الفصل الثالث
أ- الحلّة البيضاء
فور انتهاء التغطيس الثلاثي يلبس المعتمد حلَةً بيضاء، تسمّى في النصوص الليتورجية والتفاسير الآبائية: الحلّةَ المشعّة1، الثوب الملوكي2، حلّةَ الخلود3 الخ...
وإذ يضع الكاهن هذه الحلّة على الموعوظ، يقول:
- يلبس عبد االله سربال البر، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.
وترتَّل الترنيمة التالية:
- امنحني سربالاً منيراً، يا لابس النور مثل الثوب، أيها المسيح إلهنا الجزيل الرحمة.
هذا أحد أقدم طقوس المعمودية في ليتورجيتنا، وقد احتل مكاناً هاماً في التفاسير القديمة لهذا السر4. ولكنّ هذه التفاسير، ومفهوم الطقس نفسه، (اختزلا) مع الوقت وصارا مجرد رمز خارجي. يقال لنا إنّ الحلَّة البيضاء ترمز إلى الطهارة الروحية والصلاح، اللذين يجب على كل مسيحي أنّ يسعى إليهما في حياته. من الواضح أنه لا يوجد أي خطأ في هذا التفسير، ولكنّ النقص الذي يجعله شبيهاً بكل التفاسير الرمزية المماثلة، يكمن في أنه يترك السؤال الأساسي دون جواب. فما هي (طبيعة) تلك الطهارة وذلك الصلاح؟ وما هو (محتواهما)؟ لقد عرفنا أنّ خصائص الليتورجيا، وخصائص كلِّ طقس وعمل فيها، تكمن في أنها لا (ترمز) إلى شيء ما وحسب، بل تعلن وتَمنَح ما ترمز إليه. وهكذا فإنّ طقس الحلّة البيضاء ليس مجرد مذكِّر وداعٍ إلى حياة طاهرة وصالحة. ولو كان على هذا النحو فقط، لما أضاف شيئاً إلى المعمودية. فمن البديهي أننا نعتمد لكي نعيش حياةً مسيحية، وأن هذه الحياة يجب أن تكون (طاهرةً) و(صالحةً) بقدر المستطاع. ولكن ما يعلنه وينقله هذا الطقس هو الجدة الجذرية لتلك الطهارة وذلك الصلاح، أي تلك الحياة الروحية الجديدة التي من أجلها يتجدّد المنتصر بالتغطيس في ماء المعمودية، والتي سينالها للحال بواسطة (ختم موهبة الروح القدس).
لسنا في حاجة إلى تقديم البرهان على أننا نعيش اليوم وسطَ أزمة أخلاقية وروحية عميقة. فمن جهة نسمع نواحاً على (الأزمة الأخلاقية)، ويتبينّ لنا أنّ المسيحيين أنفسهم منقسمون حول طبيعتها وحول التدابير التي يجب أن تتخذَ لمعالجتها. فثمة فئةٌ تدافع عن القانون الأخلاقي (القديم) وتطالب بالعودة إليه، ولكنها تجابه بفئة أخرى تشجب نفاقه ومنحاه القانوني وتدعو إلى أخلاقية جديدة تسميها (أخلاق المواقف = ethics situation) و(أخلاق الحب = love of ethics) الخ... ومن جهة أخرى ثمة عودة إلى الاهتمام بـ(الروحانية) والبحث عنها. ولفظة (روحانية) هذه تحمل في طياتها ارتباكاً روحياً واضحاً وغير معقول. وهذا الارتباك يولِّد بدوره تنوّعاً كبيراً في (التعاليم) و(الوصفات) الروحانية المشكوك فيها. فثمة جماعاتٌ تؤكّد الروحانية (جماعة الاحتفال بالحياة = life of celebration)، وجماعاتٌ تنكر الروحانية (جماعة نهاية العالم = the end of the world). وهناك (حركة يسوع = Jesus movement) الإنجذابية، و(الحركة المواهبية = mouvement charismatic) الإنجذابية أيضاً. ويوجد عدد من (الشيوخ = elders) و(الغورو = gurus) المختلفي الأنواع. وهناك جماعات (التأمل المتعالي = meditation transcendetal) و(عطية الألسن = gift of tongeus) و(الصوفية الشرقية = mysticism Oriental). وثمة أناس يسعون إلى إعادة اكتشاف الشيطان وإلى (السحر = Witchcraft)، وآخرون يهجسون بـ(طرد الشياطين = exorcisms) الخ... أما رعايانا التي لم تدخلْها بعد هذه النزعات الروحانية الشائعة، فما زال يسودها ذلك الاختزال المعتاد للحياة المسيحية إلى (واجبات) خارجية مختلفة و(محرّمات). ولكن امتثالَ (شعبنا الطيب) إلى هذه (الواجبات) وامتناعه عن (المحرّمات)، لا يمنعانه من أن يعيش في الواقع حياةً دنيويةً تماماً، أو أن يتقيّد بمقاييس ومعايير بعيدة كلَّ البعد عن الإنجيل.
يظهر من كل هذا أنّ ثمةَ ارتباكاً عميقاً جداً، وافتقاراً إلى المقاييس الروحية الأصيلة، وأوّلها الصحو (sobriety) الذي يعتبره التقليد الأرثوذكسي الشرطَ الأساسي لكل روحانية أصيلة. وقد بلغ هذا الافتقار حداً باتت معه أكثر الأبحاث أصالةً معرّضةً لأن يصرف عن معناه، وتقاد إلى كارثة روحية. إنّ عصرنا هو العصر الذي يأخذ فيه الدجل والخداع الروحي والتزوير شكلَ (ملاك نور) (٢كو١٤:١١). ولكنّ الخطر والنقص الأساسيين في هذه الظاهرة، أن الكثيرين – ومنهم أولئك الذين يبدو غالباً أنهم (موزعون) تقليديون للروحانية – ينظرون إليها (الروحانية) وكأنها وجود قائم بذاته ومنقطع تماماً عن الخبرة المسيحية والنظرة المسيحية إلى االله والعالم والإنسان، وبعيد تماماً عن الإيمان المسيحي الكامل. لقد رأيت (الفيلوكاليا) تقرأ وتطبق في جماعات وحلقات ذات تعاليم سرية لا علاقةَ لها بالنظرة المسيحية إلى العالم، بل هي متعارضةٌ معها تماماً. وهذا الفصل بين الإيمان الكامل وبين (الروحانية)، ذات المظهر التقليدي والأرثوذكسي، يعرضها للوقوع في خطر التحوّل إلى روحانية أحادية الجانب ومختزلة، أي هرطوقية = heretical (من اللفظة اليونانية αіρεσіς ومعناها انتقاء، وبالتالي اختزال)، وهكذا تصبح روحانيةً كاذبة.
إنّ خطر الروحانية الكاذبة كان قائماً على الدوام. وقد شجبها القديس يوحنا، الذي خاطب المسيحيين قائلاً: (لا تصدقوا كلَّ روح، بل اختبروا الأرواح لتروا هل هي من عند االله). ثم وضع القاعدة الأساسية لهذا (الاختبار)، وهي أنّ (كلَّ روح يعترف بيسوع المسيح المتجسد هو روح من االله) (١يو ١:٤-٢). وهذا يعني أنّ مقياس (الروحانية) موجود في التجسد، العقيدة المسيحية المركزية. وأقول المركزية لأنها تتضمن وتحتوي على كامل الإيمان المسيحي، وعلى كافة أبعاد النظرة المسيحية إلى العالم: الخلق، السقوط، الخلاص، االله، العالم، الإنسان. ولكن أين يمكن أن تعلَن هذه الروحانية الحقة، وهذه الرؤية الشاملة للإنسان وطبيعته ودعوته، بشكل أفضلَ مما يعلنه هذا السر الذي يهدف تحديداً إلى أن يعيد للإنسان طبيعته الحقة، وإلى أن يمنحه الحياة الجديدة عن طريق تجديده (بالماء والروح)؟ وفي هذا الإطار بالذات يأخذ طقس الحلَّة البيضاء مغزاه الحقيقي ويكْشف معناه الأسراري، وهو الطقس الذي كان يبدو ثانوياً إلى حد عدمِ ذكره في الكتيّبات التي تتحدّث عن اللاهوت الأخلاقي والعقائدي.
إنّ القاعدة الأساسية للاهوت الليتورجي، وهي القاعدة التي نادراً ما تطبق في التفاسير (الرمزية) للعبادة، تكمن في أنّ المعنى الحقيقي لكل عمل ليتورجي يكشَف عبر الإطار الذي يتمّ فيه هذا العمل، أي من خلال مكانه داخل ترتيب الطقس، وموقعه من تتابعِ الأفعال التي تتشكّل منها الليتورجيا. وبكلام آخر، إنّ كل طقس يحصل على معناه وعلى (قوّته) من الطقس الذي يسبقه والطقس الذي يليه. وطقس الحلّة البيضاء ينهي ويخْتم المعمودية نفسها. فإلباس (الحلّة المشعّة) و(السربال المنير) يقابل نزع ثياب الموعوظ قبل المعمودية، أي عريه وهو يدخل ماء الخلاص. ومن جهة أخرى، يدشِّن هذا الطقس القسم الثاني من ليتورجية الانتماء إلى الكنيسة، وهو المسح بالميرون المقدّس ومنح المتنصر موهبةَ الروح القدس. وهذه الوظيفة المزدوجة للطقس هي التي تكشف المحتوى الحقيقي للحياة الجديدة، ومحتوى جدتها نفسها.
عرفنا أنّ نزع الثياب عن الموعوظ قبل المعمودية هو إشارة إلى رفضه (الإنسان العتيق) و(الحياة العتيقة)، حياةَ الخطيئة والفساد. وبالفعل، فهذه الخطيئة هي التي كشفتْ لآدم وحواء عريهما، وجعلتهما يسترانه باللباس5. ولكن، لماذا لم يخجلا من عريهما قبل الخطيئة؟ لأنهما كانا يرتديان طبيعة الإنسان الحقيقية، أي المجد والنور الإلهيين، و(الجمالَ الذي لا يوصف). وهذه هي الحلَّة الأولى التي خسراها، فـ(عرفا أنهما عاريان) (تك ٧:٣). ولكنّ ارتداء (السربال المنير) بعد المعمودية يدلّ على أنّ الإنسان قد عاد إلى كماله وبراءته الفردوسيين، واستعاد الطبيعة الحقيقية التي أخْفَتْها الخطيئة وشوّهتها. وقد قارن القديس أمبروسيوس حلَّةَ المعمودية برداء المسيح على جبل ثابور، ذاكراً أنّ المسيح المتجلّي يكْشف أنّ الإنسانية الكاملة، البريئةَ من الخطيئة، ليس (عاريةً)، بل مرتديةً حلَّةً (بيضاء كالثلج) في نور المجد الإلهي غير المخلوق6. فالفردوس، لا الخطيئة، هو الذي يكشف طبيعة الإنسان الحقيقية. والإنسان يعود في المعمودية إلى الفردوس، وإلى طبيعتة الحقيقية، وإلى رداء المجد الذي كان في البدء.
