VI
إن حل التناقض بين الوعي والحياة ممكن بطريقتين: إما تغيير الحياة وإما تغيير الوعي. والمفروض أن لا يكون هناك شك في أيهما يجب أن يقع عليه الاختيار. فالإنسان قادر على الكف عن القيام بما يعتبره سيئاً لكنه ليس قادراً على الكف عن اعتبار ما هو سيئ سيئاً.
كذلك تماماً البشرية برمتها. يمكنها الكف عن القيام بما تعتبره سيئاً لكنها لا تستطيع ليس تغيير فحسب بل وكبح، ولو مؤقتاً، إدراك ما هو سيئ، وبالتالي يجب ألا يكون موجوداً، وهذا الوعي يزداد وضوحاً وانتشاراً أكثر فأكثر. المفروض أن الاختيار بين تغيير الحياة وتغيير الوعي يجب أن يكون واضحاً ولا شك فيه. بالتالي، المفروض أن لا مناص أمام الإنسانية المسيحية في زماننا من نبذ أنماط الحياة الوثنية المدانة من قبلها، وبناء حياتها على الأسس المسيحية التي تقر بها.
ولكان هذا قد حدث لولا قانون قوة العطالة، الثابت في حياة البشر والشعوب بقدر ثباته في الأجسام غير الحية، والذي يتجلى بالنسبة للبشر في قانون علم النفس، كما يتجلى بهذا الوضوح في الإنجيل من خلال الكلمات التالية: "وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة." (يوحنا: 3، 19). فحوى هذا القانون هو أن معظم البشر لا يتفكرون لكي يعرفوا الحق وإنما لكي يقنعوا أنفسهم أنهم على حق، وأن الحياة التي يعيشونها، والتي تلتذ لهم واعتادوا عليها، هي الحياة التي تتطابق والحق.
كانت العبودية تناقض كل المبادئ الأخلاقية التي كان يدعو إليها أفلاطون وأرسطو غير أن لا هذا ولا ذاك رأيا ذلك لأن إلغاء العبودية كان سيهدم مجمل الحياة التي كانا يعيشانها. والأمر ذاته يحدث في عالمنا.
وإن انقسام البشر إلى طبقتين، مثله مثل عنف الدولة والعنف الحربي، يناقض كل المبادئ الأخلاقية التي يعيش عالمنا بموجبها، ورغم ذلك، فالناس المتعلمون، القدوة، في زماننا كأنهم لا يرون ذلك.
معظم، إن لم يكن كل، الناس المتعلمين في زماننا يحرضون، لاشعورياً، على المحافظة على فهم الحياة المجتمعي السابق، الذي يبرر أوضاعهم، وعلى إخفاء تهافته عن أنفسهم وعن الناس، والأهم منع استيعاب الفهم الحياتي المسيحي الذي يهدم مجمل بنيان الحياة الراهنة. إنهم يطمحون إلى الحفاظ على النظم القائمة على الفهم الحياتي المجتمعي، لكنهم لا يؤمنون به لأنه بات بالياً ولم يعد بالإمكان الإيمان به.
الأدبيات كلها —الفلسفية والسياسية والآداب الرفيعة— في زماننا تثير الاستغراب في هذا الخصوص. يا لغنى الأفكار والأشكال والألوان، يا لسعة العلم والفصاحة ووفرة الأفكار، وبالمقابل ليس فقط لا لانعدام المضمون الجاد بل ويا للخوف أمام أي دقة للأفكار وتعبيراتها، يا للمواربات والاستعارات والنكات والمفاهيم الشاملة العامة، لكن ما من شيء بسيط وواضح يتعلق بالأمر، أي بسؤال الحياة.
ناهيكم عن الأمور العبثية الطريفة التي تُكتب وتُقال. تُكتب وتُقال أيضاً، بصورة مباشرة، أشياء شنيعة وهمجية. تُكتب وتُقال، بأدق الطرق، أفكار تعيد البشر إلى الوحشية البدائية، والتي لا تعيد البشر إلى الحياة الوثنية وإنما إلى الحياة البهيمية التي كنا نعيشها قبل 5000 سنة.
