|

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

IV

سأتحدث الآن عن فهم مزعوم آخر للمسيحية يعيق فهمها الحق،- عن الفهم العلمي. الناس الكنسيون يعتبرون أن التصور الذي شكلوه لأنفسهم عن المسيحية هو المسيحية، ويعتبرون هذا الفهم للمسيحية هو الفهم الوحيد الحق الذي لا ريب فيه.

أهل العلم يعتبرون ما اعتنقته وتعتنقه مختلف الكنائس هو المسيحية، وإذ يفترضون أن هذه العقائد تحيط بمجمل معنى المسيحية، فإنهم يعتبرونها تعليماً دينياً ولى زمانه.

لكي يغدو واضحاً مدى استحالة فهم التعليم المسيحي من هذا المنظور لا بد من إدراك المكانة التي كانت، وما زالت، تحتلها الأديان بشكل عام، وبشكل خاص، والمسيحية بشكل خاص، في حياة البشرية، وإدراك المعنى الذي يعطيه العلم لها.

كما أن الإنسان الفرد ليس بمقدوره العيش دون أن يكون لديه تصوّر معين عن معنى حياته، ودائماً، لاشعورياً على الأغلب، يلائم تصرفاته مع معنى حياته هذا المعطى له، كذلك تماماً لا يمكن ألا يكون لدى مجموع البشر، الذين يعيشون في ظروف متماثلة، تصوّر عن معنى حياتهم المشتركة، وعن النشاط النابع منه. وكما أن الفرد، حين يبلغ سنّ الرشد، لا بد له من أن يُغيّر مفهومه للحياة لأن الإنسان البالغ يرى معنى حياته في شيء مختلف عما يراه الطفل، كذلك تماماً مجموع البشر، الشعب، لا بد له، تبعاً لنضجه، من أن يغيّر مفهومه للحياة والنشاط النابع من هذا الفهم.

فيما يتعلق بهذا الأمر، يكمن الفرق بين الإنسان الفرد ومجمل البشرية في أنه، في حين أن الإنسان الفرد، من أجل تحديد فهم الحياة الذي يلائم المرحلة الجديدة للحياة، التي وصل إليها، وتحديد النشاط النابع من هذا الفهم، يستفيد من إرشادات الناس الذي عاشوا قبله، والذين سبق لهم أن عاشوا السنّ التي وصل إليها، لا يمكن أن تتوفر للبشرية إرشادات كهذه لأن البشرية برمتها تسير في طريق لم تختبرها من قبل، وما من أحدٍ تسأله عن كيفية وجوب فهم الحياة، وعن كيفية العمل في الظروف الجديدة التي بلغتها، والتي لم يعشها أحد من قبل على الإطلاق.

وكما أن إنساناً متزوجاً، لديه أبناء، لا يمكنه الاستمرار بفهم الحياة كما كان يفهمها عندما كان طفلاً، كذلك البشرية لم يعد بإمكانها – في ظل التغييرات المتنوعة المنجزة، والكثافة السكانية، والاختلاط القائم بين مختلف الشعوب، وتكامل وسائل مصارعة الطبيعة، وتراكم المعرفة- الاستمرار بفهم الحياة كما في السابق، ولا بد من وضع فهم جديد للحياة، سينبع منه النشاط الملائم للوضع الجديد الذي وصلت، وتصل، البشرية إليه.

من أجل هذا المطلب تستجيب القدرة البشرية المميزة على إفراد أناس يقدمون معنىً جديداً لمجمل الحياة الإنسانية،- المعنى الذي ينبع من مجمل النشاط المختلف عما سبق. وإن وضع هذا الفهم الحياتي الملائم للبشرية في الظروف الجديدة التي وصلت إليها، والنشاط النابع منه، هو ما يُدعى الدّين.

لذا فالدين، أولاً، ليس ظاهرة رافقت تطور البشرية في زمن ما ثمّ ولى زمانه -كما يعتقد العلم- بل هو ظاهرة تخلّلت دائماً حياة البشرية، وفي وقتنا الراهن تتخلل حياة البشرية إلى درجة من الحتمية كما في أي زمان آخر. ثانياً، الدين هو دائماً تحديد لنشاط المستقبل، وليس الماضي، لذا من الجليّ أن دراسة ظواهر الماضي لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، القبض على جوهر الدين.

إن جوهر أي تعليم ديني لا يكمن في الرغبة في التعبير الرمزي عن قوى الطبيعة، ولا في الخوف منها، ولا في الحاجة إلى المعجزات، ولا في الصيغ الخارجية لتجلياته [الطقوس- م.أ.]، كما يعتقد أهل العلم. إذ إن جوهر الدين يكمن في قدرة البشر على الرؤيا النبوية، وعلى الإشارة إلى درب الحياة الذي يجب أن تسير فيه البشرية؛ يكمن في تحديد معنى مختلف عما سبق للحياة، والذي ينبع منه مجمل النشاط البشري المستقبلي، المختلف عما سبق.

إن خاصية التنبؤ بالدرب الذي على البشرية السير فيه يتمتع بها كل الناس بدرجة أو بأخرى، لكن دائماً، وفي كل العصور، كان هناك أناسٌ تجلّت فيهم هذه الميزة بقوة خاصة، وقد عبّر هؤلاء الناس، بوضوح ودقة، عما كان يشعر به كافة البشر بشكل مبهم، ووضعوا فهماً جديداً للحياة، انبثق منه نشاط مختلف عما سبق لمئات وآلاف السنين.

وإننا نعلم ثلاثة مفهومات1 كهذه للحياة: اثنان منها سبق للبشرية أن عاشتهما وتجاوزتهما، والثالث هو ما نعيشه الآن في المسيحية. هذه المفهومات ثلاثة، وفقط ثلاثة، ليس لأننا وحدنا -حسب هوانا- مفهومات الحياة المختلفة في ثلاثة، وإنما لأن جذور أفعال كل البشر تعود دائماً إلى أحد هذه المفهومات الثلاثة للحياة، ولأننا لا نستطيع فهم الحياة إلا من خلال هذه الطرق الثلاثة.

مفهومات الحياة الثلاثة هي التالية: الأول شخصي أو بهيمي، والثاني مجتمعي أو وثني، والثالث كوني أو إلهي.

وفقاً للفهم الحياتي الأول تنحصر حياة الإنسان في شخصه فقط، ويكمن هدف حياته في إشباع رغباته الشخصية. وتبعاً للفهم الحياتي الثاني لا تنحصر حياة الإنسان في شخصه فقط وإنما في مجموع وتعاقب الأشخاص، في القبيلة أو الأسرة أو السلالة أو الدولة، وغاية حياة الإنسان تنحصر في إشباع رغبات مجموع الأشخاص هذا. وبموجب الفهم الحياتي الثالث لا تتلخص حياة الإنسان، لا في شخصه ولا في مجموع وتعاقب الأشخاص، وإنما في مبدأ ومنبع الحياة – في الله.

الهمجي يتعرّف الحياة فقط في نفسه، في رغباته الشخصية. خير حياته منحصر فيه وحده، والخير الأعظم بالنسبة إليه هو الإشباع الأتمّ لشهواته. محرّك حياته هو اللذة الشخصية. تكمن ديانته في توسل رأفة الآلهة تجاه شخصه، وفي السجود لشخصيات الآلهة المصوّرة التي تعيش فقط لأجل غاياته الشخصية. والإنسان الوثني، المجتمعي، لا يعود يتعرف الحياة في شخصه فقط وإنما في مجموع الأشخاص- القبيلة، الأسرة، السلالة، الدولة- ويُضحّي بخيره الشخصي في سبيل هذا المجموع. محرّك حياته هو الأقوال. تكمن ديانته في تمجيد رؤساء الاتحادات: الأسلاف، الأجداد، الملوك، وفي السجود للآلهة – الحُماة الحصريين لأسرته أو سلالته أو شعبه أو دولته2.

الإنسان ذو الفهم الحياتي الإلهي لا يعود يتعرف الحياة في شخصه أو في مجموع الأشخاص (الأسرة أو السلالة أو الشعب أو الوطن أو الدولة) وإنما في منبع الحياة الأبدي الخالد – في الله. ومن أجل تنفيذ مشيئة الله يُضحّي بخيره الشخصي، وبالخير الأسري والمجتمعي. محرّك حياته هو المحبة. وديانته هي السجود للمبدأ الحق لكل شيء- الله.

الحياة التاريخية للبشرية برمتها ليست سوى انتقال تدريجي من الفهم الحياتي البهيمي إلى الفهم الحياتي المجتمعي، ومن الفهم الحياتي المجتمعي إلى الفهم الحياتي الإلهي. مجمل تاريخ الشعوب القديمة، الذي استمرّ آلاف السنين وانتهى بتاريخ روما، هو استبدال الفهم الحياتي البهيمي الشخصي بالفهم الحياتي المجتمعي الدولتي. ومجمل التاريخ منذ عهد روما الإمبراطورية وظهور المسيحية هو تاريخ استبدال الفهم الحياتي الدولتي بالإلهي، وهو التاريخ الذي نعيشه في الوقت الراهن.

هذا الفهم الحياتي الأخير، الذي يقوم عليه التعليم المسيحي، والذي يُوجّه حياتنا برمتها، والكامن في أساس نشاطنا كله، العملي منه والعلمي، يدرسه أهل العلم المزعوم فقط عبر مؤشراته الخارجية، ويعتبرونه شيئاً بالياً ولا معنى له بالنسبة إلينا.

هذا التعليم -حسب رأي أهل العلم-، المنحصر فقط في جانبه الدوغمائي: في التعليم المتعلق بالثالوث والكفّارات والمعجزات والكنائس والأسرار...إلخ، هو واحد فقط من عدد هائل من الأديان التي ظهرت في الإنسانية، والآن، بعد أن لعب دوره في التاريخ، سيقضي عليه نور العلم والتنوير الحقيقي.

يحدث ما يكون -في معظم الحالات- مصدراً لأشدّ الضلالات البشرية فظاظةً: أناسٌ يقفون على أدنى درجات الإدراك، حين يصادفون ظواهر من أعلى المستويات، بدلاً من بذل الجهد لفهمها، للارتقاء إلى مستوى النظر الذي ينبغي النظر إلى الموضوع منها، يُضيّقونها بما يتلاءم مع منظورهم الأدنى، وكلّما قلّ إدراكهم لما يتحدثون عنه كلّما تحدثوا عنه بجرأة أكبر وبحسم أكثر.

بالنسبة إلى معظم الناس العلماء، الذين يبحثون في التعليم الأخلاقي الحياتي للمسيح من منظور فهم حياتي مجتمعي أدنى، هذا التعليم ليس سوى جمع ركيك وغير محدّد للتنسّك الهندي والتعليم الرواقي والأفلاطوني الجديد وأحلام يوتوبية ضد-اجتماعية، ليس له أيّ معنى جدي بالنسبة لزماننا، ومجمل معناه ينحصر، بالنسبة إليهم، في ظواهره الخارجية: الكاثوليكية والبروتستانتية والدوغمات ومصارعة السلطة الدنيوية. بتحديدهم معنى المسيحية بموجب هذه الظواهر، هم مثل الصمّ الذين يحكمون على قيمة وجدارة الموسيقى من خلال حركة الموسيقيين.

من هذا ينتج أنّ كلّ هؤلاء الناس، بدءاً من كانط وشتراوس وسبنسر ورينان، دون أن يفهموا جوهر أقوال المسيح، دون أن يفهموا لماذا قالها، دون أن يفهموا حتى السؤال الذي تجيب عنه هذه الأقوال، وحتى دون أن يبذلوا أي جهد للنفاذ إلى معانيها، ينفون صراحةً، إذا كان مزاجهم عدوانياً، معقولية التعليم؛ أما إذا أرادوا التساهل معه فإنهم، من ذروة تعاظمهم، يقومون بتصويبه، مفترضين أنّ المسيح كان يريد أن يقول نفس ما يُفكّرون هم فيه لكنه لم يكن قادراً على القيام بذلك. إنهم يتعاملون على تعليمه بحيث يُصحّحون كلمات من يتحاور معهم، في معظم الحالات، حين يتحدث هؤلاء الناس الواثقون من أنفسهم مع من يعتبرونه أدنى منهم: "أجل، أنت تريد، بالفعل، أن تقول كذا وكذا". وهذا التصويب يُصنع دائماً للانحطاط بالفهم الحياتي الإلهي السامي إلى الفهم الحياتي المجتمعي الأدنى.

يُقال عادةً إنّ التعليم الأخلاقي للمسيح جيد لكنه مبالغ فيه، ولكي يكون جيداً حقاً يجب أن يُطرح منه ما لا لزوم له، ما لا يناسب نظام حياتنا. "التعليم الذي يتطلب الكثير جداً مما هو غير قابل للتطبيق أسوأ من التعليم الذي يطلب من الناس ما هو ممكن، بحسب قدراتهم" – يُفكّر ويؤكّد العلماء، مفسّرو المسيحية، مكرّرين ما سبق أن أكّده منذ زمن بعيد، ويؤكّده، وما كان لهم إلا أن يؤكّدوه فيما يتعلق بالتعليم المسيحي، أولئك الذين، إذ لم يفهموه، قاموا بصلب المعلّم – اليهود.

