|

الفصل الثالث

الانتماء الى الكنيسة بالطقوس

ننتمي إلى الكنيسة بالطّقوس عامّةً أي بمجموعة الرّموز والحركات (من شموعٍ وبخورٍ ودوراتٍ وغيرها) وكلّ ما تقيمه الكنيسة من خِدَمٍ لتسبيح الله وتقديس المؤمنين بما فيها الأصوام وأفاشين التّقديس المختلفة والأسرار الكنسيّة السّبعة وفي النّهاية والقمّة القدّاس الإلهيّ.

والحقيقة إنّنا لا ننتمي فقط إلى الكنيسة بالطّقوس بل نعيش بها في الكنيسة، نعيش حياة الكنيسة وسرّها الإلهيّ.

أهمّيّة الطّقوس ومبدأها وماهيّتها في الكنيسة

  • آ - إذا أردنا أوّلًا أن نتبيّن مكانة الطّقوس عامّةً في حياة الإنسان، بصرف النّظر عن طقوس الكنيسة، رأينا أنّ معظم نواحي حياتنا الاجتماعيّة مرتّبةٌ وفق طقوسٍ. ففي الحقل السّياسيّ والدّبلوماسيّ مثلًا، أو في الحقل القضائيّ، أو في الحقل الرّياضيّ نرى الأمور تجري وفق «بروتوكولٍ» معيّنٍ وألبسةٍ خاصّةٍ وأعلامٍ أو شاراتٍ وهتافاتٍ وتحرّكاتٍ وغيرها. وكذلك في احتفالات الأعياد الرّسميّة والموسميّة الشّعبيّة (كمهرجان الزّهور مثلًا) وفي بعض الجمعيّات الّتي تتّخذ لها رموزًا خاصّةً، بل إنّ مظاهر حياتنا الاجتماعيّة العاديّة أحيانًا، كالولائم وغيرها، لا تخلو من طقوسٍ أو شبه طقوسٍ بقدرٍ. وليس هذا كلّه سوى تعبيرٍ عن رغبةٍ خفيّةٍ أو حاجةٍ في الإنسان إلى الانتقال بحياته إلى مجالٍ آخر غريبٍ ومتعالٍ، إلى تُخُمٍ أو أفقٍ آخر يتجاوز الإنسان ويعلو عليه. وهذه الظّاهرة تتجلّى بوضوحٍ في الدّيانات. فالدّيانات منذ أقدم العصور تركّزت تلقائيًّا حول الطّقوس، سواء أكانت برقصاتٍ وصرخاتٍ وطبولٍ أو بمحرقاتٍ وذبائح. وطقوس الدّيانات كلّها تقدّم إلى الإله أو الآلهة كيفما سمّيت، إلى ذاك الشّخص المتعالي، أو ذاك العالم المتعالي الّذي يفوق الإنسان، لكي ينال منه الإنسان الرّضا والحماية والحياة. فالطّقوس إذًا في حياة الإنسان وتاريخه وطبعه أداةٌ ووسيلةٌ للاتّجاه إلى فوق، إلى العالم الآخر، إلى الله. بها نتوجّه ونحاول أن نبلغ إليه.
  • ب - أمّا في الكنيسة فالطّقوس هي بالعكس تعبيرٌ وإناءٌ لمجيء الله إلى الإنسان. لأنّ الله لا يبلغ إليه بل هو الّذي يأتي. ومنذ أن أتى ولبّى رغبات الإنسان في الصّميم أضحت الطّقوس في الكنيسة تعبيرًا، كما قلنا، ومكانًا لهذا المجيء. لأنّ الله قد تجسّد فالطّقوس في الكنيسة لم تعد مجرّد ظاهرةٍ طبيعيّةٍ أو تضرّعاتٍ إلى الله بأشكالٍ مختلفةٍ، بل أصبحت تنقل شيئًا، تشهد، تهيّئ إلى شيءٍ وتقدّمه، تروي لنا أوّلًا ذلك التّجسّد وكلّ عمليّة الفداء والخلاص ولكنّها لا ترويه فقط بل تضعه أمامنا في حقيقته الأبديّة مستحضرةً إيّاه في الزّمن. إنّ الطّقوس الكنسيّة والحالة هذه هي إذًا أكثر من طقوسٍ إذا جاز القول. منذ الآن أقول إنّ من خلالها يحضر المسيح حقيقةً وهو غير منظورٍ. ليس كالعَلَم (بفتح العين واللام) مثلًا: فالعَلَم يرمز إلى الوطن ولكنّه ليس الوطن، أمّا طقوس الكنيسة فترمز إلى المسيح وتدبيره الخلاصيّ ولكنّها أيضًا تحويه. تحوي حضوره: ميلاده وظهوره للنّاس وتعاليمه وصلبه ودفنه وقيامته من بين الأموات.. وفي النّهاية تحوي جسده ودمه عينهما في الخبز والخمر: «هذا هو جسدي.. هذا هو دمي..». الطّقوس في الكنيسة هي أكثر من طقوسٍ: هي مجموعة رموزٍ لا تمثّل الحقيقة الرّوحيّة بل تحقّقها.