ولا يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر. فالبشر، إذ ينكرون الفهم الحياتي المسيحي الذي يهدم النظام المعتاد، لا يمكنهم إلا أن يتقهقروا إلى الفهم الحياتي الوثني، وإلى التعاليم المبنية عليه. في زماننا لا يُبشر بالوطنية فقط بل وبالأرستقراطية، كما كان يُبشر بها قبل 2000 سنة، لكن بأبيقورية وبهيمية بمنتهى الفظاظة، مع فارق واحد فقط هو أن الذين كانوا يبشرون بها كانوا يؤمنون بما يبشرون به، أما الآن فالدعاة أنفسهم لا يؤمنون بما يقولونه، ولا يمكنهم الإيمان به لأن ما يبشرون به لم يعد له معنى. لا يجوز البقاء في الخلف. ومن الغريب والمخيف القول إن الناس المتعلمين في زماننا، الرواد من حيث محاكماتهم العقلية الدقيقة، في الحقيقة يجرون المجتمع إلى الوراء، ليس إلى الحالة الوثنية وإنما إلى الحالة الوحشية البدائية.
لا يُرى هذا التوجه لنشاط الناس الرواد في زماننا كما يُرى في تعاملهم مع الظاهرة التي تعكس، بشكل مركز، كل تهافت فهم الحياة المجتمعي، —تجاه الحرب، تجاه التسلح الشامل والخدمة العسكرية الإلزامية العامة.
إن عدم دقة، إن لم يكن سوء نية، تعامل المثقفين في زماننا مع هذه الظاهرة تثير الذهول. التعامل معها في مجتمعنا المتعلم يتم بثلاث طرق: بعضهم ينظر إلى هذه الظاهرة كشيء عرضي نشأ من جراء وضع سياسي خاص لأوروبا، ويعتبرها قابلة للتصحيح دون تغيير مجمل البنيان الداخلي لحياة الشعوب، من خلال إجراءات دبلوماسية دولية خارجية. وآخرون ينظرون إلى هذه الظاهرة كشيء مرعب، عنيف، لكنه محتوم ومستعص مثل المرض أو الموت. فريق ثالث، بهدوء وبدم بارد، يعتبر الحرب ظاهرة ضرورية وخيرة وبالتالي مرغوبة.
ينظر البشر إلى الموضوع بأشكال مختلفة، لكن هؤلاء وأولئك والفريق الثالث يجادلون في الحرب كما لو أنه حدث مستقل تماماً عن إرادة البشر الذين يخوضونها، لذا فهم لا يسمحون حتى بطرح السؤال البديهي الذي يخطر لأي إنسان بسيط: "هل أنا بحاجة إلى المشاركة فيها؟" في رأي كل هؤلاء الناس لا وجود حتى لسؤال من هذا القبيل، وأي شخص، كيفما نظر إلى الحرب، يجب عليه شخصياً، فيما يتعلق بهذا الأمر، أن يخضع بعبودية لأوامر السلطة.
تعامل الأولين، الذين يرون الخلاص من الحروب في الإجراءات الدبلوماسية الدولية، يتجلى، بصورة رائعة، في نتائج مؤتمر السلام الأخير في لندن، وفي مقالات ورسائل كتاب بارزين حول الحرب.
نتائج المؤتمر هي التالية: بعد تجميع آراء العلماء، شخصياً أو كتابياً، من شتى أنحاء العالم، المؤتمر، مبتدئاً بالصلاة في الكاتدرائية ومختتماً بالغداء على أعواد الثقاب، على امتداد خمسة أيام استمع إلى الخطابات وتوصل إلى القرارات التالية:
1- أعرب المؤتمر عن رأيه بأن النتيجة المباشرة لأخوة البشر يجب أن تكون حتماً تآخي الشعوب التي تعترف بمصالح كل شعب على حدة بصورة متماثلة.
