II
هامّ جدّاً (جزء ١ من ٦):
هذه الرّغبة في إخفاء وإسكات كلّ ما حاولت قوله في كتابي أثارت لديّ أفكاراً بشأنها.
مُنِعَ كتابي عند صدوره، كما كنت أتوقّع، وبموجب القانون كان يجب حرقه، لكنّ الكتاب، بدلاً من حرقه، دُرِسَ من قِبَل الموظّفين، وانتشر، في قصّاصات وطبعات ليتوغرافيّة ١، وفي ترجمات طُبِعَت خارج البلاد، بأعداد كبيرة.
وبسرعة كبيرة ظهرت الانتقادات الموجّهة لكتابي، وهي ليست دينيّة فحسب بل ودنيويّة كذلك، والتي لم تسمح بها الحكومة فقط بل وشجّعتها، بحيث إنّ حتّى دحض الكتاب، الذي عُدَّ مجهولاً للجميع، أصبح مادّةً للمؤلّفات اللاهوتيّة في الأكاديميّات.
نقّاد كتابي، سواء الرّوس أم الأجانب، ينقسمون إلى نوعين رئيسين:
- النّقّاد المتديّنون، وهم الّذين يعتبرون أنفسهم مؤمنين.
- النّقّاد الدّنيويّون ذوو الفكر الحرّ.
سأبدأ من الأوّلين: في كتابي، أنا أتّهِم مُعلّمي الكنيسة بأنّهم يُعلّمون ما يناقض وصايا المسيح الّتي عبّر عنها، بوضوح وبصورة قاطعة، في الموعظة على الجبل، وبشكل خاصّ ما يناقض الوصيّة القائلة بعدم مقاومة الشّرّ، وأنّهم بهذا يُفقدون تعليم المسيح قيمته كلّها.
يعترف مُعلّمو الكنيسة بالموعظة على الجبل مع الوصيّة المتعلّقة بعدم مقاومة الشّرّ بالعنف وحياً إلهيّاً، وبالتالي، فما داموا قد وجدوا أنّ من الضّروري الكتابة عن كتابي فلا بدّ لهم، بادئ ذي بدء، من أن يردّوا على هذه النّقطة الرّئيسة في الاتّهام، وأن يقولوا صراحةً ما إذا كانوا يعتبرون الموعظة على الجبل والوصيّة المتعلّقة بعدم مقاومة الشّرّ بالعنف مُلزمتين للمسيحيّ أم لا.
لا أن يردّوا كما يفعلون عادةً، أي أن يقولوا: "رغم أنّه لا يمكن نفي ذلك من جهة، لكن من جهة أخرى لا يمكن تأكيده، خاصّة وأنّ... إلخ" بل أن يجيبوا مثلما طُرِحَ السّؤال في كتابي:
- هل طلب المسيح فعلاً من تلاميذه تطبيق ما علّمهم إيّاه في الموعظة على الجبل؟
- هل يجوز للمسيحيّ أم لا اللّجوء إلى القضاء، مديناً النّاس أو باحثاً عن حماية القوّة، مع بقائه مسيحيّاً؟
- هل تجوز للمسيحيّ أم لا، مع بقائه مسيحيّاً، المشاركة في الإدارات، مستخدماً العنف ضدّ أقربائه، وخاصّة الخدمة الإلزاميّة العامّة الّتي تواجه الجميع في الوقت الرّاهن؟
- هل يجوز للمسيحيّ أم لا، مع بقائه مسيحيّاً، أن يتعهّد، في تناقض مع أمر المسيح الصّريح، بالمشاركة في الأعمال المستقبليّة المناقضة للدّين صراحةً، وأن يتجهّز، عبر التحاقه بالخدمة العسكريّة، لقتل البشر أو القيام بذلك؟
الأسئلة موضوعة بصورة واضحة وصريحة، والمفروض أن يتمّ الرّدّ عليها بذات الوضوح والصّراحة. لكن، في كافّة الانتقادات الموجّهة إلى كتابي، لم يُصنَع شيء من هذا القبيل، تماماً كما لم يُفعَل شيء فيما يتعلّق بكافّة محاولات فضح ارتداد مُعلّمي الكنيسة عن شرع المسيح، والّتي يمتلئ بها التّاريخ منذ أيّام قسطنطين.
قيل الكثير جدّاً حول كتابي؛ قيل إنّي أفسّر هذا الموضع أو ذاك تفسيراً خاطئاً، وإنّي على ضلالة إذ لا أعترف بالثّالوث والتّكفير عن الذّنوب وخلود النّفس؛ قيل الكثير جدّاً لكن لم يُقَل الشّيء الوحيد الّذي يشكّل بالنّسبة لأيّ مسيحيّ، سؤال الحياة الرّئيس والجوهريّ: كيفيّة الجمع بين التّعليم حول العفو والوداعة والزّهد ومحبّة الكلّ: الأقربين والأعداء، المعبّر عنه بوضوح في أقوال المعلّم وفي قلب كلّ منّا، وبين متطلّبات العنف الحربيّ تجاه البشر، سواء كانوا من شعبنا أم من شعب غريب؟
كلّ ما يمكن تسميته أشباه إجابات عن هذا السّؤال يمكن حصره في الفئات الخمس التّالية. وقد حاولت، بهذا الخصوص، أن أجمع كلّ ما استطعت جمعه من خلال كلّ ما كُتِبَ حول هذا الموضوع من قبل، وليس من خلال الانتقادات الموجّهة إلى كتابي فقط.
الطّريقة الأولى والأكثر فظاظة للإجابة تكمن في التّأكيد الجريء بأنّ العنف لا يناقض تعليم المسيح، وبأنّه مباح بل حتّى مفروض على مسيحيّي العهدين القديم والجديد.
هذا النّوع من التّأكيد يأتي، بمعظمه، من أناس يتربّعون على أعلى درجات المراتبيّة الحكوميّة أو الدّينيّة، ونتيجةً لذلك هم متأكّدون تماماً من أنّ أحداً لن يجرؤ على الاعتراض على تأكيداتهم، وإذا ما اعترض أحد فإنّهم لن يُصغوا إلى هذه الاعتراضات.
