5
لكن هل يستطيع الإنسان القيام بهذا المسعى؟ وفقاً للنظرية القائمة والضرورية للنفاق الإنسان ليس حراً ولا يمكنه تغيير حياته.
"ليس بمقدور الإنسان تغيير حياته لأنه ليس حراً؛ وهو ليس حراً لأن كل أفعاله مقيدة إلى أسباب سابقة. ومهما فعل الإنسان هناك دائماً أسباب ما قام الإنسان بموجبها بأفعال ما، لذا لا يمكن للإنسان أن يكون حراً وأن يغير حياته"، - يقول المدافعون عن ميتافيزيقا النفاق. ولكانوا محقين تماماً لو أن الإنسان كان كائناً لا واعياً وجامداً فيما يتعلق بالحقيقة، أي أن يبقى مستوى إدراكه للحقيقة ذات المستوى الذي أدركها منه أول مرة. لكن الإنسان كائن واعٍ ويرتقي باستمرار في إدراكه للحقيقة، وبالتالي حتى لو لم يكن الإنسان حراً في هذا التصرف أو ذاك لأن لكل تصرف سبب، فإن أسباب هذه التصرفات ذاتها، التي تنحصر بالنسبة للإنسان الواعي في أنه يقرّ بهذه الحقيقة أو تلك دافعاً لتصرفه، يتحكم بها الإنسان. وبالتالي فالإنسان غير الحر بالقيام بهذا التصرف أو ذاك، هو حرّ من حيث دوافع هذه التصرفات. كما أن سائق الشاحنة ليس حراً في تغيير حركة الشاحنة التي تمت أو التي تتم، لكنه حر من حيث تحديد حركتها اللاحقة مسبقاً.
مهما فعل الإنسان الواعي فإنه يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، فقط لأنه إما الآن يقرّ بأن الحقيقة تكمن في أن يتصرف على هذا النحو، وإما لأنه كان يقرّ في وقت ما بذلك، لكنه يتصرف الآن، بسبب قوة العطالة أو العادة، كما كان يعتبره واجباً من قبل.
في كلتا الحالتين سبب تصرفه لم يكن معروفاً بينما إقراره بشكل معين للحقيقة، وبالتالي إدراكه لهذه الظاهرة أو تلك، هو سبب كافٍ للتصرف.
إذا امتنع الإنسان عن تناول الطعام، إذا كان يعمل أو يرتاح، إذا كان يتجنب الخطر أو يتعرض له، إذا كان شخصاً واعياً فإنه يتصرف على هذا النحو فقط لأنه يعتبر ذلك الآن واجباً وحصيفاً؛ يعتبر أن الحق يكمن في أن يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، أو أنه يرى هذا منذ زمن بعيد.
أما الإقرار بحقيقة معينة أو عدم الإقرار بها فلا يتوقف على أسباب خارجية بل على أسباب أخرى كامنة في الإنسان ذاته. بالتالي، أحياناً، في ظل كل الظروف الخارجية التي تبدو مربحة للاعتراف بالحقيقة يسعى شخص ما لا يعترف بها بل، على العكس، يعترف بأخرى رغم كل الظروف غير المربحة دون أسباب ملحوظة. شيء من هذا القبيل يرد في إنجيل يوحنا (44:6): "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني"، أي أن معرفة الحق، الذي هو سبب كل تجليات الحياة الإنسانية، لا تتوقف على الظواهر الخارجية بل على صفات داخلية ما للإنسان لا يمكنه ملاحظتها.
وبالتالي فالإنسان، غير الحر في تصرفاته، يشعر بنفسه حراً فيما يتعلق بسبب تصرفاته، في معرفة أو عدم معرفة الحق. ويشعر بنفسه حراً ليس فقط فيما يتعلق بالأحداث الخارجية التي لا تحدث في داخله بل كذلك فيما يتعلق بتصرفاته.
كذلك الإنسان الذي يرتكب، بفعل الغضب، عملاً مناقضاً للحقيقة التي يقرّها، يبقى -رغم ذلك- حراً في إقراره أو عدم إقراره بها؛ أي يستطيع، دون أن يقرّ بالحقيقة، اعتبار تصرفه ضرورياً، وتبرير ارتكابه إياه لنفسه، ويمكنه، مع إقراره بالحقيقة، اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه.
كذلك المقامر أو السكّير، الذي لا يمكنه مقاومة الإغراء ويستسلم لإدمانه، يبقى -رغم ذلك- حراً في اعتبار أن القمار أو السكر شراً أو تسلية بريئة. في الحالة الأولى، حتى إذا لم يتخلص من إدمانه فوراً فإنه كلما اعترف بالصدق أكثر كلما تحرر منه أكثر؛ في الحالة الثانية، سيقوم بتعزيز إدمانه أكثر ويحرم نفسه أي إمكانية للتخلص منه.
كذلك تماماً الذي يحتمل الحريق، وفرّ من منزل يحترق من جراء لإنقاذ صديقه، يبقى حراً (مع اعترافه بحقيقة أن على الإنسان تعريض حياته للخطر لإنقاذ حياة الآخرين) في اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه أو (دون أن يعترف بهذه الحقيقة) اعتبار تصرفه طبيعياً وضرورياً وتبرير نفسه. في الحالة الأولى، التي يعترف فيها بالحقيقة بغض النظر عن تراجعه عنها، هو يمهد السبيل أمام سلسلة كاملة من النتائج الناتجة حتماً عن إقراره بتصرفات نكران ذات كهذه؛ في الحالة الثانية يمهد السبيل لسلسلة كاملة من التصرفات الأنانية بامتياز.