2- أقر المؤتمر أن المسيحية عامل من عوامل التقدم الأخلاقي والسياسي للبشرية، لذا ذكر وعاظ الأناجيل والشخصيات الأخرى التي تمارس التربية الدينية بضرورة نشر مبادئ السلام والمحبة بين البشر. ولأجل هذه الغاية حدد المؤتمر الأحد الثالث من كل كانون أول، في هذا اليوم يجب المناداة، بشكل خاص، بمبادئ السلام.
3- أعرب المؤتمر عن رجائه بأن يقوم كل معلمي التاريخ بلفت أنظار الشبيبة إلى الشر المرعب الذي سببته الحرب دائماً للإنسانية، وإلى حقيقة أن الحروب، في معظم الحالات، اندلعت لأسباب تافهة جداً.
4- أدان المؤتمر التدريب العسكري في المدارس، على شكل تمارين رياضية بدنية، واقترح استبدال السرايا العسكرية، القائمة في الوقت الراهن، بسرايا خلاص. ثم أعرب المؤتمر عن تمنيه على لجان الامتحانات، التي وظيفتها وضع الأسئلة للتلاميذ، ضرورة توجيه عقول التلاميذ نحو مبادئ السلام.
5- أعرب المؤتمر عن قناعته بأن عقيدة حقوق الإنسان تتطلب حماية استقلال وحرية الشعوب البدائية والضعيفة من الظلم والعدوان، وحماية هذه الشعوب من الرذائل المنتشرة بكثرة بين الشعوب المسماة بالمتحضرة. حسب رأي المؤتمر، من أجل هذه الغاية يجب على الشعوب العمل معاً. كما أعرب المؤتمر عن تعاطفه القلبي مع اختتام أعمال مؤتمر مناهضة العبودية، المنعقد منذ فترة قريبة في بروكسل، والذي أخذ على عاتقه تحسين معيشة البدائيين الأفارقة.
6- أعرب المؤتمر عن قناعته بأن —حيث أن الخرافات والمنقولات الحربية ما زالت متجذرة بعمق لدى بعض الشعوب، وحيث أن كافة الخطابات الحربية، التي تُلقى في المجالس التشريعية من قبل بعض قواد الرأي العام، والتي تمتلئ بها وسائل الإعلام، والتي غالباً ما تكون أسباباً غير مباشرة للحروب— المرجو هو نشر شهادات دقيقة عن العلاقات بين الشعوب. ولهذه الغاية اقترح المؤتمر تأسيس جريدة دولية تكون قادرة على تلبية المطلب المعروض أعلاه.
7- اقترح المؤتمر على الهيئة أن تنصح أعضاءها بالدفاع، في كل الحالات الممكنة، عن مشاريع توحيد المكاييل والمقاييس والنقد وتعريفة البريد والبرق... إلخ، الأمر الذي يساعد على توحيد الشعوب، بصورة فعلية، في المناحي التجارية والصناعية والعلمية.
8- نظراً للتأثير الأخلاقي والاجتماعي اللامحدود للنساء، يطلب إليهن المؤتمر إبداء دعمهن لكل ما يساعد على السلام وإلا فستقع عليهن، إلى حد كبير، مسؤولية تبعات استمرار الوضع الحربي الراهن.
9- أعرب المؤتمر عن أمله في أن تجتمع جمعيات الإصلاحات المالية وما شاكلها من جمعيات في أوروبا وأمريكا لمناقشة إجراءات إقامة علاقات تجارية عادلة بين الدول من خلال إلغاء الرسوم الجمركية. كما أعرب عن أن كل الشعوب المتحضرة تتمنى السلام وترجو، بفارغ الصبر، توقف التسلح العام. هذا التسلح، الذي يتم لغايات دفاعية كما يُقال، يُنتج الشرور بدوره لأنه يعزز عدم الثقة، وهو، في الوقت ذاته، سبب الخلل الاقتصادي الشامل الذي يعيق التصدي، في ظل الظروف الملائمة، لقضايا العمل والفقر التي كانت يجب أن تحتل المرتبة الأولى من حيث الأولوية.
