III
وهكذا؛ فإن الأدلة، التي حصلت عليها بعد صدور كتابي، عن كيف فهم ويفهم، دائماً، الدين المسيحي في معناه المباشر والحقيقي من قبل قلة من الناس، وكذلك الانتقادات الكنسية والدنيوية له، النافية لإمكانية فهم تعليم المسيح في معناه المباشر، أقنعتني بأن الفهم الحق لهذا التعليم، في الوقت الذي أصبح واضحاً أكثر فأكثر لأغلبية من الناس من جهة، أصبح جوهره مبهماً أكثر فأكثر للأكثرية من جهة أخرى، بحيث وصل الإبهام، في نهاية المطاف، درجة لم يعد فيها البشر يفهمون أبسط مبادئه المعبر عنها بأبسط الكلمات في الأناجيل.
إن عدم فهم تعليم المسيح، في معناه الحق، البسيط والمباشر، في زماننا، حيث ينفذ نور هذا التعليم إلى أشد زوايا الوعي الإنساني ظلمة؛ حيث يُنادى على السطوح بما يُقال همساً في الأذن11، كما قال المسيح؛ حيث يتغلغل تعليم المسيح إلى كافة مناحي الحياة الإنسانية: الأسري والاقتصادي والأهلي والدولي والعالمي- لما كان لعدم الفهم هذا تفسيراً لو لم تكن له أسباب.
أحد هذه الأسباب هو القناعة الراسخة – سواء لدى المتدينين أم غير المتدينين – بأن الدين مفهوم لهم منذ زمن بعيد، وبشكل تام ويقيني ونهائي، بحيث لا يمكن أن يكون له معنى آخر سوى الذي يعطونه إياه. وسبب ذلك يكمن في استمرارية نقل الفهم الباطل للتعليم، وبالتالي عدم فهمه.
لا يمكن لأقوى تيار مائي إضافة قطرة واحدة من السائل إلى إناء ممتلئ.
بالإمكان توضيح أكثر الأشياء حكمة لأكثر الناس غباء إذا لم تكن لديه أي فكرة عنها، لكن ليس بالإمكان توضيح أكثر الأمور بساطة لأشد الناس ذكاء إذا كانت لديه قناعة راسخة بأنه يعلم، بل يعرف يقيناً، ما يُبلغ إليه.
يتمثل الدين المسيحي، بكل تفاصيله الدقيقة، لبشر عالمنا على هذا النحو بالضبط؛ تعليماً معروفاً من قبلهم، منذ زمن بعيد وبصورة يقينية، وليس بالإمكان فهمه بشكل مختلف عن فهمهم له.
في الوقت الحالي، يفهم أتباع العقائد الكنسية المسيحية كوحي خارق إعجازي يتحدث عن الدين بطريقة رمزية؛ أما غير المؤمنين فيفهمونها كدجل، وأنى لزمانه، لحاجة الإنسان إلى الإيمان بالخارق؛ كظاهرة تاريخية تنعكس كلياً في الكاثوليكية أو الأرثوذكسية أو البروتستانتية، لم يعد لها أي قيمة حياتية لنا. بالنسبة للمؤمنين معنى الدين تحجبه الكنيسة، ولغير المؤمنين يحجبه العلم.
في البداية سوف أتحدث عن الأولين:
قبل 1800 سنة ظهر في العالم الوثني الروماني دين جديد غريب لا يشبه أياً من الأديان السابقة، نُسب إلى المسيح الإنسان.
كان هذا الدين جديداً تماماً، سواء من حيث الشكل أم المضمون، بالنسبة للعالم اليهودي الذي ظهر فيه، وخاصة بالنسبة للعالم الروماني الذي بشَّر به وانتشر فيه. وسط كمال الشريعة الدينية اليهودية؛ شريعة الشرائع حسب قول إشعياء، ووسط التشريع الروماني الوضعي، الواصل درجة عظيمة من الكمال، نشأ دين لا ينفي كافة الآلهة فحسب – شتى أشكال الخوف منهم، شتى أشكال الكهانة والإيمان بها- بل وينفي كافة المؤسسات البشرية، وشتى أشكال ضروراتها.
مكان كافة شرائع الأديان السابقة قدَّم هذا الدين فقط قدوة التكامل الداخلي والحق والمحبة في شخص المسيح، ونتائج هذا التكامل الداخلي الذي يبلغه البشر،- الكمال الخارجي الذي تنبأ به الأنبياء-، هو ملكوت الله الذي في ظله يفقد الناس جميعاً قدرتهم على العدوان، وسوف يُعلّمهم جميعاً الله، ستجمعهم المحبة، وسيرقد الأسد بجوار الحمل. بدلاً من التهديد بالعقاب على عدم تطبيق القواعد التي وضعتها الشرائع السابقة، الدينية منها والحكومية، بدلاً من إغواء الثواب على تطبيقها، دعا هذا الدين فقط من خلال حقانيته. "إن شاء أحد أن يصنع مشيئته يعرف التعليم: هل هو من الله أم أنا أتكلم من عندي؟" (إنجيل يوحنا: 7، 17). "إن كنتُ أقول الحق فلماذا لا تؤمنون بي؟ لماذا تطلبون قتل إنسان يكلمكم بالحق؟ فقط الحق يُحرركم. يجب طاعة الله فقط في الحق. التعليم كله يُكشف ويتوضح بروح الحق. افعلوا ما أقول وستعلمون إن كان ما أقول حقاً أم لا".
لم يتم تقديم أي براهين لإثبات صحة التعليم سوى الحق، سوى تطابق التعليم مع الحق. لقد كمن مجمل التعليم في معرفة الحق واتباعه، في إدراك الحق أكثر فأكثر؛ في المزيد فالمزيد من الاقتراب إلى الحق في شؤون الحياة.
وفقاً لهذا التعليم، ما من أعمال يمكن لها تبرير الإنسان؛ وتجعله باراً، هناك فقط التوق القلبي إلى مثال الحق للتكامل الداخلي في شخص المسيح، وللتكامل الخارجي متمثلاً في إحياء ملكوت الله. يكمن تطبيق التعليم فقط في سلوك الدرب الذي يشير إليه؛ في الاقتراب إلى الكمال الداخلي- الاقتداء بالمسيح، وإلى الكمال الخارجي- إقامة ملكوت الله. لا تتوقف كثرة برِّ الإنسان أو قلّته، بموجب هذا التعليم، على درجة الكمال التي بلغها، وإنما على مدى سرعة الحركة.
وفقاً لهذا التعليم، إنّ تحرك زكا العشار والزانية وقاطع الطريق على الصليب، عبر الابتلاء، أكثر برَّاً من التقوى الساكنة للفريسي. الخروف الضال أغلى من 99 خروفاً ليس ضالاً. الابن الضال، النقد الضائع والمعثور عليه من جديد أغلى لدى أي إله من النقود التي لم تضع.
إن أي مقام12 -بحسب هذا التعليم- إنما هو درجة معينة فحسب على درب الكمال الداخلي والخارجي اللامدرك، ولهذا لا معنى له. يكمن الخير فقط في التوجه نحو الكمال، أما التوقف عند مقام ما فهو إيقاف للخير. "... فلا تعلم شمالك ما تصنع يمينك." (متى: 6، 2). "ليس أحداً يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يكون أهلاً لملكوت الله." (لوقا: 9، 63). "لاتفرحوا بهذا أنّ الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بأنّ أسماءكم مكتوبة في السماوات." (لوقا: 11، 20). "فكونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل." (متى: 5، 48). "فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبره..." (متى: 6، 32).
يكمن تطبيق التعليم فقط في التحرك الدائم؛ في بلوغ حقيقة أسمى فأسمى، وفي تجسيدها في الذات أكثر فأكثر، في المزيد فالمزيد من المحبة، والمزيد فالمزيد من تجسيد ملكوت الله خارج أنفسنا.
جليٌّ أنّ هذا الدين، الذي ظهر في العالمين اليهودي والوثني، ما كان له أن يُفهم من قبل معظم البشر الذين كانوا يعيشون حياة مختلفة كلياً عما كان يتطلبه هذا الدين، ولم يكن بإمكانه، كدين مناقض كلياً لكافة الأفكار السابقة، أن يكون مفهوماً بكافة معانيه حتى للذين اعتنقوه.
فقط عبر سلسلة من المغالطات والأخطاء والتفسيرات الأحادية الجانب، المصححة والمزيدة من قبل أجيال من البشر، توضح جوهر الدين المسيحي أكثر فأكثر للبشر. وقد أثّر المنظور المسيحي إلى العالم على المنظورين اليهودي والوثني، وأثر المنظوران اليهودي والوثني على المنظور المسيحي. والمنظور المسيحي، باعتباره حياً، نفذ أكثر فأكثر إلى العقيدتين اليهودية والوثنية، وبدأ يتحرر أكثر فأكثر من الشوائب الباطلة التي تراكمت عليه. وأدرك البشر أكثر فأكثر جوهر المسيحية، وجسدوه [المنظور] في المسيحية أكثر فأكثر.
كلما ذهبت البشرية أبعد في حياتها كلما اتضح لها جوهر المسيحية أكثر، إذ ليس بالإمكان، ولا يمكن، أن يحدث أمر مختلف مع أي تعليم عن الحياة. حيث قامت الأجيال اللاحقة بتصحيح أخطاء الأسلاف، واقتربت أكثر فأكثر من فهم معناه الحق.
هكذا كانت الحال منذ الأزمنة الأولى للمسيحية. وها قد ظهر، منذ عصورها الأولى، أناس راحوا يقنعون أنفسهم أنّ المعنى الذي يعطونه هم للدين هو الوحيد الحق، وأنّ الدليل على ذلك هو الكلمات التي تؤكد صواب فهمهم.