هذا لا يعني أن الإنسان حر دائماً في اعترافه أو عدم اعترافه بشتى الحقائق. هناك حقائق معترف بها منذ زمن بعيد، إما من قِبل المرء ذاته وإما منقولة إليه عبر التربية أو التقاليد، ويعتبرها عقيدته التي اتبعها أصبح عادة، طبيعة ثانية، وهناك حقائق تبدو له غير واضحة فحسب. الإنسان ليس حراً في عدم الاعتراف بالحقائق الأولى وفي الاعتراف بالحقائق الثانية، بصورة متماثلة. لكن هناك نوع ثالث من الحقائق، كالتي لم تصبح بعد دوافع لا واعية للعمل بالنسبة للإنسان لكنها، بدلاً من ذلك، كُشفت له بمنتهى الوضوح بحيث لا يمكنه تجاوزها ولابد له، بطريقة ما، من التعامل معها، والاعتراف أو عدم الاعتراف بها. في تعامله مع هذه الحقائق تتجلّى حرية الإنسان.
كل إنسان في حياته يجد نفسه، فيما يتعلق بالحقيقة، في وضع عابر سبيل يسير في العتمة على ضوء القنديل المتحرك إلى الأمام: إنه لا يرى ما لم يُنره القنديل بعد، لا يرى ولا يمكنه تغيير علاقته، لا بهذا ولا بذاك؛ إنه يرى، أياً كان الموضع الذي يقف فيه في الطريق، فقط ما ينيره القنديل، ويستطيع دائماً اختيار هذه الجهة أو تلك من الطريق التي يسير فيها.
بالنسبة لأي إنسان هناك دائماً حقائق غير مرئية له، ولا تُكشف له بالبحث العقلي، وهناك حقائق سبق له أن عاشها ونسيها أو استوعبها، وهناك حقائق معينة تنهض أمامه عندما يستنير عقله، وتتطلب الاعتراف بها. وفي هذا الاعتراف أو عدم الاعتراف بهذه الحقائق تتجلّى ما نعتبره جميعاً حريتنا.
كل صعوبة المسألة، التي تبدو غير قابلة للحل، المتعلقة بحرية الإنسان ناتجة عن أن الذين يحاولون حل المسألة يتصورون الإنسان جامداً في تعامله مع الحقيقة.
الإنسان ليس حراً دون شك إذا كنا نعتبره جامداً، إذا نسينا أن حياة الإنسان والإنسانية ليست سوى حركة دائمة من الظلام إلى النور، من مستوى أدنى للحقيقة إلى مستوى أعلى، من حقيقة أكثر امتزاجاً مع الضلالات إلى حقيقة أكثر تحرراً منها. لما كان الإنسان حراً لو أنه لم يكن يعرف أي حقيقة كانت، وكذلك تماماً ما كان ليكون حراً بل حتى ما كان ليكون لديه أي مفهوم عن الحرية لو أن كل الحقيقة، التي يجب أن تقود حياته، لم تكشف له مرة وإلى الأبد، بعذريتها دون أي ضلالات.
لكن الإنسان ليس جامداً في علاقته مع الحقيقة بل يدرك باستمرار، تبعاً لتطوره في الحياة، كل إنسان على حدة وكذلك الإنسانية جمعاء، مستوى أعلى فأعلى للحقيقة ويتحرر أكثر فأكثر من الضلالات. لذا فالبشر يتواجدون دائماً في علاقة ثلاثية مع الحقيقة: بعض الحقائق باتت مستوعبة من قِبله وأصبحت دوافع لا شعورية لأفعاله، وبعضها بدأ يكتشفها للتو، وثالثة، رغم أنه لم يستوعبها بعد، مكشوفة له بدرجة من الوضوح ولا بد له من التعامل معها بطريقة ما، لابد له من الاعتراف أو عدم الاعتراف بها. وهذه الحقائق بالذات الإنسان حر في اعترافه أو عدم اعترافه بها.
لا تكمن حرية الإنسان في أنه، بغض النظر عن مجرى الحياة وعن الدوافع الموجودة والمؤثرة فيه، قادر على التصرف على هواه، بل في أنه قادر، باعترافه بالحقيقة المكشوفة له واعتناقه إياها، على أن يصبح حراً وفاعلاً سعيداً للعمل الأزلي والأبدي الذي يقوم به الله وتقوم به الحياة، ويمكنه ألا يعترف بهذه الحقيقة، ويغدو عبداً لها ويُدفع، مكرهاً ومُعذباً، إلى حيث لا يريد.
الحقيقة لا تهدي فقط إلى درب الحياة الإنسانية بل تفتح الدرب الوحيد الذي يمكن للحياة الإنسانية السير فيه. لذا لابد للبشر كافة، طوعاً أم كرهاً، من السير في طريق الحقيقة: بعضهم من تلقاء ذاتهم عبر قيامهم بما قدّرته لهم الحياة، وآخرون عبر خضوعهم مكرهين لقانون الحياة. وحرية الإنسان تكمن في هذا الاختيار.