وهكذا يكون طقس الحلّة البيضاء تحقيقاً للمعمودية التي سبقتْه، وتدشيناً للعمل الليتورجي الذي يليه. فنحن نلبس (السربال المنير) لكي نمسح. لم تكن الكنيسة الأولى في حاجة إلى تفسير الارتباط العضوي والبديهي بين الطقسين، لأنها كانت تعرف الدلالات الأساسيةَ الثلاثَ لهذا العمل، والأبعاد الأساسيةَ الثلاثةَ لـ (الدعوة العلوية) التي دعي إليها الإنسان في المسيح، أي البعد (الملوكيّ) والبعد (الكهنوتيّ) والبعد (النبويّ). إن أفود الملك داود الكتاني (٢صمو ١٤:٦) وثياب هرون وأبنائه الكهنوتيةَ (خروج ٢٨) ورداء إيليا (٢ملوك ١٤:٢) و(فرز) الملك والكاهن بواسطة المسيح، والموهبةَ النبوية بوصفها (مسحة)، تحققتْ كلها في المسيح الذي (جعلنا ملوكاً وكهنة) (رؤيا ٦:١)، و(ذرية مختارة وكهنوتاً ملوكياً وأمة مقدّسة) (١بط ٩:٢)، والذي سكب روحه على البشر في الأيام الأخيرة حتى (يتنبّأوا) (أع ١٨:٢). والإنسان الذي ولد ثانيةً في جرن المعمودية و(تجدد على صورة الذي خلقه) واستعاد (جماله الذي لا يوصف)، صار مستعداً الآن لكي (يفْرز) من أجل دعوته العلوية الجديدة في المسيح. لقد اعتمد في المسيح ولَبِس المسيح، فصار مستعداً للحصول على الروح القدس، روحِ المسيح، وعلى مواهب المسيح – الممسوحِ ملكاً وكاهناً ونبياً – وعلى المحتوى الثالوثي لكلِّ حياة مسيحية أصيلة وكلِّ (روحانية) مسيحية.
ب- ختم موهبة الروح القدس
بعد التغطيس في ماء المعمودية وارتداء الحلّة البيضاء، يمسح المتنصّر، أو بالتعبير الليتورجي: يخْتَم بالميرون المقدّس.
لقد أثار السر الثاني من سريّ الانتماء إلى الكنيسة، جدلاً يفوق ما أثاره أي عمل ليتورجي آخر، وناله من التفاسير ما لم ينَلْ سواه7. فمن المعلوم أنّ الكنيسة الكاثوليكية حوّلتْه إلى (تثبيت)، فصار العملَ الأسراري الذي يسمح بدخول (الراشد) إلى حياة الكنيسة، وهكذا قَطَعتْ صلته بالمعمودية8. أما البروتستانت فقد رفضوا صفته الأسرارية معتبرين أنها تضعف الاكتفاء الذاتي في المعمودية9. وقد أثّرتْ هذه التطورات الغربية على اللاهوت الأرثوذكسي (الأكاديمي)، الذي ذكرنا سابقاً أنه تبنى منذ زمن بعيد روح الفكر اللاهوتي الغربي نفسها وطرقَه عينَها. وكما حصل في مجالات كثيرة أخرى، فإنّ اللاهوت الأرثوذكسي يعتمد أسلوب (الحرب الكلامية) في أبحاثه التي تتناول سر الميرون. وعلى سبيل المثال، فإن الأسقف سلفستر، وهو من أبرز العقائديين الروس، لم يخصص لسر المسحة سوى تسعٍ وعشرين صفحةً من مجلّده العقائدي الضخم الواقعِ في خمسة أجزاء. وقد حصر بحثَه كلَّه في نقطتين فقط: الأولى للرد على الكاثوليك في مسألة الصلة الليتورجية بين المسحة والمعمودية، والثانية للرد على البروتستانت في مسألة كونها سراً (مستقلاً) عن المعمودية10.
إنّ (حرباً كلامية) كهذه يمكن أن تكون ذات فائدة، بل ضرورية، لو أنها أَظْهرتْ في الوقت نفسه المفهوم الأرثوذكسيّ الإيجابيّ للسر الثاني، ولمدلولاته الفريدة في إيمان الكنيسة وخبرتها. ولكنّ مأساة لاهوتنا الأكاديمي الواقع تحت التأثير الغربي، أَنَّه حين يشجب ويحارب الأخطاء الغربية، يتبنّى الأسباب التي أَدتْ إلى هذه الأخطاء، أي الفرضيات نفسها والإطار اللاهوتي عينَه. ففي الغرب كان الجدل حول (التثبيت) نتيجةَ ظاهرة أوسع، هي الانقطاع الحاصل ما بين (قانون الصلاة – Lex orandi) أي تقليد الكنيسة الليتورجي، وبين اللاهوت. وهو الانقطاع الذي شجبناه وقلنا إنه (الخطيئة الأصلية) لكل لاهوت مدرسي. فبدلَ أن (يأخذ) اللاهوتيون معنى الأسرار من التقليد الليتورجي، خلقوا – إذا جاز التعبير- تعريفاتهم الخاصة للأسرار. وعلى ضوء هذه التعريفات راحوا يفسرون ليتورجيا الكنيسة، و(يحشرون) في تفسيراتهم المنطلقَ الذي تبنّوه مسبقاً.
عرفنا أنّ أساس هذه التعريفات يكمن في مفهوم خاص للنعمة ولوسائل النعمة. ومن هنا أتى (تعريف) المسحة بأنها السر الذي يمنح المتنصّرين مواهب (χαρισματα) الروح القدس، أي نعمةً ضرورية لحياتهم المسيحية. وهذا تعريف موجود في معظم الكتيبات اللاهوتية، شرقيةً كانت أم غربية11. ولكنّ السؤال الحقيقي الذي لم يطرحه اللاهوتيون الأرثوذكسيون المحاربون على جبهتين – كاثوليكية وبروتستانتية – هو ما إذا كان هذا التعريف كافياً، وأكثر من ذلك، ما إذا كان سديداً. فالواقع أنّ هذا التعريف، كما هو، يجعل (المأزق) الغربي أمراً لا مفرّ منه. فإما أنّ النعمة التي نحصل عليها في المعمودية تجعل منْح أية نعمة جديدة عملاً غير ضروري (الحل البروتستانتي)، وإما أنّ النعمة التي تمنح في السر الثاني هي نعمة (مختلفة) تماماً عن الأولى، وبالتالي يمكن – بل يجب – أن (تفْصل) عن المعمودية (الحل الكاثوليكي). ولكن أليس جائزاً أن يكون هذا المأزق مغلوطاً ووهمياً وثمرةَ افتراضات غير صحيحة وتعريفات غير سديدة؟ هذا هو السؤال الذي يستطيع اللاهوت الأرثوذكسي أن يجيب عنه، ويجب أن يجيب عنه، ولكن لن يكون في وسعه أن يفعل ذلك إلاّ إذا حرر نفسه من (الاختزال) الغربي للأسرار وعاد إلى منبعه الأساسي الأصيل: أي الحقيقة الليتورجية التي تجسد وتَنْقل إيمان الكنيسة وخبرتَها.
إنّ الدليل الليتورجي واضح. فالمسحة المقدّسة ليست جزءاً عضوياً من سر المعمودية وحسب، بل إنها تقام بوصفها تحقيقاً له، مثلما أنّ العمل الذي يلي المسحة المقدّسة – الاشتراك في الإفخارستيا – هو تحقيق لها.
وبعد أن يلبسه الكاهن الحلّةَ يقول الإفشين التالي: - مبارك أنت أيها الرب الإله، الضابط الكل...ّ يا من وهبتَ لنا نحن غير المستحقين التنقيةَ المغبوطةَ بالماء المقدّس، والتقديس الإلهي بالمسحة الصانعة الحياة. يا من سرِرتَ الآن أيضاً أن تجدد ميلاد عبدك المستنير جديداً بالماء والروح، ومنحتَه غفران خطاياه الطوعية والكرهية، أنتَ أيها السيد ملك الكلِّ المتحنّن، امنحه أيضاً ختم موهبة روحك القدوس القادر على كل شيء والمسجود له، وتناولَ جسد مسيحك المقدّس ودمه الكريم...
إنّ ليتورجيتنا الحالية، رغم اختلافها عن الليتورجيا القديمة في نواحٍ عدّة، ورغم فقرها الشديد إذا ما قورنتْ بالاحتفال الفصحي المجيد بالمعمودية، لا تتضمّن أيةَ (ثغرة)، وليس فيها أي انقطاع بين التغطيس في ماء المعمودية وطقس الحلّة البيضاء والمسحة بالميرون المقدّس. فالمتنصر يرتدي الحلّة البيضاء لأنه اعتمد، ومن أجل أن يمسح.
ولكنّ الواضح أنّ (الختم) بالميرون المقدّس هو عمل جديد. صحيح أنّ المعمودية قد هيأتْ له وجعلتْه ممكناً، ولكنه يضفي على ليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة بعداً جديداً بالكلية، لذلك عرفت الكنيسة دائماً أنه موهبة وسر متميّزان عن المعمودية.
تظهر جِدة هذا السر في العبارة التي يلفظها الكاهن (حين يمسح المتنصّر على جبهته ثم على عينيه ثم على منخريه ثم على فمه ثم على أذنيه ثم على صدره ثم على يديه وأخيراً على رجليه)، أي حين (يخْتم) كامل الجسد بالميرون الثمين الذي سبقَ أن كرسه الأسقف، ويقول: (ختم موهبة الروح القدس)
إذا كان المعنى الحقيقي لهذه العبارة، أو بالأحرى للموهبة التي تعلنها هذه العبارة، مخفياً عن كثيرٍ من اللاهوتيين، فذلك عائد إلى أنهم – بسبب تكيفهم مع مقولاتهم الفكرية – لا يسمعون ما تقوله الكنيسة، ولا يرون ما تفعله. وإنه لأمر بالغ الدلالة أن تكون اللفظة المستعملة في السر قد وردتْ بصيغة المفرد: (موهبة = δωρεά) في حين أنّ اللاهوتيين عندما (يعرفون) هذا السر يتحدثون، دون استثناء تقريباً، عن (مواهب χαρισματα) بصيغة الجمع، فيقولون إنّ المتنصّر يمنَح (مواهب الروح القدس)، معتقدين أنّ هاتين اللفظتين بالمفرد والجمع – يمكن أن تتبادلا المكان. ولكنّ النقطة الأساسية أنهما، في لغة الكنيسة وخبرتها، تشيران إلى حقائق مختلفة. لقد وردتْ لفظة (χαρισματα) (مواهب الروح القدس)، (مواهب روحية) مراراً كثيرة في العهد الجديد وفي التقليد المسيحي القديم12. و(تعدد المواهب) الآتية من الروح الواحد ((إنّ المواهب على أنواع وأما الروح فواحد) ١كو٤:١٢) هو أحد النواحي الأساسية المفْرِحة في خبرة الكنيسة الأولى. ولكن في وسعنا الافتراض أنه لو كانت الغاية المحدّدة لسر المسحة المقدّسة هي منح أية (مواهب) خاصة، أو منح (نعمة) ضرورية لمحافظة الإنسان على حياته المسيحية (وهذه النعمة تمنح فعلاً في المعمودية التي هي سر التجدّد والاستنارة) لوردتْ اللفظة بصيغة الجمعِ. وإذا كانت لم تَرِد بصيغة الجمع، فلأنّ جِدةَ هذا السر وفرادتَه التامة، تنبعان من كونه لا يمنح الإنسان موهبةً خاصة أو مواهب من الروح القدس، بل يمنَح الروح القدس نفسه بوصفه موهبة.