10- أقر المؤتمر أن نزع السلاح الشامل هو أفضل ضمانة للسلام والخطوة الأولى للارتياح العام، ولحل المسائل التي تُقسّم الدول في الوقت الراهن، وأعرب عن أمله بانعقاد مؤتمر، في القريب العاجل، لكل ممثلي الدول الأوروبية لمناقشة الإجراءات القادرة على الوصول إلى نزع شامل للسلاح بصورة تدريجية.
11- بالأخذ بالحسبان أن تراخي أي دولة قد يمنع عقد المؤتمر المذكور أعلاه، رأى المؤتمر أن الدولة التي تقرر أولاً تسريح قسم كبير من جيشها سوف تقدم خدمة بالغة الأهمية لأوروبا وللإنسانية، حيث أنها، بعملها هذا، سترغم الدول الأخرى —تحت ضغط الرأي العام— على أن تحذو حذوها. وبتصرفها هذا هي، دون شك، لا تضعف بل تُعزز الشروط الطبيعية لحماية بلادها.
12- نظراً إلى أن مسألة نزع السلاح، مثلها مثل قضية السلام عموماً، تتوقف بدرجة كبيرة على الرأي العام، طالب المؤتمر جمعيات السلام، وكذلك كل أنصار السلام، بالعمل على الدعاية لها، خاصة أثناء الانتخابات البرلمانية من أجل إقناع الناخبين بمنح أصواتهم للمرشحين الذين يدخل ضمن برنامج عملهم إقامة السلام ونزع السلاح وتأسيس المجلس التحكيمي.
13- هنّأ المؤتمر أصدقاء السلام بالقرار الذي اتخذه المؤتمر الدولي في أمريكا (واشنطن، نيسان) والذي اعتبر أن المجلس التحكيمي الإلزامي أمر مرغوب فيه في كل النزاعات والخلافات أياً كان منشؤها، فيما عدا نقاط الخلاف التي قد تهدد استقلال إحدى الدول المعنية.
14- يلفت المؤتمر انتباه جميع رجالات الدولة الأوروبيين والأمريكيين إلى هذا القرار، ويأمل أن يتم، في القريب العاجل، توقيع اتفاقيات من هذا القبيل من قبل بقية الأمم لتجنب كافة النزاعات في المستقبل، وفي الوقت ذاته لكي تقتدي بها الدول الأخرى.
15- أعرب المؤتمر عن ارتياحه لمناسبة موافقة مجلس الشيوخ الإسباني (16 حزيران) على مشروع القانون الذي يسمح للحكومة بالمطالبة بإقرار الاتفاقيات الموضوعة بمساعدة المجلس التحكيمي لحل كل المسائل الخلافية باستثناء التي تمسّ باستقلال الدول أو بإداراتها الداخلية. أعرب المؤتمر كذلك عن ارتياحه بمناسبة اتخاذ قرار ذي مضمون مماثل من قبل البرلمان النرويجي والبرلمان الإيطالي خلال الشهر الحالي.
16- قرر المؤتمر التوجه رسمياً إلى الجمعيات السياسية والدينية والتجارية الرئيسة، وإلى نقابات العمال، برجاء أن تطلب هذه الجمعيات إلى حكوماتها اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنشاء لجنة خاصة تدخل في مهامها حل الخلافات الدولية من أجل تجنب الحروب.