كان هذا هو السبب الرئيس لبداية عدم فهم الدين، وبعد ذلك لتحريف الدين كلياً. افتُرِض أنّ تعليم المسيح لا يُبلَّغ للبشر كأي حقيقة أخرى وإنما بطريقة خاصة خارقة، إذ إنّ حقانية فهم الدين لا تُبرهَن من خلال توافق الرسالة مع متطلبات العقل ومجمل طبيعة الإنسان، وإنما عبر عجائبية التبليغ التي تُعدّ برهاناً دامغاً على حقانية الفهم. وقد نشأ هذا الافتراض من عدم الفهم، وكانت نتيجة ذلك استحالة الفهم.
بدأ هذا الأمر منذ العهود الأولى، حين كان الدين يُفهم بصورة منقوصة وباطلة غالباً، كما نلاحظ في الأناجيل وأعمال الرسل. كلما قلّ فهم الدين كلما أصبح مبهماً أكثر، وكلما أصبحت هناك حاجة أكبر لبراهين خارجية على حقانيته. المبدأ القائل بعدم الفعل بالآخرين ما لا تريدهم أن يفعلوا بك، لم يكن بحاجة إلى برهان عن طريق المعجزات، ولم يكن هذا المبدأ بحاجة إلى إيمان حتى لأنّ هذا المبدأ مقنع بذاته، ويتوافق مع العقل ومع فطرة الإنسان، لكنّ المبدأ القائل بألوهية المسيح كان يجب إثباته من خلال معجزات غير مفهومة على الإطلاق.
كلما كان تعليم المسيح مبهماً أكثر كلما مُزج معه الأعجوبي أكثر؛ كلما ابتعد تعليم المسيح عن جوهره أكثر وأصبح مبهماً أكثر كلما أصبحت هناك حاجة أكبر لإثبات عصمته، وكلما أصبح التعليم مفهوماً بصورة أقل.
منذ الأزمنة الأولى يمكن رؤية – بموجب الأناجيل وأعمال الرسل- كيف استدعى عدم فهم التعليم ضرورة برهانه من خلال العجائبي واللامفهوم.
وقد بدأ هذا -حسب كتاب أعمال الرسل- منذ الاجتماع الذي اجتمع فيه التلاميذ في أورشليم لمناقشة مسألة تعميد أو عدم تعميد المختونين وآكلي ذبائح الأوثان.
إنّ طرح السؤال بحد ذاته يُظهر أنّ مناقشيه لم يفهموا تعليم المسيح الذي نبذ كافة الطقوس الخارجية: الوضوء، الغسل، الصوم، السبت. فقد قال صراحة: "ليس ما يدخل الفم يُنجّس... بل ما يخرج من القلب"، وبالتالي فإنّ مسألة تعميد غير المختونين كان بإمكانها أن تنشأ فقط بين أناس يحبون المعلم، شاعرين -بغموض- بعظمة تعليمه، لكنهم لم يفهموا التعليم ذاته بوضوح بعد. وهكذا كانت الحال.
بقدر عدم فهم أعضاء الاجتماع للتعليم بقدر ما كانوا بحاجة إلى إثبات خارجي لفهمهم الناقص. ولأجل حلّ هذه المسألة توجّب -حسبما ورد في كتاب أعمال الرسل- لأول مرة، الإقرار، بشكل ظاهري، بصحة تأكيدات معينة، وقيلت هذه الكلمات المرعبة المسببة شراً بالغاً: "ونحن شهود له.. والروح القدس أيضاً"13، أي تمّ الإقرار بصحة ما أقرّوه عبر المشاركة الإعجازية للروح القدس، أي الله، في هذا القرار. لكن حقيقة أنّ الروح القدس، أي الله، كان يتكلم من خلال الرسل، مرة أخرى، كانت بحاجة إلى إثبات. ومن أجل ذلك كانت هناك حاجة للتأكيد على أنّ الروح القدس، على شكل ألسنة نار، لمّا حلّ يوم الخميس، استقرّت على الذين أقرّوا ذلك. (أعمال الرسل: 2، 1-2). لكن حتى حلول الروح القدس كان يجب إثباته للذين لم يروا ألسنة نار (رغم أنه ليس مفهوماً لماذا لسان النار، المشتعل فوق رأس الشخص، يُظهر أنّ ما يقوله هذا الشخص حقيقة لا ريب فيها)، وأيضاً كانت هناك حاجة للمعجزات والإشفاءات والتعميدات والإماتات، وكل تلك المعجزات المغوية التي يمتلئ بها كتاب أعمال الرسل، والتي ليس فقط لا يمكنها الإقناع بحقانية الدين المسيحي فحسب وإنما يمكنها فقط التنفير منه. كانت تبعات هذه الطريقة لإثبات الحقيقة هي أنه كلما رُوكِمت، الواحدة تلو الأخرى، إثباتات صدق حكايات المعجزات كلما ابتعد الدين ذاته عن جوهره البدئي، وكلما أصبح مبهماً أكثر.
هكذا كانت الحال منذ العهود الأولى، وهكذا سار متعززاً باستمرار، حيث وصل، منطقياً، في زماننا، إلى دوغمات جوهرانية، وعصمة الباباوات والقساوسة أو عصمة الرسالات، أي إلى كل ما هو مبهم تماماً إلى درجة الخواء من المعنى، وإلى درجة تطلب إيماناً أعمى، ليس بالله وليس بالمسيح وليس حتى بالدين، وإنما بأشخاص، كما في الأرثوذكسية، أو بكتاب، كما في البروتستانتية. كلما اتسع انتشار المسيحية كلما اجتذبت حشداً أكبر من الناس غير الجاهزين؛ كلما فُهمت أقل كلما، بحسم أكبر، أُكِّدت عصمة الفهم، وكلما قلّت إمكانية فهم الجوهر الحق للدين. وحتى عصر قسطنطين انحصر مجمل فهم التعليم في خلاصة أقرّتها سلطة دنيوية -خلاصة المجادلات التي جرت في المَجْمَع- كناية عن الدين دُوِّن فيها: أؤمن بـ...، وبـ...، وبـ...، وفي الختام: بالكنيسة الرسولية الجامعة المقدسة الوحيدة، أي عصمة الأشخاص الذين يسمون أنفسهم كنيسة، وبالتالي انحصر كل شيء في أنّ الإنسان بات يؤمن، ليس بالله أو بالمسيح، كما أوحي إليه، وإنما بما تأمر به الكنيسة.
"لكنّ الكنيسة مقدسة؛ فالمسيح هو الذي أسَّس الكنيسة. لم يرد الله السماح للبشر بتفسير تعليمه على هواهم، ولهذا أنشأ الكنيسة". كل هذه المبادئ خاطئة ولا أساس لها إلى درجة أنّ من المخجل دحضها. لا يُرى في أي موضع، ما عدا في تأكيد الكنيسة، أنّ الله، أو المسيح، قد أقام شيئاً من قبيل ما يقصده الكنسيون بكلمة كنيسة. في الأناجيل توجد إشارة ضد الكنيسة، كمظهر خارجي، بمنتهى الجلاء والوضوح، وذلك في الموضع الذي يرد فيه أنّ تلاميذ المسيح لا ينبغي لهم أن يدعوا أحداً بالمعلمين أو الآباء، لكن لم يقل شيء، في أي موضع، عن إقامة ما يسميه الكنسيون الكنيسة.
لقد استخدمت كلمة "كنيسة" في الأناجيل مرتين. مرة بمعنى اجتماع الناس، الذي يحلّ المجادلات، والكلمة الثانية ربطاً بالكلمات المبهمة عن الصخرة – بطرس وأبواب الجحيم14. من هذه الذِّكرين لكلمة "كنيسة"، الذي يعني الاجتماع فحسب، يستنتجون ما تعنيه كلمة "كنيسة" في الوقت الراهن.
لكنّ المسيح ما كان له على الإطلاق أن يبني كنيسة، بالمعنى الذي نفهمه الآن من هذه الكلمة، لأنّ مفهوماً مماثلاً للكنيسة، كالتي نعرفها في الوقت الراهن، مع الأسرار والإكليروس، والأهم، تأكيدها لعصمتها، لم يَتضمَّن في أقوال المسيح، ولا في أذهان أناس ذلك الزمن.
كون البشر قد استخدموا الكلمة التي استخدمها المسيح لتسمية ما تركب منها بعد ذلك؛ فهذا لا يعطيهم الحق البتة في إقرار أنّ المسيح قد أقام الكنيسة الوحيدة الحق.
عدا عن أنه، إذا كان المسيح قد أنشأ حقاً هكذا مؤسسة، كالكنيسة التي يقوم عليها مجمل التعليم والدين برمته، فكان سيصرح بإقرار كهذا بمنتهى الدقة والوضوح، ولكان أشار إلى الكنيسة الحق الوحيدة، بعيداً عن المعجزات التي تستخدمها جميع الخرافات، إشارات لا تدع مجالاً للشك في حقانيتها، لكن لا يوجد شيء من هذا القبيل. وكما كانت الحال، ما زالت هناك الآن مختلف المؤسسات التي كل منها تسمي نفسها الكنيسة الحق الوحيدة.
يقول "الكاتيخيزيس" الكاثوليكي: "الكنيسة هي جامع15 المؤمنين، الذي أسسه ربنا يسوع المسيح، والمنتشر في الأرض كلها، والخاضع لسلطة القساوسة الشرعيين وأبينا المقدس- البابا"، والقصد من Pasteurs Ligitimes هو مؤسسة بشرية يرأسها البابا، مؤلفة من أشخاص معينين مرتبطين فيما بينهم بنظام معين.
