XI
تقدم البشرية لا يحدث من خلال أن أفضل أفراد المجتمع يجعلون الخاضعين لسلطتهم أفضلهم، عبر استيلائهم على السلطة واستخدامهم العنف ضدهم، كما يعتقد المحافظون والثوريون كذلك، بل يحدث، أولاً، بسبب أن البشر جميعاً، باطراد ودون توقف، يستدمجون بوعي، أكثر فأكثر، الفهم الحياتي المسيحي، وثانياً، لأن البشر، بغض النظر عن نشاطهم الروحي الواعي، نتيجة لعملية استيلاء بعض الناس على السلطة وحلولهم محل آخرين، يصلون تلقائياً إلى علاقة أكثر مسيحية مع الحياة. هذه السيرورة تتحقق من خلال أن أسوأ أفراد المجتمع، الذين يستولون على السلطة ويقعون تحت هيمنتها، بتأثير من خاصيتها المثيبة إلى الرشد، المرافقة لها، يصبحون أقل فأقل قسوة، ويصبحون غير قادرين على استخدام أشكال قاسية للعنف، ونتيجة لذلك يتخلون عن مواقعهم للآخرين الذين يتعرضون، بدورهم، لسيرورة التلطيف هذه، ولما يمكن تسميته مَسْحَنَةً لاشعورية.
يحدث للناس ما يشبه عملية الغليان. جميع الناس، الذين معظمهم من أهل الفهم الحياتي اللامسيحي، يتطلعون إلى السلطة ويقاتلون لبلوغها. في هذا الصراع، عناصر المجتمع، الأشد قسوة وعنفاً والأقل مسيحية، عبر قهرهم للناس الأكثر وداعة، النزاعين للخير، الأكثر مسيحية، يرتقون، بوساطة عنفهم، إلى أعلى شرائح المجتمع. وهنا يحدث للناس المتواجدين في هذا الوضع ما تنبأ به المسيح حين قال: "الويل لكم أيها الأغنياء، الشِباع، المتمجدون" يحدث أن الناس، المتواجدين في السلطة وأسرى تبعاتها، المجد والغنى، إذ يبلغون الأهداف المحددة المختلفة التي وضعوها لأنفسهم حسب أمنياتهم، يدركون لاجدواها، ويرجعون إلى حالتهم السابقة. شارل الخامس وإيفان الرابع وألكسندر الأول، بعد أن أدركوا بطلان السلطة وشرورها، تخلوا عنها لأنهم رأوا شرورها كلها، وباتوا عاجزين عن استخدام العنف باطمئنان كعمل حسن كما كانوا يفعلون من قبل.
لكن ليس فقط "الشارلات" و"الألكسندرات" يعبرون هذه الدرب ويدركون بطلان السلطة وشرها: عبر سيرورة التهذيب هذه يمر كل إنسان يحوز السلطة التي كان يصبو إليها، ليس فقط كل الوزراء والجنرالات والمليونيريين والتجار بل كذلك الموظفون الذين وصلوا إلى الوظائف التي تمنوها عشرة أعوام، وكل الفلاحين الأثرياء الذين راكموا ثروتهم روبلاً فوق روبل.
لا يعبر هذه السيرورة الأفراد بل ومجموع الناس، شعوب بأكملها. إغراءات السلطة وكل ما تقدمه: الغنى، التمجيد، العيش المترف، تعد غاية جديرة بنشاط الناس إلى أن يتم بلوغها، لكن ما إن يبلغها الإنسان حتى تنفضح تفاهتها، وتفقد شيئاً فشيئاً جاذبيتها، كالسراب الذي له شكل وجمال فقط من بعيد، ما إن يبلغه المرء حتى تختفي روعته كلها.
الناس، الحائزين السلطة والثروة، أحياناً معظمهم يكونون ورثة الذين حازوا السلطة والثروة، يكفون عن أن يكونوا متعطشين، إلى هذا الحد، إلى السلطة، وعن أن يكونوا قساة من أجل حيازتها.
إذ يخبر الناس، بتأثير من المسيحية، لاجدوى ثمار العنف، عبر جيل واحد أحياناً، وأحياناً خلال بضعة أجيال، يفقدون الرذائل التي تثير شهوتهم لحيازة السلطة والثروة، وإذ يصبحون أقل قسوة يتخلون عن مناصبهم، ويتخلون عن السلطة لأناس آخرين، أقل مسيحية، أشر، وينحدرون إلى شريحة اجتماعية أدنى من حيث الموقع، لكن أعلى أخلاقياً، مرتقين بمستوى الوعي المسيحي لدى الناس جميعاً. لكن، مرة أخرى، في إثرهم مباشرة، ترتقي عناصر المجتمع الأسوأ، الأشد فظاظة، الأقل مسيحية، وثانية يتعرضون للسيرورة ذاتها التي تعرض لها الذين سبقوهم، وثانية، خلال جيل واحد أو بضعة أجيال، إذ يخبرون لاجدوى ثمار العنف ويتشربون بالمسيحية، ينزلون إلى وسط المقهورين، ومرة أخرى يحل محلهم قاهرون جدد، أقل فظاظة من السابقين، لكنهم أكثر فظاظة من الذين يقهروهم. بالتالي، رغم أن السلطة تبقى على حالها، من حيث شكلها الخارجي، كلما تبدل الناس المتواجدون في السلطة، يزداد أكثر فأكثر عدد الذين يتوصلون، عبر خبرة الحياة، إلى ضرورة استدماج الفهم الحياتي المسيحي، مع كل تبدل للأشد فظاظة وقسوة والأقل مسيحية من الآخرين بالأقل فظاظة والقسوة والأكثر مسيحية من الذين كانوا في أسر السلطة.