  • ج - ولكن لماذا الطّقوس وما الحاجة إلى أن تكون هي مكانًا لالتقبال الله؟ ما الحاجة إلى شيءٍ حسّيٍّ منظورٍ ليعكس الرّوح غير المنظور؟ ذلك لأنّ الإنسان حسّيٌّ، جسدٌ وروحٌ. الإنسان من الأرض جُبِل (بضم الجيم)، ومن أرضه المنظورة والملموسة وبواسطة حواسه أوّلًا ينطلق إلى غير المنظور. سنبيّن فيما بعد ضرورة إحياء الطّقوس من الدّاخل وعيشها بصورةٍ شخصيّةٍ وحرّةٍ، لأنّ ديانتنا تبقى ديانة القلب في الدّرجة الأولى. ولكن هذا لا يمنع من أنّ الإنسان أيضًا بجسده يعبّر ويعيش، بجسده يسبّح ويسجد، بل يؤمن، برسم صليبٍ وترتيلٍ وسجودٍ.. «قدّموا أجسادكم ذبيحةً حيّةً مقدّسةً مرضيّةً عند الله عبادتكم العقليّة» (رو ١٢ : ١). الإنسان لا يتجزّأ عن جسده. ثمّ الله لمّا تجسّد اتّخذ وضع الإنسان الجسديّ الأرضيّ بكامله (ما عدا الخطيئة). لقد تبنّى طبيعتنا بجملتها، بتركيبها وطرق فهمها وطرق تعبيرها، لكي يعود بنا بها إلى الآب. مارس الطّقوس اليهوديّة، تلا المزامير مع تلاميذه وصنع الفصح كما نعلم، ثمّ حوّلها آنيةً ومحلًّا لخلاصه وفصحه هو. أتى إلينا حيث نحن لكي من حيث نحن نتقبّله، ونستطيع أن نتقبّله. قدّس أرضنا وموادّها لكي يتمّ خلاصه في أرضنا ومن خلالها.. إنّ الطّقوس إذًا كما نرى مبنيّةٌ على طبيعة الإنسان وعلى سرّ التّجسّد في آنٍ واحدٍ. ولذا فإن أنكرنا مبدأ الطّقوس في الكنيسة أو أهملناه نكون قد أنكرنا بالنّتيجة وأهملنا سرّ التّجسّد، أي تغرّبنا عن كامل محتواه ونتائجه وفاعليّته فينا.. هذا وفي الواقع لا بدّ عمليًّا من طقوسٍ ولا مفرّ منها مهما كانت مجرّدةً ومختصرةً وفقيرةً. لا مجال للتّخلّي عن الطّقوس كلّيًّا. ولكن سرّ التّجسّد ليس سرّ فراغٍ وفقرٍ بل هو سرّ كلّ غنى الله على الأرض، سرّ قوّة الله وملئه في الأرض الجديدة الّتي الكنيسة باكورتها.
  • د - ونلاحظ أيضًا أنّ للطّقوس دورًا في تاريخ عمليّة الخلاص إذا جاز القول. بعبارةٍ أخرى كان لله قصدٌ من وراء الطّقوس منذ العهد القديم وهي لا تزال الآن تحمل قصدًا إلهيًّا في الزّمن. ففي العهد القديم نرى مثلًا ملكيصادق الملك الّذي يحوطه السّرّ والمدعوّ كاهن الله العليّ، ملك شليم أو أورشليم، يخرج خبزًا وخمرًا عند مباركته لأبرام، راسمًا بذلك مسبقًا ذبيحة المسيح وعشاءه السّرّيّ. كذلك ذبيحة إبراهيم لإسحق ابنه الرّامزة لذبيحة المسيح، حتّى إذا جاء المسيح وتمّمها مع بقيّة الذّبائح والفرائض الموسويّة كفّ الطّقس عن أن يكون صورةً وظلًّا ليعبّر عن ملء... ولكن بين الطّقس وتحقيقه مسافةً في الزّمن كما نلاحظ. فكلّ طقوس العهد القديم مبنيّةٌ في الأساس على وعد الله لإبراهيم أبي المؤمنين وكانت تقام انتظارًا لتحقيق الوعد. هناك إذًا مسافةٌ، انتظارٌ، نوعٌ من حركةٍ، كأنّ الطّقوس متّجهةٌ إلى ما أبعد منها، كأنّ فيها حركةً داخليّةً إلى ما أبعد منها وأعلى. وهذا صحيحٌ حتّى في العهد الجديد، أي في الكنيسة، مع الفارق. ففي طقوس الكنيسة يحضر المسيح سرّيًّا كما رأينا ولكنّنا لا نزال ننتظر أيضًا حضوره الكامل في مجيئه الثّاني المجيد، ولا نزال نطلب هذا المجيء. طقوس الكنيسة تحوي المسيح سرّيًّا ولكنّها مع ذلك، بل لأنّها تحويه سرّيًّا، متّجهةٌ داخليًّا بأكثر لهفةٍ وحرارةٍ إلى كامل ظهوره ومجده، إلى «نهار ملكه الّذي لا يغرب أبدًا» (من تراتيل قانون الفصح). هذا هو إذًا فحوى الطّقوس بالنّسبة للتّاريخ والزّمن: حضرةٌ ولكن أيضًا ترقّبٌ وانتظارٌ، رؤيةٌ ومع ذلك تطلّعٌ إلى الأمام، نوعٌ من مشادّةٍ، من حركةٍ داخليّةٍ تجعل الطّقوس في كيانها غير جامدةٍ وغير متوقّفةٍ، بل فيها عملٌ، فيها تيّارٌ، هو تيّار الكنيسة عينها حيث يعمل الله ولا يزال يعمل. فقضيّة الانتماء إذًا هي قضيّة الدّخول في تيّار الطّقوس من أجل الدّخول في تيّار الكنيسة وعمل الله فيها وفي العالم بواسطتها.