معظم هؤلاء النّاس، من جرّاء خدر السّلطة، فقدوا القدرة على تصوّر أنّ هناك مسيحيّة يشغلون مواقعهم باسمها، وكلّ ما هو مسيحيّ هو طائفويّة بالنّسبة إليهم، ويعتبرون كلّ ما هو مكتوب، سواء في العهد القديم أم الجديد، ويمكن تفسيره بمعانٍ وثنيّة معادية للمسيحيّة، أساس المسيحيّة.
ولكي يُثبتوا أنّ المسيحيّة لا تتناقض والعنف يُورد هؤلاء النّاس، بجرأة هائلة عادةً، أكثر المواضع إغواءً من العهدين القديم والجديد، مفسّرين إيّاها بأكثر الأشكال لامتسيحيّة: موت حنانيّا وسفيرة، موت سيمون السّاحر، إلخ. يتمّ إيراد كلّ أقوال المسيح الّتي يمكن تأويلها كتبرير للقسوة: الطّرد من الهيكل، "إنّه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة أكثر احتمالاً ممّا لتلك المدينة... إلخ" (إنجيل لوقا: ١٠، ١٢).
وفق مفاهيم هؤلاء النّاس، الحكومة المسيحيّة ليست ملزمة على الإطلاق بأن تسترشد بروح الوداعة والعفو عن الإساءة ومحبّة الأعداء.
لا جدوى من تفنيد تأكيدٍ كهذا لأنَّ الناس، الذين يؤكّدون هذا، يدحضون أنفسهم بأنفسهم أو، بالأحرى، يتنكّرون للمسيح، مختلقين مسيحهم محلّ الذي باسمه توجد الكنيسة والمواقع التي يشغلونها فيها. لو عرف البشر جميعاً أنَّ الكنيسة تُبشِّر بمسيحٍ يَعدِم ولا يَغفِر، بمسيحٍ يقتل، لما آمن أحدٌ بهذه الكنيسة، ولما كان بمقدور أحدٍ برهان ما تُبرهنه الكنيسة.
الطريقة الثانية، الأقل فظاظةً بعض الشيء، تكمن في التأكيد على أنَّ المسيح قد علّم فعلاً تقديم الخدّ الآخر وإعطاء الرداء، وعلى المطلب الأخلاقي السامي، لكن رغم ذلك... بما أنَّ هناك أشراراً في الدنيا؛ فإنه إذا لم يتمّ قمع هؤلاء الأشرار فسوف يهلك العالم برمّته، وسيهلك الأبرار. وقد عُثِرَت على هذه الحجّة، للمرة الأولى، لدى يوحنّا فم الذهب، وقد أُظهِرَت عدم صحّتها في كتابي "فيم تكمن عقيدتي؟"
ما من أساس لهذه الحجّة لأننا إذا سمحنا لأنفسنا بأن نعتبر أناساً ما أشراراً فإننا:
- أولاً - نقضي بهذا على مجمل معنى التعليم المسيحي الذي، بموجبه، كلّنا سواسيةً وإخوةً كأبناء للآب السماوي الواحد الأحد؛
- وثانياً، حتى لو أنَّ الله قد أباح استخدام العنف ضد الأشرار؛ فبما أنه يستحيل علينا إيجاد التحديد الصحيح واليقيني الذي يمكننا بموجبه معرفة الأشرار من غير الأشرار فيمكن لكل الناس، أو لمجتمع البشر، أن يعتبروا بعضهم بعضاً أشراراً، وهو ما يحدث الآن.
- ثالثاً، حتى لو كان بالإمكان تمييز الأشرار من غير الأشرار، بصورة يقينية، فحتى في تلك الحالة لا يجوز في المجتمع المسيحي إعدام الأشرار أو تشويههم أو وضعهم في السجون لأنه، في المجتمع المسيحي، لا يحق لأحد القيام بذلك لأنَّ المسيحي، باعتباره مسيحيّاً، مفروض عليه عدم ممارسة العنف تجاه الأشرار.
الطريقة الثالثة للإجابة، والأكثر دقّةً مما سبق، تتمثّل في التأكيد على أنَّ وصيّة عدم مقاومة الشرّ بالعنف، رغم أنها مُلزمة للمسيحي عندما يكون الشرّ موجّهاً ضدّه شخصيّاً فإنها لا تعود ملزمةً عندما يكون الشرّ موجّهاً ضد الأقربين، وأنَّ المسيحي آنذاك ليس فقط غير ملزم بتطبيق الوصيّة بل يجب عليه، من أجل حماية الأقربين، استخدام العنف ضد العنيفين، على النقيض من الوصيّة.
هذا التأكيد متعسّف تماماً، وفي تعاليم المسيح كلّها يستحيل العثور على إثبات لهذا التفسير. إنَّ تفسيراً من هذا القبيل ليس تقييداً للوصيّة فحسب بل نفي صريح لها وقضاء عليها. إذا كان يحق لكل الناس استخدام العنف عندما يتهدّد الخطر أحداً آخَر فإنَّ مسألة استخدام العنف تؤول إلى السؤال: ما الذي يُعدُّ خطراً مُهدّداً؟ فإذا كان حكمي الخاص هو الذي يقرّر مسألة الخطر بالنسبة لشخص آخَر فما من حالة من حالات العنف إلا ويمكن تبريرها بالخطر المُهدّد للآخَر. لقد تمَّ إعدام السحرة وحرقهم، وإعدام الأرستقراطيين والجيرونديين، وأُعدِم أعداؤهم كذلك، لأن الذين كانوا في السلطة اعتبروهم خطراً على الناس.
