4
لكن المثير للاستغراب هو أن بالتحديد أولئك الناس، الذين يقولون إنهم يهتمون أكثر من الآخرين جميعاً بتحسين حياة الناس، والذين يعدون قواد الرأي العام، يؤكدون أن هذا بالذات لا حاجة للقيام به، وأن هناك وسائل أخرى، أكثر فعالية، لتحسين أوضاع الناس. يؤكد هؤلاء الناس أن تحسين حياة البشر لا يحدث نتيجة للجهود الداخلية للأفراد لإدراك واستجلاء واعتناق الحق؛ بل نتيجة للتبدل التدريجي لظروف الحياة الخارجية العامة في منحى مفيد للإنسانية، أما أي اعتناق فردي للحق المخالف للنظام القائم؛ فليس فقط غير مفيد بل هو ضار لأنه يحرّض السلطات على القمع الذي يعيق هؤلاء الأفراد عن مواصلة نشاطهم المفيد لخدمة المجتمع. بموجب هذه العقيدة، كل التغييرات في الحياة الإنسانية تجري وفق القوانين التي تجري بها في حياة الحيوانات كذلك.
بالتالي، تبعاً لهذه العقيدة، كل مؤسسي الأديان، مثل موسى والأنبياء وكونفوشيوس ولاوتسه وبوذا والمسيح وغيرهم، لم يبشروا بتعاليمهم، ولم يعتنقها أتباعهم، لأنهم أحبوا الحق وقاموا باستجلائه وبيانه لأتباعهم بل لأن الظروف السياسية والاجتماعية، والاقتصادية خاصة، لدى الشعوب التي نشأت وانتشرت هذه التعاليم بينها، كانت ملائمة لنشوئها وانتشارها.
لذا؛ فالنشاط الرئيس للإنسان، الراغب في خدمة المجتمع وتحسين حال الإنسانية، لا يجب توجيهه، حسب هذه العقيدة، لاستجلاء الحق واعتناقه بل لتحسين الظروف السياسية والاجتماعية، والخاصة الاقتصادية، الخارجية. وتغيير هذه الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية يتم، من جهة، عبر خدمة الحكومة وإدخال المبادئ الليبرالية والتقدمية إليها، ومن جهة أخرى، من خلال العمل على تطوير الصناعة ونشر الأفكار الاشتراكية، ونشر التعليم بشكل خاص. بموجب هذه العقيدة، الأهم هو ليس الالتزام، في الحياة، بالحقيقة التي كُشفت لك، وأن يكون واجبك لذلك - نتيجة لذلك - تحقيقها في الحياة أو، على الأقل، عدم القيام بأفعال تناقض الحق الذي تدين به: عدم خدمة الحكومة وعدم تعزيز سلطتها إذا كنت ترى أن هذه السلطة مؤذية، عدم الاستفادة من النظام الرأسمالي إذا كنت تعتبر هذا النظام خاطئاً، عدم الإعراب عن الاحترام تجاه مختلف الطقوس الدينية إذا كنت تعتبرها خرافات ضارة، عدم المشاركة في المحاكم إذا كنت تعتبرها باطلة، عدم الخدمة في الجندية، عدم القسم، وعموماً عدم الكذب، عدم المبالغة، بل الأهم هو، دون تغيير أنماط العيش القائمة، والخضوع لها على النقيض من قناعاتك، إدخال الليبرالية إلى المؤسسات القائمة: العمل على تطوير الصناعة، والدعاية للاشتراكية ولمنجزات ما يسمى العلم، والعمل على نشر التعليم. وفق هذه النظرية لا يمكن للمرء، مع بقائه إقطاعياً أو تاجراً أو صناعياً أو قاضياً أو موظفاً، يتلقى راتبه من الحكومة، أو جندياً أو ضابطاً، أن يكون شخصاً إنسانياً فحسب بل وحتى اشتراكياً وثورياً.
النفاق، الذي كان له فقط أساس ديني، وذلك في التعليم المتعلق بسقوط الجنس البشري وتكفير الذنوب والكنيسة، حصل في زماننا، في هذه العقيدة، على أساس علمي جديد، ونتيجة لذلك أسر في شباكه كل الذين لم يعودوا قادرين، من حيث مستوى تطورهم، على الاعتماد على النفاق الديني. بالتالي، إذا كان فيما مضى فقط الشخص، الذي يدين بالعقيدة الدينية الكنسية، قادراً، مع عدّه نفسه طاهراً من أي خطيئة في أثناء ذلك، على المشاركة في كل الجرائم التي ترتكبها الدولة، والاستفادة منها، شريطة أن ينفذ المتطلبات الظاهرية لعقيدته وحسب؛ ففي الوقت الراهن بات لدى كل الناس، غير المؤمنين بالمسيحية الكنسية، أساس علمي راسخ لكي يعتبروا أنفسهم أناساً أطهاراً ويتمتعون بحس أخلاقي عال، بغض النظر عن مشاركتهم في جرائم الدولة واستفادتهم منها.
يعيش، ليس في روسيا وحدها بل أينما كان -في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا- ملاك غني ينتزع من الناس، الذين يعيشون على أرضه ويحتاجون منها، والذين يعاني معظمهم الجوع، كل ما يمكنه أن ينتزع منهم لقاء سماحه لهم بذلك. إن حق هذا الشخص في ملكية الأرض يقوم على أن عند أي محاولة يقوم بها هؤلاء الناس المضطهدين لاستثمار الأرض التي يعتبرها الملاك أرضه، يأتي الجنود ويقومون بتعذيب وقتل الناس الذين استولوا على الأرض. المفروض أن يكون واضحاً أن شخصاً يعيش على هذا النحو إنما هو كائن شرير وأناني، ولا يمكنه على الإطلاق اعتبار نفسه شخصاً مسيحياً أو ليبرالياً. المفروض أن يكون واضحاً أن أول ما يجب أن يفعله إنسان كهذا، إذا كان يريد الاقتراب إلى المسيحية أو الليبرالية ولو قليلاً، هو الكف عن نهب وإهلاك الناس عن طريق حقه في الأرض، المدعوم بالقتل والتعذيب من قبل الدولة. لكن لكان الأمر هكذا لولا وجود ميتافيزيقا النفاق التي تقول إن امتلاك أو عدم امتلاك الأرض متساويان بالنسبة إلى الخلاص من وجهة النظر الدينية، وتقول، من وجهة النظر العلمية، إن التخلي عن ملكية الأرض إنما هو جهد فردي لا جدوى منه، وإن العمل لخير الناس لا يتم بهذه الطريقة بل عبر التغيير التدريجي لأنماط الحياة الخارجية. وها هو هذا الشخص، دون أن يحتار أو يشك أبداً بما يقنعونه به، يقيم معرضاً زراعياً، وينشئ جمعية لمكافحة الإدمان على الكحول، ويرسل عبر زوجته وأولاده صديريات وحساء لثلاث نساء طاعنات في السن، ثم يجرؤ على التبشير، وسط أسرته وفي المضافات والمجالس والصحف، بالمحبة الإنجيلية أو الإنسانية تجاه القريب عموماً، وخصوصاً تجاه العمال الزراعيين الذين يعذبهم باستمرار. والناس، الذين وضعهم كوضعه، يصدقونه ويثنون عليه، وبجدية يناقشون معه المسائل المتعلقة بكيفية تحسين أوضاع العمال الذين تقوم حياتهم على نهبهم، مبتكرين لأجل ذلك كل الوسائل الممكنة باستثناء الوسيلة الوحيدة التي من دونها يستحيل أي تحسين لأوضاع الشعب، وبالتحديد الكف عن انتزاع الأرض من الشعب، والضرورية لقوته.
المثال الأكثر إثارة للاستغراب لهذا النفاق هو انشغال الملاكين الروس، في السنة الأخيرة، بمكافحة الجوع الذي هم سببه، والذي عمدوا إلى استغلاله فوراً عبر بيعهم بأعلى سعر ليست الحبوب فقط بل وقشور البطاطا بخمسة روبلات للهكتار كوقود للتدفئة للفلاحين المتجمدين من البرد.
أو يعيش تاجر، تقوم كل تجارته، كشتى أشكال التجارة، على سلسلة من عمليات الغش التي من خلالها، مستغلاً جهل وحاجة الناس، يشتري منهم البضائع بأسعار أدنى من قيمتها، ويبيعهم إياها، كذلك مستغلاً جهلهم وحاجتهم والإغراء، بأسعار أعلى من قيمتها. المفروض أن يكون واضحاً أن شخصاً يقوم عمله كله على ما يسمى لسانه غشاً، فيما لو أن هذه الأعمال تتم في ظروف أخرى، يجب أن يخجل من وضعه بحيث لا يعود بإمكانه تقديم نفسه كشخص مسيحي أو تاجر مع بقائه تاجراً. لكن ميتافيزيقا النفاق تقول له إن بالإمكان أن يذيع صيته كإنسان فاضل، مع استمراره بعمله الضار: الشخص المتدين يكفيه أن يكون مؤمناً فقط، والليبرالي يكفي فقط أن يعمل على تغيير الظروف الخارجية، أي تقدّم الصناعة. وها هو هذا التاجر (الذي، عدا عن ذلك، يرتكب أيضاً سلسلة من عمليات الاحتيال المباشر، بائعاً على أنه جيد، يزن ويقيس ويبيع السلع التي تهلك حياة الشعب بشكل خاص، كالنبيذ والأفيون) بوقاحة يعتبر نفسه ويعتبره الآخرون، إذا فقط لم يخدع صراحة رفاقه في أعماله وفي الخداع، أي إخوانه التجار، مثالاً للنزاهة والإخلاص. أما إذا أنفق واحداً بالألف من الأموال التي سرقها على مؤسسة اجتماعية ما: مستشفى أو متحف أو مؤسسة تعليمية، فإنه يُعدّ محسناً إلى الشعب الذي تقوم رفاهيته كلها على خداعه وتسميمه؛ وإذا ضحى بقسم من المال المسروق على الكنيسة والفقراء؛ فيُعدّ مسيحياً قدوة.