17- نظراً لأن: 1) الغاية التي تسعى إليها كل جمعيات السلام هي إقامة نظام حقوقي بين الشعوب، وأن 2) نزع السلاح عن طريق الاتفاقيات الدولية يعدّ خطوة نحو هذا النظام الحقوقي، ونحو تقليل عدد البلدان التي الحرب فيها محتملة، —اقترح المؤتمر توسيع نطاق نزع السلاح، وأعرب عن أمله في بقاء كل اتفاقيات نزع السلاح، القائمة في الوقت الراهن، وأن يتم، في حال الحاجة إلى ذلك، إتمامها في المستقبل بحيث يشتمل الحياد كافة الدول، أو للتخلص من الترسانات التي تشكل خطراً على شتى أشكال الحياد، أكثر منه على الأمن. وأن يتم عقد اتفاقيات جديدة (تبعاً لرغبة الشعوب) من أجل تحييد بقية الدول.
18- اقترحت هيئة المؤتمر: 1) أن يتم تحديد أوقات عقد مؤتمرات السلام اللاحقة إما قبل انعقاد المؤتمر الدولي السنوي مباشرة، أو بعده انعقاده مباشرة، وفي ذات المدينة؛ 2) أن تؤجل مسألة الشعار العالمي للسلام إلى أجل غير مسمى.
وأن تُتّخذ القرارات التالية:
1) الإعراب عن الارتياح بمناسبة الاقتراح الرسمي من طرف الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة على رؤساء الطوائف الدينية المسيحية بأن تجتمع لإجراء نقاش مشترك حول الإجراءات التي يمكن لها أن تؤدي إلى استبدال المجلس التحكيمي بالحروب.
2) الإعراب باسم المؤتمر عن الإجلال العميق لذكرى أفريل سافي، المحامي الإيطالي الكبير، عضو اللجنة الدولية للسلم والحرية.
3) أن تُسلّم تقارير هذا المؤتمر، التي وقع عليها الرئيس، قدر الإمكان، لرؤساء الدول المتحضرة من قبل وفود ذات نفوذ.
4) أن تكون الهيئة التنظيمية مخولة بإجراء التصحيحات اللازمة للوثائق والقرارات المتخذة هنا.
5) اتخاذ القرارات التالية: أ) التعبير عن الامتنان لرؤساء كل جلسات المؤتمر؛ ب) التعبير عن الامتنان لرئيس وسكرتيري وأعضاء الهيئة الإدارية للمؤتمر؛ ج) التعبير عن الامتنان لأعضاء مختلف أقسام المجلس؛ د) التعبير عن الشكر للمشرّع سكوت هولاند، والدكتور ريفين توماس ومورغان هيتون على الكلمات التي ألقوها قبل افتتاح المؤتمر، والرجاء نسخ هذه الكلمات لطباعتها ونشرها، وكذلك لرئيس كاتدرائية القديس بولس، سيتي تيمبل، ورئيس كنيسة الشكر ستامفورد غيل، للسماح باستخدام هذه المباني من أجل غايات مجتمعية؛ هـ) توجيه رسالة لسمو الملكة على سماحها بزيارة قلعة ويندزور؛ و) وكذلك التعبير عن الامتنان للورد- العمدة السيد باسمور إدواردز وزوجته والأصدقاء الآخرين الذين أظهروا كرم الضيافة لأعضاء المؤتمر.
19- أعرب المؤتمر عن شكره للعلي القدير على الوئام الرائع الذي ساد جلسات المؤتمر، التي شارك فيها عدد كبير من الرجال والنساء من مختلف القوميات والأديان من أجل العمل المشترك المتكاتف، وعلى انتهاء أعمال المؤتمر بنجاح.
كما أعرب المؤتمر عن إيمانه الراسخ واللامتزعزع بالانتصار النهائي للسلام وللمبادئ التي تم إقرارها في هذه الجلسات.