أما إذا كان هذا التقييد الهامّ، الذي ينسف معنى الوصيّة من جذوره، قد خطر للمسيح فكان لا بد له من التذكير به في مكان ما. لكن في مواعظ المسيح كلّها، وفي حياته، ليس فقط لم يوضع هذا التقييد بل، على العكس، تمَّ التحذير من هكذا تقييد باطل ومغوٍ ومُهلك للوصيّة. إنَّ خطأ وعدم جواز هذا التقييد يظهر، بمنتهى الوضوح، في الكتاب المقدّس أثناء الحديث عن مجادلة قيافا الذي قام بهذا التقييد بالذات. فقد أقرَّ بأنَّ إعدام يسوع البريء ليس أمراً حسناً لكنه رأى فيه خطراً ليس عليه هو وإنما على الشعب كلّه، ولهذا قال: "خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلّها!" وبوضوح أكثر أفصح عن نفي هذا التقييد في الكلمات التي قيلت لبطرس عند محاولته مقاومة الشرّ الموجّه ضد يسوع بالعنف. لم يكن بطرس يدافع عن نفسه وإنما عن معلّمه الحبيب. وقد منع المسيح هذا صراحةً قائلاً إنَّ من يأخذ السيف بالسيف يهلك.
فضلاً عن أنَّ تبرير العنف، المستخدم لحماية الأقربين من عنف آخَر أسوأ، خاطئ تماماً لأنه، عند استخدام العنف ضد من لم يرتكب الشرّ بعد، لا يمكن على الإطلاق معرفة أيّ شرّ سيكون أكبر - شرّ عنفي أم شرّ العنف الذي أريد الحماية منه. إننا نقوم بإعدام المجرم، مُخلصين المجتمع منه، ولا يمكننا على الإطلاق معرفة ما إذا كان المجرم السابق سيغيّر غداً أم لا، أم أنَّ إعدامنا له قسوة لا جدوى منها. نقوم بسجن عضو المجتمع الخطر، برأينا، لكن اعتباراً من الغد قد يكف هذا الإنسان عن أن يكون خطراً، وبالتالي فاعتقاله عبث. أرى مجرماً، أعرفه من قبل، يلاحق فتاة، وفي يدي سلاح، فأقوم بقتل المجرم، وأنقذ الفتاة، لكن موت المجرم أو جرحه حدث دون أن أعرف، ربما، ماذا كان سيحدث لو لم يحدث هذا. ما مدى ضخامة كمية الشرّ الذي يجب أن يحدث، وهو يحدث، من جراء منح البشر أنفسهم الحق في الاحتراس من الشرّ الذي قد يحدث. ٩٩% من شرور العالم، بدءاً من التعذيب القاسي وصولاً إلى قنابل الديناميت وإعدام وتعذيب عشرات الآلاف ممن يسمّونهم مجرمين سياسيين، تقوم على هذه المحاكمة.
الجواب الرابع، الأكثر دقّةً، عن السؤال: كيف يجب على المسيحي التعامل مع وصيّة عدم مقاومة الشرّ بالعنف؟ يكمن في التأكيد على أنَّ وصيّة عدم مقاومة الشرّ بالعنف لا تُنفى من قِبلهم بل يُعترف بها، مثل أيّ وصيّة أخرى، لكنهم لا ينسبون، فحسب، لهذه الوصيّة معنى استثنائيّ خاص، كما يفعل أهل الطوائف. إنَّ جعل هذه الوصيّة شرطاً ثابتاً للحياة المسيحيّة - كما يفعل هاريسون وباللو ودايموند والكويركز والشيكرز والمينونيت، وكما يفعل الإخوان المورافيون والوالدينيون والألبيغون١ والبوغومول والبولصيون - إنما هي طائفوية وحيدة الاتجاه. ليست لهذه الوصيّة قيمة أقلّ أو أكثر من الوصايا الأخرى، والإنسان الذي يخرق - بسبب ضعفه - أيّاً من الوصايا يظلّ مسيحيّاً إذا ما كان إيمانه صحيحاً.
هذه المراوغة حاذقة جداً، وكثير من الناس، من الراغبين في أن يُخدعوا، يسهل خداعهم. تكمن الحيلة في تحويل النفي الصريح المتعمّد للوصيّة إلى خرق عرضيّ لها. لكن يكفي فحسب مقارنة تعامل معلّمي الكنيسة مع هذه الوصيّة ومع الوصايا الأخرى التي يعترفون بها فعلاً حتى يقتنع المرء بأنَّ معاملة معلّمي الكنيسة للوصايا التي يقرّونها ولهذه الوصيّة مختلف تماماً. فهم يعترفون فعلاً بالوصيّة التي تُحرّم الزنى ولهذا فهم لا يُقرّون أبداً، ولا بأي حال من الأحوال، بأنَّ الزنى ليس شرّاً. لا يشير وعاظ الكنيسة أبداً إلى الحالات التي يجب فيها خرق وصيّة تحريم الزنى، ويُعلمون دائماً وجوب تجنّب الغوايات التي تؤدّي إلى فتنة الزنى. لكن الأمر ليس ذاته مع وصيّة اللامقاومة. جميع وعاظ الكنيسة يعرفون متى يمكن خرق هذه الوصيّة. وهكذا يُعلّمون الناس. وليس فقط لا يُعلّمون ضرورة تجنّب الغوايات، التي أهمّها القَسَم، بل هم أنفسهم يخلقونها. الوعاظ الكنسيّون لا يدعون أبداً، بأي حال من الأحوال، إلى خرق أيّ وصيّة أخرى. لكن فيما يتعلّق بوصيّة عدم المقاومة فهم يُعلّمون صراحةً وجوب عدم فهم هذا المنع بشكل مباشر جداً، وأنه ليست فقط لا توجد حاجة لتطبيق الوصيّة دائماً بل وأنَّ هناك ظروفاً وحالات يجب فيها القيام بالنقيض تماماً، أي الإدانة والقتل والإعدام. وبالتالي؛ في حالة وصيّة عدم مقاومة الشرّ بالعنف يُوعَظ، في معظم الحالات، بكيفية عدم تطبيقها. إنَّ تطبيق هذه الوصيّة - هم يقولون - أمر بالغ الصعوبة، وجدير بالكمال فقط. لكن كيف لها ألا تكون صعبةً عندما ليس فقط لا يُمنع خرقها، وإنما يُشجّع عليه صراحةً عندما تتمّ مباركة الحكّام والسجون والمدافع والأسلحة والجيوش والحروب. ليس صحيحاً، إذاً، أنَّ الوعاظ الكنسيّين يعترفون بتساوي هذه الوصيّة مع الوصايا الأخرى. الوعاظ الكنسيّون ببساطة لا يعترفون بها، وبسبب عدم جرأتهم على الاعتراف بذلك يحاولون إخفاء عدم اعترافهم بها.
