الخاتمة
الحريّة الدينيّة هي نظام قانوني متكامل مترابط ومتشعب بين مختلف جوانب الحياة. عملت الدول على حماية هذه الحريّة عبر الإفساح في المجال لمواطنيها باختبار حياة حرّة، أي من دون تدخل منها. غير أننا نشاهد، اليوم، تدخلاً من الدولة كبيرًا. والهدف منه ليس الحدّ من الحريّات، بل ترشيدها وخلق الأطر الكفيلة بنموّها وبإنضاجها. يرى البروفسور أندره هوريو181، في القانون الدستوري، نظامًا ليس لتنظيم السلطة، لكن للتوفيق بين السلطة والحريّة، وهذه هي مهمة الدستور الأولى.
تشكّل الحريّة الدينيّة معيارًا دقيقًا لحالة الدولة ولاستشراف مستقبلها. قدّم لبنان إلى لجنة الحقوق العربيّة تقريره182 الأوّل العام 2014 حول «حالة حقوق الإنسان في لبنان» في 118 صفحة. واضعو هذا التقرير الحكومي لم يجدوا غير نص المادة 9 من الدستور للحديث عن ضمانة حريّة الفكر والعقيدة والدين. أغفل واضعو هذا التقرير القيمة المضافة لحالة لبنان الميثاقية والفريدة في العالم العربي.
وضع المشرّع مظلة قانونية واسعة لحماية الحريّة الدينيّة. إلّا أن اجتهادات المحاكم المدنية، في هذا الموضوع، هي قليلة. ولربما يكون السبب افتقار المواطن للثقافة الحقوقية، ولعدم نيته في الخوض في مراجعات قد تطول. رغم ذلك، فإنّ تشعّب العناوين، التي تطلق على هذا النوع من القضايا، تسهم في إعادة نوع من الاعتبار لهذه الحريّة، وتسهم في تعزيز القناعات لدى الناس، ليحتكموا إليها.
العنف عدوّ الحريّة الأوّل. لا تستقيم حياة كريمة وحرّة أمام حركة عنف جارفة تمارس الإكراه والقمع والتوقيف الاعتباطي. ففي سنوات الحرب بين الأعوام 1975- 1990، عندما تزايد العنف بل أصبح جنونيًا في لبنان، خسر بلدنا كوادر ورؤوس أموال الكثير من مواطنيه183. وعندما تمّ الفرز الديموغرافي، مارس حكّام الأمر الواقع القمع على أبناء سكّان مناطقهم أوّلاً184. فمن التنصت على المكالمات الهاتفية إلى التدخّل في حرمة المنازل وصولاً إلى الخطف وعمليات الاغتيال185.
الدروس التطبيقية عديدة وقديمة ينبغي لنا أن نستخلص العبر منها، وأنّ نطوّر القاعدة القانونيّة للحريّة الدينيّة. النصوص التشريعيّة عديدة، وتكفل الحريّات. أمّا الحياة العمليّة، فمليئة بالصعوبات والتحدّيات.
تعدّد المذاهب والأديان في لبنان يعتبره البعض نقمة، إذ ينظرون إلى الحالات التي تضعف الدولة وهيبتها. ولكن، هناك آخرون ينظرون إليها على أنّها نعمة تغني الحياة ضمن التعدديّة. نقاط ضعف هذه الميثاقية لا تفترض التخلّي عنها، بل أن تُعالج بالتصدّي لكلّ أعمال التطييف التي تمارس ضدّ النظام القانوني العام اللبناني.
ثمّة من يقول: «قوّة لبنان في ضعفه». بعد هذه الدراسة المتواضعة، أرجو أن يكثر الذين يقولون إنّ قوّة لبنان في حريّاته، وأعلاها الحريّة الدينيّة.