الفصل الرابع
أ- الزِيّاح
لم تكن المعمودية والمسحة تقامان سابقاً داخل الكنيسة، ولا في ردهتها، بل في مبنى منفصل يدعى بيت المعمودية = baptisterion 1. فبعد انتهاء المسحة كان المعتمدون الجدد يلبسون الحلل البيضاء ويحملون الشموع بأيديهم، فيقودهم الأسقف والإكليريكيون الذين يعاونونه في إقامة السرّ إلى الكنيسة حيث يجتمع المؤمنون منتظرين وصولهم للبدء بسرّ الشكر الفصحي.
تعرض التفاسير القديمة هذا الزياح وتشرحه بوصفه الجزءَ الضروريَّ والمتمِّم لليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة، و(الظهورَ) النهائيَّ لمعناها 2. هو يبقى كذلك حتى اليوم، على الرغم من كل التغييرات والتطورات، وخاصة الانفصال الليتورجي بين خدمة المعمودية والاحتفال الفصحي. لذلك من المهم أن نستعيد معناه، أي أن نستعيدَ فهمنا للمعمودية كلِّها.
نجد في الممارسة الليتورجية الحالية أنَّ ثمةَ زياحاً في نهاية خدمة المعمودية، وزياحاً آخر في بداية الاحتفال الفصحي. ففي نهاية طقس المعمودية، أي بعد المسح بالميرون المقدَّس مباشرةً، يقود الكاهن المعتمد الجديد وعرَّابَيه في زياح دائري حول جرن المعمودية، فيما يرتل المؤمنون الآية المقتبسة من رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية: (... أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. هليلوييا) (غلا ٢٧:٣). أما الاحتفال بالفصح فيبدأ أيضاً بزياح. ففي نصف الليل نطوف حول الكنيسة، ونسمع أمام بابها المغلق أوَّل إعلان عن قيامة المسيح.
ولكن ما لا تعلمه الأكثرية الساحقة من المؤمنين، أنَّ هذين الزياحين كانا في الأصل زياحاً واحداً. ففي التقليد الليتورجي القديم كان إدخال المعتمدين الجدد إلى الكنيسة هو بداية الاحتفال بالقيامة. ولم يكن هذا الإدخال بدايةً (زمنيةً) وحسب، بل بدايةً روحيةً أيضاً. وبكلام آخر إنَّ (المدخل) إلى فهم الزياح الذي يلي المعمودية موجودٌ في صِلَته بالفصح، وفي (اتجاهه) نحو سرّ الشكر الفصحي. كما أنَّ (المدخل) إلى فهم الاحتفال بالفصح موجودٌ في (بداية) هذا الاحتفال، أي في المعمودية. ولكن حين فقِدَ (المدخل) الأصليّ – وهو أمر حصل مراراً في تاريخ الليتورجيا – ظهرت تفاسير جديدة ومصطنعة لهذه الطقوس.
وعلى سبيل المثال، فإنَّ الزياح الدائري حول جرن المعمودية، يفسَّر الآن على أنه رمزٌ للبهجة الروحية، أو رمزٌ للأبدية، أو رمزٌ للإكرام الأبدي للثالوث القدوس، الخ... أما الزياح الفصحي فصار تصويراً رمزياً للنسوة الحاملات الطيب وهنّ في طريقهن إلى القبر. ومشكلة مثل هذه التفاسير، ومثل هذه الرمزية (التوضيحية)، أنّها غير سديدة حتى بالمنظار (التوضيحي) نفسه (يذكر الإنجيل أنَّ النسوة ذهبنَ إلى القبر (في الصباح الباكر... عند شروق الشمس) وليس في نصف الليل، وأنهن وجدنَ القبر (مفتوحاً) لا مغلقاً، الخ...)، إضافة إلى أنها تخفي وتشوِّه معنى الليتورجيا والأعمال الليتورجية. فبدل أن تكون الأعمال والطقوس الليتورجية أحداثاً، بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، أي أموراً تحدث لنا ولحياتنا بالفعل، ووسيلةً لدخولنا إلى الحقيقة التي دشّنها المسيح والروح القدس ومنحاها لنا، تصير مجرد تصاوير خارجية بالنسبة إلينا، مثلما يبقى دور الممثل على المسرح أمراً خارجياً بالنسبة إليه.
بعد اكتشافنا المدخل الصحيح، يجب أن نفسِّر هذا الارتباط الذي يظهر، حتى للمؤرخين واللاهوتيين، أنه ارتباط (عَرَضيٌّ) ناتج عن عدد من التطورات التاريخية المحضة، وليست له أية أهمية حقيقية بالنسبة إلى قانون إيمان الكنيسة (Lex Credendi).
من الواضح أنَّ المشكلة الأولى تتعلّق بالزياح الذي يلي المعمودية. فبعد أن توقّف عن كونه زياحاً إلى الكنيسة وإلى داخل سر الشكر، صار في الممارسة الليتورجية الحالية، ومن وجهة نظر الكثيرين، مجرَّدَ ملحق لطقس المعمودية، ولا يضيف شيئاً إلى معنى المعمودية نفسها، ومهمتنا الأولى أن نبيّن أنَّ الزياح الذي يلي المعمودية يبقى، حتى في شكله الحاضر، جزءاً ضرورياً من ليتورجيا المعمودية، وأنه الظهور النهائي لمعناها.
ترنِّم الكنيسة خلال الزياح الذي يلي المعمودية: (أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم). وهذه الترنيمة نفسها تَحِلّ محلَّ التريصاجيون (التسبيح المثلّث التقديس) في قداس الفصح (وكذلك في الأعياد التي كانت الكنيسة الأولى تعمِّد فيها، أي الميلاد والظهور وسبت لعازر). ولكن حسب الممارسة الليتورجية القديمة كان التريصاجيون ((قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، ارحمنا)) هو بالتحديد ترنيمةَ الدخول، والنشيدَ الافتتاحي، أي الترنيمة التي تنْشِدها الجماعة المؤمنة لدى دخولها إلى الكنيسة، استعداداً منها لسماع الإنجيل والاحتفال بسر الشكر. أما خدمة الأنتيفونات الثلاث، التي تسبق اليوم ما نسميه (الدخول الصغير)، فكانت تنشد في بعض المناسبات فقط، وخارج الكنيسة أو في الطريق إليها. فـ(الدخول الصغير) كان دخولاً حقيقياً إلى الكنيسة. والتريصاجيون كان الترنيمة المعبِّرة عن معنى هذا الدخول بوصفه دخولاً إلى (قدس الأقداس) 3. وما إبدال التريصاجيون في يوم الفصح بترنيمة الزياح الخاص بالمعمودية، سوى إشارة واضحة إلى أنَّ المعمودية كانت، في فكر الكنيسة الأولى وممارستها، تتصل عضوياً بالاجتماع الإفخارستي، وتجد تحقّقَها في (الدخول إلى الكنيسة) وإقامة سر الشكر، وإلى أنَّ الزياح والدخول اللذين يليان المعمودية كانا يدشِّنان احتفال الكنيسة بقيامة المسيح. وهذا ما يتضمنه بوضوح طقسنا الحالي للمعمودية. فالزياح حول الجرن يسبق مباشرةً الفصلين اللذين يقرآن من الرسائل والإنجيل، أي القسم الأول من سر الشكر، كما أنَّ هذين الفصلين نفسيهما فصحيان، فهما اللذان يقرآن في خدمة السبت العظيم المقدَّس.
إنَّ المعنى الفصحي والإفخارستي للزياح الذي يلي المعمودية، يظهر أيضاً في الزياح الفصحي الحالي. ولكنَّ مدخلنا إلى فهمه، والرمزَ الأساسي له، هو رمز (الباب المغلق). وسبب عدم فهم هذا الرمز، الذي رأينا أنه قد أبدل برمز توضيحي بحت عن النسوة الواقفات عند القبر، عائدٌ إلى نَقلِ تسمية (الباب الملوكي) في تاريخ متأخر، من باب الكنيسة إلى باب الأيقونسطاس. ولكن في الفترة التي سبقتْ ذلك – وفيها وصلتْ ليتورجيا المعمودية إلى ملء تعبيرها الفصحي – كان باب الكنيسة الرئيسي هو الذي يدعى (البابَ الملوكي). فبالنسبة إلى المؤمنين كانت الكنيسة كلّها، لا الهيكل وحده، رمزاً وتعبيراً عن ملكوت الله، وكان التجديد في المعمودية والمسحة بالروح القدس هما اللذان يفتحان الباب المؤدي إلى هذا الملكوت، أي البابَ الذي أغلقتْه الخطيئة وغرْبَة الإنسان عن الله. فالمعمودية بوصفها عطيةَ القيامة وخبرتَها، هي تثبيت قيامة المسيح، والبرهان (الوجودي) الوحيد على أنَّ المسيح قد قام فعلاً، وهي التي تنقل حياته الناهضة من بين الأموات إلى الذين يؤمنون به. لذلك يتلقّى المعتمدون الجدد الإعلانَ السارَّ: (المسيح قام!)، من بداية الزياح حتى وصولهم إلى (الباب المغلق). وهذا الإعلان هو الشهادة لما تمَّ منذ قليل في المعمودية، وهو الذي يفتح الباب ويدشِّن احتفال الكنيسة بقيامة المسيح. وهذا الاحتفال، أو الليل الذي وصفه القديس غريغوريوس بأنه (نيِّر أكثر من النهار)، والذي هو الذروة والقطب النقطة العليا في حياة الكنيسة كلِّها، ليس احتفالاً بحدث من الماضي وحسب، بل بملكوت الله نفسه، الذي دشّنه ذلك الحدث وجعله حياةَ الكنيسة وفرَحها. وهكذا تحقّق المعمودية ذاتَها بوصفها زياحاً إلى الكنيسة وإلى سرّ الشكر، أي إلى الاشتراك في فصح المسيح (على مائدته في ملكوته) (لو-١٥:٢٢ ١٦، ٢٩- ٣٠).
أما المشكلة الثانية المتعلّقة بالزياح الذي يلي المعمودية، فعائدة إلى أنَّ الكنيسة تبدو وكأنّها تحتفل بالفصح مرتين: الأولى في مساء الفصح، وتشمل خدمةَ القديس باسيليوس وطقسَ ارتداء الحلل البيضاء بدل الملابس الداكنة، والقراءاتِ الفصحيةَ وما يتخلّلها من فرح فصحي واضح. والثانية هي خدمة نصف الليل، وتشمل الزياحَ الفصحيَّ وصلاةَ السحر وخدمةَ القديس يوحنا الذهبي الفم. والواقع أنَّ هذا الاحتفال المزدوج، الذي نجد نظيراً له في ترتيب عيدي الميلاد والظهور، وهما بدورهما من الأعياد التي يغلب عليها طابع المعمودية، لم يفسَّر بشكل ملائم. فمعظم تفاسيره كانت تاريخية، وحتى أرخيولوجية، والحال أنَّ (المدخل) الصحيح إليه لاهوتي أيضاً: إنه متعلّق بخبرة الكنيسة الأولى للمعمودية بوصفها سراً فصحياً، وللفصح بوصفه احتفالاً بالمعمودية 4.
ذكرنا أكثر من مرّة أنَّ الكنيسة الأولى كانت تقيم معمودية الموعوظين خلال السهرانية الكبرى لعيد الفصح، أي أنَّ المعمودية كانت جزءاً متمّماً لليلة المقدَّسة (sancta nox). والواقع أنَّ السهرانية كانت تبدأ بوصفها الخاتمةَ المهيبةَ لفترة تعليم الموعوظين، أي فترة التهيئة للمعمودية. وهذا العنصر التعليمي الذي يسبق المعمودية ما يزال واضحاً في صلاة الغروب ليوم السبت العظيم المقدَّس، وبشكل خاص في القراءاتِ الخمسَ عشرةَ المأخوذةِ من العهد القديم. فهذه القراءات ليست (أمثالاً) عن القيامة فقط، بل عن المعمودية أيضاً، أو بالأحرى عن الخلاص بوصفه عبوراً (من العبودية إلى الحرية، من الموت إلى الحياة، من الأرض إلى السماء). وفي ختام هذا التعليم الأخير والمهيب، كان المرشحون للمعمودية يقادون في زياح إلى (بيت المعمودية)، فيما الجماعة المؤمنة تواصل (سهرانيَّتها)، أي (انتظارها) لعودتهم، لكي يتحقّق الفصح إفخارستياً. وهذا يعني أنه لم يكن هناك سوى احتفال واحد يشمل: السهرانية، إقامة المعمودية، الزياح ثم سر الشكر.
والواقع أنَّ عاملاً خارجياً، أيْ عاملاً تاريخياً، هو الذي غيَّر هذا الاحتفال. فبعد أنْ كان في البدء احتفالاً واحداً شاملاً، صار مؤلفاً من خدمتين: خدمةٍ يجب أنْ تتم، حسب التعليمات الطقسية، مساءَ السبت العظيم المقدَّس، أي مساءَ الفصح؛ وخدمةٍ ثانية هي التي تؤلف اليوم الاحتفال الفصحي بالمعنى الضيق للكلمة. وهذا العامل كان ازديادَ عدد الموعوظين، وسببه اعتناق الإمبراطورية الدين المسيحي وتحوّله سكانها إليه. وهكذا راحت صعوبة تعميد كل المرشحين في يوم واحد واحتفال واحد، تظهر شيئاً فشيئاً. وقد أدّى ذلك إلى أمرين: الأول هو زيادة عدد الأيام التي تقام فيها المعمودية، فصارت أعياد الميلاد والظهور وسبت لعازر (أعياداً للمعمودية)، وحتى العنصرة نفسها خصِّصت للمعمودية في فترة معينة. أمَّا الأمر الثاني فهو تعديل الليتورجيا الفصحية وقسمتها إلى قسمين: المعمودية، والفصح (بالمعنى الضيق للكلمة).