ويقول "الكاتيخيزيس" الأرثوذكسي: "الكنيسة هي جامع أقامه يسوع المسيح على الأرض، متحد فيما بينه اتحاداً تاماً بوساطة التعليم الإلهي والأسرار تحت إشراف وقيادة الإكليروس المنصب من قبل الله"، ويُقصد بالإكليروس المنصب من قبل الله الإكليروس اليوناني بالتحديد، والمكون من أشخاص معينين يتقلدون هذه المناصب أو تلك.
ويقول "الكاتيخيزيس" اللوثري: "الكنيسة هي المسيحية المقدسة، أي جامع كل المؤمنين بقيادة المسيح، رئيسهم الذي من خلاله يقدّم، ويُبَلّغ ويُمثل، الروح القدس الخلاص الإلهي من خلال الإنجيل والأسرار"، والمقصود هو أنّ الكنيسة الكاثوليكية ضالة ومرتدة، وأنّ الرسالة الحق محفوظة في اللوثرية.
بالنسبة للكاثوليك، الكنيسة الإلهية تتوافق مع الإكليروس الروماني والبابا. وللأرثوذكس تتوافق الكنيسة الإلهية مع مؤسسات الإكليروس الشرقي والروسي16. وللوثريين تتوافق الكنيسة الإلهية مع جامع الناس المؤمنين بالكتاب المقدس و"كاتيخيزيس" لوثر.
في الحديث عن نشأة المسيحية عادةً ما يستخدم الناس، الذين ينتمون إلى إحدى الكنائس الموجودة، كلمة "كنيسة" بصيغة المفرد، وكأنّ الكنيسة هي، وكانت، كنيسة واحدة فقط. لكنّ هذا خاطئ تماماً؛ فالكنيسة، كمؤسسة تؤكد عن نفسها بأنها تحوز الحق الذي لا ريب فيه، ظهرت فقط عندما لم تعد وحيدة، وعندما أصبحت هناك كنيستان على الأقل.
ما دام المؤمنون كانوا متفقين فيما بينهم، وكان الجامع واحداً، لم يكن هناك سبب لكي يؤكدوا أنّهم كنيسة لكن عندما انقسم المؤمنون إلى أحزاب متناقضة، ينفي كل منها الآخر، ظهرت الحاجة لأن يثبت كل طرف حقانيته، ناسباً لنفسه العصمة. وقد ظهر مفهوم الكنيسة الوحيدة فقط عندما اختلف طرفان في الجدال، كل منهما يسمي الآخر هرطقة، ويعترف فقط بذاته بأنه الكنيسة المعصومة.
إذا كنّا نعلم أنه كانت هناك كنيسة، قررت في العام 51 للميلاد قبول غير المختونين، فإنّ هذه الكنيسة قد نشأت فقط لأنه كانت هناك كنيسة أخرى – لليهود من ذوي النفوذ- قررت عدم قبول غير المختونين.
إذا كانت هناك الآن كنيسة كاثوليكية تؤكد عصمتها؛ فقط لأن هناك كنائس يونانية- روسية وأرثوذكسية ولوثرية تؤكد كل منها عصمتها، وبهذا تنفي الكنائس الأخرى كلها. وبالتالي فالكنيسة الوحيدة ليست سوى خيالاً فنتازياً لا توجد لها أي دلائل واقعية. إذ كظاهرة تاريخية فعلية وُجدت، وتوجد، جوامع كثيرة للبشر، كل منها يُقرّ لنفسه بأنه الكنيسة الوحيدة التي أسسها المسيح، وأنّ الجوامع الأخرى، التي تسمي نفسها كنائس، ليست سوى هرطقات وانشقاقات. وإنّ "كاتيخيزيسات" أكثر الكنائس اختلافاً –الكاثوليكية والأرثوذكسية واللوثرية- تقول هذا صراحةً.
يرد في "الكاتيخيزيس" الكاثوليكي:
مَن يتواجد خارج الكنيسة؟ - الكفار والهرطقة والمنشقين. المنشقون يُعرفون بمن يُسمّون الأرثوذكس، والهرطقة يُعرفون باللوثريين. وبالتالي؛ فالكاثوليك فقط -حسب الكاتيخيزيس الكاثوليكي- ينتمون إلى الكنيسة.
وفي ما يسمى "الكاتيخيزيس" الأرثوذكسي يرد:
"يُقصد بكنيسة المسيح الوحيدة فقط الكنيسة الأرثوذكسية التي ظلَّت متوافقة كلياً مع الكنيسة المسكونية. أما كنيسة روما والمذاهب الأخرى (اللوثريون لا يُسمون المذاهب الأخرى كنيسة حتى)؛ فلا يجوز نسبها إلى الكنيسة الحق الوحيدة، حيث أنها قد انفصلت عنها بأنفسها.
بموجب هذا التحديد، يتواجد الكاثوليك واللوثريون خارج الكنيسة، وفقط الأرثوذكس يتواجدون داخل الكنيسة.
أما "الكاتيخيزيس" اللوثري فيقول:
"يتعرَّف إلى الكنيسة الحق من خلال أنّ فيها تُعلَّم كلمة الله بوضوح وصفاء، دون إضافات بشرية، وتُقام فيها الأسرار وفق تعليم المسيح".
حسب هذا التعريف، كل الذين أضافوا شيئاً إلى تعليم المسيح والرسل، كما فعلت الكنيستان الكاثوليكية واليونانية، يتموضعون خارج الكنيسة، وفقط البروتستانت داخل الكنيسة.
يؤكد الكاثوليك أنّ الروح القدس حلّ في إكليروسهم دون انقطاع؛ والأرثوذكس يؤكدون أنّ ذلك الروح القدس ذاته إنما حلّ، دائماً، في إكليروسهم؛ والآريوسيون17 يؤكدون أنّ الروح القدس قد حلّ في إكليروسهم. كما أكدت، بذات الحق الذي تؤكد به الكنائس السائدة في الوقت الراهن، شتى المذاهب البروتستانتية: اللوثرية والإصلاحية والمشيخانية18 والمنهجية19 والسويدينبورغية20 والمورمونية21، كلها تؤكد أنّ الروح القدس قد حلّ في جوامعها فقط.
إذا كان الكاثوليك يؤكدون أنّ الروح القدس، أثناء انفصال الكنيستين الآريوسية واليونانية، قد هجر الكنائس المنفصلة، وبقي في الكنيسة الحق الوحيدة؛ فالبروتستانت كذلك، أياً كان اسمهم، لهم الحق ذاته في تأكيد أنّ الروح القدس، أثناء انفصال كنيستهم عن الكنيسة الكاثوليكية، قد هجر الكاثوليكية وانتقل إلى الكنيسة التي يعترفون بها. وهكذا يفعلون.
كل الكنائس تستخلص عقيدتها من النقل المتواتر عن المسيح والرسل. وبالفعل، إنّ أي عقيدة مسيحية، نابعة من المسيح، كان عليها حتماً أن تصل إلى الجيل الحالي عبر منقول معين. لكنّ هذا لا يثبت أنّ أحد هذه المنقولات هو الحق اليقين دوناً عن المنقولات الأخرى كلها.
إنّ أي غصن على الشجرة ناشئ عن الجذر مباشرةً، لكن كون كل غصن ناشئ عن الجذر ذاته لا يثبت على الإطلاق أنّ كل غصن هو الغصن الوحيد. كذلك تماماً الكنائس.
فكل كنيسة تقدّم براهين، كهذه تماماً، على تعاقبها، بل حتى تقدّم المعجزات لصالح حقانيتها، مثلها مثل الكنائس الأخرى كلها، وبالتالي هناك تعريف واحد صارم ودقيق لماهية الكنيسة (ليس كشيء فنطازي على هوانا وإنما كما هي، وكما كانت، بالفعل)، وهو: الكنيسة هي جامع الناس الذين هم على يقين بأنهم يمتلكون الحقيقة الكلية والوحيدة.
وهذه الجوامع بالذات، التي تحولت فيما بعد إلى مؤسسات ذات نفوذ عن طريق دعم السلطة، كانت العائق الرئيس أمام انتشار المفهوم الحق لتعليم المسيح.
وما كان لها أن تكون على نحوٍ مغاير؛ فالميزة الرئيسة لتعليم المسيح، التي تميزه عن التعاليم السابقة كافة، تكمن في أنّ البشر، الذين يدينون به، يتطلعون إلى المزيد فالمزيد من فهم وتطبيق التعليم، في حين أنّ العقيدة الكنسية أكدت مفهومها، المنجز والنهائي، له وتطبيقه إياه.
مهما بدا لنا –نحن البشر- الأمر مستغرباً، ورغم تربيتنا على التعليم الباطل بأنّ الكنيسة هي مؤسسة مسيحية وعلى ازدراء الهرطقات؛ فقط في ما سُمّيت هرطقات كانت الحركة الحق، المسيحية الحق، وفقط عندما كفّت هذه الهرطقات عن الحركة، وترسخت كذلك في الصيغ الثابتة للكنيسة، كفت عن أن تكون مسيحية.
وبالفعل، ما الهرطقة؟ أعيدوا قراءة كافة المؤلفات اللاهوتية التي تبحث في الهرطقات، في الموضوع الذي يتنطع لتعريف الهرطقة، وستجدون أنّ كل لاهوت يتحدث عن تعليم حق وسط تعاليم باطلة، أي هرطقات، تحيط به، ولكن لن تجدوا حتى ما يشبه التعريف للهرطقة.