حرية كهذه، ضمن هذه الحدود الضيقة، تبدو للناس ضئيلة إلى درجة أنهم لا يلاحظونها. بعضهم (أصحاب نظرية الحتمية) يعتبرون أن نصيب الفرد من الحرية ضئيل بحيث لا يعترفون بها على الإطلاق؛ آخرون (المدافعون عن الحرية المنطلقة)، آخذين بالحسبان حريتهم المتخيَّلة، يرفضون هذه الحرية التي تبدو لهم تافهة. الحرية، المحصورة بين حدّ جهل الحقيقة وحدّ معرفتها بدرجة معينة، لا تبدو للناس حرية لكن، شاء الإنسان أم أبى الاعتراف بالحقيقة المكشوفة له، فإنه سيُرغم حتماً على تحقيقها في الحياة.
الفَرَسُ، المربوطة مع أفراسٍ أخرى إلى عربة، ليست حرة في عدم جرّ العربة. وإذا لم تجرّ العربة فستضربها العربة في أرجلها، وستذهب إلى حيث تذهب العربة، وستجرّها رغماً عنها. لكن بغض النظر عن هذه الحرية المحدودة فهي حرة في أن تجرّ العربة طوعاً أو أن تدفعها العربة دفعاً. والأمر ذاته فيما يتعلق بالإنسان.
سواء كانت هذه الحرية كبيرة أم لا مقارنة بتلك الحرية الفنتازية التي نرغب في امتلاكها، فإن هذه الحرية لا شكّ في وجودها، وهذه الحرية حرية حقاً، وفي هذه الحرية يكمن خير يمكن للإنسان بلوغه.
وعدا عن أن هذه الحرية تمنح الإنسان الخير، فإنها أيضاً الوسيلة الوحيدة للقيام بالعمل الذي يمنح العالم حياة.
حسب تعليم المسيح، الإنسان الذي يرى معنى الحياة في المجال الذي هي ليست حرّة فيه، في عالم النتائج، أي الأفعال، ليست له حياة حقّة. يمتلك حياة حقّة -وفق التعليم المسيحي- فقط مَنْ ينقل حياته إلى المجال الذي هي حرّة فيه، إلى عالم الأسباب، أي إدراك وإقرار الحقيقة الموحاة واتباعها، وبالتالي لابد من تطبيقها لاحقاً، كما تتبع العربة الفَرَسَ.
بتكريسه حياته للأعمال الحسّية يعمل الإنسان الأعمال التي تتوقف دائماً على أسباب مؤقتة زائلة ليست في داخله. هو ذاته لا يفعل شيئاً مما يبدو له أنه يقوم به، لأن، في الواقع، كل الأعمال التي يعتقد أنه هو الذي يقوم بها إنما تُفعل من قبل قوة عليا، وهو ليس خالق الأشياء بل عبدٌ لها؛ وبتكريسه حياته لإقرار واعتناق الحقيقة المكشوفة له، متحداً بمنبع الحياة ككل، فإنه لا يعود يقوم بأعمال شخصية خاصة، متوقفة على ظروف المكان والزمان، بل يقوم بأعمال لها بل هي ذاتها أسباب كل شيء آخر، ولها قيمة لا متناهية ولا حدود لها.
عبر استخفافهم بجوهر الحياة الحقّة الكامن في الاعتراف بالحق واتباعه، وعبر تكريس جهودهم لتحسين حياتهم من خلال أفعال خارجية، أصحاب الفهم الحياتي الوثني مِثلهم كمثل أناسٍ على متن باخرة، والذين لكي يبلغوا غايتهم قاموا بإطفاء المرجل البخاري الذي يعيقهم عن توزيع المُجدّفين، وراحوا يحاولون، بدلاً من أن يسافروا مجهزين بالبخار والمروحة لعبور العاصفة، التجديف بمجاديف لا تبلغ المياه. ملكوت الله يؤخذ بالمجاهدة وفقط المجاهدون يغتبطون به، وهذا الجهد للتخلّي عن تغيير الظروف الخارجية، وللاعتراف بالحق واتباعه هو الجهاد الذي يؤخذ ملكوت الله بوساطته، والذي يمكن ويجب أن يُبذل في زماننا.
يكفي أن يفهم البشر ما يلي: الكفّ عن الانشغال بالأعمال الخارجية والعامة التي هم ليسوا أحراراً فيها، واستخدام واحد بالمائة فقط من الطاقة، التي يستخدمونها في الأعمال الخارجية، على ما هم أحرار فيه، على إقرار واعتناق الحقيقة التي تَمْثُلُ أمامهم، على تخليص الناس من الكذب والنفاق اللذين يحجبان الحقيقة، حتى ينهار فوراً، دون جهد أو قتال، نظام الحياة الباطل الذي يعذّب البشر ويُهدّد بويلاتٍ أسوأ، وحتى يتحقق ملكوت الله أو على الأقل درجته الأولى التي بات البشر جاهزين لها من حيث مستوى وعيهم.
كما أنه تكفي دفعة واحدة لكي يتحول فوراً السائل المشبع بالملح إلى بلورات، كذلك قد يكون أدنى جهد كافياً في الوقت الراهن لكي تأسر الحقيقة، التي سبق أن كُشفت للناس مئات، بل آلاف وملايين، الناس، ولكي ينشأ رأي عام يتناسب مع الوعي الحالي، ولكي يتغير، نتيجة لنشوئه، مجمل نظام الحياة القائم. والقيام بهذا الجهد متوقف علينا.
