الباب الثاني: دور القضاء في حماية الحرّيّة الدينيّة
الحريّة الدينيّة، في بعدها الداخليّ، أي أن يعتقد الإنسان بما في سرّه، تبقى خارجة عن أيّ تقنين أو إمكان محاسبة. أما المظهر الخارجيّ المتمثّل بالتعبير عن الاعتقاد إن بممارسة الشعائر الدينيّة أو بتغيير الدين، فهذا ما ينظّمه المشترع، ليحفظ النظام العام، ويصون المجتمع، ويكفل لكلّ فردٍ الفضاء السليم الذي يمكنه التحرّك في داخله بحريّة.
أبرز المصادر لقيمة حقوق الإنسان هي الأديان105. ولكنّها ليست المرجعيّة الإجرائيّة التنفيذيّة106 التي تقتصر على القانون الوضعيّ الذي يستمدّ شرعيّته من الشعب. القوانين المنوي تطبيقها يجب أن تحترم مبدأ الحريّات العامّة وأن تستلهم قواعدها في تشريعاتها وفق سلسلة من التراتبيّة تشكّل المواثيق الدوليّة107 والدستور أعلى درجة فيها108. فالقاعدة الإداريّة تقول: «لا يجوز للمشترع أن يضعف من الضمانات التي أقرّها بموجب قوانين سابقة لجهة حقّ أو حريّة أساسيّة سواء عن طريق إلغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها أو بإحلال ضمانات أقلّ قوّة وفاعليّة»109.
تنصّ الفقرة «باء» من مقدّمة الدستور اللبنانيّ: «لبنان عربيّ الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربيّة وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسّس وعامل في منظّمة الأمم المتّحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء».
وأيضًا تنصّ المادّة ٢ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة: «على المحاكم أن تتقيّد بمبدأ تسلسل القواعد. عند تعارض أحكام المعاهدات الدوليّة مع أحكام القانون العاديّ، تتقدّم في مجال التطبيق الأولى على الثانية. لا يجوز للمحاكم أن تعلن بطلان أعمال السلطة الاشتراعيّة لعدم انطباق القوانين العاديّة على الدستور أو المعاهدات الدوليّة».
انطلاقًا من هذه المسلّمة الدستوريّة، سأبدأ بتبيان دور المواثيق الدوليّة في حماية الحريّة الدينيّة. ومن ثمّ سأتناول الإطار الدستوريّ، لأبدأ بأركان الحريّة الدينيّة في بعديها الداخليّ والخارجيّ، وكيف يحمي الدستور الطوائف التاريخيّة المعترف بها، وكيف يعالج الاجتهاد مسألة إنشاء طوائف جديدة، لأطرق، أخيرًا، باب حريّة ممارسة الشعائر والحريّات ذات العلاقة مع الحريّة الدينيّة.