مثالاً عن هذا الغياب التام لأي مما يشبه التعريف لما يُفهم بكلمة "هرطقة" يمكن أن يكون رأي العالم المؤرخ المتخصص في تاريخ المسيحية بريستانسيه E. de Pressense في مؤلفه "تاريخ الدوغما" (Historire du Dogme) وذلك في مقدمته المعنونة "Udi Ghristus, idi Ecclessia" (باريس، 1869). هاكم ما يقوله في مقدمته (ص3): "أعلم أنهم، لدينا، يتنازعون الحق في كيفية تعريف (أي تسمية الهرطقات) تلك التوجهات التي كافحها الآباء الأوائل بمنتهى الجدية. إنّ تسمية "هرطقة" وحدها تُعدّ اعتداءً على حرية الضمير والفكر. لكننا، من جهتنا، لا يمكننا المشاطرة في شكوك من هذا القبيل، والتي لن تؤدي إلا إلى نزع السمة المميزة للمسيحية عنها".
وفي حديثه عن أنّ الكنيسة، بعد قسطنطين، قد أساءت بالفعل استخدام سلطتها لتسمية المخالفين لها هراطقة وملاحقتهم، يقول مناقشاً العهود الأولى:
"الكنيسة مجتمع حرّ، والانفصال عنها مكسب فحسب. إنّ المحاججة ضد الضلال قائمة على الأفكار والمشاعر فحسب. فالصيغة الدوغمانية العامة والوحيدة لم يتم ابتكارها حتى الآن، والاختلافات الجزئية تظهر بحرية، كما في الشرق كذلك في الغرب. التيولوجيا ليست مقيدة على الإطلاق إلى الصيغ الثابتة. وإذا ما سُلّط الضوء على المعتقدات المشتركة وسط هذا الاختلاف كله؛ أفليس من حقنا أن لا نرى في هذا منظومة مُصاغة بصورة نهائية، وضعها ممثلون نافذون لهذه المدرسة أو تلك، وأن لا نرى الذين ذاته في منطقه الأصفى، وفي تجلياته المباشرة ذاتها؟ إذا ما تبين أن هذه الوحدة، التي يُعثر عليها في كافة العقائد الأساسية، تنهض ضد هذه الاتجاهات أو تلك؛ أفلا يحق لنا أن نفترض، انطلاقاً من هذا، أنّ هذه الاتجاهات كانت على النقيض من المبادئ الأساسية للمسيحية؟ وألن يتحول افتراضنا إلى يقين تام عندما نتعرف في هذا التعليم، الذي تنقضه الكنيسة، ملامح مميزة لهذا الدين البالي أو ذاك؟ إذا ما قبلنا بأنّ الغنوصية22 والإبيونية23 هي صيغ شرعية للفكر المسيحي فيجب أن نقرّ، بجرأة، بأنّ لا وجود على الإطلاق، لا لفكر مسيحي ولا لطابع مميز يمكن بوساطته التعرّف إليه. لكننا أبطلناه نهائياً بدعوى نشره. في زمن أفلاطون ما كان أحد ليجرؤ على الإفصاح عن موافقته على عقيدة كهذه، والتي لا مكان فيها لنظرية المُثُل، ولكان أضحك اليونان كلها لو فكر في عدّ أبيقور أو زينون طلاباً في أكاديمية. وبالتالي، إذا كان هناك دين أو تعليم اسمه المسيحية، فلا بدَّ أن تكون له هرطقاته (ص4)".
تتلخص مناقشة المؤلف برمتها في أنّ أي فكر لا يتوافق مع مجموع الدوغمات التي نعتنقها هو هرطقة. لكن في الوقت الراهن، في هذا المكان، البشر يعبدون شيئاً ما، وعبادة الشيء ما هذه، في مكان ما، وفي زمان ما، لا يمكنها أن تكون معياراً للحق.
كل شيء يتلخص في "Udi Ghristus, idi Ecclessia": "المسيح هناك حيث الكنيسة".
إنّ أيّاً مما يسمى هرطقة، تعتبر ما تعتنقه الحق، يمكن لها، كذلك تماماً، أن تجد في تاريخ الكنيسة تفسيراً منطقياً لما تعتنقه، وأن تستخدم كل حجج بريستانسيه لمصلحتها، وأن تدعو فقط ما تعتنقه هي بالمسيحية الحق، وهو ما فعلته وتفعله كل الهرطقات.
التعريف الوحيد للهرطقة هو التسمية التي تطلقها مجموعة من الناس على أي رأي يناقض جزءاً من العقيدة التي تعتنقها المجموعة. أما المعنى الأضيق، الذي يوصف الهرطقة غالباً، فهو بمعنى الرأي الذي يناقض العقيدة المقامة والمدعومة من قبل سلطة دنيوية.
هناك مؤلَّف ضخم ورائع قلة يعرفونه اسمه "Unparteusche Kirchen und Ketzer- Historie, 1729" ، يبحث في هذا الموضوع بشكل مباشر، ويُظهر كلّ لاشرعية وتعسف وعبثية وقسوة استخدام كلمة "هرطقة" بمعنى "الكفر". هذا الكتاب محاولة لكتابة تاريخ المسيحية على أنه تاريخ هرطقة.
في مقدمة كتابه يطرح الكاتب جملة من الأسئلة:
1- عن الذين يُسمَّون الهراطقة.
2- عن الذين سَمّوا الهراطقة.
3- عن موضوعات الهرطقة ذاتها.
4- عن طريقة اتهام الهرطقة.
5- وعن أهداف وتبعات الاتهام بالهرطقة.
على جميع هذه البنود يضع كذلك الكاتب عشرات الأسئلة، والتي يقدّم بعد ذلك إجابات عنها من مؤلفات لاهوتيين معروفين، والأهم هو أنه يتيح للقارئ ذاته أن يضع استنتاجاته من خلال محتوى مجمل الكتاب. كأمثلة عن هذه الأسئلة، المشتملة جزئياً على الأجوبة، أورد ما يلي:
فيما يتعلق بالبند الرابع حول كيفية الاتهام الهرطقة يقول في أحد هذه الأسئلة (س7): "ألا يُظهر مجمل التاريخ أنّ أكثر الذين أصبحوا هراطقة وباتوا معلمي هذه الصنعة كانوا بالتحديد أولئك الحكماء الذين حجب عنهم الآب أسراره، أي المنافقين، الفريسيين والمشرعين أو الكفار والمفسدين". (س.س20، 21): "ألم يتم، في الأزمنة الفاسدة للمسيحية، نبذ أولئك الذين وهبهم الله مواهب عظيمة كمنافقين وحاسدين، والذين كانوا سيبجّلون عالياً في أزمنة المسيحية النقية. وعلى العكس من ذلك، هؤلاء الناس الذين -عند انحطاط المسيحية- تعالوا على كل شيء، واعتبروا أنفسهم معلمي المسيحية الأكثر نقاءً، أما كان هؤلاء الناس، في أزمنة رسل المسيح وتلامذته، ليُعدّوا أشدّ الهراطقة وأعداء المسيح خزياً".
وإذ يعبِّر، في هذه الأسئلة، عن فكرة أنّ التعبير الكلامي عن جوهر الدين، الذين كانت الكنيسة بحاجة إليه والذي عُدَّ الارتداد عنه هرطقة، لم يستطع على الإطلاق التغطية على عقيدة المؤمن ذاتها، وأنّ -لهذا السبب- مطلب التعبير عن الإيمان خلق الهرطقات، يقول في السؤالين 21 و 23:
"وإذا كانت الأعمال والأفكار الإلهية تُعدّ عظيمة وعميقة بالنسبة للإنسان إلى درجة أنه لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنها؛ فهل ينبغي عده هرطوقاً إذا لم يكن قادراً على التعبير عن فهمه لها بدقة؟ أليس لهذا السبب لم تكن هناك هرطقات في العهود الأولى، وأنّ المسيحيين لم يكونوا يدينون بعضهم بعضاً تبعاً لتعبيرات كلامية، وإنما بموجب القلوب والأعمال، وأنهم كانوا يعيشون في ظل حرية تامة للتعبير عن الأفكار دون خوف من أن يُعدَّ المرء هرطوقاً؟"
"ألم تكن الوسيلة الأكثر اعتياداً وسهولة للكنيسة (يقول في السؤال 31)، إذا ما أراد القس التخلص من أحدهم أو إهلاكه أن يجعل هذا الشخص يشك في عقيدته، فيُلقي عليه رداء الهرطقة، وبذلك تتم إدانته وإزاحته؟"
"رغم حقيقة وجود المغالطات والأضاليل بين الذين يُسمّون هراطقة، لكن ليس أقلّ صحةً وجلاءً، من الأمثلة التي لا تحصى المضروبة هنا (أي في تاريخ الكنيسة والهرطقات) -يقول لاحقاً- أنه لا يوجد، ولم يوجد، شخص صادق وذو ضمير له شيء من القيمة لم يتم إهلاكه من قبل الكنسيين بسبب الحسد أو لأسباب أخرى".
هكذا فُهم معنى الهرطقة قبل قرابة 200 سنة، وبغض النظر عن ذلك ما زال هذا المفهوم قائماً حتى الآن، ولا يمكن له إلا أن يبقى ما دام مفهوم الكنيسة قائماً. الهرطقة هي الوجه الآخر للكنيسة؛ فحيث توجد الكنيسة يجب أن يكون مفهوم الهرطقة موجوداً. الكنيسة هي جامع الناس الذين يعتقدون أنهم يحوزون الحق اليقين. والهرطقة هي رأي الناس الذين لا يعترفون بيقينية حق الكنيسة.
الهرطقة هي تجلّي الحركة في الكنيسة، هي محاولة لتدمير الإقرار النهائي للكنيسة، إنها محاولة لفهم الدين فهماً حياً. وبأي خطوة نحو الأمام لفهم الدين وتطبيقه إنما قام بها الهراطقة: الهراطقة كانوا ترتوليان وأوريجين وأغسطين وسافونارولا وخيليجيتسكي وغيرهم. وما كان للأمر أن يكون على نحوٍ آخر.