وظيفة الطّقوس عمليًّا في الكنيسة

ما هي عمليًّا وظيفة الطّقوس وكيف بها ننتمي إلى الكنيسة الانتماء الّذي نتكلّم عنه؟ جوابًا عن هذا السّؤال سنورد هنا النّقاط الّتي تبيّن وظائف الطّقوس الرّئيسيّة:

  • آ - إنّنا ننتمي إلى الكنيسة بالطّقوس أوّلًا عن طريق الأسرار الكنسيّة السّبعة، ابتداءً من سرّ المعموديّة. إنّ سرّ المعموديّة وسرّ الشّكر هما في هذا المضمار السّرّان الرّئيسيّان - الأساس والقمّة - النّابعان من جنب المخلّص بالماء والدّم الكريمين. ولكن يمكن القول بصورةٍ عامّةٍ إنّ الأسرار الكنسيّة ينطبق فيها أكثر ما ينطبق مفهوم السّرّ الرّوحيّ الّذي ذكرناه آنفًا والّذي يمدّ حضور المسيح بيننا حضورًا حقيقيًّا غير منظورٍ من وراء المادّة المنظورة بالأسرار الكنسيّة المنظورة (بالماء والدّم..) نأخذ خلاص الله ونعمته سرّيًّا ولكن بصورةٍ «عضويّةٍ» إذا جاز القول (من جنب المخلّص..)، نأخذ شيئًا من حياة الله. الأسرار الكنسيّة بالنّتيجة تعطينا الله لكي تحوّلنا إليه. تلدنا في الله. وهذا معنى كلمة «مسيحيّين» أي منه، من طبيعة المسيح. هي تسكب فينا نعمة الرّبّ فتفعل فينا فعل حياةٍ، فعل خلقٍ روحيٍّ بشكلٍ سرّيٍّ دون أن ندري كيف، على مثال الطّعام الّذي يبقينا في الحياة دون أن ندري كيف. ولذا فهي، كلّ سرٍّ في وقته وفي ظرفه، أداة ولادةٍ لنا ونموٍّ في الرّبّ إلى أن نبلغ إلى ملء قامته، ولذا تطابق أهمّ أطوار حياتنا: الولادة، الزّواج أو الكهنوت.. المرض والموت.. ولذا فإنّ البعض منها كسري التّوبة والشّكر، جُعِل للممارسة المتكرّرة المتواترة، للتّجدّد والاغتذاء الدّائم. وقد تكلّم الرّبّ يسوع إصحاحًا كاملًا في إنجيل يوحنّا ليقول ويردّد: «جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ.. من لا يأكل جسدي ويشرب دمي ليست له حياةٌ فيه» (يو ٦). بالأسرار الكنسيّة تنبت حياة الله فينا وتغيّرنا. تؤلّهنا كما يقول الآباء، تجعلنا مشاركين الطّبيعة الإلهيّة كما يقول بطرس الرّسول، لأنّه ما قيمة تجسّد المسيح وانحداره إلى أعماق طبيعتنا إن لم يكن ليعطينا حياته الإلهيّة؟ ولكن ممارسة الأسرار ليست من باب الامتلاك ولا من باب الاكتفاء، لأنّ الله لا يمتلك بل يسعى إليه وهو الّذي يأتي كما قلنا. ونحن في الأسرار ننال «عربون» الحياة ونطلب المجيء الكامل «بأكثر حقيقيّةً» كما نقول في القدّاس الإلهيّ. فممارسة الأسرار هي إذًا لا من باب الاكتفاء بل من باب الفقر والعوز، من باب الانفتاح المؤمن والامتداد نحو الله، لأنّ منه هي عين الحياة.
  • وبالإضافة إلى الأسرار الكنسيّة السّبعة هناك خِدَم الخِدَم التّقديسيّة الّتي تطهّر وتقدّس الإنسان في ظروف حياته وبيئته كلّها، كالصّلاة على الولادة والمرضى والموتى وتقديس الكنائس والأيقونات ومباركة الطّعام والحقول والمياه.. لقد قدّس الرّبّ الخليقة بوجوده على الأرض وسيره فيها ومشاهدته الطّيور واعتماده في المياه.. وشفى المرضى وبارك الأولاد.. وأعطى تلاميذه القوّة نفسها. والخِدَم الّتي نحن بصددها تواصل بركات الرّبّ هذه وتحملها إلى الكون كلّه لأنّ الخليقة أيضًا تئنّ وتتمخّض متوقّعةً التّبنّي والعتق من عبوديّة الفساد (رو ٨). ولذلك نكثر أيضًا من هذه الصّلوات كرشّ البيوت بالماء المقدّس ووضع الصّلبان والأيقونات في المنازل وغيرها «لتطرد القوّات الشّرّيرة وتسهّل العلاقات بين البشر». وهكذا فإنّ الطّقوس في وظيفتها هذه الأولى - الوظيفة السّرّيّة - تمنح نعمة الرّبّ وتنشرها في الكون حتّى تتقدّس بها الطّبيعة شيئًا فشيئًا وتتحوّل من جديدٍ إلى الله بالمسيح «الّذي به جميع الأشياء ونحن به» (١ كو ٨ : ٦).
