شاهدٌ على الإخاء
قبل الإجابة على هذا السؤال، لنأخذ فكرة عن الإطار التاريخي الذي نشأ فيه غريغوريوس وترعرع.
نشأ غريغوريوس في ظل السلطنة العثمانية وفي ذمّة المسلمين وخلافتهم (أهل الذمّة) وقد اصطبغت مرحلته بدماء الحروب الطائفية بين المسلمين والمسيحيين. ولنستعرض بعض المحطات التاريخية المهمة.
1821: اندلاع الثورة في اليونان، فهجم مسلمو سوريا عدّة مرات على المسيحيين وخصوصاً على الأرثوذكس.
1833: احتل المصريون سوريا مؤقتاً، وكان هذا سبباً لهجمات عدّة على المسيحيين بتحريض من السلطنة العثمانية، التي قال واليها في الشام أحمد باشا ومشير فيلق الأقطار العربية: «سوريا ولبنان آفتان: هما المسيحيون والدروز، فكلّما ذبح أحدهما الآخر استفاد الباب العالي».
1840: 15 تموز، اتفاقية لندن. وقّعها كل من النمسا، روسيا، بروسيا وبريطانيا، وقفوا فيها ضد محمد علي وحرّضوا السوريين على الوقوف إلى جانبهم، فتبنّت فرنسة حماية الموارنة والروم الكاثوليك (مع النمسا) والروس الروم الأرثوذكس، والإنكليز تبنّوا الدروز، ولكنهم لم يكتفوا بهذا، بل هيأوا وشجعوا على قيام دولة إسرائيل لتحفظ مصالحهم.
1841: 18 ت1 قام الدروز على المسيحيين وحصلت حرب شوارع عنيفة، سقط ضحيتها عدد كبير من القتلى أغلبهم من المسيحيين. هذا ما أكّده يوسف السودا بقوله: «حوادث 1841 هي أول مرّة عرف فيها اللبنانيون المنازعات الدينية والحروب الطائفية بعد أن عاش الدروز والنصارى في لبنان إخوان صفاء أجيالاً طوالاً».
1845: 9 نيسان، قامت جماعة من الموارنة بإحراق أربعة عشر قرية درزية في الشوف، فهاجمت الجنبلاطيين في المختارة، وهناك صدّهم الأتراك بعنف.. ولما امتدّت الفتنة إلى عاليه، وقف الأتراك أيضاً إلى جانب الدروز.
1856: 18 شباط، وبضغط من القوى الغربية على السلطان عبد المجيد، صدر خط همايون، يعلن صراحة المساواة بين جميع الرعايا المسلمين وغيرهم في السلطنة، ويُطلق الحرية الدينية للجميع.
1857: حضر إلى بيروت والٍ جديد هو خورشيد باشا. وفي هذه السنة اشتدت النزاعات بين الأهالي وأسيادهم: ففي زحلة حصل الخلاف مع الأمراء اللمعيين وامتنعوا عن طاعة القائمقام وعن دفع الضرائب. انتخبوا من بينهم «شيخ شباب» وشكلوا مجلساً بلدياً من ستة أشخاص. وكذلك بدأ سكان غزير عصيانهم برفض الطاعة لأسيادهم بني حبيش... وبعدهما بدأ العصيان الفعلي في كسروان، الذي أدّى إلى اختيار «شيخ شباب» جديد هو طانيوس شاهين قائد ثورة الفلاحين عام 1858.
1860: وتتفاعل حوادث التمرد والعصيان، ويزداد تحريض القناصل وبني عثمان، فتندلع المذابح الطائفية عام 1860 «قام الدروز والمسلمون ضد المسيحيين بتحريض من تركيا، وجرت مذابح للمسيحيين في مدن كثيرة من سورية مبتدئة من لبنان. ذُبح الآلاف منهم خصوصاً في دمشق، فهدّمت وأحرقت أحياء المسيحيين ونُهبت. وكانت كارثة البطركية بدمشق كارثة عظيمة حيث أُحرقت الكنيسة المريمية والمكتبة والأواني الكنسية. وقد ذُبح ما بين 20 أيار عام 1860 إلى آخر حزيران من العام نفسه سبعة عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة وعشرة آلاف ولد».
