3
حين تفتح عيناك وتبصر هذا الكذب المخيف الذي يمارس على الناس، فسيدهشك كيف يستطيع وعاظ الدين المسيحي ووعاظ الأخلاق ومربو الشبيبة والآباء العقلاء الطيبون ببساطة، الموجودون دائماً في المجتمعات كافة، التبشير بأي تعليم أخلاقي كان وسط مجتمع تقرّ فيه كل الكنائس والسلطات بأن التعذيب والقتل يُعدّان شرطان ضروريان لحياة البشر أجمعين، وأنه لا بد دائماً من وجود أناس خاصين، مستعدين لقتل إخوانهم، قد يكون أيّ منا واحداً من هؤلاء؟
كيف يمكن تعليم الأطفال والفتيان، وتنوير الناس عموماً، ناهيكم عن التنوير بروح المسيحية، أيّ عقيدة أخلاقية كانت جنباً إلى جنب الذي يقول إنّ القتل ضروري للحفاظ على الرفاه العام، وبالتالي رفاهنا، وبالتالي مشروع، وإنّ هناك أناساً، قد يكون أيّ منا واحداً منهم، من واجبهم تعذيب وقتل أقربائهم، وارتكاب شتى أنواع الجرائم تبعاً لإرادة الذين يهيمنون على السلطة. وإذا كان التعذيب والقتل وارتكاب شتى أنواع الجرائم، تبعاً لإرادة الممسكين بالسلطة، ممكناً وواجباً، فهذا ليس تعليماً أخلاقياً، ولا يمكنه أن يكون كذلك، بل هو حق القوي فحسب. وهكذا هي الحال. في الحقيقة، هذه العقيدة هي السائدة بالنسبة للذين يبررون نظرياً "الصراع من أجل البقاء".
وبالفعل، ما هذه العقيدة الأخلاقية التي يمكن بموجبها تبرير القتل مهما كانت الغاية؟ هذا مستحيل باستحالة الرياضيات التي قد تبيح أن (2+3=2). قد تبيح رياضيات مزيفة قاعدة أنّ (2+3=2) لكنّ أيّ رياضيات حقيقية لن تفعل ذلك. يمكن فقط لعقيدة أخلاقية مزيفة أن تحلل القتل على شكل إعدامات وحروب ودفاع عن النفس، لكن أيّ عقيدة أخلاقية حقيقية لن تفعل ذلك. إنّ الإقرار بقدسية حياة الناس جميعاً هو الأساس الأول والوحيد لأيّ عقيدة أخلاقية.
لقد أبطلت المسيحية تعليم "عين بعين، وسنّ بسنّ، وحياة بحياة" لأنّ هذا التعليم ليس سوى تبرير للأخلاق، وليس سوى تعليم أخلاقي مزيف لا معنى له على الإطلاق. الحياة قيمة لا توزن ولا تُقاس، ولا يمكن لأي حياة أخرى قطعها، لذا ليس هناك معنى للقضاء على حياة لقاء حياة. فضلاً عن أنّ أيّ قانون اجتماعي إنما يهدف إلى تحسين حياة الناس. فكيف يمكن تحسين حياة الناس عبر القضاء على حياة بعض الناس؟ القضاء على حياة لا يُحسّن الحياة، بل هو انتحار. القضاء على حياة شخص آخر لتحقيق العدالة يشبه أن يقوم شخص، فقد ذراعاً، بقطع ذراعه الأخرى لكي يحقق العدالة.
لكن، ناهيكم عن خطيئة الكذب التي بموجبها تتمثل أشد الجرائم هولاً للناس على أنها واجب، ناهيكم عن الخطيئة المخيفة المتمثلة في استخدام اسم المسيح وصورته لشرعنة أكثر عمل حرّمه المسيح، كما يحدث في القسَم، ناهيكم عن الإغواء الذي لا يُهلك فقط أجساد بل ونفوس "هؤلاء الصغار"، ناهيكم عن هذا كله، كيف يستطيع الناس، حتى ولو لأجل أمنهم الشخصي، السماح بأن تتشكّل بينهم، بين أناس يحرصون على نمط حياتهم وتأقلمهم، تلك القوة المخيفة العنيفة المميتة التي لا معنى لها، والتي تشكّلها أي سلطة مخيفة مرتكزة على الجيش؟ إنّ أشد عصابة طرق قسوة وهولاً ليست مخيفة بقدر مؤسسة الدولة هذه. أي زعيم عصابة قطاع طرق مقيد، رغم كل شيء، بأن الناس الذين تشكّل عصابته منهم يبقى لديهم نصيب من الحرية الإنسانية، ويمكنهم الاعتراض على الأعمال التي تناقض ضمائرهم. لكنّ الناس الذين يشكلون جزءاً من سلطة منظمة تنظيماً جيداً، تملك وجيشاً منضبطاً الانضباط الذي بلغه في الوقت الراهن، بالنسبة لأناس كهؤلاء لا توجد أيّ حدود. ما من جرائم أشدّ هولاً من التي قد يرتكبها أناس يشكلون جزءاً من السلطة والجيش، تبعاً لمشيئة من قد يرأسهم (من أمثال بولانجيه أو بوغاتشوف أو نابليون).