  • ب - أمّا وظيفة الطّقوس الثّانية فهي الوظيفة الجماعيّة أي الّتي ننتمي بها إلى الكنيسة عن طريق الجماعة، شركة المؤمنين المتألّفة حول الرّبّ. إنّ اجتماع المؤمنين أمرٌ بديهيٌّ كما رأينا والطّقوس هي الّتي تجمعهم. لماذا؟ النّاس عندما يلتئمون يلتئمون عادةً لغرضٍ أو فكرةٍ ما أو حول شخصٍ، ويميلون إلى تأليف وحدةٍ حول ذلك الغرض أو ذلك الشّخص. ونحن حين نجتمع في الطّقوس نجتمع أصلًا لنؤلّف وحدةً، ووحدةً حول المسيح. حين ابتدأ الرّسل يجتمعون بعد القيامة والعنصرة كانت اجتماعاتهم مليئةً بذكر المعلّم وبحياته وأقواله وطيفه، بل كانوا يجتمعون من أجل ذكره وحوله، ليصنعوا ما أوصاهم به لذكره.. وكان قد قال لهم: «إذا اجتمع اثنان أو ثلاثةٌ باسمي أكون في وسطهم». وذكره هذا واسمه وحضوره بينهم كان يوحّدهم، يجعلهم جماعةً واحدةً وشركةً، جسدًا واحدًا به وفيه: تلك هي وظيفة الطّقوس الّتي نحن بصددها. إنّنا عندما نجتمع حقًّا كتلاميذ للرّبّ، حول الحمل وحول الكلمة وحول أعياد السّيّد، نختبر في داخلنا هذا الشّعور بالجماعة، بالجسد الواحد، فتصعد صلاتنا حقيقةً وتلقائيًّا بفمٍ واحدٍ وقلبٍ واحدٍ، ونجيب بعضنا بعضًا كالملائكة قدّوسٌ قدّوسٌ قدّوسٌ المجد لك يا الله، ونرتّل «المسيح قام» يوم الفصح كإنسانٍ واحدٍ، ونسجد في العنصرة سجدةً واحدةً.. واختبارنا لهذا للجماعة الواحدة (وأيضًا لوحدة كلّ البشر، الّذين في البحر بعيدًا وفي كلّ مكان سيادته كما نقول في صلاة نصف اللّيل والسّحر) يقرّبنا من حقيقةٍ أخيرةٍ من أعمق الحقائق وأرهبها أعني بها كوننا واحدًا وواحدًا في الوقت ذاته، على صورة الثّالوث القدّوس، الثّلاثة في واحدٍ.. لا نستطيع الخوض في هذا السّرّ الرّهيب ولا إدراكه. ولكن لا شكّ أنّ الطّقوس تجمعنا باسم المسيح لتوحّدنا بروحه القدّوس، على صورة الله الثّالوث، «لتجمع أبناء الله المشتّتين إلى واحدٍ»، «ليصيروا واحدًا كما نحن». بعبارةٍ أخرى لشركتنا بالله سرّيًّا وتعطينا إيّاه في هذا الشّكل وعلى هذه الصّورة: في الجماعة. وهذا هو معنى الآية «أكون في وسطهم». إنّ اجتماعنا باسمه يجعله في وسطنا فنتّحد بعضنا ببعضٍ وبه ونصير واحدًا فيه.
  • ج - قلت إنّ الطّقوس تجمعنا حول الحمل وحول الكلمة وحول أعياد الرّبّ. إنّ اجتماعنا حول الحمل في العشاء السّرّيّ هو القمة. ولذا صلاتنا في الطّقوس تختلف عن صلاتنا الفرديّة، وهذه لا تستطيع أن تقوم مقامها. في الكنيسة يصير لنا وضعٌ آخر، هويّةٌ أخرى، لأنّنا نصلّي صلاة الكنيسة. إنّني أشعر حينذاك أنّني أصلّي لا صلاتي أنا بل صلاة الكنيسة وأنشد نشيد الكنيسة وأسجد سجود الكنيسة. أصلّي وأسجد بدون كلفةٍ ولا إجهادٍ لأنّ صلاة الكنيسة هي الجارية وهي تسندنا وتحملنا في صلاتنا. نحن ندخل ونشترك فيها وبقوّتها أكثر ممّا نصنعها، لأنّ قوّة الرّوح القدس فيها وهو قائدها.. ولذلك لا عبرة هنا لقيمة الكاهن الشّخصيّة ولاستحقاقاته أو عدم استحقاقاته. صلاة الكنيسة فوق الكاهن وأعلى وأوسع منه ومنا بكثيرٍ. يكفي فقط أن ندخل حقًّا في الصّلاة الجماعيّة ونتجاوز أنفسنا رغم عدم استحقاقنا أو تفرّقنا لنأخذ من روح الرّبّ نعمةً واتّحادًا ومحبّةً على صورته.