هذه هي الطريقة الرابعة للإجابة.
الطريقة الخامسة، وهي أكثرها دقّةً وشيوعاً وقدرةً، تكمن في العزوف عن الردّ؛ في التظاهر بأنَّ هذه المسألة قد حُسمت، من قِبل أحدهم، منذ زمن بعيد، بشكل واضح ومقنع كلياً، وأنه ما من داع للتحادث عنها.
هذه الطريقة يستخدمها كافة الكتّاب المتديّنين، المثقّفين بدرجة أو بأخرى، أي الذين يشعرون بأنَّ قوانين المنطق مُلزمة لهم. عارفين أنَّ التناقض القائم بين تعاليم المسيح التي نعتنقها بالأقوال وبين مجمل نظام حياتنا لا يمكن حلّه عن طريق الكلمات، وأنه عند التطرّق إليه يغدو أكثر جلاءً فحسب، هم، بمهارة تزيد أو تنقص، متظاهرين بأنَّ مسألة الجمع بين المسيحيّة والعنف قد حُسمت، أو لا وجود لها على الإطلاق، يقفزون من فوقها.
مُعظمُ الانتقاداتِ الدينيَّةِ الموجَّهةِ إلى كتابي تستخدِمُ هذه الطريقةَ. ويُمكنني إيرادُ العشراتِ من انتقاداتٍ كهذه، والتي يتكرَّرُ فيها كُلُّها، دونما استثناءٍ، الأمرُ ذاتُه: يجري الحديثُ عن كُلِّ شيءٍ ولكن فقط ليس عمَّا يُشكِّلُ الموضوعَ الرئيسيَّ للكتابِ.
كمثالٍ تقليديٍّ عن انتقاداتٍ كهذه سأوردُ مقالَ الكاتبِ والواعظِ الإنكليزيِّ المتفاصِحِ، أستاذِ الموارباتِ والسكوتاتِ العظيمِ، مثلِ كثيرين من علماءِ اللاهوتِ، فارَّار. صدرَ هذا المقالُ في مجلةِ (Forum) الأمريكيَّةِ، في تشرينَ الأوَّلِ عامَ ١٨٨٨.
بعدَ أن يعرضَ محتوى كتابي بأمانةٍ وإيجازٍ، يقولُ فارَّار: "توصَّلَ تولستوي إلى قناعةٍ مفادُها أنَّ العالمَ قد كُذِبَ عليه عندما تمَّ إقناعُ البشرِ بأنَّ تعليمَ المسيحِ "لا تقاوِموا الشرَّ بالشرِّ" لا يجتمعُ مع الحربِ والمحاكماتِ والإعدامِ والطلاقِ والقَسَمِ، ومع الأهواءِ الشعبيَّةِ، ومع مُعظمِ مؤسَّساتِ الحياةِ الأهليَّةِ والاجتماعيَّةِ بشكلٍ عامٍّ.
هو يؤمنُ بأنَّ ملكوتَ اللهِ سوف يحلُّ الآنَ إذا ما طَبَّقَ البشرُ خمسَ وصايا للمسيحِ، وبالتحديدِ:
- ١) العيشُ بسلامٍ مع الناسِ كافَّةً؛
- ٢) عيشُ حياةٍ طاهرةٍ؛
- ٣) عدمُ القَسَمِ؛
- ٤) عدمُ مقاومةِ الشرِّ قطُّ؛
- ٥) نبذُ الاختلافاتِ بين الشعوبِ.
تولستوي - يقولُ هو - ينفي ألوهيَّةَ وحيِ العهدِ القديمِ والرسالاتِ، ويرفُضُ كافَّةَ دوغماتِ الكنيسةِ مثلَ: الثالوثِ والتكفيرِ عن الذنوبِ وحلولِ الروحِ القُدُسِ والقداسةِ، ويعترفُ فقط بأقوالِ ووصايا المسيحِ. لكن هل هذا التفسيرُ لتعليمِ المسيحِ تفسيرٌ صحيحٌ؟ هل جميعُ الناسِ مُلزَمون بأن يتصرَّفوا كما يُعلِّمُ تولستوي، أي تطبيقُ وصايا المسيحِ الخمسِ؟"
كنتُ أتوقَّعُ أنَّ فارَّار، ردًّا على هذا السؤالِ الجوهريِّ، الوحيدِ القادرِ على تحريضِ الإنسانِ على كتابةِ مقالٍ عن الكتابِ، سيقولُ إنَّ هذا التفسيرَ لتعليمِ المسيحِ صحيحٌ ويجبُ اتِّباعُه، أو سيقولُ إنَّه تفسيرٌ خاطئٌ، وسيبَرْهنُ: لماذا، ويُقدِّمُ تفسيرًا آخرَ للأقوالِ التي أُفسِّرُها تفسيرًا خاطئًا. لكنَّه لا يفعلُ أيَّ شيءٍ من هذا القبيلِ.
فارَّار يُعرِبُ فحسبُ عن "قناعتهِ" بأنَّ تولستوي، رغمَ أنَّه منقادٌ لصفاءِ نيَّةٍ نبيلٍ، قد وقعَ في غوايةِ التفسيراتِ الخاصَّةِ ووحيدةِ الجانبِ للإنجيلِ ولفكرِ المسيحِ وإرادتِهِ. فيمَ تكمنُ هذه الغوايةُ؟ لا يُوضِّحُ ذلكَ، وإنَّما يقولُ فقط: "الدخولُ في إثباتِ هذا ليس ممكنًا في هذا المقالِ لأنَّني، حتَّى في هذه الحالةِ، قد تجاوزتُ عددَ الصفحاتِ المسموحِ لي بها".