غالباً، ليس فقط حين نرى "سوق" المجندين وتدريبات الجنود والمناورات العسكرية بل كذلك حين نرى رجال الشرطة بمسدساتهم المحشوة والخفراء ببنادقهم المثبت عليها الحراب، وحين نسمع (كما أسمع في "خاموفنيكي"، حيث أقيم) لأيام بأكملها صفير وأزيز طلقات الرصاص حين تصيب الدرايا، وترى وسط المدينة، حيث تمنع أيّ محاولة للثأر أو العنف، حيث لا يُسمح ببيع البارود والعقاقير، وبالسرعة الزائدة، وبممارسة الطب دون شهادة طبية،... الخ، وترى في هذه المدينة ذاتها آلاف الناس من الجيش النظامي، المدربين على القتل، والخاضعين لشخص واحد- فإنك تتساءل: كيف يمكن للناس، الحريصين على أمنهم، السماح بهذا وتحمله بهدوء؟ إذ، بغض النظر عن ضرره ولأخلاقيته، ما من شيء يمكنه أن يكون أشد خطراً من هذا. فماذا ينتظر -ردع عنك المسيحيين- كل القساوسة ومحبو الإنسانية والأخلاقيون والمسيحيون، ماذا ينتظر كلّ الحريصين، على الأقل، على حياتهم ورفاهيتهم؟ فهذه المنظمة سوف تتصرف دائماً على هذا النحو، أياً كان الذين يقف على رأسها: لنفترض أنّ السلطة الآن في أيدي حاكم مقبول، لكن غداً قد يستولي عليها نيرون أو إليزابيث أو كاترينا أو بوغاتشوف أو نابليون الأول أو الثالث. بل حتى ذلك الشخص، الذي السلطة في يده، المقبول حالياً، قد يتحول إلى وحش غداً، أو قد يجلس مكانه وريث مجنون أو شبه مجنون، كالملك البافاري أو بافل [يولس].
وليست القيادات العليا فقط: كل هؤلاء الطغاة الصغار المنتشرين في كل مكان، كمختلف البارونات ورؤساء الشرطة وحتى رؤساء المخافر وقوّاد السرايا، قد يرتكبون جرائم مروّعة قبل أن يتسنّ استبدالهم، كما يحدث غالباً.
وصلوا إلى الوظائف التي تمنوها عشرة أعوام، وكلّ الفلاحين الأثرياء الذين راكموا ثروتهم روبلاً فوق روبل.
لا يعبر هذه السيرورة الأفراد بل ومجموع الناس، شعوب بأكملها. إغواءات السلطة وكلّ ما تقدّمه: الغنى، التمجيد، العيش المترف، تُعدّ غاية جديرة بنشاط الناس إلى أن يتمّ بلوغها، لكن ما إن يبلغها الإنسان حتى تتضح تفاهتها، وتفقد شيئاً فشيئاً جاذبيتها، كالسراب الذي له شكل وجمال فقط من بعيد، ما إن يبلغه المرء حتى تختفي روعته كلّها.
الناس، الحائزين السلطة والثروة، أحياناً معظمهم يكونون ورثة الذين حازوا السلطة والثروة، يكفّون عن أن يكونوا متعطشين، إلى هذا الحدّ، إلى السلطة، وعن أن يكونوا قساة من أجل حيازتها.