فقط لو أن كلاً منّا حاول أن يفهم ويعي تلك الحقيقة السامية التي تحيط بنا من جميع الجهات، بشتى الأشكال، وتتوسلنا في داخل نفوسنا؛ فقط لو أننا كففنا عن الكذب وعن التظاهر بأننا لا نرى هذه الحقيقة أو بأننا نتمنى تحقيقها ليس فقط في ما تطلبه منّا قبل أي شيء آخر، فقط لو أننا اعترفنا بهذه الحقيقة التي تنادينا واعتنقناها بشجاعة، لكنا رأينا فوراً أن مئات، بل آلاف وملايين، الناس حالهم كحالنا، ويرون مثلنا الحقيقة، وينتظرون مثلنا اعتراف الآخرين بها. فقط لو كفّ الناس عن المراءاة لكانوا رأوا فوراً أن نظام الحياة العنيف، الوحيد الذي يقيدهم ويبدو لهم راسخاً وضرورياً ومقدساً ومُلهماً من قبل الله، قد بدأ يترنح ويرتكز فقط على كذبة النفاق التي نحن مع أمثالنا نُبقي عليها.
"لكن إذا كان هذا صحيحاً، إذا كان صحيحاً أن تدمير نظام الحياة القائم يتوقف علينا، فهل يحق لنا تدميره دون أن نعلم بوضوح ما الذي سنضعه مكانه؟ ما الذي سيحدث للعالم إذا تم القضاء على نظام الحياة القائم؟"
"ماذا سيحدث هناك، خلف جدران العالم التي نُبقي عليها؟"
"غرتسن"
الخوف يهيمن - الفراغ، الاتّساع، الإرادة... كيف يمكن السير دون معرفة الوجهة، كيف يمكن الفقد دون رؤية المكسب؟
"لو أن كولومبس فكّر على هذا النحو لما رفع المرساة. من الجنون مَخْر عُباب المحيط دون معرفة الطريق، المحيط الذي لم يمخر عبابه أحد، الإبحار إلى بلاد وجودها سؤال. بهذا الجنون اكتشف عالماً جديداً. بالطبع، لو أن الشعوب انتقلت من hotel garni إلى آخر، أفضل، لكان الأمر أسهل، لكن المصيبة أن ما من أحد هناك ليقوم بتحضير شقق جديدة. الأمور أسوأ في المستقبل - أين منه المحيط - إذ ليس فيه شيء، وسيكون على النحو الذي ستصنعه فيه الظروف، والناس."
"إذا كنتم قانعين بالعالم القديم فحاولوا الحفاظ عليه، فهو هشّ ولن يصمد طويلاً؛ لكن إذا كنتم لا تطيقون العيش في التناقض الأبدي بين قناعاتكم وحياتكم بحيث تفكرون في شيء وتعملون شيئاً آخر، فاخرجوا من تحت قبابكم الكلسية القروسطية إلى خوفكم. أعلم جيداً أن هذا ليس سهلاً. ليس هيناً على الإنسان مفارقة ما اعتاد عليه منذ ولادته، ما كبر معه وترعرع عليه. البشر مستعدون لتضحيات مخيفة لكن ليست تلك التي تتطلبها منهم الحياة الجديدة. هل هم مستعدون للتضحية بالحضارة الحديثة وبنمط حياتهم وأديانهم وأخلاقيتهم المشروطة؟ هل هم مستعدون لفقدان كل الثمار التي أنتجوها بهذه الجهود، الثمار التي نفتخر بها منذ ثلاثة قرون، لفقدان كل أسباب راحة كينونتنا ومفاتنها، وتفضيل فتوّة متوحشة على شيخوخة مثقفة، تحطيم قلعتنا الموروثة فقط للابتهاج بوضع حجر الأساس للعالم الجديد الذي سيبنى أفضل، دون شك، من بعدنا؟" (غرتسن: مج 5، ص 55)
هذا ما قاله قبل نصف قرن تقريباً كاتب روسي رأى، بعقله النفاذ، بوضوح آنذاك ما بات يراه أي شخص ضعيف العقل في زماننا: استحالة استمرار الحياة على الأسس القديمة وحتمية إقامة أشكال جديدة للحياة.
من أبسط وجهة نظر دنيوية جامدة بات واضحاً أن من الحماقة البقاء تحت قبّة بناء لم تعد تحتمل ثقلها، وأنه يجب الخروج من تحتها. وبالفعل، يصعب تصور وضع أكثر كارثية من وضع العالم المسيحي في الوقت الراهن، بشعوبه المُسلّحة ضدّ بعضها بعضاً، بضرائبه التي تزداد باستمرار للإنفاق على هذا التسلّح المتنامي، بكراهية الطبقة العاملة للغنية التي تزداد اضطراماً، بسيف حرب داموقلس المعلق فوق رؤوس الجميع، والمستعد والواجب حتماً أن ينقطع في أي لحظة، عاجلاً أم آجلاً.
هيهات أن تكون أي ثورة أكثر كارثية بالنسبة لمعظم الشعب من النظام القائم باستمرار لحياتنا، بالحري من فوضاها، بضحايا العمل اللاإنساني المعتادين، بفقرها وسُكرها وفجورها، وبكل أهوال الحرب القادمة القادرة على ابتلاع ضحايا أكثر من جميع ثورات القرن الحالي في سنة واحدة.