ضرورة إحياء الطّقوس شخصيًّا

وبهذا نأتي إلى القسم التّالي وهو ضرورة إحياء الطّقوس شخصيًّا وقلبيًّا وإعطائها معناها الدّاخليّ الأخير، وإلّا انقلبت مظاهر فارغةً وعاداتٍ متتحجّرةً تحجبنا عن الله بدل أن توصلنا إليه.

  • آ - وقبل أن نعالج هذه النّقطة عمليًّا لا بدّ من القول إنّ ممارسة الطّقوس واختبارها عميقًا على الصّورة الّتي شرحناها ليس أمرًا بعيد المنال مثاليًّا بل كلّ من يحاول حقيقةً أن يحياها يختبر بسهولةٍ التّيّار الإلهيّ الّذي فيها. وهناك كثيرون جدًّا ممّن يلقون في ممارسة الطّقوس تعزيةً وقوّةً وفرحًا وازدهارًا لحياتهم كلّها. بل هناك كهنة رعايا يؤخذون أحيانًا بالقدّاس الإلهيّ لدرجة أنّهم يغيبون عن كلّ شيءٍ أرضيٍّ ويقضون فترةً في الدّموع الهادئة والصّمت في نوعٍ من اختطافٍ. يكفي أن ندخل في التّيّار. الطّقوس في الكنيسة مبنيّةٌ على سرّ التّجسّد كما رأينا، تتّبع حركة التّجسّد: «خرجت من عند الآب وأتيت إلى العالم وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب». ففي الكنيسة حركةٌ، دورة نعمةٍ بين السّماء والأرض هي بالنّتيجة حركة الإيمان الّذي يصل الأرض بالسّماء. بالإيمان رجال الله في العهد القديم، القضاة والأنبياء، قهروا ممالك، صاروا أشدّاء في الحروب، رُجِموا، نُشِروا.. ولم ينالوا الموعد منتظرين شيئًا أفضل. وبالإيمان أندراوس وفيلبّس ونثنائيل لمّا دعوا أوّلًا آمنوا فسمعوا السّيّد يقول: «سترون السّماء مفتوحةً وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر». فمتى دخل المؤمن في التّيّار حُمِل به. ولكنّ الدّخول في حركة الإيمان لا يخلو من صعوباتٍ وجهادٍ كما نعلم. وكذلك الدّخول في دورة الطّقوس، في سبل نعمة الإيمان والخلاص في الكنيسة، يتطلّب جهدًا. فلا نستبعدنّ إذًا الجهد ولكن جهد هيّن بالنّتيجة بمعنى أنّه جهد خروجٍ. يكفي فقط أن نخرج، أن نجاوز أنفسنا، أن ندع أنفسنا نُجرَف ونُحمَل فيحملنا التّيّار. الإيمان نفسه ليتورجيا. ليس الإيمان بالعقل، الشّياطين يؤمنون أيضًا ويرتعدون. ولكن الإيمان تسبيحٌ، خروجٌ، فصحٌ. فإذا كان الإيمان مثاليًّا فحياة الطّقوس إذًا مثاليّةٌ أيضًا وإلّا فلا. إنّ الإيمان معرّضٌ دائمًا للتّحجّر، وينبغي تجديده على الدّوام. وكذلك حياتنا في الطّقوس. لا ندعها تتحجّر.
  • ب - لا حاجة للإسهاب نظريًّا في بيان كيف تتحجّر الطّقوس عند النّاس وتفقد معناها. فإذا جهلنا جوهرها أو نسيناه أو أهملناه وابتعدنا عنه تصبح: إمّا أشكالًا فارغةً وعاداتٍ قديمةً يملّ منها المرء ويهجرها، لا تعود تعبّر له عن أيّ معنىً، ومن الطّبيعيّ حينذاك أن يبتعد عن الخِدَم والقدّاس، وكثيرًا ما تهجر كنائسنا في القرى لا لأزمة كهنةٍ، بل لأزمة شعورٍ وحضورٍ (من أجل رحلة صيدٍ يهجرون قدّاس الأحد! بينما كان المسيحيّون الأوّلون يعرضون حياتهم للموت لتأليف الكنيسة. وربّما أحيانًا ينفصل المرء عن الكنيسة بسبب جهله للطّقوس) أو تبقى مظاهر خارجيّةً وعاداتٍ جميلةً نستلذّها بحدّ ذاتها ولا نعبر من خلالها إلى حياة الإيمان والخلاص. وهكذا فالطّقوس الّتي هي بمثابة بابٍ ومدخلٍ إلى الله تصبح في الواقع حاجزًا يعطّل نموّنا وتوغّلنا في الرّبّ. نبقى أمام واجهة البناء يحجبنا جمالها النّسبيّ عن الدّخول إلى القصر الدّاخليّ الّذي يحوي الغنى الحقيقيّ والنّعمة والبهاء. نسرّ مثلًا بالألحان ونحبّ سماعها مرارًا، وقد نخشع لها عاطفيًّا ولكن لا ننتبه إلى معنى الكلام والتّأمّل الإلهيّ، إلى قوّة الرّوح الّذي فيه، والّتي غايتها إيصالنا إلى حقائق الله. لا نتبنّى جوهر الأمر فنبقى خارجًا. وكثيرًا ما نمارس حركاتٍ وعاداتٍ طقسيّةً بصورةٍ آليّةٍ بدون أيّ معنىً ولا لذّةٍ كرسم الصّليب مثلًا. وأحيانًا لا نرى في الطّقوس سوى النّاحية الماليّة فقط فنندم على الكاهن الّذي يأتي ليبارك البيت بالماء المقدّس. أو النّاحية الماليّة تصبح بالعكس وسيلةً للجاه والظّهور الاجتماعيّ الباطل فندعو للمأتم أكبر عددٍ من الأساقفة أو الكهنة دون أيّة ضرورةٍ روحيّةٍ. وأحيانًا نحجم عن التّقدّم إلى الأسرار المقدّسة من باب الوسواس وفقدان الحسّ بالله كمحبّةٍ وكمصدر غذاءٍ وحياةٍ. والعرّاب في سرّ المعموديّة كثيرًا ما لا يعود يرى فيلونيّه في حياته كلّها. وأحيانًا نتبنّى عن جهلٍ إلى جانب الطّقوس عاداتٍ أخرى ليست لها أيّة علاقةٍ بحياة الكنيسة كالتّطبيل والتّزمير في الجنازات. الأمثلة كثيرةٌ في هذا الصّدد... وإرشاد الرّعاة يبدأ هذه الأيّام في الاتّجاه المتزايد نحو إفهام الشّعب تدريجيًّا وردعه عن العادات الغريبة عن الكنيسة والإيمان الحيّ.