إذ يخبر الناس، بتأثير من المسيحية، لاجدوى ثمار العنف، عبر جيل واحد أحياناً، وأحياناً خلال بضعة أجيال، يفقدون الرذائل التي تثير شهوتهم لحيازة السلطة والثروة، وإذ يصبحون أقل قسوة يتخلون عن مناصبهم، ويتخلون عن سلطة لأناس آخرين، أقل مسيحية، أشرّ، وينحدرون إلى شريحة اجتماعية أدنى من حيث الموقع، لكن أعلى أخلاقياً، مرتقين بمستوى الوعي المسيحي لدى الناس جميعاً. لكن، مرّة أخرى، في إثرهم مباشرة، ترتقي عناصر المجتمع الأسوأ، الأشدّ فظاظة، الأقل مسيحية، وثانية يتعرضون للسيرورة ذاتها التي تعرّض لها الذين سبقوهم، وثانية، خلال جيل واحد أو بضعة أجيال، إذ يخبرون لاجدوى ثمار العنف ويتشرّبون بالمسيحية، ينزلون إلى وسط المقهورين، ومرة أخرى يحلّ محلّهم قاهرون جدد، أقلّ فظاظة من السابقين، لكنهم أكثر فظاظة من الذين يقهرونهم. بالتالي، رغم أنّ السلطة تبقى على حالها، من حيث شكلها الخارجي، كلّما تبدل الناس المتواجدون في السلطة، يزداد أكثر فأكثر عدد الذين يتوصلون، عبر خبرة الحياة، إلى ضرورة استدماج الفهم الحياتي المسيحي، مع كلّ تبدل للأشدّ فظاظة وقسوة والأقل مسيحية من الآخرين بالأقل فظاظة وقسوة والأكثر مسيحية من الذين كانوا في السلطة، والذين يقعون في أسر السلطة.
العنف يختار ويجذب إليه أسوأ عناصر المجتمع، فيعيد تشكيلهم، وبعد أن يحسنهم ويهذبهم يعيدهم إلى المجتمع ثانية. هذه هي السيرورة التي عن طريقها تأسر المسيحية المزيد فالمزيد من الناس، بغضّ النظر عن العنف الذي تمارسه سلطة الدولة، الذي يعيق تقدّم البشرية. المسيحية تنفذ إلى وعي الناس ليس فقط رغم عنف السلطة بل وعن طريقها.
لذا فإن تأكيد المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا ما ألغي عنف الدولة فسوف يتسلّط الأشرار على الأخيار، ليس فقط لا يثبت خطر تسلّط الأشرار على الأخيار، فهذا بالذات هو ما يحدث، بل، على العكس، يثبت أنّ عنف الدولة، الذي يمنح الأشرار إمكانية التسلّط على الأخيار، هو الشرّ المطلوب القضاء عليه، والذي تقضي عليه الحياة ذاتها.
"لكن حتى إذا كان صحيحاً أنّ عنف الدولة سيتوقف حين يغدو الحائزون السلطة مسيحيين إلى درجة الامتناع عن استخدامه، وبحيث لا يُعثر على أناس مستعدين للحلول محلهم، وإذا كان صحيحاً أنّ هذا ما سيحدث، فمتى قد يحدث ذلك؟ إذ كانت قد مرّت 1800 سنة وما زال هناك الكثير جداً من الراغبين في التسلّط والقليل جداً من الراغبين في الطاعة، فلا يوجد أيّ احتمال ليس فقط لقرب حدوث ذلك، بل لحدوث ذلك إطلاقاً." - يقول المدافعون عن النظام القائم.
"حتى لو كان هناك، كما كان هناك من قبل، بين الناس جميعاً أناس يفضلون التخلي عن السلطة على استغلالها، فإنّ عدد البشر الذين يفضلون التسلّط على الخضوع من الكثرة بحيث يصعب تصوّر حلول زمن يُستنفد فيه هذا العدد."
لكي تجري عملية مَسْحَنَة الناس جميعاً، لكي يتحول الناس جميعاً -الواحد تلو الآخر- من الفهم الحياتي الوثني إلى المسيحي، ويرفضون طوعاً السلطة والثروة بحيث لا يرغب أحد فيهما، لا يلزم فقط أن يتحول إلى المسيحية كلّ أولئك الأفظاظ، شبه الهمجيين، غير المؤهلين إطلاقاً لاعتناق المسيحية والالتزام بها، والذين عددهم دائماً كبير جداً في كلّ المجتمعات المسيحية، بل كذلك كلّ الشعوب الهمجية واللامسيحية عموماً، التي ما زالت كثيرة العدد. بالتالي، حتى لو افترضنا أنّ عملية مَسْحَنَة الناس جميعاً سوف تتحقق في وقت من الأوقات، فنظراً إلى مدى تحرك هذا الأمر خلال 1800 سنة، فإنّ هذا قد يحدث خلال عدّة "1800 سنة" لذا ينبغي عدم التفكير في القضاء على السلطة في الوقت الراهن، وإنما يجب فقط الحرص على وقوع السلطة في أيدي أفضل الناس."
