الفصل الثامن
كل هذه الشكوك، التي أقدر الآن أن أعبر عنها بوضوح، لم أكن إذ ذاك قادراً أن أعبر عنها قط. لأنني في ذلك العهد المظلم لم أعرف أكثر من أشعر بأن النتائج التي وصلت إليها عن بطلان الحياة، مع كل ما يحيط بها من البراهين المنطقية، ويؤيدها من آراء عظماء المفكرين، فإن فيها خطأ لم أعرف موضعه. أما إذا كان الخطأ في النتيجة نفسها، أم في طريقة وضع المسألة من أصلها، فلم أعلم. وكل ما عرفته: أنني كنت أشعر أن عقلي، على شدة اقتناعه بالنتيجة التي بلغتها، لم يكن كافياً وحده للعمل بهذه النتيجة.
ولذلك لم يقدر فكري أن يحملني على العمل بما اعتقدت صحته وضرورته: يعني قتل نفسي.
وإني لا أقول الصدق إذا قلت إن عقلي وحده قادني إلى الحالة التي كنت فيها وحال دون انتحاري. فالعقل كان يعمل بغير انقطاع، ولكن هنالك قوة غير العقل كانت تعمل معه أيضاً، قوة أستطيع أن أطلق عليها اسم الشعور بالحياة. فقد عملت هذه القوة في أعماقي، فكانت تقرر مركزي العملي تجاه جميع القضايا التي يعالجها فكري، وهي التي نشلتني من هوة اليأس التي سقطت فيها وعملت أخيراً على تغيير أفكاري بأسرها. فقد علمتني هذه القوة بملء الوضوح أنني مع مئات من مثلي لا نستطيع أن نؤلف الإنسانية بأسرها وهي نفسها أظهرت لي أنني ما برحت أجهل حقيقة الحياة الإنسانية.
عندما كنت أراقب الدائرة الضيقة التي تجمع أقراني في المركز الاجتماعي، كنت أرى أناساً لم يفهموا السؤال الذي أسأله وغيرهم من الذين أدركوا حقيقة هذا السؤال ولكنهم كانوا يخفون إدراكهم له بسكرهم بخمرة الحياة. وغيرهم من الذين أدركوه ولكنهم قتلوا ذواتهم، وأخيراً أولئك الذين فهموا حقيقة السؤال ولكنهم لضعفهم عاشوا بقية عمرهم في ظلمة الشك واليأس. ولكني لم أر غيرهم. وكان يخيل إليَّ أن هذه الدائرة الضيقة المتألفة من المتعلمين والأغنياء والكسالى الذين كنت واحداً منهم، هي الإنسانية بأسرها، وأن بلايين الناس العائشين خارجاً عنها هم حيوانات وليسوا بشراً.
ومهما بدا لي اليوم مثل هذا الموقف غريباً، جنونياً، بعيداً عن تصور العقل الصحيح، -إنني أنا إذ أفكر في الحياة أستطيع أن أتجاهل وجود حياة الإنسانية العظمى المحيطة بي من كل جنب واقع في الخطأ القائل بأن حياة سليمان أو شوبنهور أو حياتي هي الحياة الطبيعية الحق، وأما حياة الملايين الأخرى من الناس فهي حماقة لا أهمية ولا شأن لها مهما بدا لي كل هذا غريباً اليوم، فهو الرأي الذي كنت أعتقد بصحته في ذلك الحين. فقد تملكني العجب والغرور بعلمي وأدبي إذ ذاك، حتى خلت بل وثقت الثقة كلها، بأنني مع سليمان وشوبنهور قد عبرنا عن السؤال بطريقة كاملة لم يبق بعدها متسع لأحد ليصلح وضعه أو يضعه بصورة أفضل وأكمل من صورته وكانت كنت أعتقد أن جميع ملايين الناس قد قصروا عن إدراك هذا السؤال، وأنني أنا الرجل الوحيد الذي أهتم في التفتيش عن معنى الحياة. ولم يخطر قط أن أفكر قائلاً في نفسي:
«ولكن ما هو المعنى الذي أعطته للحياة، وتعطيه اليوم، الملايين من الناس الذين عاشوا ويعيشون في العالم؟»
بمثل هذه الحالة الفكرية المضطربة عشت زمناً طويلاً، ومع أني لم أستطع أن أعبر عنها بوضوح، كما أعبر عنها اليوم، فقد كانت ألزم لي من ظلي كما هي شاملة أكثر المفكرين من الأحرار والمتعلمين بيد أنني لا أدري إذا كان ميلي الفطري لطبقات العمال، الذي كان يضطرني أن أفهمهم وأرى أن غباوتهم ليست كما يصورها المفكرون أو إذا كان إخلاصي في عقيدتي أنني لا أستطيع أن أعرف شيئاً سوى الذهاب إلى المشنقة للتخلص من الحياة، قد حملني على الشعور بأنني إذا كنت أرغب أن أعيش وأفهم معنى الحياة يجب ألا أنشد ذلك بين الذين خسروا معنى حياتهم وجهلوا قيمتها ولذلك رغبوا في الانتحار، بل يجب أن أسعى إلى ذلك بين الملايين من الأحياء والأموات الذين بنوا لنا صروح الحياة التي نتمتع بها اليوم، وحملوا أثقال حياتهم وحياتنا فرحين.