الفكرة الأساسية للمؤتمر هي أنه لا بد، أولاً، من نشر، بكافة السبل وبين جميع الناس، قناعة مفادها أن الحرب ليست مفيدة للبشر على الإطلاق وأن السلام خير كبير، ثانياً، التأثير على الحكومات، من خلال إقناعها بأفضلية المحكمة الدولية على الحروب، ولهذا فإن نزع السلاح مفيد وضروري. من أجل تحقيق الهدف الأول يتوجه المؤتمر إلى مدرسي التاريخ، وإلى النساء ورجال الدين برجاء تعليم الناس، كل ثالث أحد من شهر كانون الأول، شرور الحرب وخيرات السلام؛ ولتحقيق الهدف الثاني يتوجه المؤتمر إلى الحكومات مقترحاً عليها نزع السلاح واستبدال التحكيم بالحروب.
تعليم الناس شر الحرب وخير السلام! لكن الناس يعلمون أن الحرب شر وأن السلام خير إلى درجة أن أفضل تحية يتبادلها الناس، منذ أن عرفناهم، هي "السلام عليكم"، فما الذي يمكن تعليمهم إياه؟ ليس المسيحيين فقط بل والوثنيين كلهم يعلمون، منذ آلاف السنين، أن الحرب شر والسلام خير. بالتالي أن يقوم وعاظ الأناجيل بتعليم شر الحرب وخير السلام في كل ثالث أحد من كانون الأول، إنما هو عبث تماماً.
لا يمكن للمسيحي إلا أن يبشر بهذا دائماً، وفي كل أيام حياته. أما إذا كان المسيحيون ودعاة المسيحية لا يقومون بذلك فلا بد أن تكون هناك أسباب لذلك. وما دامت هذه الأسباب قائمة فلن يكون هناك تأثير لأية نصائح. وتقديم النصائح للحكومات، بأن تقوم بتسريح الجيوش واستبدالها بالمحكمة الدولية، سيكون لها تأثير أقل. الحكومات أيضاً تعلم جيداً مدى صعوبة ووطأة جمع القوات والإنفاق عليها، ورغم أنها تبذل جهوداً مخيفة لتجنيد القوات والإنفاق عليها، فجليّ أنها لا تستطيع أن تتصرف بطريقة مختلفة، وتوصيات المؤتمر لا يمكنها تغيير ذلك. لكن العلماء لا يريدون إطلاقاً رؤية هذا، ويأملون إيجاد تدابير تقوم بموجبها الحكومات، التي تصنع الحروب، بتقييد أنفسها بأنفسها.
"هل بالإمكان تجنب الحرب؟ —يكتب أحد العلماء. —الجميع متفقون على أن الحرب إذا ما اندلعت في أوروبا فستكون عواقبها مشابهة لاجتياح البرابرة العظيم. في حال نشوب حرب في المستقبل فستكون القضية قضية وجود أقوام برمتها، لذا سوف تكون دموية، يائسة، ضروس".
"هذا الإدراك، بالإضافة إلى وسائل التدمير المرعبة التي بحوزة العلم الحديث، هو ما يؤخر لحظة إعلان الحرب، ويُحافظ على مجرى الأمور الحالي المؤقت، والتي كان بإمكانها الاستمرار إلى أجل غير مسمى لولا النفقات المرعبة التي تنهك الشعوب الأوروبية، وتُهدد بإيصال الشعوب إلى كوارث ليست أقل من التي تنتج عن الحروب".
"أناس من مختلف البلدان، مذهولين من هذه الفكرة، يبحثون عن سبل لإيقاف الحروب التي تتهددهم أو، على الأقل، التخفيف من عواقبها المخيفة".
"هذه هي المسائل المقرر طرحها في المؤتمر المزمع عقده في روما قريباً، من خلال نشر منشورات تتعلق بنزع السلاح".
"لسوء الحظ، لا شك في أن منع الحروب بشكل تام، في ظل النظام الحالي لمعظم الدول الأوروبية، المتنافرة عن بعضها بعضاً والمنقادة لمصالح مختلفة، هو حلم سيكون من الخطر أن يخبو. غير أن بعض القوانين والقرارات العقلانية المقبولة من قبل الجميع، في ظل هذه المبارزات بين الشعوب، يمكنها التخفيف من أهوال الحرب إلى حد كبير".