على هذا النحو يفترض المدافعون عن النظام القائم. ولكان هذا الرأي صائباً تماماً لو أنّ تحول البشر من فهم حياتي ما إلى آخر يحدث فقط عن طريق هذه العملية التي يدرك بموجبها كل إنسان على حدة، واحدهم تلو الآخر، من خلال التجربة، تفاهة السلطة ويدرك باطنياً الحقائق المسيحية.
هذه العملية تحدث دون توقف، والناس يتحولون واحدهم تلو الآخر، بهذه الطريقة، إلى صفّ المسيحية. لكنّ الناس لا يتحولون، واحدهم تلو الآخر، إلى صفّ المسيحية عبر هذه الطريق الداخلية فقط بل كذلك عبر طريقة خارجية والتي بموجبها تنتفي تدريجية هذا التحول.
إنّ تحول البشر من نظام حياة إلى آخر لا يحدث دائماً كانسكاب الرمل في الساعة الرملية: ذرة رمل تلو الأخرى حتى آخر ذرة رمل، بل، بالحري، كما ينسكب الماء في وعاء ملقى في الماء حيث، في البداية، ينسكب الماء فيه ببطء ثم فجأة، بسبب ثقل الماء المنسكب فيه، تغمره المياه ويمتلئ فوراً تقريباً بالماء الذي يتسع له.
الأمر ذاته يحدث مع مجتمعات البشر عند انتقالها من فهم حياتي -وبالتالي من نظام حياة- إلى آخر. البشر، فقط في البداية، بالتدريج وبانتظام، واحدهم تلو الآخر، يتقبلون، بطريقة داخلية، حقيقة جديدة ويتبعونها في حياتهم، وعند انتشار معين للحقيقة يبدأون باستدماجها، لكن ليس بطريقة داخلية، ليس بانتظام، بل فوراً، وتلقائياً تقريباً. لذا، فإنّ رأي المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا كان على امتداد 1800 سنة فقط عدد قليل من الناس قد تحولوا إلى صفّ المسيحية، وأنه يلزم عدّة "1800 سنة" حتى يتحول الآخرون جميعاً إلى صفها، ليس صحيحاً. هذا الرأي ليس صحيحاً لأنّ هذه المجادلة لا تأخذ بنظر الاعتبار الطريقة الأخرى، عدا البلوغ الداخلي للحقيقة، لاستدماج البشر الحقيقة الجديدة، وانتقالهم من نظام حياة إلى آخر.
الطريقة الأخرى لاستدماج الناس حقيقةً منكشفة حديثاً وانتقالهم إلى نظام جديد للحياة تكمن في أنّ الناس يستدمجون هذه الحقيقة ليس فقط لأنهم يدركونها بحسّ نبوئي أو عبر خبرة الحياة، بل كذلك لأنّ -عند حدّ معين لانتشار الحقيقة- الناس الأدنى تطوراً يتقبلونها جميعاً مباشرةً من خلال ثقتهم وحدها بالذين تقبلوها داخلياً، ويلحقونها بالحياة.
كل حقيقة جديدة، تغيّر نظام الحياة الإنسانية وتطوّر الإنسانية إلى الأمام، يتقبلها، في البداية، فقط عدد قليل جداً من الذين يفهمونها داخلياً. أما بقية الناس، الذين تقبلوا، عبر الثقة، الحقيقة السابقة التي يقوم عليها النظام القائم، فيعارضون دوماً انتشار الحقيقة الجديدة.
لكن، بما أنّ البشر لا يراوحون مكانهم بل يتطورون دون توقف، مدركين الحقيقة أكثر فأكثر ومقتربين إليها خلال حياتهم؛ وبما أنّ كل الناس الأقرب إلى استيعاب الحقيقة داخلياً، تبعاً لأعمارهم وتربيتهم وأصنافهم، بعضهم فوق بعض درجات، بدءاً من الأقدر على فهم الحقائق المكتشفة حديثاً داخلياً وصولاً إلى الأقل قدرة على ذلك، واحدهم تلو الآخر، في البداية عبر فترات انتقالية طويلة، وبعد ذلك يتسولون، أكثر فأكثر، والحقيقة تغدو مفهومة أكثر فأكثر. وكلما استوعب الناس الحقيقة الجديدة أكثر، وأصبحت الحقيقة مفهومة أكثر، ازداد يقين الباقين، الواقفين على درجة أدنى من حيث قدرتهم على الفهم، وسهل عليهم أكثر إدراكها، وازداد عدد مستوعبيها. وهكذا تجري الحركة، متسارعة أكثر فأكثر، ومتسعة أكثر فأكثر، مثل كرة ثلج، إلى أن ينشأ رأي عام موافق للحقيقة الجديدة، وينتقل حشد الناس الباقي كلّه، وليس كلاً على حدة بل جميعهم معاً، تحت ضغط هذه القوة، إلى جانب الحقيقة الجديدة، وينشأ نظام حياة موائم لهذه الحقيقة الجديدة.