وهكذا جعلت أراقب الحياة العامة بين جماهير الأحياء والأموات، حياة البسطاء وغير المتعلمين والفقراء، فوجدت فيها شيئاً يختلف الاختلاف كله عن حياة الأقلية الممتازة: وجدت أن كل هذه الملايين من الأحياء، العائشين اليوم والذين عاشوا قبلهم، لم يخطر لهم أن ينضموا إلى أبناء طبقتي، ولم أستطع أن أحسبهم من الذين لا يفهمون المسألة التي قادتني إلى الشقاء، لأنهم كانوا يعرفون هذه المسألة ويجاوبون عليها بملء الدقة والوضوح. ولم أقدر أن أحسبهم شهوانيين، لأن حياتهم كانت أليفة التضحية والألم رفيقة أكثر مما هي رفقة اللذة والفرح. ولا يجوز حسبانهم بين الذين يعيشون على العكس من عقيدتهم ويصبرون على الحياة وهم عارفون أن الحياة لا معنى لها، لم أقدر أن أضع أولئك البسطاء في مصف هؤلاء لأن كل حركة من حركاتهم وكل عمل من أعمال حياتهم حتى موتهم نفسه واضح لديهم. أما الانتحار فإنه معدوم بينهم وهم يحسبونه شر الجرائم. ولذلك ثبت لدي أن في هذه الإنسانية الساذجة معرفة صحيحة لمعنى الحياة عميت أنا عن الاهتداء إليها، لأنني كنت أنظر إليها نظرة الاحتقار. ومن هذا كله رأيت أن المعرفة المبنية على أساس العقل تنكر معنى الحياة وترفضها. ولكن معنى الحياة الذي يفهمه الملايين من البسطاء مبني على معرفة سفسطائية محتقرة.
فالمعرفة المبنية على العقل، معرفة المستقبل والحكماء، تنكر معنى الحياة، ولكن أكثرية أبناء الإنسان يتمسكون بمعرفة لا أثر للعقل فيها وهذه المعرفة تثبت لهم أن للحياة معنى سامياً.
وهذه المعرفة التي لا سلطان للعقل فيها هي الإيمان الذي لم أقدر أن أقبله. ولذلك لم أستطع أن أسلم بوجود أقانيم ثلاثة في إله واحد، أو بخليقة الملائكة والأبالسة في وقت واحد وخليقة العالم في ستة أيام. كل هذا لم أستطع أن أقبله لأنني كنت مستسلماً لسلطان عقلي فقط.
كان مركزي صعباً مزعجاً. لأن المعرفة التي يقدمها العقل تنكر الحياة، والمعرفة التي يمنحها الإيمان تنكر العقل، وكلا الأمرين صعب عليّ وخصوصاً الثاني منهما. فالمعرفة المبنية على العقل قد برهنت أن الحياة شر، وأن الناس يعرفون هذا وفي منالهم أن يقتلوا أنفسهم ويستريحوا من شر الحياة متى شاؤوا، ولكنهم ما برحوا يعيشون في العالم وينفرون من الانتحار، وأنا فرد منهم قد عشت طويلاً عالماً أن الحياة شر وحماقة لا معنى لها. ولو عشت بالإيمان لقضي عليَّ أن أهمل عقلي وأعرض عن تطلباته قبل أن أستطيع إدراك معنى الحياة ولكن العقل هو القوة الوحيدة في التي تطلب إدراك معنى الحياة فكيف يمكن أن أفهم معنى الحياة بدونه؟
عند هذا الحد وقفت أمام مناقضة غريبة لم أجد سوى طريقتين للهرب منها. فإما أن يكون ما سميته معقولاً لا أثر للعقل فيه كما اعتقدت وفكرت، أو أن ما دعوته غير معقول لم يكن بعيداً عن العقل بمقدار ما خطر لي. ولذلك بدأت أفحص طريقة التفكير التي قادتني إلى نتائج المعرفة المبنية على العقل.
