|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

الفصل الأول

التهيئة للمعمودية

أ- معنى التّهيئة

كادت المعموديّة في الكنيسة، خلال القرون الماضيّة، تقتصر على معموديّة الأطفال. والمهمّ هنا أنّ هذا السّرّ قد حافظ من النّاحية اللّيتورجيّة، على شكله وبنيته نفسيهما حين كان يُقام من أجل المعتمدين الرّاشدين. وهذا واضح من الطّقوس التّحضيريّة الواردة في كتبنا اللّيتورجيّة تحت عنوان: الصّلوات الخاصّة باستقبال الموعوظين١.

وهذه الخدمة، الموجزة نسبيًّا، هي العنصر الوحيد الباقي من تهيئة طويلة للمعموديّة، كانت تستمرّ حسب تقاليد محليّة كثيرة، ما بين سنة وثلاث سنوات. فكان المرشّحون للمعموديّة، الذين يُدْعَوْن موعوظين، يدخلون تدريجيًّا في حياة الكنيسة عبر طقوس خاصّة تتضمّن استقسامات لإخراج الأرواح الشّرّيرة، وصلوات، وشروحات للكتاب المقدّس، وسواها.

وكانت الجماعة بكليّتها تشترك في هذه التّهيئة، كونها تعدّ نفسها لاستقبال الأعضاء الجدد. ومن هذه التّهيئة المزدوجة – للموعوظين والكنيسة على السّواء – نشأت الفترة اللّيتورجيّة السّابقة لعيد الفصح، أي ما نسمّيه اليوم الصّوم الكبير٢. وهي فترة التّهيئة النّهائيّة والمكثّفة لـ (اللّيلة المقدّسة)، وذروتها (استنارة) الآتين إلى المسيح، والسّاعين إلى الخلاص وإلى الحياة الجديدة فيه.

فما معنى هذه التّهيئة؟ إنّه سؤال هامّ. فمعموديّة الأطفال، التي تُمارَس غالبًا اليوم، تجعل بعض هذه الطّقوس التّحضيريّة وكأنّها مفارقات لا معنى لها. غير أنّ الأهميّة الواضحة التي كانت لهذه الطّقوس في الكنيسة الأولى، والتي حافظ عليها التّقليد اللّيتورجيّ بإبقاء بنيّة (معموديّة الرّاشدين)، تشير بوضوح إلى أنّ الكنيسة تعتبر التّهيئة جزءًا لا يتجزّأ من ليتورجيا المعموديّة. وتاليًا، فإنّ شرح خدمة المعموديّة يجب أن يبدأ بالإجابة عن هذا السّؤال.

ولا بدّ أن ندرك أوّلاً أنّ التّهيئة أحد الثّوابت الأساسيّة في عبادة الكنيسة عامّة. فمن المحال أن ندخل في روح اللّيتورجيا، وأن نفهم معناها، ونشترك فيها، ما لم نفهم أوّلاً أنّها مبنيّة بصورة أساسيّة على إيقاع ثنائيّ: التّهيئة والتّحقيق. وهذا الإيقاع جوهريّ في ليتورجيا الكنيسة، لأنّه يظهر ويحقّق فعليًّا، طبيعة الكنيسة ودورها الثّنائيّين٣.

فالكنيسة تهيئة، لأنّها (تعدّنا) للحياة الأبديّة. ودورها أن تحوّل كامل حياتنا إلى تهيئة، بأن تكشف لنا باستمرار، من خلال وعظها وعقيدتها وصلاتها، أنّ (القيمة) القصوى التي تمنح حياتنا معناها واتّجاهها تكمن في (الأخير) و(الآتي)، وفي وضع رجائنا عليهما وانتظارهما وتوقّعهما. ومن دون هذا البعد الأساسيّ (للتّهيئة)، يمكن القول ببساطة، إنّه لا توجد مسيحيّة ولا كنيسة. وتاليًا، فإنّ ليتورجيا الكنيسة هي في الدّرجة الأولى ودائمًا فعل تهيئة، من حيث أنّها تدلّ وتنزع إلى ما يتجاوزها هي نفسها، وما يتجاوز الحاضر أيضًا. ودورها أن تدخلنا في تلك التّهيئة، وأن تحوّل حياتنا وتقودها إلى أن تتحقّق في ملكوت الله.

ولكنّ الكنيسة تحقيق أيضًا. فالأحداث التي نشأت عنها الكنيسة وشكّلت مصدر إيمانها وحياتها، أحداث وقعت فعلاً. فالمسيح قد أتى – وبه تألّه الإنسان – ثمّ صعد إلى السّماء. والرّوح القدس أتى أيضًا، ففتح لنا ملكوت الله. والنّعمة أُعْطِيَت، فصارت الكنيسة (سماء على الأرض)، لأنّها أدخلتنا إلى مائدة الرّبّ في ملكوته. وحصلنا على الرّوح القدس، فصار بإمكاننا أن نشارك منذ الآن في الحياة الجديدة والشّركة مع الله.

هذه الطّبيعة الثّنائيّة للكنيسة تُكشَف لنا وتُنقَل إلينا في اللّيتورجيا ومن خلالها. وعمل اللّيتورجيا المميّز هو أن تجعل الكنيسة تهيئة دائمة، وأن تظهر أنّها تحقيق أيضًا. وهكذا يتحوّل اليوم والأسبوع والعام، وتصبح كلّها حقيقة ثنائيّة، تربط ما (قد تمّ) بما (سيأتي). فنحن لا يمكن أن نهيّئ أنفسنا لملكوت الله الذي (سيأتي) لو لم يكن (قد أُعْطِيَ) لنا سلفًا. ولا يمكن أن ننظر إلى (النّهاية) على أنّها موضع حبّ ورجاء وشوق، لو لم تكن قد أُعْلِنَت لنا في (بداية) مجيدة ومشرقة.