أو يعيش صناعي، يأتي مدخوله كله مما ينتزعه من العمال، ويقوم نشاطه كله على العمل الاضطراري وغير الطبيعي الذي يهلك أجيالاً بأكملها من الناس؛ المفروض أن يكون واضحاً، قبل أي شيء آخر، إذا كان هذا الإنسان يعتنق أي مبادئ مسيحية أو ليبرالية، أن عليه الكف عن إهلاك الحيوات الإنسانية من أجل أرباحه الفائضة. لكنه، بموجب النظرية القائمة، يساعد على تطور الصناعة، ولا يجب عليه، بل حتى سيكون ضاراً للبشر وللمجتمع، أن يوقف نشاطه. وهذا الإنسان القاسي الذي يستعبد آلاف الناس، بسبب بنائه للناس الذين ينهكهم بالعمل بيوتاً لها حدائق تبلغ مساحتها 140 سنتيمتراً، وإنشائه صندوقاً خيرياً وكنيسة ومستشفى، متأكد تماماً من أنه بهذه الأعمال الضئيلة قد دفع ثمن كل الحيوات الإنسانية التي أهلكها بدنياً وروحياً، ويواصل عمله باطمئنان، مفتخراً به.
أو يعيش حاكم أو موظف دولة مدني أو ديني أو عسكري، يقوم بوظيفته لكي يشبع حبه للرفعة أو حبه للسلطة أو، وهذا هو الغالب، فقط لكي يحصل على الراتب الذي يُحصّل من عمل الشعب المضني والمهلك (أياً كان مصدر الضرائب فهي تأتي دائماً من عمل العمال)، إذا هو، وهو أمر نادر جداً، لم يسرق أموال الدولة على غير العادة، فإنه يعتبر نفسه ويعتبره الآخرون عضو المجتمع الأسمى فضلاً.
يعيش قاض أو مدّع عام أو حاكم ما، ويعلم أن مئات وآلاف الناس البؤساء، المأخوذين من عائلاتهم، يقبعون، بموجب حكمه أو قراره، في سجون انفرادية، وفي الأشغال الشاقة، ويفقدون عقولهم ويقتلون أنفسهم بقطع الزجاج أو من الجوع؛ يعلم أن لدى آلاف الناس هؤلاء هناك كذلك آلاف الأمهات والزوجات والأبناء الذين يعانون الفراق، والمحرومين من الزيارات، ويذلّون أنفسهم طالبين العفو أو على الأقل تخفيف أحكام آبائهم وأبنائهم وأزواجهم وأخوتهم، وهذا القاضي أو الحاكم غارق في نفاقه إلى درجة أنه وأمثاله وزوجاتهم وعائلاتهم متأكدون تماماً أن بإمكانه، رغم ذلك كله، أن يكون شخصاً طيباً وحساساً. بموجب ميتافيزيقا النفاق ينتج أنه يقوم بعمل مفيد للمجتمع. وهذا الشخص، الذي يهلك مئات، بل آلاف الناس الذين يلعنونه واليائسين من جراء إيمانه بالخير وبالله، بابتسامة متألقة بادية على وجهه الأملس، يذهب إلى الصلاة، ويستمع إلى الإنجيل، ويلقي الخطابات الليبرالية، ويلاطف أبناءه، ويعلّمهم الأخلاق، ويُبدي تعاطفه مع آلام متخيلة.
يعيش كل هؤلاء الناس، والذين يعتاشون من حولهم ومدرسوهم وأبناؤهم وفنانوهم وطباخوهم وغيرهم، بالدماء التي يمصونها، بطريقة أو بأخرى، بهذه العلقات أو تلك، من الشعب الكادح، يعيشون مبتلعين يومياً، كلٌّ من أجل رغباته، مئات وآلاف أيام عمل العمال المنهكين، مجبرين إياهم على العمل عبر التهديد بالقتل، ويرون حرمانات وآلام هؤلاء العمال وأبنائهم وزوجاتهم والعجائز والمرضى، ويعلمون بتلك الإعدامات التي تجري بحق الذين يخلّون بهذا النهب المنظّم، وليس فقط لا يقللون من ترفهم، لا يخفونه، بل بوقاحة يعرضون، أمام هؤلاء العمال المضطهدين الذين معظمهم يكرهونهم، مثيرين غيظهم كما لو قصداً، حدائقهم وقصورهم ومسارحهم وحملات صيدهم وسباقات خيلهم، وإضافة إلى ذلك، يقنعون أنفسهم وبعضهم بعضاً، باستمرار، بأنهم جميعاً مهتمون جداً بمصلحة الشعب الذي يدوسونه بأقدامهم باستمرار، وفي أيام الأحد، بملابس فاخرة، وفي عربات فاخرة، يذهبون إلى بيوت مبنية كما لو للتهكم عمداً على المسيحية، وهناك يستمعون إلى أناس مدرّبين على هذه الكذبة بشكل مقصود من كافة الأشكال، بحبريات ودون حبريات، بربطات عنق بيضاء، يعظون بعضهم بعضاً بمحبة البشر التي يكفر بها جميعهم طوال حياتهم. وهؤلاء الناس، بقيامهم بهذا كله، يتقمصون أدوارهم إلى درجة أنهم يُصدّقون فعلاً أنهم فعلاً ما يدعون.
النفاق العام، الداخل في أجساد ودماء كل شرائح عصرنا، بلغ حدوداً بحيث أنه لم يعد يثير استياء أحد. ليس عبثاً أن "الهيبوقريطية" تعني التمثل، التصنّع- القدرة على لعب أي دور. إن ظواهر مثل قيام خلفاء المسيح بمباركة القتلة الوقوفين صفاً، الممسكين ببنادق موجهة إلى إخوانهم، في الصلاة؛ وأن القساوسة ورعاة الكنائس من شتى الطوائف المسيحية يشاركون دائماً، تماماً كالجلادين، في الإعدامات مقرّين، عبر حضورهم، بأن القتل يجتمع مع المسيحية (كان راعي أبرشية حاضراً أثناء اختبار الإعدام بالكهرباء في أمريكا)،- كل هذه الظواهر لم تعد تثير دهشة أحد.
منذ فترة قريبة كان هناك معرض دولي للسجون في بطرسبرغ عُرضت فيه أدوات التعذيب: الأصفاد، نماذج عن الزنزانات الانفرادية، أي أدوات تعذيب أسوأ من السياط والقضبان، والسادة والسيدات الحساسون ذهبوا لمشاهدته واستمتعوا بذلك.
كذلك لا يُدهش أحداً أن العلم الليبرالي يبرهن، إلى جانب اعترافه بتساوي وإخوة وحرية البشر، على ضرورة الجيش والإعدام والجمارك والرقابة وتنظيم البغاء وطرد العمال رخيصي الأجر ومنع الهجرة، وضرورة وعدالة الاستعمار القائم على تدمير ونهب والقضاء على أقوام بأكملها، تدعى أقواماً همجية، الخ.
يتحدثون عن ما سيحدث عندما يعتنق جميع الناس ما يسمى المسيحية (أي مختلف العقائد المعادية لبعضها بعضاً)، عندما يغدو الجميع شياعاً ومكتسين، عندما يرتبط الجميع من شتى أطراف الدنيا فيما بينهم عن طريق البرق والهاتف، ويتواصلون عن طريق المناطيد، عندما يعتنق كل العمال العقائد الاشتراكية، وحين تجمع نقابات العمال ملايين الأعضاء والروبلات ويغدو الجميع متعلّمين، الجميع سيقرأون الصحف، ويعرفون العلوم.
لكن ما الشيء المفيد والخيّر الذي قد ينتج عن هذه المنجزات كلها إذا لم يقل ويفعل الناس ما يعتبرونه الحق في أثناء ذلك؟
إذ إن مصائب البشر تنتج عن انقسامهم. والانقسام ينتج عن أنهم لا يتّبعون الحق الوحيد، بل يتّبعون الأكاذيب الكثيرة.
الوسيلة الوحيدة لتوحيد البشر هي الحق. لذا كلما تطلع البشر بعزم أكبر إلى الحق كلما اقتربوا أكثر إلى هذه الوحدة.
لكن كيف يمكن للبشر أن يتحدوا في الحق أو يقتربوا منه على الأقل إذا كانوا ليس فقط لا يقولون الحق الذي يعرفونه بل يعتبرون أن لا حاجة للقيام بهذا، ويتصنعون أنهم يعتبرون الحق ما لا يعتبرونه الحق.
لذا لا يمكن أن يحدث أي تحسن لحال البشر ما دام الناس يتصنعون، أي يحجبون الحق عن أنفسهم بأنفسهم، ما داموا لا يعترفون بأن وحدتهم، وبالتالي خيرهم، ممكنة فقط في الحق، وبالتالي لا يسمون بالحقيقة التي كُشفت لهم فوق أية حقيقة أخرى يعترفون أو يدينون بها.
حتى لو تحققت كل المنجزات التي يمكن للناس المتدينين والعلمانيين أن يحلموا بها فحسب؛ حتى لو أن البشر جميعاً اعتنقوا المسيحية، وحتى لو تحققت كل التحسينات التي يتمنونها مع كل الإضافات والتصحيحات الممكنة، لكن إذا ظل، في أثناء ذلك، النفاق الموجود الآن قائماً، وإذا لم يعتنق البشر الحق الذي يعرفونه وواصلوا الادعاء بأنهم يؤمنون بما لا يؤمنون به، وأنهم يحترمون ما لا يحترمونه، فإن وضع البشر ليس فقط لن يبقى على حاله بل سيزداد سوءاً أكثر فأكثر. كلما شبع الناس أكثر، وكلما ازدادت أجهزة البرق والهاتف والكتب والجرائد والمجلات، كلما ازدادت وسائل انتشار الأباطيل والأكاذيب المختلفة فيما بينها، وكلما ازداد انقسام البشر، وبالتالي مصائب البشر، كما هي الحال الآن. حتى لو تحققت هذه التغييرات الخارجية كلها فإن وضع الإنسانية لن يتحسن. لكن فليقم كل شخص، الآن فوراً في حياته وقدر استطاعته، باعتناق الحق الذي يعرفه، أو على الأقل يكف عن الدفاع عن الباطل الذي يفعله، مقدماً إياه على أنه الحق، ولسوف تتم فوراً، في عام 1893 هذا، كل تلك التحولات نحو تحرر البشر وإقامة الحق على الأرض، والتي لا يمكننا أن نحلم بها حتى بعد قرون.