  • ج - ولكنّي في بحثنا لإحياء الطّقوس أودّ أن أذكر على سبيل المثال بعض العادات الحسنة أصلًا، والّتي فقدت معناها مع الزّمن وصارت من باب الفوضى وعدم الاحترام. يبدو لي في الواقع أنّ أكثر العادات كانت تعبّر في الأصل عن موقفٍ داخليٍّ، عن روحانيّةٍ معيّنةٍ ربّما يجب إحياؤها. إنّني أقصد بالدّرجة الأولى جوّ الصّلاة العامّ في كنائسنا أعني موقف المؤمنين في الكنيسة في طريقة دخولهم وطريقة وقوفهم وطريقة صلاتهم. إنّه موقف دالةٍ، وحرّيّةٍ، وارتياحٍ، عدم السّجود، عدم الإجهاد في الصّلاة، عدم التّقطيب أو تغميض العيون إلخ.. هذا كان ربّما يعزى في الأساس لروح صلاة الجماعة الّتي تكلّمنا عنها: صلاة الكنيسة تجري، ندخل فيها، لها قوّتها، صلاة غير عاطفيّةٍ، أوسع منّا.. كذلك نلاحظ أنّ الكهنة في الولائم (بمناسبة معموديّةٍ مثلًا) كثيرًا ما يباركون مائدة الطّعام دون أن ينتظروا اجتماع الحاضرين حول المائدة.. قد يكون ذلك أصلًا للاعتقاد بالبركة الموضوعيّة أيضًا. لا نستطيع الجزم. ولكن لا بأس من أن نعيد إلى مثل هذه المواقف هذا المعنى الرّوحيّ، على أن نقصي طبعًا جوّ الفوضى وعدم الاحترام واللّامبالاة. كذلك مثلًا عادة عدم الرّكوع يوم الأحد في الكنيسة، وقد تحوّلت عندنا إلى عدم الرّكوع أيّام الأسبوع أيضًا، بدون أن تحمل أيّ معنىً. إنّ القدّيس باسيليوس الكبير يذكر هذه العادة وقد أوجبها أحد قرارات المجامع المسكونيّة وهي تعني أنّ المؤمن يوم الأحد، يوم القيامة الّذي يرمز إلى الأبديّة، يكون منتصبًا قائمًا ممجّدًا ممتدًّا إلى الله.. كذلك الإكثار من رسم إشارة الصّليب لم يكن أصلًا من باب التّكرار الآليّ الممسوخ، بل كان من باب الوعي الدّاخليّ وذكر الله وتمجيده وتأكيد الإيمان. أو كان من أجل أخذ البركة: تعرفون أنّ البركة يعطيها الكاهن بشكل صليبٍ (السّلام لجميعكم) ونأخذها أيضًا بشكل صليبٍ، به نتبنّى السّلام والبركة شخصيًّا وداخليًّا..
  • د - كلّ هذه العادات ناجمةٌ أصلًا عن مفهومٍ صحيحٍ للطّقوس وعن عيشه سواء فيما يتعلّق بروح الجماعة أو بمفعول البركة أو بوظيفة التّأمّل ودوام ذكر الله ولذلك ينبغي إرجاع مفهومها الحيّ وعدم التّسرّع في الحكم عليها حكمًا مطلقًا. لأنّ هناك على كلّ حالٍ تدرّجًا في الحياة الرّوحيّة ولا يطلب من النّاس أن يبلغوا رأسًا إلى المفهوم العالي الصّوفيّ المجرّد. يجب محاربة العادات العجائزيّة الّتي لا تمتّ إلى مفهوم الطّقوس بصلةٍ كلصق الدّراهم على الأيقونة مثلًا، ولكن دون أن نجرف معها العادات ذات الأساس الطّقسيّ. العالم اليوم يحاول إزالة كلّ شيءٍ مقدّسٍ، كلّ رمزٍ، كلّ حسٍّ بالقدسيّة، لأنّه يحاول إزالة فكرة الله من الأرض. والرّوحانيّة الغربيّة العقلانيّة ساعدت بدون قصدٍ في هذا الابتعاد عن الله. ونحن اليوم حين لا نعيش واقع طقوسنا نتأثّر بهذا التّيّار العقلانيّ - فننزع إلى التّقليل من قيمة الطّقوس والقول بالصّلاة المختصرة والمجرّدة والاكتفاء بالصّلاة الشّخصيّة في البيت!.. هذه النّزعة من شأنها، عاجلًا أم آجلًا، تحويل الله إلى إله أخلاقٍ وحسب أو إله فكرةٍ، وبالتالي إلى تفريغ الأرض من الله الحيّ، المعطي والمعاش. العالم بحاجةٍ إلى ملء الله وسرّه الحيّ، ولأنّه يحاول إزالة كلّ رمزيّةٍ مقدّسةٍ علينا بالأكثر أن نعيش هذه الرّمزيّة في طقوسنا، ولكن لا ممسوخةً فارغةً بل بصورةٍ جدّ واعيةٍ وشخصيّةٍ لكي نؤدّي شهادة كنيستنا في العالم.