ولا يمكننا أن نصلّي: (ليأت ملكوتك)، لو لم نذق مسبقًا طعم الملكوت، فلو لم تكن ليتورجيا الكنيسة (تحقيقًا)، لما أضحت حياتنا (تهيئة). وهذا الإيقاع الثّنائيّ، من التّهيئة والتّحقيق، ليس أمرًا عرضيًّا، بل هو جوهر حياة الكنيسة اللّيتورجيّة. وهو ليس جوهر الحياة اللّيتورجيّة بمجملها وحسب، بل في كافّة تفاصيلها أيضًا: أي في كلّ موسم، وكلّ خدمة، وكلّ سرّ. فكيف يكون ثمّة فصح من دون السّكون الأبيض في السّبت المقدّس المبارك؟ وكيف يكون ثمّة ظلام مهيب في الجمعة العظيمة من غير التّهيئة الطويلة في الصّوم الكبير؟ أو ليس الحزن في موسم الصّوم هو الذي يتحوّل إلى (حزن مشرق) بنور الفصح الآتي؟

إذا كانت ليتورجيا الكنيسة قد ابتعدت عن أن تكون اليوم حاجة وفرحًا عميقين في حياة معظم النّاس، فلأنّهم نسوا، أو ربّما لم يعرفوا أصلاً، القانون اللّيتورجيّ الجوهريّ القائم على التّهيئة والتّحقيق. فهم لا يعيشون التّحقيق لأنّهم يتجاهلون التّهيئة. ويتجاهلون التّهيئة لأنّهم لا يتشوّقون إلى التّحقّق. فلا عجب إذًا أن تظهر اللّيتورجيا وكأنّها بقايا أشكال قديمة عقيمة، نسعى إلى بثّ الحياة فيها بواسطة (حفلة موسيقيّة) أو (احتفال كبير) مصطنع ولا طعم له.

والمعموديّة ليست مستثناة من هذا المبدأ الأساسيّ. فهي تتطلّب تهيئة، ولو كان المقبل على المعموديّة لا يتجاوز الأيّام القليلة من عمره، وغير قادر على فهم ما سيحصل له. فالكنيسة الأرثوذكسيّة لم تضع (الفهم) شرطًا للمعموديّة. وهي بذلك تختلف جذريًّا عن بعض الطّوائف (المتعقلنة)، فتقول إنّ (الفهم) الحقيقيّ يكون ممكنًا بالمعموديّة نفسها، أي إنّه ليس شرطًا لها، بل هو ثمرتها ونتيجتها.

فنحن بعيدون جدًّا عن الفكرة الجامدة القائلة بأنّ المعموديّة تكون لمن (يفهمها) و(يقبلها) أي لـ (الرّاشدين). ولعلّ نعمة المعموديّة الأساسيّة كامنة في كونها تجعلنا أولادًا، وتعيد إلينا (الطّفولة) التي لا نستطيع من دونها أن نستقبل ملكوت الله، على حدّ قول السّيّد نفسه. التّهيئة إذًا فعل نتكامل تجمع فيه الكنيسة كلّ ما كان في البدء، وكلّ ما يجعل التّجدّد الحاصل بالمعموديّة ممكنًا. فالكنيسة كلّها تتغيّر وتغتني وتتحقّق كلّما انضمّ إلى حياتها ابن جديد لله وصار عضوًا آخر في جسد المسيح.

المعموديّة سرّ فصحيّ، كما ذكرنا. والفصح يعني (عبورًا) و(اجتيازًا). وهذا العبور يبدأ في طقوس التّهيئة للمعموديّة، ويجعل منها بداية حقيقيّة للسّرّ، وتهيئة لما سيتحقّق بالماء والرّوح.

ب- فترة الموعوظيّة

قبل الصّلوات الخاصّة باستقبال الموعوظين تُنَفَّذ التّعليمات التّالية:

  • يحلّ الكاهن زنّار الشّخص المقبل على الاستنارة، وينزعه ويضعه جانبًا.
  • يوقف الشّخص باتّجاه الشّرق لابسًا ثوبًا واحدًا فقط، حافيَ القدمين، مكشوفَ الرّأس، خافضًا يديه إلى أسفل.
  • ينفخ في وجهه ثلاث مرّات.
  • يضع يده على رأسه.

هذه التّعليمات بحاجة إلى تفسير، كما أنّ الطّقوس النّابعة منها يجب أن تُوضَع في إطار التّهيئة التي تسبق المعموديّة. ففي الكنيسة الأولى، كان العرّابون (الكفلاء)٤ هم الذين يقدّمون المزمع على أن يصير مسيحيًّا إلى أسقف الكنيسة المحليّة. والعرّابون هم أعضاء في الجماعة المسيحيّة يمكنهم الشّهادة على جديّة نوايا المرشّح، وأصالة اهتدائه إلى الإيمان المسيحيّ.

لا شكّ أنّ الاهتداء نفسه يبقى خارج كلّ تفسير. فنحن لا نعرف ما الذي يهدي الإنسان إلى المسيح، ولا ما يدفعه إلى الإيمان به. وعلى رغم كلّ المحاولات الهادفة إلى تصنيف (نماذج) متعدّدة للاهتداء أو وصفها، فإنّ العلاقة الفريدة بين الله وبين أيّ إنسان من البشر الذين خلقهم الله نفسه، تبقى سرًّا كبيرًا. وتاليًا، فإنّ تفسيرنا لا يبدأ إلاّ من اللّحظة التي تفضي فيها تلك العمليّة السّرّيّة إلى اتّخاذ قرار علنيّ وموضوعيّ بالسّعي إلى المعموديّة والدّخول في الكنيسة.

وهنا بالذات، كان يُؤْتَى بالمهتدي إلى الأسقف، وهو في الكنيسة الأولى كاهن الجماعة المحليّة وراعيها ومعلّمها. وما أن يتأكّد من جديّة نواياه، حتّى يكتب اسمه في سجلّ الموعوظين٥، ثمّ يرسم على وجهه إشارة الصّليب ثلاثًا، ويضع يده على رأسه. وهذه الطّقوس الأولى تُسَمَّى تسجيلاً، وتدلّ على أنّ المسيح قد صار مالكًا له، وسجّله في سفر الحياة.

وكان هذا التّسجيل يتمّ، أيّام القدّيس الذّهبيّ الفم، في بداية الصّوم الكبير٦. أمّا اليوم فهو الخطوة الأولى في ليتورجيا المعموديّة نفسها، وَيُعَبَّر عنه الإفشين التّالي:

أيهّا الرّبّ الإله الحقّ، إنّي باسمك واسم ابنك الوحيد وروحك القدّوس، أضع يدي على عبدك هذا الذي استحقّ أن يلتجئ إلى اسمك القدّوس ويُحْفَظ تحت ستر جناحيك. أبعدْ منه تلك الضّلالة القديمة، واملأه من الإيمان بك والرّجاء عليك والمحبّة إليك. لكي يعلم أنّك أنت هو الإله الحقيقيّ وحدك، وابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح وروحك القدّوس. أعطِه أن يسلك في جميع وصاياك ويحفظ أوامرك التي تحيي كلّ إنسان يعمل بها. أكتبْه في سفر الحياة واجعلْه متّحدًا في رعيّة ميراثك ليمجّد به اسمك القدّوس واسم ابنك الحبيب، ربّنا يسوع المسيح، واسم روحك المحيي. ولتكنْ عيناك ناظرتين إليه بالرّحمة كلّ حين، وأذناك سامعتين صوت تضرّعه. وأبهجْه في أعمال يديه، وفي كلّ جنسه، لكي يعترف ساجدًا لك وممجّدًا اسمك العظيم المتعالي ويسبّحك كلّ حين، جميع أيّام حياته. فإنّ لك تسبّح كلّ قوّات السّموات، ولك هو المجد أيّها الآب والابن والرّوح القدس، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين. آمين.