ليس عبثاً أن الخطبة الوحيدة غير الوديعة بل الفاضحة والعنيفة للمسيح كانت موجهة إلى المنافقين وضد النفاق. ما يفسد الناس ويجعلهم أشراراً ووحوشاً، وبالتالي يقسّمهم، ليس النهب أو القتل، ليست الزنى، ليس الغش، بل الكذب، ذلك الكذب المميز للنفاق الذي يقضي في إدراك الناس على الفرق بين الخير والشر، ويُفقدهم بذلك إمكانية تجنب الشر والبحث عن الخير، يحرمهم مما يُشكل جوهر الحقيقة الإنسانية، لذا يقف في طريق أي تكامل للبشر.
الذين لا يعرفون الحق ويعملون الشر، محرّضين لدى الآخرين التعاطف مع تضحياتهم والاشمئزاز من تصرفاتهم، يسيئون فقط إلى من يسيئون إليه، لكن الذين يعرفون الحق ويعملون الشر، المغلّف بالنفاق، يسيئون إلى أنفسهم وإلى من يسيئون إليه وكذلك إلى آلاف مؤلفة من الآخرين، المفتونين بالكذبة التي يحاولون إخفاءها من خلال الشر الذي يرتكبونه.
اللصوص والنهابون والقتلة والكذابون، الذين يرتكبون أفعالاً تُعتبر شريرة من قبلهم هم أنفسهم ومن قبل الناس جميعاً، يُعدّون قدوة لما يجب عدم القيام به، ويحرفون الناس عن الشر. أما الذين يقومون بذات أعمال اللصوصية والنهب والتعذيب والقتل، مغلّفين إياها بتبريرات دينية وعلمية ليبرالية، كما يفعل جميع الملاكين والتجار والصناعيين وشتى أنواع موظفي الحكومة في زماننا، فإنهم يدعون الآخرين إلى تقليد أفعالهم، ولا يسيئون فقط إلى الذين يعانون من جراء شرهم بل كذلك إلى آلاف وملايين البشر الذين يُفسدونهم عبر قضائهم على التمييز بين الخير والشر بالنسبة إلى هؤلاء الناس.
فقط المال المكتسب عن طريق تجارة السلع الضرورية للشعب أو المفسدة للشعب، أو عبر العمليات المصرفية، أو عبر اكتساب أراض رخيصة والتي يتم رفع أسعارها فيما بعد بسبب احتياج الناس إليها، أو عبر بناء المصانع التي تهلك صحة وحياة الناس، أو عبر الخدمة المدنية أو العسكرية للدولة، أو بأية طريقة أخرى كإغراء الناس - المال، المكتسب عن طريق هذه الأعمال ليس فقط بموافقة بل بمباركة قوّاد المجتمع الذي يتم تجميله بأعمال الإحسان في أثناء ذلك، أكثر إفساداً للناس بما لا يقاس من ملايين السرقات وأعمال الاحتيال والنهب التي تعدّ خارجة عن القانون والمعرضة للملاحقة الجنائية. عملية إعدام واحدة يقوم بها، دون أن يكونوا تحت تأثير الغضب، أناس مثقفون محترمون بمباركة ورؤساء كنائس مسيحيين، والتي يتم إظهارها كشيء ضروري بل حتى عادل، تُفسد وتُوحش الناس أكثر من مئات وآلاف جرائم القتل التي يرتكبها عُمّال أُمّيون، وحتى تحت تأثير الغضب، وإن إعداماً كالذي اقترحه جوكفسكي، والذي يشعر الناس أثناءه برأفة دينية، سيكون أشد الأعمال إفساداً مما يمكن تصوره.
أي حرب، أقصر الحروب، مع النفقات التي ترافق الحروب عادة، وتدمير الحقول، مع السرقات التي تُعد استرجاعاً للمسروقات، وعمليات النهب والقتل، مع مبررات ضرورتها وعدالتها المختلقة، مع إكبار ومدح البطولات الحربية، مع حبّ العلم والوطن وادعاء الاهتمام بالجرحى... الخ- تُفسد في سنة واحدة أكثر من ملايين السرقات والحرائق وجرائم القتل المرتكبة على امتداد مئات السنين من قبل أفراد تحت تأثير الغضب.
حياة مترفة، ضمن حدود اللياقة، لأسرة غنية، تُدعى فاضلة، تنفق على ذاتها من أيام العمل ما يكفي لإطعام آلاف الناس الذين يعيشون في الفقر بجوار هذه الأسرة- تُفسد الناس أكثر من آلاف الحفلات الجنونية التي يقيمها التجار والضباط والعمال الذين يستسلمون للسكر والتقيؤ، ويُكسّرون المرايا والأواني وغيرها للتسلية واللهو.
موكب احتفالي واحد، أو صلاة أو موعظة تقوم بها كليّة الكذبة التي لا يؤمن بها الواعظون، تخلق من الشر أكثر بما لا يقاس من آلاف الأطعمة المغشوشة والمزيفة، وهلم جرّا.
إنهم يتحدثون عن نفاق الفرنسيين. لكن نفاق الناس في زماننا يتفوق بما لا يقاس على نفاق الفريسيين البريء. فلدى أولئك كان هناك على الأقل تشريع ديني ظاهري كان بإمكانهم، من جراء التزامهم الصارم به، عدم رؤية واجباتهم تجاه أقربائهم، ناهيك عن أن تلك الواجبات لم تكن واضحة آنذاك؛ لكن في زماننا لا يوجد تشريع ديني يُحرّر الناس من واجباتهم تجاه أقربائهم جميعاً دون تمييز (لا آخذ بالحسبان أولئك الناس الفظّين والأغبياء الذين ما زالوا يعتقدون أن الأسرار ومغفرة البابا يمكنها أن تغفر خطاياهم) بل، على العكس، التشريع الإنجيلي، الذي جميعنا ندين به بطريقة أو بأخرى، يشير صراحة إلى هذه الواجبات، فضلاً عن أن هذه الواجبات ذاتها، التي عبّر عنها آنذاك بعبارات مبهمة فقط، باتت مُعبّراً عنها بمنتهى الوضوح بحيث أصبحت شعارات يرددها طلاب المدارس الثانوية وكتاب المقالات النقدية. وبالتالي المفروض أن بشر زماننا لا يمكنهم على الإطلاق الادعاء بأنهم لا يعرفون واجباتهم هذه.
بشر زماننا، المستفيدين من النظام الحالي القائم على العنف والواثقين، إضافة إلى ذلك، من أنهم يحبون أقربيهم جداً دون أن يلاحظوا على الإطلاق أنهم طوال حياتهم يسيئون إلى أقربيهم، مثلهم كمثل شخص ينهب الناس باستمرار، والذي أُلقي القبض عليه، أخيراً، رافعاً سكيناً على ضحية يطلب النجدة بصرخات مذعورة، فيؤكد أنه لم يكن يعلم أن ما يفعله لم يكن مقبولاً للذي نهبه فقرر ذبحه. فكما أنه يستحيل على هذا اللص والقاتل إنكار ما هو على مرأى من الجميع، كذلك تماماً المفروض أن يكون مستحيلاً في الوقت الراهن على بشر زماننا، الذين يعيشون على حساب الناس المضطهدين، أن يقنعوا أنفسهم والآخرين بأنهم يتمنون الخير لأولئك الناس الذين لا يكفون عن نهبهم، وأنهم لم يكونوا يعلمون كيفية اكتساب ما يستفيدون منه.
بات مستحيلاً علينا تأكيد أننا لم نكن نعلم عن المائة ألف إنسان الذين يقبعون في السجون والأشغال الشاقة، في روسيا وحدها، لضمان أملاكنا وأماننا، وأننا لا نعلم عن تلك المحاكم التي نحن أنفسنا نشارك فيها، والتي يتم فيها، بإذن منّا، الحكم على الذين يهددون أملاكنا وأمننا بالسجن والنفي والأشغال الشاقة التي يهلك ويفسد فيها أناس ليسوا أسوأ من الذين يحاكمونهم؛ وأننا لم نكن نعلم أن كل ما نملك إنما يتم تحصيله ونهبه لأجلنا عن طريق القتل والتعذيب. يستحيل علينا الادعاء بأننا لا نرى ذلك الخفير الذي يتجول أمام نوافذنا، بمسدسه المحشو، لكي يحمينا أثناء تناولنا غذاءً شهياً أو مشاهدتنا مسرحية جديدة، وعن أولئك الجنود الذين سيهرعون فوراً، ببنادقهم ورصاصاتهم القتالية، إلى حيث يتم الاعتداء على ممتلكاتنا. إذ إننا نعلم أننا إذا كنا ننهي تناول الغداء أو مشاهدة المسرحية أو نستمتع بمشاهدة الباليه أو التزلج أو سباق الخيل أو الصيد، ففقط بفضل الرصاصة في مسدس الخفير وبندقية الجندي التي ستصيب البطن الجائع لذلك المخدوع في حصته الذي، متسللاً من خلف الزاوية، ينظر إلى متعنا، والذي سيخرقها ما إن يغادر الخفير مع مسدسه أو لا يكون هناك جندي في الثكنة مستعداً للحضور ما إن نستدعيه.
وبالتالي، كما أن الشخص الذي يُلقى عليه القبض ملتبساً بالسرقة في وضح النهار يستحيل عليه تماماً إقناع الجميع بأنه لم يهاجم الشخص المتعرّض للنهب لكي يستولي على محفظته أو ليذبحه، كذلك بات مستحيلاً علينا إقناع أنفسنا والآخرين بأن الجنود والحراس بمسدساتهم ليسوا موجودين من حولنا لكي يحمونا أبداً بل للدفاع عنّا ضد أعداء الخارج، أو من أجل تنظيم الأمور، أو للتجميل والتسلية والمواكب، وأننا لم نكن حتى نعلم أن الناس لا يحبون الموت جوعاً لأنهم لا يحق لهم استثمار الأرض التي يعيشون فيها ليقتاتوا عليها، وأنهم لا يحبون العمل تحت الأرض، تحت المطر، في القيظ، 10-14 ساعة في اليوم، وليلاً في مختلف المعامل والمصانع لصناعة سلع متعتنا. المفروض أن يكون إنكار ما هو بهذا الجلاء مستحيلاً. لكن هذا بالذات ما يحدث.