  • هـ - وفي عمليّة إحياء الطّقوس هذه مطلوبٌ منّا فقط أن نكون في حالة «انتباهٍ» بكلّ ما في هذه الكلمة من معنىً حياتيٍّ: «لنصغِ، حكمة، لنصغِ». فعلينا أوّلًا أن نتلقّى معنى ما يجري، أن نفهم معنى الكلمات والحركات وأن يمرّ هذا المعنى في عقلنا وذهننا في طريقه إلى الله. هذا بديهيٌّ ولكنّه مع الأسف غير محقّقٍ في كثيرٍ من الأحيان. ولذلك يجب أن تكون القراءة مسموعةً واضحةً وكذلك التّرتيل، كما يجب تفسير الطّقوس للشّعب. ثمّ علينا أن نتقبّل ما يجري ونتبنّاه وندمج فيه. كلّ مرّةٍ نقول فيها «يا ربّ ارحم» أو «آمين» معطاةٌ لنا في الطّقوس لكي نحقّق موقفًا داخليًّا قلبيًّا ونضع حياتنا في القضيّة. إنّ القدّاس الإلهيّ بصورةٍ خاصّةٍ يجب أن نشترك فيه حياتيًّا: القدّاس كتقدمةٍ نقدّم نحن موادّها من وقتٍ لآخر، وكذبيحةٍ نذبح فيها، مع الحمل، إنساننا العتيق، وكعشاءٍ سرّيٍّ نغتذي ونتحوّل فيه. خلاصة القول إنّه علينا أن نفتح عقلنا وقلبنا وحياتنا من أجل استقبال الله، في نوعٍ من مبادلة حياةٍ بيننا وبينه. ولذلك نبدأ كلّ صلاةٍ في طقوسنا بهذا الاستدعاء للرّوح: «أيّها الملك السّماويّ المعزّي روح الحقّ.. هلمّ واسكن فينا..» ولأنّنا، أيضًا، بدونه لا نعرف أن نصلّي.
  • و - هنا أتناول باختصارٍ مشكلة علاقة الصّلاة الفرديّة بالصّلاة الجماعيّة الكنسيّة. إذ قد يتبادر إلى الذّهن، كما قيل لي، إنّ الصّلاة الفرديّة هي الفضلى وإنّ الصّلاة الجماعيّة وضعت فقط لمساعدة الّذين لا يعرفون أو لا يقدرون أن يصلّوا لوحدهم. وممّا يؤيّد هذه النّظرة في الظّاهر أنّ القدّيسين المتوحّدين في البراري كانوا ينعزلون عن صلاة الجماعة. والحقيقة أنّ كنيستنا (أو روحانيّتنا) لا تفصل بين الصّلاة الفرديّة والصّلاة الجماعيّة كما حصل ذلك في الماضي في الغرب، أعني بين الحياة الدّاخليّة والحياة اللّيتورجيّة، بل الصّلاة الفرديّة الأصيلة تبقى مرتبطةً بالصّلاة الجماعيّة وسابحةً فيها. والواقع أنّ الصّلاة الشّخصيّة، على أهمّيّتها وضرورتها القصوى، إن لم تظلّ مؤصّلةً في الصّلاة الجماعيّة ومستمدّةً منها نعمة الكنيسة تتحوّل سريعًا إلى صلاةٍ جافّةٍ ضيّقةٍ كثيرًا ما تنحرف إلى صلاةٍ مغلقةٍ تدور حول فكرنا في نوعٍ من مأزقٍ روحيٍّ، ومن هنا معظم الأزمات الرّوحيّة عند المؤمنين المثقّفين «العقليّين». ثمّ لقد حدث مع أنطونيوس الكبير نفسه أنّ صوت الرّبّ أوعز إليه في أحد أيّام الآحاد أن يترك صلاته في صومعته ليذهب ويشترك في صلاة جماعة النّسّاك إذ جرّبه المجرّب بالاكتفاء بصلاته، لأنّ عادة المتوحّدين كانت أن يجتمعوا كلّ أسبوعٍ من مساء السّبت إلى مساء الأحد ليقيموا صلاة الكنيسة. ومهما يكن من أمرٍ فالمتوحّدون المتوغّلون في البراري كانت تتحوّل صلاتهم ولا شكّ إلى صلاةٍ كنسيّةٍ أعني غير منفصلةٍ عن الجماعة بل نابضةً في قلب الكنيسة وشاملةً الكون كلّه، وكانوا يمارسون صلاة اسم يسوع لاصقةً بأنفاسهم بصورةٍ «إفخارستيّةٍ».. وإلّا لكانت عزلتهم قد حطّمتهم. إذًا الصّلاة الفرديّة الأصيلة تنبع من صلاة الكنيسة وتتقوّد إليها، بل هي في آنٍ واحدٍ فرديّةٌ وجماعيّةٌ ولذلك نصلّي كلٌّ بمفرده «أبانا الّذي في السّماوات» بصيغة الجمع، ونرتّل معًا «إنّي أنا عبدك» بصيغة المفرد.
  • ز - سؤالٌ آخر يسأل أيضًا: إنّ وقتنا لا يسمح لنا عمليًّا بالاشتراك في طقوسنا كفايةً والتّعرّف عليها والاستفادة من ينابيعها، فما العمل؟ إنّ الجواب على هذا السّؤال موجودٌ ضمنًا في بحثنا السّابق. إنّ الصّلاة، في كلّ الأحوال، ليست كمّيّةً بل كيفيّةً نوعيّةً. ولما كانت كلّ خدمةٍ من الخِدَم اللّيتورجيّة تحوي بطريقتها خلاص الله وتعطينا إيّاه، فإنّ صلاةً واحدةً نشترك فيها كما يجب سرّيًّا وجماعيًّا وتأمّليًّا، تكفي لتسكب فينا تعزية الله وسلامه ونعمته. إنّ رسم صليبٍ أو تقبيل أيقونةٍ بروحٍ وفهمٍ يكفي ليضعنا أمام الله. ولكنّ القدّاس الإلهيّ يوم الأحد والأعياد لا بدّ منه من أجل التّركيز والتّجدّد واللّياقة.. وإلّا تجفّ حياتنا دون أن نشعر. وفي حال الاضطرار فعلاً وبصورةٍ استثنائيّةٍ يمكن الّذي يتغيّب عن القدّاس تكليف من يستطيع ذكر اسمه في الذّبيحة من قِبَل الكاهن والصّلاة من أجله، وهو أثناء ذلك يرافق القدّاس بالفكر. وعلى كلّ حالٍ يجب أن نعرف أنّ اللّيتورجيا تبقى أوسع منّا، لا نستطيع أن نحيط بها تمامًا، ولا يجب أن نحاول الإحاطة بها كلّيًّا وفي كلّ مرّةٍ نصلّي فيها، وأن نشعر كلّ مرّةٍ بكلّ جمالها. هذه تجربة كبرياءٍ. ثمّ من الحسن جدًّا أن نخصّص كلّ سنةٍ بضعة أيّامٍ نقضيها في ديرٍ مثلًا للتّعرّف على الطّقوس وفحواها مع ممارستها، لأنّ من يجهل الطّقوس يجهل بالنّتيجة الكنيسة.

