظهور ليسوع في البشرة، أطلقت السماء بشرى السلام للعالم أجمع51. وفي ساعة موته على الصليب، طلب إلى أبيه أن يغفر لصالبيه، بل لجميع الناس. وفي ساعة إرساله الروح القدس على الكنيسة، خاطب رسلهُ الناس بلغاتهم الأمّ52. فدلّ بهذه المخاطبة على احترام خصوصيّة الناس أفرادًا وجماعات. في أثناء عمله الكرازيّ الذي قارب الثلاث سنوات، اهتمّ يسوع بإعادة الاعتبار لكلّ من فقد عضويّته الاجتماعيّة كما السياسيّة والدينيّة. وذلك بأنّ النظام اليهوديّ كان يميّز بين الصحيح والمعتلّ، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والقريب والبعيد. نادى يسوع بمحبّة القريب سبيلاً إلى التعبير عن محبّة الله53. والقريب عنده هو كلّ إنسان. كما قال بإعطاء قيصر ما لقيصر والله ما لله. واليوم يستند إلى هذه الآية للقول إنّ المسيحيّة تنادي بلزوم فصل الدين عن الدولة54.
عانت الجماعة المسيحيّة الأولى الاضطهاد منذ انطلاقها إلى يوم صدر مرسوم ميلانو في العام ٣١٣ الذي اعترف بالمسيحيّة كديانة مستقلّة موجودة ضمن الإمبراطوريّة الرومانيّة. وهذا تمّ على يد الإمبراطور قسطنطين الكبير الذي حافظ على الاعتراف بالديانات الأخرى55. وفي نهاية القرن الرابع، في العام ٣٩٢، على عهد الإمبراطور ثاوذوسيوس، باتت المسيحيّة هي ديانة الإمبراطوريّة الرومانيّة.
نادى آباء الكنيسة بضرورة رفع الظلم والتخفيف من الفقر عبر توزيع الثروات56. واعتبروا أنّ كلّ توزيع غير عادل لا يمثل إرادة الله الأصليّة.
أسهمت المسيحيّة في تأسيس منظومة مساواة الناس في الكرامة الشخصيّة. وذلك بأنّ كلّ إنسان مخلوق على صورة الله التي هي، أي هذه الصورة، بإجماع آباء الكنيسة ومعلّميها، معنى من معاني الحريّة الشخصيّة. هذه المبادئ، بالإضافة إلى الأبعاد الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي كانت سائدة وقتئذٍ، أسهمت الكنيسة الكاثوليكيّة في ترسيخها في إعلان ١٧٨٩ الفرنسي. أمّا المسيحيّة البروتستانتيّة، فأسهمت في بلورة إعلانات الولايات المتّحدة.
أسّست هذه المنطلقات الفكريّة للقول بضرورة أن يكون إيمان الإنسان نابعًا من حريّة اختياره واجتهاداته العقليّة، وتمييزه بين الخير والشرّ.
الحريّة الدينيّة والمجمع الفاتيكانيّ الثاني
ذكر الإرشاد الرسوليّ «الكنيسة في الشرق الأوسط» بما تضمّنته وثيقة «الحريّة الدينيّة»، الصادرة عن المجمع الفاتيكانيّ الثاني. وشدّد على «أنّ الحريّة الدينيّة هي في قمّة كلّ الحريّات. إنّها حقّ مقدّس وغير قابل للتصرّف، وهي تشمل، في الوقت عينه، وعلى الصعيدين الفرديّ والجماعيّ، حريّة اتّباع الضمير في الأمور الدينيّة، وحريّة العبادة. إنّها تتضمّن حريّة اختيار الديانة التي يرتأي الشخص أنّها صحيحة، وحريّة التعبير علانيةً عن المعتقد الخاصّ»57.
استندت الوثيقة، في الحديث عن الحريّة الدينيّة، إلى مرتكزين لاهوتيين فلسفيين طبعًا مرحلة الأنوار. المرتكز الأوّل هو كرامة الإنسان كشخص بشريّ. والمرتكز الثاني حقوق الإنسان الطبيعيّة. تنطلق المرتكزات، التي يقوم عليها التعليم الكاثوليكيّ58 حول الحريّة الدينيّة، من «كرامة الشخص البشريّ» ومن دعوة الوحي الإلهيّ ومن استجابة «حرّة للإرادة» في «وعي العقل»59. تطوّرت هذه المرتكزات عبر العصور، فوصلت إلى مكانة الاعتراف بالحريّة الدينيّة كقيمة ضروريّة للإنسان.