ورغم وجود أناس أحياء بين الأغنياء، ألتقيهم -لحسن الحظ- أكثر فأكثر، خاصة من النساء والشباب، عند تذكيرهم بثمن هنائهم، دون محاولة إخفاء الحقيقة، يمسكون برؤوسهم ويقولون: "آخ، هل هذا معقول. إذا كان الأمر هكذا فيستحيل العيش"؛ ورغم وجود أناس صادقين يرون خطيئتهم، مع أنهم لا يستطيعون التخلص منها، فإن معظم الناس في زماننا قد تقمصوا أدوارهم المنافقة إلى درجة أنهم ينكرون ما يسفع أعين أي مبصر.
"هذا كله غير صحيح، -يقولون- فلا أحد يرغم الشعب على العمل لدى الملاكين وفي المعامل. إنه اتفاق حرّ. الملكية الكبيرة والرساميل ضرورية لأنها تنظم العمل وتعطيه للطبقة العاملة، والعمل في المعامل والمصانع ليس بهذا الهول الذي تتحدث عنه. إذا كان هناك شيء من سوء الاستخدام في المعامل فإن الدولة والمجتمع يتخذان الإجراءات لإزالتها ولجعل عمل العمال أسهل بل حتى مستساغاً. لقد اعتاد العمال على العمل العضلي وهم ليسوا مؤهلين لأي شيء آخر في الوقت الراهن. أما بؤس الشعب فليس ناتجاً على الإطلاق عن الإقطاع؛ وليس عن اضطهاد الرأسماليين له بل عن أسباب أخرى: إنه ناتج عن أميّة وفظاظة وسكر الشعب. ونحن الموظفون الحكوميون نعمل على مكافحة ذلك بالإدارة الحكيمة، ونحن الرأسماليون نعمل على مكافحة ذلك عبر نشر المنتجات الصناعية، ونحن رجال الدين، عبر التعليم الديني، ونحن الليبراليون، عبر إنشاء نقابات العمال، وعبر رفع مستوى التعليم ونشره، بهذه الطرق سوف نزيد من رفاهية الشعب دون تغيير مواقعنا. لا نريد أن يكون الناس جميعاً فقراء بل نريدهم أن يكونوا أغنياء. وأيضاً كون الناس يتم تعذيبهم وقتلهم لإرغامهم على العمل لدى الأغنياء، إنما هي سفسطة: يتم إرسال الجنود لقتال الشعب فقط حين يقوم الشعب، الذي لا يفهم مصلحته، بالتمرد ويخل بالاستقرار اللازم للصالح العام. كذلك لابد من قمع المجرمين الذين أنشئت السجون والمشانق والأشغال الشاقة. نحن أيضاً نتمنى إلغاءها ونعمل في هذا المنحى".
النفاق في زماننا مدعوم من طرفين:
كذبة الدين وكذبة العلم بلغتا حدوداً لو لم نكن نعيشها لما صدقنا أن بإمكان الناس بلوغ هذه الدرجة من خداع الذات. وصل الناس في زماننا إلى حالة غريبة من قسوة القلب بحيث أنهم ينظرون ولا يبصرون، يصغون ولا يسمعون ولا يفقهون.
يعيش البشر حياة متناقضة لوعيهم منذ زمن بعيد. ولولا وجود النفاق لما استطاعوا عيش هذه الحياة. نظام الحياة المتناقض لوعيهم هذا مستمر فقط لأنه مغلّف بالنفاق. وكلما ازدادت المسافة بين الواقع ووعي الناس كلما امتد النفاق أكثر. لكن حتى النفاق له حدود. وأعتقد أننا قد وصلنا في زماننا إلى ذلك الحد.
كل إنسان في زماننا، بإدراكه المسيحي اللاشعوري، حاله تماماً كحال شخص نائم يرى في المنام أنه يجب أن يفعل ما ليس عليه أن يفعله، حتى في المنام. إنه يعلم ذلك في أعماق وعيه، ورغم ذلك، كما لو أنه عاجز عن تغيير وضعه، لا يمكنه التوقف والكف عن القيام بما يعلم أن ليس عليه القيام به. وكما يحدث في المنام، تغدو حاله مضنية أكثر فأكثر، ويبلغ أخيراً، أقصى درجات التوتر، وحينها يبدأ بالشك في واقعية ما يتمثل له، ويبذل جهداً واعياً للاستيقاظ من الكابوس الذي يمسك بتلابيبه.
هذه أيضاً حال الإنسان في عالمنا المسيحي. إنه يعلم أن ما يقوم به وما يحدث من حوله كريه وشنيع وغير ممكن ويناقض إدراكه، ويشعر أن هذا الوضع يصبح مضنياً أكثر فأكثر، وأنه قد بلغ أقصى مستويات التوتر.
هذا غير ممكن: غير ممكن أننا، بشر زماننا، بإدراكنا المسيحي، الممتزج بدمائنا وأجسادنا، لكرامة الإنسان وتساوي البشر، بمطلبنا بتعايش الشعوب السلمي واتحادها، أن نعيش فعلاً بحيث أن شتى أفراحنا، شتى أشكال راحتنا، يكون ثمنها آلام وأرواح إخواننا، وبحيث أن نكون في هذه الأثناء، على قيد شعرة للانقضاض، في أي لحظة، كوحوش ضارية، على بعضنا بعضاً، شعباً على شعب، مدمرين دون رحمة أعمال وحيوات الناس فقط لأن دبلوماسياً أو حاكماً ضالاً ما كتب حماقة ما إلى دبلوماسي أو حاكم ضال مثله.
هذا مستحيل. لكن أي إنسان في زماننا يرى أن هذا بالتحديد ما يحدث وأن هذا بالتحديد ما ينتظره. والوضع يغدو مضنياً أكثر فأكثر. وكما أن الشخص النائم لا يصدق أن يكون واقعاً ما يتمثل له واقعاً، ويريد الاستيقاظ منه إلى الواقع الفعلي، كذلك تماماً الإنسان العادي لا يمكنه أن يصدق من أعماقه أن الوضع المخيف الذي يعيشه، والذي يغدو أسوأ فأسوأ، واقع، ويريد الاستيقاظ إلى الواقع الحقيقي، إلى الواقع الذي يعيش في وعيه.
وكما أنه يكفي أن يقوم النائم ببذل جهد واع ويتساءل: أليس هذا حلماً؟ حتى ينهار فوراً ما بدا له وضعاً ميئوساً منه ويستيقظ إلى الواقع المريح والمفرح، كذلك تماماً الإنسان المعاصر يكفيه أن يبذل جهداً واعياً، وأن يشك في ما يصوره له نفاقه الخاص ونفاق المحيط، ويتساءل: أليست هذه كذبة؟ حتى يشعر فوراً أنه قد انتقل، مثل الشخص المستيقظ، من العالم المخيف المتخيّل إلى الواقع الحقيقي والمفرح. ومن أجل هذا لا يحتاج الإنسان للقيام بأي بطولات أو أفعال بل يلزم فقط أن يبذل جهداً داخلياً واعياً.
5
لكن هل يستطيع الإنسان القيام بهذا المسعى؟ وفقاً للنظرية القائمة والضرورية للنفاق الإنسان ليس حراً ولا يمكنه تغيير حياته.
"ليس بمقدور الإنسان تغيير حياته لأنه ليس حراً؛ وهو ليس حراً لأن كل أفعاله مقيدة إلى أسباب سابقة. ومهما فعل الإنسان هناك دائماً أسباب ما قام الإنسان بموجبها بأفعال ما، لذا لا يمكن للإنسان أن يكون حراً وأن يغير حياته"،- يقول المدافعون عن ميتافيزيقا النفاق. ولكانوا محقين تماماً لو أن الإنسان كان كائناً لا واعياً وجامداً فيما يتعلق بالحقيقة، أي أن يبقى مستوى إدراكه للحقيقة ذات المستوى الذي أدركها منه أول مرة. لكن الإنسان كائن واع ويرتقي باستمرار في إدراكه للحقيقة، وبالتالي حتى لو لم يكن الإنسان حراً في هذا التصرف أو ذاك لأن لكل تصرف سبب، فإن أسباب هذه التصرفات ذاتها، التي تنحصر بالنسبة للإنسان الواعي في أنه يقرّ بهذه الحقيقة أو تلك دافعاً لتصرفه، يتحكم بها الإنسان. وبالتالي فالإنسان غير الحر بالقيام بهذا التصرف أو ذاك، هو حرّ من حيث دوافع هذه التصرفات. كما أن سائق الشاحنة ليس حراً في تغيير حركة الشاحنة التي تمت أو التي تتم، لكنه حر من حيث تحديد حركتها اللاحقة مسبقاً.
ومهما فعل الإنسان الواعي فإنه يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، فقط لأنه إما الآن يقرّ بأن الحقيقة تكمن في أن يتصرف على هذا النحو، وإما لأنه كان يقرّ في وقت ما بذلك، لكنه يتصرف الآن، بسبب قوة العطلة أو العادة، كما كان يعتبره واجباً من قبل.
في كلتا الحالتين سبب تصرفه لم يكن معروفاً بينما إقراره بشكل معين للحقيقة، وبالتالي إدراكه لهذه الظاهرة أو تلك، هو سبب كاف للتصرف.
إذا امتنع الإنسان عن تناول الطعام، إذا كان يعمل أو يرتاح، إذا كان يتجنب الخطر أو يتعرض له، إذا كان شخصاً واعياً فإنه يتصرف على هذا النحو فقط لأنه يعتبر ذلك الآن واجباً وحصيفاً؛ يعتبر أن الحق يكمن في أن يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، أو أنه يرى هذا منذ زمن بعيد.