ماذا سيحدث لنا، للبشرية جمعاء، إذا قام كلٌّ منّا بتنفيذ ما يطلبه منه الله من خلال الضمير الكامن فيه؟ ألن تحدث مصيبة من جراء أنني، مُهيمناً عليّ كلياً من قبل مالك السلطة، أُنفّذ، في المؤسسة التي أنشأها ويقودها هو، ما يأمرني بالقيام به، والذي يبدو لي، أنا الجاهل بغايات السيد النهائية، غريباً؟
لكن حتى ليس سؤال "ماذا سيحدث؟" هو الذي يثير قلق الناس عندما يُبطئون في تنفيذ إرادة السيد بل تقلقهم مسألة كيفية العيش دون شروط حياتنا المعتادة التي نسمّيها: العلم، الفن، الحضارة، الثقافة. إننا نشعر شخصياً بعبء حياتنا الراهنة كله، بل نرى أن حتى نظام الحياة هذا إذا كان سيستمر فسوف يُهلكنا حتماً، لكننا، إضافة إلى ذلك، نريد لشروط حياتنا، الناتجة عنها: علومنا، فنوننا، حضاراتنا، ثقافتنا، عند تغير حياتنا، أن تبقى سليمة. مِثل هذا كمثل شخص يعيش في منزل قديم، ويعاني من برد وعدم راحة هذا المنزل، ويعلم، عدا عن ذلك، أن المنزل يكاد ينهار، فيوافق على إعادة بنائه شريطة عدم خروجه منه: هذا الشرط يعادل رفض إعادة بناء المنزل. "لكني ما إن أخرج من المنزل فسأفقد لبعض الوقت كل أسباب الراحة، وقدلا يُبنى المنزل الجديد أو قد يُبنى بطريقة مختلفة بحيث لا يتوفر فيه ما اعتدت عليه!" لكن، ما دامت المواد متوفرة والبناؤون موجودين، فعلى الأغلب سيُبنى المنزل الجديد أفضل من السابق، فضلاً عن أنه ليس هناك احتمال فقط بل يقين بأن المنزل القديم سوف ينهار ويسحق الذين يبقون فيه. سواء كانت الشروط المعتادة للحياة ستبقى أم تزول، سواء كانت ستنشأ شروط جديدة كلياً وأفضل أم لا، يجب حتماً الخروج من الشروط القديمة التي باتت مستحيلة ومهلكة لحياتنا، والتوجه لملاقاة المستقبل.
"سوف تزول العلوم والفنون والحضارات والثقافات!" لكن كلُّ هذا ليس سوى تجليات مختلفة للحقيقة، والتغيير القادم سيتم فقط من أجل الاقتراب إلى الحقيقة وإحيائها. فكيف يمكن لتجليات الحقيقة أن تزول نتيجة لإحيائها؟ سوف تكون مختلفة، أفضل وأسمى، لكنها لن تزول على الإطلاق. سيزول منها ما كان باطلاً؛ أما ما كان من الحق ففقط سيزدهر ويتعزز أكثر.
6
توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل، بالتعليم المتعلق بالصلاح. إذا لم تتوبوا فستهلكون كما هلك الذين قتلهم بيلاطس، وكما هلك الذين سحقهم برج "سيلوام" وكما هلك ملايين وملايين الناس، القاتلين والمقتولين، العادمين والمعدومين، المعذِّبين والمعذَّبين، وكما هلك بحماقة ذلك الإنسان الذي بذر البذار وكان ينوي العيش طويلاً فمات في الليلة التي أراد فيها بدء الحياة.
"توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل." قال المسيح قبل 1800 سنة، وتقول هذا بمزيد من الإقناع الآن كارثية ولامعقولية حياتنا -مما تنبأ به المسيح الآن- التي بلغت أقصى حدود الكارثية واللامعقولية.
فالآن، بعد كل هذه القرون من المحاولات الدؤوبة للنظام العنيف الوثني لضمان حياتنا، المفروض أن يكون واضحاً للجميع أن كل المساعي الموجهة نحو هذه الغاية تحمل فقط مخاطر جديدة إلى الحياة الشخصية والاجتماعية كذلك، لكنها لا تضمنها على الإطلاق. إذ أياً كانت ألقابنا، وأياً كانت الملابس التي نرتديها، أياً كان الزيت الذي نمسح به أنفسنا وعند أي قسيسٍ كان، مهما بلغت الملايين التي نملكها، مهما بلغ عدد الحرّاس الذين يحرسون طريقنا، مهما بلغ عدد رجال الشرطة الذين يحمون ثرواتنا، مهما أعدمنا من الثوريين والأنارخيين المجرمين، أياً كانت مآثرنا، كيفما كانت الدول التي أنشأناها والقلاع والأبراج التي بنيناها، من برج بابل إلى برج إيفل، يمثُل أمامنا دائماً شرطان لا مفرّ منهما لحياتنا، يقضيان على معناها كله: 1) الموت القادر في أي لحظة على إدراك أيٍّ منّا، 2) عدم رسوخ جميع الأعمال التي قمنا بها، الزائلة بسرعة شديدة دونما أثر. مهما فعلنا: سواء أنشأنا الدول أم بنينا القصور والنصب التذكارية أم ألفنا القصائد والأغنيات، هذا كله قصير الأجل، وسيمضي كله دون أن يترك أثراً. ولهذا، مهما أخفينا هذا عن أنفسنا، لا يمكننا عدم رؤية أن معنى حياتنا لا يمكن أن يكون لا في وجودنا الجسدي الشخصي المعرّض لآلام لا مفرّ منها وللموت المحقق، ولا في أي مؤسسة دنيوية أو نظام دنيوي.