يتبين في محاكمة علماء زماننا أنّ القانون اليهودي "سنّ بسنّ وعين بعين"، الذي هو قانون الانتقام العادل المعروف للبشرية منذ 5000 سنة، أنسب من قانون المحبة الذي دعا إليه المسيح، قبل 1800 سنة، ليحلّ محلّ قانون العدالة ذاك. يتبين أنّ كلّ ما فعله الناس الذين فهموا تعليم المسيح بوضوح، وعاشوا بموجب ذلك الإدراك – كلّ ما فعله وقاله المسيحيون الحقيقيون، كل المسيحيين المتحمسين، كل ما يُصلح العالم في الوقت الراهن، تحت مسمّى الاشتراكية والشيوعية- كل هذا مبالغة لا يجدر حتى الحديث عنها.

الناس، الذين ترعرعوا على المسيحية خلال 18 قرناً، ممثلين في شخص الرّواد، العلماء، توصلوا إلى قناعة مفادها أنّ التعليم المسيحي هو تعليم عن الدوغمات؛ أما التعليم الحياتي فهو غلط، مبالغة تخرق المتطلبات القانونية الحقيقية للأخلاقوية، المتطلبات الملائمة لطبيعة الإنسان، وأنّ تعليم العدالة، الذي نقضه المسيح وأحلّ محله تعليمه، أنسب لنا بكثير.

بالنسبة للعلماء تبدو وصية عدم مقاومة الشر بالعنف مبالغةً بل حتى تبدو جنوناً، ويعتقدون أنه إذا ما أُلغيت فسيكون الأمر أفضل، دون أن يلاحظوا أنهم لا يجادلون في تعليم المسيح على الإطلاق، وإنما في ما يتصورونه كذلك.

هم لا يلاحظون أنّ القول إنّ وصية عدم مقاومة الشر بالعنف، في تعليم المسيح، مبالغة يماثل القول إنّ تساوي أنصاف قطر الدائرة، في نظرية الدائرة، إنما هو مبالغة. والذين يفعلون ذلك يفعلون تماماً ما قد يفعله شخص، ليس لديه أي مفهوم حول ماهية الدائرة، حين يؤكّد أنّ المطلب بأن تكون كل نقاط الدائرة على مسافة متساوية من المركز إنما هو مبالغة. إنّ النّصح بإلغاء أو نسخ النظرية القائلة بتساوي أنصاف قطر الدائرة يعني عدم فهم ما هي الدائرة، والنّصح بإلغاء أو نسخ وصية عدم مقاومة الشر بالعنف، في التعليم الحياتي المسيحي، يعني عدم فهم التعليم.

الذين يفعلون ذلك لا يفهمونه إطلاقاً بالفعل. هم لا يفهمون أنّ هذا التعليم هو عبارة عن فهم جديد للحياة يناسب الوضع الجديد الذي دخله البشر منذ 1800 سنة، وتحديد النشاط الجديد الذي ينبع منه. هم لا يُصدّقون أنّ المسيح كان يريد قول ما قال، أو يعتقدون أنّ المسيح قد قال ما قال في الموعظة على الجبل وفي أماكن أخرى من باب المبالغة أو بسبب جنونه أو عدم نضجه.

[إنجيل متى: 6، 25-34]
[25] فلهذا أقول لكم لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست النفس أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟ [26] انظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها. أفلستم أنتم أفضل منها؟ [27] ومن منكم إذا همّ يقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ [28] ولماذا تهتمون باللباس؟ اعتبروا زنابق الحقل كيف تنمو. إنها لا تتعب ولا تغزل [29] وأنا أقول لكم إنّ سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها. [30] فإذا كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم وفي غدٍ يُطرح في التنور يُلبسه الله هكذا؛ أفلا يُلبسكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان؟ [31] فلا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس [32] لأنّ هذا كله تطلبه الأمم، وأبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كله. [33] فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم. [34] فلا تهتموا بشأن الغد فالغد يهتم بشأنه. يكفي اليوم شره.
[إنجيل لوقا: 12، 33-34]
[33] بيعوا ما هو لكم وتصدّقوا. اجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنزاً في السماوات لا ينفد حيث لا يقربه سارق ولا يفسده سوس [34] لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم.
"بع ما لك واتبعني... ومن لا يترك أباه وأمه وبنيه وإخوته وحقله وبيته لا يستطيع أن يكون تلميذاً لي... اكفر بنفسك، احمل صليبك كل يوم واتبعني... لئلا تكون مشيئتي بل مشيئتك؛ ليس ما أريد أنا بل ما تريد أنت، وليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت. لا تكمن حياة المرء في تنفيذ مشيئته هو بل في تنفيذ مشيئة الله".

كل هذه التمنيات تبدو للناس، الواقفين عند فهم حياتي أدنى، انعكاساً لنزوة مشبوبة ما ليست لها أي علاقة مباشرة بالحياة، في حين أنّ هذه المبادئ تنبع بقوة من الفهم المسيحي للحياة، كما ينبع مبدأ بذل الجهد في سبيل الشأن العام، ومبدأ التضحية بالنفس دفاعاً عن الوطن من الفهم المجتمعي للحياة.

كما يقول إنسان ذو فهم مجتمعي للحياة لإنسان همجي: "استيقظ، ثب إلى رشدك! فحياة شخصيتك لا يمكن أن تكون حياةً حقة لأنها حياة بائسة وفانية. فقط حياة مجموع وتعاقب الشخصيات: العشيرة، العائلة، السلالة، الدولة، تستمر وتحيا، لذا يجب على الإنسان التضحية بأنيته الشخصية في سبيل حياة العائلة أو الدولة"، كذلك تماماً يقول التعليم المسيحي لإنسان الفهم الحياتي المجتمعي: "تُبْ، ثب إلى رشدك، وإلا ستهلك. افهم أنّ ما من شيء يضمن هذه الحياة الجسدية، الفردية، الناشئة اليوم والهالكة غداً، وأنّ أي تدابير خارجية، أيّ بنيان لها ليس بمقدوره أن يمنحها الرسوخ والمعقولية. تُب إلى رشدك، وافهم أنّ الحياة التي تعيشها ليست حياةً حقيقية؛ فحياة العائلة، حياة المجتمع، حياة الدولة، لن تنقذك من الهلاك. الحياة الحقّة والعاقلة ممكنة للإنسان فقط بقدر مشاركته في منبع الحياة، الآب، حسب قدرته على إدغام حياته مع حياة الآب، وليس في حياة العائلة أو الدولة". هذا الفهم المسيحي للحياة يُرى، دون شك، في كل كلمة من كلمات الأناجيل. بالإمكان عدم الموافقة على هذا الفهم الحياتي، بالإمكان نفيه، بالإمكان إثبات عدم دقته، عدم صحته؛ لكن ليس بالإمكان الحكم على التعليم دون استيعاب الفهم الحياتي الذي ينبع منه، ناهيكم عن إمكانية الحكم على موضوع عالي المستوى من منظور أدنى: الحكم على برج الأجراس من خلال النظر إلى أساساته. هذا ما يفعله أهل العلم في زماننا. وهم يفعلون ذلك لأنهم يعيشون الأضلولة ذاتها التي يعيشها الكنسيون، بأنّ لديهم مناهج لدراسة الموضوع، المناهج المسمّاة "العلمية"، يكفي فقط استخدامها حتى لا تعود هناك إمكانية للشك في حقانية فهم الموضوع قيد الجدال.

إنّ امتلاكهم هذا بالتحديد لأدوات معرفية مزعومة معصومة عن الخطأ هو العائق الرئيس أمام فهم التعليم المسيحي لغير المؤمنين، الذي يُسمّون العلماء، الذين تنقاد لآرائهم الأكثرية الهائلة من غير المؤمنين، الذين يُسمّون المتعلّمين. ومن هذا الفهم المزعوم ينشأ كل ضلال أهل العلم حول التعليم المسيحي، وهناك غلطان غريبان بشكل خاص يعيقان، أكثر من أي شيء آخر، الفهم الصحيح للتعليم.

أحد هذين الغلطين هو أنّ التعليم الحياتي المسيحي غير قابل للتطبيق، لذا فهو ليس ضرورياً على الإطلاق، أي لا يجب اعتباره منهجاً، أو يجب أن يكون قابلاً للتكتيف، أن يُلطّف إلى الحدود التي يصبح فيها تطبيقه ممكناً في مجتمعنا. الغلط لثاني هو أنّ التعليم المسيحي يعني محبة الله، لذا فإنّ عبادته مطلب مبهم، غامض، ليس فيه غرض محدد للمحبة، لذا يجب استبداله بتعليم أكثر دقة وأكثر فهماً عن محبة البشر وخدمة الإنسانية.

الغلط الأول المتعلق بعدم قابلية التعليم للتطبيق يكمن في أنّ أناس الفهم الحياتي المجتمعي، دون أن يفهموا الوسيلة التي يهتدي بها أناس التعليم المسيحي، وإذ يعتبرون أنّ تعاليم التحقق المسيحي تقيّد الحياة، يعتقدون أنّ، ويقولون إنّ، اتباع تعليم المسيح مستحيل لأنّ التطبيق الكلي لمتطلبات هذا التعليم سوف يقضي على الحياة. ويقولون: "إذا ما طبق الإنسان ما يدعو إليه المسيح فسيقضي على حياته، وإذا ما طبقت البشرية كلها ذلك فسيكفّ الجنس البشري عن الوجود".

"من دون الاهتمام بالغد – بالمأكل والمشرب والملبس-؛ من دون الدفاع عن حياته؛ من دون مقاومة الشر بالعنف؛ من دون التضحية بالنفس في سبيل الآخرين، ومن خلال التزامه بالعفة التامة لا يمكن للإنسان وللجنس البشري أن يوجدا." – يعتقدون ويقولون. وهم محقّون تماماً إذا ما فهمت تعاليم التحقق، التي يقدمها تعليم المسيح، على أنها قواعد يجب على الإنسان أن يطبقها مثل التزامه بتطبيق قاعدة دفع الضرائب، والمشاركة في القضاء... الخ، في التعليم المجتمعي.

الغلط يكمن، بالتحديد، في عدم فهم أنّ تعليم المسيح يوجّه البشر بطريقة مختلفة عن الطرائق التي تُوجّه بها التعاليم القائمة على فهم حياتي أدنى. فتعليم الفهم الحياتي المجتمعي يوجّه فقط عبر مطلب التطبيق الدقيق للقواعد والقوانين، بينما تعليم المسيح يوجّه الناس عبر هديهم إلى الكمال اللامتناهي للآب السماوي الذي يتوق إليه كل الناس فطرياً أياً كانت درجة عدم الكمال التي يقفون عليها.

يكمن سوء فهم الذين يحكمون على التعليم المسيحي من منظور الفهم المجتمعي في أنهم، مفترضين أنّ الكمال الذي يشير إليه المسيح يمكن بلوغه تماماً، يتساءلون (مثل سؤالهم عند تطبيق القوانين الاجتماعية): ماذا سيحدث بعد أن يتحقق هذا كله؟ هذا الافتراض باطل لأنّ الكمال الذي يشير إليه المسيح كمال لامتناه، وليس بالإمكان بلوغه أبداً؛ والمسيح، حين يعلّم ذلك، يقصد أنّ الكمال المطلق لا يمكن بلوغه أبداً لكنّ التوق إلى الكمال المطلق اللامتناهي سوف يضاعف باستمرار خير البشر، وأنّ هذا الخير – لهذا السبب- يمكن تكثيره بلا نهاية.

المسيح لا يُعلّم ملائكةً بل بشراً يعيشون حياة بهيمية، مُطوّراً إياها. وكأنّ المسيح يضيف إلى القدرة الحركية الحيوانية هذه قدرةً أخرى جديدة، قدرة استيعاب3 الكمال الإلهي، مُوجّهاً بذلك حركة الحياة عبر قوتين متساويتي التأثير.

إنّ افتراض أنّ الحياة البشرية سوف تسير في الاتجاه الذي أشار إليه المسيح يماثل افتراض أنّ المراكبي، إذ يمخر نهراً سريع الجريان مُوجّهاً حركته مباشرة عكس التيار تقريباً، سوف يسبح بهذا الاتجاه. يقرّ المسيح بوجود كلّي وجهي متوازي الأضلاع، كُلّتي القدرتين الأبديتين الخالدتين اللتين تتركب منهما حياة الإنسان: قدرة الطبيعة البهيمية وقدرة إدراك بنوّته لله. دون أن يتحدث عن القدرة البهيمية التي تؤكد نفسها بنفسها، والتي تبقى دائماً مساوية لنفسها، ولا سلطان للإنسان عليها، المسيح يتحدث فقط عن القدرة الإلهية، داعياً الإنسان إلى أسمى إدراك لها، إلى أسمى تحرير لها مما يعيقها، وإيصالها إلى أعلى درجات القوة.

في هذا التحرّر، في زيادة هذه القدرة، تكمن حياة الإنسان الحقّة، حسب تعليم المسيح. الحياة الحقّة، حسب الشروط السابقة، كانت تكمن في تطبيق القانون؛ لكنها، بموجب تعليم المسيح، تكمن في المزيد من الاقتراب إلى الكمال الإلهي المشار إليه، والذي يدركه كل إنسان في ذاته؛ في المزيد فالمزيد من إدغام المرء ذاته في مشيئة الله، الإدغام الذي يتوق إليه الإنسان، والذي قضت عليه الحياة التي نعرفها.