موهبة الروح القدس! الروح القدس بوصفه موهبة! هل يمكننا أن نتابع فهم عمق هذا السر غير الموصوف، ومدلولاته اللاهوتية والروحانية الحقيقية؟ هل يمكننا أن نفهم أنّ الفرادة الغريبة لهذه العنصرة الشخصية هي أننا نأخذ بالموهبة ما أَخَذَه المسيح وحدّه بالطبيعة، أي الروح القدس الذي منحه الآب للابن منذ الأزل، والذي حلّ على المسيح، وعليه وحده، في الأردن معلناً أنه هو الممسوح وهو الابن المحبوب والمخلّص؟ وبكلام آخر، هل يمكننا أن نفهم أننا نأخذ الروح بوصفه موهبة، وهو الذي يخص المسيح لأنه روحه هو، ويحلّ في المسيح لأنه حياته هو؟ ولكنّ الروح القدس يحلّ علينا في هذه المسحة – العنصرة، ويسكن فينا بوصفه الهِبة الشخصية للمسيح من أبيه، وموهبةَ حياته وبنوّته وشركته مع أبيه. قال المسيح حين وعدنا به: (يأخذ مما لي ويطلعكم عليه. جميع ما هو للآب فهو لي، لذلك قلت لكم إنَّه يأخذ مما لي ويطلعكم عليه) (يو-١٤:١٦ ١٥). ونحن نأخذ موهبة روح المسيح ليس فقط لأننا صرنا للمسيح بواسطة الإيمان والمحبة، بل لأنّ إيماننا ومحبتنا جعلانا نرغب في حياته حتى نكون فيه. لقد اعتمدنا بالمسيح فلبسنا المسيح؛ والمسيح هو الممسوح ونحن نحصل على مسحته؛ المسيح هو الابن ونحن نتّخذ كأبناء؛ المسيح لديه الروح القدس بوصفه حياته في ذاته ونحن نوهب المشاركةَ في حياته.
في هذه المسحة الفريدة والعجيبة والإلهية، يهبنا الروح القدس المسيح لأنه روح المسيح، ويهبنا المسيح الروح القدس لأنّ حياتَه هي الروح القدس: (روح الحق، موهبة التبني، عربون ميراثنا العتيد، باكورة الخيرات الأبدية، القوة المحيية، ينبوع القداسة...) (صلاة التقدمة في خدمة القديس باسيليوس الكبير)، أو كما تقول عبارة ليتورجية قديمة: (نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة االله الآب وشركة الروح القدس) ما يمنح للإنسان ويوهب له في هذا السر هو االله المثلّث الأقانيم نفسه، ومعرفته والاشتراك معه بوصفه ملكوتاً وحياة أبدية.
لا بدّ أن يكون قد اتَّضح الآن سبب قولنا إن (ختم موهبة الروح القدس) هو في الوقت نفسه تحقيقٌ للمعمودية، وسر جديد يقود المتنصرّ إلى ما هو أبعد من المعمودية. إنّه يحقّق المعمودية، لأنّ الإنسان الذي أعيد إلى طبيعته الحقيقية في المسيح، وحرر من شوكة الخطيئة، وتصالح مع االله ومع خليقة االله، وأعيد إلى ذاته ثانية، هذا الإنسان وحده يمكنه أن ينال هذه الموهبة، وأن يمنح دعوةً (أكمل). ولكنّ (الختم) سر جديد، إنه سر آخر وظهور (آخر)، لأنّ روح المسيح القدوس نَفْسه، ودعوةَ المسيح العلوية نفسها يعطيان للمتنصّر بوصفهما (موهبة). وهذه (موهبة) لا تخص الطبيعة البشرية من حيث أنّها طبيعة بشرية، وإن يكن االله قد خلق الإنسان ليحصل عليها، بل إنها – بعد أن هيأَتْ لها المعمودية وجعلتْ حصولَها ممكناً وحقَّقَتْها – تقود الإنسان إلى ما هو أبعد من المعمودية وأبعد من (الخلاص): إنها تفتح أمامه باب (التأله)، بجعله (مسيحاً) في المسيح، ومسحه بمسحة الممسوح.
تلك هي معاني هذا السر غير الموصوف، وهذا الختم. كانت لفظة sphragis (ختم) ذات مضامين كثيرة في الكنيسة الأولى13. ولكنّ مغزاها الأساسي، كما يظهر في مسحة الميرون المقدّس، واضح تماماً: إنّه طَبعنا بـ (طابع) من يمتلكنا، إنّه (الختم) الذي يحافظ ويدافع عن محتوانا الثمين وعبيره، إنّه (علا مة) دعوتنا العلوية الفريدة. ففي المسيح الذي هو (الختم المتساوي في الطبع) (ισότυπος σφραγις) نكون خاصةَ الآب ونتَّخَذ أبناء له. في المسيح الذي هو الهيكل الحقيقي الفريد نصبح (هياكل) الروح القدس. وفي المسيح الذي هو الملك والكاهن والنبي نجعل ملوكاً وكهنةً وأنبياء، أو كما يقول يوحنا الذهبي الفم: (نمتلك غنى هذه الرتب الرفيعة كلها، لا إحداها وحسب)14.
إنّنا ملوك وكهنة وأنبياء! ولكنّ غربتنا عن التقليد القديم بلغتْ حدّاً توقفتْ معه عقولنا عن ربط هذه (الرتب الرفيعة) برؤية حياتنا المسيحية وروحانيتنا ومحتواهما. إنّنا نطبقها على المسيح، فهو الملك والكاهن والنبي. وقد جرت العادة في كتيّباتنا اللاهوتية المذهبية أن نقسم وظيفة المسيح تبعاً لهذه المقولات الثلاث: الملوكية، الكهنوتية، النبوية. ولكن ما أن نصل إلى أنفسنا، وإلى حياتنا الجديدة – التي نؤكد أنها حياتَنا في المسيح وحياةَ المسيح فينا – حتى نتجاهلها تماماً. فنحن ننسب الملوكيةَ إلى المسيح وحده، ونثبت الهويةَ الكهنوتية على الإكليريكيين وحدهم، أمّا النبوة فننظر إليها بوصفها موهبةً (فوق العادة) وممنوحةً للقلة، ولكنها بكل تأكيد ليست بعداً أساسياً للحياة والروحانية المسيحيتين. وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعلنا ننظر إلى سرّ الروح القدس وكأنه عملٌ (إضافي). فهو إما تابع للمعمودية، إن لم نَقلْ إنَّه مطابقٌ لها، وإما مميز بالكلية عنها، أي (تثبيتٌ). وهذا ما أدى بدوره إلى فهم ضيق وسطحي للكنيسة ولحياتنا فيها. وما يجب أن نحاول فعلَه هو استعادة المعنى الحقيقي لهذه الأبعاد الثلاثة التي تتخذها الروحانية المسيحية الأصيلة: البعد الملوكي، البعد الكهنوتي، البعد النبوي.
ج- الملك
لقد جعلنا المسيح (ملوكاً وكهنة الله أبيه) (رؤيا ١:٦)، وفيه صرنا (كهنوتاً ملوكياً) (١بط ٩:٢). ولكن السؤال هو: ماذا يعني هذا بالنسبة إلى حياتنا في الكنيسة وفي العالم وفي النمط المحسوس والشخصي لوجودنا؟
المضمون الأول والأساسي لفكرة الملوكية هو مضمون القوة والسلطة، ونعني بهما القوة والسلطة الممنوحتين من العلاء، من الله، والدالتين على قوته15. في العهد القديم كان يرمز إلى مصدر الملوكية الإلهي بـ(المسحة) التي تظهر أن الملك هو حامل السلطة الإلهية ومنفذ قراراتها. وبواسطة هذه المسحة يصير الملك هو (المحسن) إلى من يخضعون لسلطته، والمؤتمن على حياتهم بغية الدفاع عنها وتحقيق انتصارها ومجدها ورفاهيتها وسعادتها. وكان هذا المفهوم للملوكية مشتركاً بين سائر المجتمعات (البدائية) وكافة (الملكيات). ولكن الإعلان الكتابي الفريد أوضح أن (الملوكية)، قبل أن تصبح سلطة خاصة لأشخاص معينين، كانت تخص الإنسان نفسه، بوصفها دعوته الإنسانية ورتبته. إنها القوة الملوكية التي يهبها الله للإنسان الذي يخلقه على صورته، أي على صورة ملك الملوك، صورة من بيده كل قوة وكل سلطة. لذلك كانت القوة الأولى التي أعطيت للإنسان تهدف إلى أن (يخضع الأرض ويتسلط على سمك البحر وطير السماء وكل حيوان يدب على الأرض) (تكوين ٢٧:١-٢٨).
لقد خلق الإنسان ملكاً على الخليقة. وهذه هي حقيقته الأولى والأساسية، ومنبع (الروحانية) المسيحية وأساسها. فمن طبيعة الإنسان أن يكون ملكاً وأن يمتلك موهبة الملوكية، لأنه ينال من العلاء صورة الله، والقوة التي تمكنه من جعل الخليقة كما يريدها الله أن تكون. إنه حامل القوة الإلهية والمحسن إلى الأرض المعطاة له بوصفها مملكته التي عليه أن يسعى إلى خيرها واكتمالها. وقد شدد التقليد الأرثوذكسي دائماً على هذه النظرة التي ترفع الإنسان إلى أعلى مقام، ودافع عنها ضد كل محاولة ترمي إلى الحط من شأن الإنسان أو تصغيره، سواء أكانت آتية من الشرق أم من الغرب. فالإنسان يحمل علامات رتبته الملوكية الأولى، حتى في سقوطه وتخليه عن ملوكيته.
الحقيقة الروحانية الثانية المتعلقة بالإنسان هي أنه ملك ساقط. وسقوطه عائد في المقام الأول إلى خسارته ملوكيته. فبدل أن يكون ملك الخليقة يصير عبداً لها، لأنه يرفض القوة التي من العلاء ويتخلى عن (مسحته). وبهذين الرفض والتخلي يتوقف عن كونه المحسن إلى الخليقة، فيسعى إلى الانتفاع بها وحيازتها وامتلاكها لنفسه، بدل أن يقودها إلى اكتمالها. ولكن الإنسان ليست له الحياة في ذاته، مثله في هذا مثل الخليقة، لذلك يكون سقوطه بداية عهد تسلط الموت، ويصير عبداً فانياً في مملكته.
ومن هنا الحقيقة الأساسية الثالثة، وهي إنقاذ ملوكية الإنسان. ففي المسيح، مخلص العالم وفاديه، يستعاد الإنسان إلى طبيعته الجوهرية، وهذا يعني أنه يجعل ملكاً من جديد. نحن ننسى غالباً أن لقب المسيح الملك – وهو اللقب الذي يؤكده دخوله المظفر إلى أورشليم، وتحية الناس له بعبارة: (الملك الآتي باسم الرب)، وقبوله إياه حين وقوفه أمام بيلاطس: (أنت تقول إني ملك) (يو ٣٧:١٨) - هو لقبه الإنساني وليس لقبه الإلهي وحسب. إنه الملك، وهو يعلن نفسه ملكاً، لأنه آدم الجديد، والإنسان الكامل الذي يستعيد في نفسه الطبيعة البشرية في مجدها وقوتها غير الموصوفين.