ويختتمُ بقلبٍ مطمئنٍّ: "غيرَ أنَّ القارئَ، إذا ما شعرَ بالارتباكِ من فكرةِ أنَّ عليهِ، كمسيحيٍّ، مثلَ تولستوي، أن يهجُرَ ظروفَ حياتِهِ المعتادةِ، وأن يعيشَ كعاملٍ بسيطٍ، فليطمئنَّ وليتمسَّك بالمبدأ القائلِ: "Securus judicat ordis terrarum" ١.
بغضِّ النظرِ عن استثناءاتٍ قليلةٍ - يواصلُ هو - المسيحيَّةُ برُمَّتها، منذُ عهدِ الرُّسُلِ حتَّى أيَّامِنا هذه، قد وصلت إلى قناعةٍ مفادُها أنَّ غايةَ المسيحِ كانت إعطاءَ البشرِ مبدأً عظيمًا، وليس هدمَ أُسُسِ المجتمعِ الإنسانيِّ برُمَّتهِ، المُثبَّتةِ بناءً على إقرارٍ إلهيٍّ، وعلى الضرورةِ.
أمَّا إذا كانت مهمَّتي هي إثباتُ مدى استحالةِ العقيدةِ الشيوعيَّةِ التي يُقيمُها تولستوي على التناقضاتِ الظاهريَّةِ الإلهيَّةِ (يا للعجب!)، والتي يُمكنُ تفسيرُها فقط بالاعتمادِ على المبادئِ التاريخيَّةِ بالتوافقِ مع كافَّةِ طرائقِ تعليمِ المسيحِ، فإنَّ هذا يحتاجُ إلى مساحةٍ أكبرَ من التي تحتَ تصرُّفي".
يا للمرارةِ، لا مساحةَ لديهِ! والمثيرُ للاستغرابِ أنَّه طوالَ خمسةَ عشرَ قرنًا لم تتوفَّر المساحةُ لأحدٍ لكي يُثبتَ أنَّ المسيحَ، الذي نتتبَّعهُ، لم يقل قطُّ ما قالَهُ. وأنَّ بمقدورِهم إثباتَ ذلكَ لو أرادوا. بالمناسبةِ، ما من حاجةٍ لإثباتِ ما يعلمُهُ الجميعُ، إذ يكفي القولُ: "Securus judicat ordis terrarum"
هكذا هي، دونما استثناءٍ، كافَّةُ انتقاداتِ الناسِ المتديِّنين المثقَّفين، وبالتالي المُدركين لمدى الخطرِ على مناصبِهم. المخرجُ الوحيدُ بالنسبةِ لهم هو الأملُ، عبرَ استغلالِ نفوذِ الكنيسةِ والقِدَمِ والقداسةِ، بإمكانيةِ تخويفِ القارئِ من التفكيرِ في المسألةِ بعقلهِ الخاصِّ. وهم ينجحون في ذلكَ.
في الحقيقةِ، مَن سيخطرُ في بالِهِ أنَّ كُلَّ ما يتمُّ تكرارُه، بهذه الثقةِ والتعالي من قرنٍ إلى قرنٍ، من قِبَلِ كُلِّ هؤلاءِ الخوارنةِ والأساقفةِ والمطارنةِ والسينوديسِ والباباواتِ الأكثرِ قداسةً، إنَّما هو كذبةٌ دنيئةٌ وافتراءٌ يفتَرونهُ على المسيحِ من أجلِ تأمينِ الأموالِ التي يحتاجون إليها لكي يعيشوا حياةً هانئةً على حسابِ الآخرين.
الكذبُ والافتراءُ واضحانِ، خاصَّةً في الوقتِ الراهنِ، إلى درجةِ أنَّ الإمكانيَّةَ الوحيدةَ لاستمرارِ هذا الكذبِ تكمنُ في تخويفِ الناسِ، عبرَ استغلالِ ثقتِهم دونَ وازعٍ من ضميرٍ.
الأمرُ ذاتُه في الدوائرِ العسكريَّةِ في السنواتِ الأخيرةِ، حيثُ يجلسُ إلى طاولةٍ في بهوٍ، في الأماكنِ الأولى، تحتَ صورةٍ بالحجمِ الطبيعيِّ للإمبراطورِ، موظَّفون هرمون مهتمُّون، بأوسمتِهم، وبحريَّةٍ ودونَ تكلُّفٍ يتحدَّثون ويسجِّلون ويعطون الأوامرَ ويستدعون.
وهنا، بصليبٍ وغفارةٍ حريريَّةٍ، بشعرٍ أشيبَ منسدلٍ على ردائهِ الكهنوتيِّ، قسٌّ عجوزٌ ذو مظهرٍ ورعٍ يقفُ أمامَ المنصبِ الذي يتوضَّعُ عليه صليبٌ ذهبيٌّ مع كتابٍ مقدَّسٍ مشغولٍ بالذهبِ. يتمُّ استدعاءُ إيفان بيتروف. يدخلُ شابٌّ، يرتدي ملابسَ وسخةً، خائفًا، بعضلاتِ وجهٍ مُرتعشةٍ وعينين بارقتين مُتقافزتين، وبصوتٍ متقطِّعٍ يقولُ هامسًا تقريبًا: - أنا... بموجبِ قانونٍ... أنا كمسيحيٍّ... لا أستطيعُ أن...
- ما الَّذي يُرطَمُ به؟ يسأل الرَّئيسُ نافذُ الصَّبر، مُضيِّقًا عينيه ومُصغيًا، وهو يرفع رأسه عن الكتاب.
- تكلَّم بصوتٍ أعلى! - يصرخ العقيد ذو الكتَّافيتين اللَّامعتين.
- أنا... إنَّني... كمسيحيٍّ...
في النِّهاية يتبيَّن أنَّ الشَّابَّ يرفض أداء الخدمة العسكريَّة لأنَّه مسيحيٌّ.