أيّاً كنت -يا قارئ هذه السطور- فكّر في مكانتك وواجباتك، ليس في مكانة الملاك أو التاجر أو القاضي أو الإمبراطور أو الرئيس أو الوزير أو القسيس أو الجندي، الذي يصفك به الناس مؤقتاً، وليس في الواجبات المتخيَّلة التي تضعها على عاتقك هذه المواقع، بل في موقعك الحقيقي والأبدي ككائن خرج، بمشيئة أحدهم بعد أبدية بأكملها، من العدم، من المجهول، والذي قد يعود، بمشيئة أحدهم، إلى المكان الذي خرج منه في أي لحظة. فكّر في واجباتك، ليس في واجباتك المتخيَّلة: واجبات الإقطاعي تجاه إقطاعته، والتاجر تجاه رأسماله، والإمبراطور والوزير والموظف تجاه الدولة، بل في واجباتك الحقيقية النابعة من مكانتك الحقيقية ككائن استُدعي إلى الحياة ووُهب عقلاً وقلباً. فهل ستفعل ما يطلبه منك الذي أرسلك إلى هذا العالم، والذي سرعان ما ترجع إليه؟ هل ستفعل ما يريده منك أم ستفعل ما يفعله الإقطاعي أو الصناعي الذي يستولي على نتاج عمل الفقراء بانياً حياته على هذا النهب، أو ما يفعله الحاكم أو القاضي الذي يقهر الناس ويحكم عليهم بالإعدام، أو ما يفعله العسكري الذي يتجهز للحروب ويقاتل وينهب ويقتل؟
تقول إن العالم قد بُني على هذا النحو، إن هذا لا مناص منه، إنك لا تفعل ذلك بإرادتك بل أنت مضطر إلى ذلك. لكن، قد يكون مغروساً فيك بمنتهى القوة الاشمئزاز من آلام الناس ومن تعذيبهم وقتلهم، قد يكون مغروساً فيك الحاجة إلى محبة الناس، وحاجة أقوى إلى محبة الناس لك، لكي ترى بوضوح أن فقط عند الاعتراف بتساوي البشر جميعاً، عند خدمتهم بعضهم بعضاً، يمكن تحقيق أكبر خير يمكن للبشر بلوغه، لكي يقول لك الكلام ذاته قلبك وعقلك والدين الذي تدين به، لكي يقول لك العلم الشيء ذاته، ولكي تكون، رغم ذلك، من جراء أفكار مبهمة ومعقدة جداً، مضطراً إلى القيام بكل شيء على النقيض من هذا صراحة، بحيث تكون مضطراً، إذا كنت إقطاعياً أو رأسمالياً، إلى بناء حياتك كلها على اضطهاد الشعب، لو إذا كنت موظفاً حكومياً تكون مضطراً إلى أن تنتزع بالقوة من الفقراء أموالهم المضخمة بدمائهم لكي تنتفع بها وتعطيها للأغنياء، لو إذا كنت قاضياً أو محلَّفاً تكون مضطراً إلى الحكم على الناس الضالين بالتعذيب أو الموت لأنهم لم تكشف لهم الحقيقة، أو أهم ما يرتكز عليه شر العالم -لأن يتوجب عليك أيها الشاب الالتحاق بالجندية وتتعهد، متخلياً عن إرادتك وعن مشاعرك الإنسانية، بقتل، تبعاً لإرادة أناس غرباء عنك، كل الذين يأمرونك بقتلهم؟
هذا مستحيل. حتى لو قال لك الناس إن هذا كله ضروري للحفاظ على نظام الحياة القائم، وإن النظام القائم، بفقره وجوعه وسجونه وإعداماته وجيوشه وحروبه، ضروري للمجتمع، وإن هذا النظام إذا انهار فستحلّ أسوأ الكوارث، فإن هذا يقوله فقط الذين نظام الحياة هذا مفيد لهم، أما كل أولئك الذين يفوقونهم عدداً بعشرة أضعاف، والذين يعانون من جراء نظام الحياة هذا، فجميعهم يفكرون ويقولون العكس. وأنت ذاتك تعلم في أعماقك أن هذا غير صحيح، وأن نظام الحياة الراهن قد ولّى زمانه ولا بد من إعادة بنائه على أسس جديدة، وأنه، لهذا السبب، لا حاجة أبداً للحفاظ عليه، عبر التضحية بالمشاعر الإنسانية.
الأكثر أهمية هو أنه حتى لو افترضنا أن النظام الراهن ضروري؛ فلماذا تشعر أنت بالذات بأنك مُلزم، منهكاً أفضل المشاعر الإنسانية لديك، بالحفاظ عليه؟ مَنْ جعلك حاضنة هذا النظام المنهار؟ لا المجتمع، ولا الدولة، ولا الناس جميعاً لم يطلبوا منك الحفاظ على هذا النظام، شاغلاً موقع الإقطاعي أو التاجر أو الإمبراطور أو القس أو الجندي الذي تشغله؛ وإنك تعلم جيداً أنك لم تشغل وتتقبل منصبك على الإطلاق للحفاظ، بنكران ذات، على نظام الحياة الضروري لخير البشر، بل لأجل ذاتك: لأجل جشعك وحبك للمجد وحبك للرفعة، لأجل كسلك وجبنك. لو لم تكن راغباً في هذا الموقع لما فعلت كلَّ ما ينبغي القيام به باستمرار للحفاظ على موقعك. حاول فقط الكفّ عن القيام بتلك الأعمال القاسية والعنيفة والمنحرفة والدنيئة التي لا تكفّ عن القيام بها للحفاظ على موقعك، وستفقده فوراً. فقط حاول، إذا كنت حاكماً أو موظفاً، الكفّ عن الكذب والدناءة، وعن المشاركة في أعمال العنف والإعدام؛ أو إذا كنت قسّاً، عن الكذب؛ أو إذا كنت عسكرياً، فعن القتل؛ لو إذا كنت إقطاعياً أو صناعياً، فعن الدفاع عن ملكيتك عن طريق المحاكم وأعمال العنف، ولسوف تفقد فوراً الموقع الذي تقول إنك مُقدّر عليه، والذي تدعي أنه يُثقل عليك.