الناس، الذين ينتقلون إلى جانب الحقيقة الجديدة، التي بلغت درجة معيّنة من الانتشار، دائماً ينتقلون إليها جانبها فوراً، أفواجاً، مثل "الصابورة" التي تحفظ التوازن الوطيد والجريان الصحيح لأيّ سفينة. لولا "الصابورة" لما استقرّت السفينة في الماء، ولتغيّرت وجهتها عند أدنى تغيّر للظروف. "الصابورة" هذه، رغم أنها تبدو في البداية فائضة وتعيق جريان السفينة، تُعدّ شرطاً ضرورياً لتحركها الصحيح.
الأمر ذاته مع حشد الناس الذي ينتقل دائماً معاً، وليس واحدهم تلو الآخر، بتأثير من الرأي العام، من نظام للحياة إلى نظام آخر. هذا الحشد دائماً يعرقل، بعطالته، التحوّلات الجزئية السريعة، التي لم تختبرها حكمة البشر، من نظام حياة ما إلى آخر، ويحافظ طويلاً، من خلال خبرة نضالية طويلة الأمد، على أيّ حقيقة مختبرة استوعاها البشر.
وبالتالي، ليس صحيحاً الرأي القائل إنه إذا فقط قسم صغير، قلّة قليلة، من البشرية قد استوعب الحقيقة المسيحية على امتداد 18 قرناً، فإنّ البشرية برمتها لن تستوعبها إلا بعد مرّات كثيرة من الـ "1800 سنة" أيّ أننا، نحن الذين نعيش الآن، يجب علينا حتى عدم التفكير في ذلك. ليس صحيحاً لأنّ الذين يقفون على درجة أدنى للتطور، أي أولئك أنفسهم الذين يعتبرهم المدافعون عن النظام القائم عقبةً أمام إقامة نظام حياة مسيحي، هم الذين ينتقلون، دائماً أفواجاً معاً، إلى جانب الحقيقة المتقبّلة من الرأي العام. لذا فإنّ التحول في حياة البشرية الذي، تبعاً له، يتخلى الحائزون السلطة عنها، ولا يُعثر بين الناس على أناس يرغبون في الاستيلاء عليها، لن يفقط حين يستوعب الناس جميعاً، الواحد تلو الآخر حتى آخرهم، بوعي، الفهم الحياتي المسيحي، بل عندما ينشأ رأي عام مسيحي محدّد ومفهوم للجميع، يخضع كل ذلك الحشد العاطل غير المؤهل لاستيعاب الحقيقة داخلياً، والخاضع دائماً، لهذا السبب ذاته، لتأثير الرأي العام. والرأي العام لا يحتاج، لكي ينشأ وينتشر، إلى مئات وآلاف السنين، وله صفة معدية للتأثير في الناس، وبسرعة كبيرة يشمل عدداً كبيراً من الناس.
سيقول المدافعون عن النظام القائم: "لكن، حتى إذا كان صحيحاً أنّ الرأي العام، عند درجة معيّنة من دقته ووضوحه، قد يجبر الكتلة المعطّلة من أناس المجتمعات غير المسيحية -الشعوب غير المسيحية- والناس الفاسدين والأفظاظ الذين يعيشون في المجتمعات المسيحية، على الخضوع له فما هي المؤشرات على أنّ هذا الرأي العام المسيحي قد ظهر، وعلى أنه قادر على الحلول محلّ العنف؟"
"لا ينبغي المجازفة بالتخلي عن العنف، الذي يسند النظام القائم، والاتكال على القدرة اللامحسوسة واللامحدّدة للرأي العام، فيحين المجال للناس الهمجيين من خارج المجتمعات وداخلها أن ينهبوا ويقتلوا ويقهروا المسيحيين بشتى السبل."