في هذه الأجواء المشحونة بالأحقاد الطائفية، والملوّثة بدماء الهمجية، نشأ غريغوريوس. وبين تصارع المذاهب الدينية من بروتستانتية وكاثوليكية، وتصادم مصالح الدول الغربية وتكالبها على اقتسام تركة الرجل المريض، ترعرع غريغوريوس وشبّ، فكيف سيتصرف منسجماً مع إيمانه المسيحي تجاه المسلمين سنّة ودروز؟
لقد انطلق غريغوريوس في كل تصرفاته ومعاملاته مع الناس من قناعاته ومبادئه ومن محبته لله وللوطن. اسمع إليه يخاطب أبناء زحلة الذين جاؤوا يستقبلونه وهم من مختلف الملل والنحل في 22 ت2 من عام 1911:
«إنني أحب أبناء وطني من جميع المذاهب على السواء. ولا فرق بينهم عندي. ألست وإياهم أبناء أب واحد وأم واحدة. أو لسنا جميعاً صنعة خالق واحد. أو لسنا نسكن أرضاً واحدة ونستنير بضوء شمس واحدة ونستظلُّ بسماء واحدة وترفرف فوقنا راية واحدة هي راية الوطن العزيز؟ أو لسنا نحن والمسلمون توحدنا جامعة الانتساب إلى أرض واحدة ووطن واحد؟ أو لسنان نعبد إلهاً واحداً غير متجزئ؟».
بهذا الإلهي، تجاوز غريغوريوس الخبرة الأليمة التي تعرّض لها في عامه الأول أثناء حوادث 1860 في قريته عبيه، وكادت تودي بحياته، وانطلق ليتعلّم لغة قومه على يد الشيخ يوسف الأسير، الذي علّمه الفقه الإسلامي. كما قرأ نهج البلاغة ولا عجب أيضاً أنه قرأ القرآن الكريم. لقد أحب اخوته المسلمين، وعندما صار مطراناً على طرابلس، كانت له – كما أشرنا سابقاً – مجالسات أدبية وعلمية مع علماء طرابلس ولا سيما المرحوم العلامة الشيخ حسين الجسر. ويضيف المثلث الرحمات، قدس الارشمندريت رومانوس جوهر «وكان صديقاً حميماً للشيخ محمد الجسر وكان في دمشق صديقاً لمفتيها أبي الخير عابدين. ولهما عندي صورة. غريغوريوس سيّد الذين أرسوا في هذا الشرق مفاهيم الوحدة الوطنية والتعالي على العنعنات والأحقاد والتشنّجات».
هرعنا إلى ما كتبه الأستاذ الصديق الدكتور خالد زيادة عن الشيخ حسين الجسر في كتيبه المعنون: «الشيخ حسين الجسر 1845 – 1909» ومقالته الطويلة في مجلة «المواسم»، وفي مقدمته الأطول للكتاب الذي حققه لفضيلته ألا وهو «الرسالة الحميدية»، ولم نظفر بإشارة عن تلك المجالس.
استعنّا أيضاً بالأديب الفهّامة، الأستاذ مارون عيسى الخوري، فنفى وجود أية مجالسات. وكذلك أكّد الحبر العلاّمة، سيادة المطران جورج خضر «أن المطران غريغوريوس لم يكن لاهوتياً ولا فقيهاً ولا مجالسات له مع المسلمين».
يجدر بنا أن نشير أيضاً إلى ما ذكره المؤلف محمد نور الدين عارف ميقاتي في كتابه عن «طرابلس في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي» عن المطران غريغوريوس حداد «أن روابط المحبّة كانت على أشدها بين المطران وبين رجالات طرابلس، كما كانت صداقته متينة مع جد المؤلف الشيخ علي، على التخصيص».