يستحيل وضع إنسان رغماً عنه في موقع يتعارض مع وعيه.
إذا كنت موجوداً في هذا الموقع فليس لأن هذا ضروري لأحدهم بل فقط لأنك تريد ذلك. ولهذا، عارفاً أن هذا الموقع يتعارض صراحة مع قلبك وعقلك وعقيدتك وحتى مع العلم الذي تؤمن به، يستحيل عليك عدم التفكير بالسؤال: هل ستفعل ما يجب أن تفعل إذا بقيت في هذا الموقع، خاصة وأنك تحاول تبريره؟
إذ يمكن المجازفة بارتكاب الخطأ لو لم يكن لديك وقت لرؤية خطئك، ولو كان لما تجازف في سبيله أي أهمية. لكن ما دمت تعلم، ربما، أنك قد تفنى في أي لحظة دون أدنى إمكانية، لا لك ولا للذين تجتذبهم إلى خطئك، لتصحيحه، فضلاً عن أنك تعلم أنك مهما فعلت في النظام الخارجي للعالم، فإن هذا كله سيزول مثلك أنت، بسرعة جداً، ربما، دون أن يترك أثراً، فجليٌّ أنه ما من شيء يدعوك إلى المجازفة بارتكاب هذا الخطأ المخيف.
إنّ هذا بمنتهى البساطة والوضوح فقط لو لم نُعَتّم على الحقيقة المكشوفة لنا دون شك بالنفاق.
"تقاسم ما لديك مع الآخرين. لا تكنز الثروة. لا تتكبّر. لا تسرق. لا تعذِّب. لا تقتل أحداً. لا تفعل بأحد ما لا تريد أن يُفعل بك." قيل هذا قبل 5000 سنة، وليس قبل 1800 سنة، ولم يكن بالإمكان الشك في حقانية هذا القانون لولا النفاق: إذا كان يستحيل القيام بذلك، فعلى الأقل عدم الاعتراف بأن هذا يجب القيام به دائماً، وأن من لا يفعل ذلك يعمل سوءاً.
لكنك تقول إن هناك أيضاً الصالح العام الذي من أجله يمكن ويجب التراجع عن هذه القواعد: من أجل الصالح العام يمكن القتل والتعذيب والنهب. "خيرٌ أن يموت إنسان واحد عن الشعب،" تقول ما قاله قيافا، وتحكم بالإعدام على أحدهم، فثان، فثالث، تسدّد البندقية إلى هذا الشخص الذي يجب أن يموت عن الشعب، تودعه السجن، تنتزع منه أملاكه. تقول إنك تقوم بهذه الأعمال العنيفة لأنك تعتبر نفسك ابن المجتمع، أو الدولة، وتشعر أن من واجبك أن تخدمه وتتبع قوانينه. لكن عدا عن انتمائك إلى دولة معينة، وإلى الواجبات النابعة من ذلك، لديك انتماء آخر إلى حياة العالم الأبدية، وإلى الله، وإلى الواجبات النابعة من هذا الانتماء.
وكما أن واجباتك النابعة من انتمائك إلى عائلة معينة أو مجتمع معين تخضع دائماً لواجباتك الأعلى النابعة من انتمائك إلى الدولة، كذلك واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة لا بد لها من أن تخضع للواجبات النابعة من انتمائك إلى حياة العالم، إلى الله.
وكما أنه ليس من الحصافة تحطيم أعمدة الاتصال البرقي لتأمين حطب الوقود للأسرة أو المجتمع وزيادة رفاهيته لأن هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة الدولة، كذلك تماماً ليس من الحصافة، من أجل صيانة الدولة وزيادة رفاهيتها، تعذيب أو إعدام أو قتل إنسان لأن هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة العالم.
واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة ليس بإمكانها عدم الخضوع للواجب الأبدي الأسمى النابع من انتمائك إلى حياة العالم اللامتناهية أو إلى الله، ولا يمكنها مناقضتها، كما قال تلاميذ المسيح قبل 1800 سنة: "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا." (أعمال الرسل: 4 ، 19) وأيضاً: "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس." (5 ، 29)
يؤكدون لك إنه لكي لا ينهار النظام، الذي أُقيم البارحة من قِبَل بضعة أشخاص في ركن معين من العالم والمتغيّر باستمرار، يجب عليك القيام بإعدام وتعذيب وقتل الأفراد الذين يُخلّون بنظام العالم الموثوق والثابت الذي أقامه الله أو العقل، فهل هذا جائز؟ ولهذا لا يمكنك عدم التفكير بموقعك، كإقطاعي أو تاجر أو قاضٍ أو إمبراطور أو رئيس أو وزير أو قسيس أو جندي، المرتبط بأعمال الاضطهاد والقهر والكذب والتعذيب والقتل، وعدم الاعتراف بعدم شرعيتها.