"إنها مثالية المراهنة على نزع السلاح، المستحيل تقريباً، نتيجة لأفكار ذات طبيعة شعبوية، يفهمها قراؤنا. (قد يعني هذا أن فرنسا لا يجوز لها نزع سلاحها قبل أن تأخذ بثأرها). الرأي العام ليس مهيئاً للقبول بخطط نزع السلاح، عدا عن أن العلاقات الدولية ليست على نحو بحيث يكون بالإمكان القبول بها".
"نزع السلاح الذي يطلبه شعب ما من شعب آخر يعادل إعلان الحرب".
"لكن، رغم ذلك، يمكن القبول بأن تبادل وجهات النظر بين الشعوب المعنية سوف يساعد، إلى حد معين، على عقد اتفاقية دولية، وسيتيح المجال لتقليل، إلى حد كبير، النفقات الحربية التي تُثقل، في الوقت الراهن، على كاهل الشعوب الأوروبية، على حساب حل المسائل الاجتماعية التي تشعر بضرورتها كل دولة على حدة معرّضة نفسها لخطر نشوب حرب داخلية من خلال سعيها لتلافي حرب خارجية".
"بالإمكان، على الأقل، العمل على خفض الإنفاق الحربي الهائل، اللازم في ظل النظام العسكري الراهن، الذي هدفه الاستيلاء على ممتلكات الخصم خلال أربع وعشرين ساعة، وخوض المعركة الحاسمة بعد أسبوع من إعلان الحرب!"
يجب العمل بحيث لا تكون الدول قادرة على مهاجمة بعضها بعضاً والاستيلاء على أراضي الآخرين خلال أربع وعشرين ساعة.
هذه الفكرة العملية أعرب عنها مكسيم دو كامب Maxime du camp، وخاتمة المقال توجز ذلك.
اقتراح مكسيم دو كامب هو التالي:
"1) يجب عقد مؤتمر دبلوماسي سنوياً. 2) يجب ألا تُعلَن أية حرب قبل مرور شهرين على الحدث الذي قد يستدعيها". (تكمن الصعوبة هنا في تحديد الـ Incident الذي قد يستدعي الحرب، حيث أن عد أي إعلان للحرب كـ Incident كهذه تكون كثيرة جداً، ويجب تقرير اعتباراً من أيهما يجب حساب الشهرين). "3) يجب عدم إعلان الحرب قبل أن تُصوّت عليها الشعوب التي تتجهز لها". "4) يجب عدم بدء العمليات الحربية إلا بعد مرور شهر على إعلان الحرب".
"يجب عدم البدء بالحرب... يجب... وإلخ". ومن سيفعل بحيث لا يكون بمقدور الحرب أن تبدأ؟ من يستطيع إجبار الناس على القيام بهذا العمل أو ذاك؟ من سيرغم دولة عظمى على انتظار المدة المقررة؟ الدول الأخرى كلها. لكن الدول الأخرى كلها دول عظمى مثلها بالضبط، ويجب تهدئتها ووضعها عند حدها وإرغامها. من سيرغمها؟ وكيف؟ الرأي العام. لكن إذا كان هناك رأي عام قادر على إرغام دولة عظمى على انتظار المدة المقررة فذلك الرأي العام سيكون قادراً على إرغام الدولة العظمى على عدم بدء الحرب نهائياً. لكنهم يردون على ذلك بإمكانية تحقيق توازن قوى (Ponderation des forces) بحيث تكبح الدول العظمى نفسها بنفسها. لكن هذا المطلب مطلوب الآن أيضاً. إنّه الحلف المقدس الذي كان، إنها عصبة الأمم... وهكذا دواليك.
لكن ماذا إذا وافق الجميع، يردون على ذلك. لكن إذا وافق الجميع فلن تقع الحرب، ولا حاجة إلى المحاكم العليا، ولا إلى المجلس التحكيمي، ولا الوساطة.