أما الإقرار بحقيقة معينة أو عدم الإقرار بها فلا يتوقف على أسباب خارجية بل على أسباب أخرى كامنة في الإنسان ذاته. بالتالي، أحياناً، في ظل كل الظروف الخارجية التي تبدو مربحة للاعتراف بالحقيقة يسكن شخص ما لا يعترف بها بل، على العكس، يعترف بأخرى رغم كل الظروف غير المربحة دون أسباب ملحوظة. شيء من هذا القبيل يرد في إنجيل يوحنا (44:6): "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني"، أي أن معرفة الحق، الذي هو سبب كل تجليات الحياة الإنسانية، لا تتوقف على الظواهر الخارجية بل على صفات داخلية ما للإنسان لا يمكنه ملاحظتها.
وبالتالي فالإنسان، غير الحرّ في تصرفاته، يشعر بنفسه حراً فيما يتعلق بسبب تصرفاته، في معرفة أو عدم معرفة الحق. ويشعر بنفسه حراً ليس فقط فيما يتعلق بالأحداث الخارجية التي لا تحدث في داخله بل كذلك فيما يتعلق بتصرفاته.
كذلك الإنسان الذي يرتكب، بفعل الغضب، عملاً مناقضاً للحقيقة التي يقرّها، يبقى -رغم ذلك- حراً في إقراره أو عدم إقراره بها؛ أي يستطيع، دون أن يقرّ بالحقيقة، اعتبار تصرفه ضرورياً، وتبرير ارتكابه إياه لنفسه، ويمكنه، مع إقراره بالحقيقة، اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه.
كذلك المقامر أو السكّير، الذي لا يمكنه مقاومة الإغراء ويستسلم لإدمانه، يبقى -رغم ذلك- حراً في اعتبار أن القمار أو السكر شرٌ أو تسلية بريئة. في الحالة الأولى، حتى إذا لم يتخلص من إدمانه فوراً فإنه كلما اعترف بصدق أكبر كلما تحرر منه أكثر؛ في الحالة الثانية، سيقوم بتعزيز إدمانه أكثر ويحرم نفسه أي إمكانية للتخلص منه.
كذلك تماماً الشخص الذي لم يحتمل الحريق، وفرّ من منزل يحترق متخلياً عن صديقه، يبقى حراً (مع اعترافه بحقيقة أن على الإنسان تعريض حياته للخطر لإنقاذ حياة الآخرين) في اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه أو (دون أن يعترف بهذه الحقيقة) اعتبار تصرفه طبيعياً وضرورياً وتبرير نفسه. في الحالة الأولى، التي يعترف فيها بالحقيقة بغض النظر عن تراجعه عنها، هو يمهد السبيل أمام سلسلة كاملة من النتائج الناتجة حتماً عن إقراره بتصرفات نكران ذات كهذه؛ في الحالة الثانية يمهد السبيل لسلسلة كاملة من التصرفات الأنانية بامتياز.
هذا لا يعني أن الإنسان حر دائماً في اعترافه أو عدم اعترافه بشتى الحقائق. هناك حقائق معترف بها منذ زمن بعيد، إما من قبل المرء ذاته وإما منقولة إليه عبر التربية أو التقاليد، ويعتبرها عقيدته التي اتّباعها أصبح عادة، طبيعة ثانية، وهناك حقائق تبدو له غير واضحة فحسب. الإنسان ليس حراً في عدم الاعتراف بالحقائق الأولى وفي الاعتراف بالحقائق الثانية، بصورة متماثلة. لكن هناك نوع ثالث من الحقائق، كالتي لم تصبح بعد دوافع لا واعية للعمل بالنسبة للإنسان لكنها، بدلاً من ذلك، كُشفت له بمنتهى الوضوح بحيث لا يمكنه تجاوزها ولابد له، بطريقة ما، من التعامل معها، والاعتراف أو عدم الاعتراف بها. في تعامله مع هذه الحقائق تتجلّى حرية الإنسان.
كل إنسان في حياته يجد نفسه، فيما يتعلق بالحقيقة، في وضع عابر سبيل يسير في العتمة على ضوء القنديل المتحرك إلى الأمام: إنه لا يرى ما لم يُنره القنديل بعد، لا يرى ولا يمكنه تغيير علاقته، لا بهذا ولا بذاك؛ إنه يرى، أياً كان الموضع الذي يقف فيه في الطريق، فقط ما ينيره القنديل، ويستطيع دائماً اختيار هذه الجهة أو تلك من الطريق التي يسير فيها.
بالنسبة لأي إنسان هناك دائماً حقائق غير مرئية له، ولا تُكشف له بالبحث العقلي، وهناك حقائق سبق له أن عاشها ونسيها أو استوعبها، وهناك حقائق معينة تنهض أمامه وتتطلب اعتراف عقله، وتتطلب الاعتراف بها. وفي هذا الاعتراف أو عدم الاعتراف بهذه الحقائق تتجلّى ما نعتبره جميعاً حريتنا.
كل صعوبة المسألة، التي تبدو غير قابلة للحل، المتعلقة بحرية الإنسان ناتجة عن أن الذين يحاولون حل المسألة يتصورون الإنسان جامداً في تعامله مع الحقيقة.
الإنسان ليس حراً دون شك إذا كنا نعتبره جامداً، إذا نسينا أن حياة الإنسان والإنسانية ليست سوى حركة دائمة من الظلام إلى النور، من مستوى أدنى للحقيقة إلى مستوى أعلى، من حقيقة أكثر امتزاجاً مع الضلالات إلى حقيقة أكثر تحرراً منها. لما كان الإنسان حراً لو أنه لم يكن يعرف أي حقيقة كانت، وكذلك تماماً ما كان ليكون حراً بل حتى ما كان ليكون لديه أي مفهوم عن الحرية لو أن كل الحقيقة، التي يجب أن تقود حياته، لم تكشف له مرة وإلى الأبد، بعذريتها دون أي ضلالات.
لكن الإنسان ليس جامداً في علاقته مع الحقيقة بل يدرك باستمرار، تبعاً لتطوره في الحياة، كل إنسان على حدة وكذلك الإنسانية جمعاء، مستوى أعلى فأعلى للحقيقة ويتحرر أكثر فأكثر من الضلالات. لذا فالبشر يتواجدون دائماً في علاقة ثلاثية مع الحقيقة: بعض الحقائق باتت مستوعبة من قبله وأصبحت دوافع لا شعورية لأفعاله، وبعضها بدأ يكتشفها للتو، وثالثة، رغم أنه لم يستوعبها بعد، مكشوفة له بدرجة من الوضوح ولا بد له من التعامل معها بطريقة ما، لابد له من الاعتراف أو عدم الاعتراف بها. وهذه الحقائق بالذات الإنسان حر في اعترافه أو عدم اعترافه بها.
لا تكمن حرية الإنسان في أنه، بغض النظر عن مجرى الحياة وعن الدوافع الموجودة والمؤثرة فيه، قادر على التصرف على هواه، بل في أنه قادر، باعترافه بالحقيقة المكشوفة له واعتناقه إياها، على أن يصبح حراً وفاعلاً سعيداً للعمل الأزلي والأبدي الذي يقوم به الله وتقوم به الحياة، ويمكنه ألا يعترف بهذه الحقيقة، ويغدو عبداً لها ويُدفع، مُكرهاً ومُعذباً، إلى حيث لا يريد.
الحقيقة لا تهدي فقط إلى درب الحياة الإنسانية بل تفتح الدرب الوحيد الذي يمكن للحياة الإنسانية السير فيه. لذا لابد للبشر كافة، طوعاً أم كرهاً، من السير في طريق الحقيقة: بعضهم من تلقاء ذاتهم عبر قيامهم بما قدّرته لهم الحياة، وآخرون عبر خضوعهم مكرهين لقانون الحياة. وحرية الإنسان تكمن في هذا الاختيار.
حرية كهذه، ضمن هذه الحدود الضيقة، تبدو للناس ضئيلة إلى درجة أنهم لا يلاحظونها. بعضهم (أصحاب نظرية الحتمية) يعتبرون أن نصيب الفرد من الحرية ضئيل بحيث لا يعترفون بها على الإطلاق؛ آخرون (المدافعون عن الحرية المنطلقة)، آخذين بالحسبان حريتهم المتخيّلة، يرفضون هذه الحرية التي تبدو لهم تافهة. الحرية، المحصورة بين حدّ جهل الحقيقة وحدّ معرفتها بدرجة معينة، لا تبدو للناس حرية لكن، شاء الإنسان أم أبى الاعتراف بالحقيقة المكشوفة له، فإنه سيُرغم حتماً على تحقيقها في الحياة.
الفرَس، المربوطة مع أفراس أخرى إلى عربة، ليست حرة في عدم جرّ العربة. وإذا لم تجرّ العربة فستضربها العربة في أرجلها، وستذهب إلى حيث تذهب العربة، وستجرّها رغماً عنها. لكن بغض النظر عن هذه الحرية المحدودة فهي حرة في أن تجرّ العربة طوعاً أو أن تدفعها العربة دفعاً. والأمر ذاته فيما يتعلق بالإنسان.
سواء كانت هذه الحرية كبيرة أم لا مقارنة بتلك الحرية الفنتازية التي نرغب في امتلاكها، فإن هذه الحرية لا شكّ في وجودها، وهذه الحرية حرية حقاً، وفي هذه الحرية يكمن خير يمكن للإنسان بلوغه.
وعدا عن أن هذه الحرية تمنح الإنسان الخير، فإنها أيضاً الوسيلة الوحيدة للقيام بالعمل الذي يمنح العالم حياة.
حسب تعليم المسيح، الإنسان الذي يرى معنى الحياة في المجال الذي هي ليست حرّة فيه، في عالم النتائج، أي الأفعال، ليست له حياة حقّة. يمتلك حياة حقّة -وفق التعليم المسيحي- فقط مَنْ ينقل حياته إلى المجال الذي هي حرّة فيه، إلى عالم الأسباب، أي إدراك وإقرار الحقيقة الموحاة واتباعها، وبالتالي لابد من تطبيقها لاحقاً، كما تتبع العربة الفرس.