العنف يختار ويجذب إليه أسوأ عناصر المجتمع، فيعيد تشكيلهم، وبعد أن يحسنهم ويهذبهم يعيدهم إلى المجتمع ثانية. هذه هي السيرورة التي عن طريقها تأسر المسيحية المزيد فالمزيد من الناس، بغض النظر عن العنف الذي تمارسه سلطة الدولة، الذي يعيق تقدم البشرية. المسيحية تنفذ إلى وعي الناس ليس فقط رغم عنف السلطة بل وعن طريقها.
لذا فإن تأكيد المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا ما ألغي عنف الدولة فسوف يتسلط الأشرار على الأخيار، ليس فقط لا يثبت خطر تسلط الأشرار على الأخيار، فهذا بالذات هو ما يحدث، بل، على العكس، يثبت أن عنف الدولة، الذي يمنح الأشرار إمكانية التسلط على الأخيار، هو الشر المطلوب القضاء عليه، والذي تقضي عليه الحياة ذاتها.
"لكن حتى إذا كان صحيحاً أن عنف الدولة سيتوقف حين يغدو الحائزون السلطة مسيحيين إلى درجة الامتناع عن استخدامها، وبحيث لا يُعثر على أناس مستعدين لحلول محلهم، وإذا كان صحيحاً أن هذا ما سيحدث، فمتى قد يحدث ذلك؟ إذا كانت قد مرت 1800 سنة وما زال هناك الكثير جداً من الراغبين في التسلط والقليل جداً من الراغبين في الطاعة، فلا يوجد أي احتمال ليس فقط لقرب حدوث ذلك، بل لحدوث ذلك إطلاقاً".- يقول المدافعون عن النظام القائم.
"حتى لو كان هناك، كما كان هناك من قبل، بين الناس جميعاً أناس يفضلون التخلي عن السلطة على استغلالها، فإن عدد البشر الذين يفضلون التسلط على الخضوع من الكثرة بحيث يصعب تصور حلول زمن يُستنفد فيه هذا العدد."
لكي تجري عملية مَسْحَنَةِ الناس جميعاً، لكي يتحول الناس جميعاً -الواحد تلو الآخر- من الفهم الحياتي الوثني إلى المسيحي، ويرفضون طوعاً السلطة والثروة بحيث لا يرغب أحد فيهما، لا يلزم فقط أن يتحول إلى المسيحية كل أولئك الأفظاظ، شبه الهمجيين، غير المؤهلين إطلاقاً لاعتناق المسيحية والالتزام بها، والذين عددهم كبير جداً في كل المجتمعات المسيحية، بل كذلك كل الشعوب الهمجية واللامسيحية عموماً، التي ما زالت كثيرة العدد. بالتالي، حتى لو افترضنا أن عملية مَسْحَنَةِ الناس جميعاً سوف تتحقق في وقت من الأوقات، فنظراً إلى مدى تحرك هذا الأمر خلال 1800 سنة، فإن هذا قد يحدث خلال عدة "1800 سنة" لذا ينبغي عدم التفكير في القضاء على السلطة في الوقت الراهن، وإنما يجب فقط الحرص على وقوع السلطة في أيدي أفضل الناس."
على هذا النحو يفترض المدافعون عن النظام القائم. وكان هذا الرأي صائباً تماماً لو أن تحول البشر من فهم حياتي ما إلى آخر يحدث فقط عن طريق هذه العملية التي يدرك، بموجبها، كل إنسان على حدة، واحدهم تلو الآخر، من خلال التجربة، تفاهة السلطة ويدرك، باطنياً، الحقائق المسيحية.
هذه العملية تحدث دون توقف، والناس يتحولون، واحدهم تلو الآخر، بهذه الطريقة، إلى صف المسيحية. لكن الناس لا يتحولون، واحدهم تلو الآخر، إلى صف المسيحية عبر هذه الطريق الداخلية فقط بل كذلك عبر طريقة خارجية والتي بموجبها تنتفي تدريجية هذا التحول.
إن تحول البشر من نظام حياة إلى آخر لا يحدث دائماً كانسكاب الرمل في الساعة الرملية: ذرة رمل تلو الأخرى حتى آخر ذرة رمل، بل، بالحري، كما ينسكب الماء في وعاء ملقى في الماء حيث، في البداية، ينسكب الماء فيه ببطء ثم فجأة، بسبب ثقل الماء المنسكب فيه، تغمره المياه ويمتلئ فوراً تقريباً بالماء الذي يتسع له.