وقد أدّى هذا التعديل، الذي كان ضرورياً بسبب الحاجات العملية، إلى تعمّق لاهوتي خلاّق للحس الليتورجي في الكنيسة، مما أوجد فيها ترتيباً طقسياً جديداً للفصح، يشكِّل – دون أيِّ شك – أعظمَ مأثرة روحية للتقليد الليتورجي البيزنطي، و(ظهوراً) ليتورجياً فريداً لسر الخلاص كلَّه.
والحقيقة أنَّ الكنيسة لم تبْعِد المعمودية عن الاحتفال الفصحي، ولم تجعلْها خدمة خاصة بـ(المعتمدين) (وهو الحل الذي تمَّ تبنّيه لاحقاً، في زمن الانحطاط الليتورجي، ولا يزال مسيطراً على ممارستنا الليتورجية)، بل جعلتْ لذلك الاحتفال قطبين اثنين، يعبِّران عن خبرة الفصح المزدوجة: خبرتِه بوصفه النهاية، وخبرتِه بوصفه البداية. فالفصح هو نهاية تاريخ الخلاص، أي نهاية تلك السلسلة الطويلة من العبورات التي هَيَّأتْ وتَحَقَّقَتْ في العبور الأخير الذي أنجزه المسيح، وأنْجَزَه فيه كلّ الذين يؤمنون به. والفصح هو أيضاً بداية ملكوت الله، أي بداية تلك (النهار الذي لا يغرب) أو (النور الذي لا يعروه مساء).
في مساء السبت المقدَّس تحتفل الكنيسة بـ (فصح النهاية). فذلك اليوم هو اليوم السابع، (السبت المبارك)، اليوم الذي يرتاح فيه ابن الله بعد إنجازه عملَ الخلاص وإعادةَ الخلق. إنه بالفعل اليوم الأخير من الزمن القديم، أي نهاية العالم القديم. والمعمودية تشركنا في هذه النهاية المباركة، وفي ذلك الاحتفال المسائي الذي تكتمل فيه كلّ التهيئات. ولكنَّ المساء الذي ينتهي عنده يومٌ ومرحلةٌ هو بالنسبة إلى الكنيسة إعلانٌ لليوم التالي وبدايةٌ له، لذلك فإنها حين تحتفل بقيامة المسيح بوصفها نهايةً وتدشيناً، تعلن وتدشِّن في الوقت نفسه احتفالَها بالقيامة بوصفها بدايةً. فخدمة نصف الليل ليست سوى فيضٍ دائمٍ من الفرح الذي تصفه صلوات الفصح بأنه فرحٌ (ببدء حياة أخرى أبديَّة)، أي ببدء ملكوت الله في حياتنا نفسها. وهكذا يظهِر الفصح، في الاحتفال المسائي الاعتمادي، أنَّ زمن الكنيسة وحياتها هما ظهور النهاية. أما في الاحتفال الليلي الأخروي، فيظهِر أنهما البداية.
هذه هي المدلولات الروحية واللاهوتية للزياح الذي يلي المعمودية. ففيه ينكشف الجوهر الحيوي، وغير الجامد، للحياة الجديدة التي أخذتْ في المعمودية وختِمَتْ في سر المسحة، وفيه تظهر تلك الحياة الجديدة بوصفها نهايةً تتحوَّل دائماً إلى بداية، أي بوصفها (عبوراً) من (هذا العالم) إلى ملكوت الله، و(زياحاً) نحو (النور الذي لا يعروه مساء)، نور أبدية الله. وهذا الزياح هو الذي يربط المعموديَّة، سرَّ التجديد، بالإفخارستيا، سرِّ الكنيسة: أي السرِّ الذي يحقّق الكنيسة بوصفها حضورَ ملكوت الله في (هذا العالم) وعطيَّتَه له. لذلك نحن مدعوون الآن إلى توضيح هذا الارتباط.
ب- المعمودية وسر الشكر
إن البنية المثلثة لليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة (المعمودية – المسحة – سر الشكر) الظاهرة بوضوح في التقليد الليتورجي القديم، تركت وأهملت في اللاهوت والممارسة الليتورجية، منذ زمن طويل، حتى أن مجرد الكلام عليها الآن، قد يعتبره الكثيرون (بدعة) خطرة. ولكن من الضروري أن نفعل هذا، لا بسبب حب رومانسي أو أرخيولوجي للماضي، ولا رغبة منا في رؤيته (مستعاداً) بشكل مصطنع (وكل الإعادات هي دائماً مصطنعة)، بل لتأكدنا من أننا لن ندرك ونفهم معنى المعمودية الكامل إلا داخل هذه البنية الأصلية.
كانت أسرار المعمودية والمسحة والشكر (تتواجد معاً) في التقليد القديم 5، وتشكل سلسلة ليتورجية واحدة و(ترتيباً طقسياً) واحداً، لأن كل سر منها يتحقق في الآخر، بشكل يتعذر معه فهم الواحد منها فهماً كاملاً إذا فصل أو عزل عن السريْن الآخريْن. وإذا كان سر المسحة، كما حاولنا أن نبين، يحقق المعمودية، فإن سر الشكر هو الذي يحقق المسحة المقدسة. والتحقيق هنا لا يعني (سريان المفعول) – فكل سر هو (ساري المفعول) بذاته – ولكنه يعني الصلة الروحية والفعالة والوجودية، القائمة بين هذه الأسرار في الحياة الجديدة التي أخذناها من المسيح. في المعمودية نولد ثانية بالماء والروح، فتجعلنا هذه الولادة (أهلاً) للروح القدس ولعنصرتنا الشخصية. أما موهبة الروح القدس فـ(تفتح) لنا المدخل إلى الكنيسة، أي إلى مائدة المسيح في ملكوته. إننا نعتمد لكي نأخذ الروح القدس؛ ونأخذ الروح القدس لكي نصير أعضاء حية في جسد المسيح وننمو داخل الكنيسة حتى نبلغ ملء قامة المسيح.
يبدو أن كثيراً من الناس لا يفهمون هذه العلاقة الأسرارية المتبادلة، ولا يدركون لماذا كان سر الشكر بالنسبة إلى الآباء (سر كل الأسرار)، والتحقيق البديهي لكل منها. وسبب ذلك أن تأثرهم بلاهوت ثابت يمنعهم من فهم المعنى الحقيقي لسر الشكر بالنسبة إلى الكنيسة وإلى حياتها. فعندهم أن سر الشكر واحد من الأسرار، ووسيلة من (وسائل النعمة) العديدة، وأنه مثلها جميعاً يهدف إلى تقديس المؤمنين شخصياً. ولكن ما لا يفهمونه هو المعنى الفريد لسر الشكر بوصفه سر الكنيسة، أي العمل الذي فيه ومن أجله تصير الكنيسة (ما هي)، فتتجلى وتحقق ذاتها بوصفها جسداً للمسيح وهيكلاً للروح القدس وتحقيقاً لملكوت الله في (هذا العالم). لا يفهمون هذا لأن اللاهوت القانوني والمدرسي (المتأثر بالغرب)، والذي طبع الممارسة الإفخارستية المعاصرة بطابعه، قد اختزل منذ زمن بعيد سر الشكر إلى (حقيقة) واحدة، هي استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، مقصياً كل مظاهر هذا السر وأبعاده الأخرى. لذلك لا تعالج كتيباتنا اللاهوتية سوى مسألة (استحالة) العناصر وتوزيعها بشكل مناولة – شخصية وفردية – للمستحقين والراغبين. فلا عجب إذاً أن يكون ثمة تجاهل حقيقي للصلة العضوية القائمة بين سر الشكر والأسرار الأخرى – وخاصة المعمودية – وأن يتوقف سر الشكر عن كونه السر الذي اعتبره الآباء القطب والمصدر والتحقيق لكامل حياة الكنيسة، وليس لحياتها (الليتورجية) وحسب، لأنه سر اعتلانها، وسر بنائها.
ولكننا نجد منطلقاً مختلفاً تماماً في التقليد الأرثوذكسي الحقيقي، الذي يظهر قبل كل شيء في سر الشكر نفسه وفي ترتيبه الطقسي. فهذا التقليد يرى في الاستحالة والمناولة تحقيقاً وتتويجاً وذروة لليتورجيا الإفخارستية بكاملها، أي أنهما يحققان الكنيسة بوصفها الخليقة الجديدة التي افتداها المسيح، وصالحها مع الله، ووهبها مدخلاً إلى السماء، وملأها من المجد الإلهي، وقدسها بالروح القدس، حتى صارت مؤهلة ومدعوة إلى الاشتراك في الحياة الإلهية، أي في تناول جسد المسيح ودمه.
من الواضح أن هذا الفهم وهذه الخبرة لسر الشكر يظهران أنه تحقيق ضروري وبديهي للمعمودية. يقال لنا إن المعمودية تدخلنا إلى الكنيسة وتوحدنا بها، ولكن إذا كان كيان الكنيسة وجوهرها النهائيان يعتلنان في سر الشكر ومن خلاله، وإذا كان سر الشكر هو حقاً سر الكنيسة، وليس واحداً من أسرارها وحسب، فإن الدخول إلى الكنيسة يجب أن يعني حتماً الانتماء إلى سر الشكر، كما أن سر الشكر يجب أن يكون بالضرورة تحقيقاً للمعمودية. وأفضل طريقة لفهم هذا الأمر هي متابعة المعتمدين الجدد وهم يدخلون إلى الكنيسة في (زياح)، وينضمون إلى جسد المؤمنين الواحد، ثم يبدأون جميعاً اشتراكهم في الاحتفال الشكري.
والواقع أن دخولهم هو، في المقام الأول، فعل انتماء إلى الجماعة الملتئمة، أي إلى الكنيسة بالمعنى الأساسي الحرفي للكلمة اليونانية έκκλησια وهو الاجتماع والالتئام. فخبرتهم الأولى للكنيسة ليست خبرة لشيء مجرد أو لفكرة، ولكنها خبرة لوحدة حقيقية ومحسوسة بين أشخاص، يتحد كل منهم بالآخر، ويشكلون عائلة واحدة وجسداً واحداً ورفقة واحدة، لأن كلاً منهم متحد بالمسيح. وهكذا يكون سر الشكر، قبل كل شيء، اجتماعاً، والأفضل أن نقول إنه هو الكنيسة نفسها بوصفها وحدة في المسيح. وهذا الاجتماع أسراري لأنه يكشف الوحدة غير المنظورة في المسيح – أي حضوره في وسط هؤلاء الذين يؤمنون به ويحبونه، وفيه يحبون بعضهم بعضاً – ويجعلها وحدة مرئية و(حقيقية)، ولأن هذه الوحدة هي حقاً وحدة حقيقية جديدة، تعبر عن انتصار المسيح على (هذا العالم) الذي يكمن شره في الابتعاد عن الله، أي في الشقاق والتشرذم والعداوة والانقسام.
هذه الوحدة الجديدة التي يعلنها الاجتماع للمعتمدين الجدد المنضمين إليه، لا تقتصر على شعب الكنيسة فقط. فهؤلاء الذين تركوا العالم وراء أبواب الكنيسة، يجدون العالم نفسه مطهراً ومتجلياً وممتلئاً من جديد بالجمال والمعنى الإلهيين، أي أيقونة لملكوت الله. إنه ليس اجتماعاً لبعض (الهاربين) من العالم الذين يتمتعون بمرارة هروبهم منه ويغذون كرههم له. استمعوا إلى مزاميرهم وترانيمهم، وتأملوا الجمال الشفاف في أيقوناتهم وحركاتهم وكامل احتفالهم، تجدوا الفرح الكوني يتخللها كلها، والطبيعة بأسرها – في مادتها وزمانها، في أصواتها وألوانها، في كلامها وصمتها – تسبح وتعبد الله، وفي هذا التسبيح تعود كما كانت: سر شكر، سر وحدة، سر خليقة جديدة.
كلمة الله: لقد سمعها المعتمدون الجدد عندما كانوا موعوظين، ولكنهم الآن، وللمرة الأولى، لا يسمعونها من الخارج، بوصفها دعوةً ووعداً أو كلمة عن الله، بل في الداخل، لأنهم صاروا من (أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله) (أفسس ١٩:٢). ويمكنهم الآن أن يعيشوا بحسب الكلمة، وأن ينموا في فهمها. وهكذا يكشف سر الشكر أن الكنيسة هي سر الكلمة.
تقدمة الخبز والخمر: الحياة نفسها تستعاد بوصفها توجهاً بالقرابين إلى الله. وهذا التوجه هو الذي يوحدنا مع ذبيحة المسيح وبذله ذاته، أي مع الذبيحة الكاملة التي تشمل حياتنا كلها وحياة العالم بأسره. وهكذا يظهر سر الشكر أن الكنيسة هي سر التقدمة.
قبلة السلام والاعتراف بالإيمان: نتبادل محبة الله التي (انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا) (رومية ٥:٥)، ونعترف بالحقيقة التي تحررنا وتجعلنا (أبناء النهار وأبناء النور). وهكذا يظهر سر الشكر أن الكنيسة هي وحدة في الإيمان والمحبة.