دور الطّقوس بالنّسبة للعالم والتّاريخ

القسم الأخير من هذا الفصل يتعلّق بالطّقوس في الكنيسة بالنّسبة للعالم والتّاريخ، لأنّ الكنيسة بحدّ وجودها متّجهةٌ، كما رأينا، إلى العالم والتّاريخ، حاملةً إليهما خلاص الله. ولا بدّ أن يكون للطّقوس في هذا الصّدد دورٌ مميّزٌ سنحاول أن نتبيّنه لأنّنا لن ننتمي إلى الكنيسة حقيقةً ما لم نتبيّن اتّجاهها هذا نحو المسكونة. ولكنّ هذا القسم الأخير فحواه واردٌ في ما تقدّم صراحةً أو ضمنًا ولذلك لن أسهب فيه:

  • آ - يجب أن نقتنع أوّلًا بأنّ الطّقوس لا يتوقّف فعلها عندنا بل نحن فيها نأخذ لكي نعطي. لأنّ خلاص الله ليس لنا وحسب بل هو يتعدّانا ليعبر عن طريقنا إلى الكون كلّه. نعم إنّ الطّقوس ليست لنا بل نحن فيها خدّامٌ، كهانٌ - «كهنوتٌ ملوكيٌّ» - نكهن من أجل العالم. خلاص الله من أجل الكون يمرّ بالإنسان ضرورةً، بآدم الأوّل بدءًا ثمّ بآدم الثّاني المسيح وجميع من يؤمنون به. ولذلك تشمل صلاتنا كلّ إنسانٍ وكلّ شيءٍ. ولذلك علينا في صلاتنا أن نحسب دائمًا حساب العالم. منذ وقوفنا للصّلاة الطّقسيّة، منذ البداية، يجب أن نرصد للعالم حصّته ومكانه فيها وإلّا كانت صلاتنا ناقصةً مبتورةً.
  • ب - ولكن ماذا يحتاج العالم أن نعطيه في طقوسنا؟ إنّه يحتاج أوّلًا إلى تطهيرٍ ونعمةٍ. إلى تغيير كيانٍ. ونحن بالطّقوس نغرف من قداسة المسيح لنبثّ هذه القداسة في العالم. بالطّقوس الرّوح يعمل في الكون ليحفظه ويقدّسه رغم كلّ شرور النّاس. وإلّا كيف كان يمكن أن يستمرّ الكون في تفاقم هذه الشّرور؟ بل الكنيسة بالطّقوس تفعل تدريجيًّا في التّاريخ لتحلّ محلّ الفساد نعمةً وتهيّئ العالم للتّجلّي الأخير. بهذا المعنى «أنتم نور العالم، أنتم ملح الأرض».. بكم تتّخذ الأرض طعمًا ومعنىً. بالطّقوس نغلب الخطيئة الّتي في العالم، أي روح الفوضى والعدم الّذي فيه. ولقد كتب الفيلسوف أريستيد في القرن الثّاني: «ليس هناك أيّ شكٍّ عندي بأنّ العالم باقٍ بسبب شفاعة المسيحيّين: إنّهم يكرّسون حياتهم لمثل هذه الصّلاة». ولذلك نصلّي من أجل الحكّام والمدن والقرى واعتدال الأهوية وسلامة العالم.. ونبارك البيوت والحقول والآبار.. ونقيم القدّاس الإلهيّ.
  • ج - ثمّ يحتاج العالم ثانيًا - بعد نعمة الحفظ والتّطهير - إلى سلامٍ واتّفاقٍ ووحدةٍ، ولكن إلى وحدةٍ تفوق الوحدة السّياسيّة أو الاقتصاديّة، الاشتراكيّة والحضاريّة، إلى وحدته الحقيقيّة، وحدة الجسد الواحد. وهذه الوحدة كيف نحقّقها أو أين نتعلّمها ونمارسها وننمّيها إلّا في الطّقوس، في الاجتماع باسمه، حيث هو في الوسط، وحيث كلمته وجسده يخلقان بيننا وحدةً؟ إنّ من يعيش الطّقوس وصلاة الجماعة حقًّا (الصّلاة مع الآخرين ومن أجل الآخرين) يختبر بنفسه كيف تصعد الصّلاة الواحدة، وكيف نلتحم الواحد بالآخر ونتطابق، كيف «نوجد» معًا «وليس أحدٌ يعيش لذاته ولا أحدٌ يموت لذاته».. النّاس عادةً يصلّون من أجل ذواتهم أوّلًا (من أجل أولادهم وصحّتهم وتوفيقهم) ثمّ من أجل الآخرين (أحيانًا) وأخيرًا من أجل مجد الله (إذا حدث ذلك). أمّا الصّلاة الطّقسيّة فتقام لمجد الله أوّلًا ثمّ من أجل الجميع ومن أجلنا نحن ضمن الجماعة كلّها ومعها.. إنّها الصّلاة الكاملة. ومن هنا، من الينبوع، تأتي روح الشّركة الحقيقيّة والوحدة والمحبّة. الطّقوس مدرسةٌ لروح المحبّة والتّضحية ولذلك فالطّريقة الفضلى لاتّحاد النّاس، ولاتّحاد المسيحيّين في هذه الأيّام، هي أن يصلّوا معًا نحو الإله الواحد. أن يصلّوا معًا بإخلاصٍ ولكن بدون تشويشٍ. لأنّ الاشتراك بتشويشٍ - كالمشاركة في القدسات قبل الأوان وعلى غير أساسٍ وبصرف النّظر عن فروقات النّظام والإيمان - يخلّ بحدّ ذاته بالوحدة الّتي ننشد. الطّقوس وسيلةٌ من أجل الاتّحاد، ولكنّها أيضًا تعبيرٌ لوحدة الكنيسة والإيمان وعلامةٌ لها. ولذلك لا يمكن استخدامها كوسيلةٍ دون تحفّظٍ وبلا ترتيبٍ. غير أنّ الله يعمل في الطّقوس في كلّ كنيسةٍ، وإنّ تعمّق كلّ جماعةٍ في عيش طقوسها حول المسيح يؤدّي لا محالةَ (مع الوسائل الأخرى) إلى اتّحاد الجميع بالمسيح.
  • د - ويحتاج العالم أخيرًا - مع تجديد الكيان ومع الوحدة - إلى روح التّسامي والتّهليل. لأنّ النّاس اليوم يغرقون إمّا في الرّجوع إلى الذّات والتّحليل الذّاتيّ المفرط، المعقّد والعقيم، أو في الهروب من الذّات والانفلات غير المحدود، نحو «حرّيّةٍ» مزعومةٍ، هي بلا جوهرٍ ولا هدفٍ وبالتالي بلا وجودٍ. أمّا الموقف الصّحيح الّذي لا ينغلق فيه المرء على ذاته ولا يفلت ويضيع، أليس هو في الطّقوس حيث يلقى الإنسان كيانه ومصيره الأخير في التّسامي فوق ذاته والانفتاح الطّوعيّ ببساطةٍ لحياة الله المحيي والفرح بهذه الحياة والشّكر والتّهليل؟ والحقيقة إنّنا في الصّلاة الطّقسيّة المعاشة، وإذًا الكاملة والمستجابة، نشعر بأنّنا نتحقّق وننال كيانًا، وذلك شخصيًّا في أصالة الحياة (وليس بالفكر فقط)، إذ نحسّ بكلّ كياننا بحضرة الله حضرةً سرّيّةً لا توصف تحوطنا فنتحرّك فيها ونوجد. ألم يكن القدّيس سيرابيم ساروفسكي (في القرن التّاسع عشر) يسمّي هذه التّلّة جبل الزّيتون وذاك المرتفع الجلجلة وهذه المغارة القبر ويقول لكلّ من يزوره «يا فرحي، أنت فرحي، المسيح قام!».. وأوليس تحقيق الإنسان بالنّتيجة في تلك الصّلة الشّخصيّة مع الخالق، في ذلك اللّقاء الحيّ، المحيي والمتهلّل، شاملًا جميع النّاس وصابغًا الكون كلّه بنور القيامة؟..

الخاتمة: وهكذا نأتي إلى نهاية الفصل: والخلاصة أنّ الكنيسة حيث خلاص الله يعمل، ولا يزال يعمل، فينا وفي العالم، نحقّقها إلى حدٍّ بعيدٍ جدًّا بالطّقوس. الطّقوس تحقّق الكنيسة على الدّوام في العالم. في كلّ مرّةٍ نقيم الطّقوس نحقّق الكنيسة، ولا نتوقّف عن تحقيقها. الطّقوس «حركة» الكنيسة في العالم.