وهذا كله يعلن ويتخلى ويتحقق في سر المعمودية الذي يجدد الإنسان، فيعيد خلقه ملكاً، لأن من طبيعته نفسها أن يكون ملكاً. لقد ذكرنا أن تقديس الماء تقديساً شكرياً يظهر الكون كله بوصفه عطية الله للإنسان، ومملكة له، وأن (زيت الابتهاج) يعلن للمنتمي الجديد إلى المسيحية كون الحياة الجديدة قوةً وسلطاناً. ونذكر الآن أنه في (ختم) المسحة المقدسة يلبس ثوباً ملوكياً وينال ملوكية المسي. فإذا كان التحديد في المعمودية هو منبع الحياة والروحانية المسيحيتين، وإذا كانت الروحانية هي، قبل أي شيء آخر، أن يحقق الإنسان الموهبة التي حصل عليها في المعمودية، فإن أساس هذه الروحانية وبعدها الأولين والضروريين يؤكدان هنا، في استعادة الإنسان لملوكيته. وهذا يعني أنها أولاً وأساساً روحانية إيجابية لا سلبية، لأنها تنبع من الفرح والقبول والتأكيد لا من الخوف والرفض والإنكار، ولأنها كونية وتمجيدية في محتواها وتوجهها.
إنه لأمر هام أن نقول هذا الكلام، فإلى جانب هذه الروحانية الإيجابية كان، وما يزال، هناك روحانية سلبية، تبدو كظل ونظير لها، ولكن مصدرها الأساسي هو الخوف، وبالتالي رفض خليقة الله بوصفها مملكة الإنسان، وإنكار عميق الجذور لـ(صلاح) الخليقة الكياني (الأنطولوجي). إن عصرنا الحاضر هو أكثر العصور تقبلاً لهذه الروحانية السلبية، وأسباب ذلك واضحة. فهو عصر أتعبه التشوش والارتباك اللذان مهد لهما السبيل بنفسه، وحطمه (تقدمه)، وجرحه ما يظهر له من انتصار الشر، وخاب ظنه في كل النظريات والتفاسير، واستعبدته التكنولوجيا، لذلك يبحث الإنسان فيه غريزياً عن مهرب أو (مخرج) من هذا العالم الشرير، ويفتش عن ملاذ روحي أو (روحانية) تؤكد وتبرر كرهه لهذا العالم الشرير، وخوفه منه، وتمنحه – في الوقت نفسه – الأمان والتعزية الروحيين اللذين يسعى إليهما. ومن هنا التزايد الحالي والنجاح المدهش لكافة أنواع الروحانية الهروبية، المسيحية وغير المسيحية على حد سواء، والتي تجمعها نغمات مشتركة وأساسية، هي الرفض والرؤيوية والخوف و(الكره) المانوي لهذا العالم.
إن (روحانية) كهذه، ولو أخذت مظاهر مسيحية وغلفت بمصطلحات مسيحية، ليست روحانية مسيحية، بل هي في الحقيقة خيانة. فالخلاص لا يمكن أن يكون هروباً، ورفضاً مجرداً، وتلذذاً بـ (الانسحاب) من العالم الشرير ثم ادعاء البر بسبب ذلك. فالمسيح يخلصنا باستعادة طبيعتنا، وهذا ما يجعلنا جزءاً من الخليقة، ويدعونا إلى أن نكون ملوكاً عليها، ولا مفر لنا من ذلك. المسيح هو مخلص العالم وليس مخلصاً من العالم، وهو يخلصه بأن يجعلنا ثانية كما كنا في البدء. وإذا كانت الحال على هذا المنوال، فإن العمل الروحي الأساسي، أي العمل الذي تنشأ منه (الروحانية) بأكملها، لا يكمن في مطابقة العالم مع الشر، وجوهر الأشياء مع انحرافها عن جوهرها وخيانتها له، والعلة النهائية مع معلولاتها الشريرة والفاسدة. إنه لا يكمن في التفريق بين (الخير) و(الشر) وحسب، بل في تمييز الصلاح الجوهري لكل ما هو موجود وفاعل، مهما كان وجوده فاسداً وخاضعاً للشر. (العالم كله تحت وطأة الشرير) (١يو ١٩:٥)، ولكن العالم ليس شريراً. وإذا كان إغراء الروحانية الأولى يكمن في مطابقة الشيء مع الآخر، فإن الروحانية المسيحية تبدأ بالتمييز. من المؤكد أننا نعيش في عالم شرير، ويبدو أن لا حدود لشره، وللألم والوحشية، للارتباك والكذب، للخطيئة والإجرام، للظلم والطغيان، حتى ليظهر أن اليأس والكره لا يحتاجان إلى تبرير، أو كأنهما من علامات الحكمة والآداب الخلقية. ولكن أولى ثمار الملوكية المستعادة فينا، أنه يمكننا، وبالتعبير الروحاني: يجب علينا، ونحن في هذا العالم الشرير، أن نبتهج بصلاحه الجوهري، وأن نجعل الفرح وعرفان الجميل ومعرفة صلاح الخليقة، أساساً لحياتنا، وأن (نكتشف) خلف كل انحراف، وكل (سوء) وكل شر، طبيعة الإنسان ودعوته الجوهريتين، وطبيعة الخليقة المعطاة للإنسان بوصفها مملكته. يسيء الإنسان استعمال دعوته، وبهذه الإساءة الرهيبة يشوه نفسه والعالم، ولكن دعوته نفسها صالحة. يسيء استعمال إبداعه في مجالات الفن والعلم والحياة، فيقوده ذلك إلى غايات فارغة مظلمة وشيطانية، ولكن إبداعه وحاجته إلى الجمال والمعرفة، وإلى أن يكون له قصد وأن يحقق ذاته، كلها صالحة. يشبع عطشه وجوعه الروحيين بالسم والكذب، ولكن عطشه وجوعه صالحان. يعبد أصناماً، ولكن حاجته إلى تقديم العبادة صالحة. يسمي الأشياء بأسماء مغلوطة، ويخطئ في نقل الحقيقة، ولكن الموهبة المعطاة له من أجل التسمية والفهم صالحة. وأهواؤه نفسها، التي تحطمه في النهاية وتحكم الحياة نفسها، ليست سوى مواهب قوة انحرفت عن قصدها وأسيء استعمالها وتوجيهها. ولكن هذا الإنسان المبتور والمشوه، النازف والمستعبد، الأعمى والأصم، يبقى ملك الخليقة (المتنازل عن عرشه)، ويبقى موضع محبة الله واحترامه اللامتناهيين. والعمل الأساسي للروحانية المسيحية الأصيلة، أي لـ (الحياة الجديدة) فينا، هو أن نرى هذا، ونكشفه. ونفرح به ونحن نبكي سقوطنا، ثم نقدم الشكر من أجل ما نراه ونكتشفه ونفرح به.
بعد التثبت من هذا، ماذا علينا أن نفعل؟ وكيف نحقق هذه الملوكية؟ يقودنا هذا السؤال إلى البعد الآخر، أو بالأحرى إلى عمق سر المعمودية نفسه، أي الموضوع المركزي الذي يحتله صليب المسيح فيها.
د- الملك المصلوب
إذا كانت ملوكيتنا تعاد لنا في سرِّ المعمودية، فإنها تعاد على الصليب وبواسطة مَلِك مصلوب. وإذا كنَّا في نهاية قصة الخلاص قد (ولِّيْنَا على الملكوت) (لو٢٩:٢٢)، فقد أعْلِنَ أنه (ليس من هذا العالم)، بل هو ملكوت آت.
وفي هذه النقطة بالذات، أي حين تتعارض الروحانية المسيحية مع التناقض الجوهري لملوكية المسيح، بالتالي لملوكيتنا الجديدة فيه، يتهدَّد الروحانيةَ اختزالان، يَحوْل كلٌّ منهما دون الآخر. فإمَّا أن تخْتَزَلَ هذه الملوكية المستعادة وتحْصَرَ في هذا العالم وحسب، وإما أَن تخْتَزَل فتحصر في الملكوت الآتي. فثمة أناس يقبلون بسرور كل ما ذكرناه، آنفاً عمَّا للروحانية المسيحية من إلهام ملوكيٍّ، إيجابيٍّ وكونيٍّ، ولكنهم يستنتجون منه أنَّ الروحانية تهتم أساساً بهذا العالم، وبالإمكانية التي تسمح للإنسان بأن (يطَوِّرَه) إلى أن يصبح ملكوت الله. وثمة أناس آخرون يشدّدون على أنَّ الملكوت الذي أعلنه الإنجيل وَوَعَدَ به، هو (من غير هذا العالم )، ويرفضون إغراء أَيَّة روحانية تدعو إلى (التورّط) أو (العمل) فيه، وهكذا يبنون حاجزاً صلباً يفصل بين (الروحاني) و(المادي). ولكنَّ هاتين الرؤيتين والاختبارين و (الروحانيتين) تتضمنان في الواقع مفهومين مختلفين للكنيسة ولـ(الحياة المسيحية).
أمَّا صليب المسيح فيظهر أنهما مجرد اختزالين، لأنهما في نهاية المطاف يرفضان الصليب ويجعلانه، حسب تعبير بولس الرسول، (باطلاً) (١كو ١٧:١). فإذا كنت في المسيح أستعيد ملوكيَّتي، وإذا كان الملكوت الذي (ولِّيْت) عليه (ليس من هذا العالم)، فإنَّ السؤال الذي تتوقّف عليه حياتي المسيحية بأكملها هو: كيف يمكنني أن أوَحِّدَ هاتين الحقيقتين وهذين التأكيدين اللذين ينطبقان على الراهب في الصحراء وعلى المسيحي العائش في (العالم)، وصاحب الدعوة (الدنيوية)؟ وكيف يمكنني أن أحِبَّ العالم الذي خلقه الله، و (أحِبَّه كثيراً)، وأتبنَّى في الوقت نفسه الوصيةَ الرسولية: (لا تحبّوا العالم وما في العالم) (١يو ١٥:٢)؟ كيف يمكنني أن أَتَوَلَّى ملوكيتي، وأموتَ في الوقت نفسِهِ عن العالم حتى تكون حياتي (محتجبةً مع المسيح في الله) (كولوسي ٣:٣)؟
إنَّ التفكير البشريَّ ولغةَ المقولات المنطقية المجرّدة، و (روحانياتنا) البشرية، لا يسعها أن تقدِّم جواباً عن هذه الأسئلة الحاسمة، فيبقى التناقض دون حل. ولهذا السبب فإنَّ خياراتنا الروحية والدينية، رغم المظاهر المسيحية التي تَتَبَنَّاها في سهولة تامة، تبقى في الواقع سابقةً للمسيحية وغير مسيحية، وغالباً ما تخْتَزَل إلى مجرد هروبية أو إلى مجرد فاعلية. أما الجواب الوحيد الذي لا يتغيّر أبداً، ولكنه يكون جديداً بالنسبة إلى كل إنسان يكتشفه، فيأتينا من السرِّ الذي يشكّل عمقَ الإعلان المسيحي وقلبَه، السر الذي لا يمكن اختزاله إلى فكرةٍ أو وَصْفَةٍ أو مجموعةِ قواعدَ أخلاقية صالحة (لكل الظروف)، لأنه لا يكْشَف لنا إلاّ بمقدار ما نَقْبَله، السر الذي علينا أن نَدخل إليه إذا أردنا أن نتبنى معناه وقوّته: سرّ الصليب.