وإليكم الآن أهم التصرفات التي قام بها غريغوريوس، مطراناً وبطريركاً وهي تشهد لعيش إيمانه الفريد بين الناس جميعاً.
مطرانًا
عندما دمعت عينا المطران حداد
«يُروى أن المرحوم الشيخ محمد شميسم أحد حفظة القرآن الكريم، وكان ضريراً رخيم الصوت، جاء يشكو للمطران أحد ابناء رعيته ديْن له عنده، فطيب المطران خاطره ووعده بتحصيل دينه شريطة أن يتلو على مسامعه سورة «مريم» عليها السلام. فلبَّى الشيخ شميسم الطلب وتربَّع وأخذ يتلو بصوته الجهوري الجميل السورة الكريمة حتى أتمها... ويقول مرافق الشيخ الضرير أن دموع الخشوع أخذت تنهمر من عيني المطران حداد على لحيته وتتساقط منها على صدره... وبعد أن انتهى الشيخ من التلاوة قام المطران إلى غرفته الخاصة وأحضر المال المطلوب للشيخ شميسم ودفعه له».
ويروي الأستاذ المرحوم ديمتري كوتيا، نقلاً عن الصحافي الكبير لطف الله خلاط، إلى السيدة ماري مالك: «إن المطران غريغوريوس حداد كان يحب الكذابين (كبشر) بمقدار ما يبغض الكذب – مع أن الكذب بعيد عنه بعد السماء عن الأرض – ولكنه يحتفظ بالخطأة ويُطيل باله عليهم لأنه رحب الصدر وهو يعتبر أن الله يقبل الأخيار كما قبل الأشرار، وربنا يُشرق شمسه على الاثنين معاً. ويسترسل الأستاذ لطف الله قائلاً: ما سمعته مرة تكلم على أحد بسوء، أو غضب عليه، حتى لو كان هذا الشخص من الجماعات التي تنتقده وتقاومه، إنما كان يقول دائماً كلمته: «سامحه الله» (مالك، ص 40).
وفاؤه لقاضي المدينة
اعتقل قاضي مدينة (طرابلس) بوشاية جاسوس من رجال السلطان عبد الحميد الثاني العثماني وأعرض الكل عنه. ولكن المطران زاره في سجنه وشجعه وأمدّه بالمال ودافع عنه في طرابلس والآستانة حتى ظهرت براءته وأعيدت إليه كرامته. ولما صار بطريركاً جاء ابن ذلك القاضي مع رهط من وجهاء مدينته وقال له: أنا آتٍ من الآستانة لتنفيذ وصية والدي المتوفي فقد قال لي: سر إلى دمشق وقبل زيارتك للجامع الأموي اذهب وقبّل يد بطرك الروم. فلما سأله عن والده عرف أنه هو الذي كان يساعده في اعتقاله.
الطاعون
لما تفشى وباء الهيضة (الهواء الأصفر) في طرابلس، هرب غريغوريوس من المدينة، شأن كثيرين، ولكنه طفق يزور المرضى ويعزي المنكوبين ويعطف على الفقراء من جميع الطوائف. ولما ألحّ عليه أصدقاؤه بالفرار، قال المطران: «ليست نفسي بأفضل من نفوس الذين لا يستطيعون الفرار من الوباء».
بطريركاً
يقول المطران ألكسندروس جحا عن معلمه البطريرك غريغوريوس حداد: «إن كلمته كانت مسموعة عند الحكومة العثمانية لدرجة أنه لم يكن يحتاج للذهاب إلى المسؤولين وإنما كان يكتفي بإرسال قواصه ليستجاب طلبه.. ويتابع الشهادة... لم يكن يطلب ما لنفسه ولا لأحد أفراد عائلته وهو لم يستغل رتبته الكنسية ولو لمرة واحدة لأغراض أو منفعة شخصية. وحتى عند زيارة أقاربه له في البطريركية لم يكن يضيفهم عنده وإنما يجعل مقامهم في الفنادق المجاورة.
وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م) تجلّت محبة البطريرك وأحشاء رأفاته على الفقراء والمرضى والمظلومين، ففتح أبواب قلبه والبطريركية لكل محتاج من أية ملّة انتمى، لا فرق، حتى دعي بـ «أب الفقراء».
«خاطت له شقيقته غنبازاً للنوم وأرسلته إليه فلما وصل إليه كان في حضرته رجل فقير رث الثياب فخلعه عليه من فوره. وبقيت شقيقته تلح عليه بقياس ذلك الثوب لتعلم ما إذا كان يناسبه وهو يقول لها: «إنني مشغول الآن»، حتى عرفت بعد أيام أنه وهبه فسكتت».
«مدّ مرة متسول يده إليه للاستعطاء فسأله راهب بقربه عن طائفته، فانتهره البطريرك قائلاً: «هل تمنع عنه الصدقة إذا كان من طائفة غير طائفتك؟ ألا يكفه ذل التسول ومد يده للاستعطاء حتى تستذلّه بسؤالك عن عقيدته؟ منح المتسول بعض الدراهم من جيبه وصرفه مسروراً مجبورا الخاطر».
كما ذكر عنه أيضاً اثناء الحرب العالمية الأولى ، مساء أحد مرفع الجبن ، التقى نساء مسلمات يشكين الجوع قائلات: نريد خبزاً يا أبا المساكين. نريد خبزاً لأطفالنا الجائعين!» فعاد أدراجه إلى الدار البطريركية وأمر بأن توزع المؤن من البطريركية، وقفل على نفسه راكعاً يصلي بين الساعة الرابعة من بعد الظهر والحادية عشرة ليلاً. ولما جاءه طباخ البطريركية عارضاً إعداد بيضتين مقليتين بالسمن مع رغيف وقطعة حلوة، أجاب: «لا يليق أن آكل وغيري يتضوّر جوعاً! أمر بأن يعطى طعامه لأول فقير يمر بالبطريركية الغد».
تأخر البطريرك يوماً عن وجبة الطعام، فحفظ له الطباخ حصة مميزة. فلما حضر ولاحظ أن ما أفرز له كان أشهى مما قدم لسواه، بادر بالقول: «أعطوني ما قدمتم لإخوتي!»...
ولما حان وقت الطعام مرة، وكان الزمن صياماً، أحضر له الطاهي إفطاره. في هذه الأثناء كان أولاد يضجون في ساحة البطريركية، فسأل عما بهم فقيل له إنهم فقراء جائعون فاستدعاهم وأعطاهم طعامه.
«لما نشبت الحرب الكبرى كان غبطته مرجعاً للفقراء والمعوزين [وتسلية للجياع والمنكوبين]، فكان يطوف أحياناً مع شماسه وقواصه [قواسه] في منعطفات وطروح الأزقة في دار البطريركية والمدرسة التي تقابلها ويعتني بإعالتهم وكثيراً ما كان يطعمهم بيده غير ناظر إلى مللهم مستديناً المال لذلك» وتضيف السيدة مالك في الهامش: «بسبب هذا زاد السلطان كمية القمح للبطريرك ثلاثة أضعاف، مع أنه كان في البداية لا يعطي المسيحيين».
إبان هذه الحرب فتح البطريرك أبواب المساعدة على مصراعيها، للجميع بلا تمييز بين مسلم ودرزي ومسيحي، حتى تراكمت وبلغت ما يوازي عشرين ألف ليرة عثمانية ذهباً فرهن صليبه الماسي الذي أهدى إليه من قيصر روسيا، ولما وجد صديق مسلم الصليب معروضاً للبيع في واجهة تاجر يهودي دفع الصديق المبلغ فوراً وأعاد الصليب إلى غريغوريوس قائلاً: «لا يليق بأحد سواك أن يتزين بهذا الصليب يا سيدنا» ولكن غريغوريوس عاد وباعه ووزع الأموال على الفقراء، ولكي يظل الأمر سراً استبدله بصليب زجاجي وضعه على لاطيته ولم يكشف الأمر إلا بعد وفاته حتى اختلس أحدهم الصليب وعرضه على أحد الصاغة في بيروت».