وقد وجدت بهذا الفحص أن الطريقة التي لجأت إليها صحيحة لا غبار عليها. لأن النتيجة القاضية بأن الحياة لا شيء لم يكن منها بد. ولكنني وجدت فيها غلطة واحدة. وهذه الغلطة هي أنني لم أحصر كل أفكاري في المسألة التي نحن في صدد البحث عنها، فقد كانت المسألة هكذا: «لماذا أعيش؟» أو بعبارة أخرى، ما هو الشيء الحقيقي غير الفاني الذي سيبقى من حياتي الخيالية الفانية؟ ما هو معنى وجودي المحدود في هذا الوجود غير المحدود؟» وقد جربت الجواب على هذا السؤال بدرس الحياة نفسها.
فظهر لي أن القرار في أي عدد من المسائل المتعلقة بالحياة لا يمكن أن يقنعني، لأن سؤالي مهما بدا بسيطاً لأول وهلة كان يشمل وجوب إيضاح المحدود بغير المحدود والعكس بالعكس.
سألت نفسي، ما هو معنى حياتي، بقطع النظر عن الزمان والعلة والمكان. ولكنني كنت أجاوب نفسي على سؤالي واضعاً إياه هكذا: «ما هو معنى حياتي بالنسبة إلى الزمان والعلة والمكان» ولذلك كانت النتيجة أنني بعد إجهاد الفكر بالدرس والبحث وقتاً طويلاً لم أهتد إلى جواب قط.
ففي جميع مباحثي الفكرية مع نفسي كنت أقابل، مضطراً، المحدود بالمحدود، وغير المحدود بغير المحدود، ولذلك كانت النتيجة التي لا بد منها كما يأتي: «القوة هي القوة، والمادة هي المادة، والإرادة هي الإرادة، وغير المحدود هو غير المحدود، ولا شيء هو لا شيء»، ولا أكثر ولا أقل. فقد حدث لي كما يحدث في الرياضيات، عندما نريد أن نحل معادلة يجب أن نحصل على أعداد متشابهة. فمع أن طريقة الحل صحيحة فإن الجواب يأتي هكذا: «ب تساوي ب، ج تساوي ج، ول تساوي ل». هذا هو ما حدث لي في تفتيشي عن معنى حياتي. فقد تشابهت عندي جميع الأجوبة التي قدمها العلماء على اختلاف طبقاتهم.
والحقيقة الواضحة أن المعرفة المبنية على العقل فقط، المعرفة التي اعتمدها دسكرتس وعمل بها، تبدأ بالشك العام في كل شيء والإعراض عن كل معرفة أساسها الإيمان، والتمسك بكل ما يطلبه العقل ويؤيده الاختبار، وهي لا تستطيع أن تجاوب على السؤال عن معنى الحياة إلا بنفس الجواب الذي حصلت عليه بنفسي، وهو جواب مبهم غامض.
خطر لي أولاً أن العلم قد أجاب على هذا السؤال جواباً باتاً، وهو جواب شوبنهور أن الحياة لا معنى لها وهي شر بذاتها. ولكنني وجدت بعد البحث الدقيق أن هذا الجواب ليس بالجواب البات أبداً، ولكن شعوري ونظري إليه جعلاه يظهر لي هكذا. أما الجواب الصريح، الذي أجاب به بوذا وسليمان وشوبنهور معاً واهمين أنهم أصابوا كبد الحقيقة، فهو أيضاً جواب ملتبس غير محدود، لأنه لا يظهر لنا إلا أن ج تساوي ج والحياة تساوي لا شيء. وهكذا نرى أن المعرفة الفلسفية لا تنكر شيئاً، ولكنها تجاوب أن مثل هذا السؤال لا يمكن حله بمقاييسها، ولذلك تظل القضية غير محدودة.
