IX
مازالت حال الشعوب المسيحية، في وقتنا الراهن، بذات القسوة التي كانت عليها في أزمنة الوثنية. بل غدت في كثير من الجوانب، خاصة في استعباد البشر، أشد قسوة مما كانت عليه في أزمنة الوثنية. لكن بين حالتي البشر في ذلك الوقت وفي زماننا هناك الفارق ذاته الكائن للنبات بين أيام الخريف الأخيرة وأيام الربيع الأولى. في فصل الخريف، الهمود الخارجي يستدعي حالة الاضمحلال الداخلي؛ بينما في الربيع، الهمود الخارجي يتواجد في تناقض بمنتهى الحدة مع الانبعاث الداخلي والانتقال إلى شكل جديد للحياة. والأمر هو ذاته بالنسبة للعلاقة بين الحياة الوثنية السابقة والحياة الحالية. التطابق ظاهري فقط: الحالة الداخلية للبشر في أزمنة الوثنية وفي زماننا مختلفة كلياً.
آنذاك كانت حالة قسوة البشر وعبوديتهم متوافقة تماماً مع وعي البشر الداخلي، وكل خطوة إلى الأمام كانت تعزز هذا التوافق. في الوقت الراهن، حالة القسوة والعبودية تناقض كلياً الوعي المسيحي للبشر، وكل خطوة إلى الأمام تعزز هذا التناقض فحسب.
هناك آلام تبدو غير ضرورية وغير مفيدة. هناك ما يشبه المخاض. كل شيء بات جاهزاً من أجل حياة جديدة، لكن هذه الحياة لما تتجل بعد.
يبدو أن لا مخرج من هذا الوضع. ولكان ظل هكذا لو لم تُعط للإنسان، وبالتالي للبشر جميعاً، إمكانية فهم مختلف أسمى للحياة، يُحرره فوراً من القيود التي تبدو أنها تقيّده بشكل لا انفصام له. وهكذا هو فهم الحياة المسيحي الذي هُدي الإنسان إليه قبل 1800 سنة.
يكفي أن يستدمج الإنسان هذا الفهم الحياتي حتى تتفكك، من تلقاء ذاتها، تلك السلاسل التي بدت أنها تقيّده قيداً لا ينفصم، وليشعر بنفسه حراً تماماً، كالحرية التي يشعر بها طير في مكان مسيّج ما إن يفرد جناحيه.
يجري حديث عن تحرير الكنيسة المسيحية من الدولة، عن إعطاء أو عدم إعطاء الحرية للمسيحيين. في هذه الأفكار والعبارات هناك مغالطات غريبة. فالحرية لا تُعطى للمسيحي أو لغير المسيحي ولا تُنتزع منه. الحرية هي صفة المسيحي التي لا يمكن نزعها عنه. أما إذا كان الحديث يتعلق بمنح الحرية للمسيحيين أو انتزاعها منهم؛ فمن الواضح أن الحديث لا يتعلق بالمسيحيين الفعليين وإنما بأناس يسمّون أنفسهم مسيحيين. لا يستطيع المسيحي إلا أن يكون حراً لأن أحداً، أو شيئاً، لا يستطيع منعه، أو حتى إعاقته، عن بلوغ الهدف الذي وضعه لنفسه.
يكفي أن يفهم المرء حياته كما تُعلّم المسيحية فهمها، أي أن يفهم أن حياته ملكه، أن يفهم أنه -لهذا السبب- يجب أن يطبق ليس قانونه الشخصي، قانون الأسرة أو الدولة، بل قانون الذي خلقه، القانون الذي لا يقيده شيء، حتى لا يشعر بنفسه حراً تماماً من كافة سلطات البشر فحسب بل ويكف عن رؤية أن هذه السلطات قادرة على تقييد أي كان.