إنّ تلميذ المسيح، الذي يكمن تعليمه في المزيد فالمزيد من فهم التعليم والمزيد فالمزيد من تطبيقه، وفي التوجه نحو الكمال، لا يمكنه -لأنه تلميذ المسيح- أن يؤكد، عن نفسه أو عن شخص آخر، بأنه يفهم تعليم المسيح ويُطبقه بالكامل، وبدرجة أقلّ يمكنه تأكيد ذلك عن أي جامع كان.
أياً كانت درجة فهم وكمال تلميذ المسيح؛ فإنه يشعر دائماً بعدم كفاية فهمه وتطبيقه كذلك، ويتطلع إلى المزيد فالمزيد من الفهم والتطبيق. لذا فإنّ إقراره أنه يحوز، أو إقرار جامع ما أنه يحوز فهماً وتطبيقاً كاملين لتعليم المسيح إنما هو ارتداد عن روح تعليم المسيح.
مهما بدا ذلك غريباً، فإنّ الكنائس، ككنائس، كانت دائماً، ولا يمكنها إلا أن تكون، ليست مؤسسات غريبة فحسب بل ومعادية لتعليم المسيح صراحةً. وليس عبثاً أسماها فولتير بالمشيئة؛ وليس عبثاً أنّ كل، أو تقريباً كل، الطوائف المسيحية اعتبرت، وتعتبر، أنّ الكنيسة هي تلك الزانية التي تنبأت بها رؤيا يوحنا اللاهوتي؛ ليس عبثاً أنّ تاريخ الكنيسة هو تاريخ القسوة والأهوال الأعظم.
"الكنائس، ككنائس، ليست سوى مؤسسات تتمتع بمبدأ مسيحي في أساسها رغم ابتعادها عن الطريق المباشرة بعض الشيء" -هكذا يعتقد كثيرون، لكن الكنائس، كجوامع تؤكد عصمتها، هي مؤسسات معادية للمسيحية في جوهرها. ليس فقط لا يوجد ما هو مشترك، سوى الاسم، بين الكنائس وبين المسيحية بل هما مبدآن نقيضان ومعاديان لبعضهما بعضاً. أحدهما هو التكبر والعنف وتأكيد الذات والجمود والموت، والثاني هو التواضع والوداعة والاستكانة والحركة والحياة.
من المستحيل خدمة سيدين معاً، ويجب اختيار هذا أو ذاك. خدم كنائس كافة العقائد، وبشكل خاص في الأزمنة الأخيرة، يحاولون تقديم أنفسهم على أنهم مناصرو الحركة في المسيحية؛ فيقومون بتنازلات، ويرجون تصحيح سوء الاستخدام المندسّ في الكنيسة، ويقولون إنه بسبب سوء الاستخدام لا يجوز نفي مبدأ الكنيسة ذاته، الوحيدة القادرة على توحيد الجميع، وأن تكون وسيطاً بين الله والبشر. لكنّ هذا ليس صحيحاً؛ فالكنيسة ليست فقط لم توحد قط بل كانت دائماً أحد الأسباب الرئيسة لانقسام البشر، لكراهيتهم بعضهم بعضاً، للحروب والمجازر ومحاكم التفتيش وليالي بارثولومي...إلخ، ولن تكون الكنائس أبداً وسطاء بين البشر والله، وهو أمر لا لزوم له، وقد منعه صراحةً المسيح الذي كشف تعليمه مباشرة ودون وساطة لكل البشر، بل هي تضع صيغاً ميتة مكان الله، وليست فقط لا تكشف الله للبشر وإنما تحجبه عنهم. الكنائس، الناتجة عن عدم الفهم والمعززة عدم فهمها بالجمود، لا يجوز لها أن تلاحق، ولا أن تضطهد، أي فهم للتعليم. هي تحاول إخفاء ذلك لكن هذا مستحيل لأنّ أيّ حركة إلى الأمام عبر الطريق التي أشار إليها المسيح تحطم وجودها.
سوف تستمع إلى، وتقرأ، المقالات والخطب التي يتحدث فيها كتّاب العصر الجديد الكنسيون من كافة المذاهب عن الحقائق والفضائل المسيحية، سوف تسمع وتقرأ هذه الأفكار والمواعظ والعقائد المختلفة والمبتدعة منذ قرون، والتي تكون أحياناً شبيهة بالحقيقة، وسوف تشكّ في أن تكون الكنائس معادية للمسيحية: "لا يمكن لهؤلاء الناس، الذين قدّموا أناساً مثل يوحنا فم الذهب وفينيلون وبوتلر وغيرهم من دعاة المسيحية، أن يكونوا معادين لها". هناك رغبة في القول: "قد تنحرف الكنائس عن المسيحية، قد تخطئ، لكن ليس بإمكانها أن تكون معادية للمسيحية". لكنك ستنظر إلى الثمار التي تقيّم الشجرة من خلالها، كما علّم المسيح، وسترى أنّ ثمارهم كانت شريرة، وأنّ عاقبة عملهم كانت تحريف المسيحية، ولن يكون بمقدورك إلا أن تعترف، مهما بلغ تقوى هؤلاء الناس، بأنّ عمل الكنيسة، الذي شارك فيه هؤلاء الناس، لم يكن مسيحياً. إنّ برَّ وفضيلة كل هؤلاء الناس الذين خدموا الكنيسة كان برَّ وفضيلة هؤلاء الناس ولم يكونا برَّ وفضيلة القضية التي قاموا بخدمتها. كل هؤلاء الناس الخيرين، مثل الفرانسيسكيين والأسيزي و دي لوبيس وطوبيس وطوماس زادونسكي وتوما الإكويني وغيرهم، كانوا أناساً خيّرين، بغض النظر عن أنهم خدموا قضية معادية للمسيحية، ولكان برُّهم وفضيلتهم أكبر لو لم يقعوا تحت تأثير الأضلولة التي خدموها.
لكن فيمَ الحديث عن الماضي، ومحاكمة الماضي الذي ربما قُدِّم لنا بصورة كاذبة، والذي نعرف عنه القليل؛ فالكنيسة بأسسها وأعمالها ليست شأناً من شؤون الماضي: الكنائس مائلة أمامنا الآن، ويمكننا المناقشة بصددها على أرض الواقع وفقاً لعملها، ولتأثيرها على الناس.
فما هو عمل الكنائس في وقتنا الراهن؟ كيف تؤثر في الناس؟ ما الذي تفعله الكنائس لدينا، لدى الكاثوليك، لدى البروتستانت بشتى طوائفهم؟ ما هو جوهر عملها، وما هي عواقب عملها؟
إنّ عمل كنيستنا الروسية، التي تسمى الأرثوذكسية، مائل أمام أعين الجميع. وليس بالإمكان إخفاء هذه الحقيقة الهائلة، ولا يمكن المجادلة فيها. ما هو عمل هذه الكنيسة الروسية، هذه المؤسسة الضخمة البالغة النفوذ، والمكوّنة من جيش عرمرم قوامه نصف مليون شخص، والذي يُكلّف الشعب عشرات الملايين من الروبلات؟
يتلخص عمل هذه الكنيسة في تلقين جمهور الشعب الروسي المكوّن من 100 مليون نسمة، بشتى الوسائل الممكنة، تلك العقائد المتخلفة والبالية، التي لم يعد لها مبرّر على الإطلاق في الوقت الراهن، والتي دعا أناس غرباء شعبنا إليها، والتي لم يعد أحد يؤمن بها تقريباً الآن، بمن فيهم أولئك الذين يقع على عاتقهم واجب نشر هذه العقائد الباطلة.
إنّ تلقين شعبنا صيغ الإكليروس البيزنطي، حول الثالوث وأم الله والأسرار والمباركة...إلخ، الغريبة عليه، والبالية، والتي لا معنى لها لبشر زماننا، يُعدُّ جزءاً من عمل الكنيسة الروسية. الجزء الثاني لعملها هو تقليد عبادة الأصنام بالمعنى المباشر لهذه الكلمة: تبجيل الأضرحة "المقدسة" والأيقونات وجلب الأضحيات لها، وتوقع تحقق الأمنيات منها. لن أتحدث عما يُقال ويُكتب من قبل الإكليروس مرفقاً بمسحة علمية وليبرالية في المجلات الدينية، بل سأتحدث عما يقوم به الإكليروس في الأراضي الروسية الشاسعة برمتها، بين شعب مؤلف من 100 مليون نسمة. ما الذي يعلمونه للشعب بحرص ومواظبة ودأب، وبصورة مماثلة في كل مكان؟ ما الذي يطلبونه منه من منطلق ما يسمى العقيدة المسيحية؟
سأبدأ من البداية، من ولادة الطفل: عند ولادة طفل يعلمونهم وجوب تلاوة صلاة على الطفل والأم ليطهّرا، حيث أنّ هذه الأم التي أنجبت تكون نجسة من دون هذه الصلاة. من أجل ذلك، أمام صور القديسين المسّميين ببساطة آلهة من قبل الشعب، يأخذ القس الطفل على يديه، ويتلو التعاويذ، وبهذا يُطهّر الأم. ثم يتم تلقين الوالدين، بل حتى يؤمران تحت طائلة العقاب في حال عدم التنفيذ، ضرورة تعميد الطفل، أي يرشه القس بالماء ثلاث مرات، فيتلو كلمات لا يفهمها أحد، وتُصنع أعمال مفهومة بدرجة أقل – مسح أجزاء من الجسد بالزيت، قص الشعر، النفخ، البصق على شيطان متخيّل. وعلى هذا كله أن يُطهّر الطفل ويجعل منه مسيحياً. بعد ذلك يتم تلقين الوالدين وجوب تقريب الطفل، أي إعطاءه جزءاً من جسد المسيح، على شكل خبز ونبيذ، ليتناوله، الأمر الذي يعني أنّ الطفل يتقبل في ذاته نعمة المسيح...إلخ. ثم يُلقنون أنّ هذا الطفل -حسب عمره- يجب تعليمه الصلاة. والصلاة تعني الوقوف مباشرة أمام ألواح رُسمت عليها وجوه المسيح والعذراء والقديسين، والسجود بالرأس والجسد كله، ولمس الجبين والكتفين والبطن باليد اليمنى، مع وضعية معينة للأصابع، والنطق بكلمات سلافية، والتي من بينها الأكثر شيوعاً، والأكثر تلقيناً لجميع الأطفال: "يا والدة الله، أيتها العذراء، افرحي...إلخ." ثم يُلقَّن المربى أنّ عليه القيام بالشيء ذاته عند رؤية أي كنيسة أو أيقونة، أي أن يرسم إشارة الصليب، ثم يُلقنونه أنّ في الأعياد (الأعياد هي اليوم الذي ولد فيه المسيح مع أنّ أحداً لا يعلم متى حدث ذلك، واليوم الذي خُتن فيه، ويوم وفاة السيدة العذراء، واليوم الذي جُلب فيه الصليب أو جيء فيه بالأيقونة، أو اليوم الذي رأى فيه "عبيط" ما رؤيا...إلخ) عليه ارتداء أفضل الملابس، والذهاب إلى الكنيسة، وشراء الشموع ووضعها تحت صور القديسين، وتلاوة الأذكار وتقديم قطع الخبز ليتم تقطيعها إلى أشكال مثلثة، ثم الصلاة مرات كثيرة من أجل صحة ورفاهية القيصر ورؤوساء الكنيسة، ومن أجل صحة المرء وشؤونه، ثم تقبيل الصليب ويد القس.
