الفصل الاول
لا نقصد اللّيتورجيا كطقس، بل اللّيتورجيا التي ما وراء الطّقوس. إنّ الطّقوس كمجموعة حركات بشريّة مختلفة ومتنوّعة تراثٌ ثمينٌ جدًّا في الأرثوذكسيّة. ولكن بداهة اللّيتورجيا ووحدتها تجعلانها تتجاوز كلّ شكلٍ للعبادة يتصوّره الإنسان أو يحقّقه.
فوراء كلّ ما يُقال وأبعد من كلّ ما يُقال عن اللّيتورجيا وأهمّيّتها وعظمتها ينبغي أن ننظر إليها دائمًا ونكتشفها دائمًا كمكانٍ لسرّ الله، كالواقع الأساسيّ لسرّ الله، كسرّ الله في آنِيَّتِهِ الأبديّة. إنّ اللّيتورجيا تمثّل المكان الإلهيّ المركزيّ (lieu théocentrique) الذي تنبع منه الكنيسة من عند الله، مكان وجود وتجمّع كلّ تدبير الله وقصده. إنّها على حدّ قول القدّيس مكسيموس المعترف «الغاية التي من أجلها خلق الله العالمين». إنّها واقع سرّ تجسّد المسيح وبذا تحتوي على كلّ تدبير الله. فكرامتها وأهمّيّتها كامنة في أنّها تعرض السّرّ الكامل: سرّ المسيح الذي هو جذر كلّ سرٍّ روحيٍّ آخر١.
فعلينا بالتّالي أن نكتشف اللّيتورجيا بهذا المعنى، أن ننمّي ونربّي فينا المفهوم اللّيتورجيّ هذا لندرك معنى اللّيتورجيا الكلّيّ من خلال الطّقوس، لأنّ الطّقوس قد تحجز عنّا هذه الكرامة الكبرى أو تظلمها. فلا ينبغي أن تبقى اللّيتورجيا خارج الإنسان: فإنّها للإنسان هي، إليه تتّجه وإيّاه تريد أن تبلغ وتدرك. ولا ينبغي أن يبقى الإنسان خارج اللّيتورجيا، بل عليه أن ينفتح لحقيقتها ويدعها تملأه من سرّها، أن يتشرّب من هذا السّرّ ويتحوّل به.
علينا أن ندخل اللّيتورجيا ونعيش من سرّها وقوّتها وحياتها؛ لأنّ هذا بالضبط هدفها: أن تبلغ إلى مبادلة حياة، إلى شركةٍ واتّحادٍ بين الإنسان والله، إلى أن يتجلّى المخلوق من قبل اللّامخلوق. هذا وتعطينا اللّيتورجيا المسيح الكامل، ملء المسيح، في ثلاثة مجالات أو صعد:
أ ـ الصّعيد السّماويّ
كثيرًا ما تُسمّى اللّيتورجيا «اللّيتورجيا السّماويّة» بل «الإلهيّة»، فهذا يعني أنّ اللّيتورجيا هي في جوهرها المسيح الإله في وضع المجد السّماويّ، جالسًا عن يمين الآب وممارسًا سيادته وملكه على كلّ الخليقة: «المسيح الغالب».
إنّ سفر الرّؤيا (وخاصّةً الأصحاح الخامس منه) يفتح أمامنا باب اللّيتورجيا الأبدية... إنّ عالمنا الحاضر غير أبديّ. كلّ شيءٍ فيه يزول والإنسان يحنّ حنينًا إلى الأبديّة، إلى الخلاص والرّاحة واليقين. ولكن حنين الإنسان هذا حقّقه المسيح: «صار الله إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا». لقد انفتحت السّماوات فعلاً وحقًّا (ليس مادّيًّا بالطّبع). أصبح باستطاعة الإنسان أن يتجاوز هذه الأرض ويتسامى عنها. «إنّ الحقيقة غير الأبديّة ليست بحقيقةٍ وإن دامت مليون سنةٍ» (نيتشه). فلا حقيقة إلّا في الأبديّة. ولكن هذه اتّصلت بالإنسان. الأبديّة اتّخذت الصّورة البشريّة والشّكل البشريّ. صارت في متناولنا وأضحى الإنسان قادرًا على النّجاة من الزّمن والموت، من القلق والشّكّ والفساد.
فاللّيتورجيا تعني وتمثّل هذه الخليقة الجديدة التي دشّنها المسيح ولذلك تتّسم بطابع الظّفر (ولذلك لا يُقام القدّاس الإلهيّ أيّام الصّوم الكبير علامةً للحداد). إنّ سفر الرّؤيا يرينا غلبة الخليقة الجديدة وتهليلها وابتهاجها وغبطتها. إنّها غلبة كلّ لحظةٍ على كلّ ما في العالم من ظلمةٍ وفساد... إنّها لقاء الزّمن والأبديّة: طالع الأصحاحين الرّابع والخامس من سفر الرّؤيا: إنّه «يوم الرّبّ» (يوم الأحد) والرّسول يوحنّا الحبيب منفيٌّ في جزيرة باتموس، محرومٌ من القدّاس الإلهيّ، فيعطيه الرّبّ أن تنفتح السّماء له ليرى اللّيتورجيا كما هي في السّماء أي حقيقة اللّيتورجيا التي على الأرض: تسبيح الظّفر من الملائكة والبشر ملتفّين وساجدين حول الخروف المذبوح والحيّ في آنٍ واحد.