تقريب الذبيحة: إنه تحقق الكنيسة، وتحقق العالم كله في الكنيسة، عبر فعل واحد ونهائي يشمل الكل، فعل شكر وعبادة وتذكّر وترقّب. إنه الفعل الذي يختصر الحياة كلها والزمن كله والوجود كله، فيأخذنا إلى الأبدية، ويوقفنا – في المسيح – أمام عرش الله، حيث نقدم له إفخارستيا المسيح الأبدية.
إن الكنيسة في بيتها الآن. فالروح القدس الذي ينزل عليها، يصعدها إلى السماء. وهناك، على مائدة المسيح في ملكوته، تعرف أن تقدمتها من الخبز والخمر قد استحالت إلى جسد المسيح ودمه، وصارت اشتراكاً في ناسوته المتأله وفي الحياة الإلهية التي (لا تنضب). ويشترك المعتمدون الجدد في كل هذا. فقد اعتمدوا حتى أنهم، بعد موتهم مع المسيح، يشتركون في حياته الناهضة من بين الأموات. وسر الشكر هو الذي يجعل هذه الحياة الناهضة تتجلى، وينقلها إلى الكنيسة، جاعلاً أعضاءها شهوداً للأمور العتيدة.
يمكننا أن نفهم الآن لماذا كان الانفصال التدريجي بين المعمودية وسر الشكر، لاهوتياً وليتورجياً، أكثر من مجرد انحراف خارجي عن التقليد القديم. فالواقع أنه يشوه السريْن كليهما، لا في ملئهما الموهوب، الذي لا يتأثر بأخطائنا ونواقصنا، بل في فهمنا واقتبالنا لذلك الملء. فبعد أن جعلت المعمودية طقساً مستقلاً ومتمتعاً باكتفاء ذاتي، لم تعد تختبر بوصفها الدخول الحقيقي إلى الكنيسة، والمصدر الدائم لحياتها وللحياة فيها. أما سر الشكر فإن فصله، أي (قطعه) عن سائر الأسرار، هو المسؤول قبل كل شيء آخر، عن اختزاله إلى مجرد خدمة و(وسيلة للنعمة) من بين خدم ووسائل متعددة، وعن توقفنا عن فهمه واختباره بوصفه سر الكنيسة.
ولكن ليتورجيا المعمودية، حتى في شكلها الحالي، تدل على أنها تتجاوز ذاتها، وتذكرنا بتوجهها الجوهري نحو الكنيسة. ونجد هذين (التجاوز) و(التوجه) في القراءتين التاليتين للزياح حول الجرن (الرسالة: رومية ٣:٦-١١ والإنجيل: متى ١٦:٢٨-٢٠) فهما ليستا مجرد (تفسيرين) للمعمودية، على غرار التفاسير الكتابية التي كانت تعطى قبل المعمودية، وتشكل جزءاً أساسياً من التعليم الذي يهيئ لها، ولكنهما – قبل كل شيء – إعلان عن (جدة الحياة)، وعن (مضمون) الحياة الجديدة الذي يؤخذ في المعمودية. إن ثمرة المعمودية وتحققها الفعلي هما حياة جديدة، وهي ليست مجرد حياة فضلى، أو حياة أكثر أخلاقية أو أكثر تديناً، بل حياة مختلفة (كيانياً) (أنطولوجياً) عن الحياة (القديم - العتيق). وهذا الاختلاف، أي مضمون هذه الجدة، هو في كونها حياة مع المسيح: (... فإذا كنا قد متنا مع المسيح، فإننا نؤمن بأننا سنحيا معه) (رومية ٨:٦). حياة المسيح الناهضة من الموت هي التي تعطى لنا وتصير حياتنا وقيامتنا. والكنيسة هي، بالتحديد، حياتنا في المسيح، وحياة المسيح فينا، وليس لها أي وجود أو أية غاية أو أية حياة سوى أن تكون هي (المسيح فينا، ونحن في المسيح)، لأنه سيكون (معنا طوال الأيام إلى انقضاء الدهر) (متى ٢٠:٢٨). ولهذا السبب فإن سر حضور المسيح ومجيئه، سر إشراكه إيانا في حياته الناهضة، هو بالفعل سر الكنيسة، وتحقيق المعمودية.
ج- طقوس اليوم الثامن
ج- طقوس اليوم الثامن
إنَّ الطقسين الأخيرين في ليتورجيا المعمودية – غسلَ الميرون المقدَّس وقصَّ الشعر – يقامان الآن في الاحتفال نفسه، وبعد قراءة الإنجيل. ولكنهما في الواقع يندرجان تحت عنوان (طقوس اليوم الثامن6). وقد كانت الكنيسة الأولى تقيمهما فعلاً في اليوم الثامن، أي يوم الأحد الذي يلي الاحتفال الفصحي بالمعمودية، لأنَّ المعمودية نفسها كانت آنذاك متصلةً بالفصح. وعلى الرغم من أنَّ أحداً لا يهتم بالإشارة إلى (اليوم الثامن)، فإنَّ هذه الإشارة بالذات هي (المدخل) إلى فهم هذين الطقسين فهماً صحيحاً 7.
لم تكن ليتورجيا المعمودية، في التقليد القديم، تنتهي بانتهاء ليلة الفصح. لأنَّ المعتمدين الجدد كانوا يجتمعون في الكنيسة يومياً، طوالَ الأسبوع التالي، ويتلقون (تعليم الأسرار = mystagogia). وكان هذا التعليم يركز على تفسير سر الشكر الذي كانت الكنيسة تحجبه عن الموعوظين، لاعتقادها الراسخ بأنَّ المعمودية وحدها تنوِّر فكر الإنسان وقلبه، وتجعله قادراً على الاشتراك في سر الكنيسة، أي قادراً على التذوّق والرؤية. وكما أنَّ ليتورجيا (الفصح الثلاثي الأيام) قد تَطوَّرتْ في ارتباط مع طقوسي المعمودية، فإنَّ هذا الأسبوع الذي يتم فيه تعليم الأسرار هو أساس (أسبوع التجديدات) الحالي ذي البنية الليتورجية الفريدة، القائمة على تكرار خدمة الفصح يومياً مع تبديل (اللحن). وكل التعليمات الليتورجية تساهم في جعل هذا الأسبوع الفريد امتداداً متواصلاً وبهيجاً للاحتفال الفصحي نفسه. فهذا الأسبوع – وهنا المسألة كلها – ليس مجرَّد فترة مخصَّصة لبعض التعليم الإضافي، بل هو نفسه جزء من ذلك التعليم، أي (ظهور) أمر ضروري لمعنى المعمودية، ولـ(جدَّة الحياة) المأخوذة فيها. وهذا الظهور متعلّق بالزمن، لذلك يجعل ممكناً عن طريق الزمن، أي عن طريق تلك الرموز الكتابية العددية إلى الزمن، والتي من دونها يتعذّر فهم الخبرة الليتورجية للكنيسة الأولى.
نجد في الإعلان الكتابي أنَّ العدد سبعة هو قاعدةٌ للعالم ورمزٌ إليه. فهو يرمز إلى العالم كما خلقه الله، أي العالم الكامل والناجز والذي هو (حسن جداً)، وإلى العالم الذي أفسدته خطيئة الإنسان، فصار (هذا العالمَ) الخاضعَ للشر والموت؛ وأخيراً إلى العالم بوصفه (تاريخ الخلاص)، أي مكان عمل الله الخلاصي وموضوعه. واليوم السابع، الذي يقيس زمن العالم و (ينظّم) حياته، هو خبرة كل هذه الأمور والتعبير عنها. إنه اليوم الذي استراح فيه الله من كل أعماله، اليوم الذي باركه الله، لذلك يكون يومَ ابتهاج الإنسان بالله وبالخليقة بوصفها شركة مع الله. إنه ليس نهايةَ العمل الحقيقية، بل مجرد توقف عنه، أي استراحةٌ فرضها العمل نفسه، لذلك يكون تعبيراً عن عبودية الإنسان للعالم. إنَّه يذكِّر الإنسان بالله، عندما يكشف له غربته عن الله وعبوديته للعالم، لذلك يكون يومَ ترقّب عند الإنسان، يوم رجائه الفداء والتحرّر، وانتظاره اليوم الذي يلي (السبعة)، أي اليوم الذي يلي الرتابةَ الزمنيةَ الخاليةَ من المعنى وذاتَ الأفقِ الواحد، ألا وهو أفق الموت والدمار.
ويأتي هذا (اليوم الجديد) ويدشَّن بقيامة المسيح. فبعد أنْ أتمَّ المسيح تاريخَ الخلاص، وأعاد خلق الإنسان والعالم في نفسه، واستراح في السبت المبارك، قام ثانيةً من بين الأموات في (اليوم الأول بعد السبت). وفي ذلك اليوم بدأ زمن جديد، يعرف المؤمنون أنه – على الرغم من بقائه ظاهرياً داخل الزمن (القديم) لهذا العالم، وقياسه بالعدد سبعة – زمنٌ جديد حقاً، لأنه يتّجه نحو الأبدية، ويَشِفّ عن ملكوت الله، ويجعل حضور الملكوت وقوته وفرحه ظاهرة بوضوح في (هذا العالم).
أمَّا رمز هذا الزمن الجديد في الكنيسة الأولى وكتابات الآباء والتقليد الليتورجي فهو العدد ثمانية. صحيح أنَّ اليوم الثامن لا وجود له في زمن (هذا العالم)، أي في الزمن (القديم) الذي لا بدَّ أنْ يقاس بالعدد سبعة، ولكنه موجود فعلاً في خبرة الكنيسة، بل إنّه بالتحديد (مركز) تلك الخبرة. فمنذ البداية كان المسيحيون يجتمعون بوصفهم (كنيسة)، لكي يحتفلوا بسرِّ الشكر في اليوم الأول من الأسبوع، أي اليوم الذي يلي اليوم السابع. هذا اليوم هو، بلغة (هذا العالم) أحد الأيام السبعة، أي أنه يخصّ زمن هذا العالم. ولكنَّ معنى ذلك الاجتماع، والاحتفال المقام فيه، هو أنَّ الكنيسة كانت تختبر نفسها فيه بوصفها كنيسةً صاعدة إلى السماء، أي محقّقةً لذاتها خارجَ الزمن، ومشتركةً على مائدة المسيح في ملكوته الأبدي. لقد اختبرتْ اليوم الأول من زمن (هذا العالم) بوصفه (اليومَ الثامن) – اليوم الذي يتجاوز الزمن، والسبعة، وهذا العالم في آن – أي يومَ اشتراك الكنيسة في (النور الذي لا يعروه مساء)، نور الملكوت. وهذه الخبرة التي عبَّرتْ عنها الكنيسة الأولى بتسمية يوم الأحد (يومَ الرب)، أي يومَ صعود الكنيسة إفخارستياً إلى السماء، هي الخبرة التي تشكّلَتْ منها الحياة الليتورجية كلّها، والتي ما تزال تتشكّل منها، رغم جهل أكثرية المسيحيين الساحقة.
يمكننا أن نعود الآن إلى أسبوع التجديدات، وإلى معناه في ليتورجيا المعمودية. فقد كان القصد من هذا الأسبوع أنْ يمنح خبرة الزمن هذه للمعتمدين الجدد، وكان هو نفسه (ظهور) وعطية هذه الخبرة: خبرة الحياة الجديدة على أنها بالفعل ليست من هذا العالم، وعطية الكنيسة في (وطنها الأصلي)، في ملئها السماوي، أي عطية الملكوت نفسه. ففي هذه الأيام السبعة يتحقّق كامل الزمن بوصفه أبدية، بعد أن صار الزمن نفسه فصحاً دائماً و(فرحاً وسلاماً وبِرّاً في الروح القدس). وحتى اليوم، فإنَّ القليلين الذين يتاح لهم فَرَح الاشتراك في خدمات هذا الأسبوع الفريد يعرفون أنهم، في هذا الفصح الدائم، يَخْتَبرون جوهرَ الكنيسة النهائيَّ، ويتذوَّقون (ما لم تَرَه عين، ولم تسمع به أذن... ولكنْ ما أعدَّه الله للذين يحبونه).
غير أنَّ هذه الخبرة يجب أن تنتهي، لأنَّ المعتمدين الجدد يجب أنْ يعودوا إلى العالم. صحيحٌ أنَّ الكنيسة (ليست من هذا العالم)، ولكنها موجودة (في هذا العالم)، حيث أسَّسها المسيح وأرادها أنْ تبقى حتى اكتمال العالم نفسه. ومهمتها أنْ تشهد للمسيح في العالم الذي لا خلاصَ له إلاّ في المسيح، وأنْ تكْمِلَ عمله الخلاصي بجعله حاضراً، وبإسماع كلمته، وإعلان ملكوته وإظهاره. لولا صعود الكنيسة إلى السماء، وتحقيقها لذاتها بوصفها جسد المسيح وهيكلَ الروح القدس، وبعبارات أخرى، لولا تركها (هذا العالم) الذي هو طريقها ومسيرتها وترقّبها لملكوت الله، لما كان لديها شيء تشهد له. ولولا عودتها إلى العالم، لما أنجزتْ رسالتها الإلهية، ولما كانت عمل المسيح وذبيحته. ومن هنا هذه الوتيرة المزدوجة في حياة الكنيسة: الانسحاب من (هذا العالم) إلى (اليوم الثامن) لملكوت الله، والعودة إلى زمن (الأيام السبعة) وواقعها. وهذا هو سبب انتهاء ليتورجيا المعمودية بطقسين يعبِّران عن تلك العودة، ويدلاّن على بدء الحياة المسيحية بوصفها رسالةً وشهادة.