يكفي أن يفهم الإنسان أن هدف حياته هو تطبيق قانون الله، وأن يستبدل هذا القانون بكافة القوانين الأخرى ويخضع له، حتى يُفقد هذا القانون، من خلال هذا الخضوع ذاته، في عينيه كل إلزامية وتقييد قوانين البشر، وليقر بقانون المحبة، الكامن في نفوس البشر جميعاً، والذي أخرجه المسيح إلى مجال الوعي، قائداً وحيداً لحياته ولحياة الناس الآخرين.
قد يتعرض المسيحي للعنف، قد يُحرم الحرية الجسدية، قد يكون عبد شهواته (فاعل الخطيئة عبد للخطيئة)، لكن لا يمكنه إلا يكون حراً بمعنى أن يُرغم، بسبب خطر ما أو تهديد خارجي ما، على القيام بعمل يناقض وعيه.
لا يمكن إرغامه على ذلك لأن وسائل القهر المستخدمة ضد بشر الفهم الحياتي المجتمعي، كالحرمانات والعذابات التي تُمارس بالعنف، ليست لها أي قدرة إرغامية بالنسبة إليه. الحرمانات والعذابات، التي تنتزع من بشر الفهم الحياتي المجتمعي الخير الذي يعيشون من أجله، ليست عاجزة فحسب عن التعدي على خير المسيحي، الكامن في إدراكه تطبيق مشيئة الله، بل هي تقويّه عندما تحل به لقاء تطبيقه هذه المشيئة.
وبالتالي؛ فالمسيحي، بطاعته القانون الإلهي الداخلي فقط، ليس فقط لا يستطيع تنفيذ أوامر القانون الخارجي عندما تخالف قانون المحبة الإلهي الذي بات يعيه، كما يحدث مع أوامر السلطات، فحسب بل ولا يمكنه كذلك الإقرار بواجب طاعة أي كان، أو أي شيء كان، لا يمكنه الاعتراف بما يُسمّى الموالاة. بالنسبة للمسيحي التعهد بالولاء لأي حكومة كانت -العمل الذي هو أساس الحياة الدولية- هو خروج صريح من المسيحية، لأن الإنسان، الذي يتعهد مسبقاً بالخضوع دون قيد أو شرط للقوانين التي يضعها وسيشغلها البشر، بتعهده هذا يخرج، بمنتهى الوضوح، من المسيحية التي تكمن في أن يخضع، في كل حالات الحياة، فقط لقانون المحبة الإلهي الذي يعيه في ذاته.
كان بالإمكان، في ظل العقيدة الوثنية، التعهد بتنفيذ إرادة السلطات الدنيوية دون خرق مشيئة الله التي كان يُظن أنها تكمن في الختان والسبت ومواقيت الصلاة والامتناع عن تناول أطعمة معينة... إلخ، إحداهما لم تكن تعارض الأخرى. لكن ألا يتميز الدين المسيحي عن الوثني بأنه لا يطلب من الإنسان القيام بأعمال خارجية معينة، وإنما بكونه يضع الإنسان في علاقة مختلفة عما سبق مع الناس، الذين قد يقومون بتصرفات بمنتهى التنوع، والتي ليس بالإمكان تحديدها مسبقاً، لذا فالمسيحي ليس فقط لا يمكنه الوعد بتنفيذ إرادة شخص آخر، أياً كان، دون أن يعلم ما الذي قد يطلبه منه هذا الشخص، لا يمكنه الخضوع لقوانين البشر المتغيرة، بل كذلك لا يمكنه التعهد بالقيام بشيء محدد في وقت معين أو الامتناع عن القيام بشيء محدد في وقت معين، لأنه لا يستطيع أن يعرف ماذا ومتى قد يطلب منه قانون المحبة المسيحي، الذي طاعته هو مغزى حياته. المسيحي، إذ يتعهد مسبقاً بتنفيذ قوانين البشر دون قيد أو شرط، يعلن، بتعهده هذا، أن قانون الله لم يعد يشكّل بالنسبة إليه القانون الوحيد لحياته.