وهكذا تعطينا الكنيسة، منذ مطلع ليتورجيا المعموديّة وفي الإفشين الأوّل، البعد الحقيقيّ لـ (الاهتداء) ومحتواه الحقّ. وأبرز ما فيه أنّه هروب من (هذا العالم) الذي سرقه العدوّ من يد الله فصار سجنًا. الاهتداء ليس أمرًا يدخل في نطاق الأفكار ويعمل على مستواها، كما يظنّ الكثيرون اليوم، وليس اختيارًا لـ (إيديولوجيّة) معيّنة، أو جوابًا على (مشكلات) محدّدة. فلفظة (مشكلة) لم تعرفها الكنيسة الأولى ولا الكتاب المقدّس.

الاهتداء، في الحقيقة، نجاة من الظّلمة واليأس. فالإنسان يأتي إلى المسيح لكي يخلص، لأنّ لا خلاص بغيره. والعمل الأوّل في ليتورجيا المعموديّة هو تقديم الحماية. فيد الأسقف – أي يد المسيح نفسه – تحمي وتظلّل و(تستر بأجنحة...)، لأنّ ثمّة صراعًا حتّى الموت سيبدأ الآن، وهو صراع جديّ كما يدلّ الإفشين الأوّل.

لقد (تَسَجَّل) الموعوظ الآن، وكُتِب اسمه في سفر الحياة، وسيتّحد قريبًا بـ (رعيّة ميراث الله)، بعد أن أبلغ هدف المعموديّة الأخير: أي استعادة الحياة الحقّة، تلك الحياة التي خسرها الإنسان بالخطيئة، وقوامها (الاعتراف والسّجود والتّمجيد والتّسبيح للاسم العظيم المتعالي). لكنّنا نعلم أنّ هذا هو وصف (السّماء) و(الأبديّة) والكتاب المقدّس يذكر أنّه العمل الأبديّ الذي تقوم به القوّات السّماويّة أمام عرش الله. فالخلاص، أي استعادة الحياة، هو إذًا عطيّة الحياة الأبديّة. وهذا ما تعلنه المعموديّة هدفًا لها في الخطوة الأولى من ليتورجيتها: فالحدث الحاسم قد بدأ.

ج – استقسامات لإخراج الأرواح الشّرّيرة

تتضمَّن التّهيئة للمعموديّة أو (فترة الموعوظيّة) تعليمًا واستقسامات٧. لكنَّ معموديّة الأطفال السّائدة اليوم تجعل التّعليم يتأخّر إلى ما بعد إقامة السّرّ. لذلك سنتناول في كلامنا الاستقسامات التي تلي مباشرة (الصّلاة لدى استقبال الموعوظ)، في التّرتيب الرّاهن لهذا الطّقس.

قد يندهش (الإنسان المعاصر)، ولو كان أرثوذكسيًّا، عندما يكتشف أنَّ ليتورجيا المعموديّة تبدأ بكلمات موجَّهة إلى الشّيطان، لأنّه يعتبر أنَّ لا مكان له في تصوّره الدّينيّ، وأنّه أمر متعلِّق بخرافات القرون الوسطى وبذهنيّة بدائيّة جدًّا.

لذلك يقترح الكثيرون، وبينهم بعض الكهنة، حذفَ الاستقسامات لأنَّ وجودها (في غير محلّه)، ولا يتناسب مع ديننا (العصريّ) المستنير. أمّا غير الأرثوذكسيّين فيذهبون أبعد من ذلك، ويؤكّدون الحاجة إلى (نزع الطّابع الخرافيّ) عن العهد الجديد نفسه، وإلى (تحريره) من نظرة إلى الوجود عفاها الزّمن – كالحديث عن الشّيطان والشّياطين – لأنَّ هذه النّظرة تحجب أصالة رسالة العهد الجديد وأبديّتها.

لا نريد أن نوجز هنا التّعليم الأرثوذكسيّ عن الشّيطان، ولو بشكل سطحيّ. فالواقع أنَّ الكنيسة لم تَضَعْ صيغة محدَّدة لهذا التّعليم، أو (عقيدةً) واضحة وموجزة له. إلّا أنَّ ما يهمّنا هو كون الكنيسة قد عاشتْ دائمًا خبرةَ ما هو (شيطانيّ)، لأنَّ الشّيطان كان يجرّبها باستمرار.

ولكنَّ هذه الخبرة المباشرة لم تتحوّل إلى عقيدة دقيقة ومحكمة، لصعوبة – بل استحالة – التّوصّل إلى تحديد عقلانيّ لما هو غير عقلانيّ. فما هو (شيطانيّ)، والشّرّ عمومًا، أمران غير عقلانيَّين. لقد حاول بعض الفلاسفة تفسير أو (عقلنة) خبرةِ الشّرِّ ووجودِه. فقالوا إنّه غياب: غياب الخير. وقارنوه بالظّلمة التي هي غياب النّور، لأنّه تتبدّد حالَ ظهوره.

وقد تبنّى القائلون بالرّبوبيّة وبالفلسفة الإنسانيّة، على اختلافهم، هذه النّظريّة. وما زالت تشكِّل جزءًا متمّمًا لنظرة معاصرة إلى العالم. ومن هذا المنطلق يبدو أنَّ علاج كافّة أنواع الشّرّ يكمن في (التّنوير) و(التّربية). بمعنى أنَّك إذا فسّرتَ للمراهقين ماهيّة الجنس ونزعتَ عنه (السّرّيّة)، و(التّحريم)، فإنّهم يستعملونه بشكل عقلانيّ، أي بشكل حسن. وإذا ضاعفتَ عدد المدارس، فإنَّ الإنسان، الخيّرَ بطبيعته، سيعيش ويتصرّف عقلانيًّا، أي بشكل حسن، بحكم الطّبيعة.

لكنَّ مفهوم الشّرّ في الكتاب المقدّس وفي خبرة الكنيسة ليس هكذا بالتّأكيد. فالشّرّ ليس غيابًا وحسب، بل هو حضور: حضور شيء مظلم، لا عقلانيّ، حقيقيّ جدًّا، وإن يكن مصدر ذلك الحضور غيرَ واضح ولا قابلاً للفهم الفوريّ.