الكمال الإلهي هو علامة الحياة الإنسانية؛ الكمال الذي يتوق وتغترب إليه دائماً، والذي يمكنها بلوغه فقط في الأبدية.

يبدو التعليم المسيحي نافياً لإمكانية الحياة فقط عندما يفهم البشر هَدْيَ المثال Ideal كقاعدة. فقط آنذاك تبدو المتطلبات التي يقدمها المسيح مهلكة للحياة. على العكس، هذه المتطلبات هي الوحيدة التي تمنح الإمكانية لحياة حقة. ومن دون هذه المتطلبات لكانت الحياة الحقّة مستحيلة.

"يجب عدم طلب الكثير جداً- يقول الناس عادةً عندما يناقشون متطلبات التعليم المسيحي،- لا يجوز طلب عدم الاهتمام بالمستقبل -كما يرد في الإنجيل- لكن يلزم فحسب عدم الانشغال به كثيراً؛ لا يجوز إعطاء الفقير كل شيء لكن يجب إعطاءه قسماً معلوماً ومحدداً؛ لا يجوز التطلع إلى العذرية لكن يجب تجنب الطلاق؛ لا يجوز هَجْر الزوجة والأبناء ولكن يجب عدم التعلق بهم كثيراً... وهلمّ جرّا". لكنّ هذا الكلام كالقول لإنسان، يمخر نهراً سريع الجريان بعكس التيار، باستحالة عبور النهر بعكس التيار، وإنه، لكي يعبره، يجب أن يسبح بزورقه بالاتجاه الذي يريد الذهاب إليه.

يتميّز تعليم المسيح عن التعاليم السابقة بأنه لا يقود البشر وفق قواعد خارجية، وإنما بموجب الإدراك الداخلي لإمكانية بلوغ الكمال الإلهي. وما يوجد في نفس الإنسان ليست القواعد المتهاودة للعدالة والإحسان بل مثال الكمال الإلهي اللامتناهي. فقط التوق إلى هذا الكمال يحرف وجهة حياة الإنسان من الحالة البهيمية إلى الحالة الإلهية بقدر ما هي ممكنة في هذه الحياة.

لكي تصل إلى المكان الذي تريد توجيه مسيرك أعلى بكثير، بكل ما أوتيت من قوة.

إنّ الحطّ من تطلّب الكمال لا يعني التقليل من إمكانية بلوغ الكمال فحسب بل يقضي على المثال ذاته. المثال الذي يؤثر على البشر ليس مثالاً مبتدعاً من قِبَل أحد بل هو مثال محمول في نفس كل إنسان. فقط مثال الكمال الكلي اللامتناهي هذا يؤثر في البشر، ويدفعهم إلى العمل. الكمال القنوع يفقد قدرته على التأثير في نفوس البشر.

يتمتع تعليم المسيح بالقوة فقط عندما يتطلّب الكمال الكلي، أي مزج الجوهر الإلهي، الكائن في نفس كل إنسان، مع مشيئة الله – اتحاد الابن بالآب. فقط هذا التحرير لابن الله، الكائن في كل إنسان، من ما هو بهيمي وتقريبه إلى الآب هو الحياة، وفق تعليم المسيح.

إنّ وجود البهيمي، البهيمي فقط، في الإنسان لا يعدّ حياة إنسانية. والعيش فقط بموجب مشيئة الله وحدها كذلك لا يعدّ حياة إنسانية. الحياة الإنسانية هي الحياة المركّبة من الحياة البهيمية والحياة الإلهية. وكلما اقتربت هذه الحياة المركّبة أكثر إلى الحياة الإلهية كلما كانت فيها حياة أكثر.

الحياة، وفق التعليم المسيحي، هي التحرك نحو الكمال الإلهي. ما من مقام أدنى أو أعلى من المقامات الأخرى، تبعاً لهذا التعليم. فكل مقام إنما هو فقط درجة معينة، حيادية بذاتها، نحو الكمال اللامدرك، لذا فهو بحدّ ذاته لا يعدّ مستوى حياة أكثر أو أقل. تكمن زيادة الحياة، بموجب هذا التعليم، فقط في تسريع الارتقاء نحو الكمال. لذا فإنّ ارتقاء زكّاً المبتلى والزانية والمجرم على الصليب نحو الكمال يعدّ مستوى حياتي أعلى من الإخلاص اللامتحرك للفريسي. لذا لا يمكن أن تكون هناك قواعد إلزامية التطبيق بالنسبة لهذا التعليم. الإنسان الواقف على درجة أدنى، إذ يرتقي نحو الكمال، يعيش حياة أفضل وأكثر أخلاقية، ويطبق التعليم أكثر من إنسان يقف على درجة أخلاقية أعلى بكثير لكنه لا يرتقي نحو الكمال.

هذا هو معنى أنّ الخروف الضال أغلى عند الآب من غير الضال. الابن الضال، القطعة النقدية الضائعة والمعثور عليها ثانية أغلى من التي لم تضع. تطبيق التعليم يكمن في التحرك من الذات إلى الله. ومن الجلي أنه، من أجل تطبيق كهذا للتعليم، لا يمكن أن تكون هناك أي قواعد أو قوانين. إنّ أي درجة من درجات الكمال وأيّ درجة من درجات اللكمال متساويتان في نظر هذا التعليم؛ وأيّ تطبيق للشرائع لا يعدّ تطبيقاً للتعليم لذا، بالنسبة لهذا التعليم، لا يمكن أن تكون هناك قواعد وقوانين ملزمة. من هذا الاختلاف الجذري لتعليم المسيح عن كافة التعاليم السابقة، القائمة على الفهم الحياتي المجتمعي، ينشأ الفرق بين الفرائض المجتمعية والفرائض المسيحية. معظم الفرائض المجتمعية فرائض إيجابية تأمر الناس بأفعال معينة تجعلهم أبراراً وأتقياء، أما الفرائض المسيحية (فريضة المحبة ليست فريضة بالمعنى الضيق للكلمة، بل هي جوهر التعليم ذاته)، الفرائض الخمس في الموعظة على الجبل كلها نواهٍ (سلبية)، وتُري فقط ما بات البشر قادرين على عدم القيام به عند مستوى معين لتطور البشرية. هذه الوصايا تبدو وكأنها نقاط علّام على الدرب اللامتناهي للكمال الذي تسير البشرية نحوه، مستوى الكمال الممكن في مرحلة معينة من تطور البشرية.

في الموعظة على الجبل يُعبّر المسيح عن المثال الأبدي الذي من فطرة البشر التوق إليه، وكذلك عن درجة الكمال التي بات بإمكان البشر بلوغها في زماننا.

يكمن المثال في أن لا يكنّ المرء الشرّ لأحد، في عدم إساءة النية تجاه أحد، في محبة الجميع، أما الوصية التي تشير إلى الدرجة التي بإمكان المرء تماماً عدم النزول أدنى منها فتكمن في عدم إهانة البشر بالقول. وهذه هي الوصية الأولى.

المثال هو العفّة التامة حتى في الأفكار، أما الفريضة، التي تشير إلى الحدّ الذي يمكن تماماً عدم النزول أدنى منه في بلوغ هذا المثال، فهي طهارة الحياة الزوجية، الامتناع عن الزنى. وهذه هي الوصية الثانية.

المثال هو عدم الاهتمام بالغد وعيش الساعة الراهنة؛ والفريضة، التي تشير إلى الحدّ الذي يمكن تماماً عدم النزول أدنى منه، هي عدم الحلف، عدم إعطاء أية وعود مستقبلية للناس. وهذه هي الوصية الثالثة.

المثال هو عدم استخدام العنف من أجل أيّ غاية كانت على الإطلاق؛ والفريضة، التي تشير إلى الحدّ الذي يمكن تماماً عدم النزول أدنى منه، هي عدم الردّ على الشرّ بالشرّ، الصبر على الإساءة، إعطاء الرداء. وهذه هي الوصية الرابعة.

المثال هو محبة الأعداء الذين يكرهوننا؛ والفريضة، التي تشير إلى الحدّ الذي يمكن تماماً عدم النزول أدنى منه، هي عدم فعل الشرّ للأعداء، التحدث عنهم بالحسنى، عدم التمييز بينهم وبين مواطنينا.

كل هذه الوصايا إنما هي إشارات إلى ما في مقدورنا تماماً عدم القيام به على درب التطلّع إلى الكمال؛ إلى ما يجب علينا القيام به في الوقت الراهن؛ إلى ما يجب علينا نقله – شيئاً فشيئاً- إلى حقل العادة، إلى مجال اللاوعي. لكنّ هذه الوصايا عبارة عن درجة واحدة فحسب من درجات التعليم التي لا تُحصى للاقتراب إلى الكمال، وهي ليست التعليم كله ولا تستنفده على الإطلاق.

على إثر هذه الوصايا يجب، وسوف، تتوالى وصايا أسمى فأسمى على درب الكمال الذي يشير إليه التعليم. لذا فإنّ من طبيعة التعليم المسيحي إشهار متطلبات أعلى من الواردة في الوصايا، لكن قطعاً دون الاستخفاف بمتطلبات المثال ذاته أو بمتطلبات هذه الوصايا، كما يفعل الناس الذين يحكمون على التعليم المسيحي من منظور الفهم الحياتي المجتمعي.

هذه هي إحدى مغالطات العلماء فيما يتعلق بمعنى ومغزى تعليم المسيح. أما المغالطة الثانية، النابعة من هذا المصدر ذاته، فتكمن في مطلب محبة الله بمحبة وخدمة البشر - الإنسانية.

إنّ تعليم محبة الله وعبادته (وفقط بفضل هذه المحبة والعبادة) محبة القريب وخدمته يبدو للعلماء غامضاً ومبهماً وأهوائياً، وهم ينفون تماماً محبة وعبادة الله، مفترضين أنّ التعليم المتعلق بمحبة البشر، محبة الإنسانية، مفهوم أكثر بكثير، وأكثر رسوخاً وتجذراً.

أهل العلم يُعلّمون نظرياً أنّ الحياة الفطنة والخيّرة هي فقط حياة خدمة الإنسانية برمتها، ويرون في هذا التعليم ذاته مغزى التعليم المسيحي، ويوحدون بين هذا التعليم وبين التعليم المسيحي، ويبحثون عن تأكيد لتعليمهم هذا في التعليم المسيحي، مفترضين أنّ تعليمهم والتعليم المسيحي هما الشيء ذاته.

هذا الرأي خاطئ تماماً. التعليم المسيحي وتعليم الوضعيين الإيجابيين والشيوعيين وكل دعاة أخوة البشر العلمية، القائمة على منفعة هذه الأخوة، لا تتمتع بأي شيء مشترك مع المسيحية، وتختلف عنها، بشكل خاص، بأنّ للتعليم المسيحي أسس راسخة وواضحة في نفس الإنسان، أما تعليم محبة الإنسانية فهو ليس سوى استنتاج نظري باستخدام طريقة القياس والمقابلة.

التعليم المتعلق بمحبة الإنسانية فقط متأسس على الفهم الحياتي المجتمعي. وجوهر الفهم الحياتي المجتمعي يكمن في نقل معنى حياة الفرد إلى حياة مجموع الأفراد: العشيرة، العائلة، السلالة، الدولة. هذا النقل حدث ويحدث بسهولة وبصورة طبيعية، بأشكاله الأولى، في نقل المرء معنى الحياة من فرديته إلى العشيرة أو العائلة، أما النقل إلى السلالة أو الشعب فأكثر صعوبة، ويحتاج تربية خاصة، في حين أنّ نقل الوعي إلى حقل الدولة هو الحدّ النهائي لهذا النقل.

كل الناس مفطورون على حبّ الذات، وكل إنسان يحب نفسه دونما حاجة إلى تشجيعه على ذلك، ويحبّ قبيلته التي تدعمه وتحميه، يحب زوجته- فرح الحياة وعونها، يحب أبناءه- سكينة وأمل الحياة، ووالديه اللذين منحاه الحياة والتربية – هذا طبيعي، وهذا الحب، رغم أنه ليس بقوة حب الذات، يُصادف كثيراً جداً. محبة المرء لأبناء جلدته، لأجل نفسه واعتزازه، محبته لشعبه، رغم أنها ليست طبيعية إلى هذا الحدّ، يُعثَر عليها رغم ذلك. حبّ المرء لشعبه الذي يشاركه العشيرة واللغة والدين ما زال ممكناً، رغم أنّ هذا الشعور أبعد ما يكون عن القوة، ليس كحب الذات فحسب بل وحب الأسرة والأسلاف؛ لكن حبّ دولة، مثل تركيا أو ألمانيا أو إنكلترا أو النمسا أو روسيا، بات مستحيلاً تقريباً، ورغم التربية الدؤوبة في هذا المنحى فهي افتراضية فحسب، ولا وجود لها فعلياً. في هذا المجموع تنتهي قدرة الإنسان على نقل إدراكه واختبار أي من المشاعر المباشرة دون أن يلحقها الوهم. لكنّ الوضعيين الإيجابيين Positivists وكل دعاة الأخوة العلمية، دون أن يأخذوا بالاعتبار ضعف الشعور تبعاً لاتّساع الموضوع، يتابعون الجدال النظري في المنحى ذاته. فهم يقولون: "إذا كان مفيداً أكثر للشخص إزاحة وعيه ليشمل العشيرة والعائلة، ثم الشعب والدولة، فسيكون مفيداً أكثر إزاحة وعيه ليشمل الإنسانية برمتها، وأنفع للجميع أن يعيش الناس لأجل الإنسانية كما يعيشون لأجل العائلة، ولأجل الدولة".

