|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصل الأوّل: حماية الحريّة الدينيّة في المواثيق الدوليّة

للحريّة الدينيّة بعدٌ كونيّ وعالميّ، إنّها معيار أساس لبناء الاستقرار الأمنيّ في دول العالم كلّه. هذا المعيار دفع الكونغرس الأميركيّ، في العام ١٩٩٨، إلى تأسيس «اللجنة الأميركيّة لحريّة الأديان الدوليّة»110. إنّها وكالة فدراليّة ثنائيّة مستقلّة تهتمّ برفد الحكومة بالمشورة حول السبل لتحسين حقّ حريّة الفكر والوجدان والدين، أو المعتقد المعترف به دوليًّا، كجزء من السياسة الأميركيّة للترويج لحقوق الإنسان حول العالم. هذا لا يعني أنّ اللجنة تعنى بحماية الديانات القائمة في البلاد، بل بحقّ الوجدان والحريّة الدينيّة كما يعترف بها عالميًّا في أدوات القانون الدوليّة. هذه اللجنة تصدر، كلّ سنة، تقريرًا يشكّل مركز رصدٍ آنيّ لواقع الحريّة الدينيّة وكيفيّة ممارسته على أرض واقع العالم.

المواثيق الدوليّة هي من أدوات القانون الدوليّ التي تعتبرها الدول المنضمّة إليها مصدرًا لتشريعات تفوق الدستور مرتبة111. من هذه المواثيق العديدة التي تعنى بحقوق الإنسان بشكل عامّ، سأستعرض ما له علاقة بالحريّة الدينيّة. وسأختار أربعة مواثيق هي: «الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان»، «العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة»، «الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصّب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد»، و«ميثاق حقوق الإنسان لجامعة الدول العربيّة».

الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان

لا يستقيم الحديث عن الحريّة الدينيّة، في المواثيق الدوليّة، من دون البدء بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي صدر العام ١٩٤٨ إثر الحرب العالميّة الثانية وتداعياتها الكارثيّة على البشريّة جمعاء. يرى البعض، في هذا الإعلان، أنّه معاهدة دوليّة. ويرى آخرون أنّه من المبادئ العامّة التي تهتدي الدول بها في صوغ دستورها كما في قوانينها وتشريعاتها. ومع أنّ هذا الإعلان لا يتضمّن أيّ صفة إلزاميّة، لم يُعتبر، من الناحية الشكليّة، معاهدة112. لكنّه، في الآن عينه، عرف، في مجال حقوق الإنسان، شهرةً قلّ نظيرها. إنّ غياب أيّ عقوبة مترتّبة على عدم احترام هذا الاعلان جعل، من الدول الثمانية والأربعين التي تؤلّف منظّمة الأمم المتّحدة في وقتها113، أربعين دولة تتبناه، وثمانية تمتنع عن تبنيّه، منها المملكة العربيّة السعوديّة. ولم تسجّل أيّ دولة اعتراضًا عليه. إنّ امتناع المملكة العربيّة السعوديّة عن الاقتراع على هذا الإعلان يعود إلى كون الشريعة الإسلاميّة تحكم دستور المملكة التي رأت، في حريّة تغيير الدين التي يوصي بها الإعلان، تعارضًا مع أحكام الردّة عن الدين الإسلامي114، أي في حقّ تغيير الدين الذي هو الوجه الإيجابيّ لحريّة الضمير.

المادّة الأولى تبنّت المرتكز الفلسفيّ-الدينيّ أنّ جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. أمّا المادّة الثامنة عشرة، فنصّت على الحريّة الدينيّة في بعدها الداخليّ (أي حريّة تغيير الدين والعقيدة) وبعدها الخارجيّ (إقامة الشعائر الدينيّة والإعراب عنها والتعليم فرديًّا أو في وسط جماعة). في العام ١٩٩٣، استُحدث منصب «المفوّض السامي لحقوق الإنسان» الذي يوازي منصب أمين عامّ مساعد في الأمم المتّحدة. وفي العام ٢٠٠٦، تمّ اتّخاذ قرار من الجمعيّة العامّة بإنشاء مجلس لحقوق الإنسان مقرّه جنيف يحلّ محلّ لجنة حقوق الإنسان مؤلّف من ٤٧ دولة من الدول الأعضاء. هذا المجلس يناط به تعزيز الاحترام العالميّ لحماية جميع حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة.

العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة

هذا الميثاق115 يعتبر ترجمةً للقواعد القانونيّة الملزمة لإعلان حقوق الإنسان. صدر العام ١٩٦٦، وبُدئ بتنفيذه بعد عشر سنوات. ألزم لبنان نفسه بمضمونه116 عبر التوقيع عليه بالمرسوم ٣٨٥٥ تاريخ ١ أيلول ١٩٧٢.