زار يوماً مدينة زحلة ليقيم فيها قداساً لأحد سكان المعلقة فجاءه رجل درزي وطلب إحسانه، فلم يجد في جيبه ما يعطيه إياه فصرفه بالحسنى معتذراً إليه كعادته وواعداً إياه بالتعويض عليه مرة أخرى. فما كاد الرجل يخرج من الباب حتى جاء صاحب المنزل ودفع للبطريرك خمس ليرات ذهبية عن القداس، فنادى البطريرك الرجل واستعاده إليه وأعطاه ما قبضه قائلاً: «الله بعث لنا ولك».
ومما يؤثر عنه أن الراهبة، بربارة جحا، التي تطعم المنكوبين، جاءت إليه ذات يوم متشكيّة من عدم إمكانها أن تعول الجميع لقلّة الطعام وكثرة الآكلين، وتوسلت إليه أن يقتصر على أبناء ملته الأرثوذكسية فقط، فأجابها: «غداً نرسل إليك الخبز وقد كتب على كل رغيف اسم آكله ومذهبه فاطعمي كلاً مما خصّه» وفي اليوم التالي، جاء الخبز كالعادة فتعجبت من ذلك وذهبت إليه تذكره بوعده، فقال لها: «يا ابنتي إن الله أعطانا هذا الخبز لنأكله دون نظر إلى مللنا وأجناسنا فلنبذله للجميع» فخجلت وعادت أدراجها تطعم الجميع مما يصل إلى يدها من المأكل.
روت السيدة لمياء حداد أنها وزوجها الدكتور سامي حداد، استضافا غبطة البطريرك في بيروت بعد أن أجريت له عملية الماء الزرقاء في مستشفى الجامعة الأميركية. وذات يوم أتى أحد كبار المسلمين زائراً غبطته وقد علم بفقر حاله فأعد له بدلة رسمية هدية. استقبله غبطة البطريرك وقد كان أحد الكهنة الفقراء في زيارته. شكر الزائر على هديته وبعد انصراف الزائر نادى غبطته الكاهن وطلب إليه أن يرتدي البذلة وإذا ناسبته قال له: «خذها يا بني وابقِ بدلتك الرثة هنا».
كما روى أحد أعيان صوفر أنه زار البطريرك في دار مطرانية بيروت وخلال الزيارة سمع غبطته يسأل أحد الجلوس عن الوقت، وإذ لم يكن يملك ساعة. فما كان من الثري إلا أن انتزع ساعته الذهبية وأهداها إلى البطريرك هي وكستاكها الثمين. وبعد ذلك بأسابيع، صادف أن رآه في دمشق فلم يلاحظ الساعة في حوزة البطريرك. ولما استفسر عن الأمر لدى أحد الكهنة، أجابه هذا الأخير: «بعد زيارتك لغبطته بيومين، قصدته امرأة طالبة مساعدة فقال لها البطريرك: لا مال لدي ولكن خذي هذه الساعة واذهبي إلى أحد الصاغة فهي ثمينة ولا بد أن تكفيكِ مورداً مدة طويلة».
مبايعة الملك فيصل
ربيع سنة 1920، إثر مؤتمر دمشق الذي نادى باستقلال سورية الطبيعية، بايع الوجهاء والأعيان فيه فيصلاً ملكاً عليها وكان البطريرك غريغوريوس في طليعة المبايعين، وقد بايعه باسم جميع المسيحيين من روم كاثوليك، سريان وارمن (أرثوذكس وكاثوليك) موارنة وإنجيليين وحتى اليهود.
