|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصل الأوّل

حقوق الإنسان

تظهر حقوق الإنسان كبعد أساس في الحياة البشريّة. إذا اجتمعت مع الدين، تشكّل رافدًا أخلاقيًا. وإذا اقترنت بالحقوق، تغدو مصدرًا تشريعيًا له تعريفاته وأطره التي تميِّزه. أمّا خوضنا في تعريف حقوق الإنسان وخصائصها، فلا يهدف إلى تحجيم هذه الحقوق، بل إلى تأكيد مدى رفعتها.

التعريف

حقوق الإنسان مجموعةٌ من الحقوق المعنويّة الطبيعيّة تأتي من الحقوق الذاتيّة للإنسان التي لا تقدّر بالأموال، فتتميّز عن ذمّة الشخص الماليّة. إنّها من الحقوق العابقة بالإنسانيّة، أي التي لا يستجديها الإنسان، ولا تحتاج هي إلى صيغة لإيجادها. وإن وجدت صيغة ما، فتكون معلنةً للحقّ وليست منشئةً له13. تبرز أهميّة حقوق الإنسان لكونها عالميّة14 وشموليّة، عالميّة أي عابرة للدول كما للأديان وللحضارات المتنوّعة15، وشموليّة، أي تشمل كلّ إنسان إلى أيّ بيئة أو عرق أو مذهب انتمى.

الخصائص

لحقوق الإنسان الخصائص التالية:

إنّها حقوق مطلقة لا تخضع لمرور الزمن، أي إنّ تقادم الزمن لا يسري على الجرائم المرتكبة ضدّها، ما يبرز دورها السامي والأساس. القيمة المطلقة لحقوق الإنسان تعتبر هي الأساس16، والمنع فيها هو الاستثناء الذي يُفَسّر بأضيق طرائقه.

لا يمكن التنازل عنها أو تفويضها. وإن حصل بالإكراه، فلا قيمة له. فهي من الحقوق اللصيقة بالإنسان الذي، إن تخلّى عنها، يصبح أمام نظام استبداديّ قهريّ.

لكونها لا تقدّر بالمال، لا يمكن الحجز عليها أو مصادرتها. إذ إنّها من الحقوق المعنويّة التي تخرج عن الذمّة الماليّة.

التطوّر التاريخيّ

لم يولد مفهوم حقوق الإنسان فجأةً، بل تكوّن بعد مخاض طويل طبع التاريخ البشريّ برمّته. اتّضحت كرامة الإنسان للعقل17 بالتدرّج عبر الزمن، لتنتقل فكرة حقوق الإنسان من المستوى الماديّ المباشر، حيث كانت الحريّة تباع وتشترى، إلى المستوى القيميّ حيث تبدو لصيقةً بالإنسان أبديًّا.

ما يعرف اليوم بحقوق الإنسان إذًا، تبلور مضمونه عبر مراحل نموّ الإنسان وتقدّمه. فمنذ أيّام الفراعنة وشريعة حمورابي إلى أيّام الرومان، كانت الحقوق ماديّة. وهذا كان ظاهرًا، مثلاً، في نظام الطبقيّة الذي كان يميّز بين السيّد الحرّ والخادم العبد. احتاجت البشريّة إلى الثورات الفكريّة، لا سيما في عصر الأنوار18 والتغييرات التي أحدثتها في وجه التاريخ، لتطوّر مفهوم حقوق الإنسان.

كما أسهمت الثورة الإنجليزيّة في تشكيل بذور مقوّمات هذه الحقوق. فمن الشرعة الكبرى «الماكنا كارتا» العام ١٢١٥ التي كانت أبرز بنودها التزام النزاهة والعدالة في الإدارة والقضاء وملكيّة الفرد، التي لا يمكن نزعها إلاّ بحكم قضائيّ19 (المادّة ٣٩)، إلى «عريضة الحقوق» التي صدرت العام ١٦٢٨ والتي أسهمت في وضع شرعة عمليّة تكفل الحقوق في وجه تعسّف الإدارة، ثمّ إلى «الهابياس كوربوس» العام ١٦٧٩، هذه الأحكام الدستوريّة شكّلت سدًّا منيعًا حمى، بشكل خاصّ، الحريّة الشخصيّة من أيّ تقييد تعسفيّ.

أمّا في الإعلانات الأميركيّة التي ألهمت نصوص الثورة الفرنسيّة20، فإنّ حقوق الإنسان وجدت تكريسًا خطيًّا أكثر وضوحًا وتأثيرًا أكثر بلاغة. في «إعلان الاستقلال» العام ١٧٧٦، ذُكر، للمرّة الأولى في التاريخ الدستوريّ، «أنّ الحريّة والمساواة حقّان طبيعيّان من حقوق الإنسان». كُرّست هذه المبادئ في خطوات تنفيذيّة وفي الإعلانات المتتابعة لحقوق الإنسان للمستعمرات الثلاث عشرة. أوضح نصّ نجده في إعلان ماستشوستس21، أعني «أنّ الناس يولدون أحرارًا ومتساوين...».

أمّا مع الثورة الفرنسيّة، فاعتبر العام ١٧٨٩ تاريخًا لميلاد المواطن22. فقد نصّت المادّة العاشرة23 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن: «لا يجوز التعرّض لأحد لما يبديه من الأفكار حتّى في المسائل الدينيّة، على شرط أن تكون هذه الأفكار غير مخلّة بالنظام العام». جاء هذا الإعلان ليكرّس ما هو موجود طبيعيًّا في كلّ إنسان مولود حرًّا. كما أعاد الدستور الفرنسي، في العام ١٧٩٢، المرتكزات التي نادت بها دساتير، قبل هذا العام، وذلك بتأثير واضح من المفكّر جان جاك روسو، ولا سيما نظريّة العقد الاجتماعيّ التي نادى بها مع فولتير ومونتسكيو.

استنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إنّ فترة مخاض البشريّة، لولادة قيمة حقوق الإنسان في العام ١٧٨٩، كانت طويلة ومضنية24.

ترتكز ثقافة حقوق الإنسان، واحدًا كان أو جماعة، على مبدأين25. الأوّل وحدة الطبيعة البشريّة، رغم تنوّع الأعراق. والثاني شموليّة القيم البشريّة، رغم تعدّد الثقافات والحضارات.

أمّا في تاريخنا المعاصر، فقد ظهرت قيم حقوق الإنسان، بشكل واضح، بعد الحرب العالميّة الأولى26 وتمّ تكريسها بعد الحرب العالميّة الثانية27. فبعد الحرب الأولى، أُكّدت أهميّة فكرة الحريّات كردّ مباشر على الأنظمة الشموليّة، كالفاشيّة والنازيّة والشيوعيّة، التي لم تعتبر الإنسان قيمة مطلقة على صورة الخالق بل تفاعل سياسيّ واجتماعيّ، وبالتالي كانت مصدر انتهاك لحقوق الإنسان28.

حماية حقوق الإنسان من تدخّل الدولة لم تكن من قواعد القانون الدوليّ قبل العام ١٩٤٥. حدّدت الأمم المتّحدة، في العام ١٩٤٨، معنى الالتزام الدوليّ بحقوق الإنسان عبر «الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان».

وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنّ صفة «العام»29 للحقوق ليست للتمييز بين حقّ خاصّ وآخر عامّ، بل للدلالة على الدولة30 التي دورها أن تُقنّن هذه الحقوق وتنظّمها وتحميها في قالب يُدعى «الحريّات العامّة».

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.