"سوف يحل المجلس التحكيمي والوساطة محل الحرب. سوف تُحلّ القضايا عن طريق مجلس تحكيمي، فقد حُلّت مسألة "ألاباما" عن طريق مجلس تحكيمي، واقترح البابا حل مسألة جزر كارولاينا من خلال مجلس تحكيمي. سويسرا وبلجيكا والدنمارك وهولندة —كلها أعلنت أنها تفضل قرار المجلس التحكيمي على الحرب. ويبدو أن موناكو أيضاً قد أعربت عن رغبتها في ذلك. المؤسف أن ألمانيا وروسيا والنمسا وفرنسا لم تعلن الشيء ذاته حتى الآن".
مذهلة قدرة البشر على الكذب على أنفسهم حين يكونون بحاجة إلى الكذب على أنفسهم: الحكومات ستوافق على حل خلافاتها عن طريق مجلس تحكيمي، لذا ستقوم بتسريح جيوشها. الخلافات بين روسيا وبولونيا، بين إنكلترة وإيرلندة، بين النمسا والتشيك، بين تركيا والسلاف، الخلافات بين فرنسا وألمانيا سوف تُحلّ عبر اتفاق طوعي.
لكن هذا كأن يُطلب إلى التجار والمصرفيين عدم بيع أي شيء أعلى من سعر الشراء، وتوزيع الثروة دون ربح، والتخلص تبعاً لذلك من الأموال التي لا يحتاجون إليها. لكن التجارة والعمل المصرفي يقومان على البيع بسعر أعلى من سعر الشراء، وبالتالي فالطلب أن لا يبيعوا بسعر أعلى من سعر الشراء والتخلص من المال يعادل الطلب إليهم القضاء على أنفسهم. والأمر ذاته مع الحكومات. الطلب إلى الحكومات عدم استخدام العنف، وحل الخلافات بصورة عادلة، يعني الطلب إلى الحكومات القضاء على أنفسها كحكومات؛ ولن توافق أي حكومة على ذلك.
أهل العلم يجتمعون في جمعيات (جمعيات كهذه كثيرة، تزيد على المائة)، يجتمعون في مؤتمرات (عُقدت مؤتمرات كهذه في باريس ولندن منذ فترة قريبة، وسينعقد مؤتمر في روما الآن)، يُلقون الكلمات، يتناولون الغداء، يتحدثون، يُصدرون المجلات المكرّسة لهذه الغاية، ويُبرهنون فيها كلها أن توتر الشعوب، المرغمة على الإنفاق على ملايين الجنود، قد بلغ حدوده القصوى، وأن هذا التسلح يناقض كل أهداف وخصوصيات وأمنيات الشعوب كافة، وأنه إذا كُتبت أوراق كثيرة وقيلت كلمات كثيرة فيمكن إقناع البشر بألا تكون لديهم مصالح متعارضة، وحينها لن تعدو هناك حروب.
عندما كنت صغيراً أقنعوني بأنه للإمساك بالطير يجب ذرّ الملح على ذيله. فخرجت للإمساك بالطيور وحينها أدركت فوراً أنني لكي أكون قادراً على ذرّ الملح على ذيل الطير يجب أن أكون قادراً على الإمساك به أولاً، وأدركت أنهم قد سخروا مني.
الشيء ذاته يجب أن يفهمه الناس الذين يقرأون المقالات والكتب عن المجلس التحكيمي ونزع السلاح.
إذا كان بالإمكان ذرّ الملح على ذيل الطير؛ فهذا يعني أنه لا يطير، ويسهل الإمساك به. أما إذا كان للطير جناحان، وهو لا يريد أن يُمسك به؛ فلن يتيح المجال لأن يُذرّ الملح على ذيله لأنّ الطير من صفاته الطيران. كذلك تماماً الحكومة، ليس من صفاتها الخضوع بل الإخضاع. والحكومة لا تكون حكومة بقدر ما تكون قادرة على الإخضاع بالخضوع بل الإخضاع.