الأمر ذاته يحدث مع مجتمعات البشر عند انتقالها من فهم حياتي -وبالتالي من نظام حياة- إلى آخر. البشر، فقط في البداية، وبالتدريج وبالانتظام، واحدهم تلو الآخر، يتقبلون، بطريقة داخلية، حقيقة جديدة ويتبعونها في حياتهم، وعند انتشار معين للحقيقة يبدأون باستدماجها، لكن ليس بطريقة داخلية، ليس بانتظام، بل فوراً، وتلقائياً تقريباً. لذا، فإن رأي المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا كان على امتداد 1800 سنة فقط عدد قليل من الناس قد تحولوا إلى صف المسيحية، وأنه يلزم عدة "1800 سنة" حتى يتحول الآخرون جميعاً إلى صفها، ليس صحيحاً. هذا الرأي ليس صحيحاً لأن هذه المجادلة لا تأخذ بنظر الاعتبار الطريقة الأخرى، عدا البلوغ الداخلي للحقيقة، لاستدماج البشر الحقيقة الجديدة، وانتقالهم من نظام حياة إلى آخر.
الطريقة الأخرى لاستدماج الناس حقيقةً منكشفة حديثاً وانتقالهم إلى نظام جديد للحياة تكمن في أن الناس يستدمجون هذه الحقيقة ليس فقط لأنهم يدركونها بحس نبوئي أو عبر خبرة الحياة، بل كذلك لأن -عند حد معين لانتشار الحقيقة- الناس الأدنى تطوراً يتقبلونها جميعاً مباشرة من خلال ثقتهم وحدها بالذين تقبلوها داخلياً، ويلحقونها بالحياة.
كل حقيقة جديدة، تغير نظام الحياة الإنسانية وتطوّر الإنسانية إلى الأمام، تتقبلها، في البداية، فقط عدد قليل جداً من الذين يفهمونها داخلياً. أما بقية الناس، الذين تقبلوا، عبر الثقة، الحقيقة السابقة التي يقوم عليها النظام القائم، فيعارضون دوماً انتشار الحقيقة الجديدة.
لكن، بما أن البشر لا يراوحون مكانهم بل يتطورون دون توقف، مدركين الحقيقة أكثر فأكثر ومقتربين إليها خلال حياتهم؛ وبما أن كل الناس الأقرب إلى استيعاب الحقيقة داخلياً، تبعاً لأعمارهم وتربيتهم وأصنافهم، بعضهم فوق بعض درجات، بدءاً من الأقدر على فهم الحقائق المكتشفة حديثاً داخلياً وصولاً إلى الأقل قدرة على ذلك، واحدهم تلو الآخر، في البداية عبر فترات انتقالية طويلة، وبعد ذلك يتحولون، أكثر فأكثر، إلى جانب الحقيقة الجديدة؛ فإن عدد الذين يدركون الحقيقة الجديدة يزداد أكثر فأكثر، والحقيقة تغدو مفهومة أكثر فأكثر. وكلما استوعب الناس الحقيقة الجديدة أكثر، وأصبحت الحقيقة مفهومة أكثر، ازداد يقين الباقين، الواقفين على درجة أدنى من حيث قدرتهم على الفهم، وسهل عليهم أكثر إدراكها، وازداد عدد مستوعبيها. وهكذا تجري الحركة، متسارعة أكثر فأكثر، ومتسعة أكثر فأكثر، مثل كرة ثلج، إلى أن ينشأ رأي عام موافق للحقيقة الجديدة، وينتقل حشد الناس الباقي كله، وليس كلاً على حدة بل جميعهم معاً، تحت ضغط هذه القوة، إلى جانب الحقيقة الجديدة، وينشأ نظام حياة موائم لهذه الحقيقة الجديدة.
الناس، الذين ينتقلون إلى جانب الحقيقة الجديدة، التي بلغت درجة معينة من الانتشار، دائماً ينتقلون إلى جانبها أفواجاً، أفواجاً، مثل "الصابورة" التي تحفظ التوازن الوطيد والجريان الصحيح لأي سفينة. لولا "الصابورة" لما استقرت السفينة في الماء، ولتغيرت وجهتها عند أدنى تغير للظروف. "الصابورة" هذه، رغم أنها تبدو في البداية فائضة وتعيق جريان السفينة، تُعدّ شرطاً ضرورياً لتحركها الصحيح.
الأمر ذاته مع حشد الناس الذي ينتقل دائماً معاً، وليس واحدهم تلو الآخر، بتأثير من الرأي العام، من نظام للحياة إلى نظام آخر. هذا الحشد دائماً يعرقل، بعطالته، التحولات الجزئية السريعة، التي لم تختبرها حكمة البشر، من نظام حياة ما إلى آخر، ويحافظ طويلاً، من خلال خبرة نضالية طويلة الأمد، على أي حقيقة مستوعبة البشر.