تعتبر وثيقة الحريّة الدينيّة من الوثائق الأهمّ في أعمال المجمع الفاتيكانيّ الثاني. ذلك بأنّها النصّ الأوّل والصريح في هذا الموضوع، وعلى مستوى المجامع الكنسيّة، إذ لم يسبق لأيّ مجمع آخر أن تناولها. أصبحت هذه الوثيقة، اليوم، أيقونة60 للحوار وللانفتاح الشامل. صحّ أنّ مسوّدة هذه الوثيقة خرجت من أمانة «سرّ وحدة المسيحيين». غير أنّه صحّ، أيضًا، أنّ دراستها المستفيضة التي تخطّت العام61 أفضت إلى وثيقة تاريخيّة تتناول كلّ أبعاد الحوار ومجرياته بين جميع الديانات. وبعد مرور نصف قرن على صدورها، ما زالت بنودها موضع استلهام وتفكير.
لتبيان مكانة هذه الوثيقة وأهمّيتها، سنعود إلى مجمع فلورنسا المنعقد في العام ١٤٤١.
ينصّ المجمع على «أنّ جميع من هم خارج الكنيسة الكاثوليكيّة، وليس الوثنيين فقط، بل اليهود أو الهراطقة والمنفصلين، لا يمكنهم أن يكونوا مشتركين في الحياة الأبديّة. ولكنّهم يذهبون «إلى النار الأبديّة التي أعدّت لإبليس وملائكته» (متّى ٢٥: ٤١) ما لم ينضمّوا إليها قبل نهاية حياتهم... كما أنّ لا خلاص لأحد، مهما عظمت صدقاته وإن ضحّى بدمه في سبيل اسم المسيح، إلاّ إذا ثبت في حضن الكنيسة الكاثوليكيّة ووحدتها»62.
البون شاسع بين النصّين ليس على مستوى الزمن فحسب، بل على مستوى التفكير اللاهوتيّ أيضًا63.
عرّف المجمع الفاتيكانيّ الثاني الحريّة الدينيّة64 بأنّها «حقّ للشخص الإنسانيّ»، أي أنّها من القيم العليا التي يتمتّع بها كلّ كائن بشريّ وليس فقط أتباع الكنيسة الكاثوليكيّة.
كما نصّت الوثيقة على البعد الداخليّ: «لا يجوز لأحد أن يُكره على عمل يخالف ضميره»، أو أن يستغلّ فقره أو أمّيّته لدفعه إلى معتقد آخر. وللبعد الخارجيّ حصّة في تلك الوثيقة، إذ أردفت أنّ الناس، أصحاب الاعتقاد، من الممكن أن ينتظموا في العمل ضمن جماعات65، وأن يعتنقوا الحقيقة التي وجدوها، «وأن يطبّقوا حياتهم وفق مقتضيات الحقيقة التي وجدوها».
طالبت الوثيقة صراحةً بضمانة القانون المدنيّ للحريّة الدينيّة للجماعات كما للأفراد. «فالحقيقة لا تفرض ذاتها إلاّ بقوّة الحقيقة عينها»66، ولا إكراه على عمل يخالف الضمير باستعمال «أسلحة الجسد»، وأنّ للجميع الحصانة في تأدية ممارسة الشعائر الدينيّة وتشييد المباني الدينيّة وإنشاء المؤسّسات التعليميّة، ضمن فرائض النظام العام. «إنّ الحريّة الدينيّة حقّ للشخص الإنسانيّ... ويجب أن يعترف بحقّ الشخص البشريّ هذا في الحريّة الدينيّة بحيث يصبح حقًّا مدنيًّا». وبهذا يكون المجمع قد كرّس ما ورد في الوثائق الدوليّة، ودعا الدول إلى أن تتبنّى، في دساتيرها وقوانينها، رفعة الحريّة الدينيّة كمصدر حقوقيّ للتشريع ولضبط الحياة الاجتماعيّة في إطار القانون المتاح «بعدل»67 و«بمساواة»68 و«بإنسانيّة» أمام الجميع. فلا تتسلّط جماعة على أقليّة، ولا تستفيد جماعة من نفوذها، لتقهر أفرادًا أو جماعات غريبة عنها. المظلّة القانونيّة للحريّة الدينيّة تامّة. فلا تتدخّل السلطة السياسيّة في شؤون الجماعات الدينيّة في إدارة ذاتها على جميع الصعد الإداريّة والماليّة والتربويّة. وإن شدّ أحدهم عن إيمان جماعته، فلله وحده أن يحاكمه في يوم الدين69.