يقام هذا الطقسان في اليوم الثامن الذي يلي المعمودية، مما يعني أنَّ هذه البداية هي بالفعل عودة. فمن عمق الخبرة الفصحية، أي الخبرة الجوهرية للكنيسة، يؤمَر المعتمدون الجدد بالعودة ويرسَلون إلى العالم. وهذا الأحد، وهو الأول بعد الفصح، يسمَّى (الأحد الجديد)، بمعنى أنَّ (الدهرَ الجديد)، الذي تجلَّى وبدأ في الفصح، يبقى – بشكل أسراريّ – حاضراً وحقيقياً وفاعلاً في الزمن (القديم) لهذا العالم، وأنه القوة التي تتيح للكنيسة ولأعضائها، إنجاز مهمتهم ورسالتهم في العالم. يبدأ زمن ما بعد الفصح، ولكنه زمن يتخلّله فرح الفصح ونوره، والقوة الناشئة منه، وهي القوة التي تجعله مصدر الحياة وكلِّ فعل فيها. والمعتمدون الجدد يرسَلون الآن إلى هذا الزمن الذي يقوم على التوتر والحرب ما بين القديم والجديد، فينا وفي العالم وفي الحياة.
د- غسل الميرون المقدس
غسل الميرون المقدّس هو الطقس الذي يهيئ المعتمد الجديد لتلك الحرب، مظهراً أنَّها هي مضمون الحياة المسيحية:
وفي اليوم الثامن يؤتى بالمعتمد إلى الكنيسة ليغسل...
كان يسبق هذا الطقس، في الممارسة القديمة، طقس آخر هو وضع يد الأسقف على رأس المعتمد الجديد. ولا تزال هناك إشارة إليه في الصلاة الأولى من خدمة (ليوم الثامن). إنّ المسيحيَّ الجديد موشكٌ أنْ يرسَل إلى العالم ليكون، كما ذكرنا آنفاً، شاهداً (حرفياً: شهيداً) للمسيح، وداعياً إلى ملكوت الله. ومحارباً ضد (أمير هذا العالم). وستكون حياته عرضة لخطر دائم وتجارب لا تنتهي. فقد ذكر الإنجيل أنَّ العدو الذي هزم بانتصار المسيح، يشنّ معركته الأخيرة اليائسة ضد أولئك الذين (ربحهم) المسيح منه، (حتى يضللَ المختارين أنفسهم، لو استطاع) (متى ٢٤:٢٤). إنّ الأفق التاريخي للإنجيل بعيدٌ جداً عن التفاؤل، وغريب تماماً عن خرافة التطوّر المعاصرة: (... متى جاء ابن الإنسان، ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض؟) (لو ٨:١٨). والنتيجة الأخيرة للحرب ستكون إمّا الحياة الأبدية أو الموت الأبدي، الخلاص أو الدينونة. ومن هذا المنطلق نشأت اللغة والرمزية (العسكريّتان) في الكنيسة الأولى، ولكنهما غريبتان تماماً عن المسيحي (المعاصر) الذي ينتابه هاجس (المشاكل). وإنّه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام أنْ نتابع ذلك التحوّل التدريجي في العقلية المسيحية، وتخلِّيها عن (رجوليّتها) الأولى. فالواقع أنَّ الكنيسة الأولى كانت تعلم أنَّها (جيش المسيح = christi militia)، أي شعب الله المجنَّد لمحاربة العدو، في حين أنَّ المسيحي المعاصر يفضل أن يقيّم نفسه وإيمانه بتعابير (المعالجات الطبية)، فيرى أنَّه مريض في عيادة لا محاربٌ مجنَّدٌ من أجل معركة طويلة.
ولكننا لن نفهم طقسَي (ليوم الثامن) ما لم نسترجع الروح (العسكرية) التي كانت سائدة في الكنيسة الأولى. فالأسقف يواجه الآن المعتمدين الجدد بوصفه قائداً يتولى أمرته على مجنّدين جدد. إنهم لا يزالون في بِزّاتهم الجديدة المشعة، يملأهم الحماس والتوق إلى الحرب وإلى إثبات الذات. ولكنّ القائد يعرف أنَّ الحرب ستكون طويلة ومريرة، وأنَّ رجاله سيتعرضون للألم والتعب، وأحياناً إلى الخيبة والهزيمة. لذلك فأوّل صلاة يقرأها الكاهن هي الصلاة التي تطلب الحماية والمساعدة والشجاعة والوفاء والثبات:
... احفظ ترس إيمانه غير محتال عليه من الأعداء. وصنْ فيه بغير عيب ولا دنس لباس عدم الفساد الذي لبسه...
ثم يضع يده على رأسهم ويقول:
... ضَعْ عليهم يدك العزيزة، واحفظْهم بقوة صلاحك، واحرسْ عربونهم غير مسلوب. وأهلْهم للحياة الأبدية ولمرضاتك...
لا أحد سوى الله يمكنه أنْ يحفظنا وسط اليأس والمآزق التي يمكن أن تنتابنا خلال حربنا الأرضية. ووضع الأيدي هنا هو (تفويض) الضباط الجدد وإعطاؤهم (أمرَ السير). إنّه علامة وعطية تلك البطولة التي لا وجود لحياة مسيحية من دونها.
ويَقْبَل المسيحي الجديد هذا التفويض. فعندما يقول الكاهن: (احنوا رؤوسكم للرب...)، يحني رأسه مظهراً طاعته واستعداده لقبول نظام (جيش المسيح)، وللبقاء في الصفوف، وللسعي إلى انتصار سيده، لا إلى مجده ورضاه، الذاتيين.
ويقول الكاهن:
- إنّ الذين لبسوك أيها المسيح إلهنا، قد حنوا لك هاماتهم معنا. فاحفظهم ليلبثوا مجاهدين غير مغلوبين تجاه المعادين لهم ولنا باطلاً. وأظهرنا جميعاً غالبين حتى النهاية بإكليلك غير البالي، لأنّ لك أنْ ترحمنا وتخلّصنا...
لقد صار بالإمكان نزع كلِّ العلامات والرموز الخارجية، لأنَّ أيّاً من الأمور الخارجية البحتة، لن يسعه أنْ يقدم العون بعد الآن. والأمر الوحيد الذي سيكون سنداً للإنسان هو امتلاكه الداخلي لعطية النعمة والإيمان والإخلاص. وعندما تبدأ الحرب الحقيقية لا تبقى البذلة المشعّة الغنيّة الألوان مفيدةً للابسها، لذلك يستعاض عنها ببزّة القتال. وهكذا تنزع الحلة البيضاء عن المعتمد. فالمسيح نفسه وضع رداءه المجيد جانباً، واتّخذ صورة عبد، لكي يتغلب على العدو. ولكنّ مجده تجلّى أكثر ما تجلّى حين (تجرّد من ذاته متّخذاً صورة عبد... وأطاعَ حتى الموت، الموت على الصليب) (فيلبي ٢: ٨-٩)، وإذّاك تمجّد ابن الإنسان. لذلك تنزع الحلة البيضاء ويغسل الميرون المقدّس، فهما لم يعطيا للمعتمد بوصفهما علاماتٍ وحسب، ولكنهما أعطيا له يكونا الحقيقة نفسها، ولكي يتحوّلا إلى الحياة. لهذا يخاطب الكاهن الإنسان بالذات حين يغسل الميرون المقدّس عن الجسد، قائلاً:
- قد تبررت، قد استنرتَ، قد تقدَّستَ، قد اغتسلتَ باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا..8
لقد صار المعتمد الجديد على أهبة الاستعداد لكي يواجه تحدِّي العالم، ويبدأ شهادته (martyria).
هـ- قص الشعر
آخر طقس هو قصّ الشعر. وقد كان قص الشعر دائماً أحدَ الطقوس الدينية الأساسية ورمزاً للطاعة والتضحية. فمنذ زمن سحيق اعتبر البشر أنَّ في الشعر (قوةً خفيةً) (mana)، وأنّه مركز القوة والقدرة في الإنسان. ونجد في قصة شمشون الواردة في الكتاب المقدَّس مثلاً على هذا الاعتقاد. وما زلنا حتى اليوم نرى ما يمثله، عبرَ انشغال الإنسان المتواصل بشعره وبـ(تسريحه). وهكذا يبقى الشعر تعبيراً ورمزاً إلى جمال الإنسان بوصفه (قوة)، أو رمزاً إلى الهوية القومية (تسريحة (آفرو = Afro))، وحتى رمزاً لبعض الانحرافات المَرَضيَّة العميقة في الإنسان. وباختصار فإنَّ (سر الشعر) هو إحدى الوسائل الأساسية للتعبير عن الذات، وتأكيد الهوية. وبالتالي فطقس قص الشعر المسيحي (وهو موجود، إضافة إلى المعمودية، في قص شعر الرهبان، وفي (فرز) القارئين الذين سيصيرون أعضاء في الإكليروس)، يجب ألاّ ينظر إليه وكأنه واحد من طقوس عديدة (قديمة وموقَّرة) تقام، دون أنْ يعرف أحد سبباً لذلك، سوى كونها جزءاً متمِّماً لـ(تراثنا). فكل شيء في الكنيسة هو دائماً حقيقي، وكل عمل رمزي هو رمزي لأنه يكشف كَبِدَ الحقيقة، أي تلك المرتبة العميقة وغير الموصوفة منها، والتي نتصل بها عن طريق الرموز والطقوس.
يبدأ قص الشعر الذي يلي المعمودية بصلاة مهيبة تلخّص معنى السر، وتظهر أنّه يستعيد الإنسان بوصفه أكمل خلائق االله وأجملها. فكأنَّ الكنيسة، بعد أن أتمَّتْ عمل الاستعادة هذا، تنظر إلى الإنسان وتصرخ بفرح وابتهاج: ما أجمله!
أيها السيد الرب إلهنا، يا مَن كرَّمتَ الإنسان بصورتك وأتقنتَه من نفس ناطقة، وجسد بهي الجمال، لكي يخدم الجسد النفسَ... ووضعتَ الرأس في أعلى البدن وركزتَ فيه أكثر الحواس... وحصَّنتَ هامته بالشعر... وغرستَ فيه جميع الأعضاء لمنافع حميدة، ليشكرك بها كلها أيها المهندس الأعظم...
الإنسان هو صورة مجدِ االله وجمالِه غير الموصوفين. والتأمل في جمال الإنسان والابتهاج به هما تقدمة الشكر إلى االله نفسه. ولكنَّ الجمال، مثل كل شيء في (هذا العالم)، قد حجب ووضع وشوِّه، فصارَ جمالاً (ساقطاً). ونحن نميل دائماً إلى رفضه ببساطة، معتبرين أنَّه تجربةٌ شيطانية. ولكنَّ خبرة الكنيسة للجمال ليست على هذا النحو. فإنه، على الرغم من تدنّيه يبقى إلهياً على الدوام، لأنه علامة االله وسِمَته في مخلوقاته. الإنسان جميل ويجب أنْ يستعاد إلى جماله. وعليه هو أنْ يبتهج بهذا الجمال ويقدِّم الشكر إلى االله منه أجله، كما فعل ذلك الراهب المصري القديس الذي، بطهارة قلبه، رأى جمالاً إلهياً حتى في عاهرة.
في هذا العالم الساقط لا سبيلَ إلى الجمال الإلهي وإلى استعادته في الإنسان سوى طريق الطاعة والتضحية. وهكذا تبدأ الحياة الجديدة بتضحية إلى االله، أي تسليمه بفرح وعرفان ذلك الشعرَ الذي صار في (هذا العالم) رمزاً للجمال (الساقط). وهذا هو معنى قص الشعر الذي يلي المعمودية: إنّه أول تضحية حرَّة ومبهجة يقدّمها الإنسان من نفسه إلى االله. ويصير هذا المعنى حقيقياً وحياً عند اعتماد الطفل المولود حديثاً. فهو لا يملك شيئاً يمكن أنْ يقدّمه إلى االله، لذلك نأخذ منه الشعيرات القليلة التي لديه. إنّه الإذلال المجيد: بدء الطريق الوحيدة والصحيحة إلى الجمال الحقيقي، وإلى الفرح وملء الحياة.
وهكذا تكون ليتورجيا المعمودية قد أنجزتْ وتحقّقتْ، والحياة (الطبيعية) على وشك أن تبدأ. ولكنها حياة مختلفة جذرياً عن الحياة (الطبيعية) التي يبشّرنا بها (هذا العالم) ويفرضها علينا. ولن نستطيع تحقيق هذا الاختلاف الجذري في حياتنا إلاّ إذا كانت المعمودية مصدرَها وقوَّتَها المحتجبين والحقيقيين في آن. فكما أنَّ حياة الكنيسة تنشأ من الفصح، وتأخذنا – عبر العنصرة و(ما بعد العنصرة) – إلى فصح آخر، فإنَّ حياتنا الناشئة من المعمودية قد جعلتْ (عبوراً) أي مسيرةً وحجاً وصعوداً إلى (النور الذي لا يعروه مساء) في ملكوت االله الأبدي. وفي نموِّنا وحربنا وعملنا، يرافقنا هذا النور السري، وينير طريقنا منذ الآن، ويشعّ في كل مكان، ويغيِّر كل شيء ويجعله حياةً في االله وطريقاً إليه. فعندما تنجَز ليتورجيا المعمودية، تبدأ المعمودية نفسها بالعمل فينا.