فالبغض ليس غياب المحبّة وحسب، إنّما هو حضورٌ لقوّة مظلمة بإمكانها أنْ تكون ناشطةً جدًّا، وحاذقةً وحتى خلّاقة. وهو ليس نتيجة الجهل، فبإمكاننا أنْ نعرف ونبغض في آن. وثمّة أناس كلّما ازدادتْ معرفتهم للمسيح ومشاهدتهم لنوره وصلاحه، ازداد بغضهم له.

وهذه الخبرة للشّرّ، كقوّة عقلانيّة يمكن أنْ تسيطر علينا وتوجّه أعمالنا، عاشتها الكنيسة دائمًا، واختبرها كلّ الّذين حاولوا، ولو بشكل بسيط، أن (يحسّنوا) أنفسهم، وأن يعارضوا (طبيعتهم) من أجل الارتقاء إلى حياة أكثرَ روحانيّةً.

ما نؤكّده أوَّلًا، أنَّ ثمّة واقعًا شيطانيًّا: أي أنَّ الشّرّ قوّةٌ مظلمة، وهو حضور وليس غيابًا وحسب. إلّا أنّه يمكننا الذّهاب أبعد من ذلك فنقول: إذا كانت المحبّة لا يمكن أنْ توجد خارج (المحِبّ)، أي الشّخص الذي يحِبّ، فإنَّ البغض لا يمكن أنْ يوجد خارج (المبغِض)، أي الشّخص الذي يبغض.

وإذا كان السّرّ النّهائيّ لـ(الصّلاح) كائنٌ في شخص، فإنَّ السّرّ النّهائيّ للشّرّ يجب أنْ يكون ذا طابع شخصيّ أيضًا. ولا بد أنْ يوجد شخص أو أشخاص وراء حضور الشّرّ المظلم واللّاعقلانيّ، وأنْ يكون ثمّة عالَم شخصانيّ مؤلَّفٌ من الّذين اختاروا أنْ يبغضوا الله والنّور وأنْ يكونوا مخالفين. فمن هم هؤلاء الأشخاص؟ ومتى قرّروا أنْ يكونوا ضدّ الله؟ وكيف فعلوا ذلك ولماذا؟

والواقع أنَّ الكنيسة لا تقدّم أجوبة دقيقة عن هذه الأسئلة. فكلّما كانت الحقيقة أعمق، كلّما تضاءلتْ إمكانية تقديمها في صِيَغٍ وبيانات. ولذا، فإنَّ جواب الأسئلة السّابقة تغلّفه رموزٌ تتكلّم على عصيانٍ ضد الله حصل في البدء داخل العالَم الرّوحانيّ الذي خلقه الله، وقام به بعض الملائكة المدفوعين بالكبرياء.

لكنَّ مصدر هذا الشّرّ لم يكن الجهل وعدم الكمال، بل المعرفة ودرجةٌ من الكمال تجعل تجربةَ الكبرياء ممكنة. فالشّيطان، أيًّا كان، هو من أفضل خلائق الله. ويمكن القول – إذا جاز التّعبير – إنَّ فيه من الكمال والحكمة والقوّة و(الألوهة)، ما يكفي لمعرفة الله وتسليم النّفس إليه. ولكنّه يختار أنْ يكون ضدّه، ويرغب في أنْ يتحرّر منه. وهذه الحرّيّة غير ممكنة في المحبّة والنّور، لأنّهما يقودان دائمًا إلى الله وإلى الاستسلام الحرّ له، فلا بدّ من تحقيق تلك الحرّيّة بالرّفض والبغض والعصيان.

إنّها كلمات عاجزة طبعًا وغير قادرة على الإحاطة بالسّرّ الرّهيب الذي تحاول أنْ تعبّر عنه. فنحن لا نعرف أيّ شيء عن تلك الكارثة التي حصلتْ في البدء داخل العالم الرّوحانيّ، وعن البغض الذي أشعلتْه الكبرياء ضد الله، وعن الإتيان إلى الوجود بواقع غريب وشرّير لم يرِدْه الله ولا خَلَقَه.

والأحرى أنّنا لا نعرف أيَّ شيء عن هذه الأمور إلّا من خلال خبرتنا لذلك الواقع، أي خبرتنا للشّرّ، وهي خبرة مستمرّة لسقوطٍ ما، لشيء ثمينٍ وكاملٍ انحرَفَ عن طبيعته وخانها، خبرةٌ للصّفة غير الطّبيعيّة لتلك السّقطة، التي على رغم عدم طبيعيّتها، صارت جزءًا (طبيعيًّا) ومتمّمًا لطبيعتنا.

وعندما نتأمّل الشّرَّ الكامن في نفوسنا وفي العالم الكائن خارجَها، فإنَّ كل التّفاسير العقلانيّة وسائرَ المحاولات الهادفة إلى اختصار الشّرّ في نظريّات محدَّدة وعقلانيّة ستبدو رخيصة وسطحيّة. وإذا كانت تلك الخبرة الرّوحيّة تعلّمنا شيئًا، فهو أنَّ الشّرّ لا (يُفسَّر) بل يُواجَهُ ويُصارَعُ. وهكذا فَعَلَ الله بالشّرّ. فهو لم يفسّره، بل أرسل ابنه الوحيد لتصلبه قوّات الشّرّ مجتمعةً، فيقضي عليها بالمحبّة والإيمان والطّاعة.

وهذا هو الطّريق الذي يجب أنْ نسلكه نحن أيضًا، لأنَّ لا مفرَّ لنا من ذلك. ففي اللّحظة التي نقرّر فيها أنْ نتبع المسيح سنلتقي فورًا بالشّيطان. ولذا فإنَّ طقس المعموديّة، التي هي فعل تحرّر وانتصار، يبدأ بالاستقسامات. لأنَّنا في طريقنا إلى جرن المعموديّة – (نصطدم) حتماً بالشّخص المظلم القويّ الذي يسدّ تلك الطّريق في وجهنا. وعلينا أن نزيله ونطرده من أمامنا إذا أردنا التّقدّم.

عندما تلمس يد الكاهن رأي ابن الله وترسم عليه علامةَ المسيح، يكون الشّيطان موجودًا في اللّحظة نفسها ليدافع عمَّن سرقه من الله مدّعيًا ملكيَّتَه. قد لا نراه نحن، ولكنَّ الكنيسة تعرف أنّه موجودٌ هناك.