نصّت المادّة ١٨ من هذا الميثاق على:

«١- لكلّ إنسان حقّ في حريّة الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريّته في أن يدين بدين ما، وحريّته في اعتناق أيّ دين أو معتقد يختاره، وحريّته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.

٢- لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخلّ بحريّته في أن يدين بدين ما، أو بحريّته في اعتناق أيّ دين أو معتقد يختاره.

٣- لا يجوز إخضاع حريّة الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلاّ للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضروريّة لحماية السلامة العامّة أو النظام العامّ أو الصحّة العامّة أو الآداب العامّة أو حقوق الآخرين وحريّاتهم الأساسيّة.

٤- تتعهّد الدول الأطراف، في هذا العهد، باحترام حريّة الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيًّا وخلقيًّا وفقا لقناعاتهم الخاصّة».

اعتنى هذا الميثاق بالحريّة الدينيّة، ووجد لها مساحة كبرى وتفصيليّة فيه. فلم يكتفِ بتعريفه، بل استفاض في بعديه الداخليّ والخارجيّ، ولم ينسَ أهميّة حريّة التعليم الدينيّ للأطفال.

الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصّب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد

صدر هذا الإعلان117 عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في العام ١٩٨١. وشدّد، في ديباجته، على ضرورة احترام الحريّة الدينيّة التي هي أحد المصادر الأساس للحياة، وعلى ضمانتها. وكلّ شكل من أشكال التمييز على أساس الدين هو إهانة للكرامة الإنسانيّة (م ٣). وعلى كلّ دولة أن تتعهّد، في تشريعها، بالمحافظة على هذه الحريّة بحيث يقدر كلّ فرد على أن يتنعّم بها فعليًّا (م ٧).

ميثاق حقوق الإنسان العربيّة

عرف «ميثاق حقوق الإنسان العربيّة» تطوّرًا عبر التاريخ. صدر للمرّة الأولى118 في العام ١٩٩٧. ثمّ ظهر، بحلّته الجديدة، في الدورة السادسة عشرة التي استضافتها تونس العام ٢٠٠٤. وبعد أربع سنوات، دخل حيّز التنفيذ في ٢٠٠٨/٣/١٦. إنّ يوم السادس عشر من آذار هو يوم عربيّ لحقوق الإنسان. وقّع لبنان حديثًا على هذا الميثاق في ٢٠٠٦/٩/٢٥، وأصبح نافذًا بالنسبة إليه في ٢٠٠٨/٧/٧.

ينطلق الميثاق، في مقدّمته، من الرقعة الجغرافيّة للدول العربيّة حيث انطلقت الأديان. ثمّ تأتي المادّة ٣٠، لتتوسّع في إبراز الحريّة الدينيّة. وهذا نصّها:

«١- لكلّ شخص الحقّ في حريّة الفكر والعقيدة والدين. ولا يجوز فرض أيّة قيود عليها إلاّ بما ينصّ عليه التشريع النافذ.

٢- لا يجوز إخضاع حريّة الإنسان في إظهار دينه أو معتقده أو ممارسة شعائره الدينيّة بمفرده أو مع غيره إلاّ للقيود التي ينصّ عليها القانون والتي تكون ضروريّة في مجتمع متسامح يحترم الحريّات وحقوق الإنسان لحماية السلامة العامّة أو النظام العامّ أو الصحّة العامّة أو الآداب العامّة أو لحماية حقوق الآخرين وحريّاتهم الأساسيّة.

٣- للآباء أو الأوصياء حريّة تأمين تربية أولادهم دينيًّا وخلقيًّا»119.

ردّد الميثاق العربيّ ما هو منصوص عنه في شرعة حقوق الإنسان العالميّة وفي العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة. غير أنّه التزم الصمت، إلى الآن، في موضوع حريّة تغيير المعتقد، ويترك للدول باب الاحتكام إلى قوانينها النافذة، مع العلم أنّ جميع قوانين الدول العربيّة الأعضاء في جامعة الدول العربيّة باستثناء لبنان لا تجيز تغيير الدين إلاّ باتّجاه الإسلام. وتعتبر المادة ١١ من القرار ٦٠ L. R. الصادر عام ١٩٣٦ المطبّق في لبنان الحالة الوحيدة التي تجيز تغيير الدين والمذهب بحريّة. إنّ حقّ تغيير المعتقد معطى لكلّ إنسان، وأنّ الإحالة إلى القوانين الخاصّة بكلّ بلد يعتبر بالتالي رفضًا لحريّة التحوّل إلى غير الإسلام.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.