الفصل الثاني: الإطار الدستوريّ للحريّة الدينيّة
يعتبر الدستور اللبنانيّ من الدساتير الجامدة120 التي تتطلّب طرائق مختلفة في تعديله عن تلك المتّبعة في القوانين العاديّة، وهو من الدساتير المدوّنة في وثيقة يمكن أن يرجع إليها الجميع.
تعتبر الحريّة الدينيّة حريّة دستوريّة وتأسيسيّة في بناء الحكم، وتتقدّم121 على كلّ الحريّات الأخرى الفرديّة أو الجماعيّة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة122، وتُعتبر حجر الزاوية في هذا الموضوع123. وكلّ قانون يصدر، مخالفًا لأحكام الدستور، يكون معرّضًا للإبطال عبر مراجعة الطعن بدستوريّة هذا القانون أمام المجلس الدستوريّ، مع العلم أنّ لا يحقّ للقضاء الإداريّ أو المدنيّ النظر في عدم دستوريّة القوانين تبعًا لمبدأ فصل السلطات المعمول به في لبنان.
2-2- أ المادتان 9 و 10 من الدستور
نادت المادة التاسعة بأنّ «حريّة الاعتقاد مطلقة. والدولة، بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى، تحترم جميع الأديان والمذاهب. وتكفل حريّة إقامة الشعائر الدينيّة تحت حمايتها. على ألّا يكون في ذلك إخلال في النظام العام. وهي تضمن، أيضًا، للأهلين، على اختلاف مللهم، احترام نظام الأحوال الشخصيّة والمصالح الدينيّة». هذه المادة مستقاة، حرفيًّا، من المادة العاشرة لشرعة 1789 الفرنسيّة124، وتعود إلى نظام الملّة العثماني125.
أمّا المادة العاشرة، فتنصّ: «التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العام، أو ينافِ الآداب، أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب. ولا يمكن أن تمسّ حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصّة، على أن تسير في ذلك وفقًا للأنظمة العامّة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العموميّة».
إنّ هاتين المادّتين (9-10) بُنيتا على أساس المادة السابعة من الدستور (المستقاة بدورها من الدستور المصري126) التي تحدّد أنّ «كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتّعون، بالسواء، بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة دونما فرق بينهم».
«حريّة الاعتقاد المطلقة». هذه الضمانة تجعل من الحريّة الدينيّة في مرتبة تعلو على جميع الضمانات القانونيّة الأخرى. وهذا ما أكّده المجلس الدستوريّ بإعطائه المادة التاسعة السموّ والمرتبة عينهما التي لمقدّمة الدستور127.
لفظة «الاحترام»، المكرّرة في «احترام جميع الأديان واحترام نظام الأحوال الشخصيّة والمصالح الدينيّة»، ليست هي، إذًا، مجرّد بلاغة كلاميّة، بل إطار دستوريّ يفترض استنباط قواعد حقوقيّة وسلوكيّة128.
ينسجم النظام السياسيّ للجمهوريّة اللبنانيّة مع الحريّة الدينيّة، ويشكّل الإطار العام لحمايتها. فذكر الله نجده في الدستور بقوله: «الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى». ويردّد النشيد الوطنيّ ذكر الله (صانه ربّه لمدى الأزمان). إذًا، العبارة تدلّ على أنّ الدولة اللبنانيّة هي دولة مؤمنة، من جهة أولى، تقرّ بالأديان التوحيديّة، ومن جهة أخرى، تُبعد عن الدولة أن يكون فيها دين محدّد خاصّ بها. هذا يعطينا أن نقول إنّ الدولة اللبنانيّة هي في موقف محايد من جميع الأديان129. فما دام الدستور يعترف بالجميع، أي لا يعلن أنّ مذهبًا يسود المذاهب الأخرى التي فيه، يمكننا القول إنّ كلّ دين في الدولة هو دين الدولة130. ويبقى، أخيرًا، أن نشير إلى أنّ الدستور، إذا أقدم على ذكر الله، لا يفيد أنّ لبنان لا يعترف بباقي الأديان غير التوحيديّة.
موقع لبنان من الدين يميّزه عن جميع الدول العربيّة131. فالدول العربيّة إمّا أن تدين بدين محدّد، مثل المملكة الأردنيّة الهاشميّة وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة، وإمّا أن تعتبر أحكام الشريعة الإسلاميّة مصدرًا للتشريع، كعُمان والكويت.