بتكريسه حياته للأعمال الحسّية يعمل الإنسان الأعمال التي تتوقف دائماً على أسباب مؤقتة زائلة ليست في داخله. هو ذاته لا يفعل شيئاً مما يبدو له أنه يقوم به، لأن، في الواقع، كل الأعمال التي يعتقد أنه هو الذي يقوم بها إنما تُفعل من قبل قوة عليا، وهو ليس خالق الأشياء بل عبد لها؛ وبتكريسه حياته لإقرار واعتناق الحقيقة المكشوفة له، متحداً بمنبع الحياة ككل، فإنه لا يعود يقوم بأعمال شخصية خاصة، متوقفة على ظروف المكان والزمان، بل يقوم بأعمال لها بل هي ذاتها أسباب كل شيء آخر، ولها قيمة لا متناهية ولا حدود لها.
عبر استخفافهم بجوهر الحياة الحقة الكامن في الاعتراف بالحق واتباعه، وعبر تكريس جهودهم لتحسين حياتهم من خلال أفعال خارجية، أصحاب الفهم الحياتي الوثني مِثلهم كمثل أناس على متن باخرة، والذين لكي يبلغوا غايتهم قاموا بإطفاء المرجل البخاري الذي يعيقهم عن توزيع المجذّفين، وراحوا يحاولون، بدلاً من أن يسافروا مجهزين بالبخار والمروحة لعبور العاصفة، التجذيف بمجاذيف لا تبلغ المياه. ملكوت الله يؤخذ بالمجاهدة وفقط المجاهدون يغتبطون به، وهذا الجهد للتخلي عن تغيير الظروف الخارجية، وللاعتراف بالحق واتباعه هو الجهاد الذي يؤخذ ملكوت الله بوساطته، والذي يمكن ويجب أن يُبذل في زماننا.
يكفي أن يفهم البشر ما يلي: الكفّ عن الانشغال بالأعمال الخارجية والعامة التي هم ليسوا أحراراً فيها، واستخدام واحد بالمائة فقط من الطاقة، التي يستخدمونها في الأعمال الخارجية، على ما هم أحرار فيه، على إقرار واعتناق الحقيقة التي تَمْثُل أمامهم، على تخليص الناس من الكذب والنفاق اللذين يحجبان الحقيقة، حتى ينهار فوراً، دون جهد أو قتال، نظام الحياة الباطل الذي يعذّب البشر ويُهدّد بويلات أسوأ، وحتى يتحقق ملكوت الله أو على الأقل درجته الأولى التي بات البشر جاهزين لها من حيث مستوى وعيهم.
كما أنه تكفي دفعة واحدة لكي يتحول فوراً السائل المشبع بالملح إلى بلورات، كذلك قد يكون أدنى جهد كافياً في الوقت الراهن لكي تأسر الحقيقة، التي سبق أن كُشفت للناس مئات، بل آلاف وملايين، الناس، ولكي ينشأ رأي عام يتناسب مع الوعي الحالي، ولكي يتغير، نتيجة لنشوئه، مجمل نظام الحياة القائم. والقيام بهذا الجهد متوقف علينا.
فقط لو أن كلاً منّا حاول أن يفهم ويعي تلك الحقيقة السامية التي تحيط بنا من جميع الجهات، بشتى الأشكال، وتتوسلنا في داخل نفوسنا؛ فقط لو أننا كففنا عن الكذب وعن التظاهر بأننا لا نرى هذه الحقيقة أو بأننا نتمنى تحقيقها ليس فقط في ما تطلبه منّا قبل أي شيء آخر، فقط لو أننا اعترفنا بهذه الحقيقة التي تنادينا واعتنقناها بشجاعة، لكنا رأينا فوراً أن مئات، بل آلاف وملايين، الناس حالهم كحالنا، ويرون مثلنا الحقيقة، وينتظرون مثلنا اعتراف الآخرين بها. فقط لو كف الناس عن المراءاة لكانوا رأوا فوراً أن نظام الحياة العنيف، الوحيد الذي يقيدهم ويبدو لهم راسخاً وضرورياً ومقدساً ومقاماً من قبل الله، قد بدأ يترنح ويرتكز فقط على كذبة النفاق التي نحن مع أمثالنا نُبقي عليها.
"لكن إذا كان هذا صحيحاً، إذا كان صحيحاً أن تدمير نظام الحياة القائم يتوقف علينا؛ فهل يحق لنا تدميره دون أن نعلم بوضوح ما الذي سنضعه مكانه؟ ما الذي سيحدث للعالم إذا تم القضاء على نظام الحياة القائم؟"
"ماذا سيحدث هناك، خلف جدران العالم التي نبقي عليها؟"
"غرتسن"
الخوف يهيمن- الفراغ، الاتّساع، الإرادة... كيف يمكن السير دون معرفة الوجهة، كيف يمكن الفقد دون رؤية المكسب؟
"لو أن كولومبس فكر على هذا النحو لما رفع المرساة. من الجنون مخر عُباب المحيط دون معرفة الطريق، المحيط الذي لم يمخر عبابه أحد، الإبحار إلى بلاد وجودها سؤال. بهذا الجنون اكتشف عالماً جديداً. بالطبع، لو أن الشعوب انتقلت من hotel garni إلى آخر، أفضل، لكان الأمر أسهل، لكن المصيبة أن ما من أحد هناك ليقوم بتحضير شقق جديدة. الأمور أسوأ في المستقبل -أين منه المحيط- إذ ليس فيه شيء، وسيكون على النحو الذي ستصنعه فيه الظروف، والناس".
"إذا كنتم قانعين بالعالم القديم فحاولوا الحفاظ عليه، فهو هش ولن يصمد طويلاً؛ لكن إذا كنتم لا تطيقون العيش في التناقض الأبدي بين قناعاتكم وحياتكم بحيث تفكرون في شيء وتعملون شيئاً آخر، فاخرجوا من تحت قبابكم الكلسية القروسطية إلى خوفكم. أعلم جيداً أن هذا ليس سهلاً. ليس هيناً على الإنسان مفارقة ما اعتاد عليه منذ ولادته، ما كبر معه وترعرع عليه. البشر مستعدون لتضحيات مخيفة لكن ليست تلك التي تتطلّبها منهم الحياة الجديدة. هل هم مستعدون للتضحية بالحضارة الحديثة وبنمط حياتهم وأديانهم وأخلاقيتهم المشروطة؟ هل هم مستعدون لفقدان كل الثمار التي أنتجوها بهذه الجهود، الثمار التي نفتخر بها منذ ثلاثة قرون، لفقدان كل أسباب راحة كينونتنا ومفاتنها، وتفضيل فتوّة متوحشة على شيخوخة مثقفة، تحطيم قلعتنا الموروثة فقط للابتهاج بوضع حجر الأساس للعالم الجديد الذي سيُبنى أفضل، دون شك، من بعدنا؟" (غرتسن: مج 5، ص 55)
هذا ما قاله قبل نصف قرن تقريباً كاتب روسي رأى، بعقله النفاذ، بوضوح آنذاك ما بات يراه أي شخص ضعيف العقل في زماننا: استحالة استمرار الحياة على الأسس القديمة وحتمية إقامة أشكال جديدة للحياة.
من أبسط وجهة نظر دنيوية جامدة بات واضحاً أن من الحماقة البقاء تحت قبّة بناء لم تعد تحتمل ثقلها، وأنه يجب الخروج من تحتها. وبالفعل، يصعب تصور وضع أكثر كارثية من وضع العالم المسيحي في الوقت الراهن، بشعوبه المسلّحة ضد بعضها بعضاً، بضرائبه التي تزداد باستمرار للإنفاق على هذا التسلح المتنامي، بكراهية الطبقة العاملة للغنية التي تزداد اضطراماً، بسيف حرب داموقليس المعلق فوق رؤوس الجميع، والمستعد والواجب حتماً أن ينقطع في أي لحظة، عاجلاً أم آجلاً.
هيهات أن تكون أي ثورة أكثر كارثية بالنسبة لمعظم الشعب من النظام القائم باستمرار لحياتنا، بالحري من فوضاها، بضحايا العمل اللإنساني المعتادين، بفقرها وسُكرها وفجورها، وبكل أهوال الحرب القادمة القادرة على ابتلاع ضحايا أكثر من جميع ثورات القرن الحالي في سنة واحدة.
ماذا سيحدث لنا، للبشرية جمعاء، إذا قام كلٌ منّا بتنفيذ ما يطلبه منه الله من خلال الضمير الكامن فيه؟ ألن تحدث مصيبة من جراء أنني، مُهيمنًا عليّ كلياً من قبل مالك السلطة، أُنفّذ، في المؤسسة التي أنشأها ويقودها هو، ما يأمرني بالقيام به، والذي يبدو لي، أنا الجاهل بغايات السيد النهائية، غريباً؟
لكن حتى ليس سؤال "ماذا سيحدث؟" هو الذي يثير قلق الناس عندما يُبطئون في تنفيذ إرادة السيّد بل تقلقهم مسألة كيفية العيش دون شروط حياتنا المعتادة التي نسمّيها: العلم، الفن، الحضارة، الثقافة. إننا نشعر شخصياً بعبء حياتنا الراهنة كلّه، بل نرى أن حتى نظام الحياة هذا إذا كان سيستمر فسوف يُهلكنا حتماً، لكننا، إضافة إلى ذلك، نريد لشروط حياتنا، الناتجة عنها: علومنا، فنوننا، حضاراتنا، ثقافاتنا، عند تغير حياتنا، أن تبقى سليمة. مِثل هذا كمثل شخص يعيش في منزل قديم، ويعاني من برد وعدم راحة هذا المنزل، ويعلم، عدا عن ذلك، أن المنزل يكاد ينهار، فيوافق على إعادة بنائه شريطة عدم خروجه منه: هذا الشرط يعادل رفض إعادة بناء المنزل. "لكني ما إن أخرج من المنزل فسأفقد لبعض الوقت كل أسباب الراحة، وقدلا يُبنى المنزل الجديد أو قد يُبنى بطريقة مختلفة بحيث لا يتوفّر فيه ما اعتدت عليه!" لكن، ما دامت المواد متوفرة والبناؤون موجودين، فعلى الأغلب سيُبنى المنزل الجديد أفضل من السابق، فضلاً عن أنه ليس هناك احتمال فقط بل يقين بأن المنزل القديم سوف ينهار ويسحق الذين يبقون فيه. سواء كانت الشروط السابقة والمعتادة للحياة ستبقى أم تزول، سواء كانت ستنشأ شروط جديدة كلياً وأفضل أم لا، يجب حتماً الخروج من الشروط القديمة التي باتت مستحيلة ومهلكة لحياتنا، والتوجه لملاقاة المستقبل.