وبالتالي، ليس صحيحاً الرأي القائل إنه إذا فقط قسم صغير، قلة قليلة، من البشرية قد استوعب الحقيقة المسيحية على امتداد 18 إثناً قرناً، فإن البشرية برمتها لن تستوعبها إلا بعد مرات كثيرة من الـ "1800 سنة" أي أننا، نحن الذين نعيش الآن، يجب علينا حتى عدم التفكير في ذلك. ليس صحيحاً لأن الذين يقفون على درجة أدنى للتطور، أي أولئك أنفسهم الذين يعتبرهم المدافعون عن النظام القائم عقبة أمام إقامة نظام حياة مسيحي، هم الذين ينتقلون، دائماً أفواجاً معاً، إلى جانب الحقيقة المتقبلة من الرأي العام. لذا فإن التحول في حياة البشرية الذي، تبعاً له، يتخلى الحائزون السلطة عنها، ولا يُعثر بين الناس على أناس يرغبون في الاستيلاء عليها، لن يحصل فقط حين يستوعب الناس جميعاً، الواحد تلو الآخر حتى آخرهم، بوعي، الفهم الحياتي المسيحي، بل عندما ينشأ رأي عام مسيحي محدّد ومفهوم للجميع، يخضع كل ذلك الحشد العاطل غير المؤهل لاستيعاب الحقيقة داخلياً، والخاضع دائماً، لهذا السبب ذاته، لتأثير الرأي العام. والرأي العام لا يحتاج، لكي ينشأ وينتشر، إلى مئات وآلاف السنين، وله صفة معدية للتأثير في الناس، وبسرعة كبيرة يشمل عدداً كبيراً من الناس.
سيقول المدافعون عن النظام القائم: "لكن، حتى إذا كان صحيحاً أن الرأي العام، عند درجة معينة من دقته ووضوحه، قد يجبر الكتلة المعطلة من أناس المجتمعات غير المسيحية -الشعوب غير المسيحية- والناس الفاسدين والأفظاظ الذين يعيشون في المجتمعات المسيحية، على الخضوع له فما هي المؤشرات على أن هذا الرأي العام المسيحي قد ظهر، وعلى أنه قادر على الحلول محل العنف؟"
"لا ينبغي المجازفة بالتخلي عن العنف، الذي يسند النظام القائم، والاتكال على القدرة اللامحسوسة واللامحددة للرأي العام، فيحين المجال للناس الهمجيين من خارج المجتمعات وداخلها أن ينهبوا ويقتلوا ويقهروا المسيحيين بشتى السبل."
"إذا كنا بمساعدة السلطة بالكاد نتخلص من العناصر اللامسيحية، المستعدة دائماً للهيمنة علينا والقضاء على كل منجزات الحضارة المسيحية، فهل، أولاً، هناك احتمال لأن يحل الرأي العام محل هذه القدرة ويكفل حياتنا. ثانياً، كيف يمكن إيجاد اللحظة التي يغدو فيها الرأي العام من القوة بحيث يحل محل السلطة؟ إلغاء السلطة والاعتماد على الرأي العام فقط لحماية أنفسنا يشبه السلوك المجنون لشخص في معرض للوحوش، والذي، بعد إلقاء السلاح من يده، يطلق كل الأسود والنمور من الأقفاص متكلاً على وداعة الوحوش المقيدة في الأقفاص."
"ولهذا، فالناس الحائزون السلطة، الذين نصبهم القدر أو الله سلاطيننا، لا يحق لهم المجازفة بكل منجزات الحضارة فقط لأنهم يريدون اختبار ما إن كان الرأي العام قادراً أو لا على الحلول محل حماية السلطة، لذا لا يجب عليهم إيقاف العنف."
الكاتب الفرنسي، المنسي حالياً، ألفونسيه كار37 كتب في مكان ما، مبرهناً على استحالة القضاء على الإعدام: "فليقدم السادة القتلة لنا أولاً قدوة نقتدي بها." وقد سمعت هذه المزحة فيما بعد كثيراً من أناس بدا لهم أن هذه الكلمات تعبر عن حجة مقنعة ولاذعة ضد إلغاء الإعدام. لكن ليس بالإمكان التعبير عن كل بطلان حجج الذين يعتبرون أن السلطات يجب عليها ممارسة العنف مادام الناس مؤهلين له بشكل أوضح من هذه المزحة بالذات.
"فليقدم القتلة لنا مثالاً- يقول المدافعون عن عنف السلطات،- عبر إلغائهم الإعدام، وحينها نحن أيضاً سنلغيه." لكن القتلة يقولون القول ذاته، وهم محقون أكثر بكثير.
يقول القتلة: "فليرينا أولئك الذين أخذوا على عاتقهم تعليمنا وقيادتنا مثالاً عن إلغاء الإعدام، ولسوف نقتدي بهم." وهم لا يقولون ذلك من قبيل المزاح بل بجدية، لأن هذه هي الحال بالفعل. "لا يمكننا الكف عن العنف لأننا محاصرون بالعنيفيين."
ما من شيء يعيق تقدم البشرية في وقتنا الراهن، ويعيق إقامة نظام الحياة الذي بات ملائماً لوعيها الحالي، أكثر من هذه المحاكمة الباطلة.
الحائزون السلطة متيقنون من أن فقط العنف هو الذي يحرك البشرية إلى الأمام ويقودها، لذا يستخدمون العنف بجرأة للحفاظ على النظام القائم. في حين أن النظام القائم يظل قائماً ليس بفضل العنف بل بفضل الرأي العام الذي يحل العنف بتأثيره. لذا فإن عمل العنف يضعف ما يريد الإبقاء عليه ويخل به.