فضلاً عن هذه الصلاة، يُلقن أيضاً أنّ عليه، مرة واحدة على الأقل في السنة، أن يعترف. والاعتراف يعني دخول المرء الكنيسة وإخبار القس عن خطاياه، معتقداً أنّ الإخبار عن خطاياه لشخص غريب عليه يُطهره من الذنوب كلياً. ثم يُلقن الرجل والمرأة، إذا كانا يريدان أن تكون معاشرتهما الجنسية مقدسة، أنّ عليهما الذهاب إلى الكنيسة وعلى رأسيهما إكليلان معدنيان، وأن يحتسيا النبيذ، ويدورا حول الطاولة ثلاث مرات على أصوات الأناشيد، وحينذاك تغدو المعاشرة الجنسية بين الرجل والمرأة مقدسة، ومتميزة كلياً عن شتى أشكال المعاشرة الأخرى.
أما في الحياة فيتم تلقين وجوب اتباع القواعد التالية: عدم تناول اللحم والحليب في أيام معلومة، وفي أيام معلومة أخرى تجب الصلاة وإقامة القداديس على الموتى، واستقبال القس في الأعياد وإعطاءه المال، وعدة مرات في السنة يجب أخذ ألواح عليها رسومات من الكنيسة وحملها على المناشف عبر الحقول والبيوت. أما قبل الموت فيُلقن الإنسان أنّ عليه حتماً تناول الخبز والنبيذ، وسيكون أفضل لو أنه تمكن من مسح جسده بالزيت؛ فهذا سيضمن له الجنة في الآخرة. أما بعد وفاته فيوعز إلى أهله أنّ من المفيد وضع ورقة كُتبت عليها صلاة في يد المتوفى من أجل خلاص روحه، ومفيد أيضاً لو أنهم قرأوا على الميت آية معينة، ونطقوا اسم الميت في وقت محدد في الكنيسة.
هذه العقيدة تُعدُّ ملزمة لكل الناس.
أما إذا أراد أحدهم الاعتناء بروحه عنايةً خاصة؛ فبموجب هذه العقيدة يُوعز إليه أنّ الضمانة الأكبر لنعيم الروح في ذلك العالم تُدرك عبر تقديم المال للكنائس والأديرة، الأمر الذي يُلزم القديسين بالدعاء له. ووفقاً لهذه العقيدة تُعدُّ زيارة الأديرة وتقبيل الأيقونات والأضرحة مَنْجية.
حسب هذه العقيدة، تتركز في هذه الأيقونات والأضرحة قداسة خاصة، وقدرة وبرّ، والتقرب إلى هذه الأشياء: لمسها، تقبيلها، إشعال الشموع لها، الزحف تحتها – كل هذا يساعد على الخلاص، تماماً مثل الصلوات الموصى عليها24 التي تُنشد قدَّام هذه المقدسات.
وها هي هذه العقيدة، وليست أيّ عقيدة أخرى، المسماة الأرثوذكسية، أي الدين الحق، تُلقن، على أنها المسيحية، للشعب في الوقت الراهن، بكل ما أوتي من قوة، وبحماسة كبيرة، على امتداد قرون كثيرة.
وليكفّوا عن القول إنّ المعلمين الأرثوذكس يرون أنّ جوهر الدين يكمن في شيء آخر، وإنّ هذه صيغ قديمة فحسب لا يُعدُّ القضاء عليها أمراً ضرورياً. هذا غير صحيح؛ ففي روسيا كلها يتم فقط تلقين هذه العقيدة، بسعي دؤوب، من قبل الإكليروس الروسي كله. وما من شيء آخر. فعن الشيء الآخر يجري الحديث ويُكتب في العواصم لكن وسط الشعب المكوّن من مائة مليون يُصنع هذا فقط، ويُلقن هذا فقط، ولا شيء أكثر. الكنسيون يتحدثون عن هذا الشيء الآخر لكنهم يلقنون هذا بكافة السبل الممكنة.
وقد أُدخل هذا السجود كله وكل هذه الأيقونات إلى اللاهوت، وإلى كتب تعليم أصول الدين، ويتم تعليمه للشعب بحرص، نظرياً وعملياً، وبكافة السبل المهيبة وبتألق ونفوذ وعنف، فيخترونه ويرغمونه على الإيمان به، وبغيرة يحمون هذه العقيدة من أي محاولة لتحرير الشعب من هذه الخرافات الهمجية.
على مرأى مني –كما قلت-، بمناسبة صدور كتابي، طوال سنوات كثيرة كان تعليم المسيح وأقواله المتعلقة بعدم مقاومة الشر موضوعاً للسخرية، للنكات الهازلة، والكنسيون ليس فقط لم يقاوموا هذا التجديف بل وشجعوا عليه، لكن حاولوا أن تقولوا كلمة غير لائقة عن الوثن الشنيع، المسمى "القديسة الإيبيرية"، الذي يجول به أناس سكّيرون عبر موسكو، حتى يتصاعد عويل سخط هؤلاء الكنسيين الأرثوذكس أنفسهم. ما يحدث هو الدعوة إلى طقوس وثنية فحسب. وليكفوا عن القول إنّ هذا لا يعيق الآخر، "هذا يجب القيام به وعدم ترك ذاك"، و"مهما قالوا فاحفظوه واعملوا به وأما مثل أعمالهم فلا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون" (متى: 23، 3)
لقد قيل هذا الكلام عن الفريسيين الذين كانوا يُطبقون كل الأوامر الظاهرية للشريعة، لذا فالقول "مهما قالوا لكم فاحفظوه واعملوا به" يتعلق بأداء العبادات وإهمال أعمال الخير، وله معنى معاكس كلياً لما يريد الكنسيون إعطاءه له، مفسرينه على أنه فقط أداء العبادات. العبادة الظاهرية وخدمة الرحمة والحق بالكاد تتعايشان؛ ففي معظم الحالات إحداهما تلغي الأخرى. هكذا كان الأمر لدى الفريسيين، وهكذا هي حال المسيحيين الكنسيين في الوقت الراهن.
إذا كان الإنسان قادراً على الخلاص من خلال الكفارات والأسرار والصلاة فإنه لا يعود بحاجة إلى أعمال الخير.
لا يجوز الإيمان بالموعظة على الجبل وبرمز العقيدة [الطقوس- م.] في الآن ذاته. اختار الكنسيون الأخير، حيث تُدرَّس الطقوس وتُتلى الصلاة في الكنائس في حين أنّ الموعظة على الجبل مستثناة حتى من القراءة في الكنائس من قبل الإنجيليين، إلى درجة أنّ رعايا الأبرشيات لا يسمعونها أبداً في الكنائس، ما عدا في الأيام التي تُقرأ فيها الأناجيل بالكامل. بل لا يمكن للأمر إلا أن يكون على هذا النحو؛ فالدين يؤمنون بإله شرير أرعن – لعن جنس البر، وضحّى بابنه، وقضى على قسم من البشر بالعذاب الأبدي- لا يمكنهم الإيمان بإله المحبة. الإنسان الذي يؤمن بإله المسيح المنتظر مع مجد دينونة وتعذيب الأحياء والأموات لا يمكنه الإيمان بالمسيح الذي أمر بإدارة الخد الآخر للمسيء، وبعدم الإدانة، وبالمغفرة للأعداء ومحبتهم. الإنسان، الذي يؤمن بوحيانية العهد القديم وبقدسية داود الذي أمر بقتل الشيخ على الهاوية المميتة25 لأنه أهانه، ولأنه لم يكن قادراً على قتله بنفسه حيث كان مقيداً بقسمه؛ الإنسان المؤمن بشناعات من هذا القبيل، والتي يمتلئ بها العهد القديم، لا يمكنه الإيمان بالتشريع الأخلاقي للمسيح؛ الإنسان المؤمن بتعليم ووعظ الكنيسة حول توافق المسيحية مع الإعدامات والحروب لا يمكنه الإيمان بأخوة البشر أجمعين.
أما الأمر الرئيس فهو أنّ الإنسان المؤمن بخلاص البشر من خلال إيمانهم بالكفارات والأسرار لا يعود بإمكانه تكريس جهوده لتطبيق التعليم الأخلاقي للمسيح في الحياة.