ذكر المجمع الفاتيكانيّ الثاني الأديان الأخرى بالاسم صراحةً في «بيان علاقة الكنيسة بالأديان الأخرى»70. ذكر المسلمين، وعبّر عن نظرته بعين التقدير للذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيوم، الرحمن القدير...». وطالب المسلمين والمسيحيين بنسيان الماضي وحروبه وعداواته كلّها. ودعاهم إلى العمل بجهد من أجل أن يعزّزوا الحريّة والقيم الروحيّة.
شهادة المسيحيّ في عالم متعدّد الديانات
منذ العام ٢٠٠٦ إلى العام ٢٠١١، نتيجة لتزايد التوتّر والخلافات بين الأديان، بدأ المجلس البابويّ للحوار بين الأديان ومجلس الكنائس العالميّ، ثمّ الاتّحاد الإنجيليّ العالميّ، عقد حلقات تشاور. أسفرت هذه الحلقات عن صدور وثيقة تختصّ بقواعد السلوك للمسيحيّ عنوانها «شهادة المسيحيّ في عالم متعدّد الديانات»71. نصّت المادة السابعة من هذه الوثيقة على «حريّة الدين والعقيدة: الحريّة الدينيّة الكاملة، ما يشمل حقّ المجاهرة العلنيّة وحقّ ممارسة الدين ونشره، فتغيير الشخص لعقيدته، هو أمر نابع من واقع كرامة الإنسان التي هي مبنيّة على أساس كونه مخلوقًا على صورة الله ومثاله (تكوين ١: ٢٦)، حيث إنّ كلّ البشر متساوون في الحقوق والمسؤوليات. فحيثما يُستخدم الدين لتحقيق أغراض سياسيّة، أو حيثما يوجد اضطهاد دينيّ، يكون على المسيحيين أن ينتقدوا مثل هذه الأفعال ويتصدّوا لها»72. وتجدر الإشارة إلى أنّ الاستناد إلى حريّة الضمير للقول بالحريّة الدينيّة برز، بنوع خاصّ، في الخطاب المسيحيّ البروتستانتيّ مع مارتن لوثر.
الحريّة الدينيّة في الإسلام
من أصل أربع وأربعين دولة ذات غالبيّة مسلمة، هناك خمس عشرة دولة تأخذ الشريعة الإسلاميّة مصدرًا تشريعيًّا لها73.
عانى الإسلام، ولا سيّما بعد أحداث ١١ أيلول وما تبعها، من الإسلاموفوبيا. هذا جعل المجتمع العربيّ يركّز تركيزًا ظاهرًا على حقوق الإنسان بعامّة والحريّة الدينيّة بخاصّة. وفي ظلّ ما تشهده منطقتنا من تغييرات ديموغرافيّة وسياسيّة شديدة الخطورة أحدثها ما سمّي بـ«الربيع العربيّ»، تزلزلت علاقة الدين بالدولة، وبات البحث في سلّم القيم الدينيّة وتراتبيتها من جديد أمرًا غاية في الضرورة. إلى هذا، أصبح للطائفيّة السياسيّة تعريفات جديدة. فتحوّلت من اشتراك مذاهب عدّة في السلطة إلى أحاديّة المذهب الواحد74، واستئثاره بكلّ مقاليد الحكم وفرضه نمطًا واحدًا من التفكير ومظهرًا ثقافيًّا واجتماعيًّا لا يقبل فكرة الشراكة في أيّ بعد من أبعادها.
تتلخّص الذرائع75، التي بُني عليها الإسلاموفوبيا، في أنّ الإسلام يخلط بين الزمنيّ والدينيّ، ويشجّع على حمل السلاح وإخضاع الناس بالقوّة، ويسعى إلى إنشاء دولة دينيّة إسلاميّة لا تعترف بسوى ذاتها. هذه الأسباب، التي تجتزئ التاريخ الإسلاميّ وتشوّه القرآن، يلزمنا لتوضيحها أن نعود، في هذا البحث، إلى نشأة الإسلام.