- لا تتفوَّه بالهراء. قف عند المقياس. قسه يا دكتور. هل يَصلُحُ؟
- يَصلُحُ.
- حلِّفه يا أبتِ.
ليس فقط أنَّ أحدًا لم يتكدَّر، بل حتَّى لم يولِ أحدٌ اهتمامًا لما يُرطَمُ به هذا الفتى المسكين الخائف. "كلُّهم يُرطمون بشيءٍ ما، ولا وقت لدينا، إذ علينا مقابلة كلِّ هؤلاء".
يريد المجنَّد أن يقول شيئًا آخر: "هذا ضدَّ شريعة المسيح".
- انقلع، انقلع، فبدونك نعلم ما هو وفق الشَّريعة وما ليس وفق الشَّريعة، أمَّا أنت فانقلع من هنا. عظه يا أبتِ. التَّالي: فاسيلي نيكيتين.
ويُخرجون الفتى المرتعش. ومَنْ، سواء الحراس أم فاسيلي نيكيتين الَّذي يُدخلونه أم كلُّ الَّذين شهدوا المشهد بحياد، سيخطر في باله أنَّ أقوال الفتى القصيرة المبهمة، الَّتي أربكت القيادة للتَّو، تتضمَّن الحقيقة، وأنَّ الأقوال الصَّاخبة، المنطوقة بتعالٍ، للموظَّفين والقسِّ المطمئنِّين والواثقين من أنفسهم، باطلة، وكذبٌ محض.
انطباعٌ كهذا لا تخلقه مقالات فارَّار فقط بل وكلُّ المواعظ والمقالات والكتب المهيبة الَّتي تصدر في شتَّى الأماكن ما إن تلوح، في مكانٍ ما، الحقيقة الَّتي تُعرِّي الكذب السَّائد. وعلى الفور تبدأ المناقشات أو الكتابات المطوَّلة والذَّكيَّة والمنمَّقة والمتعالية حول المسائل الَّتي تلامس الموضوع عن قرب مع صمتٍ حاذق عن الموضوع ذاته.
هذه هي الطَّريقةُ الخامسةُ والأكثرُ فاعليَّةً للتخلُّص من التَّناقض الذي وضعت نفسها فيه المسيحيَّةُ الكنسيَّةُ التي تُبشِّر بالمسيح بالأقوال وتتنكَّر لتعليمه في الحياة، وتُعلِّم النَّاس ذلك.
الذين يتبرَّرون وفق الطَّريقة الأولى يؤكِّدون، بصورةٍ مباشرةٍ وفظَّةٍ، بأنَّ المسيح قد أباح العنف: الحرب والقتل - إنَّما يكفرون بتعليم المسيح من تلقاء أنفسهم.
والذين يدافعون عن أنفسهم وفق الطَّريقة الثَّانية والثَّانية والرَّابعة خائفون، ويسهل إثبات خطئهم. لكنَّ الأخيرين، الذين لا يجادلون ولا يسمحون بالجدال، المختبئين وراء رفعتهم، والمتظاهرين أنَّ هذا الأمر سبق له أن حُسِمَ من قبلهم أو من قِبَل الآخرين، منذ زمنٍ بعيدٍ، وأنه لم يعد موضع شكٍّ؛ هؤلاء يبدون محصَّنين، وسيبقون محصَّنين ما دام البشر خاضعين لتأثير الإيحاء المخدِّر، الذي توحي به لهم الحكومات والكنائس، وما داموا لا يستيقظون منه.
هكذا تعامل مع كتابي المتديِّنون، أي المؤمنين بالمسيح، وما كان لهم أن يتعاملوا على نحوٍ آخر؛ إذ يقيدهم التَّناقض الذي هم فيه - الإيمان بألوهيَّة المعلِّم والكفر بأقواله الواضحة -، والذي يجب تخليصهم منه بطريقةٍ ما. وبالتَّالي لم يكن بالإمكان توقُّع مناقشاتٍ حرَّةٍ حول جوهر المسألة منهم، حول تغيُّرات حياة البشر، والتي تنشأ من خلال دمج تعليم المسيح مع النِّظام القائم.
كنتُ أتوقَّع مجادلاتٍ كهذه من النُّقَّاد الدُّنيويِّين، ذوي التَّفكير الحرِّ، الذين لا يربطهم بتعليم المسيح شيءٌ، والذين يستطيعون النَّظر فيه بحرِّيَّةٍ. كنتُ أتوقَّع أنَّ الكتَّاب ذوي التَّفكير الحرِّ لن ينظروا إلى المسيح كمُنشئ دينٍ للعبادة والخلاص الشَّخصيِّ (كما يفهمه الكنسيُّون)، وإنَّما - كما يقولون - كمصلحٍ، كهادمٍ للأسس القديمة ومانحٍ لأسسٍ جديدةٍ للحياة، الحياة التي لم ينتهِ إصلاحها بعد، والمستمرِّ حتَّى الآن.
منظورٌ كهذا إلى المسيح وتعليمه يتجلَّى في كتابي. لكن - لدهشتي - من بين الانتقادات الكثيرة الصَّادرة لكتابي لم يكن هناك انتقادٌ واحدٌ - روسيٌّ أو أجنبيٌّ - يناقش الموضوع من الجانب المعروض في كتابي، أي الذي عليه النَّظر إلى تعليم المسيح كتعليمٍ فلسفيٍّ، أخلاقيٍّ واجتماعيٍّ (ولنتحدَّث مرَّةً أخرى بلغة النَّاس المتعلِّمين). لم يتوفَّر هذا في أيٍّ من الانتقادات.
النُّقَّاد الدُّنيويُّون الرُّوس - معتقدين أنَّ محتوى كتابي كلَّه ينحصر في عدم مقاومة الشَّرِّ، وفاهمين عقيدة عدم مقاومة الشَّرِّ ذاتها (ربَّما لكي تتلاءم مع الاعتراض) كما لو أنّها تمنع أيَّ صراعٍ ضدَّ الشَّرِّ - انقضوا على هذه العقيدة بشكلٍ مسعورٍ، وبرهنوا، بنجاحٍ كبيرٍ على امتداد سنواتٍ عدَّةٍ، أنَّ تعليم المسيح خاطئٌ بما أنَّه يمنع مقاومة الشَّرِّ.