أن يعد المسيحي بطاعة البشر أو الخضوع لقوانين البشر، هو كأن يعد عامل، استخدمه صاحب بيت، بتنفيذ كل ما يأمره به الآخرون بالإضافة إلى صاحب البيت. لا يمكن خدمة سيدين. المسيحي يتحرر من سلطة البشر عبر إقراره بخضوعه فقط لسلطة الله الذي يعي قانونه، الذي كشفه له المسيح، في نفسه ويخضع له فقط.
وهذا التحرر لا يتم عن طريق الصراع، ليس من خلال هدم الأشكال القائمة للحياة، بل فقط عبر تغيير فهم الحياة. يتم التحرر نتيجة، أولاً، لأن يعتبر المسيحي قانون المحبة، الذي كشفه له معلمّه، كافياً تماماً للتعامل بين البشر، وبالتالي يعتبر شتى أشكال العنف فائضة وغير قانونية، ثانياً، لأن الحرمانات والعذابات، والتهديدات بالحرمان والعذاب، التي من خلالها يتم إيصال الإنسان المجتمعي إلى حتمية الخضوع، بالنسبة للمسيحي، في ظل فهمه المختلف للحياة، ليست سوى شروط لا مفر منها للوجود، والتي، دون أن يقاومها بالعنف، يتحملها صابراً، كالمرض والجوع وشتى المصائب الأخرى، لكن التي لا يمكنها أبداً أن توجه أفعاله. موجه أفعال المسيحي هو فقط المبدأ الإلهي الكامن فيه، والذي ليس بمقدور شيء كبحه أو توجيهه.
يسلك المسيحي بموجب كلمة النبوة التي تعود لمعلّمه: "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ، حتى يُرجع الحق إلى النصرة." (متى: 12، 19-20)
المسيحي لا يخاصم أحداً، لا يهاجم أحداً، لا يستخدم العنف ضد أحد؛ بل على العكس، يصبر على العنف دون اعتراض، لكن بتعامله هذا مع العنف لا يتحرر هو فقط بل ويحرر العالم من شتى أشكال السلطة الخارجية.
"وتعرفون الحق، والحق يحرركم" (يوحنا: 8، 32). إذا كان هناك شك في أن المسيحية حق، فإن تلك الحرية الكلية، التي ليس بمقدور شيء تقييدها، والتي يختبرها الإنسان ما إن يستدمج في ذاته الفهم الحياتي المسيحي، هي البرهان الذي لا شك فيه على حقانيته.
البشر، في وضعهم الراهن، كخليّة نحل مُعلقة بغصن. حالة النحل على الغصن مؤقتة ولا بد من أن تتغير. فهي يجب أن تنهض وتجد لنفسها مسكناً جديداً. كل نحلة من النحلات تعرف ذلك وتتمنى أن تغير وضعها ووضع الأخريات كذلك. وكلها لا تستطيع الطيران فجأة لأن إحداها معلقة بالأخرى وتعيقها عن الانفصال عن جماعة النحل، لذا تبقى جميعها معلقة. يبدو للنحل لا مخرج من هذا الوضع، كما يبدو الأمر للناس البسطاء المبلبلين في شرك العقيدة المجتمعية. لكن ما كان ليكون هناك مخرج لو أن كل نحلة من النحلات لم تكن كائناً مستقلاً وُهب أجنحة. وما كان ليكون هناك مخرج للبشر لو أن كل واحد منهم لم يكن كائناً حيّاً مستقلاً وُهب القدرة على استيعاب الفهم الحياتي المسيحي.
لو أن كل نحلة، قادرة على الطيران، لم تطر لما تحركت الأخريات أيضاً، ولما غيرت جماعة النحل وضعها أبداً. ولو أن الإنسان، الذي استوعب الفهم الحياتي المسيحي، لم يبدأ، دون انتظار الآخرين، بالعيش وفق هذا الفهم، لما تغيرت حاله أبداً. وكما أنه يكفي أن تفرد إحدى النحلات أجنحتها، فتنهض وتطير، لتتبعها ثانية فثالثة فعاشرة، حتى تصبح الكومة المعلقة اللامتحركة جماعة نحل تطير بحرية، كذلك تماماً يكفي أن يفهم إنسان واحد تعلّم المسيحية أن يفهم، ويبدأ بالعيش على هذا النحو، فيفعل آخر مثله، فثالث، فعاشر، حتى تنهار الحلقة السحرية للحياة المجتمعية التي بدا أن لا مخرج منها.