ولما رجحت كفة الفرنسيين واضطر فيصل على أن يبرح دمشق في تموز من العام نفسه، كان غريغوريوس الوحيد الذي خرج لوداعه حفظاً للعهد وثباتاً على العقد. قال له: «إن هذه اليد التي بايعتك ستبقى على العهد إلى الأبد» فما كان من الملك فيصل سوى أن قبّلها باكياً.
وهذا الوفاء سيقابله الملك فيصل بوفاء مماثل. اتفق أن شاباً لبنانياً تعاطى التطبيب في دجلا العراق ولم يوفق، فأودعته السلطة السجن. علم ذووه أن للبطريرك كرامة لدى الملك، فارتموا على أقدامه. دبّج غبطته رسالة فحملوها إلى فيصل، فقبّلها ووضعها على رأسه، وذهب لتوّه إلى السجن بدون إعلام المسؤولين فيه. فتهيّبوا لمرآه وأخذوا له التحية. طلب من مدير السجن احضار السجين، فاحضروه [ ] قال للمدير: أخرج فيشته، فأخرجها. قال له: أتلفها والتفت إلى السجين فقال له: اذهب إلى بلدك ولا تعد إلى هنا أبداً وقبّل عني يمين صاحب الغبطة».
وكتلميذ أمين لمعلمه يسوع المسيح، الذي قال في العظة على الجبل: «أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم... لأنه إن أحببتم الذين يحبّونكم، فأي أجر لكم؟ (متى 5: 44 و46)، إليكم كيف حفظ الوصية وجسّد التعليم:
-1 سعى البطريرك غريغوريوس حداد لدى جمال باشا لكي لا ينفي البطريرك الماروني الياس بطرس الحويك المعروف بميوله بفرنسا. فلما صدر قرار جمال باشا بإخلاء سبيل البطريرك الحويك بكى غريغوريوس فرحاً. (مؤتمر عبيه، ص 50، وردت في مالك، ص 126). سوف يكافئ البطريرك الحويك الروم في وادي النصارى، بأن رفض انضمامهم إلى لبنان الكبير يوم هندسه مع فرنسة المنتدبة.
-2 كان البطريرك حداد من أول المجاهدين لتسليم البطريركية الأنطاكية إلى أهلها، وقد نجح مع اخوته مطارنة الكرسي الأنطاكي الأوفياء من عرب ويونان، في إيصال أول بطريرك عربي وهو ملاتيوس الدوماني. لذلك يعترف البطاركة اليونان في استنبول وأورشليم والاسكندرية ببطركيته. «وفي تشرين الثاني عام 1917 جاءه نبأ مفاده أن بطريرك أورشليم اليوناني (دميانوس) سيصل إلى دمشق ويبيت ليلة واحدة في البطريركية ومن ثم يكمل طريقه إلى الإقامة الجبرية في الأناضول. أما «بطريرك العرب»، وقد لقب بـ «غريغوريوس أفندي» والذي أصبح في مرتبة وزير البلاط العثماني بعدما منحه السلطان رشاد الوسام المرصّع الأعلى عام 1913 (عندما زاره البطريرك وهو في طريقه إلى روسيا ليترأس الاحتفالات بمناسبة ذكرى مرور ثلاثماية سنة على استلام آل رومانوف الحكم)، فاستخدم كل ما لديه من نفوذ لدى الباب العالي ونال أن يسمح له بضيافة البطريرك دميانوس وحاشيته المؤلفة من ثلاثة وعشرين شخصاً إلى أجل غير مسمى. دامت إقامة بطريرك أورشليم في دمشق في حمى البطريرك غريغوريوس من تشرين الثاني 1917 لغاية كانون الأول 1918 (أي سنة ونيف) إلى أن نال غريغوريوس الإذن بإعادة دميانوس إلى كرسيه عزيزاً مكرماً. وعندما سأله أحدهم: «كيف تدافع عن البطريرك اليوناني ومجمعه في القدس وهم لا يعترفون بك بطريركاً؟ أجاب: «إن دميانوس أخي في المسيحية وكذلك في الإيمان الأرثوذكسي، وهو أتاني طالباً ضيافتي، وأنا عربي والضيف عندي مكرّم والدولة العلية لا يتناقض موقفها مع حسن الضيافة».