الإنسان، الذي تُعلّمه الكنيسة ذلك التعليم التجديفي بأنّ الإنسان لا يمكنه الخلاص من خلال سعيه الخاص، وأنّ هناك وسيلة أخرى، سوف يلجأ حتماً إلى تلك الوسيلة وليس إلى جهوده الخاصة التي يقنعونه أنّ الخطيئة تتكئ إليها. إنّ كل التعاليم الكنسية، بكفاراتها وأسرارها، تنفي تعليم المسيح، ناهيكم عن التعليم اللاهوتي مع عبادة الأصنام الخاصة به. سوف يقولون رداً على ذلك: "لكنّ الشعب آمن دائماً على هذا النحو، وعلى هذا النحو هو يؤمن الآن. إنّ تاريخ الشعب الروسي برمته يؤكد ذلك، ولا ينبغي حرمان الشعب من تقاليده". في هذا التحديد بالذات يكمن الكذب. ففي وقت ما كان الشعب يعتنق شيئاً مماثلاً لما تدعو إليه الكنيسة الآن، رغم أنه ليس مماثلاً له على الإطلاق؛ فالشعب كان لديه –عدا عن هذا التعصب الديني للأيقونات والمعابد والأضرحة بأكاليل الورد وأغصان أشجار البتولا- دائماً أيضاً فهم أخلاقي حياتي عميق للمسيحية، لم يكن له وجود قط في الكنيسة برمتها، وصودف فقط في أفضل ممثليها. لكنّ الشعب، رغم كل العوائق التي وضعتها في طريقه الدولة والكنيسة، تجاوز، في شخص أفضل ممثليه، هذه الدرجة الفظة للفهم منذ زمن بعيد، الأمر الذي يتجلّى من خلال الطوائف العقلانية القائمة بذاتها في كل مكان، التي تكتظ بها روسيا الآن، والتي يكافحها الكنسيون بفشل ذريع في الوقت الراهن. الشعب يسير قدماً في وعي الجانب الأخلاقي والحياتي للمسيحية. وهنا تظهر الكنيسة، بموروثها الوثني البالي الراسخ، الذي لا أساس له، بصيغته المنجزة، لدفع الشعب ثانيةً إلى تلك الظلمة التي خرج منها بهذه القوة.
يقول القساوسة: "نحن لا نُعلِّم الشعب شيئاً جديداً، بل نُعلّمه فقط ما يؤمن هو به، ولكن بصيغة أكثر كمالاً". وهو ما كان سيفعله شخص يربط صوصاً يكبر لكي يحشره في البيضة التي خرج منها.
كثيراً ما أذهلتني هذه الملاحظة الكوميدية، فقط لو أنّ عواقبها لم تكن بهذا الهول، وهي كيف أنّ الناس، المتشابكين في حلقة واحدة، يكذبون على بعضهم بعضاً، ويعجزون عن الخروج من هذه الحلقة المسحورة.
السؤال الأول، الشك الأول، للإنسان الروسي الذي بدأ يفكر هو السؤال المتعلق بالأيقونات، وخاصة الأضرحة: هل صحيح أنها خالدة، وأنها تُحقق المعجزات؟ مئات وآلاف الناس يطرحون على أنفسهم هذا السؤال، ويجدون صعوبة في حله، بصورة رئيسة لأنّ الأساقفة والمطارنة وجميع ذوي المناصب الرفيعة يلثمون الأضرحة والأيقونات التي تجترح المعجزات. اسألوا المطارنة وذوي المقامات الرفيعة عن سبب قيامهم بذلك، وسيقولون إنهم يفعلون ذلك لأجل الشعب، والشعب يلثمها لأنّ المطارنة وذوي المقامات الرفيعة يفعلون ذلك.
إنّ عمل الكنيسة الروسية، بغض النظر عن كل البريق الخارجي للعصرنة والعلمنة والروحانية الذي بدأ الآن أعضاؤها يستخدمونها في كتاباتهم ومقالاتهم ومجلاتهم وخطبهم الدينية، لا يكمن فقط في إبقاء الشعب في حالة عبادة الأوثان الفظة والهمجية، كما هي حاله الآن، بل كذلك في تعزيز ونشر الخرافة والجاهلية الدينية، وفي الانتزاع من الشعب الإدراك الحياتي للمسيحية الذي يعيشه جنباً إلى جنب مع عبادة الأوثان.
أذكر أنني كنت موجوداً في حانوت اسمه "برية أوبتينا" لبيع الكتب، يعود إلى دير، عندما كان رجل شيخ يختار كتباً دينية لحفيده المتعلّم. فدسَّ له الراهب كتاباً يصف الأضرحة والأعياد والأيقونات والأسرار...إلخ. سألت الشيخ ما إن كان لديه إنجيل؟ – لا. فقلت للراهب: "أعطه إنجيلاً باللغة الروسية". فقال الراهب: "هذا لا يناسبه".
هذا هو عمل كنيستنا باختصار.
قد يقول القارئ الأوروبي أو الأمريكي عن هذا الأمر: لكنّ هذا يحدث فقط في روسيا الهمجية. ورأي كهذا سيكون صحيحاً لكن فقط بقدر ما يتعلق الأمر بالحكومة التي تساعد الكنائس على إنجاز عملها المُخدّر والمُفسد في روسيا.
صحيح أنّ ليست هناك في أوروبا حكومة استبدادية إلى هذا الحد، وإلى هذه الدرجة متوافقة مع الكنيسة السائدة، لذا فإنّ مساهمة السلطة في إفساد الشعب في روسيا أقوى، لكن ليس صحيحاً أنّ الكنيسة الروسية، من حيث تأثيرها في الشعب، مختلفة عن أي كنيسة أخرى، بأي شيء كان.
الكنائس هي ذاتها في كل مكان، وإذا لم تكن هناك حكومة مذعنة للكنيسة الكاثوليكية أو الأنغليكانية أو اللوثرية فهذا بسبب عدم توفّر الرغبة في الاستفادة من حكومة كهذه.
الكنيسة ككنيسة، أياً كان نوعها -كاثوليكية أم أنغليكانية أم لوثرية أم أرثوذكسية-، بما أنها كنيسة، لا يمكنها إلا أن تتطلع إلى ما تصبو إليه الكنيسة الروسية، أي إلى حجب المعنى الحقيقي لتعليم المسيح، واستبدال تعليمها به، تعليمها الذي لا يفرض أي واجبات، ويمنع إمكانية فهم العمل الحقيقي لتعليم المسيح، والأهم هو أنه يبرّر وجود الكهنة الذين يعتاشون على حساب الشعب.
تُرى هل هو أمر مختلف ما فعلته وتفعله الكاثوليكية بمنعها قراءة الأناجيل، وبأمرها بعدم مناقشة موضوع الخضوع لرؤساء الكنائس والبابا المعصوم؟ تُرى هل تدعو الكاثوليكية إلى ما هو مختلف عما تدعو إليه الكنيسة الروسية؟ ذات الطقوس، ذات الأضرحة والمعجزات والأصنام والـ Notre – Dames ، التي تجترح المعجزات، وذات المواكب. ذات الأفكار البالغة الغموض عن المسيحية في الكتب والخطب، وإذا احتاج الأمر فتعزيز عبادة الأصنام ذاتها.
تُرى أليس الأمر ذاته يحدث، سواء في الكنيسة الأنغليكانية أم اللوثرية أم البروتستانتية بشتى أشكالها؟ ذات الطلب من الرعايا بخصوص الإيمان بالدوغمات التي عُبّر عنها في القرن الرابع والفائدة لأي معنى بالنسبة لبشر زماننا، وذات مطلب عبادة الأصنام، إن لم يكن السجود للأضرحة والأيقونات، فالسجود لأيام السبت ولحروف الكتاب المقدس. ذات العمل الموجَّه لحجب المتطلبات الحقيقية للمسيحية، واستبدالها بالظاهر غير الملزم بشيء، وبالـ "cant"26، حسبما حدَّد الإنكليز بصورة رائعة الواجب المفروض عليهم بشكل خاص.
هذا النشاط ملحوظ بشكل خاص بين البروتستانت لأنّ هذا المذهب ليست لديه ذرائع قديمة. ألا يحدث الأمر ذاته في الكالفينية المُجدَّدة، وفي الإنجيلية التي وُلد فيها جيش الخلاص.
كما هي متماثلة مواقف كافة العقائد الكنسية في تعاملها مع تعليم المسيح، كذلك أساليبها متماثلة أيضاً. وإنّ مواقفها على نحوٍ بحيث لا يمكنها إلا أن تبذل كل ما في وسعها لحجب تعليم المسيح الذي تستغلّ اسمه.
إنّ عدم توافق كافة العقائد الكنسية مع تعليم المسيح هو بحيث أنه لا حاجة لجهود مميزة لكشف عدم التوافق هذا للناس. وفي الواقع، يكفي فحسب تأمل حال أي إنسان راشد، وليس المتعلّم فقط بل حتى أبسط إنسان في زماننا هذا، وقد راكم مفاهيم محمولة في الجو عن اللاهوت والفيزياء والكيمياء والكوسموغونيا [علم نشأة الكون] والتاريخ، عندما يتعامل بوعي، لأول مرة، مع ما لقنوه إياه في طفولته، والذي رسّخته الكنائس لديه، مع اعتقاده بأنّ الله قد خلق العالم في ستة أيام، وأنّ النور سابق على الشمس، وأنّ نوح حشر الوحوش كلها في سفينته...إلخ، وأنّ يسوع هو أيضاً الإله-الابن الذي خلق كل شيء قبل الزمان، وأنّ الله قد جاء إلى الأرض لأجل خطيئة آدم، وأنه قد قام ويجلس على يمين العرش الآن، وسيأتي في السحاب ليدين العالم، وهلمّ جرّا. لكنّ هذه المبادئ برمتها قد ابتدعها البشر في القرن الرابع، ولها معنى محدّد لأناس ذلك العصر، وليس لها أيّ معنى على الإطلاق لأناس عصرنا. يمكن لبشر عصرنا أن يُكرّروا هذه الأقوال بأفواههم لكنهم لا يستطيعون الإيمان بها لأنّ أقوال من قبيل أنّ الله يعيش في السماء، وأنّ السماء قد انفتحت وقال صوت من هناك إنّ المسيح قد بُعث وطار إلى مكان ما في السماء، وإنه سوف يأتي مرة أخرى من مكان ما على السحاب...إلخ – ليس لها أيّ معنى بالنسبة لنا.