وقد لا نشعر إلّا بـ(شأنٍ) عائليّ بهيج وحميم، ولكنَّ الكنيسة تعرف أنَّ صراعًا مميتًا سيبدأ، وأنَّ نتيجته ليست تفاسيرَ ونظريّاتٍ، بل حياةٌ أبديّة أو موتٌ أبديّ. ونحن متورّطون جميعًا في حرب روحانيّة مستعرّة منذ البدء، سواء أردنا ذلك أم لم نرِدْ، وسواء عَرَفنا أم لم نعرف.

صحيحٌ أنَّ الله قد حقّق نصرًا حاسمًا، لكنَّ الشّيطان لم يستسلم بعد. فالكتاب المقدّس يخبرنا أنّه إذا أصيب بجرح مميت وصار على وشك الهلاك يقوم بآخر معاركه وأقواها. إنّه عاجز عن القيام بأي شيء ضد المسيح، ولكن بإمكانه أنْ يفعل الكثير ضدنا. والاستقسامات التي تقام من أجل طرد الشّياطين هي بدء هذا الصّراع الذي يشكّل أوّلَ بعدٍ أساسيٍّ من أبعاد الحياة المسيحيّة.

إنّنا نكلِّم الشّيطان! وهنا يظهر بجلاء المفهوم المسيحيّ القائل إنَّ الكلمة هي قوّة قبلَ أي شيء آخر. فـ(الإنسان المعاصر)، الذي ينظر إلى العالم نظرة (معلمنة) فينزع عنه صفة القداسة، (يختزل) الكلمة ويحصرها في معناها العقلانيّ.

أمّا في الإعلان الكتابيّ، فالكلمة قوّة وحياة دائمتان. فالله خَلَقَ العالم بكلمته. ولكنَّ الكلمة يمكن أنْ تكونَ قوّةَ خلقٍ وقوّةَ تدميرٍ أيضًا، فهي لا تنقل أفكارًا ومفاهيمَ وحسب، بل حقائقَ روحانيّةً قد تكون إيجابيّةً أو سلبيّةً.

وبمنظار المفهوم (الدّنيويِّ للكلام، فإنَّ) مخاطبة الشّيطان) هي أمر دون جدوى، وقد يذهب البعض إلى حدّ اعتباره عملاً سخيفًا، انطلاقًا من استحالة إقامة (حوار عقلانيّ) مع من هو مَحْصَلَة اللّاعقلانيِّ نفسها. ولكنَّ الاستقسامات ليست تفاسيرَ، ولا حديثًا إلى شخص يبغِض ويدمّر ويَكذِب منذ البدء، بقصد إفحامه ببرهان ما. إنّها، حسب قول الذّهبيّ الفم، (أدعيةٌ رهيبةٌ وعجيبةٌ)٨، وفعلٌ ذو قوّة مخيفة مروّعة تبدّد وتدمّر قوّة العالم الشّيطانيّ الشّرّيرة:

يا إبليس، لينتهرْك الرّبّ الذي أتى إلى العالم وسكن في النّاس ليحطّم اغتصابك وينقذ البشر. الذي وهو على عودٍ قهر القوّات المضادّة، إذ أظلمت الشّمس وتزعزعت الأرض وتفتّحت القبور وقامتْ أجساد القدّيسين. الذي حلّ الموت بالموت وأبطل مَنْ له عزّة الموت، أعني أنتَ يا شيطان.

أقسم عليك بالإله الذي أظهر عود الحياة وأقام الشّاروبيم والحربة اللّهيبيّة المتقلّبة لحراسته. إنزجرْ وانصرفْ لأني أستحلفك بذاك الذي مشى على ظهر البحر كأنّه على اليبس، وانتهر عاصف الرّياح، الذي نظره يجفِّف الأعماق ووعيده يذيب الجبال.

هو الآن يأمرك بنا أنْ تخاف وتخرج وتنصرف من هذا المخلوق، وأنْ لا ترجع إليه ولا تختفي فيه ولا تستقبله بفعلٍ مضرّ، لا في اللّيل ولا في النّهار، لا في انتصاف النّهار ولا في ساعة من السّاعات، بل انطلقْ إلى الجحيم المختصّ بك إلى اليوم المعدِّ يوم الدّينونة العظيم.

ارهبْ من الله الجالس على الشّاروبيم والنّاظر إلى الأعماق، الذي ترتعد منه الملائكة ورؤساء الملائكة والعروض والأرباب والرّئاسات والسّلطات والقوّات والشّاروبيم الكثيرو الأعين والسّارافيم ذوو الستّة الأجنحة، الذي تجزع منه السّموات والأرض والبحار وكل ما فيها.

أخرجْ وانصرفْ من الذي قد ختم وانتخب جنديًّا جديدًا للمسيح إلهنا. لأني أقسم عليك بذاك الذي يمشي على أجنحة الرّياح، الصّانع ملائكته أرواحًا وخدّامَهم لهيبَ نار. أخرجْ وانصرفْ من هذا المخلوق أنت وجميع قوّاتك وملائكتك!

الاستقسام، بالمعنى العميق للّفظة اليونانيّة، هو خلق. فهو يوضح ويحقّق ما يعلنه، ويملأ الكلماتِ بالقوّة الإلهيّة التي نشأتْ (الكلمات) منها. والاستقسام قادرٌ على كل ذلك لأنّه يحصل باسم المسيح، فيكون ممتلئًا بقوّة المسيح الذي (اقتحم) منطقةَ العدوّ، والذي تأنسّ وجعل الكلمات الإنسانيّة كلماته هو، بتحطيمه القوّة الشّيطانيّة من الدّاخل.

وبعد إخراج القوّة الشّرّيرة يتضرّع الكاهن قائلاً:

(يا ربّ الصّباؤوت) اطَّلعْ على عبدك هذا وافحصْه وامتحنْه وأقصِ عنه كل مفعولات الشّيطان. وانتهرْ كل الأرواح النّجسة واطردْهَا، مطهّرًا عمل يديك منها، واستعملْ سرعة أفعالك واسحقْ الشّيطان تحت قدميه سريعًا. وامنحْه الظّفر عليه وعلى أرواحه النّجسة. حتّى إذا نال مراحمك يستحق أسرارك السّماويّة....

اقبله في ملكك السّماويّ، وافتحْ عيني ذهنه ليشرق فيه نور إنجيلك....

التّحرّر من القوّة الشّيطانيّة هو بدء عودة الإنسان إلى ما يجب أنْ يكون. غير أنَّ تحقيق هذه العودة يتمّ في الملكوت السّماويّ، حيث أدخل الإنسان وقبِلَ في المسيح، فصار الصّعود إلى السّماء والشّركة مع الله و(التّألّه)، المصيرَ النّهائيّ للإنسان ودعوتَه الحقيقيّة.