العنف دائماً، في أحسن الأحوال، إذا كان لا يتوخى الغايات الخاصة لبعض الناس، المتواجدين في السلطة، فإنه يشجب ويحكم بالجمود على القانون الذي كان الرأي العام قد شجب معظم مضامينه وأدانه من قبل، لكن مع فارق أن الرأي العام حين يشجب ويدين كل الأفعال، المناقضة للقانون الأخلاقي، معمماً إدانته على مختلف الأوضاع، القانون المدعوم بالعنف، يدين ويتحرى مجموعة معينة وضيقة جداً من الأفعال، وكأنه بهذا يبرر كل الأفعال التي من هذا القبيل، والتي لا تدخل ضمن تحديده. بينما الرأي العام، منذ عصر النبي موسى، يعتبر الجشع والفجور والقسوة شروراً ويدينها. وهو يشجب ويدين شتى أشكال الجشع، ليس فقط الاستيلاء على ممتلكات الغير بالقوة والخداع والمكر، بل والاستخدام المتعسف لها، يُدين شتى أنواع القسوة التي تتجلى عبر الضرب، أو الإعالة السيئة، أو عبر قتل ليس البشر فقط بل والحيوانات. أما القانون القائم على العنف فيتحرى فقط أشكالاً معينة من الجشع، كالسرقة والاحتيال، وأشكالاً معينة من الفجور، كالخيانة الزوجية، والقتل والتشويه، سامحاً، نتيجة لذلك، بكل تجليات الجشع والفجور والقسوة التي لا تدخل ضمن تحديده الضيق والقابل لتأويلات باطلة.
لكن فضلاً عن أن العنف يُفسد الرأي العام، فإنه يخلق كذلك لدى الناس تلك القناعة المميتة بأن البشر لا يتطورون بفضل القوة الروحية التي تدفعهم إلى إدراك الحق وتحقيقه عبر تلك القوة الروحية ذاتها، بل بفضل العنف؛ أي أنه لا يقرب البشر إلى الحق أبداً بل يبعدهم عنه فحسب. هذه الأضلولة مميتة لكونها ترغم البشر على تجنب القوة الرئيسة لحياتهم -نشاطهم الروحي- وتركيز اهتمامهم وطاقتهم على النشاط السطحي المتبطل الضار بمعظمه للعنف.
هذه الأضلولة تشبه ضلال أناس يدفعون بأيديهم عجلات قاطرة بخارية لتحريكها دون أن يخمنوا أن البخار هو الذي يحرك القاطرة وليست حركة العجلات. الناس الذين يستخدمون أيديهم وعَتَلاتٍ لجعل العجلات تدور سيكونون بالكاد قادرين على تحريكها، وفي الآن ذاته سيعيقون، بهذا، الحركة الفعلية.
وهو ما يفعله الذين يعتقدون أن البشر يتطورون عن طريق العنف الخارجي. يقولون إن المسيحية لا يمكن أن تُقام من دون العنف لأن هناك شعوباً متوحشة في المجتمعات اللامسيحية، في أفريقيا، وفي آسيا (بعضهم يرى أن الصينيين يشكلون تهديداً كهذا لحضارتنا) وهناك مجرمون متوحشون طالحون كهؤلاء -حسب النظرية الجديدة في الوراثة- في المجتمعات المسيحية، وإنه لا بد من العنف لمنع هؤلاء وأولئك من تدمير حضارتنا.
لكن هؤلاء الناس المتوحشين في المجتمعات وخارجها، الذين نخيف أنفسنا والآخرين منهم، لم يُخضعوا قط بالعنف، ولن يُخضعوا الآن أيضاً.
لم تخضع الشعوب للشعوب الأخرى بالعنف وحده قط. إذا كان الشعب، الذي يخضع شعباً آخر، على درجة متدنية من حيث تطوره، فدائماً يتكرر أنه لا يستطيع فرض نظام حياته بالقوة بل، على العكس، يخضع هو لنظام حياة الشعب الذي أخضعه. إذا كان بالإمكان إخضاع شعب ما، أو جعله أقرب إلى الخضوع لهيمنة شعب آخر، فهذا ممكن بوساطة الرأي العام فقط، وليس، على الإطلاق، عن طريق العنف الذي، على العكس، يثير سخط الشعب أكثر فأكثر.
إذا كانت شعوب بأكملها قد خضعت لعقيدة دينية جديدة، وإذا كانت شعوب بأكملها قد تعمّدت أو دخلت الإسلام، فهذه التحولات لم تحدث لأن أناساً، يحوزون السلطة، قد أرغموها على ذلك (العنف، على العكس، غالباً عكس وجهة هذه التحولات) بل لأن الرأي العام هو الذي أرغمها على ذلك. في حين أن الشعوب التي أرغمت على اعتناق دين المنتصرين لم تعتنقها قط.