وعندما بلغت هذه النتيجة أدركت أنه من العبث السعي وراء جواب على سؤالي في المعرفة المبنية على العقل، ووثقت بأن الجواب الذي تقدمه مثل هذه المعرفة ليس إلا دليلاً واضحاً على أن الجواب مستحيل ما لم يوضع السؤال بطريقة أخرى تجعله شاملاً للعلاقة بين المحدود وغير المحدود. وأدركت أيضاً أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان خالفت مهما خالفت أحكام العقل وتمردت على شرائعه، فهي تمتاز بأنها تقدم لكل سؤال العلاقة بين المحدود وغير المحدود، وبدون هذه العلاقة لا يمكننا الحصول على جواب ما.
فكيف وضعت السؤال: «كيف يجب أن أعيش؟» فالجواب عليه واحد: «بشريعة الله».
س: «وهل لي بعد حياتي شيء حقيقي ثابت؟ وما هو؟»
ج: «عذاب أبدي أو بركة أبدية».
س: «وهل لي في حياتي معنى لا يستطيع الموت أن يذهب به؟»
ج: «نعم، وهو الوحدة مع إله غير محدود في الفردوس».
على هذا المنوال وجدت نفسي محمولاً إلى التسليم بأن وراء المعرفة العقلية، التي كنت أعتقد أنها المعرفة الحقيقية الواحدة، وجد ويوجد في كل إنسان نوع آخر من المعرفة لا سلطان للعقل عليها، وهو الإيمان الذي يساعد الناس على الغبطة في الحياة.
ومع أنني ظللت أعتقد أن الإيمان بعيد عن أحكام العقل، فلم أجد بداً من التسليم بأن الإيمان وحده يمنح الإنسان جوابات معزية على مسائل الحياة، ويمهد أمامه العقبات الحائلة دون سعادة حياته.
فالمعرفة المبنية على العقل أظهرت لي أن الحياة لا معنى لها، فاحتقرت حياتي، ووددت أن أقتل نفسي بيدي. بيد أنني كلما نظرت إلى جماهير الناس حواليَّ كنت أرى أنهم يعيشون فرحين بالحياة عارفين معانيها السامية. لأن الإيمان قد منحهم كما منحني قوة على إدراك معنى الحياة وحمل أثقالها بفرح وصبر.
وقد وجدت هذه الحقيقة نفسها في بلدان عديدة غير بلادي وبين أقوام كثيرين غير قومي من معاصري الأحياء والذين ماتوا قبلي. فقد كانت الحياة منذ وجدت على الأرض رفيقة للإيمان، الذي لا لذة فيها بدونه.
ومهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود، معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمع لمحاربته من جيوش الآلام والوحدة والموت. فبالإيمان إذن نستطيع أن نجد الحياة، وبه نفهم معانيها السامية. فما هو هذا الإيمان؟ ليس الإيمان كما فهمته بإعلان غير المنظورات فقط، ولا هو بالوحي الذي ينزل على قلوبنا فقط، لأن مثل هذا التحديد يظهر لنا شكلاً واحداً من أشكال الإيمان المتعددة، كلا ولا هو علاقة الإنسان بالله فقط، (لأن الإيمان يجب أن يتحدد أولاً ثم الله) ولا هو الإذعان لما أخبر به الإنسان فقط، كما يعتقد الكثير من الناس، وإنما الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة حقة تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الإيمان هو وحده قوة الحياة.
فالرجل الحي يؤمن بشيء، وبغير الإيمان لا يستطيع بشر أن يعيش في العالم. لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميت بالحقيقة. فإذا لم ير ولم يفهم بطلان المحدود فهو يؤمن بغير المحدود. وإذا رأى بطلان المحدود وزواله فهو مضطر إلى الإيمان بغير المحدود في كل حال. فالحياة بغير الإيمان مستحيلة.
