الفصل الخامس
حياة الصَّلاة هي حياتنا الشَّخصيَّة الواعية في الله، لأنَّ كُلَّ شيء، وجودنا وتحرُّكنا، يدخل فيها. إنَّ كُلَّ حياتنا وعلاقتنا بالله هي في النَّتيجة ما يُسمُّونه صلاة: أعني موقفًا معيَّنًا نوعيًّا يُدعى صلاة. والصَّلاة من ناحية ثانية هي أيضًا وجوهريًّا أنْ نجعل السِّرَّ الَّذي رأيناه معلنًا وسائرًا في الليتورجيا، أنْ نجعله داخليًّا، فنحن إنَّما ثمرة هذا السِّرّ، سِرُّ نعمة ورحمة أوجدنا كائنات طبيعيَّة وكائنات مولودين مجدَّدًا في المعموديَّة. إذنْ إنَّ تفتُّح وازدهار هذا السِّرَّ الَّذي يُزرَع فينا بالأسرار الكنسيَّة والحياة المسيحيَّة يتحقَّق بحياة الصَّلاة إذا ما سِرنا بها إلى حدودها الأخيرة. بحياة الصَّلاة يتحقَّق ازدهار نعمة بُنُوَّتنا لله: إنَّ حياتنا الصَّلاتيَّة يجب أنْ تتبنَّى حركة الليتورجيا نفسها الَّتي تعبُر بنا من الموت إلى الحياة، من الخوف إلى المحبَّة، من النِّير إلى الخدمة، من عبوديَّة الأهواء إلى مجد حرِّيَّة أبناء الله.
بدون حياة صلاة، مهما كانت صغيرة، لا حياة روحيَّة ولا يمكن التَّكلُّم عن حياة روحيَّة. بل يبقى الإنسان كائنًا بيولوجيًّا متطوِّرًا، أو وليد بيئته الاجتماعيَّة يخضع فيها لكُلِّ الضَّروريَّات (déterminismes)١، أو أخيرًا، إذا كان يهتمُّ بالحقائق الرُّوحيَّة وحقائق الإيمان، يبقى إنسانًا يحاول أنْ يظهَرَ في حياة روحيَّة، أنْ يقلِّد ويمثِّل حياة روحيَّة في مجال العقل والذَّكاء، أو في مجال الامتثال الخارجي (conformisme) أو في تقوى لا أصل عميق لها. لأنَّنا بقدر ما نحيا في الله ومن الله نصلِّي حقًّا وبقدر ما نصلِّي نحيا من الله. الصَّلاة هي العمل الشَّخصيُّ الأوَّل، تسمح لنا وحدها بأنْ نعي أنفسنا ونتقدَّم في الله ونزداد اتِّحادًا بقريبنا.
نعم إنَّ الشَّرط الأساسيَّ للصَّلاة هو الإيمان المعاش في كُلِّ غناه وعمقه. ولكن هناك أيضًا ما يُسمِّيه المعلِّمون الرُّوحانيُّون «عِلم» الصَّلاة، أعني تِلك المعرفة الواضحة والصَّميميَّة لحركات النَّفس الَّتي تلتمس الله، للصُّعوبات في الطَّريق، للحالات الَّتي تمرُّ بها، للنِّعَم الَّتي تنالها، للعلامات الَّتي يجب أنْ تُعرَف على ضوئها كيف تقرأَ في ذاتها وحول ذاتها. فيجب بالتَّالي أنْ تُعطى الصَّلاة حدًّا أدنى من الانتباه والاحترام والمعرفة هي تستحقُّها حتمًا كونها عملًا من أعمال الله، أو على الأقلِّ للأسباب الَّتي تجعلنا نُعطي أشياء هذا العالم مِثل هذا الانتباه، وذلك لكي نتجنَّب في حياتنا ونشاطنا في الصَّلاة ضياعًا ناتجًا عن الجهل.