هذا ما ينتج نظرياً بالفعل. إنّ نقل الشخص لوعيه إلى العائلة، ومن العائلة إلى العشيرة فالشعب فالدولة، منطقي تماماً للبشر كذلك لتجنب الصراعات والمصائب التي تنتج عن انقسام البشرية إلى شعوب ودول، وهو أكثر طبيعية من مجرد نقل محبته إلى الإنسانية. يبدو هذا طبقياً أكثر، ونظرياً تتمّ الدعوة إلى ذلك دون ملاحظة أنّ الحبّ شعور يمكن امتلاكه لكن يستحيل تعليمه، وأنه –عدا عن ذلك- يجب أن يكون هناك غرض للمحبة، والإنسانية ليست مادة بل مجرد وهم. القبيلة والأسرة، وحتى الدولة، لم يبتدعها البشر وإنما تشكلت من تلقاء ذاتها مثلما أنّ جماعة النحل أو النمل موجودة فعلياً. الإنسان الذي يحبّ أسرته لأجل شخصيته البهيمية يعلم أنه يحب آنا، ماريا، إيفان، بطرس...إلخ. الإنسان الذي يحب عشيرته ويفتخر بها يعلم أنه يحب جميع أفراد آل كذا وآل كذا. والذي يحب دولته يعلم أنه يحب فرنسا، يحب ضفة الراين والبيرينيه ومدينتها الرئيسة باريس وتاريخها...إلخ. لكن ما الشيء الذي يحبه محبّ الإنسانية؟ هناك الدولة، هناك الأسرة، هناك المفهوم المجرد: الإنسان، لكن الإنسانية، كمفهوم واقعي، لا وجود لها، ولا يمكن لها أن توجد.

الإنسانية؟ أين هي حدود الإنسانية؟ أين تنتهي وأين تبدأ؟ هل تنتهي بالإنسان الهمجي، بالأبله، بالسكّير، بالمجنون ضمناً؟ إذا أردنا رسم خط لتحديد الإنسانية، بحيث نستثني الممثلين الأدنى للجنس البشري، فأين سنرسم هذا الخط؟ هل سنستثني الزنوج كما يفعل الأمريكيون، والهنود كما يستثنيهم الإنكليز، واليهود كما يستثنيهم بعض الناس؟ أما إذا أخذنا كل البشر دونما استثناء؛ فلماذا نأخذ البشر فقط، ولا نأخذ الحيوانات العليا التي الكثير منها أرقى من ممثلي الجنس البشري الأدنى؟

نحن لا نعرف الإنسانية كشيء ما خارجي، لا نعرف حدودها. البشرية وهم، ومحبتها مستحيلة. بالفعل، لكان مفيداً جداً لو كان بمقدور البشر أن يحبوا البشرية كما يحبون عائلاتهم؛ لكان مفيداً جداً -كما يحاكم الشيوعيون في هذا الموضوع- استبدال المنحى التنافسي للنشاط البشري بمنحى تكافلي، أو الفردي بالكوني، حتى يغدو الكل للواحد والواحد للكل، لكن فقط لا توجد أي دوافع لذلك.

الوضعيون الإيجابيون والشيوعيون وكل دعاة الأخوة العلمية يدعون إلى توسيع المحبة التي يمتلكها البشر في أنفسهم تجاه عائلاتهم، تجاه الدولة، لتشمل البشرية كلها، ناسين أنّ المحبة، التي يبشرون بها، هي محبة شخصية قادرة، إذا امتدت، على الامتداد وصولاً إلى الوطن الطبيعي، وتختفي كلياً عندما تلامس الدولة المصطنعة، كالنمسا وإنكلترا وتركيا، ولا يمكننا حتى تخيلها عندما يتعلق الأمر بالإنسانية برمتها -هذا الشيء المبهم تماماً.

"الإنسان يحب نفسه (حياته البهيمية)، يحب أسرته، يحب حتى وطنه؛ فلماذا لا يحب الإنسانية كذلك؟ كم كان الأمر ليكون جيداً. بالمناسبة، هذا ما تبشر به المسيحية أيضاً". هكذا يعتقد دعاة الأخوة الوضعية والشيوعية والاشتراكية. لكن هذا جداً حقاً، لكن لا يمكن لهذا أن يحدث أبداً لأنّ المحبة، القائمة على الفهم الحياتي الشخصي والمجتمعي، ليس بمقدورها الذهاب أبعد من محبة الدولة.

خطأ المحاكمة يكمن في أنّ الفهم الحياتي المجتمعي، الذي يقوم عليه حب الأسرة والوطن، مبني على حب الذات، وهذا الحب، عندما ينتقل من حب الذات إلى حب الأسرة، السلالة أو القوم أو الدولة، يضعف شيئاً فشيئاً، ويصل في الدولة إلى حدّه الأخير الذي ليس بمقدوره الذهاب أبعد منه.

لا شكّ في ضرورة توسيع حقل المحبة لكنّ هذه الضرورة ذاتها لتوسيعه، في الواقع، يقضي على إمكانية الحب، ويبرهن على قصور المحبة الشخصية والمحبة الإنسانية.

وهنا يقترح دعاة الأخوة الوضعية والاشتراكية المحبة المسيحية، لمساعدة هذه المحبة الإنسانية التي تبدو عاجزة، لكن فقط من حيث تبعاتها وليس من أساسها: فهم يقترحون محبة الإنسانية فقط دون محبة الله. لكن محبة كهذه ليست ممكنة، إذ لا يوجد أي دافع لها. المحبة المسيحية تتبع فقط من الفهم الحياتي المسيحي الذي بموجبه يكمن مغزى الحياة في محبة الله وعبادته.

من خلال مساره الطبيعي، من حب الذات فالأسرة فالسلالة فالشعب فالدولة، أوصل الفهم الحياتي المجتمعي البشر إلى إدراك ضرورة محبة إنسانية لا حدود لها، مندمغة مع كل ما هو موجود، إلى شيء لا يُحرّض في الإنسان أي شعور، أوصلهم إلى تناقض ليس بالإمكان حلّه بوساطة الفهم الحياتي المجتمعي.

فقط التعليم المسيحي بمعناه الكلي، إذ يمنح الحياة معنىً جديداً، قادر على حلّه. تعترف المسيحية بمحبة المرء لنفسه ولأسرته ولشعبه وللإنسانية، وليست الإنسانية فقط بل وكل ما هو حيّ، كل ما هو موجود؛ تعترف بضرورة توسيع حقل المحبة بلاتناه؛ لكنّ غرض هذه المحبة لا تجده خارج ذات الإنسان، في مجموع الأفراد: الأسرة أو العشيرة أو الدولة أو الإنسانية، في العالم الخارجي برمته، وإنما في النفس، في ذات الإنسان، لكن الذات الإلهية التي جوهرها هو تلك المحبة ذاتها، التي تُوصل الشخصية البهيمية إلى ضرورة توسيعها حين تفرّ إذ تدرك هلاكها.

ما يميّز التعليم المسيحي عن التعاليم السابقة هو أنّ التعليم المجتمعي السابق كان يقول: عِشْ على النقيض من طبيعتك (قاصداً الطبيعة البهيمية فقط)، أخضعها للقانون الخارجي للأسرة، للمجتمع، بينما المسيحية تقول: عِشْ وفق طبيعتك (قاصدةً الطبيعة الإلهية)؛ لا تخضعها لأي شيء – لا تخضعها للطبيعة البهيمية لأي أحد، ولسوف تبلغ ما تصبو إليه، عبر إخضاع طبيعتك الخارجية للقانون الخارجي.

التعليم المسيحي يُعيد الإنسان إلى وعيه البدئي لذاته، لكن ليست ذاته الحيوانية وإنما ذاته الإلهية، ذاته كابن للإله، للآب المحبوس في قشرة حيوانية. وعبر إدراكه لذاته هذا ابناً للإله، الإدراك الذي طبيعته الرئيسة هي المحبة، يُلبّي كل متطلبات توسيع حقل المحبة الذي وصل إليه إنسان الفهم الحياتي المجتمعي. بالتالي، في ظل المزيد فالمزيد من توسيع حقل المحبة من أجل خلاص الشخص كانت المحبة ضرورية، ووُجّهت نحو أشياء معينة: الذات، الأسرة، المجتمع، الإنسانية. في حالة التعليم المسيحي المحبة ليست ضرورة، ولا تُوجّه نحو أي شيء، وإنما هي فطرة جوهرية لنفس الإنسان. الإنسان لا يحب لأنّ مصلحته تقتضي أن يحب ذلك الشيء أو أولئك الناس بل لأنّ المحبة هي جوهر نفسه، لأنه لا يستطيع إلا أن يحب.

التعليم المسيحي يهدي الإنسان إلى أنّ جوهر روحه هو المحبة، أنّ خيره لا يتحصل من أنّه يحب هذا أو ذاك بل من محبته كل شيء- الله الذي يدركه في ذاته محبةً، لذا سوف يحبّ كل الناس وكل شيء.

هذا هو الاختلاف الأساس بين التعليم المسيحي وبين تعليم الوضعيين الإيجابيين وكل منظّري الأخوة العالمية اللامسيحية.

هذان هما الغلطان الرئيسان فيما يتعلق بالتعليم المسيحي، واللذان تنبع منهما معظم الآراء الباطلة عنه. أحدهما هو أنّ تعليم المسيح يُعلّم البشر، مثل التعاليم السابقة، عن طريق القواعد التي على البشر اتباعها، وأنّ هذه القواعد ليست قابلة للتطبيق؛ والآخر هو أنّ كلّ معنى المسيحية يكمن في التعليم المتعلّق بالتعايش المفيد للبشرية كأسرة واحدة، الأمر الذي من أجله، دون ذكر محبة الله، يلزم فقط اتباع فقط قاعدة محبة الإنسانية.

إنّ الرأي الباطل لأهل العلم، بأنّ التعليم المتعلّق بالمعجزات يُعدّ جوهر التعليم المسيحي، وأنّ التعليم الحياتي المسيحي غير قابل للتطبيق، بالإضافة إلى سوء الفهم النابع من هذا الرأي الباطل، يُعدّ سبباً آخر لعدم فهم المسيحية من قِبَل بشر زماننا.

أسباب عدم فهم تعليم المسيح كثيرة. ويكمن السبب أيضاً في أنّ البشر يعتقدون أنهم قد فهموا هذا التعليم عندما اعتبروه وسيلة خارقة قدّمها المسيح، كما يقول الكنسيون، أو، كما يفعل أهل العلم، أنهم قد فهموه عندما قاموا بدراسة قسم من الظواهر الخارجية التي انعكس التعليم من خلالها. يكمن السبب في المغالطات المتعلّقة بعدم قابلية التعليم للتطبيق، وكذلك المتعلّقة بوجوب استبداله بمذهب محبة الإنسانية. إلا أنّ السبب الرئيس، الذي ولّد كل هذه المغالطات، هو أنّ تعليم المسيح يُعدّ تعليماً يمكن للمرء اعتناقه أو رفضه دون أن يغير حياته.

الذين اعتادوا النظام القائم للأشياء، ويحبونه، ويخشون تغييره، يحاولون فهم التعليم بأنه مجموعة من الكشوفات التي بالإمكان اعتناقها دون أن يغيروا حياتهم، في حين أنّ تعليم المسيح ليس فقط تعليماً عن القواعد التي يجب على الإنسان اتباعها، بل هو تبيان لمعنى جديد للحياة، يُحدّد، في اختلاف كليّ عمّا سبقه، مجمل نشاط البشرية في المرحلة التي تعيشها.

الحياة الإنسانية تتحرك، تمرّ عبر أعمار، مثل حياة الإنسان الفرد، ولكل عمر فهم حياتي مناسب له، ولا بدّ من أن يستوعب البشر هذا الفهم الحياتي. الذين لا يستوعبون الفهم الحياتي الملائم بصورة واعية، يُقادون إليه دون وعي منهم. ما يحدث مع تغير وجهات النظر في حياة الفرد يحدث كذلك مع تغيّر وجهات النظر في حياة الشعوب وحياة البشرية برمتها. إذا استمرّ الإنسان المتزوّج بالانقياد للفهم الحياتي الطفولي فسوف تصبح حياته من الصعوبة بحيث يغدو مكرهاً على البحث عن فهم حياتي مختلف، وعن طيب خاطر سوف يستوعب الفهم الملائم لسنه.