أ- الزِيّاح
لم تكن المعمودية والمسحة تقامان سابقاً داخل الكنيسة، ولا في ردهتها، بل في مبنى منفصل يدعى بيت المعمودية = baptisterion 1. فبعد انتهاء المسحة كان المعتمدون الجدد يلبسون الحلل البيضاء ويحملون الشموع بأيديهم، فيقودهم الأسقف والإكليريكيون الذين يعاونونه في إقامة السرّ إلى الكنيسة حيث يجتمع المؤمنون منتظرين وصولهم للبدء بسرّ الشكر الفصحي.
تعرض التفاسير القديمة هذا الزياح وتشرحه بوصفه الجزءَ الضروريَّ والمتمِّم لليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة، و(الظهورَ) النهائيَّ لمعناها 2. هو يبقى كذلك حتى اليوم، على الرغم من كل التغييرات والتطورات، وخاصة الانفصال الليتورجي بين خدمة المعمودية والاحتفال الفصحي. لذلك من المهم أن نستعيد معناه، أي أن نستعيدَ فهمنا للمعمودية كلِّها.
نجد في الممارسة الليتورجية الحالية أنَّ ثمةَ زياحاً في نهاية خدمة المعمودية، وزياحاً آخر في بداية الاحتفال الفصحي. ففي نهاية طقس المعمودية، أي بعد المسح بالميرون المقدَّس مباشرةً، يقود الكاهن المعتمد الجديد وعرَّابَيه في زياح دائري حول جرن المعمودية، فيما يرتل المؤمنون الآية المقتبسة من رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية: (... أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. هليلوييا) (غلا ٢٧:٣). أما الاحتفال بالفصح فيبدأ أيضاً بزياح. ففي نصف الليل نطوف حول الكنيسة، ونسمع أمام بابها المغلق أوَّل إعلان عن قيامة المسيح.
ولكن ما لا تعلمه الأكثرية الساحقة من المؤمنين، أنَّ هذين الزياحين كانا في الأصل زياحاً واحداً. ففي التقليد الليتورجي القديم كان إدخال المعتمدين الجدد إلى الكنيسة هو بداية الاحتفال بالقيامة. ولم يكن هذا الإدخال بدايةً (زمنيةً) وحسب، بل بدايةً روحيةً أيضاً. وبكلام آخر إنَّ (المدخل) إلى فهم الزياح الذي يلي المعمودية موجودٌ في صِلَته بالفصح، وفي (اتجاهه) نحو سرّ الشكر الفصحي. كما أنَّ (المدخل) إلى فهم الاحتفال بالفصح موجودٌ في (بداية) هذا الاحتفال، أي في المعمودية. ولكن حين فقِدَ (المدخل) الأصليّ – وهو أمر حصل مراراً في تاريخ الليتورجيا – ظهرت تفاسير جديدة ومصطنعة لهذه الطقوس.
وعلى سبيل المثال، فإنَّ الزياح الدائري حول جرن المعمودية، يفسَّر الآن على أنه رمزٌ للبهجة الروحية، أو رمزٌ للأبدية، أو رمزٌ للإكرام الأبدي للثالوث القدوس، الخ... أما الزياح الفصحي فصار تصويراً رمزياً للنسوة الحاملات الطيب وهنّ في طريقهن إلى القبر. ومشكلة مثل هذه التفاسير، ومثل هذه الرمزية (التوضيحية)، أنّها غير سديدة حتى بالمنظار (التوضيحي) نفسه (يذكر الإنجيل أنَّ النسوة ذهبنَ إلى القبر (في الصباح الباكر... عند شروق الشمس) وليس في نصف الليل، وأنهن وجدنَ القبر (مفتوحاً) لا مغلقاً، الخ...)، إضافة إلى أنها تخفي وتشوِّه معنى الليتورجيا والأعمال الليتورجية. فبدل أن تكون الأعمال والطقوس الليتورجية أحداثاً، بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، أي أموراً تحدث لنا ولحياتنا بالفعل، ووسيلةً لدخولنا إلى الحقيقة التي دشّنها المسيح والروح القدس ومنحاها لنا، تصير مجرد تصاوير خارجية بالنسبة إلينا، مثلما يبقى دور الممثل على المسرح أمراً خارجياً بالنسبة إليه.
بعد اكتشافنا المدخل الصحيح، يجب أن نفسِّر هذا الارتباط الذي يظهر، حتى للمؤرخين واللاهوتيين، أنه ارتباط (عَرَضيٌّ) ناتج عن عدد من التطورات التاريخية المحضة، وليست له أية أهمية حقيقية بالنسبة إلى قانون إيمان الكنيسة (Lex Credendi).
من الواضح أنَّ المشكلة الأولى تتعلّق بالزياح الذي يلي المعمودية. فبعد أن توقّف عن كونه زياحاً إلى الكنيسة وإلى داخل سر الشكر، صار في الممارسة الليتورجية الحالية، ومن وجهة نظر الكثيرين، مجرَّدَ ملحق لطقس المعمودية، ولا يضيف شيئاً إلى معنى المعمودية نفسها، ومهمتنا الأولى أن نبيّن أنَّ الزياح الذي يلي المعمودية يبقى، حتى في شكله الحاضر، جزءاً ضرورياً من ليتورجيا المعمودية، وأنه الظهور النهائي لمعناها.
ترنِّم الكنيسة خلال الزياح الذي يلي المعمودية: (أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم). وهذه الترنيمة نفسها تَحِلّ محلَّ التريصاجيون (التسبيح المثلّث التقديس) في قداس الفصح (وكذلك في الأعياد التي كانت الكنيسة الأولى تعمِّد فيها، أي الميلاد والظهور وسبت لعازر). ولكن حسب الممارسة الليتورجية القديمة كان التريصاجيون ((قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، ارحمنا)) هو بالتحديد ترنيمةَ الدخول، والنشيدَ الافتتاحي، أي الترنيمة التي تنْشِدها الجماعة المؤمنة لدى دخولها إلى الكنيسة، استعداداً منها لسماع الإنجيل والاحتفال بسر الشكر. أما خدمة الأنتيفونات الثلاث، التي تسبق اليوم ما نسميه (الدخول الصغير)، فكانت تنشد في بعض المناسبات فقط، وخارج الكنيسة أو في الطريق إليها. فـ(الدخول الصغير) كان دخولاً حقيقياً إلى الكنيسة. والتريصاجيون كان الترنيمة المعبِّرة عن معنى هذا الدخول بوصفه دخولاً إلى (قدس الأقداس) 3. وما إبدال التريصاجيون في يوم الفصح بترنيمة الزياح الخاص بالمعمودية، سوى إشارة واضحة إلى أنَّ المعمودية كانت، في فكر الكنيسة الأولى وممارستها، تتصل عضوياً بالاجتماع الإفخارستي، وتجد تحقّقَها في (الدخول إلى الكنيسة) وإقامة سر الشكر، وإلى أنَّ الزياح والدخول اللذين يليان المعمودية كانا يدشِّنان احتفال الكنيسة بقيامة المسيح. وهذا ما يتضمنه بوضوح طقسنا الحالي للمعمودية. فالزياح حول الجرن يسبق مباشرةً الفصلين اللذين يقرآن من الرسائل والإنجيل، أي القسم الأول من سر الشكر، كما أنَّ هذين الفصلين نفسيهما فصحيان، فهما اللذان يقرآن في خدمة السبت العظيم المقدَّس.
إنَّ المعنى الفصحي والإفخارستي للزياح الذي يلي المعمودية، يظهر أيضاً في الزياح الفصحي الحالي. ولكنَّ مدخلنا إلى فهمه، والرمزَ الأساسي له، هو رمز (الباب المغلق). وسبب عدم فهم هذا الرمز، الذي رأينا أنه قد أبدل برمز توضيحي بحت عن النسوة الواقفات عند القبر، عائدٌ إلى نَقلِ تسمية (الباب الملوكي) في تاريخ متأخر، من باب الكنيسة إلى باب الأيقونسطاس. ولكن في الفترة التي سبقتْ ذلك – وفيها وصلتْ ليتورجيا المعمودية إلى ملء تعبيرها الفصحي – كان باب الكنيسة الرئيسي هو الذي يدعى (البابَ الملوكي). فبالنسبة إلى المؤمنين كانت الكنيسة كلّها، لا الهيكل وحده، رمزاً وتعبيراً عن ملكوت الله، وكان التجديد في المعمودية والمسحة بالروح القدس هما اللذان يفتحان الباب المؤدي إلى هذا الملكوت، أي البابَ الذي أغلقتْه الخطيئة وغرْبَة الإنسان عن الله. فالمعمودية بوصفها عطيةَ القيامة وخبرتَها، هي تثبيت قيامة المسيح، والبرهان (الوجودي) الوحيد على أنَّ المسيح قد قام فعلاً، وهي التي تنقل حياته الناهضة من بين الأموات إلى الذين يؤمنون به. لذلك يتلقّى المعتمدون الجدد الإعلانَ السارَّ: (المسيح قام!)، من بداية الزياح حتى وصولهم إلى (الباب المغلق). وهذا الإعلان هو الشهادة لما تمَّ منذ قليل في المعمودية، وهو الذي يفتح الباب ويدشِّن احتفال الكنيسة بقيامة المسيح. وهذا الاحتفال، أو الليل الذي وصفه القديس غريغوريوس بأنه (نيِّر أكثر من النهار)، والذي هو الذروة والقطب النقطة العليا في حياة الكنيسة كلِّها، ليس احتفالاً بحدث من الماضي وحسب، بل بملكوت الله نفسه، الذي دشّنه ذلك الحدث وجعله حياةَ الكنيسة وفرَحها. وهكذا تحقّق المعمودية ذاتَها بوصفها زياحاً إلى الكنيسة وإلى سرّ الشكر، أي إلى الاشتراك في فصح المسيح (على مائدته في ملكوته) (لو-١٥:٢٢ ١٦، ٢٩- ٣٠).
أما المشكلة الثانية المتعلّقة بالزياح الذي يلي المعمودية، فعائدة إلى أنَّ الكنيسة تبدو وكأنّها تحتفل بالفصح مرتين: الأولى في مساء الفصح، وتشمل خدمةَ القديس باسيليوس وطقسَ ارتداء الحلل البيضاء بدل الملابس الداكنة، والقراءاتِ الفصحيةَ وما يتخلّلها من فرح فصحي واضح. والثانية هي خدمة نصف الليل، وتشمل الزياحَ الفصحيَّ وصلاةَ السحر وخدمةَ القديس يوحنا الذهبي الفم. والواقع أنَّ هذا الاحتفال المزدوج، الذي نجد نظيراً له في ترتيب عيدي الميلاد والظهور، وهما بدورهما من الأعياد التي يغلب عليها طابع المعمودية، لم يفسَّر بشكل ملائم. فمعظم تفاسيره كانت تاريخية، وحتى أرخيولوجية، والحال أنَّ (المدخل) الصحيح إليه لاهوتي أيضاً: إنه متعلّق بخبرة الكنيسة الأولى للمعمودية بوصفها سراً فصحياً، وللفصح بوصفه احتفالاً بالمعمودية 4.
ذكرنا أكثر من مرّة أنَّ الكنيسة الأولى كانت تقيم معمودية الموعوظين خلال السهرانية الكبرى لعيد الفصح، أي أنَّ المعمودية كانت جزءاً متمّماً لليلة المقدَّسة (sancta nox). والواقع أنَّ السهرانية كانت تبدأ بوصفها الخاتمةَ المهيبةَ لفترة تعليم الموعوظين، أي فترة التهيئة للمعمودية. وهذا العنصر التعليمي الذي يسبق المعمودية ما يزال واضحاً في صلاة الغروب ليوم السبت العظيم المقدَّس، وبشكل خاص في القراءاتِ الخمسَ عشرةَ المأخوذةِ من العهد القديم. فهذه القراءات ليست (أمثالاً) عن القيامة فقط، بل عن المعمودية أيضاً، أو بالأحرى عن الخلاص بوصفه عبوراً (من العبودية إلى الحرية، من الموت إلى الحياة، من الأرض إلى السماء). وفي ختام هذا التعليم الأخير والمهيب، كان المرشحون للمعمودية يقادون في زياح إلى (بيت المعمودية)، فيما الجماعة المؤمنة تواصل (سهرانيَّتها)، أي (انتظارها) لعودتهم، لكي يتحقّق الفصح إفخارستياً. وهذا يعني أنه لم يكن هناك سوى احتفال واحد يشمل: السهرانية، إقامة المعمودية، الزياح ثم سر الشكر.
والواقع أنَّ عاملاً خارجياً، أيْ عاملاً تاريخياً، هو الذي غيَّر هذا الاحتفال. فبعد أنْ كان في البدء احتفالاً واحداً شاملاً، صار مؤلفاً من خدمتين: خدمةٍ يجب أنْ تتم، حسب التعليمات الطقسية، مساءَ السبت العظيم المقدَّس، أي مساءَ الفصح؛ وخدمةٍ ثانية هي التي تؤلف اليوم الاحتفال الفصحي بالمعنى الضيق للكلمة. وهذا العامل كان ازديادَ عدد الموعوظين، وسببه اعتناق الإمبراطورية الدين المسيحي وتحوّله سكانها إليه. وهكذا راحت صعوبة تعميد كل المرشحين في يوم واحد واحتفال واحد، تظهر شيئاً فشيئاً. وقد أدّى ذلك إلى أمرين: الأول هو زيادة عدد الأيام التي تقام فيها المعمودية، فصارت أعياد الميلاد والظهور وسبت لعازر (أعياداً للمعمودية)، وحتى العنصرة نفسها خصِّصت للمعمودية في فترة معينة. أمَّا الأمر الثاني فهو تعديل الليتورجيا الفصحية وقسمتها إلى قسمين: المعمودية، والفصح (بالمعنى الضيق للكلمة).