نشأ الإسلام في ظلّ بيئة تتحكّم فيها العادات والتقاليد القبليّة76، فأسهم في إضفاء طابع المساواة بين أفراد المجتمع تحت راية الدين. والدين الإسلاميّ هو دين رحمة ويُسِّر أسهم في إنضاج الوعي البشريّ في ما يخصّ مسألة الإنسان وقيمه وحريّاته، ولا سيّما حريّة الدين. فالقرآن وحده تحدّث، في نحو مئة آية، عن حريّة التدين77. وهناك أيضًا المواثيق والأحلاف الإسلاميّة. وهذه أذكر منها «دستور المدينة» و«حلف الفضول». هذا الحلف، الذي ظهر في أيّام قبل الإسلام، استُبقي عليه لحثّه على التراجع عن محاربة الظلم، أيًا كان نوعه. وأيضًا هناك حلف الحديبية78 بين النبيّ ونصارى نجران الذين أعطاهم «الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم ودينهم وأنّهم في جوار الله وذمّة رسوله، لا يغيّر أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته»79. كما هناك، في التاريخ الإسلاميّ، العهدة العمريّة بين الخليفة عمر بن الخطّاب مع بطريرك أورشليم صفرونيوس، ومن أبرز بنودها حريّة العبادة وأداء الطقوس الدينيّة.
في بدء الدعوة، تعرّض نبيّ المسلمين للاضطهاد ما يقارب ثلاث سنوات على يد أهل عشيرته. فهاجر من مكة. ولمّا عاد إليها على رأس جيشه، دخلها مسالمًا، ولم يفرض على أحد الدخول عنوةً في الإسلام. والقبائل، التي رفضت أهلها الإسلام، كان رسول الدعوة الإسلاميّة يبيّن لهم حقوقهم وواجباتهم، ويهتمّ بسلامهم وأمنهم، وأوجب على المسلمين حمايتهم80. وأمّا محاربته المرتدّين عن الإسلام، فلم يكن سببها كرهه الحريّة الدينيّة، بل كرهه الخيانة وتآمر المرتدّين عليه81.
«لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»82. الدين الإسلاميّ هو دين تبشيري. الدعوة إلى اعتناقه واضحة فيه. وما هو جليّ أيضًا، أنّ الدعوة، التي يكون تحقيقها بالاجتهاد الفكريّ، تكون بالمجادلة بالأحسن. أمّا إن رفض أحدهم الدخول في الإسلام، فالآية القرآنيّة83 تشدد على «إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ»، أي أنّ دور الداعية هو نشر الدعوة وهو الوكيل أو المذكّر. أمّا صاحب الدعوة، فهو الله، وهو صاحب التوكيل. ما يجب إبرازه في هذا السياق أنّ عبارة «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» سبقت عصر الأنوار الأوروبيّ وعصبة الأمم المتّحدة84.
فكرة الله الديان تبعث في نفس المؤمن الطمأنينة إلى أنّ دورة ليس أن يحلّ مكان الله الذي هو المجيز وهو المحاسب، والحساب لا يكون الآن، بل في الآخرة. المؤمن دورة في أن يكون مذكّرًا الناس وليس أن يتسلّط عليهم85. «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ»86.
أمّا في الحديث الشريف، فورد أنّ «الناس كلّهم سواسية كأسنان المشط». وأيضًا «إنّما المؤمنون إخوة»، وبالمعنى عينه «كونوا عباد الله إخوانا»، و«الدين هو المعاملة». على هذا النهج، سار الخلفاء الراشدون. يقول الإمام عليّ عن الناس: «... فإنّهم صنفان، إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق. نجد المصادر الكلاميّة للحريّة الدينيّة في مرتكزين يشبهان المرتكزين المسيحيين، وهما الخلق والعقل. لقد أمر الخالق الإنسان بالدفاع عن كلّ نفس87. «لقد كرّمنا بني آدم»88. إذًا، الناس جميعا سواسية89 و«إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم»90. ومن شاء، فليؤمن. ومن شاء، فليكفر91. التنوّع بين أناس يؤمنون وأناس يكفرون يقدّمه القرآن كجزء من المخطّط الإلهيّ: «لو شاء ربّك، لآمن مَن في الأرض جميعًا. أفأنت تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين»92. أمّا في العقل، فقد جعل الله العقل سبيلاً إلى إدراك وجود الذات الإلهيّة وإلى الإيمان به، ويستدلّ عليه93. والعقل هو ما يميّز الإنسان عن باقي المخلوقات، والاجتهاد العقليّ94 المستند إلى الأدلّة والبراهين هو ما يوجب على المؤمن أن يتحصّن به. صحيح أنّ العقل من دون الوحي وهداية الله لا يستطيع وضع المنهاج الأقوم للحياة. ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ العقل والتعقّل أمر متاح أعطاه الخالق للجميع مجانًا.