لا يمكن أن تفهم وتقبل ملوكية المسيح وملوكيتنا الجديدة فيه بمعزل عن سر الصليب. وأكثر من ذلك، أنَّ الصليب – والصليبَ وحدَه – هو الذي يبقى إلى الأبد الرمزَ الحقيقي الوحيد، أي ظهورَ تلك الملوكية ومنحَها، وإعلانَ قوَّتها ونقلَها إلينا. إنَّ سر الصليب وحدَه يوَحِّد التأكيدين اللذين يعجز التفكير البشري عن التوفيق بينهما: أي التأكيدَ على الإنسان وعلى دعوته إلى أن يكون ملكاً على خليقة الله، والتأكيدَ على الملكوت الذي (ليس من هذا العالم). فالصليب يوحّدهما، لأنه يَظْهَر دائماً بوصفه طريقَ الحياة و (القوةَ الإلهيةَ غيرَ المقهورة وغيرَ الموصوفة) التي تحقّق الإيمانَ بوصفه حياةً والحياةَ بوصفها ملوكيةً.
يحقّق الصليب كل ذلك لأنه الإعلان الحقيقي والنهائيّ لهذا العالم ، بوصفه العالم الساقط الذي يكمن سقوطه و(شرّه) في رفضه اللهَ وملوكيتَه، وبالتالي في رفضه الحياةَ الحقيقية المعطاةَ له في الخلق. ففي صلب المسيح يظْهِر (هذا العالم) نَفْسه بجلاء، ويَكْشِف معناه النهائي. الجلجلة حدثٌ فريدٌ بالفعل، ولكن ليس بالمعنى التقليدي الذي فيه يأخذ أي حدث، مهما كانت أهميته، صفة الفرادة: أي حصره بالذين شاركوا فيه، واقتصاره على لحظة واحدة من الزمان ونقطة واحدة من المكان، وتَرك سائر العالم (بريئاً) منه. الجلجلة فريدة لأنها التعبير الحاسم والشامل عن رفض الإنسان لله، هذا الرفض الذي يَذْكر الكتاب المقدّس أنه بدأ في الفردوس، وجَعَلَ العالم الذي خلقه الله يتغيّر ويصبح (هذا العالم)، أي المكانَ الذي تسوده الخطيئة والفساد والموت، ويكون قانون وجوده هو رفض شريعة الله والخروج عليها. الصليب يظهر أنَّ كلَّ خطيئة تقْتَرف منذ البدء حتى نهاية العالم، وفي أيِّ زمان ومكان، وعلى يد أي إنسان - سواءٌ أعاش قبل المسيح أو بعده، وسواء أكان مؤمناً به أم غير مؤمن – هي رفضٌ لله وقبولٌ واستسلامٌ إلى حقيقة الشر التي يعبِّر عنها رفض المسيح وصلبه. فإذا كان (الذين سقطوا بعد الصَّلْب يصلبون المسيح ثانية) (عب ٦:٦)، حسب تعبير القديس بولس، وإذا كان المسيح (في ألم حتى نهاية العالم)، على حد قول باسكال، فذلك عائد إلى كون الصليب يظهر أَنَّ رفضَ الله هو (محتوى) كلِّ خطيئة، وأَنَّ هذا الرفض هو قانون (هذا العالم) الخارج على شريعة الله.
الصليب هو الإعلان النهائي لـ(هذا العالم) و(شرِّه)، ولكنَّ البعد الثاني لسر الصليب يكمن في دينونته الحاسمة والنهائية لـ(هذا العالم) و(شرِّهِ)، لأنَّ إظهار الشر وكشفَه يعنيان أننا ندينه. فالصليب الذي يظهر أنَّ (هذا العالمَ) هو رفضٌ لله، وبالتالي خطيئة، وأنه رفضٌ للحياة، وبالتالي موت ، إنما يدين هذا العالم، لأنه لا يمكن (تصحيح) الخطيئة، ولا (افتداء) الموت. يدَان (هذا العالم)، لأنه في الصليب يدين نفسه، ويظْهر أنه طريق مسدود، وأنْ ليس لديه شيءٌ يقَدِّمه، أو شيءٌ يعيش بموجبه سوى تفاهةِ الحياة الفانية وسخفِ الموت. وهكذا يكشف صليب المسيح نهاية (هذا العالم) وموته ويدّل عليهما.
وهنا نصل إلى البعد الثالث لسر الصليب، وهو بعْدٌ مفرح ومجيد. فالصليب الذي يظهر أنَّ (هذا العالم) هو خطيئة وموت، ويحكم عليه بالموت، يصير بدءَ خلاص العالم وتدشينَ ملكوت الله. إنَّه يخَلَّص العالم بتحريره من (هذا العالم)، وبإظهاره أنَّ (هذا العالم) ليس هو جوهر العالم و(طبيعته)، بل (مظهرٌ) أو (شكلٌ) لوجوده. والصليب نفسه هو بدء (زوال) (١كو ٣١:٧) هذا المظهر. صحيح أنَّ الصليب يدشِّن ملكوت الله. ولكنه لا يظهره وكأنه (عالمٌ آخر) أو خليقة أخرى (تحلّ محلَ) هذه الخليقة، بل على أنه الخليقة نفسها، ولكن بعدَ تحريرها من (أمير هذا العالم) واستعادَتِها إلى طبيعتها الحقيقية وإلى مصيرها الأخير، حيث (يكون الله كل شيء في كل شيء) (١كو٢٨:١٥).
يمكننا أن نَفهم الآن لماذا يبدو الصليب في الإيمان المسيحي – كما تجسّده وتنقله الخبرة الليتورجية للكنيسة – ظهوراً حقيقياً لتمجيد المسيح وتتويجه ملكاً. (الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه ) (يو ٣١:١٣). بهذه الكلمات تبدأ الكنيسة الاحتفال بالفصح، منذ سحر الجمعة العظيمة. وهنا أشَدِّد مرةً أخرى على أن الفصح يبدأ يومَ الجمعة وليسَ يوم الأحد. ففي التقليد القديم لم تكن لفظة الفصح تشير إلى الأحد كما هي الحال اليوم، بل إلى السرِّ الثلاثي الأيام (paschale triduum) غير المنقسم: الجمعة والسبت والأحد. فهذه الوحدة، وهذه العلاقة المتبادلة بين يوم الصليب ويوم القبر ويوم القيامة، هما اللذان يكشفان لنا انتصارَ المسيح وتتويجَه ملكاً، وبالتالي طبيعةَ الملوكية التي يمنحها لنا.
في هذا الظهور الليتورجي، تكون الجمعة – يوم الصلب – هي فعلاً يومَ (هذا العالم)، يومَ كشفه الأخير عن نفسه، يومَ نصره الظاهري وهزيمته النهائية. عندما يرفض (هذا العالم) المسيح ويدينه، يظهر (شرّه) المطلق، ويعلن أنه هو (الشر). وعندما يزيل المسيح (من طريقه) وينقله إلى الموت، ينتصر ظاهرياً. ولكنه في الواقع يهزم هزيمة حاسمة. فالمسيح الذي يقف أمام محاكميه ويدان ويهزأ به ويهان ويسمَّر على الصليب ويتألم ويموت، هو وحده الذي ينتصر، لأنَّ طاعته ومحبته وغفرانه تعلن كلها أنها قد انتصرتْ على (هذا العالم ). لذلك نسمع من عمق هزيمته الظاهرية أَوَّلَ اعتراف بملوكيته: في اللوحة التي وضعها بيلاطس على الصليب، وفي صرخة اللص وهو يموت، وفي (دستور إيمان) قائد المئة: (كان هذا الرجل ابنَ الله حقاً) (مر٣٩:١٥).
ثم يأتي يوم السبت العظيم المقدّس، (السبت المبارك)، يوم انتصار الموت ظاهرياً وهزيمته النهائية أمام المسيح. فحين يظهر الموت – ناموس (هذا العالم) – وكأنه (يبتلع) المسيح وينجز سيطرته العامة، (يبتلعه الظَفَر) (١كو٥٤:١٥)، لأنَّ الذي أسلمَ نفسه إلى الموت بملء إرادته يصير بريئاً من الموت، فيحطِّم الموت بالحياة والمحبة اللتين هما (موت الموت).
وعندما يقيمه الله من بين الأموات في اليوم الثالث، فإنَّ حياته، التي (لم يعد للموت أي سلطان عليها) تظهر حضورَ ملكوت الله (في وسطنا). وهذا هو بالتحديد مَدَار الفرح الفصحي: ففي هذا العالم بالذات يعْلَن الملكوت (الذي ليس من هذا العالم) ويتجلَّى ويدشَّن بوصفه حياةً جديدة، في عالمنا الذي تدوّي فيه، منذ الآن وحتى اكتماله النهائي في الله، الصرخة الإلهية: افرحوا!
وهنا يمكننا أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه في بداية هذا الفصل حول معنى الملوكية الجديدة الممنوحة لنا في سر المسحة المقدّسة. لقد صار في وسعنا الإجابة عنه لأنَّ صليب المسيح أظهر لنا محتوى هذه الملوكية ومنحنا قوتها. فالمسحة المقدّسة تجعلنا ملوكاً بالفعل، ولكنَّ الروح القدس يمنحنا ملوكية المسيح المصلوب، أي الصليبَ بوصفه ملوكيةً، والملوكيةَ بوصفها صليباً. فالصليب الذي يتوّج المسيح ملكاً، يكشف لنا أنه هو الطريقة الوحيدة لتتويجنا مع المسيح وإعادتنا ملوكاً.
وقد وصف القديس بولس هذه الطريقة وصفاً كاملاً حين كتب: (أَمَّا أنا فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صار العالم مصلوباً بالنسبة إليَّ، وصرت أنا مصلوباً بالنسبة إلى العالم) (غلا ١٤:٦). تعبّر هذه الكلمات عن جِدَّةِ وفرادة النظرة المسيحية إلى العالم، وإلى دعوة الإنسان وحياته فيه. وتكمن جِدَّتها، تحديداً، في كونها تتجاوز الاستقطابَ، والاختزالَ، وجعلَ الأمور كلها (إما بيضاء أو سوداء)، كما تفعل تلك (الروحانيات) و(النظرات إلى العالم) عندما تقبل العالم قبولاً محضاً أو ترفضه رفضاً محضاً، وعندما تحوِّل الدين إمَّا إلى فاعلية (في هذا العالم) أو هروبٍ إلى (خارج هذا العالم). وهكذا يبدو صليب المسيح في هذه الروحانيات والأديان وكأنه، كما وصفه القديس بولس، (باطل)، ولا حاجة إليه، ولهذا السبب فإنه يظلّ – حتى داخل الدين – عثرةً للبعض وجهالةً لسواهم (١كو ٢٣:١).
أن يكون العالم (مصلوباً بالنسبة إليَّ) يعني، قبل كل شيء، أن يكون الصليب بالنسبة إليَّ هو المقياس الوحيد لكل شيء في العالم، ومعيار كل حياة وعمل. وهذا يعني رفضَ العالم بوصفه (هذا العالم ) الذي يستعبد الإنسان بالخطيئة والموت، ورفضَ العالم بوصفه (شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الغنى ). لقد كشف المسيح على الصليب فسادَ العالم وشرَّه النابعين من كونه (هذا العالم)، وسيبقى هذا الكشف إلى الأبد حكماً على (هذا العالم) ودينونة له. ولكنه لا يدان باسم أي عالم آخر أو من أجل أي عالم آخر، بل باسم طبيعته ودعوته الحقيقيتين ومن أجلهما، فهما الطبيعة والدعوة اللتان كشفهما الصليب من خلال إيمان ابن الإنسان وطاعته ومحبته. يكشف الصليب إدانة (هذا العالم) لنفسه، أي نهايَتَه، ولكنه في الوقت نفسه يتيح إمكانيةَ قبول العالم بوصفه خليقة الله وموضع محبة الله واهتمامه غير المحدودين. وهذا هو معنى العالم (مصلوباً بالنسبة إليَّ). ففي داخل الإيمان المسيحي والنظرة المسيحية إلى العالم يكون رفض العالم وقبوله متواجدين معاً ومتعاضدين ومتداخلين بشكل يبلغ حد التناقض: الرفض هو الطريقة الوحيدة للقبول، والقبول هو الذي يكشف معنى الرفض وهدفه الحقيقيين.