حسب التّعليمات الطّقسيّة فإنَّ الكاهن، أثناء الاستقسام لإخراج الشّيطان من الموعوظ، (ينفخ في فم الموعوظ وفي جبهته وفي صدره ثلاث مرّات). فالتّنفّس هو الوظيفة البيولوجيّة الأساسيّة التي تبقي الإنسان حيًّا، وفي الوقت نفسه تجعله في حاجة تامّةٍ إلى العالم، لكنَّ العالم ملّوثٌ بالخطيئة والشّرّ والموت إلى درجة الوباء.

والنّظرة المسيحيّة الأصيلة إلى العالم لا مجال فيها للفصل (المعاصر) بين (الرّوحيّ) و(الماديّ)، لأنّها نظرة ترى الإنسان بكامله وتعرفه بكلّيته، أي في الوحدة العضويّة القائمة بين ما هو روحيٌّ وما هو ماديٌّ فيه، وحاجة كلٍّ منهما إلى الآخر.

ولمّا كان العالم مسمّمًا ومريضًا، فإنَّ فعلَ التّحرّر لا يكون (روحانيًّا) وحسب، بل يكون (ماديًّا) أيضًا: إنّه تنقية الهواء الذي نتنشّقه، والذي يستعيد نقاءه وكونه عطيّة من الله، بفعل إخراج الشّياطين. والتّحرّر هو أيضًا استعادة للحياة، بصفتها حاجة إلى الله، كما كانت الحياة التي نفخها الله في الإنسان منذ البدء.

ويتابع الكاهن:

أَبْعدْ عنه كل روحٍ شرّيرٍ نجس مخفي ومعشِّش في قلبه.... روحَ الضّلالة، روحَ الشّرّ، روحَ عبادة الأصنام وكلَّ شَرَهٍ واستكثار، روحَ الكذب وكلَّ نجاسة مفعولةٍ بحسب تعليم إبليس. واجعله خروفًا ناطقًا في رعيّة مسيحك المقدَّسة، وعضوًا مكرّمًا لكنيستك وابنًا ووارثًا لملكوتك، لكي يسلك بحسب وصاياك ويحفظ الختم غير منفك ويصونَ اللّباس غيرَ مدنّس فينال غبطة القدّيسين في ملكوتك.

لقد تمّتِ الاستقسامات، والتّحرّر الأوّل قد حصل، استعيد الإنسان مخلوقًا حرًّا مؤهّلاً للحرّيّة الحقيقيّة. وهي ليست ما ندعوه اليوم حرّيّةً، أي ما يجعل الإنسان عبدًا دائمًا لرغباته وشهواته، بل تلك الحرّيّة القادرة على قبول الحياة الحقيقيّة الآتية من الله والقائدة إليه، الحرّيّة القادرة على اعتماد الاختيار الوحيد الحرّ والمحرّر، أي اختيار الله، وهذا الاختيار بالذّات هو الخطوة التّالية في ليتورجيا المعموديّة.

د – رفض الشيطان

رفضُ الشيطان الذي تليّه مباشرةً موافقةُ المسيح، كانا يحصلان عادةً قبيل المعموديّة نفسها، أي يوم الجمعة العظيمة أو سبت النور٩، لأنّهما نهاية فترة التعليم التحضيريّ وتمامها، وهما يُقامان، حسب الترتيب الحاليّ، بعد الاستقسامات:

ثمّ يأمر الكاهن الموعوظَ أنْ يتحوّل نحو الغرب، وهو عارٍ وحافي القدمين ورافعًا يديه إلى فوق.

(... أنْ يتحوّل جهة الغرب...). الغرب هنا يرمز إلى الظلمة، إنّه (جهة) الشيطان١٠ الذي يواجهه الموعوظ فعليًّا، لأنّ الاستقسامات جعلتْه حرًّا لكي يرتدّ عنه ويتحدّاه ويرفضه. وهذا التحوّل نحو الغرب هو فعل حرّيّة، بل أوّل عمل حرّ للإنسان الذي تحرّر من عبوديّة الشيطان.

(... وهو عارٍ وحافي القدمين ورافعًا يديه إلى فوق...). يُجرّد الموعوظ من كلّ ما أخفى عنه مرتبته كعبد وجعله يظهر وكأنّه إنسانٌ حرّ، فلم يعرف عبوديّته وشقاءه وسجنه. ولكنه يعرف الآن أنّه كان أسيرًا، (والأسرى يسيرون عراةً وحفاةَ القدمين)١١.

لقد نحّى جانبًا كلَّ ما أخفى عبوديّته للشيطان وستر ملكيّته له، وصار (يعرف من أيّ شرّ يُخَلَّص وإلى أيّ صلاح يسرع...)١٢. ويداه المرتفعتان تشيران إلى أنّه يستسلم للمسيح، ويريد أن يصبح عبدًا له، ويسعى نحو العبوديّة التي يقول عنها الذهبيّ الفم إنّها (تحوّل العبوديّة إلى حرّيّة... وتخْرِج الإنسان من أرضٍ غريبة وتقوده إلى وطنه: أورشليم السماويّة...)١٣

ويسأله الكاهن ثلاث مرّات:

  • أترفض الشيطان وكلّ أعماله وجميع ملائكته وكلّ عبادته وسائر أباطيله (كبريائه)؟

فيجيب الموعوظ (أو العرّاب) ثلاثًا:

  • نعم، أرفض الشيطان.

ثمّ يعيد الكاهن سؤال الموعوظ ثلاث مرّات أيضًا:

  • أرفضتَ الشيطان؟

وبعد أنْ يجيب الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثًا:

  • نعم قد رفضتُ الشيطان.

يقول له الكاهن:

  • أنفُثْ وابصُقْ على الشيطان.

عندما ظهر طقس رفض الشيطان إلى الوجود، كان معناه واضحًا كلّ الوضوح بالنسبة إلى الموعوظ وإلى كامل الجماعة المسيحيّة على السواء. فقد كانوا يعيشون في عالم وثنيّ يملأ حياتَه ما يسمّى: Pompa diaboli أي عبادة الأصنام، والاشتراك في عبادة الإمبراطور، وعبادة المادّة، إلخ...١٤.

ولم يكن الموعوظ مدركًا ماهيّة ما يرفضه وحسب، بل كان واعيًا أيضًا أنّ هذا الرفض يلْزِمه بأنْ يسير في (طريق ضيّق) وأنْ يعيش حياةً صعبة، غير (ممتثلة) لـ(طريقة حياة) البشر الذين حوله ومتعارضةً معها جذريًّا.