ب ـ الصّعيد الكنسيّ
هذا جوهر اللّيتورجيا: إنّه سرّ تدبير المسيح، التّدبير الذي يقود إلى الصّليب، ذبيحة المحبّة الاختياريّة، ذبيحة خلق المحبّة... ثمّ إلى القيامة التي بها المسيح قد تمجّد. فيجب إذن أن نعرف أنّه ليس في الأساس سوى مذبحٍ واحدٍ وليتورجيا واحدةٍ: هو وهي المسيح نفسه قائمًا من بين الأموات. فاللّيتورجيا الأرضيّة ليست سوى تحقيق اللّيتورجيا السّماويّة بصورةٍ سرّيّة: إنّها استحضار لليتورجيا السّماويّة وتحقيق لهذا السّرّ: أعني انفتاح الزّمن للأبديّة انفتاحًا ظافرًا وانفتاح الأبديّة للزّمن.
وإلى أن ينقضي الزّمن ويعود المسيح الظّافر في مجيئه الثّاني المجيد، تفعل اللّيتورجيا في الزّمان والمكان لتحولهما إلى المسيح. ففي اللّيتورجيا الإفخارستيّا خاصّةً تنشأ الكنيسة في وسط العالم ويُقدَّس الكون ويُؤلَّه الإنسان. لأنّ الأزمنة في الإفخارستيّا وجدت كمالها وملأها. فمنذ أن خُلقت الدّهور كانت تتّجه وتسير نحو تلك اللّحظة. ولذا نرى الكتاب المقدّس يزداد كثافةً كلّما اقتربنا فيه من اللّيتورجيا الأولى، يوم عشاء الرّبّ السّرّيّ مع تلاميذه. إنّه الوقت الذي يعلن فيه الله ذاته للإنسان نهائيًّا وحقيقةً في وضعه الجسديّ بل يصير طعامًا وغذاءً للإنسان. ثمّ منذ أن كانت الإفخارستيّا، وابتداءً من ذلك المحور، محور دخول الرّبّ في الزّمن دخولًا متّصلًا، أصبحت الدّهور مليئةً من حياة الرّبّ عينها.
هذا ما تعبّر عنه مجموع الطّقوس والخدم المقدّسة (hiérurgies) التي تحمل اسم «الخدمة الإلهيّة» عامّةً. إنّها تستمدّ قوّتها من الإفخارستيّا وتقود المؤمن إلى الإفخارستيّا. إنّها تغدق البركات على الأرض، بركات الخلاص النّاجم عن تجسّد الرّبّ (ولذلك يجب الإكثار منها)٢.
ذلك لأنّ سرّ الخلاص الذي أتمّه الرّبّ، أعني اتّحاد الخليقة بالخالق، لم ينتهِ: إنّه يستمرّ ولا يزال يُتَمُّ... إلى أن يصبح الله الكلّ في الكلّ. إنّ اللّيتورجيا في صعيدها الكنسيّ توحّد الكون. الخطيئة تحطيمٌ للوحدة وفقدانٌ لمركز ثقل الكون. أمّا اللّيتورجيا فتجمع كلّ شيءٍ وكلّ البشر إلى واحدٍ وتقدّم التّمجيد الواجب لله لكي تعدّ الأرض للتّجلّي الأخير.
ج ـ الصّعيد الدّاخليّ
ولكن اللّيتورجيا بحسب متطلّباتها الدّاخليّة الأخيرة لا تتمّ أبدًا إلّا إذا بلغت أن تُقام على مذبح قلوبنا (إذا جاز القول) ومن قبل إنساننا الدّاخليّ. إنّ غاية الإفخارستيّا تدلّ على ذلك: لقد صُنعت لكي يتمثّلها الإنسان كلّيًّا في دمه وفي جسده، لكي تختلط وتندمج بالإنسان وتصير له بمثابة المبدأ الجديد الصّميميّ للحياة.
لقد قال القدّيس كيرلس الإسكندريّ إنّنا: «بالإفخارستيّا نصير من دم المسيح وجسده». وهذا يعني أنّ اشتراكنا في اللّيتورجيا يجب أن ينفتح دائمًا ويؤدّي دائمًا إلى تمثيلٍ حيٍّ لله — كما نمثّل الطّعام — إلى أن تنبت فينا حياة الله ويتحوّل الإنسان من كائنٍ حيوانيٍّ إلى كائنٍ ليتورجيٍّ٣.