الأمر ذاته فيما يتعلق بأولئك الأفراد المتوحشين الذين يعيشون وسط المجتمع: لا زيادة ولا إقلال صرامة العقوبات، ولا زيادة الشرطة تقلل أو تزيد من عدد الجرائم، بل هي تقل فقط نتيجة للرأي العام. لم تقتلع يوماً العقوبات الاقتتال وسفك الدماء من جذورهما في أي من البلدان. مهما عذبوا من الشركاء بسبب السرقة فسوف يواصلون السرقة بسبب تهورهم، لأن أي فتاة لن تتزوج بشاب لا يُظهر جسارته عبر سرقة حصان أو كبش. إذا كان الناس قد كفّوا عن التبارز، والشركس عن السرقة، فليس من جراء خوفهم من التعذيب (خوف التعذيب يزيد المجازفة روعةً) بل لأن الرأي العام قد تغيّر. والأمر ذاته مع الجرائم الأخرى كلها. ليس بمقدور العنف أبداً القضاء على ما يقره الرأي العام. على العكس، يكفي فحسب أن ينبذ الرأي العام العنف صراحةً حتى ينتهي العنف، كما حدث ويحدث دائماً مع شتى أشكال التعذيب. ماذا سيحدث إذا لم يُستخدم العنف ضد الشعوب المعادية والعناصر الإجرامية في المجتمع؟ لسنا ندري، لكن كون أن العنف لا يُخضع لا هؤلاء ولا أولئك، فهذا نعرفه من خلال خبرتنا المديدة.
كيف يمكن بالقوة إخضاع شعب تقوم كل تربيته وتقاليده وحتى عقيدته الدينية على أن الفضيلة الأسمى تكمن في محاربة المستعبدين وفي التوق إلى الحرية؟ وكيف يمكن بالعنف اجتثاث الجريمة من مجتمعاتنا إذا كان ما تعتبره الحكومات جريمة يعتبره الرأي العام بطولة؟ بالإمكان تدمير شعوب وأناس كهؤلاء بالعنف، كما يحدث الآن، لكن يستحيل إخضاعهم. القوة الأساسية التي تحرك البشر والشعوب دائماً كانت، وما زالت، قوة واحدة غير مرئية وغير محسوسة؛ مجموع القوى الروحية لجماعة معينة من البشر وللبشرية برمتها، والتي تتجلى في الرأي العام.
العنف يضعف فحسب هذه القوة، يعيقها، يحرفها، ويستبدل بها نشاطاً آخر، ليس فقط غير مفيد لتقدم البشرية بل وضاراً به، في حين أن الرأي العام يقيم حياة مسيحية فقط، تصرفات مسيحية فقط، قدوات مسيحية فقط. وللهيمنة على الذين لم يخضعوا للمسيحية حتى الآن، مع توفر وسيلة واحدة، واحدة فقط، للقيام بذلك، بشر زماننا يفعلون تماماً عكس ما يمكن أن يوصلهم إلى غايتهم.
من أجل إخضاع الشعوب البدائية، التي لا تمسّ بنا والتي لا مبرر لدينا لاضطهادها، للمسيحية، نحن، بدلاً من تركهم وشأنهم و، عند الضرورة أو عند الرغبة في التقرب إليهم، التأثير فيهم فقط عبر معاملتهم معاملة مسيحية، عبر التعليم المسيحي، عبر الأعمال المسيحية المؤكدة بحق، كالصبر والوداعة والنزاهة والطهارة والأخوة والمحبة، بدلاً من ذلك، مبتدئين ببناء أسواق جديدة بينهم من أجل تجارتنا التي غايتها منفعتنا فقط، نحتل أرضهم، أي ننهبهم، ونبيعهم النبيذ والتبغ والأفيون، أي نفسدهم، ونقيم نظمنا بينهم، فنعلمهم العنف وكافة أساليبه، أي اتباع قانون الصراع البهيمي فقط، الذي لا يمكن للإنسان أن ينحط أدنى منه، نفعل كل ما يحجب عنهم كل ما هو مسيحي فينا. وبعد ذلك، نرسل إليهم عشرين مبشراً ليثرثروا بالهراء الكنسي المختلق، ونورد خبراتنا هذه في إدخال البدائيين إلى المسيحية كإثباتات لا تدحض لاستحالة إرفاق الحقائق المسيحية بالحياة.
والأمر ذاته بالنسبة للذين ندعوهم المجرمين، والذين يعيشون في مجتمعاتنا. من أجل إخضاع هؤلاء الناس للمسيحية هناك وسيلة واحدة ووحيدة: الرأي العام المسيحي الذي يمكن تشكيله وسط هؤلاء الناس فقط من خلال التعليم المسيحي الحق، المؤكد من خلال قدوة حياة مسيحية حقة.
وها نحن، للتبشير بهذا التعليم المسيحي وتأكيده بقدوة مسيحية، نقيم وسط هؤلاء الناس السجون والمقاصل والمشانق والإعدامات، والتحضيرات للقتل، التي نبذل كل قوانا لأجلها، نقيم لأجل الشعب عبادة الأصنام التي مهمتها تخديرهم، ننظم التجارة الحكومية لبيعهم السموم المخدرة- النبيذ والتبغ والأفيون، ننشئ حتى الدعارة، نعطي الأرض لمن ليس بحاجة إليها، نبني مناظر مترفة وسط الفقر. نقضي على كل إمكانية لتشكّل أي رأي عام شبه مسيحي، وندمر بعناية الرأي العام المسيحي قيد التشكل، وبعد ذلك، هؤلاء أنفسهم الذين أفسدناهم نحن بعناية، عبر سجنهم، كوحوش مفترسة، في أماكن لا يمكنهم الفرار منها، والتي يزدادون توحشاً فيها، أو عبر قتلهم- هؤلاء الناس أنفسهم، الذين أفسدناهم من جميع الجهات، نوردهم براهين على استحالة التأثير في الناس سوى بالعنف الفظ.