وأجمل صورة للعيش المسيحي – الإسلامي الواحد، نلتقطها إبان الثورة السورية عام 1925 التي تزعّمها سلطان باشا الأطرش وكان على اتصال دائم بغبطته. عندما حاصر الثوار مدينة دمشق، ما كان من المجتهد الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني إلا أن قدم إلى دار البطريركية في ساعة متقدمة من الليل وطلب الاجتماع فوراً بغبطته. وإذ بالحنطور يجهز وغبطته يرتدي الزي الرسمي وركب هو والشيخ بدر الدين العربة وخرجا في الليل.
وحوالي منتصف الليل جاءت الهمسات من أهالي حي القصّاع وحي باب توما والأحياء المسيحية في دمشق تروي حالة الخوف من هجوم الثوار من الغوطة على دمشق، كما تروي أخبار شخصين يتمشيان في الشوارع والحارات والأحياء السكنية المسيحية. وقْعُ الأقدام واضح وضربة عصا غليظة تُسمع على مسافة، البعض خافوا والبعض اطمأنوا وبقي الجميع في حيرة حتى طلوع الفجر حين انجلت الحقيقة: الشيخ بدر الدين والبطريرك غريغوريوس جابا المنطقة كلها سيراً على الأقدام وبكامل زيهما الرسمي طوال الليل يطمئنان السكان».
فرادة غريغوريوس حداد في عيشه المسيحي – الإسلامي
بعد أن سمعتم بعض المواقف التي تلوتها عليكم، هل ترون فرادة في مواقفه؟ دعونا معاً نفتش عن هذه الفرادة، وحتى ندركها تعالوا معاً نستعرض ملامح العلاقات المسيحية – الإسلامية في عصر الحداد وقبله.
-1 كانت هناك علاقة صداقة وشراكة بين أعيان الأرثوذكس أمثال آل خلاط ونوفل وغريب مع حاكم إيالة طرابلس مصطفى آغا بربر (1767 – 1835).
-2 معظم أعوان ومريدي بربر من النصارى، كعائلة الصراف وغريب وصدقة، وكان وهبة صدقة من أعز أصدقاء بربر وأخصائه.
-3 نعمة الله غريب كان صديقاً حميماً للأمير بشير الكبير، كما كان على علاقة صداقة وتحاب مع أكابر المسلمين، وفي مقدمتهم عبد الحميد كرامي والشيخ محمد الجسر.
وكان لأبناء طائفة الروم الأرثوذكس مراكزهم المرموقة في المجتمع الطرابلسي، كما كان لمطارنتهم مكانة متقدمة على باقي الرؤساء الروحيين للطوائف المسيحية.
عرفت عائلة غريب بعلاقاتها الاجتماعية المميزة مع بعض العائلات السنية كاتفاق الأفندية من بني كرامة ومقدّم ومغربي وبركة وزيني وعكاري على أن يرتبوا أدواراً في أيام الشتاء يجتمعون بالسهرة كل ليلة في بيت أحدهم».
نعمة غريب يقدّم المساعدة المالية للشيخ محمد الجسر كذاك كان الوجهاء الأرثوذكس يستعينون بالمسلمين لحل مشاكلهم مع الدولة العثمانية.
الياس غريب التجأ إلى الشيخ رشيد الميقاتي.