إنَّنا بدون التَّقدُّم في الصَّلاة لا نتقدَّم في الألفة مع الله، وفي ألفتنا هذه كُلُّ معنى عظَمة وداع الرَّبِّ في إنجيل يوحنَّا «أثبتوا فيَّ، أثبتوا في الله».. إنَّ ما يُبقينا في الله ويُعيد إبقاءنا فيه، ويُركِّزنا ويُعيد تركيزنا إذا ابتعدنا بسبب جاذبيَّة العالم هي الصَّلاة.
ويجب أيضًا أنْ نعرف أنَّ الصَّلاة ليست أبدًا عملًا بشريًّا وحسب. إنَّها الحقيقة العميقة جدًّا الَّتي تكلَّم عنها الرَّبُّ في الإنجيل نفسه (أثبتوا فيَّ، بدوني لا تقدرون أنْ تفعلوا شيئًا) وكرَّرها بولس الرَّسول من بعده: الصَّلاة عمل بشريٌّ وإلهيٌّ معًا في جميع الحالات ودائمًا.
في ميدان المادَّة والفيزياء لا نقدر أنْ نفعل شيئًا بواسطة مجرَّد المبادئ العامَّة... لا يكفي أنْ نقول للإنسان بأسلوب جميل أنْ يعيش حَسَب مشيئة الله، وإنَّما ينبغي أنْ نُرشِده ونُبيِّن له عند كُلِّ خطوة من خطواته ماذا يجب أنْ يعمل لكي ينجو من قبضة «جبابرة» الخطيئة (ويعني بهم الجهل واللَّإحساس الرُّوحيَّ واللَّامبالاة) الَّذين يقيمون العوائق المختلفة المتنوِّعة أمامه، وكيف يتقدَّم في حياة الفضيلة الَّتي تفتح الطَّريق إلى نور معرفة الله. لا شكَّ أنَّ اندفاع الإيمان أساسيٌّ للنَّفس المسيحيَّة الَّتي تلتمس الكمال. ولكن ضروريٌّ بالمقدار عينه أنْ تعرف معرفة دقيقة أصول الحياة الرُّوحيَّة والفخاخ الَّتي تقوم في طريقها وتعمل على إخماد نارها شيئًا فشيئًا... ولذلك نرى مؤلَّفات الآباء الفيلوكاليَّة تُعطي تِلك الأهمِّيَّة الكبرى ليقظة الذِّهن: إنَّنا لا نصِل إلى الغلب على أهوائنا فِعلًا... إلَّا بعد أنْ نعتاد أنْ نُدقِّق بانتباه في كُلِّ فكرة تأتينا فنطردها تلقائيًّا إذا كانت شريرة، أو نُطهِّرها ونُكسيها بذكر الله.
فيجب أنْ نتبنَّاها بشجاعة ورِقَّة معًا، فالشَّجاعة هي الوجه البشريُّ: في إلحاح، في عودة، في تعب. والرِّقَّة هي الوجه الإلهيُّ إذْ كثيرًا ما يهبُّ الرُّوح وقت الصَّلاة فيعبُر بنا ويُوقظ فينا حركات حبٍّ وحنان وتواضع نجهل أحيانًا معناها وأصلها، ولكنَّها نداءات من لَدُن الله لكي نتقدَّم درجة أخرى في طريقه.
وهناك حقيقة أخرى تنتج عن طبيعة الصَّلاة البشريَّة والإلهيَّة معًا هي أنَّ نصيبنا أنْ نصلِّي أينما كُنَّا وفي أيِّ وقت كُنَّا وكيف ما كُنَّا. إنَّ إثمار الصَّلاة لا تأتي منَّا، ليست نتيجة الجهد البشريِّ بل عطيَّة النِّعمة الإلهيَّة تُعطى لنا في الوقت واللَّحظة اللَّذين يحكُم فيهما إنَّها تفيدنا. علينا أنْ نقف دائمًا في الصَّلاة موقف المتجرِّدين فغاية الصَّلاة قبل كُلِّ شيء هي أنْ نُعطي الله ما هو له، أنْ نُعطيه حقَّه ولو كان لنا الحقُّ بل ولو كان علينا الواجب أنْ نحمل إليه وأمامه احتياجاتنا المشروعة. لأنَّ الصَّلاة هي أوَّلًا أنْ نُعيد لله ما هو له كما يُعلِّمنا سِرُّ الشُّكر الإفخارستيُّ الَّذي يتمُّ بعد تضرُّعنا الأخير الفريد: «الَّتي لك ممَّا لك نُقدِّمها لك». وبهذا على الصَّلاة أنْ تنتهي في عطاء ذات كُلِّيٍّ لأنَّنا نحن أيضًا مِلك الله، وهذه هي كرامتنا وهذا هو فرحنا.