الأمر ذاته يحدث الآن في إنسانيتنا في ظلّ الانتقال، الذي نعيشه، من الفهم الحياتي الوثني إلى الفهم الحياتي المسيحي. سوف توصل الحياة ذاتها الإنسان الاجتماعي في زماننا إلى ضرورة التخلي عن الفهم الوثني للحياة، غير الملائم لسنّ البشرية الحالي، وسيخضع لمتطلبات التعليم المسيحي الذي حقائقه، مهما بلغت من التحريف والتشويه، معروفة له رغم ذلك، والتي وحدها فقط تمثّل حلاً للتناقض الذي هو مبلبل فيه. إذا كانت متطلبات التعليم المسيحي تبدو لإنسان الفهم الحياتي المجتمعي غريبة، بل حتى خطيرة؛ فبالقدر ذاته تماماً كانت متطلبات المذهب الاجتماعي تبدو غريبة ومبهمة وخطيرة للإنسان الهمجي في الأزمنة القديمة عندما لم يكن يفهمها، ولم يكن قادراً على استشراف نتائجها.

"ليس من الحكمة أن يضحي المرء بسكينته أو حياته – يقول الهمجي- للدفاع عن شيء غير مفهوم، غير ملموس، عرَضي: الأسرة، السلالة، الوطن، والأهم هو أنّ من الخطورة أن يضع المرء نفسه تحت تصرف سلطة غريبة". لكن جاء وقت على الهمجي عندما، من جهة، فهم، وإن بصورة غامضة، معنى الحياة الجماعية، معنى محركها الرئيس، معنى المباركة أو الإدانة الاجتماعية- المجد؛ ومن جهة أخرى، عندما أصبحت آلام حياته الشخصية عظيمة بحيث لم يعد قادراً على الإيمان بحقانية فهمه السابق للحياة، فاعتنق التعليم المجتمعي، عقيدة الدولة، وخضع له.

الأمر ذاته يحدث الآن مع الإنسان المجتمعي، الدولتي. "ليس من الحكمة – يقول الإنسان المجتمعي- أن يضحي المرء بمصلحته، بأسرته، بوطنه من أجل تطبيق متطلبات قانون سام ما يتطلب إليّ التنكّر لأكثر المشاعر طبيعية وطيبة، مشاعر المحبة تجاه ذاتي، تجاه أسرتي، تجاه موطني، تجاه وطني، والأهم هو أنّ من الخطورة رفض ضمان الحياة الذي يمنحني إياه النظام الدولتي". لكن سيأتي وقت يُجبره فيه، من جهة، الإدراك المبهم في نفسه لقانون محبة الله والقريب الأسمى، ومن جهة أخرى، الآلام النابعة من تناقضات الحياة، على التخلي عن الفهم الحياتي المجتمعي، واستيعاب الفهم الحياتي المسيحي الجديد، المُعطى له، والذي يحلّ كلّ التناقضات لديه ويزيل آلام حياته. وقد حلّ هذا الوقت الآن.

نحن، الذين عشنا منذ آلاف السنين، يبدو لنا الانتقال من الفهم الحياتي البهيمي، الشخصي، إلى الفهم الحياتي المجتمعي، أنه كان ضرورياً وطبيعياً، بينما هذا الانتقال، الذي نعيشه في الوقت الراهن، خلال الـ1800 سنة الأخيرة، يبدو لنا تعسفياً وغير طبيعي وخطر. لكن هذا ما يبدو لنا وحسب، لأنّ ذاك قد أُنجز، وانتقل نشاطه إلى وعينا، بينما هذا الانتقال لما ينته بعد، وعلينا القيام به بصورة واعية.

استوعب البشر الفهم الحياتي المجتمعي خلال قرون، ألفيات، وعبر قوانين مختلفة، ودخل، في الوقت الراهن، بالنسبة للإنسانية، مجال التربية اللاواعية الموروثة، ومجال العادة؛ لذا يبدو لنا بديهياً. لكن قبل 5000 سنة كان يبدو للبشر غير طبيعي ومخيفاً بقدر ما يبدو لنا الآن التعليم المسيحي في معناه الحقيقي.

في الوقت الراهن، متطلبات التعليم المسيحي حول الأخوة الشاملة، دونما تمييز قومي، حول عدم الملكية، حول عدم مقاومة الشر بالعنف، تبدو بمنتهى الغرابة، بل تبدو مستحيلة. لكن كذلك تماماً كانت تبدو، منذ آلاف السنين، في سحيق القدم، ليست المتطلبات الدولتية فحسب بل والعائلية كذلك، مثل: أن يُعيل الأب الأبناء، أن يُعيل الشباب العجائز، أن يُخلص الزوجان لبعضهما. وأكثر غرابة، بل ولامعقولية، كانت تبدو المتطلبات الدولتية: أن يخضع المواطنون للسلطة القائمة، أن يدفعوا الضرائب، أن يذهبوا إلى الحرب دفاعاً عن الوطن...الخ. تبدو لنا كل هذه المتطلبات بسيطة ومفهومة وبديهية لا غموض فيها ولا حتى غرابة، لكن قبل خمسة أو ثلاثة آلاف عام كانت هذه المتطلبات تبدو غير ممكنة.

كان الفهم الحياتي المجتمعي الأساس الذي قامت عليه الأديان لأنه، عندما أُعلن للناس، بدا لهم غامضاً ومبهماً ومفارقاً للطبيعة كلياً. الآن، بعد أن عشنا هذا الطور من حياة البشرية، باتت مفهومة لنا الأسباب العقلانية لاتّحاد البشر في عائلات ومجتمعات ودول، لكن، في الأزمنة القديمة، قُدّمت متطلبات الاتّحاد هذه باسم الماورائي، وأُكّدت بوساطته.

الديانات الأبوية ألّهت الأسرة والعشيرة والشعب؛ الديانات الدولتية ألّهت الملوك والدول. حتى في الوقت الراهن، معظم الناس الضعيفي التعليم، مثل فلاحينا، الذي يُسمّون القيصر الإله الأرضي، يخضعون للقوانين المجتمعية ليس تبعاً للإدراك العقلاني لضرورتها، ليس لأنهم يفهمون عقيدة الدولة، وإنما بموجب الشعور الديني.

على هذا النحو تماماً يُقدّم، في الوقت الراهن، التعليم المسيحي لأناس العقيدة المجتمعية أو الوثنية على شكل دين ماورائي، في حين أنه، في الواقع، ليس فيه أيّ شيء سرّاني أو باطني أو ماورائي، بل هو فحسب تعليم يتعلق بالحياة الملائمة لمستوى التطور المادي للبشرية، لمستوى نضج البشرية، ولهذا السبب لا مناص من الإيمان به.

سوف يأتي وقت، وقد أتى، تصبح فيه الأسس المسيحية للمساواة وأخوة البشر والملكية المشتركة وعدم مقاومة الشر بالعنف بذات البداهة والبساطة اللتين تبدو عليهما الآن أسس الحياة الأسرية والمجتمعية والدولتية.

ليس في مقدور الإنسان، ولا الإنسانية، العودة إلى الوراء في حركة التطور. وقد عاش البشر الفهم الحياتي المجتمعي، الأسري والدولتي، ويجب عليه السير قدماً واستيعاب الفهم الحياتي التالي. وهو ما يحدث الآن.

هذه الحركة تحدث في اتجاهين: بوعي-لأسباب روحية، وبلاوعي-لأسباب مادية. كما أنّه من النادر جداً أن يغيّر الإنسان فرد حياته تبعاً لتوجيهات العقل فقط، وغالباً، بغض النظر عن المغزى الجديد والغايات الجديدة التي يشير إليها العقل، يواصل عيش حياته السابقة، ويقوم بتغييرها فقط عندما تغدو حياته مناقضةً كلياً لوعيه، ومُعذّبةً نتيجةً لذلك، كذلك تماماً البشرية، إذ تتعرف، من خلال زعمائها الدينيين، إلى مغزى جديد للحياة، وإلى غايات جديدة عليها التطلّع إليها، فإنّ معظم البشر يستمرون، لفترة طويلة، حتى بعد الإدراك، بعيش الحياة السابقة، ويُقادون إلى اعتناق الفهم الحياتي الجديد فقط عبر إدراك استحالة مواصلة الحياة السابقة.

على الرغم من مقتضيات تغيير الحياة، المدركة، والتي عبّر عنها القوّاد الدينيون، والمقبولة من قبل الناس الأكثر عقلانية، فإنّ معظم البشر، رغم العلاقة الدينية التي تربطهم بهؤلاء القواد، أي إيمانهم بتعاليم هؤلاء القواد، يواصلون، في الحياة التي تزداد صعوبةً، الانقياد للتعليم السابق، كما قد يفعل شخص متزوّج، رغم أنه يعلم كيف ينبغي له العيش في سنّه، يستمر، بحكم العادة، وبسبب قلّة عقله، بعيش حياة الأولاد.

هذا ما يحدث عند انتقال البشرية من عمر إلى آخر، وهو العمر الذي نعيشه الآن. فقد تجاوزت الإنسانية سنّها المجتمعي، الدولتي، وبلغت سنّاً جديدة. وهي تعرف التعليم الذي يجب أن تُبنى عليه حياة هذا العمر الجديد لكنها، بسبب قوة العطالة، تستمر بالحفاظ على الأنماط السابقة للعيش. من عدم ملائمة الفهم الحياتي هذا للحياة العملية تتبع سلسلة من التناقضات والآلام التي تُسمّم حياتنا، وتدعو إلى تغييرها.

يكفي فحسب أن نقابل بين ممارسة الحياة وبين نظريتها لكي نشعر بالهلع أمام التناقض الصارخ بين ظروف حياتنا والوعي الذي نعيشه. حياتنا برمتها عبارة عن تناقض متواصل بين ما نعرفه وبين ما نعتبره ضرورياً وواجباً. هذا التناقض موجود في كل شيء: في الحياة الاقتصادية والدولتية والدولية. نحن، كما لو أننا قد نسينا ما نعرف، نؤجل لبعض الوقت ما نؤمن به (لا يمكننا إلا أن نؤمن لأنّ الإيمان هو الأساس الوحيد لحياتنا)، ونفعل كل شيء عكس ما يطلبه منا ضميرنا وعقلنا السليم.

نحن ننقاد في العلاقات الاقتصادية والدولية للأسس التي كانت صالحة للبشر قبل ثلاثة أو خمسة آلاف سنة، والتي تناقض وعينا الراهن بشكل مباشر، وتناقض كذلك شروط الحياة التي نعيشها في الوقت الراهن.

كان جيداً للإنسان القديم العيش وسط انقسام البشر إلى عبيد وسادة عندما كانوا يُصدّقون أنّ هذا التقسيم هو من عند الله، وأنّ الأمر لا يمكن أن يكون على نحو مغاير. لكن، هل تقسيم مماثل ممكن في زماننا؟

كان إنسان العالم القديم قادراً على عدّ أن له الحق في استغلال خيرات العالم على حساب الآخرين، مجبراً إياهم على التعذّب لأجيال لأنه كان يؤمن أنّ البشر يولدون من أجناس مختلفة، سوداً وبيضاً، من ذرية حام ويافث. أعظم حكماء العالم، معلّمو البشرية، أفلاطون وأرسطو لم يبرّروا وجود العبيد فحسب بل وأثبتوا شرعية ذلك، بل حتى قبل ثلاثة قرون، الذي كتبوا عن المجتمع المتخيّل، اليوتوبي، لم يكونوا قادرين على تصوّره دون عبيد.

القدماء، حتى في القرون الوسطى، كانوا يُصدّقون تماماً أنّ البشر ليسوا متساوين، أنّ البشر الحقيقيين هم الفرس فقط، اليونان فقط، الرومان فقط، الفرنسيون فقط، لكن لم يعد جائزاً لنا الإيمان بهذا. والناس، الذين يحتمون بالأرستقراطية والوطنية، لا يُصدّقون، ولا يمكنهم أن يُصدّقوا، ما يقولونه.

كلنا نعرف، ولا يمكننا إلا أن نعرف، حتى لو لم نسمع ولم نقرأ قط هذه الفكرة مُعبّراً عنها بوضوح، ولم نعبّر عنها نحن أنفسنا، نحن، إذ نتشرب هذا الوعي المسيحي المحمول على الهواء- كلنا، بكل جوارحنا، نعرف، ولا يمكننا إلا أن نعرف تلك الحقيقة الأساسية للدين المسيحي، بأننا جميعاً أبناء أب واحد، الجميع، أينما كنا نعيش، وأياً كانت اللغة التي نتكلمها، الجميع إخوة، ونخضع فقط لقانون المحبة، نخضع لأبينا المشترك الكامن في قلوبنا.

سواء كان الإنسان ليبرالياً متعلماً من أي لون كان، سواء كان فيلسوفاً من أيّ مذهب كان، سواء كان عالماً، اقتصادياً، من أية مدرسة كانت، سواء كان أمياً، وحتى متديناً بأي دين كان- كل الناس في زماننا يعلمون أنّ لكل البشر الحقوق ذاتها في الحياة وفي خيرات العالم، وأنه لا يوجد أناسٌ أفضل أو أسوأ من الآخرين؛ أننا البشر كلهم متساوون. كل الناس يعرفون ذلك معرفة يقينية لا شك فيها بكل جوارحهم، وبدلاً من ذلك الإنسان ليس فقط لا يرى من حوله انقسام البشر إلى طائفتين: إحداهما كادحة مضطهدة محتاجة ومعذّبة، والأخرى متبطلة متضهّدة مترفة ولاهية- إنه لا يرى ذلك فحسب بل – شاء أم أبى- يشارك، من هذه الجهة أو تلك، في انقسام البشر هذا الذي يرفضه وعيه، وليس في مقدوره إلا أن يعاني من إدراك هذا التناقض، ومن المشاركة فيه.