دحوضهم لتعليم المسيح الخياليِّ هذا كانت ناجحةً جدًّا، حيث أنَّهم كانوا يعلمون مسبقًا أنَّ آراءهم لا يمكن أن تُدحَضَ أو تُصحَّحَ بما أنَّ الرَّقابة، التي لم تسمح بنشر الكتاب، لن تسمح كذلك بنشر المقالات المدافعة عنه.
الملفت للنَّظر، في هذا السِّياق، هو أنَّ الرَّقابة عندنا، في حين تمنع قول كلمةٍ واحدةٍ عن الكتاب المقدَّس، تسمح بتحريفٍ ونقدٍ وشجب وصيَّة المسيح الواردة في إنجيل متَّى (٥، ٣٩)، والسُّخرية منها بشكلٍ مباشرٍ.
النُّقَّاد الدُّنيويُّون الرُّوس - غير عارفين بكلِّ ما فُعِلَ فيما يخصُّ معالجة مسألة عدم مقاومة الشَّرِّ، ومعتقدين أحيانًا بأنِّي قد ابتدعتُ شخصيًّا مبدأ عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف، مهاجمين الفكرة بحدِّ ذاتها، داحضين ومحرِّفين إيَّاها، ومقدِّمين بحميةٍ شديدةٍ حججًا عُولجت ودُحِضَت منذ زمنٍ بعيدٍ ومن كافَّة الجوانب - قاموا بإثبات أنَّ على الإنسان، دون شكٍّ، الدِّفاع عن جميع المُساء إليهم والمضطهدين، وأنَّ عقيدة عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف - لهذا السَّبب - عقيدةٌ لاأخلاقيَّةٌ.
بالنِّسبة لكلِّ النُّقَّاد الرُّوس تمثَّل معنى موعظة المسيح فقط وكأنَّها تعيقهم، نكايةً بهم، عن نشاطٍ محدَّدٍ موجَّهٍ ضدَّ ما يعدُّونه شرًّا في الوقت الرَّاهن. والنتيجة كانت أنَّ معسكرين متناقضين قاما بمهاجمة مبدأ عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف: المحافظون، لأنَّ المبدأ يمنعهم من مقاومة الشَّرِّ الذي ينتجه الثَّوريُّون، وعن ملاحقتهم وإعدامهم؛ والثَّوريُّون، لأنَّ هذا المبدأ يمنعهم من مقاومة الشَّرِّ الذي ينتجه المحافظون، وعن الإطاحة بهم.
امتعض المحافظون من أنَّ عقيدة عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف تمنعهم عن القمع النَّشط للعناصر الثَّوريَّة القادرة على تدمير رفاهيَّة الشَّعب، والثَّوريُّون استاؤوا من أنَّ عقيدة عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف تمنعهم عن الإطاحة بالمحافظين الذين يدمِّرون رفاهيَّة الشَّعب. الملفت للنَّظر، في هذا السِّياق، هو أنَّ الثَّوريِّين هاجموا مبدأ عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف رغم أنَّه المبدأ الأشدُّ هولًا وخطورةً على أيِّ طغيانٍ، إذ إنَّ ضرورات مقاومة الشَّرِّ بالعنف كلَّها، بدءًا من محاكم التَّفتيش وصولًا إلى قلعة شيليسلبورغ٢، قد تأسَّست، وتتأسَّس، منذ أن وقف فيه العالم على النَّقيض من هذا المبدأ.
إضافةً إلى ذلك، أشار النُّقَّاد الرُّوس إلى أنَّ تطبيق وصيَّة عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف سوف يحرف البشريَّة عن درب الحضارة الذي تسير فيه. ودرب الحضارة الذي تسير فيه البشريَّة الأوروبيَّة - حسب رأيهم - هو الدَّرب الذي يجب أن تسير فيه دائمًا الإنسانيَّة جمعاء.
هذا هو الطَّابع الرَّئيس للانتقادات الرُّوسيَّة.
أمَّا النُّقَّاد الأجانب فقد انطلقوا من الأسس ذاتها لكنَّ مناقشاتهم حول كتابي كانت مختلفةً بعض الشيء عن مناقشات النُّقَّاد الرُّوس، ليس من حيث قلَّة الامتعاض وزيادة التَّهذيب فحسب، بل ومن حيث الجوهر كذلك.
من خلال مناقشة كتابي، ومناقشة تعاليم الكتاب المقدَّس كما عُبِّر عنها في الموعظة على الجبل بشكلٍ عام، أكَّد النُّقَّاد الأجانب أنَّ هذه العقيدة لا تشكِّل جوهر المسيحيَّة (الدين المسيحيّ -حسب رأيهم- هو الكاثوليكيَّة والبروتستانتيَّة)؛ فالموعظة على الجبل مجرَّد مجموعة من الأمنيات التافهة غير العمليَّة، "du charmant docteur" كما يقول رينان، الصالحة لسكان الجليل الساذجين وشبه الهمجيّين، الذين عاشوا قبل ١٨٠٠ سنة، وللرجال الرُّوس شبه الهمجيّين -سوتاييف وبونداريف وتولستويّ- وليس، على الإطلاق، للذين ينتمون إلى أعلى درجات الثقافة الأوروبيَّة.