نعم إنَّ الصَّلاة تغرس جذورها في واقع وضعنا الجسدانيِّ: في قلقنا وآلامنا ويأسنا وفرحنا وتجاربنا وحبِّنا... كُلُّ شيء يجب أنْ يسقي صلاتنا ويُغذِّيها ويُنمِّيها لأنَّ كُلَّ شيء يجب أنْ يُعبِّر عن ذاته في الصَّلاة ويبلغ بهذه الصُّورة إلى الله. بهذه الصُّورة يجب أنْ تملأ وتتخلَّل الصَّلاة كُلَّ أعمالنا وأحوالنا. ولكن يجب مع ذلك أنْ نجعل في يومنا وقتًا معيَّنًا لعمل الصَّلاة ونتقيَّد به حتَّى نستطيع تجسيدها وتتيح لها التَّعمُّق فينا.
نعم هناك شروط للصَّلاة ولكن الشَّرط الأساسيُّ هو أنْ نرغب في الصَّلاة. أنْ نرغب فيها، أعود فأقول، في أيَّة حالة من الضَّعف أو النَّقص كُنَّا فيها بل يجب أنْ نصلِّي لكي يمنحنا الله الصَّلاة.
وانطلاقًا من هذا الموقف بديهيٌّ أنَّه علينا أنْ نتقدَّم ونُصبح واعين في حياتنا. لأنَّ الصَّلاة تتطلَّب تحضيرًا عامًّا وخاصًّا. علينا بصورة عامَّة أنْ نحتفظ بضمير وقلب نقيَّين لكي لا نأتي أمام الله ككَذَبَة، أنْ تكون لنا إرادة في الابتعاد عن الأعمال والأفكار الشِّرِّيرة ورفضها أو على الأقلِّ إرادة في مقاومتها. ثُمَّ هناك حاجتنا الدَّاخليَّة لإيجاد ألفة مع عالم الله فذلك يتمُّ بواسطة مطالعة الكُتُب الرُّوحيَّة والكتاب المقدَّس بالدَّرجة الأولى، وأيضًا بواسطة الحياة الليتورجيَّة وتدريب الفكر والتَّأمُّل الشَّخصيِّ. لا نتوهَّم يا إخوة فإنَّه صعب دائمًا وصعب جدًّا أنْ نصلِّي عندما نكون قد فقدنا العبادة، عادة الأمور الرُّوحيَّة، وابتعدنا عن العيش بقرب الله الحيِّ. وفيما عدا التَّحضير العامِّ هناك ضرورة تحضير مباشر أكثر وذلك بالصَّمت الدَّاخليِّ، بإعداد أنفسنا للحديث مع الله والوقوف كما في حضرته.
والصَّلاة بدورها ستكون مربِّيَة كبرى لنا فهي مدرسة الإرادة والحرِّيَّة البشريَّة. وستُعلِّمنا الصَّلاة أنَّ الله يُعطي ذاته لنا بقدر ما نُعطي ذاتنا له، بقدر ما ننفتح لعطيَّته الكلِّيَّة منذ الأزل، لأنَّه هو الَّذي أحبَّنا أوَّلًا. قد تكون الصَّلاة تتطلَّب جهدًا خاصًّا شديدًا أكثر من غيرها، ومع ذلك فإنَّنا في تناقض غريب نخُصُّها بجهد قليل إلى الغاية أو نعتبرها عملًا سهلًا أو ثانويًّا. ينبغي أنْ نعرف، حتَّى لو كان علينا أنْ نمرَّ