سواء كان سيّداً أم عبداً، لا يمكن لإنسان زماننا إلا أن يشعر بالتناقض المؤلم المستمرّ بين وعيه والواقع وبين الواقع والآلام النابعة عنه.

الجمهور الكادح، معظم البشر، إذ يعاني الكدح المستمرّ الذي يبتلع حياته كلها، اللامجدي والميئوس منه، ويعاني الحرمان، يتعذّب من إدراك التناقض الصارخ، أكثر من أيّ شيء آخر، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون وفقاً لما يدعو إليه ذات الذين وضعوه في هذا الوضع، ويتركونه فيه.

يعلم الكادحون أنهم عبيد، ويهلكون في الفاقة والظلمة لكي يخدموا شهوات الأقلية التي تبقيهم في العبودية. يعلمون ذلك ويقولونه، وهذا الإدراك لا يفاقم آلامهم فحسب بل يشكّل جوهر آلامهم.

العبد القديم كان يعلم أنه عبد بطبيعته، وعاملنا، إذ يشعر بنفسه عبداً، يعلم أن ليس عليه أن يكون عبداً لذا يختبر عذابات تانتالوس4، متمنياً دائماً، دون أن يحصل على، ليس فقط ما يمكن أن يكون بل وما يجب أن يكون. بالنسبة إلى الطبقات الكادحة، الآلام، التي تحدث من جراء التناقض بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، تتضاعف عشرات المرات عبر الحسد والكراهية النابعان من هذا الإدراك.

العامل في زماننا، وإن كان عمله أسهل بكثير من عمل العبد في قديم الزمان، وإن حصل يوم عمل من ثماني ساعات وأجراً مقداره ثلاثة دولارات في اليوم، لن تنتهي معاناته لأنه، إذ يصنع أشياء لا نفع له فيها، إذ يعمل ليس لنفسه وحسب رغبته وإنما بسبب الحاجة، لأجل نزوات المترفين والمتبطلين من الناس بشكل عام، لأجل مكاسب شخص غني واحد، صاحب معمل أو مصنع، بشكل خاص، يعلم أنّ هذا كله يحدث في العالم الذي لا يعترف فحسب بالمبدأ العلمي القائل إنّ العمل ثروة، وإنّ استغلال جهود الآخرين ظلم وغير مشروع، وإذ تُعذّبه القوانين، وإنما في العالم الذي يُبشر فيه بتعليم المسيح الذي، بموجبه، كلنا إخوة، وحيث جدارة وفضل الإنسان يكمنان فقط في خدمة القريب، لا في استغلاله.

إنه يعلم هذا كله، ولا يمكنه ألا يعاني بحزن من جراء هذا التناقض الصارخ كلّه بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. "بحسب كافة المعطيات، وبحسب كل ما أعرفه، وكل ما يُبشرون به – يقول العامل لنفسه- كان يجب أن أكون حراً، مساوياً لكل الناس الآخرين، لكل الناس، لكني عبد، أنا مُذَلّ ومكروه". وهو أيضاً يكره، ويبحث عن وسائل للخلاص من وضعه، وليخلع العدو الجاثم على ظهره، ثم ليجلس هو على ظهر عدوّه. يقولون: "العمال ليسوا محقّين في أنهم يريدون الجلوس مكان الرأسماليين، الفقراء مكان الأغنياء". هذا غير صحيح: ما كان للعمال والفقراء ليكونوا محقّين لو أنهم أرادوا ذلك في عالم يُعترف فيه بأنّ الله هو الذي قدّر العبيد والسادة، الأغنياء والفقراء؛ لكنهم يريدون هذا في العالم الذي يُعترف فيه بالتعليم الإنجيلي الذي أول مبادئه هو بنوّة البشر لله، وبالتالي أخوّة البشر وتساويهم. ومهما حاول البشر لا يمكن حجب أنّ أحد أول شروط الحياة المسيحية هو المحبة، بالأفعال لا بالأقوال.

أما الشخص المنتمي إلى ما يسمى الطبقة المثقفة فإنه يعيش تناقضاً أكبر. إذ إنّ أيّ إنسان كهذا لا بد أن يؤمن بشيء، إذا لم يكن يؤمن بأخوة البشر فبالإنسانية Humanism، وإن ليس بالإنسانية فبالعدالة، وإن ليس بالعدالة فبالعلم، وهو، إضافةً إلى هذا، يعلم أنّ حياته برمتها قائمة على شروط تناقض هذا كله، تناقض كل مبادئ المسيحية والإنسية والعدالة والعلم.

إنه يعلم أنّ كل العادات المغروسة فيه، والتي فقدانها سيكون عذاباً له، يمكن إشباعها فقط من خلال عمل العمال المضطهدين المضني، المهلك غالباً، أي عبر الخرق الجليّ الفظ لمبادئ المسيحية والإنسية والعلموية (أقصد: الاقتصاد السياسي) التي يعتنقها. فهو يعتنق مبادئ الأخوّة والإنسية والعدالة والعلموية، ولا يعيش فقط بحيث أن لا بد له من اضطهاد العمال الذي يرفضه بل وبحيث أنّ حياته برمتها عبارة عن انتفاع من هذا الاستغلال، ولا يعيش على هذا النحو فقط بل ويوجه نشاطه للحفاظ على مجرى الأمور هذا، في تناقض صريح مع كل ما يؤمن به.

كلنا إخوة، غير أنّ أخي (أو أختي) يجلب (أو تجلب) لي الإبريق كل صباح. كلنا إخوة، وكل صباح لا بد لي من لفافة تبغ أو سكّر أو مرآة وغيرها من هذه الأشياء التي فقد، ويفقد، إخواني وأخواتي، المساوون لي، صحتهم لكي يصنعوها، وأنا أنتفع بهذه المواد، بل حتى أطالب بها. كلنا إخوة، وأنا أقتات من كوني أعمل في مصرف أو متجر أو حانوت لكي أجعل كل السلع، اللازمة لإخوتي، أغلى ثمناً. كلنا إخوة، وأنا أقتات من أني أتلقى راتبي لكي أُدين لصاً أو مومساً، وأحكم عليهما وأعدمهما، واللذان وجودهما سببه مجمل نظام حياتي، واللذان أعرف، أنا نفسي، أن لا يجب إعدامهما، وإنما يجب إصلاحهما. كلنا إخوة، وأنا أتلقى راتبي لقاء جبايتي الضرائب من العمال الفقراء لاستخدامها من أجل ترف الأغنياء والمتبطلين. كلنا إخوة، وأنا أتلقى راتبي لقاء دعوتي البشر إلى دين مسيحي مزعوم، أنا نفسي لا أؤمن به، يحرمهم إمكانية تعرف المسيحية الحق. أتلقى راتبي، كقسّ أو أسقف، لكوني أكذب على الناس في الأمر الأكثر أهمية بالنسبة إليهم. كلنا إخوة لكنّي أقدّم مؤلفاتي التربوية أو الطبية أو الأدبية للفقراء فقط مقابل المال. كلنا إخوة، وأنا أتلقى راتبي لقاء أني أتجهز للقتل وأصنع الأسلحة والبارود، وأبني القلاع. إنّ حياة طبقتنا الراقية عبارة عن تناقض فاضح، وهي تزداد إيلاماً كلما ازداد وعي الإنسان رهافةً.

ليس بمقدور الإنسان المرهف الوجدان إلا أن يعاني إن كان يعيش حياة كهذه. الوسيلة الوحيدة، بالنسبة إليه، للخلاص من هذه المعاناة تكمن في قمع وجدانه، لكن حتى لو تمكن هؤلاء الناس من قمع وجدانهم، فليس بمقدورهم إخماد خوفهم.

الناس غير المرهفين، قامعو وجدانهم، من الطبقات المضطهدة العليا، إذا لم يكونوا يعانون من جراء ضمائرهم، فإنهم يعانون من جراء الخوف والكراهية. ولا يمكن لهم إلا أن يعانوا، فهم يعلمون بتلك الكراهية تجاههم الموجودة، ولا يمكنها إلا أن توجد، لدى الطبقات العاملة؛ يعلمون أنّ العمال أنفسهم أنهم مخدوعون ومعنّفون، وأنهم بدأوا يُنظمون أنفسهم لكي يطرحوا الاضطهاد عن أنفسهم، ويُجازوا المضطهدين. الطبقات العليا ترى النقابات والإضرابات والأول من أيار، وتشعر بالكارثة التي تتهددها، وهذا الخوف يُسمّم حياتها. إنها تشعر بالكارثة التي تكاد تحيق بها، والخوف، الذي تشعر به، يتحول إلى مشاعر دفاع عن النفس وإلى مشاعر كراهية. هي تعلم أنها، هي ذاتها، سوف تهلك إذا ما تراخت لحظة واحدة في صراعها مع العبيد الذين تضطهدهم، لأنّ العبيد ساخطون، وهذا السخط يتفاقم مع كل يوم من الاضطهاد. ليس بإمكان المضطهدين الكفّ عن الاضطهاد وإن أرادوا ذلك؛ فهم يعلمون أنهم، هم أنفسهم، سيهلكون ليس فقط إذا كفّوا عن الاضطهاد، بل حتى إن تراخوا فيه. وهم يفعلون هذا، رغم انشغالهم المزعوم برفاهية العامل، بيوم العمل ذي الثماني ساعات، بمنع تشغيل الأطفال والنساء، برواتب التقاعد والمكافآت. هذا كله كذب؛ أو الانشغال بأن يكون العبد قادراً على العمل لكنّ العبد يبقى عبداً، والسيد، غير القادر على العيش من دون العبد، أقل استعداداً لتحريره من أي وقت كان.

الطبقات الحاكمة، من حيث معاملتها للعمال، تتواجد في وضع الجاثم على صدر خصمه، ويمسك به دون أن يتركه ليس لأنه لا يريد تركه بل لأنه يعلم أنه سوف يُذبح فوراً ما إن يُخلي سبيل المطروح أرضاً لأنّ المطروح أرضاً، الساخط، يحمل سكيناً في يده. وبالتالي، سواء كانت مرهفة الحسّ أم لا، لا يمكن لطبقاتنا الغنية التنعم بالخيرات التي سرقتها من الفقراء، كما كان يفعل القدماء الذين كانوا مؤمنين بحقهم في هذا. إذ إنّ حياتها بأكملها وممتلكاتها كلها مُسمّمة بوخزات الضمير وبالخوف. هذا التناقض الاقتصادي أكثر غرابةً من التناقض الدولتي.

يتربى كل الناس على عادة الإذعان لقوانين الدولة، قبل أي شيء آخر. حياة بشر زماننا بأكملها محددة بقوانين الدولة. الإنسان يتزوج ويُطلق ويربّي أبناءه وحتى يعتنق ديناً (في كثير من الدول)، طبقاً للقانون. فما هو هذا القانون الذي يُحدّد حياة البشر برمتها؟ هل يؤمن البشر بهذا القانون حقاً؟ على الإطلاق. في معظم الحالات لا يؤمن بشر زماننا بعدالة هذا القانون، ويزدرونه، ورغم ذلك يذعنون له. كان أمراً جيداً للبشر القدماء تطبيق قوانينهم؛ فقد كانوا يؤمنون، يؤمنون تماماً، بأنّ قانونهم (إذ كانت معظمها دينية) هو القانون الوحيد الحق الذي على البشر جميعاً الخضوع له. لكن ماذا عنا؟ نحن نعلم، ولا يمكننا ألا نعلم، أنّ قانون دولتنا ليس القانون الأبدي الوحيد، وأنه قانون واحد فحسب من قوانين كثيرة لدول مختلفة، ناقصة بصورة متماثلة، غالباً باطلة وجائرة بشكل واضح، تتم مناقشتها من كافة جوانبها في الصحف. كان حسناً لليهودي الخضوع لشريعته عندما لم يكن لديه شك في أنّ الله هو الذي كتبها بيديه، أو للروماني عندما كان يعتقد أنّ الربة5 إيجيريا هي التي كتبتها، أو حتى عندما كانوا يعتقدون أنّ الملوك، الذين يسنّون القوانين، مصطفون من قبل الآلهة؛ أو حتى أنّ المجالس التشريعية لديها الرغبة والقدرة على إيجاد أفضل القوانين. لكن نحن نعلم كيف تُسنّ القوانين؛ فجميعنا كنا خلف الكواليس، ونعلم أنّ القوانين ليست سوى نتاج للجشع والكذب وصراع الأحزاب- نعلم أن ليس فيها، ولا يمكن أن يكون فيها، عدالة حقيقية. لذا لا يمكن لبشر زماننا أن يصدقوا أنّ الخضوع للقوانين المدنية أو الدولية يمكنه أن يلبي المتطلبات العاقلة للطبيعة البشرية. يعلم البشر، منذ زمن بعيد، أنّ ليس من الحصافة الخضوع للقانون الذي قد يكون هناك شك في حقانيته، لذا لا يمكنهم إلا أن يتعذبوا إذ يخضعون لقانون لا يعترفون بحصافته وضرورته.