غير أنّ معنى هذا الرفض أخذ يغيب تدريجيًّا منذ أنْ صار العالم (مسيحيًّا) فاعتبر أنّه قد توحّد مع الإيمان المسيحيّ والعبادة المسيحيّة. وهكذا أصبح الناس ينظرون إلى هذا الرفض، وكأنّه طقسٌ عفاه الزمن لأنّه ينطوي على مفارقة تاريخيّة، أو كأنّه أمرٌ غريب يجب عدم أخْذِه بالجدّيّة اللازمة.

فقد اعتاد المسيحيّون على النظر إلى المسيحيّة كجزء متمّم للعالم، إلى حدّ أنّ مجرّد التفكير في وجود توتّر أو خلاف بين إيمانهم المسيحيّ والعالم، غائبٌ تمامًا عن حياتهم. وعلى رغم انهيار العوالم والإمبراطوريّات والأمم والدولة المسيحيّة انهيارًا تاعسًا، فإنّ الكثيرين من المسيحيّين مستمرّون في اعتقادهم بعدم وجود أيّ خطأ أساسيّ في هذا العالم.

ويعتقد هؤلاء أنّ بإمكان الإنسان أنْ يقبل بسرور (طريقة حياة) العالم، وكلّ قيمه و(أولويّاته)، وأنْ يتمّم في الوقت نفسه (مسؤوليّاته الدينيّة). وقد ينظر بعضهم إلى الكنيسة نفسِها وإلى المسيحيّة ذاتها، على أنّهما من الوسائل التي تساعد في إحراز حياةٍ دنيويّة ناجحة وسليمة، وفي معالجةٍ (روحيّةٍ) تزيل كلّ توتّر وخلاف وتمنح (سلام الفكر) الذي يضمن النجاح والاستقرار والسعادة.

أمّا مجرّد التفكير في أنّ على المسيحيّ رفضَ شيءٍ ما، وأنّ هذا الشيء ليس بضعة أفعالٍ يعلم الجميع أنّها شرّيرة وغير أخلاقيّة، بل هو قبل كلّ شيء رؤيةٌ معيّنة للحياة، ومجموعة (أولويّات)، وموقفٌ أساسيّ من العالم، وأنّ الحياة المسيحيّة هي دائمًا (طريق ضيّق)، أمّا هذه الأمور كلّها فقد تخلّينا عنها عمليًّا، ولم تعدْ من صلب نظرتنا المسيحيّة إلى العالم.

والحقيقة الفظيعة، أنّ معظم المسيحيّين لم يعدْ بإمكانهم أنْ يعاينوا وجودَ الشيطان وعملَه في هذا العالم، وفقدوا شعورهم بالحاجة إلى رفض (أعماله وعبادته). إنّهم لا يتبيّنون الوثنيّةَ الواضحة (المعشّشة) في أفكار البشر وقيمهم، وهي تقولب حياتهم وتوجّهها وتستعبدها بشكل يفوق عبادة الأصنام في الوثنيّة القديمة.

إنّهم لا يبصرون أنّ (الشيطانيّ) يكمن بالحقيقة في التزييف والتزوير، وفي جعل كلّ شيء ينحرف عن معناه الحقيقيّ حتّى القيم الإيجابيّة نفسها، وفي تقديم الأسود على أنّه أبيض أو العكس، وفي الكذب المكّار الأثيم وفي اللغط.

إنّهم لا يدركون أنّ المفاهيم ذات الإيجابيّة الواضحة، حتّى المسيحيّةَ منها، كـ(الحرّيّة) و(التحرير) و(المحبّة) و(السعادة) و(النجاح) و(التحصيل) و(النموّ) و(تحقيق الذات)، وهي المفاهيم التي تقولب الإنسان والمجتمع المعاصرين وتحدّد حوافزهما وإيديولوجيّتهما؛ لا يدركون أنّ من الممكن أن تنحرف عن مغزاها الحقيقيّ لتصبح أداةً لنقل (الشيطانيّ).

جوهر (الشيطانيّ) هو دائمًا الكبرياء Pompa diaboli وحقيقة (الإنسان المعاصر)، سواءٌ أكان ممتثلاً للقانون والأعراف أم ثائرًا عليها ورافضًا إيّاها، تكمن في أنّه أوّلاً وقبل كلّ شيء كائنٌ مملوءٌ بالكبرياء وعابدٌ لها ومسيَّرٌ بواسطتها، لذلك يضعها في أوّل لائحة قيمه.

وهكذا يظهر أنّ رفض الشيطان ليس رفضًا لكائن خرافيّ، قد لا نعتقد حتّى بوجوده، بل هو رفضٌ كاملٌ لـ(نظرة إلى العالم) مكوّنةٍ من الكبرياء وإثبات الذات، ورفضٌ للكبرياء نفسها، لأنّها أخذت الحياة البشريّة الحقيقيّة من الله وحوّلتْها إلى ظلمة وموت وجحيم.

والأمر المؤكّد أنّ الشيطان لن ينسى الرفض والارتداد والتحدّي، الكامنة كلّها في عبارة: (أنفُثْ وابصُقْ على الشيطان). فثمّة حربٌ أُعلنتْ، وصراعٌ قد بدأ، وستكون النتيجة إمّا حياةً أبديّةً أو موتًا أبديًّا. وهذا هو مغزى المسيحيّة! وهذا هو، في النهاية، معنى اختيارنا!

هـ - موافقة المسيح

وبعد أن يفعل الموعوظ ذلك، يُوجِّهه نحو الشَّرق، ويأمره أنْ يخفض يديه إلى أسفل.

(... يوجِّهه نحو الشَّرق...). إذا كان التوجُّه نحو الغرب حين رفض الشَّيطان يعني مواجهته هو وظلمته، فإنَّ التوجُّه نحو الشَّرق يعني تحوُّلَ الإنسان نحو الفردوس المقُام في تلك الجهة، نحو المسيح: نور العالم.

وهذا ما يفسِّره القديس كيرلُّس الأورشليمي: (عندما ترفض الشَّيطان بالكلِّيَّة وتنقض كلَّ عهدٍ مقُام معه، أي تلك المعاهدة القديمة مع الجحيم، ينفتح لك فردوس الله الذي زرعه باتجاه الشَّرق، وأُقصي عنه أبونا الأوَّل بسبب خطيئته. وهذا ما يرمز إليه التحوُّل من الغرب إلى الشَّرق، أي إلى مكان النور) ١٥.