لكن الناس يعتقدون أن تحرير جميع البشر بهذه الطريقة بطيء جداً، وأنه يجب إيجاد واستخدام وسيلة أخرى يمكن بوساطتها تحرير المجتمع فوراً. هذا يشبه كما لو أن النحلات، الراغبة بالنهوض والطيران، وجدت أنها ستنتظر طويلاً إذا ما انتظرت حتى تطير جماعة النحل كلها كنحلة واحدة، وأنها يجب أن تجد وسيلة لا تحتاج إلى أن تفتح كل نحلة على حدة أجنحتها وتطير، بحيث تطير جماعة النحل كلها إلى حيث تريد. لكن هذا مستحيل: إذا لم تفتح النحلة الأولى، فالثانية، فالثالثة، فالنحلة المئة، أجنحتها، ولم تطر، فلن تطير جماعة النحل، ولن تعثر على حياة جديدة. مادام كل شخص على حدة لم يستدمج الفهم الحياتي المسيحي، ولم يعش وفقاً له، فلن يُحل تناقض حياة البشر، ولن يتكوّن نمط جديد للحياة.
إحدى الظواهر المثيرة للذهول لزماننا هي دعوة العبودية التي لا تنشرها بين الجماهير فقط الحكومات، التي هي بحاجة إليها، بل كذلك أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أنصار الحرية، ممن يبشرون بالنظرية الاشتراكية.
يروّج هؤلاء الناس أن تحسين الحياة، وتحقيق التوافق بين الواقع والوعي، لا يحدث نتيجة لجهود الأفراد الخاصة بل سيحدث، تلقائياً، نتيجة إعادة بناء عنيفة معينة للمجتمع من قبل أحدهم. يدعون إلى أن البشر ليس عليهم الذهاب بأقدامهم إلى حيث يريدون، وإلى حيث يلزمهم الذهاب إليه، وإنما ستتحرك الأرض من تحتهم بحيث يصلون إلى حيث يجب دون أن يسيروا بأقدامهم. لذا ليس عليهم أن يوجّهوا مساعيهم للذهاب إلى حيث يجب قدر استطاعتهم بل لإقامة هذه الأرضية المتخيلة وهم وقوف في أماكنهم.
من الناحية الاقتصادية يُروّج لنظرية مفادها أن الأسوأ هو الأفضل، كلما رُوكم رأس المال أكثر، وبالتالي ازداد اضطهاد العمال، كلما بات التحرر أقرب، وبالتالي فإن أي سعي شخصي من قبل الإنسان للتحرر من ضغط رأس المال بلا فائدة، وفي المنحى الدولي يُروّج أنه كلما أصبحت سلطة الدولة أكبر، والتي -حسب هذه النظرية- سوف تهيمن على حقل الحياة الخاصة الذي لم تهيمن عليه حتى الآن؛ فهذا أفضل، لذا يجب استدعاء تدخل السلطة في الحياة الخاصة، وفي المنحيين السياسي والدولي يروّج أن زيادة وسائل التدمير، زيادة عدد الجيوش، سوف يؤدي إلى ضرورة نزع السلاح عن طريق المؤتمرات والوساطات... إلخ. والمثير للذهول أن البشر من البلادة بحيث يُصدقون هذه النظريات رغم أن مسار الحياة برمته، كل خطوة إلى الأمام، يفضح عدم صحتها.
البشر يعانون من الاضطهاد، ولخلاصهم من هذا الاضطهاد ينصحهم الناس بابتكار وسائل عامة لتحسين هذا الوضع؛ والتي سوف تطبقها السلطات، في حين أنهم أنفسهم سيستمرون بالخضوع للسلطات. وجليّ أن نتيجة لذلك سوف تزداد قوة السلطة أكثر فأكثر، وبالتالي سيزداد الاضطهاد.
