سيرته
من هو هذا الفريد في عصره، والشاهد على «أن الخَلْق كلهم هم عيال الله» وأن «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى» وأن «ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعكم واحد في المسيح يسوع» (غلاطية 3: 28)
طفولة غريغوريوس وصباه
إنه غنطوس جرجس بن غنطوس الحداد. ولد في الأول من تموز عام 1859 في قرية أبيه، عبيه، والدته هند، ابنة ناصيف سليم من كفرشيما، وغنطوس هو الثالث بين أخويه ناصيف ونعمة وله أختان: سوسنة وأمل. وتروي السيدة ماري مالك دبس، التي كتبت أطروحة ماجستير مطوّلة، قدّمتها لجامعة البلمند عام 2003، عن الطفل غنطوس، وهو ابن سنة تقريبًا.
«يُروى أنه خلال الفتنة التي وقعت في بعض قرى لبنان سنة 1860، وكان غنطوس ما يزال طفلًا، هجر والده جرجس بلدته عبيه – ووالده إسكافي القرية – وفي أحد الأيام ذهبت هند سليم زوجة جرجس باتجاه الفرن وهي تحمل ابنها غنطوس على يدها وإذ بمسلّح يعترضها ويخطف الولد. فما كان من أحد النافذين الدروز في القرية إلا أن لحق بالمسلّح وقال له: «هذه امرأة جرجس الحدّاد وهذا طفلها غنطوس، لا يليق بنا أن ننكر حُسن الجوار فأرجِع الولد إلى أمّه».
ويصفه الأرشمندريت الراهب توما بيطار في كتابه «القديسون المنسيون»: «بأنه كان معتدل القامة، صبوح الوجه، أبيض البشرة، أشقر الشعر، بهي الطلعة، ناعم اليدين، جاحظ العينين، باسم الثغر، وديعًا، طاهر القلب». أمّا عبد المسيح أنطاكي بك، الأديب الأرثوذكسي الحلبي، فيُضيف في جريدته «العمران» التي كان يصدرها في مصر:
«وكان أبواه على جانب عظيم من البساطة والتقى وكانا كغيرهم من صغار الفلّاحين الذين يعيشون بعرق الجبين».
يتابع الراهب الحديث عن غنطوس فيقول: «بدت عليه منذ الطفولة علامات الذكاء إذ كان عريض الجبهة، حاد الذهن، سريع الفهم، فاهتمّ أبواه بإلحاقه بمدرسة عبيه الأميركية حيث أتمّ دروسه الابتدائية (1872)». ويضيف الأنطاكي أنه «ما زال فيها إلى أن بلغ السابعة عشرة من عمره». انتقل إلى كلية الثلاثة الأقمار الأرثوذكسية في بيروت فأنهى فيها دروسه الثانوية.
وفي بيروت، يلاحظه مطران بيروت ولبنان (1870 – 1901) السيد غفرائيل شاتيلا، «فيُعجب بنباهته وذكائه فيضمّه إلى حاشيته ويُدخله في عداد تلامذة المدرسة الإكليريكية... وكان عددهم عشرة فيُظهر نشاطًا في تلقي العلوم اللاهوتية والأدبية ومبادئ اللغة اليونانية ويفوق أقرانه بلا جدال ذكاءً وعلمًا وطاعة فيحبه السيد المشار إليه (شاتيلا) ويتخذه سكرتيرًا خاصًا له في 24 كانون الأول سنة 1875 وخادمًا معينًا له».
غريغوريوس راهب
وإذ كان غنطوس «ميّالًا منذ صباه إلى حياة الزهد والتأمل» شرطنه المطران شاتيلا في التاسع عشر من شهر كانون الأول عام 1877 راهبًا في دير سيدة النورية، وفي التاسع والعشرين من شهر آب سنة 1879 شرطنه شماسًا ودعاه باسم غريغوريوس. وبالرغم من حداثته وهو ابن العشرين سنة، أصبح مستشارًا لسيادته وموضع ثقته حتى أنابه عنه في رئاسة جمعية القديس بولس وأسند إليه مهمّة إنشاء جريدة «الهدية» والإشراف على طباعة كتاب «البوق الإنجيلي» و«الصلوات والمزامير».
في هذه الفترة المليئة بالنشاط، عرّب غريغوريوس خطبًا ومقالات عديدة من اليونانية نشرها في جريدة «الهدية». كما أنشأ مكتبة في دار المطرانية حفظ فيها كتبًا ومخطوطات وكان «ينهل من كل العلوم الدينية والفلسفية، إذ درس الفقه الإسلامي على يد الشيخ يوسف الأسير الفقيه الإسلامي، فأصبح حجّة في علم الفرائض. وانكبّ أيضًا على درس كتاب نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب، ونسخ كتاب «الفلسفة الطبيعية» لأرسطو ليطالعه بإمعان».
