الفصل الثاني
جاءت عمليّة الانتقال من فكرة حقوق الإنسان إلى فكرة الحريّات العامّة عبر المدلول اللغويّ الذي اعتمدته الشرعة الفرنسيّة «الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن». فإنّ لفظة «المواطن» تدلّ على أنّ حقوق الإنسان أساساً إنّما هي من الحقوق الطبيعيّة اللصيقة بالإنسان التي تشكّلت قبل نشوء المجتمعات السياسيّة. ولكنّ إرادة واضعي هذا الإعلان ذهبت إلى إضافة لفظة «المواطن». وهذا يدلّ على الاهتمام بوضع إطار قانونيّ تنفيذيّ يستمدّ من الحقوق منبعاً تشريعيّاً مباشراً للمجتمعات السياسيّة.
يتزايد البحث في الحريّة الدينيّة بشكل مطرد اليوم كمنطلق للبحث في العلاقة القائمة بين مختلف أطراف المجتمع الأهليّ للدولة، والحريّة الدينيّة تُعتبر إحدى الركائز الأساسيّة الميثاقيّة العالميّة، التي تولّدت بعد مسيرة طويلة للإنسانيّة عبر التاريخ وتطوّر كبير للعلوم كافّة وللحريّات العامّة بشكل خاصّ، ويتناول نطاقها البعدين الاجتماعيّين الفرديّ والجماعيّ.
التعريف القانونيّ للحريّة الدينيّة
تعتبر شرعة الإعلان العالميّ، لحقوق الإنسان الصادر العام ١٩٤٨، تتويجاً لعصر الأنوار والثورات الفكريّة والاجتماعيّة التي رافقته منذ أقدم التاريخ31. وكان للبنان الدور البارز في صوغ تلك الشرعة مع المندوب اللبنانيّ شارل مالك.
المادّة ١٨ من هذه الشرعة زاوجت بين الحريّة الدينيّة وحريّة التفكير وحريّة الضمير، إذ نصّت: «لكلّ شخص الحقّ في حريّة التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحقّ حريّة تغيير ديانته أو عقيدته، وحريّة الإعراب عنهما، بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرّاً أم مع الجماعة». أمّا المادّة ١٨ من الاتّفاقيّة الدوليّة بشأن الحقوق المدنيّة والسياسيّة، فرغم استفاضتها، لم تخرج عن الخطوط العريضة التي ذكرت في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي ذكرناه آنفاً.
أمّا المادّة ٩ من الدستور اللبنانيّ، فذكرت نصّاً حريّة المعتقد التي هي العنصر الأساس المكوّن للحريّة الدينيّة. جاء في هذه المادّة: «حريّة الاعتقاد مطلقة. والدولة، بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى، تحترم جميع الأديان والمذاهب، وتكفل حريّة إقامة الشعائر الدينيّة تحت حمايتها...». هذه المادّة الواردة أعلاه مستقاة حرفيّاً من المادّة العاشرة لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسيّة32 التي أعلنت العام ١٧٨٩.
انطلاقاً من هذين النصّين، يمكننا تعريف الحريّة الدينيّة بأنّها «حريّة الضمير بالاعتقاد، في أيّ وقت، بأيّ دين وإقامة فروضات العبادة المنسجمة معه». تعتبر د. لونا فرحات33 حريّة الضمير العنصر الأساس للحريّة الدينيّة. كما صنّفت حريّة الاعتقاد بعنصره الداخليّ وحريّة المجاهرة بالدين بعنصره الخارجيّ. واعتبرت أنّ الحريّة الدينيّة تقوم على ركنين، يتمثّل الأوّل بحريّة اعتناق أيّ دين34، ويقوم الثاني على حريّة ممارسة شعائر هذا الدين فرداً أو جماعةً بما لا يخالف النظام العامّ.
تجد حريّة الضمير مرتكزها في نظريّة القانون الطبيعيّ، وهي تنبع من النبع الأساس، أي الحريّة بمفهومها العامّ والشامل وعليها يرتكز الوجود الأخلاقيّ35.
التمييز بين مفهوم الحقوق العامّة ومفهوم الحريّات العامّة
تاريخيّاً، ظهر مصطلح «حقوق الإنسان» كقيمة طبيعيّة منذ أيّام الفراعنة36. وتطوّر، عبر التاريخ، بعد أن خاضت البشريّة حروباً كثيرة37، وتبدّلت موروثات ثقافيّة واجتماعيّة وديموغرافيّة. أمّا مصطلح «الحريّات العامّة»، فظهر، أوّل مرّة38، في المادّة ٩ من دستور ١٧٩٣ الفرنسي. في بعض المراجع، نجد، أحياناً، هاتين العبارتين الواحدة بمعنى الأخرى39. التمييز بين مصطلحي «الحقوق العامّة» و«الحريّات العامّة» يفيد كلًاّ منهما، ويدعم النظام السياسيّ القائم. يُقصد بالكلام على الحريّات العامّة الحقوق الطبيعيّة التي وضعت في قالب حقوقيّ من أجل حمايتها وصيانتها. أمّا التمييز بينهما، فينطلق من مستويات عدّة. أوّلاً من ناحية المصدر، فالحقوق مصدرها القانون الطبيعيّ. بينما مصدر الحريّات هو القانون الوضعيّ. وثانياً، من ناحية المضمون، فالحريّات محدّدة بنصوص واضحة، بينما الحقوق لا يمكن تعدادها حصريّاً، إذ إنّها تقارع جميع نواحي حياة الإنسان وتقدّمه40. وثالثاً من ناحية الإطار، إذ إنّ إطار الحقّ أوسع من إطار الحريّة.