"سوف تزول العلوم والفنون والحضارات والثقافات!" لكن كُلّه ليس سوى تجليات مختلفة للحقيقة، والتغيير القادم سيتم فقط من أجل الاقتراب إلى الحقيقة وإحيائها. فكيف يمكن لتجليات الحقيقة أن تزول نتيجة لإحيائها؟ سوف تكون مختلفة، أفضل وأسمى، لكنها لن تزول على الإطلاق. سيزول منها ما كان باطلاً؛ أما ما كان من الحق ففقط سيزدهر ويتعزز أكثر.
6
توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل، بالتعليم المتعلّق بالصلاح. إذا لم تتوبوا فستهلكون كما هلك الذين قتلهم بيلاطس، وكما هلك الذين سحقهم برج "سيلوام" وكما هلك ملايين وملايين الناس، القاتلين والمقتولين، العادمين والمعدومين، المعذِّبين والمعذَّبين، وكما هلك بحماقة ذلك الإنسان الذي بذر البذار وكان ينوي العيش طويلاً فمات في الليلة التي أراد فيها بدء الحياة.
"توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل". قال المسيح قبل 1800 سنة، وتقول هذا بمزيد من الإقناع الآن كارثية ولامعقولية حياتنا -مما تنبأ به المسيح ويحدث الآن- التي بلغت أقصى حدود الكارثية واللامعقولية.
فالآن، بعد كل هذه القرون من المحاولات الدؤوبة للنظام العنف الوثني لضمان حياتنا، المفروض أن يكون واضحاً للجميع أن كل المساعي الموجّهة نحو هذه الغاية تحمل فقط مخاطر جديدة إلى الحياة الشخصية والاجتماعية كذلك، لكنها لا تضمنها على الإطلاق. إذ أياً كانت ألقابنا، وأياً كانت الملابس التي نرتديها، أياً كان الزيت الذي نمسح به أنفسنا وعند أي قسيس كان، مهما بلغت الملايين التي نملكها، مهما بلغ عدد الحرّاس الذين يحرسون طريقنا، مهما بلغ عدد رجال الشرطة الذين يحمون ثرواتنا، مهما أعدمنا من الثوريين والأنارخيين المجرمين، أياً كانت مآثرنا، كيفما كانت الدول التي أنشأناها والقلاع والأبراج التي بنيناها، من برج بابل إلى برج إيفل، يَمثُل أمامنا دائماً شرطان لا مفرّ منهما لحياتنا، يقضيان على معناها كلّه: 1) الموت القادر في أي لحظة على إدراك أيّ منّا، 2) عدم رسوخ جميع الأعمال التي قمنا بها، الزائلة بسرعة شديدة دونما أثر. مهما فعلنا: سواء أنشأنا الدول أم بنينا القصور والنصب التذكارية أم ألفنا القصائد والأغنيات، هذا كلّه قصير الأجل، وسيمضي كأنه دون أن يترك أثراً. ولهذا، مهما أخفينا هذا عن أنفسنا، لا يمكننا عدم رؤية أن معنى حياتنا لا يمكن أن يكون في وجودنا الجسدي الشخصي المعرّض لآلام لا مفرّ منها وللموت المحقق، ولا في أي مؤسسة دنيوية أو نظام دنيوي.
أيًا كنت -يا قارئ هذه السطور- فكّر في مكانتك وواجباتك، ليس في مكانة الملاك أو التاجر أو القاضي أو الإمبراطور أو الرئيس أو الوزير أو القسيس أو الجندي، الذي يصفك به الناس مؤقتاً، وليس في الواجبات المتخيّلة التي تضعها على عاتقك هذه المواقع، بل في موقعك الحقيقي والأبدي ككائن خرج، بمشيئة أحدهم بعد أبدية بأكملها، من العدم، من المجهول، والذي قد يعود، بمشيئة أحدهم، إلى المكان الذي خرج منه في أي لحظة. فكّر في واجباتك، ليس في واجباتك المتخيّلة: واجبات الإقطاعي تجاه إقطاعته، والتاجر تجاه رأسماله، والإمبراطور والوزير والموظف تجاه الدولة، بل في واجباتك الحقيقية النابعة من مكانتك ككائن استُدعي إلى الحياة ووُهب عقلاً وقلباً. فهل ستفعل ما يطلبه منك الذي أرسلك إلى هذا العالم، والذي سرعان ما ترجع إليه؟ هل ستفعل ما يريده منك أم ستفعل ما يفعله الإقطاعي أو الصناعي الذي يستولي على نتاج عمل الفقراء بانياً حياته على هذا النهب، أو ما يفعله الحاكم أو القاضي الذي يقهر الناس ويحكم عليهم بالإعدام، أو ما يفعله العسكري الذي يتجهز للحروب ويقاتل وينهب ويقتل؟
تقول إن العالم قد بُني على هذا النحو، إن هذا لا مناص منه، إنك لا تفعل ذلك بإرادتك بل أنت مضطر إلى ذلك. لكن، قد يكون مغروساً فيك بمنتهى القوة الاشمئزاز من آلام الناس ومن تعذيبهم وقتلهم، قد يكون مغروسة فيك الحاجة إلى محبة الناس، وحاجة أقوى إلى محبة الناس لك، لكي ترى بوضوح أن فقط عند الاعتراف بتساوي البشر جميعاً، عند خدمتهم بعضهم بعضاً، يمكن تحقيق أكبر خير يمكن للبشر بلوغه، لكي يقول لك الكلام ذاته قلبك وعقلك والدين الذي تدين به، لكي يقول لك العلم الشيء ذاته، ولكي تكون، رغم ذلك، من جراء أفكار مبهمة ومعقدة جداً، مضطراً، أو إقطاعياً أو رأسمالياً، إلى بناء حياتك كلّها على اضطهاد الشعب، أو إذا كنت موظفاً حكومياً تكون مضطراً إلى أن تنتزع بالقوة من الفقراء أموالهم المضخمة بدمائهم لكي تنتفع بها وتعطيها للأغنياء، أو إذا كنت قاضياً أو مُحلّفاً تكون مضطراً إلى الحكم على الناس الضالين بالتعذيب أو الموت لأنهم لم تكشف لهم الحقيقة، أو أهم ما يرتكز عليه شر العالم -أن يتوجب عليك أيها الشاب الالتحاق بالجندية وتتعهد، متخلياً عن إرادتك وعن مشاعرك الإنسانية، بقتل، تبعاً لإرادة أناس غرباء عنك، كل الذين يأمرونك بقتلهم؟
هذا مستحيل. حتى لو قال لك الناس إن هذا كلّه ضروري للحفاظ على نظام الحياة القائم، وإن النظام القائم، بفقره وجوعه وسجونه وإعداماته وجيوشه وحروبه، ضروري للمجتمع، وإن هذا النظام إذا انهار فستحلّ أسوأ الكوارث، فإن هذا يقوله فقط الذين نظام الحياة هذا مفيد لهم، أما كل أولئك الذين يفوقونهم عدداً بعشرة أضعاف، والذين يعانون من جراء نظام الحياة هذا، فجميعهم يفكرون ويقولون العكس. وأنت ذاتك تعلم في أعماقك أن هذا غير صحيح، وأن نظام الحياة الراهن قد ولّى زمانه ولا بد من إعادة بنائه على أسس جديدة، وأنه، لهذا السبب، لا حاجة أبداً للحفاظ عليه، عبر التضحية بالمشاعر الإنسانية.
الأكثر أهمية هو أنه حتى لو افترضنا أن النظام الراهن ضروري؛ فلماذا تشعر أنت بالذات بأنك مُلزم، مِنهكاً أفضل المشاعر الإنسانية لديك، بالحفاظ عليه؟ مَنْ جعلك حاضنة هذا النظام المنهار؟ لا المجتمع، ولا الدولة، ولا الناس جميعاً لم يطلبوا منك الحفاظ على هذا النظام، شاغلاً موقع الإقطاعي أو التاجر أو الإمبراطور أو القس أو الجندي الذي تشغله؛ وإنك تعلم جيداً أنك لم تشغل وتتقبل منصبك على الإطلاق للحفاظ، بنكران ذات، على نظام الحياة الضروري لخير البشر، بل لأجل ذاتك: لأجل جشعك وحبك للمجد وحبك للرفعة، لأجل كسلك وجيبك. لو لم تكن راغباً في هذا الموقع لما فعلت كل ما ينبغي القيام به باستمرار للحفاظ على موقعك. حاول فقط الكف عن القيام بتلك الأعمال القاسية والعنيفة والمنيفة والغادرة والدنيئة التي لا تكف عن القيام بها للحفاظ على موقعك، وستفقده فوراً. فقط حاول، إذا كنت حاكماً أو موظفاً، الكف عن الكذب والدناءة، وعن المشاركة في أعمال العنف والإعدام؛ أو إذا كنت قسّاً، عن الكذب؛ أو إذا كنت عسكرياً، فعن القتل؛ أو إذا كنت إقطاعياً أو صناعياً، فعن الدفاع عن ملكيتك عن طريق المحاكم وأعمال العنف، ولسوف تفقد فوراً الموقع الذي تقول إنك مُقسَر عليه، والذي تدعي أنه يثقل عليك.
يستحيل وضع إنسان رغماً عنه في موقع يتعارض مع وعيه.