يحدث شيء شبيه بما يقوم به الأطباء الجهلة حين يضعون مريضاً، يتماثل للشفاء بفضل قدرة الطبيعة، في أسوأ الشروط الصحية، ويحشونه بالأدوية السُمّية، ثم يؤكدون أن المريض لم يمت بفضل تطبيبهم وعلاجهم، في حين أن المريض كان سبيل من مرضه منذ زمن بعيد لوأنهم تركوه وشأنه.
العنف، الذي يقدّم على أنه الوسيلة التي يقوم عليها نظام الحياة المسيحي، ليس فقط لا يخلق هذا التأثير بل، على العكس، يمنع النظام الاجتماعي عن أن يكون ما يمكنه وما يجب أن يكونه.
النظام الاجتماعي هو على النحو الذي عليه ليس بفضل العنف بل رغم العنف. ولهذا ليس صحيحاً تأكيد المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا كان العنف بالكاد يمنع العناصر الشريرة اللامسيحية عن مهاجمتنا، فإن إلغاء العنف واستبداله بالرأي العام لن يحمي الإنسانية. وهذا غير صحيح لأن العنف لا يحمي الإنسانية بل، على العكس، يحرم الإنسانية من الإمكانية الوحيدة لحماية نفسها فعلياً عبر تشكيل وإشاعة رأي عام مسيحي في نظام الحياة القائم. فقط عند إلغاء العنف سيكف الرأي العام المسيحي عن الانحراف، وستتوفر له الإمكانية للانتشار دون عوائق، وسيكف البشر عن السعي إلى ما ليسوا بحاجة إليه، بل سيسعون إلى تلك القوة الروحية القادرة على تطويرهم.
لكن، ما السبيل للتخلي عن الحماية، والعيانية والمحسوسة، لحارس يحمل مسدساً، والاتكال على شيء غير مرئي وغير محسوس كالرأي العام؟ هل هو موجود حقاً أو لا؟ والأهم هو أننا نعرف نظام الأشياء الذي نعيشه. سواء كان جيداً أم سيئاً، نحن نعرف عيوبه واعتدنا عليه، نعرف كيف نتصرف، وماذا يجب أن نفعل في الظروف الراهنة، لكن ماذا سوف يحدث إذا تخلينا عنه واتكلنا على شيء غير مرئي وغير محسوس ومجهول كلياً؟
يبدو ذلك المجهول، الذي سيدخله البشر إذا ما تخلوا عن النظام المعروف للحياة، مخيفاً لهم. لكن الخوف من المجهول أمر جيد إذا كان وضعنا، المعروف لنا، وطيداً ومضموناً، لكن وضعنا ليس فقط ليس مضموناً بل نعرف يقيناً أننا نقف على شفير الهلاك. وإذا كان لا بد من الخوف فيجب أن نخاف مما هو مخيف فعلاً، وليس مما نظنه مخيفاً.
بخوفنا من السعي للفكاك من الظروف المهلكة لنا فقط لأن المستقبل ليس معروفاً تماماً، نحن نشبه مسافرين على ظهر سفينة تغرق، إذ يخشون صعود القارب الذي سينقلهم إلى الشاطئ يلوذون بممراتهم ويرفضون مغادرتها، أو كأغنام، بسبب خوفها من النار، تلتصق ببعضها في الحظيرة، ولا تخرج من الباب المفتوح.
ترى هل يجوز لنا، نحن الواقفون على أعتاب حرب وثورات داخلية مرعبة من حيث كارثيتها وتدميرها، حرب يقول عنها الذين يتجهزون لها أن أحداث عام 1893 ستكون مجرد لعبة، أن نتحدث عن الخطر الذي يتهددنا من قبائل "الداغوم" و"الزولو" وغيرها من القبائل التي تعيش وراء البحار، ولا نفكر في مهاجمتنا، ومن بضعة آلاف من المحتالين واللصوص والقتلة الذين خدّرناهم وأفسدناهم نحن، والذين لا ينخفض عددهم رغم محاكمنا وسجوننا وإعداماتنا كلها.
عدا عن أن هذا الخوف من إلغاء حراسة شرطي خفير إنما هو، بمعظمه، خوف أهل المدن، أي الناس الذين يعيشون في شروط مصطنعة وغير طبيعية. الناس، الذين يعيشون في شروط حياة طبيعية، أي ليس في المدن بل وسط الطبيعة، مصارعين إياها، يعيشون دون هذه الحراسة، ويعلمون مدى ضآلة قدرة العنف على حمايتهم من المخاطر الحقيقية التي تحيط بهم. في هذا الخوف هناك شيء ما مرضي يتعلق غالباً بالظروف غير الطبيعية التي عاش وترعرع الكثيرون منا فيها.
أخبر طبيب أمراض نفسية أنه، مرة في الصيف، حين كان يغادر المشفى، رافقه المرضى النفسيون إلى باب المستشفى. "فلتذهبوا معي إلى المدينة،" عرض عليهم الطبيب. فوافق المرضى، وسار الحشد الصغير وراء الطبيب. لكن، كلما ابتعدوا أكثر، حيث الحركة الحرة للناس الأصحاء، ازداد تهيبهم والتصقوا أكثر بالطبيب معيّقين سيره. وفي نهاية المطاف راح الجميع يتوسلونه العودة إلى المستشفى، إلى نمط حياتهم المجنون والمعتاد، إلى الحراس والضرب والأكمام الطويلة والغرف الإنفرادية.