وقد أدّى هذا التعديل، الذي كان ضرورياً بسبب الحاجات العملية، إلى تعمّق لاهوتي خلاّق للحس الليتورجي في الكنيسة، مما أوجد فيها ترتيباً طقسياً جديداً للفصح، يشكِّل – دون أيِّ شك – أعظمَ مأثرة روحية للتقليد الليتورجي البيزنطي، و(ظهوراً) ليتورجياً فريداً لسر الخلاص كلَّه.
والحقيقة أنَّ الكنيسة لم تبْعِد المعمودية عن الاحتفال الفصحي، ولم تجعلْها خدمة خاصة بـ(المعتمدين) (وهو الحل الذي تمَّ تبنّيه لاحقاً، في زمن الانحطاط الليتورجي، ولا يزال مسيطراً على ممارستنا الليتورجية)، بل جعلتْ لذلك الاحتفال قطبين اثنين، يعبِّران عن خبرة الفصح المزدوجة: خبرتِه بوصفه النهاية، وخبرتِه بوصفه البداية. فالفصح هو نهاية تاريخ الخلاص، أي نهاية تلك السلسلة الطويلة من العبورات التي هَيَّأتْ وتَحَقَّقَتْ في العبور الأخير الذي أنجزه المسيح، وأنْجَزَه فيه كلّ الذين يؤمنون به. والفصح هو أيضاً بداية ملكوت الله، أي بداية تلك (النهار الذي لا يغرب) أو (النور الذي لا يعروه مساء).
في مساء السبت المقدَّس تحتفل الكنيسة بـ (فصح النهاية). فذلك اليوم هو اليوم السابع، (السبت المبارك)، اليوم الذي يرتاح فيه ابن الله بعد إنجازه عملَ الخلاص وإعادةَ الخلق. إنه بالفعل اليوم الأخير من الزمن القديم، أي نهاية العالم القديم. والمعمودية تشركنا في هذه النهاية المباركة، وفي ذلك الاحتفال المسائي الذي تكتمل فيه كلّ التهيئات. ولكنَّ المساء الذي ينتهي عنده يومٌ ومرحلةٌ هو بالنسبة إلى الكنيسة إعلانٌ لليوم التالي وبدايةٌ له، لذلك فإنها حين تحتفل بقيامة المسيح بوصفها نهايةً وتدشيناً، تعلن وتدشِّن في الوقت نفسه احتفالَها بالقيامة بوصفها بدايةً. فخدمة نصف الليل ليست سوى فيضٍ دائمٍ من الفرح الذي تصفه صلوات الفصح بأنه فرحٌ (ببدء حياة أخرى أبديَّة)، أي ببدء ملكوت الله في حياتنا نفسها. وهكذا يظهِر الفصح، في الاحتفال المسائي الاعتمادي، أنَّ زمن الكنيسة وحياتها هما ظهور النهاية. أما في الاحتفال الليلي الأخروي، فيظهِر أنهما البداية.
هذه هي المدلولات الروحية واللاهوتية للزياح الذي يلي المعمودية. ففيه ينكشف الجوهر الحيوي، وغير الجامد، للحياة الجديدة التي أخذتْ في المعمودية وختِمَتْ في سر المسحة، وفيه تظهر تلك الحياة الجديدة بوصفها نهايةً تتحوَّل دائماً إلى بداية، أي بوصفها (عبوراً) من (هذا العالم) إلى ملكوت الله، و(زياحاً) نحو (النور الذي لا يعروه مساء)، نور أبدية الله. وهذا الزياح هو الذي يربط المعموديَّة، سرَّ التجديد، بالإفخارستيا، سرِّ الكنيسة: أي السرِّ الذي يحقّق الكنيسة بوصفها حضورَ ملكوت الله في (هذا العالم) وعطيَّتَه له. لذلك نحن مدعوون الآن إلى توضيح هذا الارتباط.
ب- المعمودية وسر الشكر
إن البنية المثلثة لليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة (المعمودية – المسحة – سر الشكر) الظاهرة بوضوح في التقليد الليتورجي القديم، تركت وأهملت في اللاهوت والممارسة الليتورجية، منذ زمن طويل، حتى أن مجرد الكلام عليها الآن، قد يعتبره الكثيرون (بدعة) خطرة. ولكن من الضروري أن نفعل هذا، لا بسبب حب رومانسي أو أرخيولوجي للماضي، ولا رغبة منا في رؤيته (مستعاداً) بشكل مصطنع (وكل الإعادات هي دائماً مصطنعة)، بل لتأكدنا من أننا لن ندرك ونفهم معنى المعمودية الكامل إلا داخل هذه البنية الأصلية.
كانت أسرار المعمودية والمسحة والشكر (تتواجد معاً) في التقليد القديم 5، وتشكل سلسلة ليتورجية واحدة و(ترتيباً طقسياً) واحداً، لأن كل سر منها يتحقق في الآخر، بشكل يتعذر معه فهم الواحد منها فهماً كاملاً إذا فصل أو عزل عن السريْن الآخريْن. وإذا كان سر المسحة، كما حاولنا أن نبين، يحقق المعمودية، فإن سر الشكر هو الذي يحقق المسحة المقدسة. والتحقيق هنا لا يعني (سريان المفعول) – فكل سر هو (ساري المفعول) بذاته – ولكنه يعني الصلة الروحية والفعالة والوجودية، القائمة بين هذه الأسرار في الحياة الجديدة التي أخذناها من المسيح. في المعمودية نولد ثانية بالماء والروح، فتجعلنا هذه الولادة (أهلاً) للروح القدس ولعنصرتنا الشخصية. أما موهبة الروح القدس فـ(تفتح) لنا المدخل إلى الكنيسة، أي إلى مائدة المسيح في ملكوته. إننا نعتمد لكي نأخذ الروح القدس؛ ونأخذ الروح القدس لكي نصير أعضاء حية في جسد المسيح وننمو داخل الكنيسة حتى نبلغ ملء قامة المسيح.
يبدو أن كثيراً من الناس لا يفهمون هذه العلاقة الأسرارية المتبادلة، ولا يدركون لماذا كان سر الشكر بالنسبة إلى الآباء (سر كل الأسرار)، والتحقيق البديهي لكل منها. وسبب ذلك أن تأثرهم بلاهوت ثابت يمنعهم من فهم المعنى الحقيقي لسر الشكر بالنسبة إلى الكنيسة وإلى حياتها. فعندهم أن سر الشكر واحد من الأسرار، ووسيلة من (وسائل النعمة) العديدة، وأنه مثلها جميعاً يهدف إلى تقديس المؤمنين شخصياً. ولكن ما لا يفهمونه هو المعنى الفريد لسر الشكر بوصفه سر الكنيسة، أي العمل الذي فيه ومن أجله تصير الكنيسة (ما هي)، فتتجلى وتحقق ذاتها بوصفها جسداً للمسيح وهيكلاً للروح القدس وتحقيقاً لملكوت الله في (هذا العالم). لا يفهمون هذا لأن اللاهوت القانوني والمدرسي (المتأثر بالغرب)، والذي طبع الممارسة الإفخارستية المعاصرة بطابعه، قد اختزل منذ زمن بعيد سر الشكر إلى (حقيقة) واحدة، هي استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، مقصياً كل مظاهر هذا السر وأبعاده الأخرى. لذلك لا تعالج كتيباتنا اللاهوتية سوى مسألة (استحالة) العناصر وتوزيعها بشكل مناولة – شخصية وفردية – للمستحقين والراغبين. فلا عجب إذاً أن يكون ثمة تجاهل حقيقي للصلة العضوية القائمة بين سر الشكر والأسرار الأخرى – وخاصة المعمودية – وأن يتوقف سر الشكر عن كونه السر الذي اعتبره الآباء القطب والمصدر والتحقيق لكامل حياة الكنيسة، وليس لحياتها (الليتورجية) وحسب، لأنه سر اعتلانها، وسر بنائها.
ولكننا نجد منطلقاً مختلفاً تماماً في التقليد الأرثوذكسي الحقيقي، الذي يظهر قبل كل شيء في سر الشكر نفسه وفي ترتيبه الطقسي. فهذا التقليد يرى في الاستحالة والمناولة تحقيقاً وتتويجاً وذروة لليتورجيا الإفخارستية بكاملها، أي أنهما يحققان الكنيسة بوصفها الخليقة الجديدة التي افتداها المسيح، وصالحها مع الله، ووهبها مدخلاً إلى السماء، وملأها من المجد الإلهي، وقدسها بالروح القدس، حتى صارت مؤهلة ومدعوة إلى الاشتراك في الحياة الإلهية، أي في تناول جسد المسيح ودمه.
من الواضح أن هذا الفهم وهذه الخبرة لسر الشكر يظهران أنه تحقيق ضروري وبديهي للمعمودية. يقال لنا إن المعمودية تدخلنا إلى الكنيسة وتوحدنا بها، ولكن إذا كان كيان الكنيسة وجوهرها النهائيان يعتلنان في سر الشكر ومن خلاله، وإذا كان سر الشكر هو حقاً سر الكنيسة، وليس واحداً من أسرارها وحسب، فإن الدخول إلى الكنيسة يجب أن يعني حتماً الانتماء إلى سر الشكر، كما أن سر الشكر يجب أن يكون بالضرورة تحقيقاً للمعمودية. وأفضل طريقة لفهم هذا الأمر هي متابعة المعتمدين الجدد وهم يدخلون إلى الكنيسة في (زياح)، وينضمون إلى جسد المؤمنين الواحد، ثم يبدأون جميعاً اشتراكهم في الاحتفال الشكري.
والواقع أن دخولهم هو، في المقام الأول، فعل انتماء إلى الجماعة الملتئمة، أي إلى الكنيسة بالمعنى الأساسي الحرفي للكلمة اليونانية έκκλησια وهو الاجتماع والالتئام. فخبرتهم الأولى للكنيسة ليست خبرة لشيء مجرد أو لفكرة، ولكنها خبرة لوحدة حقيقية ومحسوسة بين أشخاص، يتحد كل منهم بالآخر، ويشكلون عائلة واحدة وجسداً واحداً ورفقة واحدة، لأن كلاً منهم متحد بالمسيح. وهكذا يكون سر الشكر، قبل كل شيء، اجتماعاً، والأفضل أن نقول إنه هو الكنيسة نفسها بوصفها وحدة في المسيح. وهذا الاجتماع أسراري لأنه يكشف الوحدة غير المنظورة في المسيح – أي حضوره في وسط هؤلاء الذين يؤمنون به ويحبونه، وفيه يحبون بعضهم بعضاً – ويجعلها وحدة مرئية و(حقيقية)، ولأن هذه الوحدة هي حقاً وحدة حقيقية جديدة، تعبر عن انتصار المسيح على (هذا العالم) الذي يكمن شره في الابتعاد عن الله، أي في الشقاق والتشرذم والعداوة والانقسام.
هذه الوحدة الجديدة التي يعلنها الاجتماع للمعتمدين الجدد المنضمين إليه، لا تقتصر على شعب الكنيسة فقط. فهؤلاء الذين تركوا العالم وراء أبواب الكنيسة، يجدون العالم نفسه مطهراً ومتجلياً وممتلئاً من جديد بالجمال والمعنى الإلهيين، أي أيقونة لملكوت الله. إنه ليس اجتماعاً لبعض (الهاربين) من العالم الذين يتمتعون بمرارة هروبهم منه ويغذون كرههم له. استمعوا إلى مزاميرهم وترانيمهم، وتأملوا الجمال الشفاف في أيقوناتهم وحركاتهم وكامل احتفالهم، تجدوا الفرح الكوني يتخللها كلها، والطبيعة بأسرها – في مادتها وزمانها، في أصواتها وألوانها، في كلامها وصمتها – تسبح وتعبد الله، وفي هذا التسبيح تعود كما كانت: سر شكر، سر وحدة، سر خليقة جديدة.
كلمة الله: لقد سمعها المعتمدون الجدد عندما كانوا موعوظين، ولكنهم الآن، وللمرة الأولى، لا يسمعونها من الخارج، بوصفها دعوةً ووعداً أو كلمة عن الله، بل في الداخل، لأنهم صاروا من (أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله) (أفسس ١٩:٢). ويمكنهم الآن أن يعيشوا بحسب الكلمة، وأن ينموا في فهمها. وهكذا يكشف سر الشكر أن الكنيسة هي سر الكلمة.
تقدمة الخبز والخمر: الحياة نفسها تستعاد بوصفها توجهاً بالقرابين إلى الله. وهذا التوجه هو الذي يوحدنا مع ذبيحة المسيح وبذله ذاته، أي مع الذبيحة الكاملة التي تشمل حياتنا كلها وحياة العالم بأسره. وهكذا يظهر سر الشكر أن الكنيسة هي سر التقدمة.
قبلة السلام والاعتراف بالإيمان: نتبادل محبة الله التي (انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا) (رومية ٥:٥)، ونعترف بالحقيقة التي تحررنا وتجعلنا (أبناء النهار وأبناء النور). وهكذا يظهر سر الشكر أن الكنيسة هي وحدة في الإيمان والمحبة.