(... خافضًا يديه إلى الأسفل...). معصية الإنسان لله تستبدل في تلك اللحظة بالاستسلام والخضوع والسَّلام. ولذلك كان الأسقف يخاطب الموعوظ، حسب ترتيب المعمُوديَّة القديم في كنيسة القسطنطينيَّة، قائلاً له: (تحوَّلْ نحو الشَّرق، أخْفِضْ يديك وقِفْ بوقارٍ) ١٦. فهنا بالذات يعلن الإنسان ولاءه للمسيح.

يسأله الكاهن ثلاث مرَّات:

  • - أتُوافقُ المسيح؟ (بالإنكليزيَّة: أتتحدُ بالمسيح؟)

فيجيب الموعوظ (أو عرَّابه) ثلاثًا:

  • - نعم أوافق المسيح. (بالإنكليزيَّة: نعم أتحدُ بالمسيح)

(... أتوافق المسيح...). اللفظة اليونانيَّة المستعملة هنا هي: Syntaxis ومعناها الولاء والالتصاق. وهي نقيض لفظة: apostasis المستعملة للرَّفض، ومعناها الحرفي التخلِّي والاقتراب. فالعبارة تشير إذًا إلى أكثر من اتحادٍ نفسيٍّ. إنَّها إعلانٌ عن التصاقٍ شخصيٍّ بالمسيح وعن انخراطٍ في صفوف من يخدمونه. وهذا الإعلان يتمُّ بشكلٍ يشبه القَسَم الذي يؤدِّيه الجنود ١٧.

ثم يسأله الكاهن ثلاث مرَّات أيضًا:

  • - أوافقتَ المسيح؟ (بالإنكليزيَّة: هل اتحدتَ بالمسيح؟)

فيجيبه الموعوظ (أو عرَّابه) ثلاثًا:

  • - نعم قد وافقتُ المسيح (بالإنكليزيَّة: نعم قد اتحدتُ بالمسيح).

يسأله الكاهن:

  • - وهل تؤمن به؟

فيجيب الموعوظ:

  • - أؤمن به أنَّه ملكٌ وإلهٌ.

يؤخذ هذا القرار أو القَسَم مرَّةً واحدةً وإلى الأبد، فلا يُعاد النظر فيه أو تقويمه (من وقتٍ لآخر)، فـ (ما من أحدٍ يضع يده على المحراث، ثم يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله) ١٨. وهذا هو معنى تكرار السؤال، بالانتقال من صيغة الحاضر (توافق) إلى صيغة الماضي الكامل (وافقتَ) ١٩.

يُسمَّى هذا القرار بالتعبير المسيحيِّ: إيمانًا (في اليونانيَّة: Pistis وفي اللاتينيَّة: fides). والإيمان ذو مدلولٍ أعمقَ ممَّا يُعطى له اليوم، أي الموافقة على مجموعة عقائدَ وطروحاتٍ موافقةً فكريَّةً. فالإيمان يعني، قبل كلِّ شيء، إخلاصًا والتزامًا غيرَ مشروطين، وانتماءً كلِّيًّا إلى شخصٍ يجب أن نطيعه ونتبعه مهما حصل.

لقد اعترف الموعوظ أنَّه يؤمن بالمسيح ملكًا وإلهًا. واللقبان ليسا مترادفين، ولا يعبِّران عن معنى واحد. فالاعتقاد أنَّ المسيح إلهٌ لا يكفي لوحده، لأنَّ الشَّياطين نفسها تعتقد ذلك ٢٠.

أمَّا القبول بأنَّه ملكٌ وربٌّ فيعني أنَّ ثمَّة قرارًا ورغبةً في أنْ نتبعه ونقف حياتنا من أجل خدمته، بالعيش حسب وصاياه. ولهذا فإنَّ أقدم اعترافٍ مسيحيٍّ كان الاعتراف بأنَّ المسيح هو الربُّ (kyrios). ولفظة (كيريوس) كانت تعني، في اللغة الدينيَّة والسياسيَّة لذلك العصر، قوَّةً فعليَّةً وكليَّةً تتطلَّب طاعةً غيرَ مشروطة.

وما اضطهاد المسيحيِّين وتسليمهم إلى الموت، إلاَّ نتيجة لرفضهم مناداة الإمبراطور الرومانيِّ بلفظة (كيريوس). (أنت وحدك الربُّ): هكذا تعلن إحدى أقدم الترنيمات المسيحيَّة، أي المجدلة الكبرى التي نرتِّلها صباح كلِّ يومٍ دون أن ندرك ما تحويه من تحدٍّ لكلِّ القوَّات الأرضيَّة (والأرباب).

فالاعتراف بأنَّ المسيح ملكٌ لا يعني أنَّ الملكوت الذي أعلنه ودشَّنه بنفسه يخصُّ المستقبل البعيد، (الما بعد) وحده، وأنَّه بالتالي لا يتعارض أو يتناقض مع (ممالكنا) الأرضيَّة الأخرى وولاءاتنا المختلفة. فالواقع أنَّنا ننتمي إلى الملكوت هنا والآن، وننتمي إليه ونخدمه قبل كلِّ (الممالك) الأخرى.

فانتماؤنا وولاؤنا لأيِّ شيءٍ في (هذا العالم) - سواءً للدولة أو الأمَّة أو العائلة أو الحضارة أو أيَّة (قيمةٍ) أخرى - ليس ملزمًا لنا إلاَّ بمقدار ما يكون غيرَ متناقضٍ وغيرَ مشوَّهٍ لولائنا الأوَّل ولالتصاقنا (Syntaxis) بملكوت المسيح.

وعلى ضوءِ هذا الملكوت لا يمكن لأيِّ أمرٍ آخر أنْ يطالب بولائنا المطلق له، ولا يمكن لأيِّ ولاءٍ آخر أنْ يكون (سيِّدًا) لحياتِنا. وإنه لأمرٌ هامٌّ جدًّا أنْ نتذكَّر هذه الحقيقة الآن، أي في الوقت الذي صار المسيحيُّون يشاركون (العالم) في إطلاق صفة المطلق على قيمهم الأرضيَّة – الوطنيَّة والعرقيَّة والسياسيَّة والحضاريَّة – وفي جعلها مقياسَ إيمانهم المسيحيِّ، بدل إخضاعها للقَسَم الوحيد المطلق: القَسَم الذي أَدَّوه يومَ معموديَّتهم (وانخراطهم) في صفوف أولئك الذين يؤمنون أنَّ المسيح هو ملكهم وربُّهم الوحيد.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.