ولكنَّ هذه النظرة إلى العالم تبقى تناقضاً، أو مجرد (عقيدة)، إنْ لم (أصلب بالنسبة إلى العالم). ففيَّ أنا، وفي إيماني وحياتي وعملي، يمكن أن تصير هذه العقيدة حياةً، وأن يصير صليب المسيح قوةً. فالعلم، حسب الإيمان المسيحي، ليس (فكرة) أو (كلِّيَّة) مجرّدة وغير شخصية، بل هو دائماً عطية فريدة لإنسان فريد: لقد وهبني الله العالم بوصفه حياتي ومهمتي ودعوتي وعملي ومسؤوليتي. ما من فكرة أو عقيدة يمكن أن تخَلِّص العالم، ولكنَّ العالم يهلك أو يخَلَّص في كل إنسان. وهو يخَلَّص كلَّما قَبِلَ إنسانٌ الصليبَ، ورضي أن يكون (مصلوباً بالنسبة إلى العالم). وهذا يعني ثباتاً وتمييزاً متواصلاً، وصراعاً مميتاً من أجل أن تنتصر دعوة الإنسان فيه. ويعني أيضاً، رفضاً متواصلاً للعالم بوصفه (هذا العالم)، أي رفضاً لاكتفائه الذاتي وأنانيته وشرِّه وفساده، ولكل ما يسميّه الكتاب المقدّس (تكبراً). ولكنه يعني في الوقت نفسه قبولاً متواصلاً للعالم بوصفه عطية الله لنا ووسيلة نموِّنا فيه وشركتنا معه.
(أن يكون العالم مصلوباً بالنسبة إليَّ، وأن أكون مصلوباً بالنسبة إلى العالم ) هو الوصف والتحديد الحقيقيان لملوكيتنا التي نستعيدها في المسحة الملوكية، وننالها من الروح القدس. (كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح الله) (١كو ٢٢:٣). كل شيء لنا: العالم لنا من جديد ويمكننا أن نسود عليه. كل دعوة بشرية مباركة ومقدّسة، وكل منها فريدةٌ لأنَّ كلَّ إنسان فريد. كلَّ شيء مقبول،ٌ ما عدا الشر والخطيئة. وكلّ شيء يجب أن يجعل معرفةً لله وشركةً معه، فيعكس ويعبِّر عن صلاح ملكوت الله وحقيقته وجماله. أما إذا بدا لحكمة (هذا العالم ) أنَّ القانون الداخلي للملوكية والقوة الجديدتين يحمل تناقضاً وجهالة، فالسبب في ذلك أنَّه معاكس تماماً للقانون الذي يقبله (هذا الجيل) على أنه هو القانون البديهي.
القوة الملوكية الجديدة والحقيقية التي يمنحها المسيح للبشر هي القوة التي تمكّنهم من أن يتجاوزوا ويتغلبوا على غائية (finality) هذا العالم، وحدوده الطبيعية، وآفاقه المغلقة. هي القوة التي تمكّنهم من جعل العالم إلهياً من جديد، بدل جعل الله (دنيوياً). إنها القوة التي تمكّنهم من الاستمرار في رفض (هذا العالم ) بوصفه غاية بذاته، وقيمة بذاته، وجمالاً أو معنى بذاته. إنها القوة التي تمكّنهم من الاستمرار في (إعادة خلق) العالم بوصفه ارتقاء إلى الله. فالخطيئة لا تكمن في سوء استعمال تلك القوة، أو في انحرافاتها ونواقصها الجزئية وحسب، بل في كون الإنسان يحبًّ العالم من أجل أغراضه الذاتية، ويريد أن يجعل كل شيء، حتى الله، خادماً للعالم. لا يكفي أن نؤمن بالله وأن نجعل هذا العالم (متديِّناً)، والأحرى أن نقول إنَّ الإيمان الحقيقي بالله، والدين الصحيح، موجودان في تأكّدنا، سرياً وبديهياً، من أنَّ ملكوتَ الله، موضوعَ كل تشوق ورجاء وحب، (ليس من هذا العالم)، بل هو الملكوت (العلوي) الذي يستطيع وحده أن يعطي معنى وقيمة لكل شيء في العالم.
أن نعيد الإنسان ملكاً، لا يعني أن نزوِّده ببعض القوى أو المهارات التي تفوق الطبيعة، ولا يعني أن نضْفي على نشاطه الدنيوي توجهاً جديداً، ولا يعني أن نجعله يتفوَّق في مجالات الهندسة والطب والأدب. فقد يكون غير المؤمنين (أكثر براعة) في العلم والتكنولوجيا والطب الخ... أن نعيدَ الإنسان ملكاً، يعني أولاً وقبل كل شيء أن نحرِّره من الاعتقاد بأنَّ هذه المجالات هي غاية الوجود البشري ومعناه النهائي، أو أنها الأفق الوحيد للحياة البشرية. وهذا التحرّر هو ما يحتاج إليه الإنسان الدنيوي المعاصر قبل أي شيء آخر. صحيح أنه صار يعرف أكثر فأكثر كيف (يجعل الأشياء تعمل)، ولكنه فَقَدَ أية معرفة بماهية هذه الأشياء، وصار عبداً للأصنام التي أوجدها بنفسه. إنَّ الإنسان – والعالم كله – يحتاج إلى هذه الحرية النابعة من معرفة الملكوت (الذي ليس من هذا العالم)، لا إلى ما نقدّمه في عروض (التورط) البائسة المدافعة عن نفسها، ولا إلى استسلامنا لـ (هذا العالم) بفلسفاته ومصطلحاته لعابرة. عندما يكون طعم الملكوت على شفتي الإنسان، يصير العالم بالنسبة إليه إشارةً ووعداً وعطشاً وجوعاً إلى الله. وعندما نسعى قبل كل شيء إلى الملكوت، نبدأ فعلاً بالاستمتاع بالعالم والتمتع بـ(سلطتنا عليه). وإذّاك تستعاد طهارة الأشياء وصفاء معرفتنا ورؤيتنا لها، وصلاح استخدامنا إياها. وسواء أكانت مهمتنا ودعوتنا ومهنتنا مجيدة أم متواضعة، ذات معنى أم تافهة، بحسب مقاييس (هذا العالم )، فإنها تكتسب معنىً وتصير فرحاً ومصدراً للفرح، لأننا لا نعيها ولا نختبرها عندئذ في ذاتها، بل في الله وبوصفها إشارة إلى ملكوته. (فكل شيء لكم... العالم والحياة والموت والحاضر والمستقبل. كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح الله) (١كو ٢١:٣-٢٣).
هذه هي الملوكية الجديدة التي ننالها في مسحة الميرون المقدّس، إنها ملوكية أولئك الذين (ولّوا على الملكوت) (لو٢٩:٢٢)، وذاقوا فرحه وسلامه وبرّه، وهؤلاء هم الذين يسعهم التغلب على هذا العالم بقوة الصليب المجيدة، وتقديمه إلى الله، بعد أن يغيِّروه فعلاً. وهذا ما يقودنا الآن إلى الرتبة الثانية الممنوحة لنا في سر الروح القدس: الرتبة الكهنوتية.
هـ- الكاهن
صار البعد الكهنوتي للحياة المسيحية المعطاة لنا في موهبة الروح القدس منسياً أكثر من ملوكية الإنسان الجديدة في المسيح. وقد نسي هذا البعد لأنه امتص وذاب في التقسيم القديم، السابق للمسيحية، وهو التقسيم الذي يفرّق بين الإكليروس والعلمانيين، ويشدّد على أن العلمانيين ذوو طبيعة غير كهنوتية . وعندما قَبِلَ الفكر المسيحي هذا الاختزال الذي يعني العودة إلى مقولات العهد القديم، ورفَض المعنى الحقيقي للمسيحية، وهو أن كل شيء يتغيّر ويتجدّد جذرياً في المسيح، حتى المقولات والدين نفسه، انتهى به الأمر إلى الوقوف أمام مأزق مغلوط: فإمّا أن المؤسسة الكهنوتية تبعد عن الكنيسة كل فكرة تقول بالصفة (الكهنوتية) لكل المسيحيين، وإمّا أنّ) الصفة الكهنوتية) لكل المسيحيين، وبالتالي لكل الكنيسة (التي عرّفها الرسول بأنها (كهنوت ملوكي)) يجب أن تمنع وجود مؤسسة كهنوتية في الكنيسة. وهكذا نرى، مرة أخرى، أن المنطق البشري المجرد الذي طبق على سر الكنيسة تسبّب في تشويه هذا السر، وأدى لاحقاً إلى إفقار اللاهوت والليتورجيا والتقوى.
أما الكنيسة الأولى فقد تمسكتْ بالأمرين وشدّدتْ عليهما معاً: فثمة مؤسسة كهنوتية داخل الكنيسة، وثمة (كهنوت ملوكي) يخصّ الكنيسة، وهما البعدان الأساسيان والمتكاملان لحياتهما نفسها . إنهما (أساسيان) لأنهما ينشآن من خبرة الكنيسة للمسيح ولكهنوته الفريد، و(متكاملان) لأنّ كلاً منهما يكشف العلاقة المتبادلة بينهما، ومكان الآخر وأهميته في حياة الكنيسة وعملها ١٦.
لذلك نحن مدعوون إلى أن نكتشف مجدداً المعنى الحقيقي لكهنوت المسيح. فالفساد التدريجي الذي ذكرناه آنفاً لم يبدأ إلاّ بعد أن راح كهنوت المسيح يخْتَزل إلى مقولات) إكليريكية )، وينْظَر إليه بوصفه مصدراً لـ(المؤسسة) الكهنوتية وحدها. وقد أدّى هذا الاختزال إلى تقويض الخبرة الأولى والتقليد القديم، فبات لزاماً علينا أن نفهم أن كهنوت المسيح – مثل ملوكيته ونبويته – متأصلٌ في طبيعته البشرية قبل أي شيء آخر، وأنه جزء منها وتعبير متمّم لها. المسيح ملك وكاهن ونبي لأنه آدم الجديد، أي الإنسان الكامل الذي يعيد الإنسان إلى كماله وشموليته. وبلغة اللاهوت، إنّ المعنى الخلاصي لهذه (الوظائف) الثلاث ينشأ من خاصيتها الكيانية (الأنطولوجية)، أي من كونها تخص الطبيعة البشرية التي اتخذها المسيح لكي يخلِّصها. وهذا يعني أنّ الطبيعة البشرية ذات بعد كهنوتي، وهو البعد الذي خانه الإنسان وخسره بسبب الخطيئة، ثم استعاده المسيح وحقّقه. وهنا يطْرح سؤال: ماذا يعني للإنسان كونه كاهناً؟ والواقع أنّ إجابتنا عن هذا السؤال، الذي يتضمّن تلقائياً معنى كهنوت المسيح بالنسبة إلينا، تمكّننا من أن نفهم في وقت واحد معنى (الكهنوت الملوكي) بوصفه طريقة الحياة المسيحية، ومعنى (المؤسسة) الكهنوتية بوصفها الشكل الضروري للكنيسة.