للدولة في لبنان، مثل فرنسا، هويّة علمانيّة132. ولكنّ لبنان يتميّز عن فرنسا بالحالة الميثاقيّة التي أنتجت تكوينه ووضعت نظامه في حالة خاصّة133 بين الأنظمة الدينيّة (الإرث والأحوال الشخصيّة) والأنظمة العلمانيّة (القانون المدنيّ والجزائيّ والإداريّ). يعود الفضل إلى البروفسور مسرّة الذي أدخل مقولة الميثاقيّة في المعجم السياسيّ134، العام 1982، في أطروحة الدكتوراه حول «تصنيف النظام السياسيّ اللبنانيّ. بحث في النمط التوافقي واستمراريّته». ويعتبر البروفسور مسرّة أنّ التوافقيّة ليست نظامًا سياسيًّا، بل إنّما تصنيف ومنهجيّة في تصنيف الأنظمة السياسيّة، ليخلص إلى أنّ النظام السياسيّ للبنان يدخل ضمن الأنظمة الفدراليّة135 الشخصيّة136. ويكمل البروفسور، فيستنبط من المادتين التاسعة والعاشرة من الدستور خمسة شروط137، «وهي:
أن تتولّى هيئة مركزيّة ضبط المعايير (محكمة التمييز في قضايا الأحوال الشخصيّة والدور الناظم لوزارة التربية والتعليم العالي).
ضرورة توافر مخرج بحيث لا يجوز إرغام شخص على الانتماء إلى مجموعة أو طائفة.
أطر للامركزيّة إداريّة فاعلة في سبيل تسريع عمليّة التقرير، التي قد تتعطّل بسبب تجميع القضايا داخل السلطة المركزيّة، ودخولها في صراع على النفوذ.
ثقافة المجال العام العابر للطوائف للحؤول دون الانغلاق».
ويضيف البروفسور مسرّة أنّ هاتين المادتين «لم تعطيًا أيّة طائفة تفوّقًا على طائفة أخرى في ما يختص بنظام الأحوال الشخصيّة الخاصّ بها، ممّا شجّع على تراجع التحايل على القانون». كما أنّ لفظة «الاحترام» الواردة في المادة 9 تعبّر عن قيمة جوهريّة تسمح باعتبار الآخر ذا قيمة138 ذاتيّة وجديرًا بالتقدير139.
تدرّجت المادة 9 من الدستور في عرض مرتبة موقع الدولة من الاعتقاد بالله إلى حماية الأديان والمذاهب140. إنّ المادّتين التاسعة والعاشرة من الدستور، الذي أجري عليه اثني عشر تعديلاً من ثلثي أعضاء المجلس النيابيّ (م 77 من الدستور)، لم تطلهما يد التعديل منذ تاريخ صدور الدستور في 23 أيار 1926 إلى يومنا الحاضر141. هذا يدلّنا على أنّ الحريّة الدينيّة هي من القواسم المشتركة142 بين اللبنانيين، ويظهر، تاليًا، أهميّتها وثباتها في وجه جميع المتغيّرات التي عصفت بالوطن وبخاصّة الحرب التي سمّيت أهليّة.
حدود الحريّة الدينيّة، بحسب المادة 9 من الدستور، هو النظام العام الذي يجب عدم المسّ به. فكرة النظام العام تساعد في مجال الإدارة الدينيّة للتوفيق بين القاعدة الحقوقيّة ومفهوم الشرعيّة143. ففي الدول العربيّة، تتمّ العودة إلى النظام العام في حال تنازع قوانين الأحوال الشخصيّة. والمقصود بالنظام العام هو الإسلام144. ففي سورية، يحقّ للمتقاضين غير المسلمين التنازل عن صلاحيّة محكمة طائفتهم والتوجّه إلى المحكمة الشرعيّة التي تفصل وفقًا لأحكام الشريعة الإسلاميّة145. أمّا في لبنان، فإنّ الميثاقيّة هي الانتظام العام الذي يجب عدم المسّ به. والفقرة ياء من مقدّمة الدستور تنصّ صراحة على أنّ: «لا شرعيّة لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».