واللّيتورجيا الدّاخليّة هذه لا بدّ منها أيضًا بدليل قوام الطّقس نفسه: فلأجل إقامة اللّيتورجيا كان لا بدّ منذ البدء (في الشّرق والغرب على السّواء) من المذبح أو من مذبحٍ متنقّلٍ (الأنديميسيا) قوامه بقايا الشّهداء. وهذا يعني أنّ المذبح الحقيقيّ إنّما هو الإنسان المحوّل إلى المسيح حتّى آخر حدود إمكانيّات الطّبيعة البشريّة: حتّى الاستشهاد الذي هو بمثابة إفخارستيّا. وفي رسالة القدّيس اغناطيوس الأنطاكيّ الشّهيرة إلى أهل رومية تعبيرٌ رائعٌ عن هذه الحقيقة (والمعروف أنّ روحانيّة القدّيس الأنطاكيّ روحانيّةٌ ليتورجيّةٌ مائةً بالمائة)٤.
إذن هذا هو طريق التّحوّل اللّيتورجيّ المعبّر عنه بضرورة الأنديميسيا، والحدود هي الاستشهاد: «لأعرفه وقوّة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات» (في ٣: ١٠). ذلك لأنّنا بالاغتذاء من المسيح يجب أن يصبح لنا فكر المسيح الذي هو فكر ذبيحةٍ ومحبةٍ وفرح. إنّ دم المسيح أصبح دمنا. والمسيحيّ تعريفاً يتميّز عن العالم بأنّه يأخذ نهج حياته عن المسيح لا عن العالم، فتزدهر فيه الذبيحة عينها التي بها يكمل نهج حياته: إنّنا لا نستطيع المضيّ والبقاء في حياة المسيح دون تلك الذّبيحة، دون روحانيّة القربان، روحانيّة حبّة الحنطة التي تموت.
إذن إنّ الصّعد الثّلاثة السّابق بيانها التي للسّرّ اللّيتورجيّ لا نستطيع أن نفصلها: فهي تبني الكنيسة في حقيقتها الكاملة، الكنيسة التي قوامها المسيح نفسه: في السّماء شخصيًّا، وفي جسد الكنيسة سرّيًّا، وفي حضرة القلب التي لا حياة مسيحيّة بدونها. إنّها تبني الكنيسة التي قوامها المسيح نفسه والتي فيها روحه القدّوس منسكبٌ.
ثمّ إنّ لليتورجيا معنًى نبويًّا قويًّا جدًّا: إنّها تعلن وتحقّق دخول الخليقة التّدريجيّ في وضعها الجديد. فمكان اللّيتورجيا أوّلًا لا حدّ له ولا نهاية: هي تمتدّ من قبل خلق العالم (الخروف المذبوح قبل خلق العالم، السّرّ الخفيّ منذ الدّهور) وتستمرّ إلى ما بعد نهاية الأزمنة جامعةً كلّ شيء: السّماء والأرض، الملائكة والبشر، القدّيسين والأشرار، المادّة الصّمّاء والنّفس العاقلة.
وزمان اللّيتورجيا أيضًا لا حدّ له ولا نهاية: ففيها الزّمان المخلوق والأبديّة متداخلان تداخلًا صميميًّا. اللّيتورجيا تبدأ بالإعلان «مباركةٌ هي مملكة الآب والابن والرّوح القدس» وهو إعلان الدّخول في مملكة الله. أمّا البركة الأخيرة فيها (على المذبح) فتتمّ بالإعلان «لأنّك أنت هو تقديسنا». فاللّيتورجيا هي «فحوى» هذا الزّمن: زمن تقديسٍ وتحضيرٍ لدخول أبديّة الله، الزّمان الأخرويّ الإسخاتولوجيّ.
ولكن اللّيتورجيا هي الزّمن الأخرويّ كفاعلٍ وعامل: إنّها لا تتمّ بدون الإنسان. لا يخضع لها الإنسان كشيء، بل يتبنّاها كذاتِ حرٍّ واعٍ محبٍّ، ليصبح هو كاهن الكون وعلى هذه الصّورة روح الله يضبط روح الإنسان ويملكه صميميًّا، والإنسان «يلتصق بالله ويضع رجاءه عليه» (صلاة قبل المناولة).
ففي اشتراكنا في اللّيتورجيا إذن حركةٌ مزدوجةٌ كحركة قلبنا وتنفّسنا. إنّ تنفّسنا الظّاهر في اللّيتورجيا هو بالنّتيجة تنفّسنا في الإيمان: «هذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا» (١ يوحنّا ٥: ٤). إنّ الحركة الأولى في هذا التّنفّس حركة تقلّص: حركة أخذٍ والتصاقٍ باللّيتورجيا في مركزها ومحورها القويّ أعني الذّبيحة الإفخارستيّة وكلّ الحياة «السّرّيّة» حول الذّبيحة الإفخارستيّة. ثمّ حركة امتداد: نصبح حاملين الله فيجب أن نُشِعَّ ونشهد حتّى آخر حدود حياتنا عن السّرّ الذي يتمّ معنا وفينا.
هذا هو واقع اللّيتورجيا وعالمها وسرّها فيما وراء الطّقوس، وكما تريد أن تعبّر عنه. (راجع بصورةٍ خاصّةً الأنافورة التي للقدّيس باسيليوس الكبير: قدّاس باسيليوس الكبير، صلاة رفع القرابين والاستحالة، كتاب الأفخولوجي الكبير، طبعة ١٩٥٥، صفحة ١٤٠ إلى ١٤٦).