لا يمكن للإنسان إلا أن يعاني عندما تكون حياته محددة مسبقاً بقوانين يجب عليه الإذعان لها تحت طائلة العقاب، والتي ليس فقط لا يؤمن بحصافتها وعدالتها بل وغالباً ما يدرك بوضوح جورها وقسوتها ولاطبيعيتها. ندرك عدم ضرورة الضرائب والرسوم الجمركية، ولكن يجب أن ندفعها؛ ندرك عدم جدوى الإنفاق على حراسة البلاط والكثير من موظفي الحكومة، ندرك العقيدة الكنسية الضارة وعلينا دعم هذه المؤسسات؛ ندرك قسوة ولاوجدانية العقوبات التي توقعها المحاكم وعلينا المشاركة فيها؛ ندرك عدم عدالة وضرر توزيع ملكية الأراضي الزراعية وعلينا الإذعان لذلك؛ لا نقرّ بضرورة الجيوش والحروب وعلينا حمل أعباء مهولة للإنفاق على الجيوش وخوض الحروب، وهلمّ جرّا.

لكن حتى هذا التناقض لا يُذكر مقارنةً بالتناقض الماثل في الوقت الراهن أمام البشر في العلاقات الدولية، والذي، تحت طائلة موت الحصافة الإنسانية والحياة البشرية، يحتاج إلى حل. إنه التناقض بين الإدراك المسيحي والحرب.

نحن، الشعوب المسيحية كافة، الذين نعيش حياة روحية واحدة، بحيث أنّ أية فكرة مثمرة، حين تنبثق في أحد أطراف الدنيا وتُبلّغ مباشرة للبشرية المسيحية برمتها، تثير مشاعر الفرح والاعتزاز لدينا بغض النظر عن جنسيتها؛ نحن الذين لا نحبّ مفكري ومُحسني وشعراء وعلماء الشعوب الأخرى وحسب؛ نحن الذين نفخر بمأثرة داميان6 وكأنها مأثرتنا الشخصية؛ نحن الذين ببساطة نحبّ أناس الجنسيات الأخرى: الفرنسيين، الألمان، الأمريكيين، الإنكليز، الذين لا نحترم مزاياهم فحسب بل ونفرح حين نلتقيهم، ونبتسم لهم بسرور، لا يمكننا ليس فقط عدّ محاربة هؤلاء الناس مأثرة بل وليس بمقدورنا التفكير، دون هلع، بأنه قد ينشأ بين هؤلاء الناس وبيننا خلاف لا يمكن حلّه إلا من خلال القتل المتبادل،- جميعنا مدعوون إلى المشاركة في المذبحة التي لا بد لها من أن تحدث، إن لم يكن اليوم فغداً.

كان حسناً لليهودي، أو اليوناني أو الروماني، ليس فقط الدفاع عن استقلال شعبه عن طريق القتل بل وإخضاع الشعوب الأخرى عن طريق القتل عندما كان يؤمن إيماناً راسخاً أنّ شعبه هو الشعب الوحيد الحقيقي والجيد والخير والمحبوب من قبل الله، وأنّ الشعوب الأخرى فيلستيون7 وبرابرة. كان يمكن لبشر القرون الوسطى تصديق ذلك، وكان يمكن لبشر أواخر القرن الماضي، مطلع القرن الحالي، تصديق ذلك. لكن نحن، ومهما تحرّشوا بنا، لم يعد بمقدورنا تصديق ذلك، وهذا التناقض، بالنسبة لبشر زماننا، من الهول بحيث بات العيش دون حلّه مستحيلاً.

"إننا نعيش في عصر مليء بالتناقضات،- يكتب في بحثه العلمي بروفيسور القانون الدولي الكونت كوماروفسكي- ففي مطبوعات كافة الدول يتمّ دائماً إبراز التطلّع العام إلى السلام، وإلى ضرورته للشعوب كافة. بالمعنى ذاته يتحدث ممثلو الحكومات، سواء كأفراد أم كأعضاء رسميين، في الخطب البرلمانية والمباحثات الدبلوماسية، وحتى في الاتفاقيات المتبادلة. غير أنّ الحكومات، في الوقت ذاته، تضاعف، عاماً بعد عام، القوة الحربية للدول وتفرض ضرائب جديدة وتراكم الديون تاركةً للأجيال القادمة واجب تحمل أخطاء السياسة الراهنة الحمقاء. يا للتناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال!"

"طبعاً، تشير الحكومات، لتبرير هذه الإجراءات، إلى الطابع الدفاعي الحصري لكل هذه النفقات وهذا التسلّح لكن، رغم ذلك، يبقى غير مفهوم لكل شخص مهتم من أين يمكن توقع الهجوم عندما تسعى كل الدول العظمى في سياساتها إلى الدفاع فقط. بالفعل، يبدو الأمر وكأنّ كل دولة عظمى تتوقع هجوم الدول العظمى الأخرى عليها في أي لحظة، وتبعات ذلك هي: عدم الثقة الشامل، وسعي خارق من قِبل الحكومات للتفوق على قدرات الدول العظمى الأخرى. إنّ التنافس على هذا النحو يفاقم، من تلقاء ذاته، خطر الحرب، إذ ليس بمقدور الشعوب تحمل التسلّح المتزايد لأمد طويل، وعاجلاً أو آجلاً سوف تُفضّل الحرب على كلّ خسائر الوضع الراهن وعلى التهديد المستمرّ. وبالتالي، ستكون أدنى ذريعة كافية لإشعال نار حرب شاملة في أوروبا برمتها. ليس من الصواب الاعتقاد بأنّ أزمة كهذه يمكنها إشفاؤنا من الكوارث السياسية والاقتصادية الضاغطة. فخبرة الحروب، التي خضناها في السنوات الأخيرة، تعلّمنا أنّ كل حرب فاقمت وحسب معاداة الشعوب لبعضها بعضاً، وزادت من عبء وعدم تحمل ضغط العسكرة، وجعلت وضع أوروبا السياسي- الاقتصادي كارثياً ومبلبلاً أكثر".

"أوروبا المعاصرة تجنّد جيشاً نشطاً على أهبة الاستعداد قوامه 9 ملايين شخص – يكتب إنريكو فيري- بالإضافة إلى جيش احتياط تعداد 15 مليوناً، منفقةً على ذلك أربعة مليارات فرنك سنوياً؛ ومن خلال تسلّحها أكثر فأكثر هي تشلّ مصادر الرخاء المجتمعي والفردي، ويمكن بسهولة تشبيهها بشخص يحكم على نفسه بفقر الدم لكي يتزوّد بالسلاح مُهدراً، بالإضافة إلى ذلك، قواه ذاتها لكي يستخدم تلك الأسلحة التي يحتاط منها، والتي يسقط تحت ثقلها في نهاية المطاف".

الشيء ذاته يقوله تشارلز بوت في الخطاب الذي ألقاه في لندن في جمعية إصلاح وتشريع قانون الشعوب، في 26 حزيران عام 1887. مشيراً إلى رقم التسعة ملايين ونيف ذاته للجيش النظامي والسبعة عشر مليوناً لجيش الاحتياط، وإلى النفقات الهائلة التي تنفقها الحكومات لتموين هذه الجيوش، وعلى التسلّح، يقول: "هذه الأرقام تشكّل جزءاً ضئيلاً فقط من الثمن الفعلي لأنّ، عدا عن هذه النفقات المعلومة من الميزانية العسكرية للشعوب، علينا الأخذ بالحسبان كذلك خسائر المجتمع الهائلة نتيجة حرمانه من هذا العدد الهائل من الناس الأكثر قوةً الذين تفقدهم الصناعة وشتى الأعمال الأخرى، وكذلك المبالغ الضخمة التي تنفق على التجهيزات الحربية التي لا نفع فيها على الإطلاق. العاقبة الحتمية لهذا الإنفاق على الحرب، وعلى الإعدادات للحرب، هي مديونية الدولة التي تزداد باستمرار. القسم الأكبر من ديون دول أوروبا كان بسبب الحرب، وقد بلغت محصلتها العامة 4 مليار جنيه إسترليني، أو 40 مليار روبل، وهذه الديون تزداد عاماً بعد عام".

كوماروفسكي ذاك نفسه يقول في موضع آخر: "إننا نعيش في زمن عصيب. في كل مكان تُسمع الشكاوى من ركود التجارة والصناعة، ومن الوضع الاقتصادي السيئ عموماً، ويُشار إلى الظروف القاسية لمعيشة الطبقات العاملة، وإلى الفقر الشامل للجماهير. لكن، رغم هذا، الحكومات، في نزوعها للحفاظ على استقلالها، تصل إلى أقصى حدود اللامعقول. في كل مكان يتمّ ابتداع ضرائب ورسوم جديدة، والاضطهاد المالي للشعوب لا يعرف حدوداً. إذا ما نظرنا إلى ميزانيات الدول الأوروبية خلال المائة سنة الأخيرة، فقبل أي شيء آخر سيذهلنا نموها المتصاعد والمتسارع بصورة دائمة. ما تفسير هذه الظاهرة غير العادية التي تهدّدنا جميعاً بالإفلاس الحتمي عاجلاً أو آجلاً؟

مما لا جدال فيه أنّ هذا يحدث بسبب النفقات التي تستدعيها إعاشة القوات التي تبتلع ثلث، بل حتى نصف، ميزانيات الدول الأوروبية كلها. المحزن أكثر هو أنه لا تُرى نهاية لازدياد هذه الميزانية ولا لافتقار الجماهير. ما الاشتراكية إلا رد فعل احتجاجاً على هذا الوضع غير الطبيعي إلى أقصى حدّ، والذي يعيشه معظم سكان هذا الجزء من العالم".

"نحن نُفلس – فريدريك باسي Fredric Passy في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر السلام الشامل الأخير (عام 1890) في لندن،- نحن نخسر أموالنا لكي تتوفر لنا إمكانية المشاركة في مذابح المستقبل المجنونة، أو لتسديد الديون التي تركتها لنا مذابح الماضي الإجرامية المجنونة. نحن نموت من الجوع لكي نكون قادرين على القتل".

ثم يتحدث عن وجهة نظر فرنسا حول هذا الموضوع فيقول: "نؤمن أنّ الوقت قد حان، بعد 100 سنة على اكتشاف حقوق الإنسان والمواطن، للاعتراف بحقوق الشعوب والتخلي، مرة وإلى الأبد، عن كافة أعمال الكذب والعنف التي، باسم المنجزات، هي في حقيقتها جرائم حقيقية في حقّ الإنسانية، والتي، لكي لا يعترف بها الملوك المتغطرسون والشعوب المتكبرة، يقلّلون من قوة الذين ينتصرون عليهم".

"التربية الدينية في بلدنا تثير دهشتي، – يقول "سير" ويلفريد لوسون Sir Wilfrid Lawson في ذلك المؤتمر ذاته- يذهب الولد إلى مدرسة الأحد، ويُعلّمونه: أيها الولد الحبيب، يجب أن تحبّ الأعداء. إذا ضربك رفيقك فلا يجب أن تردّ عليه بالمثل بل عليك أن تحاول إصلاحه بالمحبة. حسناً. يذهب الولد إلى مدرسة الأحد حتى سنّ 14- 15 سنة ثم يرسله الأصدقاء إلى الخدمة العسكرية، فماذا سوف يفعل في الخدمة العسكرية؟ ليس حبّ العدو بالطبع بل، على العكس، ما إن تصل يده إليه حتى يطعنه بالحربة. هذا هو مجمل التعليم الديني في هذا البلد. لا أعتقد أنّ هذه هي الوسيلة الأفضل لتطبيق أوامر الدين. أعتقد أن محبة العدو إذا كانت جيدة للولد، فهي جيدة للإنسان الراشد كذلك".

ثم يضيف: "في مصر هناك 28 مليون مسلّح لحسم الخلافات عبر قتل بعضهم بعضاً بدلاً من الحوار. هذه هي وسيلة حسم المسائل التي تستخدمها الشعوب المسيحية. ناهيكم عن أنّ هذه الوسيلة باهظة التكاليف لأنّ شعوب أوروبا – وفق حسابات اطلعت عليها- أنفقت، منذ عام 1872، مبلغاً لا يُصدّق بلغ 15 مليار روبل من أجل إعداد وحسم الخلافات عن طريق قتلها بعضها بعضاً. لذا يبدو لي، في ظل مجريات الأمور هذه، وجوب القبول بإحدى حالتين: إما أنّ المسيحية قد أخفقت (is a failure) وإما أنّ الذين تتطوّعوا لتفسيرها قد فسّروها بصورة غير موفقة".

ويقول السيد ويلسون Wilson Sowet. I. Mr: "إلى أن يتم نزع سلاح مدرّعاتنا الحربية وتسريح جيوشنا، حتى ذلك الحين لا يحقّ لنا تسمية أنفسنا أمّة مسيحية".