ما من أضلولة تبعد البشر عن الغاية التي يتطلعون إليها كهذه الأضلولة بالذات. البشر، لبلوغ الهدف الذي وضعوه لأنفسهم، يفعلون شتى الأعمال الأشد تنوّعاً باستثناء العمل، البسيط والمباشر، الجدير بكل منهم. يبتكر البشر أشد الطرق مكراً لتغيير الوضع الذي يسحقهم لكنهم لا يفكرون بالوسيلة الأبسط، وهي أن يكف كل منهم عن القيام بما يخلق هذا الوضع.
أخبروني بحادثة جرت مع عسكري جسور، والذي، بعد وصوله إلى قرية تمرد فلاحوها، حيث تم استدعاء القوّات، أخذ على عاتقه قمع التمرد لوحده، بقراره الخاص، على طريقة نيكولاي الأول. حيث أمر بإحضار بضعة أحمال من القضبان، وبعد أن جمع كل الرجال في طاحونة، دخل معهم وأغلق الباب وراءه، ثم أفزعهم بصرخاته في البداية بحيث أنهم، مطيعين إياه، بدأوا يضربون بعضهم بعضاً تبعاً لأمره. وهكذا راحوا يضربون بعضهم بعضاً إلى أن وُجد شخص أبله لم يستجب لأمره وصرخ برفاقه ليتوقفوا عن ضرب بعضهم. فقط حينها توقف الضرب، وفرّ العسكري من الطاحونة. نصيحة الأبله هذه بالتحديد لا يستطيع الناس المجتمعيون العمل بها، ويضربون أنفسهم دونما توقف، ويعلمون الناس هذا الضرب الذاتي باعتباره القول الفصل للحكمة البشرية.
بالفعل، هل بالإمكان تصور مثال عن كيفية جلد الناس لأنفسهم أكثر إثارة للدهشة من الإذعان الذي بموجبه ينفذ بشر زماننا الواجبات الملقاة على عاتقهم، والتي تؤدي بهم إلى العبودية، وخاصة الخدمة العسكرية. جليّ أن البشر يستعبدون أنفسهم، ويعانون من جراء هذه العبودية، ويصدقون أن هذا ما يجب، وأن هذا لا يعيق على الإطلاق تحرر البشر، الذي يُجهر في مكان ما، بغض النظر عن العبودية التي تتعاظم أكثر فأكثر.
في الواقع، يعيش إنسان زماننا -أياً كان (لست أتحدث عن المسيحي الحقيقي بل عن إنسان زماننا البسيط) أكان متعلماً أم غير متعلم، متديناً أم غير متدين، غنياً أم فقيراً، متزوجاً أم أعزباً- يعيش هذا الإنسان، قائماً بعمله أم لاهياً بملاهيه، مستفيداً من ثمار عمله أم مستغلاً جهود الآخرين لنفسه ولأقربائه، كارهاً، كالناس الآخرين جميعاً، شتى أشكال القيود والحرمان والعداوة والعذاب، يعيش هذا الإنسان بطمأنينة؛ وفجأة يأتي إليه أناس ويقولون له: أولاً، تعهد وأقسم لنا بأنك ستذعن لنا بعبودية في كل ما نأمرك به، وستعتبر حقيقة لا ريب فيها كل ما نبتكره ونقره ونسميه قانوناً، وتخضع له؛ ثانياً، أعطنا قسماً من نتاج عملك، ونحن سوف نستخدم هذا المال لإبقائك في العبودية ولمنعك بالعنف من مواجهة سلطتنا؛ ثالثاً: انتخب ورشح نفسك شريكاً للحكومة، واعلم أن الإدارة سوف تتم بغض النظر تماماً عن الخطب الغبية التي ستلقيها أنت وأمثالك، وأن الأوامر سوف تدار وفق إرادتنا، وفق إرادة الذين يهيمنون على الجيش؛ رابعاً، تعال في وقت محدد إلى المحكمة، وشارك في جميع الأعمال القاسية التي لا معنى لها، التي سنمارسها في حق المضللين والمفسدين من قبلنا، كالاعتقالات والنفي والسجن الانفرادي والإعدامات. خامساً، وأخيراً، فوق هذا كله، بغض النظر عن علاقات الصداقة التي تربطك بأناس من شعوب أخرى، كن مستعداً دائماً، حين نأمرك بذلك، بأن تعتبر الناس الذين نشير إليهم أعداء لك، وساهم شخصياً، أو استأجر من ينوب عنك، لتدمير ونهب وقتل رجالهم ونسائهم وأطفالهم وشيوخهم، وربما أبناء عشيرتك، ووالديك إذا احتجنا ذلك.