نقول (الكهنوت الملوكي)، لا الكهنوت وحده ولا الملوكية وحدها، لأنهما مرتبطان معاً، وكلٌّ منهما يحقّق الآخر ويتحقّق في الآخر. وهذا (الكهنوت الملوكي) هو سر الإنسان الذي كشفَ في المسيح . فإذا كان من خصائص الملك أن يمتلك القوة والسلطان، وإذا كان من خصائص الكاهن أن يقرب الذبيحة، أي أن يكون وسيطاً بين االله والخليقة، وأن) يقدّس) الحياةَ بإدخالها في المشيئة الإلهية والنظام الإلهي، فإنّ هذه الوظيفة المزدوجة هي وظيفة الإنسان منذ البدء. ولكنها وظيفة واحدة، فيها تتحقّق ملوكية الإنسان الطبيعية في الكهنوت، وفيها يجعله كهنوته الطبيعي ملكاً على الخليقة . إنّ للإنسان (قوة وسلطاناً) على العالم، ولكنه يحقّق هذه القوة بتقديس العالم، وجعله في شركة مع االله. قوة الإنسان ليست مجرد قوة من االله أو قوة أدنى من االله، ولكنّ االله، والصلاح النهائي الذي رأينا أنه القانون الداخلي لكل قوة، هما غايتها ومحتواها . وبالتالي، فإنّ هذه القوة تتحقّق في التقدمة، التي كانت منذ زمن بعيد، وقبل أن تصبح مرادفاً للتكفير، التعبير الأساسي عن رغبة الإنسان في الشركة مع االله، عن تشوّق الخليقة إلى تحقيق ذاتها في االله، لأنّ التقدمةَ كانت أساساً فعلَ تسبيح وشكر واتحاد. ولهذا السبب فإنّ الإنسان ملك وكاهن من حيث طبيعته ودعوته.
سقوط الإنسان هو رفضه هذه الدعوة الكهنوتية، وامتناعه عن أن يكون كاهناً. والخطيئة الأصليّة تكمن في اختيار الإنسان علاقة غير كهنوتية مع االله والعالم. والأرجح أنّه لا توجد لفظةٌ في وسعها التعبير عن جوهر هذا الأسلوب الحياتيّ الجديد والساقط وغير الكهنوتي، أفضل من لفظة (مستهلك) التي لاقتْ رواجاً منقطع النظير في عصرنا الحاضر. فبعد أن مجد الإنسان نفسه بوصفه (الإنسان العامل faber homo) ثم (الإنسان المفكّر sapiens homo)، يبدو أنه وجد دعوته النهائية في كونه (مستهلكاً). وثمة أناس معاصرون يرون في الدفاع عن (حقوق المستهلك) دعوةً عظيمة وبطولية! فهل نحتاج إلى برهان على أنّ هذا (المثال ) يستبعد، ببساطة تامة، فكرة التقدمة ودعوة الإنسان الكهنوتية؟ الإنجاز المؤسف لعصرنا – وهو صادق في هذا المجال – أنه يؤكد بفخر ما حاولتْ حضارات سابقة أن تخفيه. ولكنّ الحقيقة البديهية أنّ) المستهلك) لم يولد في القرن العشرين. فأول مستهلك كان آدم نفسه، لأنه لم يخْتَر أن يكون كاهناً، بل أن يتعاطى مع العالم كمستهلك : أن (يأكل) منه، ويستعمله، ويسود عليه من أجل نفسه، ويستفيد منه، دون أن يقرّبه ويقدّمه ويملكه من أجل االله وفي االله. والثمرة الأكثر مأساوية لتلك الخطيئة الأصلية، أنها جعلت الدين نفسه (سلعة استهلاكية) موضوعية لكي تشبع (حاجاتنا الدينية)، وتخدمنا بوصفها علاجاً أو غطاء أمنياً، وتزوّدنا بصلاح رخيص يرضي نوازعنا، وبـ(روحانيات) رخيصة وأنانية وخادمة لذاتها. ولا بدّ أن يكون الكاهن هو المزوّد البديهي بكل هذا، وأن تستخدم قواه الخاصة والمقدّسة من أجل تأمين مصلحة الدين في مجتمع وحضارة بعيدين عن أي اهتمام بالدعوة الإلهية التي دعي إليها الإنسان والخليقة كلها.
لا حاجة بنا إلى القول إنّ هذا المفهوم لم يكن- ولن يكون – هو المفهوم المسيحي الحقيقي للإنسان والدين والكهنوت. فالمسيح الذي تجسد وقدم نفسه إلى االله من أجل خلاص العالم، أظهر طبيعةَ الإنسان الحقيقية، أي الطبيعة الكهنوتية. وهو يهبنا حياته في المعمودية وسر المسحة المقدّسة، فيعيدنا إلى كهنوتنا: أي إلى قدرتنا على تقديم أنفسنا (ذبيحةً حيةً مقدّسةً مرضيةً عند االله) (رو١:١٢)، وإلى قدرتنا على جعل حياتنا بكاملها (عبادةً روحيةً) (رو١:١٢) وتقدمةً وذبيحةً وشركة.
ولكنّ الكنيسة هي عطية هذه الحياة الجديدة وحضورها في العالم، وهي بالتالي تقدمةٌ وذبيحة وشركة، لذلك تكون أيضاً، وبالضرورة، كهنوتيةً في مجموعها بوصفه جسد المسيح، وفي أعضائها بوصفهم أعضاء هذا الجسد. إنها كهنوتيةٌ في علاقتها بنفسها، لأن حياتها هي تقديم نفسها إلى االله، وكهنوتيةٌ في علاقتها بالعالم، لأنّ رسالتها هي تقديم العالم إلى االله، أي تقديسه. (التي لك مما لك نقدّمها لك على كل شيء ومن أجل كل شيء). إنّ وضع هذه التقدمة موضع القلب في سر الشكر، أي السر الذي تصير فيه الكنيسة (كنيسة)، عائد إلى أنها تحقِّق وتعبر عن كامل حياة الكنيسة، وعن جوهر مهمة الإنسان ودعوته في العالم. إننا مدعوّون إلى أن نقدّس ونغيّر أنفسنا وحياتنا، وكذلك العالم الذي أعطي لكل منا بوصفه مملكَتَه . ونحن نقدس ونغَير أنفسنا، بتقديم حياتنا وعملنا وأفراحنا وآلامنا إلى االله دائماً، بجعل أنفسنا منفتحة دائماً على مشيئة االله ونعمته، بأن نكون كما جعل المسيح، أي هياكل للروح القدس، وبأن نغير حياتنا إلى ما سيرها إليه الروح القدس : أي (ليتورجيا)، وخدمة الله وشركة معه. ونحن نقدّس ونغير العالم بأن نكون حقاً (رجالاً للآخرين )، لا بمعنى التورط المتواصل في أمور اجتماعية أو سياسية، كما نختزل المسيحية اليوم، بل بأن نكون دائماً وفي كل مكان وفي كل الأشياء شهوداً لحقيقة المسيح التي هي الحياة الحقيقية الوحيدة، ورسلاً لتلك المحبة المضحية التي هي جوهر كهنوت الإنسان ومحتواه.
وعلى ضوء هذا (الكهنوت الملوكي) الذي نناله ونستعيده في سر الروح القدس، يمكننا أن نفهم المعنى المسيحي الحقيقي والجديد لـ(مؤسسة) الكهنوت، أي كهنوت أولئك الذين (فرزتْهم ) الكنيسة منذ البدء، ورسمتْهم بتواصل لم ينقطع منذ الرسل، كهنةً ورعاةً ومعلّمين. فالكنيسة تحتاج إلى كهنة لكي تكون كهنوتية في ذاتها وفي جميع أعضائها وفي كامل حياتها، ولكي يحقِّق أعضاؤها كهنوتهم الملوكي . فإذا كانت طبيعة الإنسان نفسها تستعيد في المسيح كهنوتَها الملوكي، حتى يصير بإمكان كلِّ دعوة بشرية وكلِّ حياة بشرية أن تكون كهنوتية بالفعل، فلأنّ المسيح نفسه لم تكن له أية دعوة أو أية حياة سوى أن يعلن إلى البشر إنجيل الملكوت ويكشف لهم الحقيقة الإلهية ويمنحهم – ببذله ذاته – غفران الخطايا والخلاص وموهبةَ الحياة الجديدة. وبهذا المعنى يكون كهنوت المسيح وحيداً وشخصياً. والمسيح يبني كنيسته على أساس كهنوته الوحيد والشخصي، وعلى أساس ذبيحته الوحيدة والشخصية. لذلك فإنّ الكنيسة بوصفها ثمرةَ كهنوته وذبيحته وعطيتَهما، ليست وقفاً على أي شيء أرضيّ أو بشريّ، وليست وقفاً على مقدار استجابتنا، أو على انجازاتنا ونمونا. فهي منذ البدء ملء النعمة والحقيقة، ولا تغيير أو نمو فيها، لأنها عطية المسيح الذي يبقى إلى الأبد كاهنَها راعيها ومعلّمها الوحيد. ولكنه يقيم فيها كهنةً لكي يبقى كهنوته الوحيد والخاص حاضراً فيها، فتصير (ملء ذاك الذي يملأ الكلَّ في الكلّ) (أفسس ٢٣:١). ولكنّ كهنوتَ هؤلاء ليس لهم بل للمسيح، ودعوتهم هي ألاّ تكون لهم أية دعوة سوى دعوة المسيح الشخصية، وأن يؤمنوا حضور وقوّةَ كهنوته في الكنيسة، واستمراره إلى أن يتم كل شيء في االله . فكما أرسلَ الآب ابنه ليخلِّص العالم، كذلك يختار الابن ويرسل من يأتمنهم على مواصلة رسالته الخلاصية، واستمرار قوة كهنوته الوحيد.
فرادة هذه الدعوة تكمن في أنها دعوة مفروزة، وليست واحدة من الدعوات البشرية. ولكنّ فرزها لا يعني أنها تفوق الدعوات الأخرى بقوّتها وامتيازها ومجدها، أو أنها دعوة (مقدّ سة) في مقابل دعوات (دنيوية )، فهي الدعوة التي تجعل كهنوت المسيح الوحيد حاضراً، وسائر الدعوات تحقيقاً لكهنوت الإنسان الملوكي. والكهنة موجودون في الكنيسة لكي تستطيع الكنيسة أن تحقّق ذاتها بوصفها (كهنوتاً ملوكياً). ولا يمكنها أن تكون كهنوتاً ملوكياً إلاّ إذا كان فيها كهنة، وكان في هؤلاء الكهنة كهنوت المسيح الوحيد . فالكاهن لا يفعل أي شيء بإدارته الخاصة، بل إنّه بتجديد الروح القدس وموهيته يفعل ما فعله المسيح: يكرز بالإنجيل، يحقّق الكنيسة في الأسرار، و(يطعم الخراف). والكنيسة التي هي عطية المسيح نفسه يمكنها أن تشهد من خلال جميع أعضائها، للمسيح ولعمله الخلاصي الذي أتمه في العالم.