في الحوار الناشئ بمناسبة مسألة إلزامية الوصية لمشاركة القساوسة المسيحيين في الحرب قال السيد ج. د. بارتليت، بهذا الصدد: "إذا كنتُ أفهم الكتب المقدسة، ولو بمقدار ضئيل، فإنّي أؤكد أنّ البشر يتلاعبون بالمسيحية إذا كانوا يتجاهلون مسألة الحرب، أي يسكتون عنها. غير إنّي قد عشت حياةً طويلة، وبالكاد سمعت من قساوستنا وصية السلام الشامل. قبل عشرين سنة، في غرفة استقبال أمام أربعين شخصاً، قلتُ إنّ الحرب لا تتوافق مع المسيحية؛ فنظروا إليّ كما لو إلى متعصب مخبول. كانت فكرة إمكانية العيش دون حروب تُعدّ ضعفاً وجنوناً لا يُغتفران".

بالمعنى ذاته تحدث القسّ الكاثوليكي (رئيس دير ديفورنا): "أحد أول فروض القانون الأزلي المدوّن في ضمير كل البشر – يقول رئيس دير ديفورنا- هو تحريم سلب المرء حياة قريبه، سفك الدماء (دون سبب كافٍ إن لم ترغمه الضرورة على ذلك). إنه من الفروض المغروسة في قلب الإنسان أعمق من الفروض الأخرى كلها... لكن ما إن يتعلق الأمر بالحرب، أي بسفك سيول من الدماء البشرية، حتى لا يعود بشر زماننا يعبرون بالاً للسبب الكافي. الذين يشاركون في الحروب، لا يعودون يسألون أنفسهم ما إن كان لديهم أيّ تبرير لهذه الجرائم المميتة التي لا تُحصى؛ ما إن كانت عادلة أم لا؛ ما إن كانت مشروعة أم لا؛ ما إن كانت مبرّرة أم إجرامية؛ ما إن كانوا يخرقون أم لا القانون الرئيسي الذي يُحرّم القتل (دون سبب مشروع). ضمائرهم تصمت... لقد كفّت الحرب عن أن تكون قضية متوقفة على الأخلاق. بالنسبة للمقاتلين، في الجهود والمخاطر التي يتكبّدونها، ما من سعادة أكبر من النصر، وما من مرارة أشدّ من الهزيمة. لا تقولوا لي إنهم يخدمون الوطن؛ فمنذ زمن بعيد ردّ عليكم عبقري عظيم بكلمات صارت قولاً مأثوراً: "دعوا العدالة جانباً؛ ما الدولة إن لم تكن عصبة كبيرة من المجرمين؟ أليست عصبة المجرمين دويلة صغيرة يا تُرى؟ فعصبة المجرمين كذلك قوانينها. وحتى هناك يقاتلون من أجل الغنائم، بل وفي سبيل الشرف..."

"إنّ غاية هذه الهيئة (الحديث يتعلق بالمحكمة الدولية) هي أن تكفّ الشعوب الأوروبية عن أن تكون شعوب لصوص وجيوش -عصابات قطّاع طرق، ويجب إضافة- قطاع طرق ولصوص. أجل، جيوشنا حشود عبيد يخضعون لحاكم أو وزير واحد أو اثنين يتحكمان بهم دون أدنى شعور بالمسؤولية كما نعلم جميعاً..."

"يتميز العبد بأنه شيء، بأنه أداة بيد سيده، وليس إنساناً. وهكذا هم الجنود والجنرالات الذين يذهبون إلى الموت والقتل وفق مشيئة الحاكم أو الحكام. العبودية الحربية موجودة، وهي أسوأ العبوديات، خاصةً في الوقت الراهن، حيث عن طريق الخدمة الإلزامية تضع النير في رقاب الأحرار والأقوياء من بشر الأمم لكي تجعل منهم أدوات للقتل، جلادين، لحّامي اللحم البشري، إذ فقط من أجل ذلك يتم تجنيدهم وتدريبهم..."

"الحكّام، اثنان أو ثلاثة، يجلسون في مكاتبهم ويتآمرون سرّاً، دون بروتوكولات، دون شفافية، وبالتالي دون مسؤولية، ويرسلون الناس إلى المذبحة".

"الاحتجاجات على التسلح، الثقيل العبء على الشعب، لم تبدأ في زماننا – يقول سينوري ي. غ. مونيتا- استمعوا إلى ما كتبه مونتيسكيو في زمانه: "فرنسا (بالإمكان استبدالها بـ"أوروبا" في الوقت الراهن) سوف تهلك بسبب المحاربين. لقد انتشر مرض جديد في أوروبا. وقد وصل هذا المرض إلى الملوك، ويحيجهم إلى امتلاك عدد غير محتمل من القوات. هذا المرض معدٍ بالتأكيد، مُعدٍ لأنه ما إن تزيد إحدى الدول عديد قواتها حتى تفعل الدول الأخرى كلّها الشيء ذاته. وبالتالي لن ينتج شيء عن هذا سوى الهلاك الشامل".

"كل الحكومات تقتني من القوات ما يمكنها أن تقتني إذا ما تعرّضت شعوبها لخطر الإبادة، والبشر يسمّون حالة توتّر الكلّ ضدّ الكلّ سلاماً. ولهذا أوروبا مفلسة إلى درجة أنّ الأفراد لو كان وضعهم مثل وضع الحكومات لما وجد أكثر الناس ثراءً ما يعتاشون عليه. نحن فقراء رغم امتلاكنا ثروة وتجارة العالم برمته".

"لقد كُتب هذا قبل 150 سنة تقريباً. الصورة تبدو ذاتها في الوقت الراهن. لقد تغيّر شيء واحد فقط- شكل الحكم. في زمن مونتيسكيو كانوا يقولون إنّ سبب اقتناء جيوش كبيرة يكمن في السلطة اللامحدودة للملوك الذين يتقاتلون على أمل زيادة ملكياتهم الخاصة، والحصول على المجد عن طريق الانتصارات".

آنذاك كانوا يقولون: "آخ، لو أنّ الشعوب كانت قادرة على انتخاب الذين يحق لهم أن يحرموا الحكومات من الجنود والأموال لكانت حلّت نهاية السياسة الحربية". في الوقت الراهن، في أوروبا كلها تقريباً هناك حكومات منتخبة، ورغم ذلك تزداد النفقات الحربية، والتحضيرات للحرب، بنسب مخيفة".

"جليّ أنّ جنون المتسلطين قد انتقل إلى الطبقات الحاكمة. في الوقت الراهن، لم يعودوا يقتتلون لأنّ أحد الملوك قد قلّل الأدب مع عشيقة ملك آخر، كما حدث في زمن لويس الرابع عشر، وإنما، عبر تصعيد مشاعر الجدارة القومية والوطنية المبجلة والطبيعية، وتحريض الرأي العام لأحد الشعوب ضد آخر، يصلون، في نهاية المطاف، إلى أن يغدو كافياً لأن يُقال – رغم أنّ الأنباء لم تكن صحيحة- "إنّ مبعوث دولتكم لم يستقبله رئيس دولة أخرى" حتى تندلع حرب أشدّ هولاً ودماراً من كلّ الحروب التي حدثت يوماً. في الوقت الراهن تمتلك أوروبا جنوداً أكثر من أزمنة الحروب النابليونية العظيمة. جميع المواطنين في قارتنا، باستثناء قلّة قليلة، مجبرين على قضاء بضع سنوات في الثكنات. تُبنى القلاع والترسانات والسفن، تُنتج الأسلحة دون توقّف، وسرعان ما تُستبدل بغيرها لأنّ العلم، الذي كان يجب أن يوجّه لخير الإنسانية، يساعد، للأسف، على التدمير، ويبتكر وسائل أحدث فأحدث لقتل عدد كبير من الناس في أقصر مدة زمنية".

"ومن أجل امتلاك هذا العدد من الجنود، وللقيام بهذه التحضيرات الضخمة للقتل، يتمّ إنفاق الملايين كل عام، أي مبالغ كافية لتربية الشعب وإنجاز أضخم الأعمال لأجل المنفعة الاجتماعية، والتي يمكن لها تقديم الإمكانية لحلّ القضايا الخلافية بودّ".

"لهذا السبب تعيش أوروبا هذا الوضع، رغم انتصاراتنا العلمية كلّها، في ذات الوضع الذي عاشته في أسوأ أزمنة القرون الوسطى الوحشية. الجميع يشتكون من أنّ الوضع الذي نعيشه ليس حرباً وليس سلماً كذلك، والجميع يتمنون الخروج منه. رؤساء الحكومات يؤكدون أنهم جميعاً يريدون السلام، وتجري بينهم منافسة حول مَنْ منهم سيُصدر البيان الأفضل والأكثر سلمية. لكن في ذات اليوم، أو الذي يليه، يقدمون اقتراحاً إلى المجلس التشريعي حول زيادة التسلح، ويقولون إنهم يتخذون احتياطات كهذه من أجل ضمان السلام بالتحديد".

لكنّ هذا السلام ليس السلام الذي نحبّ. والشعوب لا يخدعها ذلك. السلام الحقيقي يقوم على الثقة المتبادلة في حين أنّ التسلح الهائل يُظهر عدم ثقة جلياً ولامتناهياً، إن لم يكن يُظهر عداوة خفية بين الدول. ماذا يمكننا أن نقول عن شخص، إذ يرغب في إظهار مشاعر الصداقة تجاه جاره يدعوه إلى بحث المسائل المائلة أمامهما وبيده مسدس محشو؟"

"هذا التناقض الصارخ بين إعلانات محبّة السلام وبين السياسات العسكرية للحكومات هو ما يرغب كلّ المواطنين الصالحين في التخلّص منه بأيّ وسيلة كانت".

يُدهشهم أنّ في أوروبا ينتحر 60 ألف شخص كل عام، وهي الانتحارات المعروفة فقط، المسجلة فقط، دون الأخذ بالحسبان روسيا وتركيا؛ لكن ينبغي عدم الاندهاش من أنّ الانتحارات المرتكبة كثيرة إلى هذا الحدّ، بل يجب الاندهاش من أنها بهذه القلّة. أيّ شخص في زماننا، إذا ما تعمقنا في التناقض بين وعيه وحياته، يعيش أشدّ حالات اليأس. وبغض النظر عن كافة التناقضات الأخرى بين الحياة والوعي، والتي حياة إنسان زماننا مليئة بها، يكفي هذا التناقض الأخير، بين حالة الحرب، التي تعيشها أوروبا، وبين عقيدته المسيحية لكي يصل الإنسان إلى اليأس، ولكي يرتاب في عقلانية الطبيعة البشرية، وليكفّ عن العيش في هذا العالم المجنون والوحشي. هذا التناقض – الحربي، الذي هو زبدة كلّ التناقضات الأخرى- من الهول بحيث يمكنك العيش، مشاركاً فيه، فقط إذا توقّفت عن التفكير فيه، فقط إذا كنت قادراً على تناسيه.

نحن المسيحيون جميعاً لسنا فقط ندين بالمحبة تجاه بعضنا بعضاً، بل نعيش بالفعل حياةً مشتركة واحدة، لحياتنا نبض مشترك، ونحن نساعد بعضنا بعضاً، ونتعلّم من بعضنا بعضاً، ونقترب بمحبة معاً أكثر فأكثر إلى الفرح المتبادل. في هذا التقارب يكمن مغزى الحياة برمته، وغداً رئيس حكومة غافل ما سيقول حماقةً ما، وسيردّ عليه آخر بمثلها، وأنا سأذهب، مُعرّضاً نفسي للقتل، أو لأقتل أناساً ليس فقط لم يفعلوا بي شيئاً، بل وأحبّهم. وهذا الوضع ليس بعيداً بل هو الوضع الذي نتجهز له جميعاً، وهذا الحدث ليس محتملاً فحسب بل حتمي كذلك.

يكفي أن يعي المرء هذا بوضوح حتى يفقد عقله أو يطلق النار على نفسه. وهو ما يحدث، خاصةً في صفوف العسكر. يكفي وحسب أن يثوب المرء إلى رشده للحظة واحدة حتى يصل إلى حتمية خاتمة كهذه. فقط هذا يفسّر التوتر المخيف الذي بموجبه ينزع بشر زماننا إلى تخدير أنفسهم بالنبيذ والتبغ والأفيون ولعب الورق وقراءة الصحف والسفر والعروض المسرحية والتسليات. هذه الأشياء كلها تنتج كأمور جادة وهامة. وهي أشياء هامة حقاً. فلولا كلّ وسائل التعتيم على البصيرة هذه لأطلق نصف البشر النار على أنفسهم فوراً لأنّ العيش على النقيض من العقلانية لهو وضع غير قابل للتحمل. وهذا هو الوضع الذي يعيشه بشر زماننا كلّهم. كل بشر زماننا يعيشون تناقضاً صارخاً مستمراً بين الوعي والحياة. هذه التناقضات تتجلّى في العلاقات الاقتصادية والدولية، لكنها تتجلّى بحدة أكثر في وعي أناس شريعة أخوة البشر المسيحية، في حتمية أن يكون كل منهم مستعداً للعدوان، للقتل، أن يكون كل منهم مسيحياً ومجالداً في الآن ذاته، - الحتمية التي يفرضها التجنيد الإجباري على كلّ البشر.

وفي ذلك الحين سيتم، بلا ريب، استبدال التعليم الديني بالتعليم الفلسفي، وسيكون ذلك التقدم الوحيد الذي حققه الفكر البشري عبر العصور.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.