تقريب الذبيحة: إنه تحقق الكنيسة، وتحقق العالم كله في الكنيسة، عبر فعل واحد ونهائي يشمل الكل، فعل شكر وعبادة وتذكّر وترقّب. إنه الفعل الذي يختصر الحياة كلها والزمن كله والوجود كله، فيأخذنا إلى الأبدية، ويوقفنا – في المسيح – أمام عرش الله، حيث نقدم له إفخارستيا المسيح الأبدية.
إن الكنيسة في بيتها الآن. فالروح القدس الذي ينزل عليها، يصعدها إلى السماء. وهناك، على مائدة المسيح في ملكوته، تعرف أن تقدمتها من الخبز والخمر قد استحالت إلى جسد المسيح ودمه، وصارت اشتراكاً في ناسوته المتأله وفي الحياة الإلهية التي (لا تنضب). ويشترك المعتمدون الجدد في كل هذا. فقد اعتمدوا حتى أنهم، بعد موتهم مع المسيح، يشتركون في حياته الناهضة من بين الأموات. وسر الشكر هو الذي يجعل هذه الحياة الناهضة تتجلى، وينقلها إلى الكنيسة، جاعلاً أعضاءها شهوداً للأمور العتيدة.
يمكننا أن نفهم الآن لماذا كان الانفصال التدريجي بين المعمودية وسر الشكر، لاهوتياً وليتورجياً، أكثر من مجرد انحراف خارجي عن التقليد القديم. فالواقع أنه يشوه السريْن كليهما، لا في ملئهما الموهوب، الذي لا يتأثر بأخطائنا ونواقصنا، بل في فهمنا واقتبالنا لذلك الملء. فبعد أن جعلت المعمودية طقساً مستقلاً ومتمتعاً باكتفاء ذاتي، لم تعد تختبر بوصفها الدخول الحقيقي إلى الكنيسة، والمصدر الدائم لحياتها وللحياة فيها. أما سر الشكر فإن فصله، أي (قطعه) عن سائر الأسرار، هو المسؤول قبل كل شيء آخر، عن اختزاله إلى مجرد خدمة و(وسيلة للنعمة) من بين خدم ووسائل متعددة، وعن توقفنا عن فهمه واختباره بوصفه سر الكنيسة.
ولكن ليتورجيا المعمودية، حتى في شكلها الحالي، تدل على أنها تتجاوز ذاتها، وتذكرنا بتوجهها الجوهري نحو الكنيسة. ونجد هذين (التجاوز) و(التوجه) في القراءتين التاليتين للزياح حول الجرن (الرسالة: رومية ٣:٦-١١ والإنجيل: متى ١٦:٢٨-٢٠) فهما ليستا مجرد (تفسيرين) للمعمودية، على غرار التفاسير الكتابية التي كانت تعطى قبل المعمودية، وتشكل جزءاً أساسياً من التعليم الذي يهيئ لها، ولكنهما – قبل كل شيء – إعلان عن (جدة الحياة)، وعن (مضمون) الحياة الجديدة الذي يؤخذ في المعمودية. إن ثمرة المعمودية وتحققها الفعلي هما حياة جديدة، وهي ليست مجرد حياة فضلى، أو حياة أكثر أخلاقية أو أكثر تديناً، بل حياة مختلفة (كيانياً) (أنطولوجياً) عن الحياة (القديم - العتيق). وهذا الاختلاف، أي مضمون هذه الجدة، هو في كونها حياة مع المسيح: (... فإذا كنا قد متنا مع المسيح، فإننا نؤمن بأننا سنحيا معه) (رومية ٨:٦). حياة المسيح الناهضة من الموت هي التي تعطى لنا وتصير حياتنا وقيامتنا. والكنيسة هي، بالتحديد، حياتنا في المسيح، وحياة المسيح فينا، وليس لها أي وجود أو أية غاية أو أية حياة سوى أن تكون هي (المسيح فينا، ونحن في المسيح)، لأنه سيكون (معنا طوال الأيام إلى انقضاء الدهر) (متى ٢٠:٢٨). ولهذا السبب فإن سر حضور المسيح ومجيئه، سر إشراكه إيانا في حياته الناهضة، هو بالفعل سر الكنيسة، وتحقيق المعمودية.
ج- طقوس اليوم الثامن
ج- طقوس اليوم الثامن
إنَّ الطقسين الأخيرين في ليتورجيا المعمودية – غسلَ الميرون المقدَّس وقصَّ الشعر – يقامان الآن في الاحتفال نفسه، وبعد قراءة الإنجيل. ولكنهما في الواقع يندرجان تحت عنوان (طقوس اليوم الثامن6). وقد كانت الكنيسة الأولى تقيمهما فعلاً في اليوم الثامن، أي يوم الأحد الذي يلي الاحتفال الفصحي بالمعمودية، لأنَّ المعمودية نفسها كانت آنذاك متصلةً بالفصح. وعلى الرغم من أنَّ أحداً لا يهتم بالإشارة إلى (اليوم الثامن)، فإنَّ هذه الإشارة بالذات هي (المدخل) إلى فهم هذين الطقسين فهماً صحيحاً 7.
لم تكن ليتورجيا المعمودية، في التقليد القديم، تنتهي بانتهاء ليلة الفصح. لأنَّ المعتمدين الجدد كانوا يجتمعون في الكنيسة يومياً، طوالَ الأسبوع التالي، ويتلقون (تعليم الأسرار = mystagogia). وكان هذا التعليم يركز على تفسير سر الشكر الذي كانت الكنيسة تحجبه عن الموعوظين، لاعتقادها الراسخ بأنَّ المعمودية وحدها تنوِّر فكر الإنسان وقلبه، وتجعله قادراً على الاشتراك في سر الكنيسة، أي قادراً على التذوّق والرؤية. وكما أنَّ ليتورجيا (الفصح الثلاثي الأيام) قد تَطوَّرتْ في ارتباط مع طقوسي المعمودية، فإنَّ هذا الأسبوع الذي يتم فيه تعليم الأسرار هو أساس (أسبوع التجديدات) الحالي ذي البنية الليتورجية الفريدة، القائمة على تكرار خدمة الفصح يومياً مع تبديل (اللحن). وكل التعليمات الليتورجية تساهم في جعل هذا الأسبوع الفريد امتداداً متواصلاً وبهيجاً للاحتفال الفصحي نفسه. فهذا الأسبوع – وهنا المسألة كلها – ليس مجرَّد فترة مخصَّصة لبعض التعليم الإضافي، بل هو نفسه جزء من ذلك التعليم، أي (ظهور) أمر ضروري لمعنى المعمودية، ولـ(جدَّة الحياة) المأخوذة فيها. وهذا الظهور متعلّق بالزمن، لذلك يجعل ممكناً عن طريق الزمن، أي عن طريق تلك الرموز الكتابية العددية إلى الزمن، والتي من دونها يتعذّر فهم الخبرة الليتورجية للكنيسة الأولى.
نجد في الإعلان الكتابي أنَّ العدد سبعة هو قاعدةٌ للعالم ورمزٌ إليه. فهو يرمز إلى العالم كما خلقه الله، أي العالم الكامل والناجز والذي هو (حسن جداً)، وإلى العالم الذي أفسدته خطيئة الإنسان، فصار (هذا العالمَ) الخاضعَ للشر والموت؛ وأخيراً إلى العالم بوصفه (تاريخ الخلاص)، أي مكان عمل الله الخلاصي وموضوعه. واليوم السابع، الذي يقيس زمن العالم و (ينظّم) حياته، هو خبرة كل هذه الأمور والتعبير عنها. إنه اليوم الذي استراح فيه الله من كل أعماله، اليوم الذي باركه الله، لذلك يكون يومَ ابتهاج الإنسان بالله وبالخليقة بوصفها شركة مع الله. إنه ليس نهايةَ العمل الحقيقية، بل مجرد توقف عنه، أي استراحةٌ فرضها العمل نفسه، لذلك يكون تعبيراً عن عبودية الإنسان للعالم. إنَّه يذكِّر الإنسان بالله، عندما يكشف له غربته عن الله وعبوديته للعالم، لذلك يكون يومَ ترقّب عند الإنسان، يوم رجائه الفداء والتحرّر، وانتظاره اليوم الذي يلي (السبعة)، أي اليوم الذي يلي الرتابةَ الزمنيةَ الخاليةَ من المعنى وذاتَ الأفقِ الواحد، ألا وهو أفق الموت والدمار.
ويأتي هذا (اليوم الجديد) ويدشَّن بقيامة المسيح. فبعد أنْ أتمَّ المسيح تاريخَ الخلاص، وأعاد خلق الإنسان والعالم في نفسه، واستراح في السبت المبارك، قام ثانيةً من بين الأموات في (اليوم الأول بعد السبت). وفي ذلك اليوم بدأ زمن جديد، يعرف المؤمنون أنه – على الرغم من بقائه ظاهرياً داخل الزمن (القديم) لهذا العالم، وقياسه بالعدد سبعة – زمنٌ جديد حقاً، لأنه يتّجه نحو الأبدية، ويَشِفّ عن ملكوت الله، ويجعل حضور الملكوت وقوته وفرحه ظاهرة بوضوح في (هذا العالم).
أمَّا رمز هذا الزمن الجديد في الكنيسة الأولى وكتابات الآباء والتقليد الليتورجي فهو العدد ثمانية. صحيح أنَّ اليوم الثامن لا وجود له في زمن (هذا العالم)، أي في الزمن (القديم) الذي لا بدَّ أنْ يقاس بالعدد سبعة، ولكنه موجود فعلاً في خبرة الكنيسة، بل إنّه بالتحديد (مركز) تلك الخبرة. فمنذ البداية كان المسيحيون يجتمعون بوصفهم (كنيسة)، لكي يحتفلوا بسرِّ الشكر في اليوم الأول من الأسبوع، أي اليوم الذي يلي اليوم السابع. هذا اليوم هو، بلغة (هذا العالم) أحد الأيام السبعة، أي أنه يخصّ زمن هذا العالم. ولكنَّ معنى ذلك الاجتماع، والاحتفال المقام فيه، هو أنَّ الكنيسة كانت تختبر نفسها فيه بوصفها كنيسةً صاعدة إلى السماء، أي محقّقةً لذاتها خارجَ الزمن، ومشتركةً على مائدة المسيح في ملكوته الأبدي. لقد اختبرتْ اليوم الأول من زمن (هذا العالم) بوصفه (اليومَ الثامن) – اليوم الذي يتجاوز الزمن، والسبعة، وهذا العالم في آن – أي يومَ اشتراك الكنيسة في (النور الذي لا يعروه مساء)، نور الملكوت. وهذه الخبرة التي عبَّرتْ عنها الكنيسة الأولى بتسمية يوم الأحد (يومَ الرب)، أي يومَ صعود الكنيسة إفخارستياً إلى السماء، هي الخبرة التي تشكّلَتْ منها الحياة الليتورجية كلّها، والتي ما تزال تتشكّل منها، رغم جهل أكثرية المسيحيين الساحقة.
يمكننا أن نعود الآن إلى أسبوع التجديدات، وإلى معناه في ليتورجيا المعمودية. فقد كان القصد من هذا الأسبوع أنْ يمنح خبرة الزمن هذه للمعتمدين الجدد، وكان هو نفسه (ظهور) وعطية هذه الخبرة: خبرة الحياة الجديدة على أنها بالفعل ليست من هذا العالم، وعطية الكنيسة في (وطنها الأصلي)، في ملئها السماوي، أي عطية الملكوت نفسه. ففي هذه الأيام السبعة يتحقّق كامل الزمن بوصفه أبدية، بعد أن صار الزمن نفسه فصحاً دائماً و(فرحاً وسلاماً وبِرّاً في الروح القدس). وحتى اليوم، فإنَّ القليلين الذين يتاح لهم فَرَح الاشتراك في خدمات هذا الأسبوع الفريد يعرفون أنهم، في هذا الفصح الدائم، يَخْتَبرون جوهرَ الكنيسة النهائيَّ، ويتذوَّقون (ما لم تَرَه عين، ولم تسمع به أذن... ولكنْ ما أعدَّه الله للذين يحبونه).
غير أنَّ هذه الخبرة يجب أن تنتهي، لأنَّ المعتمدين الجدد يجب أنْ يعودوا إلى العالم. صحيحٌ أنَّ الكنيسة (ليست من هذا العالم)، ولكنها موجودة (في هذا العالم)، حيث أسَّسها المسيح وأرادها أنْ تبقى حتى اكتمال العالم نفسه. ومهمتها أنْ تشهد للمسيح في العالم الذي لا خلاصَ له إلاّ في المسيح، وأنْ تكْمِلَ عمله الخلاصي بجعله حاضراً، وبإسماع كلمته، وإعلان ملكوته وإظهاره. لولا صعود الكنيسة إلى السماء، وتحقيقها لذاتها بوصفها جسد المسيح وهيكلَ الروح القدس، وبعبارات أخرى، لولا تركها (هذا العالم) الذي هو طريقها ومسيرتها وترقّبها لملكوت الله، لما كان لديها شيء تشهد له. ولولا عودتها إلى العالم، لما أنجزتْ رسالتها الإلهية، ولما كانت عمل المسيح وذبيحته. ومن هنا هذه الوتيرة المزدوجة في حياة الكنيسة: الانسحاب من (هذا العالم) إلى (اليوم الثامن) لملكوت الله، والعودة إلى زمن (الأيام السبعة) وواقعها. وهذا هو سبب انتهاء ليتورجيا المعمودية بطقسين يعبِّران عن تلك العودة، ويدلاّن على بدء الحياة المسيحية بوصفها رسالةً وشهادة.