يُفترض أن أي إنسان غير مخدّر يمكنه الرد على هذه الطلبات.
"ولماذا قد أفعل هذا كله -يفترض أن يقول أي إنسان سليم القلب- لماذا سأتعهد بطاعة كل ما يأمرني به ساليسبييري اليوم، غلاوستون غداً، بولانجيه اليوم، وغداً هيئة من أمثال بولانجيه، بطرس الثالث اليوم، وغداً كاترينا، وبعد غد بوغاتشوف، الملك البافاري المجنون اليوم، وغداً ويلهلم؟ لماذا يجب أن أعدهم بذلك، وأنا أعرف أنهم حمقى تافهون، أو لا أعرفهم على الإطلاق؟ لماذا يجب أن أدفع لهم ثمار جهدي كضرائب، وأنا أعرف أن هذا المال يُستخدم لشراء الموظفين وبناء السجون والكنائس والجيوش، في أعمال سيئة ولاستعبادي، لماذا سأجلد نفسي بنفسي؟ لماذا سأذهب، مضيعاً وقتي ومغمضاً طرفي لأمنح القاهرين ما يشبه المشروعية، للمشاركة في الانتخابات، وأتظاهر بأني أشارك في الحكم، في حين أني أعلم جيداً أن إدارة الدولة في أيدي الذين يهيمنون على الجيش؟ لماذا قد ألتحق بالقضاء للمشاركة في تعذيب الناس وقتلهم لكونهم ضلّوا سواء السبيل، وأنا أعلم، إذا كنت مسيحياً، أن قانون الانتقام قد حل محله قانون المحبة، وإذا كنت مثقفاً، فأعلم أن العقوبات لا تجعل الناس الذين يتعرضون لها أفضل بل أسوأ؟ والأهم، لماذا، لكي يكون مفتاح معبد أورشليم بحوزة هذا المطران أو ذاك، أو ليحكم بلغاريا هذا الأمير الألماني أو ذاك، أو ليمنح حقوق صيد الفقمة للتجار الإنكليز لا الأمريكيين، عليّ أن أعتبر أناس شعب مجاور أعداء، والذين عشت معهم حتى الآن وأتمنى أن أعيش بمحبة ووئام، فأستأجر جنوداً أو أذهب بنفسي لقتلهم وتدميرهم، وأعرّض نفسي لهجماتهم؟ والأهم، لماذا قد أساهم شخصياً، أو عبر الاستئجار، بالقوة العسكرية في استعباد وقتل آبائي وإخواني؟ لماذا قد أجلد نفسي بنفسي؟ لست بحاجة إلى هذا كله، كل هذا يضر بي، وهذا كله لأخلاقي، دنيء وشنيع من كافة جوانبه. فلماذا يجب أن أقوم به؟ إذا كنتم تقولون لي إن أحدهم سيسيء إلي لولا هذا، فأولاً، لست أتوقع ما هو أسوأ من السوء الذي قد تسببونه لي إذا ما أطعتكم؛ ثانياً، واضح لي تماماً أننا إذا لم نعذب أنفسنا بأنفسنا فلن يعذبنا أحد، إذ السلطة هي الملوك والوزراء والموظفون بأقلامهم، الذين لا يمكنهم إرغامي على شيء، مثل ذلك العسكري مع الرجال، لن يسوقني الملوك والموظفون، أصحاب الأقلام، بالقوة، إلى القضاء والسجن والإعدام، بل سيسوقني أناس حالهم كحالي. وهم كذلك لا يفيدهم بل يضرهم ويزعجهم أن يكونوا جلادين، مثلي، وبالتالي، الاحتمال الأكبر أني إذا فتحت أعينهم فهم ليس فقط لن يمارسوا العنف ضدّي بل سيفعلون ما أفعله. ثالثاً، حتى