أسقفية غريغوريوس
وبعد وفاة مطران طرابلس السيد صفرونيوس النجّار، اتفق روم المدينة على ترشيح ثلاثة هم: الأرشمندريت جراسيموس مسرّة وكان رئيسًا للكنيسة السورية في الإسكندرية، والشماس رفائيل هواويني وكان في روسيا، والشماس غريغوريوس حدّاد سكرتير أبرشية بيروت، فوقع اختيار صاحب الغبطة جراسيموس البطريرك الأنطاكي (وهو آخر البطاركة اليونان) مع السادة المطارنة على الشماس غريغوريوس.
وفي 6 أيار 1890 شرطنه معلمه مطران بيروت السيد غفرائيل شاتيلا كاهنًا وفي العاشر من الشهر نفسه والسنة نفسها، نال نعمة رئاسة الكهنوت في دمشق، على يد البطريرك جراسيموس وبمشاركة السيدين: سيرافيم مطران ايرونوبوليس ونيقوديموس مطران عكار، وله من العمر واحد وثلاثون عامًا.
رجع المطران غريغوريوس إلى أبرشيته ودخلها باحتفال مهيب، وأخذ يعمل على التوفيق بين أبنائها بعدما طالت المنازعات فيها. افتتح عمله بإعادة مدرسة بكفتين إلى الوجود. أسس الأخوية الأرثوذكسية الطرابلسية للعناية بالمحتاجين. أنشأ مكتبة في دار المطرانية، تعهّد مدرسة البلمند الإكليريكية وزوّدها بمكتبة، كما زوّد مكتبات أديار النورية وحمطورة وكفتون بالكتب والمخطوطات. تحدّث عنه المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف فقال: «مهّد سبيل المسالمة بحكمته ونشر راية الوفاق وموثّق عرى المصافاة فآلف القلوب ووفّق الآراء، فأصلح ذات البين واشتهر بحبّه للسلام».
«كان هذا البار منكبًا على خدمة كنيسته محترمًا بقية الطوائف، جامعًا للآثار العلمية والأدبية، ممهدًا سبيل إعادة البطريركية للعرب»، فأسهم في الجبهة الأنطاكية العربية التي تزعمها المطران غفرائيل شاتيلا (مطران بيروت) ونجح المطران غريغوريوس في استمالة بعض المطارنة إليها وقد فازت الجبهة في انتخاب وسيامة ملاثيوس الدوماني بطريركًا عربيًا على الكرسي الأنطاكي.
ونختم الحديث عن أسقفية غريغوريوس حدّاد بذكر الاستشهاد المفتاح لموضوعنا عن العيش المسيحي – الإسلامي، ألا وهو أن «غريغوريوس كانت له مجالسات أدبية [ومناقشات] وعلمية مع علماء طرابلس وغيرها ولا سيما المرحوم العلامة الشيخ حسين الجسر والد المرحوم الشيخ محمد الجسر [رئيس المجلس النيابي في بيروت حينها]».
يبقى لنا أن نتحدث قليلًا عن حسّه الوطني واندفاعه الكبير نحو تغيير البطريرك الأنطاكي والذي كان في أيامه يونانيًا ومنذ أن انفصل الروم الكاثوليك، بسعاية القناصل الغربيين والإرساليات الغربية، عن حضن كنيستهم الأرثوذكسية الأم عام 1724.
كان آخر البطاركة اليونان في أيامه، اسبيريدون الأول (1892 – 1898) وعلى ما يبدو أنه كان ذا عصبية قومية فائقة وصاحب شرور كثيرة. يعترف المطران غريغوريوس حداد بالبطريرك هذا حتى قبل السيامة، ولكن الباب العالي اضطرّه بالنهاية على الاعتراف به.
بالرغم من ذلك، بقي غريغوريوس يناضل مع إخوته مطارنة اللاذقية (ملاتيوس) وحمص (أثناسيوس) وبيروت (غفرائيل) إلى أن نالوا الأمر باستعفاء البطريرك اسبيريدون، وبانتخاب مطران اللاذقية، ملاتيوس الدوماني بطريركًا عربيًا على أنطاكية في 15 نيسان من عام 1899.
وبعد وفاة البطريرك ملاتيوس في 26 كانون الثاني سنة 1906، التأم المجمع الأنطاكي المقدس في العشرين من نيسان من العام نفسه لجلسة الترشيح القانوني. كان الأنطاكيون قد اتفقوا منذ أيام الدوماني، أن يكون انتخاب البطريرك الأنطاكي على غرار انتخاب البطريرك المسكوني، أي باشتراك الشعب – [هذا الأمر قد حذفه المطارنة في قوانين 1972 فصار الأساقفة، يرشحون وينتخبون البطريرك والأساقفة] –