يقام هذا الطقسان في اليوم الثامن الذي يلي المعمودية، مما يعني أنَّ هذه البداية هي بالفعل عودة. فمن عمق الخبرة الفصحية، أي الخبرة الجوهرية للكنيسة، يؤمَر المعتمدون الجدد بالعودة ويرسَلون إلى العالم. وهذا الأحد، وهو الأول بعد الفصح، يسمَّى (الأحد الجديد)، بمعنى أنَّ (الدهرَ الجديد)، الذي تجلَّى وبدأ في الفصح، يبقى – بشكل أسراريّ – حاضراً وحقيقياً وفاعلاً في الزمن (القديم) لهذا العالم، وأنه القوة التي تتيح للكنيسة ولأعضائها، إنجاز مهمتهم ورسالتهم في العالم. يبدأ زمن ما بعد الفصح، ولكنه زمن يتخلّله فرح الفصح ونوره، والقوة الناشئة منه، وهي القوة التي تجعله مصدر الحياة وكلِّ فعل فيها. والمعتمدون الجدد يرسَلون الآن إلى هذا الزمن الذي يقوم على التوتر والحرب ما بين القديم والجديد، فينا وفي العالم وفي الحياة.
د- غسل الميرون المقدس
غسل الميرون المقدّس هو الطقس الذي يهيئ المعتمد الجديد لتلك الحرب، مظهراً أنَّها هي مضمون الحياة المسيحية:
وفي اليوم الثامن يؤتى بالمعتمد إلى الكنيسة ليغسل...
كان يسبق هذا الطقس، في الممارسة القديمة، طقس آخر هو وضع يد الأسقف على رأس المعتمد الجديد. ولا تزال هناك إشارة إليه في الصلاة الأولى من خدمة (ليوم الثامن). إنّ المسيحيَّ الجديد موشكٌ أنْ يرسَل إلى العالم ليكون، كما ذكرنا آنفاً، شاهداً (حرفياً: شهيداً) للمسيح، وداعياً إلى ملكوت الله. ومحارباً ضد (أمير هذا العالم). وستكون حياته عرضة لخطر دائم وتجارب لا تنتهي. فقد ذكر الإنجيل أنَّ العدو الذي هزم بانتصار المسيح، يشنّ معركته الأخيرة اليائسة ضد أولئك الذين (ربحهم) المسيح منه، (حتى يضللَ المختارين أنفسهم، لو استطاع) (متى ٢٤:٢٤). إنّ الأفق التاريخي للإنجيل بعيدٌ جداً عن التفاؤل، وغريب تماماً عن خرافة التطوّر المعاصرة: (... متى جاء ابن الإنسان، ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض؟) (لو ٨:١٨). والنتيجة الأخيرة للحرب ستكون إمّا الحياة الأبدية أو الموت الأبدي، الخلاص أو الدينونة. ومن هذا المنطلق نشأت اللغة والرمزية (العسكريّتان) في الكنيسة الأولى، ولكنهما غريبتان تماماً عن المسيحي (المعاصر) الذي ينتابه هاجس (المشاكل). وإنّه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام أنْ نتابع ذلك التحوّل التدريجي في العقلية المسيحية، وتخلِّيها عن (رجوليّتها) الأولى. فالواقع أنَّ الكنيسة الأولى كانت تعلم أنَّها (جيش المسيح = christi militia)، أي شعب الله المجنَّد لمحاربة العدو، في حين أنَّ المسيحي المعاصر يفضل أن يقيّم نفسه وإيمانه بتعابير (المعالجات الطبية)، فيرى أنَّه مريض في عيادة لا محاربٌ مجنَّدٌ من أجل معركة طويلة.
ولكننا لن نفهم طقسَي (ليوم الثامن) ما لم نسترجع الروح (العسكرية) التي كانت سائدة في الكنيسة الأولى. فالأسقف يواجه الآن المعتمدين الجدد بوصفه قائداً يتولى أمرته على مجنّدين جدد. إنهم لا يزالون في بِزّاتهم الجديدة المشعة، يملأهم الحماس والتوق إلى الحرب وإلى إثبات الذات. ولكنّ القائد يعرف أنَّ الحرب ستكون طويلة ومريرة، وأنَّ رجاله سيتعرضون للألم والتعب، وأحياناً إلى الخيبة والهزيمة. لذلك فأوّل صلاة يقرأها الكاهن هي الصلاة التي تطلب الحماية والمساعدة والشجاعة والوفاء والثبات:
... احفظ ترس إيمانه غير محتال عليه من الأعداء. وصنْ فيه بغير عيب ولا دنس لباس عدم الفساد الذي لبسه...
ثم يضع يده على رأسهم ويقول:
... ضَعْ عليهم يدك العزيزة، واحفظْهم بقوة صلاحك، واحرسْ عربونهم غير مسلوب. وأهلْهم للحياة الأبدية ولمرضاتك...
لا أحد سوى الله يمكنه أنْ يحفظنا وسط اليأس والمآزق التي يمكن أن تنتابنا خلال حربنا الأرضية. ووضع الأيدي هنا هو (تفويض) الضباط الجدد وإعطاؤهم (أمرَ السير). إنّه علامة وعطية تلك البطولة التي لا وجود لحياة مسيحية من دونها.
ويَقْبَل المسيحي الجديد هذا التفويض. فعندما يقول الكاهن: (احنوا رؤوسكم للرب...)، يحني رأسه مظهراً طاعته واستعداده لقبول نظام (جيش المسيح)، وللبقاء في الصفوف، وللسعي إلى انتصار سيده، لا إلى مجده ورضاه، الذاتيين.
ويقول الكاهن:
- إنّ الذين لبسوك أيها المسيح إلهنا، قد حنوا لك هاماتهم معنا. فاحفظهم ليلبثوا مجاهدين غير مغلوبين تجاه المعادين لهم ولنا باطلاً. وأظهرنا جميعاً غالبين حتى النهاية بإكليلك غير البالي، لأنّ لك أنْ ترحمنا وتخلّصنا...
لقد صار بالإمكان نزع كلِّ العلامات والرموز الخارجية، لأنَّ أيّاً من الأمور الخارجية البحتة، لن يسعه أنْ يقدم العون بعد الآن. والأمر الوحيد الذي سيكون سنداً للإنسان هو امتلاكه الداخلي لعطية النعمة والإيمان والإخلاص. وعندما تبدأ الحرب الحقيقية لا تبقى البذلة المشعّة الغنيّة الألوان مفيدةً للابسها، لذلك يستعاض عنها ببزّة القتال. وهكذا تنزع الحلة البيضاء عن المعتمد. فالمسيح نفسه وضع رداءه المجيد جانباً، واتّخذ صورة عبد، لكي يتغلب على العدو. ولكنّ مجده تجلّى أكثر ما تجلّى حين (تجرّد من ذاته متّخذاً صورة عبد... وأطاعَ حتى الموت، الموت على الصليب) (فيلبي ٢: ٨-٩)، وإذّاك تمجّد ابن الإنسان. لذلك تنزع الحلة البيضاء ويغسل الميرون المقدّس، فهما لم يعطيا للمعتمد بوصفهما علاماتٍ وحسب، ولكنهما أعطيا له يكونا الحقيقة نفسها، ولكي يتحوّلا إلى الحياة. لهذا يخاطب الكاهن الإنسان بالذات حين يغسل الميرون المقدّس عن الجسد، قائلاً:
- قد تبررت، قد استنرتَ، قد تقدَّستَ، قد اغتسلتَ باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا..8
لقد صار المعتمد الجديد على أهبة الاستعداد لكي يواجه تحدِّي العالم، ويبدأ شهادته (martyria).
هـ- قص الشعر
آخر طقس هو قصّ الشعر. وقد كان قص الشعر دائماً أحدَ الطقوس الدينية الأساسية ورمزاً للطاعة والتضحية. فمنذ زمن سحيق اعتبر البشر أنَّ في الشعر (قوةً خفيةً) (mana)، وأنّه مركز القوة والقدرة في الإنسان. ونجد في قصة شمشون الواردة في الكتاب المقدَّس مثلاً على هذا الاعتقاد. وما زلنا حتى اليوم نرى ما يمثله، عبرَ انشغال الإنسان المتواصل بشعره وبـ(تسريحه). وهكذا يبقى الشعر تعبيراً ورمزاً إلى جمال الإنسان بوصفه (قوة)، أو رمزاً إلى الهوية القومية (تسريحة (آفرو = Afro))، وحتى رمزاً لبعض الانحرافات المَرَضيَّة العميقة في الإنسان. وباختصار فإنَّ (سر الشعر) هو إحدى الوسائل الأساسية للتعبير عن الذات، وتأكيد الهوية. وبالتالي فطقس قص الشعر المسيحي (وهو موجود، إضافة إلى المعمودية، في قص شعر الرهبان، وفي (فرز) القارئين الذين سيصيرون أعضاء في الإكليروس)، يجب ألاّ ينظر إليه وكأنه واحد من طقوس عديدة (قديمة وموقَّرة) تقام، دون أنْ يعرف أحد سبباً لذلك، سوى كونها جزءاً متمِّماً لـ(تراثنا). فكل شيء في الكنيسة هو دائماً حقيقي، وكل عمل رمزي هو رمزي لأنه يكشف كَبِدَ الحقيقة، أي تلك المرتبة العميقة وغير الموصوفة منها، والتي نتصل بها عن طريق الرموز والطقوس.
يبدأ قص الشعر الذي يلي المعمودية بصلاة مهيبة تلخّص معنى السر، وتظهر أنّه يستعيد الإنسان بوصفه أكمل خلائق االله وأجملها. فكأنَّ الكنيسة، بعد أن أتمَّتْ عمل الاستعادة هذا، تنظر إلى الإنسان وتصرخ بفرح وابتهاج: ما أجمله!
أيها السيد الرب إلهنا، يا مَن كرَّمتَ الإنسان بصورتك وأتقنتَه من نفس ناطقة، وجسد بهي الجمال، لكي يخدم الجسد النفسَ... ووضعتَ الرأس في أعلى البدن وركزتَ فيه أكثر الحواس... وحصَّنتَ هامته بالشعر... وغرستَ فيه جميع الأعضاء لمنافع حميدة، ليشكرك بها كلها أيها المهندس الأعظم...
الإنسان هو صورة مجدِ االله وجمالِه غير الموصوفين. والتأمل في جمال الإنسان والابتهاج به هما تقدمة الشكر إلى االله نفسه. ولكنَّ الجمال، مثل كل شيء في (هذا العالم)، قد حجب ووضع وشوِّه، فصارَ جمالاً (ساقطاً). ونحن نميل دائماً إلى رفضه ببساطة، معتبرين أنَّه تجربةٌ شيطانية. ولكنَّ خبرة الكنيسة للجمال ليست على هذا النحو. فإنه، على الرغم من تدنّيه يبقى إلهياً على الدوام، لأنه علامة االله وسِمَته في مخلوقاته. الإنسان جميل ويجب أنْ يستعاد إلى جماله. وعليه هو أنْ يبتهج بهذا الجمال ويقدِّم الشكر إلى االله منه أجله، كما فعل ذلك الراهب المصري القديس الذي، بطهارة قلبه، رأى جمالاً إلهياً حتى في عاهرة.
في هذا العالم الساقط لا سبيلَ إلى الجمال الإلهي وإلى استعادته في الإنسان سوى طريق الطاعة والتضحية. وهكذا تبدأ الحياة الجديدة بتضحية إلى االله، أي تسليمه بفرح وعرفان ذلك الشعرَ الذي صار في (هذا العالم) رمزاً للجمال (الساقط). وهذا هو معنى قص الشعر الذي يلي المعمودية: إنّه أول تضحية حرَّة ومبهجة يقدّمها الإنسان من نفسه إلى االله. ويصير هذا المعنى حقيقياً وحياً عند اعتماد الطفل المولود حديثاً. فهو لا يملك شيئاً يمكن أنْ يقدّمه إلى االله، لذلك نأخذ منه الشعيرات القليلة التي لديه. إنّه الإذلال المجيد: بدء الطريق الوحيدة والصحيحة إلى الجمال الحقيقي، وإلى الفرح وملء الحياة.
وهكذا تكون ليتورجيا المعمودية قد أنجزتْ وتحقّقتْ، والحياة (الطبيعية) على وشك أن تبدأ. ولكنها حياة مختلفة جذرياً عن الحياة (الطبيعية) التي يبشّرنا بها (هذا العالم) ويفرضها علينا. ولن نستطيع تحقيق هذا الاختلاف الجذري في حياتنا إلاّ إذا كانت المعمودية مصدرَها وقوَّتَها المحتجبين والحقيقيين في آن. فكما أنَّ حياة الكنيسة تنشأ من الفصح، وتأخذنا – عبر العنصرة و(ما بعد العنصرة) – إلى فصح آخر، فإنَّ حياتنا الناشئة من المعمودية قد جعلتْ (عبوراً) أي مسيرةً وحجاً وصعوداً إلى (النور الذي لا يعروه مساء) في ملكوت االله الأبدي. وفي نموِّنا وحربنا وعملنا، يرافقنا هذا النور السري، وينير طريقنا منذ الآن، ويشعّ في كل مكان، ويغيِّر كل شيء ويجعله حياةً في االله وطريقاً إليه. فعندما تنجَز ليتورجيا المعمودية، تبدأ المعمودية نفسها بالعمل فينا.