كان بمقدور إنسان يعتقد أنّ السماء قبة صلبة، هي المنتهى، أن يؤمن أو لا يؤمن بأنّ الله قد خلق السماء، وأنّ السماء قد انفتحت، وأنّ المسيح قد طار، لكن بالنسبة لنا ليس لهذه الكلمات أيّ معنى. يمكن لبشر زماننا فقط أن يؤمنوا بأنّ عليهم الإيمان بذلك، وهو ما يفعلونه، لكنهم لا يستطيعون أن يؤمنوا بما ليس له معنى بالنسبة إليهم.
أما إذا كان يجب أن يكون لهذه العبارات كلها معنى مجازي وجوهر أصلي؛ فإننا نعلم، أولاً، أنّ الكنسيين كلهم ليسوا متفقين على ذلك بل، على العكس، معظمهم يصرّ على فهم الكتاب المقدس بالمعنى الصريح، ونعلم، ثانياً، أنّ هذه التأويلات شديدة التنوع، وأنّ ما من دليل عليها.
لكن حتى إذا رغب المرء في إجبار نفسه على تصديق تعاليم الكنائس كما تُدرَّس؛ فإنّ الانتشار العام للتعليم والأناجيل، واختلاط أناس من مذاهب مختلفة، يُشكّل عائقاً كؤوداً آخر أمام ذلك. إذ يكفي فحسب أن يشتري إنسان إنجيلاً بثلاثة كوبيكات، ويقرأ الأقوال الواضحة، غير القابلة للتأويل، التي قالها المسيح للمرأة السامرية حين قال إنّ الآب ليس بحاجة إلى الساجدين في أورشليم أو في هذا الجبل أو ذاك بل إلى الساجدين بالروح والحق، أو الكلمات القائلة إنّ المسيح لا يجب أن يُصلّي مثل الوثني في المعابد جهراً وإنما في سره، أي في خلوته، تكفي فقط قراءة هذه الكلمات حتى يقتنع المرء أن ليس هناك أي سلطان لأيٍّ من رعاة الكنائس الذين يسمون أنفسهم بالمعلمين، بما يتناقض مع تعليم المسيح، وأنّ ما يُعلّمنا إياه الكنسيون ليس هو المسيحية. بالنسبة لإنسان زماننا، وإن استمرَّ بالإيمان بالمعجزات ولم يقرأ الأناجيل، وحدها مخالطة أناس من مذاهب وأديان أخرى، الأمر الذي بات من السهولة بمكان في عصرنا، سوف ترغم الإنسان على الشكّ في حقانية عقيدته. لكان حسناً لإنسان لم يرَ أناساً يؤمنون بدين مختلف عن دينه أن يُصدّق أنّ دينه هو الوحيد الحق، لكن يكفي لإنسان ذي فكر أن يلتقي –كما يحدث الآن باستمرار- بأناس أبرار أو أشرار، سواء بسواء، من أديان مختلفة، يشجبون أديان بعضهم بعضاً، حتى يشكَّ في العقيدة التي يعتنقها. في زماننا فقط إنسان جاهل تماماً، أو حيادي كلياً تجاه المسائل التي تسلط الأديان الضوء عليها، يمكنه البقاء ضمن العقيدة الكنسية.
فأي جهود تحتاج إليها الكنيسة، رغم كل هذه الظروف الهادمة للعقيدة، لكي تستمر ببناء الكنائس وإقامة الطقوس، وبالوعظ والتعليم، وبتبضيع الناس، وخاصةً بتلقّي الأموال من أجل كل هؤلاء الأساقفة ورعاة الأبرشيات والمُموِّنين ورؤوساء الممونين والمعمدين والخوارنة والأساقفة ورؤوساء الأسقفيات؟
هناك حاجة لجهود هائلة واستثنائية، والكنائس تبذل المزيد فالمزيد من هذه الجهود. عندنا، في روسيا (دوناً عن كل الآخرين)، يتم استخدام عنف السلطة، الخاضعة للكنيسة، الفظ والمباشر. الناس الذين يكفون عن أداء الطقوس أو الذين يُصرحون بذلك يُعاقبون أو يُحرمون من حقوقهم، أما الذين يتمسكون بصرامة بالأشكال الخارجية للعقيدة فتتم مكافأتهم ويُمنحون الحقوق.
هكذا تتصرف الكنائس الأرثوذكسية، لكن الكنائس كلها كذلك، دونما استثناء، تستخدم كافة الوسائل في هذا السبيل، والوسيلة الرئيسة من بينها هي التي باتت تُسمى الآن التخدير.
يتم استخدام كل الفنون، من فن العمارة إلى الشعر، للتأثير في نفوس الناس وتخديرهم، وهذا التأثير يجري دون توقف. وضرورة هذا التأثير المخدّر للناس واضحة بشكل خاص من أجل إيصالهم إلى حالة الخدَر في عمل جيش الخلاص الذي يستخدم أساليب جديدة، لم نعتد عليها، كالأبواق والأناشيد والأعلام والملابس والمواكب والرقص والدموع والمسرحيات الدرامية.
لكنّ هذه الأساليب تفتننا فقط لأنها جديدة؛ تُرى أليست الأساليب القديمة للمعابد، بإضاءتها المميزة وذهبها وبريقها وشموعها وجوقاتها وأورغنها وأجراسها وحبرياتها وخطبها البكائية...إلخ، هي الشيء ذاته؟ ولكن مهما بلغت قوة تأثير هذا التخدير فإنّ عمل الكنيسة الرئيس لا يكمن في ذلك. العمل الرئيس والأشرّ للكنيسة هو الموجه للكذب على الأطفال، أولئك الأطفال ذاتهم الذين قال عنهم المسيح: الويل لمن يضلّ أحد هؤلاء الصغار. منذ بدء يقظة وعي الطفل يبدأون بالكذب عليه، وبفوقية يُلقنونه ما لا يؤمن به المُلَقنون أنفسهم، ويواصلون التلقين إلى أن تتمو الكذبة مع طبيعة الطفل عن طريق الاعتياد. يكذبون على الطفل بحرص في أهم شأن من شؤون الحياة. وعندما تصبح الكذبة متآلفة مع حياته بحيث يغدو من الصعوبة الانفصال عنها، حينذاك ينفتح أمام الطفل عالم العلم والواقع برمته، والذي لا يعود بمقدوره، بأي شكل من الأشكال، الجمع بين العالم وبين العقائد المُلقّنة له، تاركةً إياه لكي يتعامل بنفسه مع هذه التناقضات قدر استطاعته.
ولو أنّ المرء وضع نصب عينيه مهمة بلبلة إنسان بحيث لا يعود قادراً، بعقله السليم، على الفكاك من عقيدتين متناقضتين مُلقنتين له منذ الطفولة، لن يكون بمقدوره ابتداع ما هو أقدر مما يُمارَس على كل شابٍّ تمّت تربيته في ما يُسمّى مجتمعنا المسيحي.
ما تفعله الكنائس بالبشر مرعب، لكن إذا ما فكرنا في وضعهم فإنّ أولئك الذين يُشكلون مؤسسة الكنيسة لا يمكنهم التصرف إلا على هذا النحو. فالكنائس تواجه معضلة: الموعظة على الجبل أم مجمع نيقية؟ - إحداهما تنفي الأخرى؛ فإذا آمن الإنسان بالموعظة على الجبل حقاً فإنّ مجمع نيقية سيفقد، لا مناص، بالنسبة إليه، معناه وقيمته، ومعه الكنيسة وممثلوها؛ وإذا آمن بمجمع نيقية، أي بالذين يُسَمّون أنفسهم ممثليها، فلن يعود بحاجة إلى الموعظة على الجبل. لذا ليس بمقدور الكنائس إلا أن تستخدم كل الجهود الممكنة للتعتيم على معنى الموعظة على الجبل، ولاجتذاب الناس إليها. فقط بفضل عمل الكنائس الدؤوب في هذا المنحى استمرّ تأثير الكنائس حتى الوقت الراهن. أوقف، ولو لأقصر فترة زمنية، تأثير الكنائس على حشود الناس وتخديرها للأولاد وكذبها عليهم، وسيفهم الناس تعليم المسيح. لذا فإنّ الكنائس لا توقف عملها الدؤوب وتخدير البالغين والكذب على الأولاد ولو للحظة واحدة. وعمل الكنيسة هذا، التي تُلَقن البشر فهماً باطلاً لتعليم المسيح، هو العائق أمام فهمه بالنسبة لمعظم البشر، ممَّن يُسمون المؤمنون.
إنّ الرأي الباطل لأهل العلم، بأنّ التعليم المتعلق بالمعجزات يعد جوهر التعليم المسيحي، وأنّ التعليم الحياتي المسيحي غير قابل للتطبيق، بالإضافة إلى سوء الفهم النابع من هذا الرأي الباطل، يعد سبباً آخر لعدم فهم المسيحية من قبل بشر زماننا.