كذلك يتلاصق وينجذب إلى الوراء، إلى نظام حياتهم المجنون، إلى مصانعهم ومحاكمهم وسجونهم وإعداماتهم وحروبهم، الناس الذين تدعوهم المسيحية إلى الحرية، إلى حياة العصر القادم الحرة والعقلانية.
يقول الناس: "ما الذي سيضمن حياتنا إذا زال النظام القائم؟ كيف هي تحديداً، وما مضمون، النظم الجديدة التي ستحل مكان الحالية؟ لن نسير إلى الأمام ولن نتزحزح من مكاننا إلى أن نعرف كيف ستتركب حياتنا بالضبط." هذا الطلب كطلب شخص يستكشف بلداً جديدة حين يطلب وصفاً تفصيلياً للبلد الذي سيدخله.
إذا كانت حياة الفرد، عند انتقاله من عمر إلى آخر، معروفة له، فلن يعود لديه سبب للعيش. الأمر ذاته مع حياة البشرية: لو كان لديها برنامج للحياة التي تنتظرها عند انتقالها إلى عمر جديد فهذا هو المؤشر الأوثق إلى أنها لا تعيش، لا تتقدم، بل تراوح مكانها.
لا يمكننا أن نعلم ظروف الحياة الجديدة لأن علينا إبداعها. تكمن الحياة فقط في إدراك المجهول وتكييف نشاطنا مع هذا الإدراك الجديد. في هذا تكمن حياة كل فرد على حدة، وحياة المجتمعات البشرية، وحياة البشرية ككل.
إن حال العالم المسيحي، بسجونه وأشغاله الشاقة ومشانقه، بمعامله ومراكمته رؤوس الأموال، بضرائبه، بكنائسه وحاناته وبيوت دعارته، بالتسلح المتنامي وملايين الناس المخدرين، الجاهزين، ككلاب برية، للانقضاض على الذين يهيجهم صاحبهم للانقضاض عليه، لكانت مرعبة لو كانت نتاج العنف. لكنها، قبل أي شيء آخر، نتاج الرأي العام. وما يقيمه الرأي العام ليس فقط يمكنه هدمه أيضاً، بل هو يهدمه الآن. ملايين الأموال، عشرات الملايين من المجندين النظاميين، القدرة المذهلة لوسائل التدمير، في ظل المؤسسات التي بلغت منتهى الكمال، مع جيش كامل من الذين مهمتهم خداع الشعب وتخديره، وهذا كله مُهَيْمَنٌ عليه بوساطة الكهرباء الذي يختصر المسافات، من قبل أناس لا يعتبرون هذا التنظيم مفيداً لهم فحسب بل وأنهم سيهلكون حتماً من دونه، لذا يستخدمون كل قدراتهم العقلية للإبقاء عليه- تبدو قوة لا تقهر.
غير أنه يكفي فحسب تخيل مآل الأمر الذي لا يمكن لشيء إيقافه حين ينشأ بين الناس، بذات القوة والعمومية التي للرأي العام الوثني، رأي عام مسيحي يحل محل الوثني، بحيث يخجل معظم البشر من المشاركة في العنف واستخدامه كما يخجل الآن من الغش والسرقة والتسول والجبن، حتى يزول، من تلقاء ذاته دون قتال وعنف، نظام الحياة المعقّد الذي يبدو بهذا الجبروت. ولكي يحدث هذا لا يلزم أن يدرك البشر شيئاً جديداً، بل يلزم فقط زوال الضباب الذي يحجب عن الناس معنى بعض أعمال العنف، يلزم أن يحل الرأي العام المسيحي المتنامي محل الرأي العام الوثني البالي الذي يحلل ويبرر العنف. يلزم فقط أن يخجل الناس من القيام بأعمال العنف والمشاركة فيها واستغلالها، كما يخجل المرء الآن من أن يكون غشاشاً أو لصاً أو جباناً أو متسولاً. وهو ما بدأ يحدث الآن. لكننا لا نلاحظ ذلك فحسب، كما أن المتحرك لا يلاحظ حركة الذي يتحرك بجواره.
صحيح أن نظام الحياة يبقى، بسماته الأساسية، كذلك عنيفاً، كما كان قبل ألف عام، وليس فقط كما كان بل حتى أشد عنفاً في بعض النواحي، خاصة في الإعدادات الحربية وفي الحروب ذاتها، لكن الرأي العام المسيحي الناشئ، الذي يجب أن يغيّر نظام الحياة الوثني برمته حين يبلغ مستوى معيناً في تطوره، قد بدأ يفعل فعله. الشجرة اليابسة تقف بذات الصلابة التي كانت عليها من قبل -بل تبدو أكثر صلابة لأنها أصبحت أقسى- لكنها بدأت تنخر من داخلها، وتتهيأ للسقوط. والأمر ذاته مع نظام الحياة العنفي الراهن. الحال الظاهرية للناس هي ذاتها: بعضهم قاهرون وبعضهم مقهورون، لكن نظرة كليهما، القاهرين والمقهورين، إلى معنى واستحقاق وضع هؤلاء وأولئك لم تعد ذاتها.