حاول النُّقَّاد الدنيويُّون الأجانب، بأسلوبٍ مهذَّبٍ ودون أن يهينوني، إعطاء إحساسٍ بأنَّ آرائي، القائلة إنَّ البشريَّة يمكنها الانقياد لتعليمٍ ساذجٍ كالموعظة على الجبل، ناشئة، جزئيًّا، عن جهلي؛ عن جهلي بالتاريخ، عن جهلي بكلِّ تلك المحاولات غير المجدية لإحياء مبادئ الموعظة على الجبل في الحياة، والتي فُعِلت في التاريخ دون أن تؤدِّي إلى شيء، جزئيًّا بسبب عدم فهم مجمل معنى الثقافة الأوروبيَّة الرَّاقية التي وصلت إليها البشريَّة الأوروبيَّة في الوقت الرَّاهن، بمدافعها الضخمة وبارودها الذي لا دخان له، باستعمارها أفريقيا، واحتلالها إيرلندا، ببرلماناتها وصحافتها وإضراباتها ودساتيرها وبرج إيفلَها.
- هكذا كتب فوغ.
- هكذا كتب ليروي بينلين.
- هكذا كتب ماثيو أرنولد.
- هكذا كتب الكاتب الأمريكيّ سافاج.
- إينغرزال، الخطيب الأمريكيّ المعروف الحرّ التفكير، وكثيرون غيرهم.
"إنَّ تعليم المسيح ليس صالحًا لأنَّه لا يناسب عصرنا الصناعيّ"، -يقول إينغرزال بسذاجة، مُعبِّرًا بهذا، بمنتهى الدقَّة وبسذاجة، عن نفس ما يفكِّر فيه، بتأنُّق، الناس المتعلِّمون، في الوقت الرَّاهن، بخصوص تعليم المسيح. التعليم لا يصلح لعصرنا، تمامًا كما لو أنَّ وجود العصر الصناعيّ أمرٌ مقدَّس، لا يجب، ولا يمكن، تغييره. مثل السُّكارى إذا ما نُصِحوا بأن يستيقظوا من سكرهم يجيبون بأنَّ هذه النصائح ليست في محلِّها في ظلِّ حالتهم الكحوليَّة.
إنَّ مجادلات الكتَّاب الدنيويّين جميعهم، الرُّوس والأجانب، مهما اختلفت نبراتهم وأساليب حججهم، كلُّها تقود، من حيث الجوهر، إلى سوء الفهم الغريب ذاته، وبالتحديد إلى أنَّ تعليم المسيح، الذي إحدى تبعاته هي عدم مقاومة الشرِّ بالعنف، غير صالحٍ لنا لأنَّه يتطلَّب منَّا تغيير حياتنا.
تعليم المسيح ليس صالحًا لأنَّه إذا ما طُبِّق لا يمكن لحياتنا هذه أن تستمرَّ؛ بكلماتٍ أخرى: إذا ما بدأنا نعيش بشكلٍ جيِّدٍ -كما علَّمنا المسيح- فلن يكون بمقدورنا العيش بشكلٍ سيِّئ، كما نعيش الآن، وكما اعتدنا أن نعيش. أمَّا مسألة عدم مقاومة الشرِّ بالعنف فليست فقط لا تُناقَش، بل يتمُّ التذكير بأنَّ تعليم المسيح ذاته، الذي يشتمل على مطلب عدم مقاومة الشرِّ بالعنف، يُعدُّ برهانًا كافيًا على عدم قابليَّة التعليم برمَّته للتطبيق.
ولكن يبدو أنَّ هناك حاجة للإشارة إلى أيِّ حلٍّ كان لهذه المسألة، حيث إنَّها تكمن في أساس كافَّة القضايا التي تشغلنا. والسؤال يكمن في التالي: ما السبيل لحلِّ الخلاف بين البشر عندما يعدُّ بعض الناس شرًّا ما يعدُّه آخرون خيرًا، وبالعكس؟ وبالتالي أن أعتبر أنَّ الشرَّ هو ما أعتبره أنا شرًّا، بغضِّ النظر عن أنَّ خصومي يعتبرونه خيرًا، لا يُعدُّ جوابًا. يمكن أن يكون هناك جوابان فقط: إمَّا العثور على معيارٍ صحيح، لا جدال فيه، للشرِّ، وإمَّا عدم مقاومة الشرِّ بالعنف.
لقد جُرِّب المخرج الأوَّل منذ بداية العصور التاريخيَّة ولم يؤدِّ، كما نعلم جميعًا، إلى نتائج موفَّقة حتى الآن.
الجواب الثاني -عدم مقاومة شرٍّ ما نعتبره شرًّا بالعنف إلى أن نجد معيارًا مشتركًا- هو الجواب الذي اقترحه المسيح. قد نكتشف أنَّ الجواب الذي قدَّمه المسيح ليس صحيحًا، ونقوم باستبداله بجوابٍ آخر، أفضل، عندما نعثر على معيارٍ لا شكَّ فيه من قِبَل الجميع، وفي الآن ذاته يقدِّم تعريفًا للشرِّ؛ ويمكن ببساطة عدم فهم جوهر المسألة، كما تفعل الشعوب الهمجيَّة، لكن لا يجوز التظاهر بأنَّ السؤال لا وجود له على الإطلاق، كما يفعل النُّقَّاد المثقَّفون، أو الإقرار بأنَّ منح الحقِّ لشخصيّاتٍ نافذة أو لمجالس الناس (خاصَّةً عندما نكون نحن أنفسنا هؤلاء الناس) لتعريف الشرِّ، وحقِّ مقاومته بالعنف، يحلُّ المسألة، في حين، وكما نعلم جميعًا، أنَّ إقرارًا كهذا لا يحسم المسألة على الإطلاق حيث إنَّ هناك دائمًا أناسًا لا يُقرُّون بهذا الحقِّ للشخصيّات النافذة أو للمجالس.
وهذا الإقرار، القائل إنَّ ما يبدو لنا شرًّا هو الشرُّ، أو عدم الفهم التام للمسألة، هما ركيزتا مجادلات النُّقَّاد الدنيويّين حول التعليم المسيحيّ، بحيث إنَّ المجادلات حول كتابي، سواء مجادلات النُّقَّاد الكنسيّين أم الدنيويّين، أظهرت لي أنَّ معظم الناس، ببساطة، ليس فقط لا يفهمون تعليم المسيح ذاته بل ولا يفهمون الأسئلة التي يجيب عنها التعليم.