إذا كانت العلاقات بين الأرثوذكس والمسلمين، علاقات وجهاء وأعيان أو وجهاء وحكّام، علاقات تبادل خدمات ومنافع. وهنا يسائلنا معلمنا يسوع المسيح «إذا كنتم تحبون الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟». حتى اللصوص يتعاملون بشرف، أما تلميذ يسوع، الخادم الأمين، غريغوريوس فقد كان فريداً في عيشه المسيحي مع المسلمين وغيرهم. وقد تجلت فرادته في الأمور التالية:
- لقد أحب الوجهاء والأعيان والحكام، ولم يقف هنا بل أحب أيضاً أخوة يسوع الفقراء والمساكين دون قيد أو شرط.
- ما أحب الذين أحبوه وحسب، بل أحب أيضاً الذين يعادونه، وهكذا حقق وصية يسوع «أن أحبّوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم».
- دافع وحيداً عن المظلومين من الفقراء ومن علية القوم وحتى من القضاة (قاضي طرابلس _ الملك فيصل).
- كان رجل الوفاء والوطنية، وفياً للناس وللملك فيصل وحتى للدولة العثمانية، التي أغدقت عليه القمح، لما عرفت أنه يوزعه لجميع الناس وحتى أن السلطان منحه الوسام المجيدي.
وإن كان غريغوريوس فريداً في مسلكه وتصرفه، فإن المسلمين أيضاً كانوا أهل وفاء ومروءة معه. ذاك الثري الذي اشترى له الصليب من الصائغ اليهودي وأعاده إليه. وحتى الملك فيصل أخرج الطبيب اللبناني من السجن وأرسله إلى بلاده وطالباً إليه أن يقبل عنه يد البطريرك غريغوريوس. وكذلك ذاك القاضي الذي ظهرت براءته بعد حين ، أوصى أولاده أن يذهبوا من استنبول إلى دمشق، وقبل أن يدخلوا الجامع الأموي أن يأتوا إلى بطرك الروم ويقبلوا يديه.
ولذا عند وفاته 12 كانون الأول 1928 في سوق الغرب «نقل جسده عبر بيروت إلى دمشق فاستقبله خمسون ألف مسلم دمشقي غير المسيحيين وأطلقت المدفعية مئة طلقة وطلقة فيما كانت الجماهير تصرخ: «مات أبو الفقير بطريرك النصارى وإمام المسلمين. نزلت بالعرب الكارثة العظمى»
وقد شارك الملك فيصل من العراق بمئة فارس استقبلوا نعشه، كما شارك في الجنازة عدد كبير من شيوخ المسلمين. مفتي البقاع محمد أمين قزعون قال على تابوته: «لو أجاز لنا ديننا الاعتراف بنبي بعد محمد لقلت أنت هو!» وقد قيل إن المسلمين ارادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير».
أحد التجار المسلمين الدمشقيين كان يرش الملبّس ويصيح بأعلى صوته: «هذا القديس أعالني أنا وأسرتي طيلة الحرب».
هذه الصيحة المسلمة التي أعلنت عفواً قداسة البطريرك غريغوريوس عام 1928، لقيت صداها بعد سبع وستين عاماً، عند الراهب الأرثوذكسي توما بيطار فسماه في كتابه قديساً منسياً. فلنطالب جميعاً مسلمين ومسيحيين بإعلان قداسة «غريغوريوس حداد» متذكرين أن القداسة هي دعوتنا من رب العالمين، على لسان أنبيائه في العهد القديم «كونوا قديسين كما أنا قدوس».
وفي الختام تعالوا يا ابناء آدم، لندرك «أن الناس سواسية كأسنان المشط» وأن الخلق كلهم عيال الله وأن أكرمهم عند الله أتقاهم. فلنتسابق في الخيرات مدركين أن محمداً قد أرسل رحمة للعالمين وليتمم مكارم الأخلاق، وأن عيسى ما هو إلا كلمة الله وروح منه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فلنرجع إليه يداً بيد كتفاً إلى كتف مرددين : « .... للرب الأرض بكمالها المسكونة والساكنون فيها».