إذا حدث وتوجب عليّ أن أعاني من جراء ذلك، فحتى في هذه الحال أنفع لي أن أُنفى أو أُسجن، دفاعاً عن العقل السليم والخير، اللذين لا بد أن ينتصرا، إن لم يكن اليوم أو غداً فقريباً جداً، من أن أعاني في سبيل الحماقة والشر اللذين سيهلكان، إن لم يكن اليوم فغداً. لذا، حتى في هذه الحالة، الأنفع لي أن أخاطر بأن أُنفى أو أُسجن أو حتى أعدم من أن أعيش -وأنا المذنب في ذلك- حياتي كلها عبداً لأناس سيئين، حيث قد يدمرني عدوان عدوّ، فيعذبني أو يقتلني بغباء، وأنا أدافع عن مدفعية أو عن قطعة أرض لا حاجة لأحد بها، أو عن خرقة غبية تُسمّى علماً. لا أريد أن أسوط نفسي بنفسي. ما من شيء يدفعني للقيام بذلك. افعلوا أنتم ذلك إذا كنتم تريدون، لكن أنا - لن أفعل.
يُفترض أن أبسط محاكمة أو حساب، وليس الحس الديني أو الأخلاقي فقط، يجب أن تجعل كل الناس في زماننا يردون ويتصرفون على هذا النحو. لكن لا: يرى أهل الفهم الحياتي المجتمعي أنهم لا يجب أن يتصرفوا على هذا النحو، بل حتى أن هذا ضار ببلوغ هدف تحرير البشر من العبودية، وأنه يجب على الناس الاستمرار بجلد بعضهم بعضاً، مثل أولئك الرجال المتمردين، مطمئنين أنفسنا بأن كوننا نثرثر في المجالس والاجتماعات، ونشكّل نقابات العمال، وننتزه في الشوارع في الأول من أيار، ونتآمر ونحرض سراً على الحكومة التي تجلدنا، فهذا يجعلنا نستعبد أنفسنا أكثر فأكثر، الأمر الذي سرعان ما سيحررنا.
ما من شيء يعيق تحرر البشر بقدر هذه الأضلولة المثيرة للذهول. بدلاً من أن يبذل كل إنسان جهده لتحرير نفسه، لتغيير فهمه للحياة، يبحث البشر عن وسيلة خارجية جماعية للتحرر، وهم بهذا يستعبدون أنفسهم أكثر فأكثر.
هذا يشبه تأكيد الناس بأنه، من أجل إضرام النار، يجب ليس إشعال الحطب وإنما وضع الحطب بطريقة معينة.
غير أن كون تحرر البشر جميعاً سيحدث بالتحديد عبر تحرر الأفراد يغدو جلياً أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة. إن تحرر الأفراد، ذوي الفهم الحياتي المسيحي، من عبودية الدولة، التحرر الذي كان ظاهرة نادرة وغير ملحوظة، بات يهدد سلطة الدولة في الآونة الأخيرة.
إذا كان يحدث، في الأزمنة القديمة، في عصر روما والعصور الوسطى، أن يرفض المسيحي، ملتزماً بدينه، المشاركة في الأضحيات، ويرفض السجود للأباطرة والآلهة، أو للأيقونات في العصور الوسطى، ويرفض الاعتراف بالسلطة البابوية، فإن حالات الرفض هذه كانت، أولاً، عرضية: كان الإنسان يوضع أمام حتمية الالتزام بعقيدته، وقد وفي ذلك الحين لن يجد الناس أي مخرج غير الخضوع لذلك القانون الذي سيعم الأرض كلها.