لقد صرنا (ملوكاً وكهنة...) ونصير أخيراً أنبياء. وفي هذه الرتبة الثالثة، أي الموهبة والدعوة الثالثة، التي ظهرتْ واستعيدتْ في المسيح، علينا أن نكتشف البعد الأخير للروحانية المسيحية.
و- النبي
تطلق الكتيّبات اللاهوتية على (وظيفة) المسيح الثالثة صفة النبوية، فالمسيح الذي تحقّقتْ فيه النبوءات كلّها هو النبي. ولكننا مدعوون مرة أخرى إلى فهم ما تتجاهله الكتيّبات اللاهوتية، وهو أنّ نبويةَ المسيح، مثل ملوكيته وكهنوته، هي ملء الطبيعة البشرية التي فيه، وأنه نبي بسبب كونه الإنسان التام والكامل.
والإنسان الذي خلق ملكاً وكاهناً، مدعوٌّ إلى أنْ يكون نبيّاً أيضاً. وإذا كان هذا اللقب قد صار في العهد القديم وقفاً على بعض البشر، الذين دعاهم الله دعوة خاصة، وأنْعَمَ عليهم ببعض المواهب والوظائف (الاستثنائية)، فلأنّ الخطيئة جعلت الإنسان يرفض ويخسر موهبته النبوية (الطبيعية)، ويأبى أنْ يكون نبياً. ولكن في البدء عندما كان آدم في الجنة، خاطبه الله (عند هبوب ريح النهار) (تك ٨:٣)، وسمع آدم صوته، لأنّ سماع صوت الله والإجابة عنه أمران يخصان الإنسان. وقد أعلن الكتاب المقدّس أنّ الخلاص هو استعادة الإنسان إلى دعوته النبوية: (قال الله: سيكون في الأيام الأخيرة فيضٌ من روحي أسكبه على الناس أجمعين، فيتنبأ بنوكم وبناتكم...) (أع ٢:١٧، استشهاداً بيوئيل ٢٨:٢).
فما هي النبوّة؟ إننا نختزلها في العادة إلى قدرة غامضة على التنبؤ بالمستقبل، إلاّ أنه يجب علينا أنْ نراها كما يعلنها الكتاب المقدّس: أي القوة المعطاة للإنسان لكي يميّز مشيئة الله دائماً، ويسمع صوته، ويكون - في الخليقة والعالم – شاهداً وأداةً للحكمة الإلهية. النبي هو الذي يسمع صوت الله، حتى يمكنه أنْ ينقلَ مشيئة الله إلى العالم. وهو الذي (يقرأ) كل الأحداث وسائر (المواقف) بعينيّ الله، حتى يمكنه أنْ يردّ كل ما هو بشري وزمني إلى ما هو إلهي وأبدي. وبكلام آخر، النبي هو الذي يصير العالم شفافاً بالنسبة إليه، حتى يستطيع أنْ يرى الله من خلاله. وهذه هي دعوة الإنسان وطبيعته الحقيقيتان.
ولكنّ الإنسان الذي رفض ملوكيته وكهنوته، رفض أيضاً موهبة النبوة. فقد ظنّ في كبرياءه – والخطيئة ثمرة الكبرياء والفهم المغلوط لعبارة (ستكونون آلهة) – أنّه يستطيع معرفةَ العالم وامتلاكَه من دون (النبوّة)، أي من دون الله. وهذه المعرفة (اللانبوية) هي التي راح الإنسان يطلق عليها أخيراً صفة (الموضوعية)، ويرى فيها المصدر الوحيد لكل حقيقة.
وهكذا أخذ الإنسان، جيلاً بعد جيل، يترك أحلام الطفولة ورؤاها من أجل الهياكل العظيمة لهذه (المعرفة الحقيقية): أي المدارس والجامعات التي يقوم (أساتذتها) و(معلّموها) – الواثقون من امتلاكهم المدخل الوحيد إلى الحقيقة – بتحويل البشر إلى متعبدين عميان لهذه (الموضوعية)، أو بالأحرى إلى تلاميذ عميان لمعلّمين عميان. فهل ثمة حاجة إلى أنْ نبرهن، في هذا النصف الثاني من قرننا المأساوي، على أن الكراكم المدهش لتلك المعرفة (الموضوعية)، ولما بنيَ عليها من (تقنيات)، لم يمنعْ (حضارتنا) من أنْ تصير أزمةً عامة، تشمل المجتمع والسياسة والبيئة والطاقة، بل إنه كان المسبّب الأساسي لهذه الأزمة؟ وهل ثمة حاجة إلى أنْ نبرهن على أنه بالرغم من سعي تلك المعرفة وكل تلك التقنيات إلى تحريرنا (وهو الشعار المفضّل في عصرنا)، فإنّ الإنسان يشعر الآن أنه مستعبَد ومعزول وضائع ومبلبل وقانط أكثر من أية فترة أخرى من تاريخه؟ وأنّ سحابة مظلمة من اليأس، وشعوراً رهيباً بالفراغ التام، يتخلّلان الهواء الذي نتنشقه، وتعجز النشوة السطحية لـ(مجتمعنا الاستهلاكي) عن تبديدهما؟ وأنّ تمرداً خالياً من المعنى يتحدى مؤسسة خالية من المعنى، باسم (حريات) سخيفة، محتواها الإرهاب والدم والجنس والشهوة والبغض والتعصب؟
الحقيقة المحزنة والمثيرة للسخرية هي أن الإنسان، بعد إنكاره ورفضه موهبة النبوة التي منحه إياها الله من أجل المعرفة والحرية الحقيقيتين، جعل نفسه عبداً لمجموعة من (النبوءات) الكاذبة، أوّلها الاعتقاد بـ(المعرفة الموضوعية) وبقدرتها على أنْ تغيّر العالم وتخلّصه. فلم يسبق أنْ كان العالم مشبعاً بإيديولوجيات تَعِد بحل كل المشاكل، مثلما هي حاله اليوم. ولم يسبق أنْ وجد مثل هذا العدد من (الدعوات خلاصية) التي تَدّعي أنّها تعرف – (علمياً) و(موضوعياً) – العلاج القاضي على كافة الشرور. إنّ عصرنا هو في الحقيقة عصر الخداع النبوي، عصر النبوءات الكاذبة والأنبياء الكذبة في (العلم) و(الدين) على حد سواء. فكلّما اتّضح إخفاق النبوءات الكاذبة على الصعيدين الفكري والعلمي، ازداد البحث عن نبوءات كاذبة وأديان كاذبة على الصعيد اللاعقلي. والدليل على ذلك هو عودة بعض الظواهر إلى الانتشار مجدداً في مجتمعنا (التكنولوجي) و(العقلي)، ومنها علم التنجيم والسحر والمذاهب الباطنية والعديد من أشكال الاهتمامات بكشف الخفايا. وكلها تبرهن على أمر واحد، وهو أن النبوّة، بوصفها أمراً (طبيعياً) في الإنسان، لا يمكن أنْ يقضى عليها، فإذا تحطّم جوهرها الإيجابي المعطى من الله، تعود حتماً إلى الظهور، ولكن كهاجس ساقط ومظلم وشيطاني.
تشتمل فكرة الخلاص المسيحية على أن المسيح يستعيد الإنسان كنبي. ولكنّ موهبة النبوّة التي ننالها في سر الروح القدس لا تعني منحنا قوة غريبة سحرية، أو معرفة (فائقة للطبيعة) تختلف عن المعرفة الطبيعية أو تتعارض معها. إنها ليست قدرة لا عقلية تضاف إلى فكرنا البشري أو تأخذ مكانه، فتجعل من المسيحي عرّافاً دينياً أو نوستراداموساً (Nostradamus = عرّاف فرنسي من القرن السادس عشر). إنها ليست تمجيداً لـ(الرؤى) و(الأحلام) بوصفها أموراً لا عقلية ولا فكرية تحل محل العقل، أو بوصفها (إعلانات) و(آيات) سرية مختلفة الأنواع. وربما كانت أفضل طريقة لتحديد هذه الموهبة هي استعمال لفظة (الصحو) التي ينزلها الأدب النسكي منزلة الأساس الأول والضروري لكل روحانية حقيقية. والصحو هو نقيض (النبوّة الكاذبة) التي تكون دائماً ثمرةَ اضطراب داخلي في الإنسان، وتشتتٍ في قدراته ومواهبه. الصحو هو الكمال والسلام الداخليين، أي الانسجام بين النفس والجسد، وبين الفكر والقلب. وهذا الانسجام هو وحدَه الذي يستطيع أنْ يميّز ويفهم ويمتلك الحقيقة في مجموعها، وكما هي، لكي يقود الإنسان إلى (الموضوعية) الحقيقية الوحيدة. إنّ الصحو فهمٌ، لأنه يميّز الخير والشر في كل شيء، في الحركات اللاواعية للنفس وفي (الأحداث العظيمة) على السواء، ولأنه (يعرف) الشر حتى ولو كان، كعادته دائماً، مرتدياً حلل النور. والصحو تَمَلّكٌ لأنه – وهو انفتاح الإنسان بكليته على الله وعلى مشيئته وحضوره، وإداركٌ متواصل لله – يجعل الإنسان قادراً على تَقَبّل كل شيء بوصفه آتياً من الله وقائداً نحوه. وبكلام آخر، لأنه قادر على أنْ يعطي معنى وقيمة لكل شيء.
هذه هي موهبة النبوّة التي ننالها في المسحة المقدّسة: إنها موهبة التمييز والفهم، موهبة امتلاكنا الحقيقي لأنفسنا ولحياتنا في المسيح ومعه. ولكنّ التمييز والفهم لا يعنيان معرفة كل شيء، فإنه (ليس لكم أنْ تعرفوا الأزمنة والآونة التي وَقَّتَها الآب بذات سلطانه) (أع ٧:١)، لذلك كانت الكنيسة دائماً شديدة الحذر في التعاطي مع النبوءات (المستقبلية) التي تزداد شعبيتها عند (المتدينين). كما أن موهبة النبوّة لا تجعلنا (أخصائيين) بصنع العجائب في كافة المجالات. فالمسيح نفسه (كان ينمو في الحكمة والقامة) (لو ٥٢:٢). وقد أكّدت الكنيسة دائماً أن الفكر البشري هو أسمى المَلَكات التي وهبها الله للإنسان، ورفضت وشجبتْ كلَّ تمجيدٍ لما هو (غير عقلاني)، وكلَّ ازدراء بالمعرفة والعلم والحكمة في كافة نواحيها. موهبة النبوة ليست أسمى من الطبيعة البشرية الحقيقية المستعادة في المسيح، ولا هي خارجها، بل إنها البعد الضروري والعمودي لكل أجزائها، ولكل المواهب والدعوات البشرية. في المسيح ننال المعرفة الجوهرية، أي معرفة الحقيقة عن الله والإنسان، وعن العالم ومصيره الأخير. وهذه الحقيقة هي التي تجعلنا أحراراً بالفعل، وقادرين على التمييز والفهم، وهي التي تمنحنا القدرة على أن نكون – في كل الظروف والحالات، وفي كل المهن والدعوات، وفي استعمال كل مواهبنا البشرية – شهوداً للمسيح. وهذه الشهادة هي المعنى والمحتوى والهدف الأخير لوجودنا وأعمالنا.
ز- الروح القدس
[Error: JSON parse failed]