حينئذ رجعت إلى أفكاري القديمة أتأمل فيها مرتعِداً خائفاً. فقد اتضح لي الآن أن على الراغب في الحياة إما أن يغمض عينيه عن غير المحدود، أو أن يقبل تفسيراً لمعنى الحياة يساوي بين المحدود وغير المحدود. وقد قبلت مثل هذا التفسير، ولكنني لم أكن في حاجة إليه بعد أن آمنت بالمحدود، ولذلك شرعت أطبق تجارب العقل على تفسيري: وفي نور العقل رأيت أن جميع هذه التفاسير للحياة عقيمة وباطلة. ولكن الوقت الذي انقطعت فيه عن الإيمان بالمحدود مضى، وعبثاً حاولت في غضون ذلك أن أجد إيضاحاً لمعنى الحياة أبنيه على أساس العقل والمعرفة. وأما مصاحبتي لعظماء المفكرين، ودرسي لآراء نخبة الحكماء فلم يدنني إلا من النتيجة القائلة إن ج تساوي ج. ومع أن هذه النتيجة لم تجد فائدة لحياتي فقد قبلتها معجباً بمقدرتي على الحصول على مثلها لإيضاح القضية التي شغلت فكري وحرمتني لذتي في حياتي.
ماذا فعلت عندما نشدت جواباً على قضيتي بدرس العلوم الطبيعية؟ رغبت في معرفة السبب الذي أعيش لأجله، ولذلك درست كل شيء ما خلا نفسي. ولا شك أنني تعلمت أموراً كثيرة بهذا الدرس، ولكنني لم أتعلم شيئاً مما كنت في حاجة إليه.
وماذا فعلت عندما نشدت الجواب في درس علم الفلسفة؟ درست أفكار الذين كانوا في نفس الحالة التي كنت فيها، يجهلون الجواب على السؤال «لماذا أعيش؟» وواضح أنه لم يكن لي أن أتعلم بهذه الطريقة إلا ما عرفته من قبل، وهو أنه يستحيل عليَّ أن أعرف شيئاً.
من أنا؟ -جزء من غير المحدود. بهذه الكلمات سر القضية بكاملها.
وهل يمكن أن الإنسانية لم يخطر لها مثل هذا السؤال من قبل؟ أم هل يعقل أنه لم يتعرض أحد قبلي لمثل هذا السؤال البسيط الذي يخطر على بال كل ولد ذكي؟
كلا: فالإنسان منذ وُجد على الأرض وهو يسأل مثل هذا السؤال، وقد عرف الناس منذ أقدم الأزمنة أن الجواب على هذا السؤال سواء بُني على مقابلة المحدود بالمحدود أو غير المحدود بغير المحدود، قلّما يأتي بنتيجة. وما برح الإنسان منذ أبعد أزمنة التاريخ يدرس علاقة المحدود بغير المحدود ويوضحها ويفسرها.
وجميع الآراء المتعلقة بمساواة المحدود وغير المحدود، التي بواسطتها بلغت إلينا عقائدنا بالحياة، وبالخالق، وبالحرية، وبالصلاح، تخضعها للتحليل المنطقي. وهذه الآراء لا تقبل تجارب العقل المادية في تفسير غاية الحياة.
فإذا لم يكن المنظر راعباً، فإنه ولا شك يدعو إلى الضحك والسخرية أن نرى ذواتنا محمولين بعجبنا وغرورنا بمعرفتنا كالأولاد الصغار ندور ساعاتنا بأيدينا، ثم لا نلبث أن ننزع منها محركاتها لاعبين بها متعجبين كيف أنها لا تضبط الوقت.
إن التقرير في التناقض الكائن بين المحدود وغير المحدود، والجواب على السؤال المتعلق بغاية الحياة وحقيقتها بطريقة تدنينا من الحياة وتقرب الحياة منا، كل هذا ضروري بالغ الأهمية في حياتنا. والجواب الوحيد على هذا هو بالحقيقة موجود في كل مكان، وفي كل زمان بين جميع الأمم والشعوب، وقد وصل إلينا من أقدم الأزمنة التي لم يعرف الناس فيها شيئاً عن أصل الإنسان وهو صعب بهذا المقدار حتى أنه كان يتعذر علينا أن نصل إليه بأنفسنا، ولكننا بعد أن حصلنا عليه عدنا، بإهمالنا وعدم اكتراثنا فأعرضنا عنه بالشروع بمسائل لا فائدة منها لعرض لكل منا ولكن ليس بيننا من يجاوب عليها.