إذا كنت موجوداً في هذا الموقع فليس لأن هذا ضروري لأحدهم بل فقط لأنك تريد ذلك. ولهذا، عارفاً أن هذا الموقع يتعارض صراحة مع قلبك وعقلك وعقيدتك وحتى مع العلم الذي تؤمن به، يستحيل عليك عدم التفكير بالسؤال: هل ستفعل ما يجب أن تفعل إذا بقيت في هذا الموقع، خاصة وأنك تحاول تبريره؟
إذ يمكن المجازفة بارتكاب الخطأ لو لم يكن لديك وقت لرؤية خطئك، ولو كان لما تجازف في سبيله أي أهمية. لكن ما دمت تعلم، ربما، أنك قد تفنى في أي لحظة دون أدنى إمكانية، لا لك ولا للذين تجتذبهم إلى خطئك، لتصحيحه، فضلاً عن أنك تعلم أنك مهما فعلت في النظام الخارجي للعالم، فإن هذا كله سيزول مثلك أنت، بسرعة جداً، ربما، دون أن يترك أثراً، فجليّ أنه ما من شيء يدعوك إلى المجازفة بارتكاب هذا الخطأ المخيف.
إن هذا بمنتهى البساطة والوضوح فقط لو لم نُعتّم على الحقيقة المكشوفة لنا دون شك بالنفاق.
"تقاسم ما لديك مع الآخرين. لا تكنز الثروة. لا تتكبّر. لا تسرق. لا تعذِّب. لا تقتل أحداً. لا تفعل بأحد ما لا تريد أن يُفعل بك". قيل هذا قبل 5000 سنة، وليس قبل 1800 سنة، ولم يكن بالإمكان الشك في حقانية هذا القانون لولا النفاق: إذا كان يستحيل القيام بذلك، فعلى الأقل عدم الاعتراف بأن هذا يجب القيام به دائماً، وأن من لا يفعل ذلك يعمل سوءاً.
لكنك تقول إن هناك أيضاً الصالح العام الذي من أجله يمكن ويجب التراجع عن هذه القواعد: من أجل الصالح العام يمكن القتل والتعذيب والنهب. "خيرٌ أن يموت إنسان واحد عن الشعب،" تقول ما قاله قيافا، وتحكم بالإعدام على أحدهم، فثان، فثالث، تسدّد البندقية إلى هذا الشخص الذي يجب أن يموت عن الشعب، تودعه السجن، تنتزع منه أملاكه. تقول إنك تقوم بهذه الأعمال العنيفة لأنك تعتبر نفسك ابن المجتمع، أو الدولة، وتشعر أن من واجبك أن تخدمه وتتبع قوانينه. لكن عدا عن انتمائك إلى دولة معينة، وإلى الواجبات النابعة من ذلك، لديك انتماء آخر إلى حياة العالم الأبدية، وإلى الله، وإلى الواجبات النابعة من هذا الانتماء.
وكما أن واجباتك النابعة من انتمائك إلى عائلة معينة أو مجتمع معين تخضع دائماً لواجباتك الأعلى النابعة من انتمائك إلى الدولة، كذلك واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة لا بد لها من أن تخضع للواجبات النابعة من انتمائك إلى حياة العالم، إلى الله. وكما أنه ليس من الحصافة تحطيم أعمدة الاتصال البرقي لتأمين حطب الوقود للأسرة أو المجتمع وزيادة رفاهيته لأن هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة الدولة، كذلك تماماً ليس من الحصافة، من أجل صيانة الدولة وزيادة رفاهيتها، تعذيب أو إعدام أو قتل إنسان لأن هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة العالم.
واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة ليس بإمكانها عدم الخضوع للواجب الأبدي الأسمى النابع من انتمائك إلى حياة العالم اللامتناهية أو إلى الله، ولا يمكنها مناقضتها، كما قال تلاميذ المسيح قبل 1800 سنة: "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا". (أعمال الرسل: 4، 19) وأيضاً: "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس." (5، 29)
يؤكدون لك إنه لكي لا ينهار النظام، الذي أُقيم البارحة من قبل بضعة أشخاص في ركن معين من العالم والمتغيّر باستمرار، يجب عليك القيام بإعدام وتعذيب وقتل الأفراد الذين يُخلّون بنظام العالم الموثوق والثابت الذي أقامه الله أو العقل، فهل هذا جائز؟ ولهذا لا يمكنك عدم التفكير بموقعك، كإقطاعي أو تاجر أو قاض أو إمبراطور أو رئيس أو وزير أو قسيس أو جندي، المرتبط بأعمال الاضطهاد والقهر والكذب والتعذيب والقتل، وعدم الاعتراف بعدم شرعيتها.
لستُ أقول إن عليك فوراً إعطاء أرضك للفقراء، إذا كنت إقطاعياً، أو إعطاء أموالك ومعملك للعمال، إذا كنت رأسمالياً، أو إذا كنت ملكاً أو وزيراً أو موظفاً أو قاضياً أو جنرالاً، أن تتخلى فوراً عن منصبك، وإذا كنت جندياً (أي تشغل الموقع الذي يرتكز عليه كل العنف) أن تتخلى فوراً عن موقعك، بغض النظر عن مخاطر رفض أداء الخدمة العسكرية.
إذا فعلت ذلك فإنك تفعل الأفضل لكنك -وهو الاحتمال الأكبر- قد لا تكون قادراً على القيام بذلك، فلديك علاقات وأسرة ومرؤوسون ورؤساء، وقد تقع تحت تأثير بمنتهى القوة للغوايات بحيث لا يكون بمقدورك القيام بذلك، لكن يمكنك دائماً الاعتراف بحقيقة الحقائق وعدم الكذب. عدم التأكيد بأنك تظل إقطاعياً أو صناعياً أو تاجراً أو رساماً أو كاتباً لأن هذا مفيد للناس، بأنك لا تعمل محافظاً أو نائباً عاماً أو ملكاً لأن هذا مستساغ ومعتاد لك بل لأجل خير الناس، بأنك لا تستمر بالبقاء جندياً لأنك تخشى العقاب بل لأنك تعتبر الجيش ضرورياً لضمان حياة الناس، يمكنك دائماً عدم الكذب على هذا النحو على نفسك وعلى الناس، وليس يمكنك فحسب بل يجب عليك أن تفعل هذا وحده، في تحررك من الباطل واعتناقك الحق، يكمن خير حياتك الوحيد.
ويكفي أن تفعل هذا فقط حتى يتغير وضعك تلقائياً لا مناص.
أعطي لك أمر واحد، واحد فقط، أنت فيه حرٌّ ومهيمن، في الحياة، والأمور الأخرى كلّها خارجة عن سلطانك. يكمن هذا الأمر في معرفة الحق واعتناقه.
وإذا بك -لأن أناساً ضالّين مثيرين للشفقة، مثلك، قد أقنعوك بأنك جندي أو إمبراطور أو إقطاعي أو غني أو قس أو جنرال- تبدأ بالقيام بالشر الذي يناقض، بوضوح ودون شك، عقلك وقلبك: تبدأ بتعذيب ونهب وقتل الناس، تبني حياتك على معاناتهم، والأهم، بدلاً من القيام بعمل حياتك الوحيد، أي الاعتراف بالحقيقة المعروفة لك واعتناقها، تقوم، متظاهراً بعناية بأنك لا تعرفها، بحجبها عن ذاتك وعن الآخرين، مناقضاً بذلك صراحة واجبك الوحيد.
وفي أي شروط تفعل هذا؟ أنت، الذي قد تموت في أية لحظة، تُصدر حكم الإعدام، تعلن الحرب، تذهب إلى الحرب، تحاكم، تعذب، تنهب العمال، تتنزه وسط الفقراء وتُعلّم الضعفاء الذين يصدقونك أن هذا ما يجب وأن هذا هو واجب الناس، غافلاً عن أنك في اللحظة التي تفعل فيها هذا قد تصيبك بكتيريا أو رصاصة فتحشرج وتموت، وتُحرم إلى الأبد من إمكانية تصحيح أو تغيير الشر الذي صنعته بالآخرين، وبنفسك خاصة، مُهلكاً عبثاً، مرة وإلى الأبد، الحياة التي مُنحتها، دون أن تعمل فيها الشيء الوحيد الذي كان عليك عمله حتماً.
إذ مهما كان هذا بسيطاً وقديماً، ومهما خدعنا أنفسنا بالنفاق وبإيهام الذات النابع منه، ما من شيء قادر على تقويض يقينية تلك الحقيقة البسيطة والواضحة، بأنه لا يمكن لأي جهود خارجية ضمان حياتنا المرتبطة، لا مناص، بآلام لا مفرّ منها، والمنتهية بالموت الذي يستحيل أكثر ردّه، والذي قد يحلّ بالنسبة لأي منّا في أي لحظة، وأن حياتنا -لهذا السبب- لا يمكن أن يكون لها معنى آخر سوى القيام، في كل لحظة، بما تريده منّا القوة التي أرسلتنا إلى الحياة ومنحتنا في هذه الحياة قائداً لا شك فيه: وعينا الرشيد.
ولهذا لا يمكن لهذه القوة أن تطلب منّا ما ليس رشيداً وممكناً: بناء حياتنا الجسدية الفانية، وحياة المجتمع أو الدولة. هذه القوة تطلب منّا الشيء الوحيد اليقيني والحصيف والممكن: خدمة ملكوت الله، أي العمل على إقامة أكبر اتحاد لكل ما هو حيّ، والممكن فقط في الحق، وبالتالي الاعتراف بالحقيقة المكشوفة لنا واعتناقها، الأمر الوحيد الذي تحت سلطاننا دائماً. "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تُزاد لكم."
المعنى الوحيد لحياة الإنسان يكمن في خدمة العالم عبر العمل على إقامة ملكوت الله. وهذه الخدمة يمكن أن تتم فقط عبر اعتراف كل شخص على حدة بالحقيقة واعتناقها.
"لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون: هوذا ههنا، أو هوذا هناك! لأن ها ملكوت الله داخلكم."
14 أيار 1893
ياسنايا بوليانا