البيان العالميّ عن حقوق الإنسان في الإسلام
جاء في «البيان العالميّ عن حقوق الإنسان في الإسلام» الصادر العام ١٩٨١ في المادّة ١٣ منه95: «لكلّ شخص حريّة الاعتقاد، وحريّة العبادة وفقًا لمعتقده: «لكم دينكم ولي دين»96. «وهذا يؤكّد إطلاقيّة الحريّة الدينيّة. أمّا في متن المادّة المتعلّقة بحقوق الأقليّات، فالمادّة العاشرة فقرة «ألف» نصّت على أنّ: «الأوضاع الدينيّة للأقليّات يحكمها المبدأ القرآنيّ العامّ: «لا إكراه في الدين»97. وأيضًا: «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»98. وهذه القاعدة تدعم البعد الداخليّ للحريّة الدينيّة، أي أنّ للإنسان حريّة الاعتقاد بما يشاء. أمّا البعد الخارجيّ بشقّ الشعائر الدينيّة، فإنّ البيان العالميّ لم يأتِ على ذكرها. أمّا شقّ الأحوال الشخصيّة، فالفقرة «باء» من المادّة عينها نصّت على الأحوال المدنيّة، والأحوال الشخصيّة للأقليّات تحكمها شريعة الإسلام إن هم تحاكموا إلينا: «فإن جاؤوك، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم، فلن يضرّوك شيئًا. وإن حكمت، فاحكم بينهم بالقسط»99. فإن لم يتحاكموا إلينا، كان عليهم أن يتحاكموا إلى شرائعهم ما دامت تنتمي، عندهم، إلى أصل إلهيّ: «وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثمّ يتولّون من بعد ذلك»100، «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه»101.
إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام
في العام ١٩٩٠، أصدر المؤتمر الإسلاميّ التاسع عشر لوزراء الخارجيّة المنعقد في القاهرة «إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام»102. نصّت المادّة ١٠، في هذا الإعلان، على أنّ «الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أيّ لون من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهله على تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد». تؤكّد هذه المادّة حماية الإنسان ضدّ استغلال أيّ ضعف فيه لحمله على تغيير دينه. إلاّ أنّه يؤخذ على النصّ، بصورة عكسية، عدم إيراده أيّ كلمة على ضرورة حماية الفرد في حال قرّر، بمحض إرادته، تغيير دينه الإسلاميّ. الفقرة «ألف» من المادّة ١٨ تنصّ: «أ- لكلّ إنسان الحقّ في أن يعيش آمنًا على نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله». هذه المادّة، التي ترد بشكل عامّ وعابر، لا يستدلّ منها على أحكام محدّدة لميدان البعد الخارجيّ في إقامة الشعائر الدينيّة داخل دور العبادة أو خارجها. إلاّ أنّها تظهر ركنًا أساسًا للسلم الاجتماعيّ وهو الأمان، وهو العنصر البارز للتعافي الاقتصاديّ لأيّ مركّب اجتماعيّ كان. وقّع لبنان على هذه الوثيقة103 في ١٩٩٠/٨/٥، رغم إعلان مؤتمر وزراء خارجيّة الدول الإسلاميّة في القاهرة أنّها وثيقة إرشاديّة لا تحتاج إلى تصديق.
وثيقة الأزهر عن الحريّة
بعد أن اجتاحت ثوراتُ التحرير البلادَ العربيّة، سعى الأزهر الشريف، في وثيقة أصدرها عن الحريّة104، في ١٠ كانون الثاني ٢٠١٢، إلى أن يجاري المثقّفين والعلماء في الحراك الشعبيّ بما يناسب، بشكل خاصّ، تطوّر مصر الاجتماعيّ والحضاريّ. بند هذه الوثيقة الأوّل، الذي حمل عنوان «حريّة العقيدة»، أكّد المجتمعون، في متنه، أهمّية هذه الحريّة وقيمتها. واعتبروها «حجر الزاوية» في بناء المجتمع الحديث. وشدّدوا على أنّ الدستور والنصوص الدينيّة يكفلانها. ما قصدته الوثيقة بحريّة المعتقد، هو حريّة الضمير. فلا يترتّب «التفتيش في ضمائر المؤمنين»، و«لكلّ فرد أن يعتنق من الأفكار ما يشاء». أمّا البعد الخارجيّ في حريّة إقامة الشعائر الدينيّة، فعلى الأفراد أن يقيموه من دون أن يعتدي بعضهم على مشاعر بعض، ومن دون أن يُخلّوا بالنظام العام. أسّس الأزهر حريّة المعتقد على مبدأ العقل الذي هو القاعدة الذهبيّة. «وإذا تعارض العقل والنقل، قدّم العقل وأوّل النقل». موضوع حريّة تغيير المعتقد، للمسلمين بوجه خاصّ، لم تأتِ الوثيقة على ذكره.