2-2- ب المادة 95 من الدستور
المادة 95 من الدستور، المعدّلة بالقانون الدستوريّ الصادر في 1943/11/9 وبالقانون الدستوريّ الصادر في 1990/9/21، تنصّ على:
«على مجلس النوّاب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتّخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفيّة السياسيّة وفق خطّة مرحليّة وتشكيل هيئة وطنيّة برئاسة رئيس الجمهوريّة، تضمّ، بالإضافة إلى رئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة.
مهمّة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفيّة وتقديمها إلى مجلسي النوّاب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحليّة.
وفي المرحلة الانتقاليّة:
أ- تمثّل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب- تلغى قاعدة التمثيل الطائفيّ، ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامّة والقضاء والمؤسّسات العسكريّة والأمنيّة والمؤسّسات العامّة والمختلطة وفقًا لمقتضيات الوفاق الوطنيّ باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أيّة وظيفة لأيّة طائفة مع التقيّد بمبدأي الاختصاص والكفاءة».
إنّ اتّفاق الطائف قد نصّ على آليّة عمل ممنهج للعمل على إلغاء الطائفيّة السياسيّة، وقد أناطها برئيس الجمهوريّة وبأعضاء يختارهم لهذه الغاية بناءً على إجراءات يتّخذها مجلس النوّاب.
الحديث عن تركيبة طائفيّة تسعى إلى تقزيم حجم الدولة وفاعليتها146 يجد، في متن هذه المادة، سندًا قويًّا يدعم فكرة عدم المساواة بين المواطنين أمام القانون التي تقود إلى عدم قيامة نظام المواطنة، بل تشجّع على الانتماء الطائفيّ147 بغية تأمين حقوق المواطن الذاتيّة، وتاليًا على النظام الإقطاعيّ السياسيّ.
نجد وجهة نظر مغايرة ومختلفة للمادة 95 التي يتمّ تصنيفها على أساس قاعدة التمييز الإيجابيّ148، أي وجود نصّ دستوريّ نابع من السلطة يقرّ بوجود عدم مساواة فعليّة تستدعي تمييزًا في المعاملة إلى أن تنتفي الحاجة إليه. وهذا ما نصّت عليه المادة 95 التي ذكرناها آنفًا. هذه المادة تحمي فكرة الحريّة الدينيّة والميثاقيّة في لبنان، وتسعى إلى تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق مساواة فعليّة ترتضيها مركّبات المجتمع على أنواعها. ولربّما تكون هذه المادة هي المادة الوحيدة التي تحمل في طياتها آليّة إلغاء ذاتها.
استقرّ رأي مجلس شورى الدولة على أنّ المادة 95 من الدستور تقضي بمراعاة التمثيل الطائفيّ في تعيين الموظّفين تحقيقًا للعدالة والإنصاف بين مختلف الطوائف ما لم يكن ذلك منافيًا للمصلحة العامّة. فإذا كانت القاعدة في التعيين في الوظيفة العامّة توجب بنتيجة مباراة التقيّد بترتيب الناجحين، فإنّ هذه القاعدة تبقى محترمة، ولا يتنافى تطبيقها مع تطبيق أحكام التقيّد بالترتيب ضمن قائمة الناجحين بالنسبة إلى الطوائف كافّة. فيفضّل للتعيين أسبق الناجحين من كلّ طائفة149.
جاء النظام العام كمخرج اعتمده المشرّع، ليسمح بموجبه للقاضي أن يستنبط التوصيف القانونيّ لحالة ما، لم يأتِ على ذكرها المشرّع. فالحالات الاجتماعيّة المستجدّة عبر الزمن هي دائمًا في مرحلة ما بعد النصّ القانونيّ الذي يأتي دائمًا في مرحلة تكريس الثوابت الموجودة والمتّفق عليها. من هنا، إنّ عبارة «النظام العام» فضفاضة تهدف إلى تثبيت حالة من الاستقرار للنظام، ولا سيما أنّ تركيبة النظام اللبنانيّ دقيقة بمراعاتها مختلف الطوائف المعترف بها رسميًّا. إنّ القاضي يكاد أن يتحوّل إلى مشرّع150 في دائرة النظام العام، وله أن يفسّر التفسير الأقرب إلى روح عصره بما يساعد على إحقاق الحقّ.