لستُ أقول إن عليك فوراً إعطاء أرضك للفقراء، إذا كنت إقطاعياً، أو إعطاء أموالك ومعملك للعمال، إذا كنت رأسمالياً، أو إذا كنت ملكاً أو وزيراً أو موظفاً أو قاضياً أو جنرالاً، أن تتخلّى فوراً عن منصبك، وإذا كنت جندياً (أي تشغل الموقع الذي يرتكز عليه كل العنف) أن تتخلّى فوراً عن موقعك، بغض النظر عن مخاطر رفض أداء الخدمة العسكرية.
إذا فعلت ذلك فإنك تفعل الأفضل لكنك -وهو الاحتمال الأكبر- قد لا تكون قادراً على القيام بذلك، فلديك علاقات وأسرة ومرؤوسون ورؤساء، وقد تقع تحت تأثير بمنتهى القوة للغوايات بحيث لا يكون بمقدورك القيام بذلك، لكن يمكنك دائماً الاعتراف بحقيقة الحقائق وعدم الكذب. عدم التأكيد بأنك تظلّ إقطاعياً أو صناعياً أو تاجراً أو رساماً أو كاتباً لأن هذا مفيد للناس، بأنك لا تعمل محافظاً أو نائباً عاماً أو ملكاً لأن هذا مستساغ ومعتاد لك بل لأجل خير الناس، بأنك لا تستمر بالبقاء جندياً لأنك تخشى العقاب بل لأنك تعتبر الجيش ضرورياً لضمان حياة الناس، يمكنك دائماً عدم الكذب على هذا النحو على نفسك وعلى الناس، وليس يمكنك فحسب بل يجب عليك ذلك لأن في هذا وحده، في تحررك من الباطل واعتناقك الحق، يكمن خير حياتك الوحيد.
ويكفي أن تفعل هذا فقط حتى يتغير وضعك تلقائياً لا مناص.
أعطي لك أمر واحد، واحد فقط، أنت فيه حرّ ومهيمن، في الحياة، والأمور الأخرى كلّها خارجة عن سلطانك. يكمن هذا الأمر في معرفة الحق واعتناقه.
وإذا بك -لأن أناساً ضالين مثيرين للشفقة، مثلك، قد أقنعوك بأنك جندي أو إمبراطور أو إقطاعي أو غني أو قسّ أو جنرال- تبدأ بالقيام بالشر الذي يناقض، بوضوح ودون شك، عقلك وقلبك: تبدأ بتعذيب ونهب وقتل الناس، تبني حياتك على معاناتهم، والأهم، بدلاً من القيام بعمل حياتك الوحيد، أي الاعتراف بالحقيقة المعروفة لك واعتناقها، تقوم، متظاهراً بعناية بأنك لا تعرفها، بحجبها عن ذاتك وعن الآخرين، مناقضاً بذلك صراحة واجبك الوحيد.
وفي أي شروط تفعل هذا؟ أنت، الذي قد تموت في أية لحظة، تُصدر حكم الإعدام، تعلن الحرب، تذهب إلى الحرب، تحاكم، تعذِّب، تنهب العمال، تترفّه وسط الفقراء وتُعلم الضعفاء الذين يصدقونك أن هذا ما يجب وأن هذا هو واجب الناس، غافلاً عن أنك في اللحظة التي تفعل فيها هذا قد تصيبك بكتيريا أو رصاصة فتخرج وتموت، وتُحرم إلى الأبد من إمكانية تصحيح أو تغيير الشر الذي صنعته بالآخرين، وبنفسك خاصة، مهلكاً عبثاً، مرة وإلى الأبد، الحياة التي مُنحتها، دون أن تعمل فيها الشيء الوحيد الذي كان عليك عمله حتماً.
إذ مهما كان هذا بسيطاً وقديماً، ومهما خدعنا أنفسنا بالنفاق وبإيهام الذات النابع منه، ما من شيء قادر على تقويض يقينية تلك الحقيقة البسيطة والواضحة، بأنه لا يمكن لأي جهود خارجية ضمان حياتنا المرتبطة، لا مناص، بآلام لا مفرّ منها، والمنتهية بالموت الذي يستحيل أكثر ردّه، والذي قد يحلّ بالنسبة لأي منّا في أي لحظة، وأن حياتنا -لهذا السبب- لا يمكن أن يكون لها معنى آخر سوى القيام، في كل لحظة، بما تريده منّا القوة التي أرسلتنا إلى الحياة ومنحتنا في هذه الحياة قائداً لا شك فيه: وعينا الرشيد.
ولهذا لا يمكن لهذه القوة أن تطلب منّا ما ليس رشيداً وممكناً: بناء حياتنا الجسدية الفانية، وحياة المجتمع أو الدولة. هذه القوة تطلب منّا الشيء الوحيد اليقيني والحصيف والممكن: خدمة ملكوت الله، أي العمل على إقامة أكبر اتحاد لكل ما هو حيّ، والممكن فقط في الحق، وبالتالي الاعتراف بالحقيقة المكشوفة لنا واعتناقها، الأمر الوحيد الذي تحت سلطاننا دائماً. "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تُزاد لكم."
المعنى الوحيد لحياة الإنسان يكمن في خدمة العالم عبر العمل على إقامة ملكوت الله. وهذه الخدمة يمكن أن تتم فقط عبر اعتراف كل شخص على حدة بالحقيقة واعتناقها.
14 أيار 1893
ياسنايا بوليانا