تصنيف الحريّة الدينيّة
للحريّة الدينيّة الخصائص العامّة التي لحقوق الإنسان. من ناحية المضمون، يمكن تصنيفها بأنّها من الحريّات الفكريّة. أمّا من حيث طبيعتها، فهي من الحقوق-الحريّات الأساسيّة التي يلحظها الدستور. وهذا ما استقرّ عليه اجتهاد المجلس الدستوريّ الفرنسي41. أمّا من حيث نطاقها42، فهي من الحريّات الدائرة بين الحريّة الفرديّة (حقّ الاعتقاد) والحريّات الجماعيّة (حريّة ممارسة الشعائر الدينيّة).
حريّة المعتقد
هي من الحريّات الفكريّة الإيمانيّة التي بموجبها يحقّ للفرد أن يعتنق أيّ دين يريده. كما يحقّ له أن يخرج من أيّ دين عاد يراه لا يمثّل قناعاته، وينتسب إلى دين آخر من دون قيد أو شرط.
حريّة إقامة الشعائر الدينيّة
هي من الحريّات الملازمة للحريّة الدينيّة التي من دونها لا يمكننا تصوّر وجود حقّ فعليّ بالاعتقاد43. العلاقة بين حريّة المعتقد وحريّة التعبير وثيقة ومعقّدة من حيث إبراز أيّ منهما يخضع للآخر44.
الدستور اللبنانيّ، في مادّته التاسعة التي ذكرناها آنفاً، كفل حماية حريّة إقامة الشعائر الدينيّة. هذه الشعائر، كحقّ الاعتقاد، يوجد لممارستها بعدان. الأوّل داخليّ، يسمح بأن يحيا الإنسان وفق قناعاته ونظمه العليا. والبعد الثاني يتمثّل بالبعد الخارجيّ، أي بإقامة التجمّعات وتنظيم المسيرات الدينيّة وإقامة الشعائر والاحتفال بالمناسبات الدينيّة.
ثمّة مساحتان لحريّة إقامة الشعائر الدينيّة. تتمثّل أولاهما بدائرة أماكن العبادة. هذه الدائرة أخضعها القانون الفرنسي الصادر العام ١٩٠٥ لأحكام التجمّعات العامّة. ومن ثمّ جاء قانون ١٩٠٧، فحرّر دور العبادة من كلّ شرط يمنعها من استقبال أتباعها45. أمّا المساحة الثانية، فتتمثّل بالاحتفالات خارج دور العبادة كقرع جرس الكنيسة وإقامة المسيرات التي تجوب شوارع المدن. لقد كان للمجلس الدستوريّ الفرنسي الدور الأبرز في رسم حدود هذه المساحة. وذلك بأنّه أناط بالسلطة المحليّة، أي بالمجلس البلديّ أن يوافق على كلّ طلب للتعبير عن الشعائر الدينيّة غير التي دأب المواطنون على ممارستها كمواكب الجنازة واحتفالات القربانة الأولى وأحد الشعانين، على ألاّ يخلّ هذا التعبير، في أيّ شكل من الأشكال، بالنظام العامّ.
أنواع الحريّات ذات العلاقة مع الحريّة الدينيّة
بيّنا، آنفاً، أنّ الحريّة الدينيّة هي القالب القانونيّ لحقّ الاعتقاد. إنّ دخول الحريّة الدينيّة ضمن الإطار القانونيّ الوضعيّ يجعل من حقّ الاعتقاد حقاًّ يُسأل الإنسان عنه ويُحاسب عليه. إنّ لحقّ الاعتقاد طابعاً ساميّاً. وله، أيضاً، تشابك متداخل بين إطاره القانونيّ والإطار السياسيّ والاجتماعيّ. هذا التشابك المتداخل أفضى إلى بروز أنواع عدّة من الحريّات العامّة تتضافر مع الحريّة الدينيّة وتتقاطع معها، بحيث نكون معها أمام حريّات دينيّة. وقد عدّدت هذه الحريّات المادّةُ السادسة46 من «إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصّب والتمييز القائمة على أساس الدين أو المعتقد» الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة بتاريخ ٢٥ تشرين الثاني ١٨٩١.
حريّة الرأي
حريّة التعبير، التي تسمّى أيضاً حريّة الضمير47، هي من الحريّات القائمة بذاتها التي تتقاطع مع الحريّة الدينيّة من زاوية التعبير الخارجيّ للحريّة عن الإيمان كما هي الحال في حريّة إقامة الشعائر الدينيّة. لحريّة التعبير مستويان. المستوى الأوّل هو على الصعيد الفردي، كأن يعبّر شاعر عن فكرته في قالب يتناول الموضوع الدينيّ. والمستوى الثاني هو على الصعيد الجماعي، كأن تتناول طائفة أو مجموعة دينيّة شكلاً من أشكال التعبير عن هويّتها الدينيّة.
حريّة التعليم الدينيّ
المادّة العاشرة من الدستور اللبنانيّ أتت على ذكر هذه الحريّة: «التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو ينافِ الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب. ولا يمكن أن تمسّ حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصّة...». هذه الحريّة تدور بين المجال العامّ والمجال الخاصّ الذي يعني الفرد خصوصاً، وهي محلّ نقاش دائم حول رسم الحدود الفاصلة بينهما48.