"إذا كنّا بمساعدة السلطة بالكاد نتخلص من العناصر اللامسيحية، المستعدة دائماً للهيمنة علينا والقضاء على كل منجزات الحضارة المسيحية، فهل، أولاً، هناك احتمال لأن يحلّ الرأي العام محلّ هذه القدرة ويكفل حياتنا. ثانياً، كيف يمكن إيجاد اللحظة التي يغدو فيها الرأي العام من القوة بحيث يحلّ محلّ السلطة؟ إلغاء السلطة والاعتماد على الرأي العام فقط لحماية أنفسنا يشبه السلوك المجنون لشخص في معرض للوحوش، والذي، بعد إلقاء السلاح من يده، يطلق كلّ الأسود والنمور من الأقفاص متكلاً على وداعة الوحوش المقيدة في الأقفاص."
"ولهذا، فالناس الحائزون السلطة، الذين نصبهم القدر أو الله سلاطيننا، لا يحقّ لهم المجازفة بكل منجزات الحضارة فقط لأنهم يريدون اختبار ما إن كان الرأي العام قادراً أو لا على الحلول محلّ حماية السلطة، لذا لا يجب عليهم إيقاف العنف."
الكاتب الفرنسي، المنسي حالياً، ألفونسيه كارّ1 كتب في مكان ما، مبرهناً على استحالة القضاء على الإعدام: "فليقدّم السادة القتلة لنا أولاً قدوة نقتدي بها." وقد سمعتُ هذه المزحة فيما بعد كثيراً من أناس بدا لهم أنّ هذه الكلمات تعبّر عن حجّة مقنعة ولاذعة ضدّ إلغاء الإعدام. لكن ليس بالإمكان التعبير عن كلّ بطلان حجج الذين يعتبرون أنّ السلطات يجب عليها ممارسة العنف مادام الناس مؤهلين له بشكل أوضح من هذه المزحة بالذات.
"فليدقّم القتلة لنا مثالاً- يقول المدافعون عن عنف السلطات،- عبر إلغائهم الإعدام، وحينها نحنُ أيضاً سنلغيه." لكنّ القتلة يقولون القول ذاته، وهم محقّون أكثر بكثير.
يقول القتلة: "فليرينا أولئك الذين أخذوا على عاتقهم تعليمنا وقيادتنا مثالاً عن إلغاء الإعدام، ولسوف نقتدي بهم." وهم لا يقولون ذلك من قبيل المزاح بل بجدية، لأنّ هذه هي الحال بالفعل. "لا يمكننا الكفّ عن العنف لأننا محاصرون بالعنيفيين."
ما من شيء يعيق تقدّم البشرية في وقتنا الراهن، ويعيق إقامة نظام الحياة الذي بات ملائماً لوعيها الحالي، أكثر من هذه المحاكمة الباطلة.
الحائزون السلطة متيقّنون من أنّ فقط العنف هو الذي يحرّك البشرية إلى الأمام ويقودها، لذا يستخدمون العنف بجرأة للحفاظ على النظام القائم. في حين أنّ النظام القائم يظلّ قائماً ليس بفضل العنف بل بفضل الرأي العام الذي يحلّ العنف بتأثيره. لذا فإنّ عمل العنف يضعف ما يريد الإبقاء عليه ويخلّ به.
العنف دائماً، في أحسن الأحوال، إذا كان لا يتوخى الغايات الخاصة لبعض الناس، المتواجدين في السلطة، فإنه يشجب ويحكم بالجمود على القانون الذي كان الرأي العام يشجب معظمه ويدينه أكثر بكثير من قبل، لكن مع فارق أنّ الرأي العام حين يشجب ويدين كلّ الأفعال، المناقضة للقانون الأخلاقي، معَمماً إدانته على مختلف الأوضاع، القانون المدعوم بالعنف، يدين ويتحرّى مجموعة معيّنة وضيقة جداً من الأفعال، وكأنه بهذا يبرّر كلّ الأفعال التي من هذا القبيل، والتي لا تدخل ضمن تحديده. بينما الرأي العام، منذ عصر النبي موسى، يعتبر الجشع والفجور والقسوة شروراً ويدينها. وهو يشجب ويدين شتى أشكال الجشع، ليس فقط الاستيلاء على ممتلكات الغير بالقوة والخداع والمكر، بل والاستخدام المتعسف لها، يُدين شتى أنواع القسوة التي تتجلّى عبر الضرب، أو الإعالة السيئة، أو عبر قتل ليس فقط البشر بل والحيوانات. أما القانون القائم على العنف فيتحرّى فقط أشكالاً معيّنة من الجشع، كالسرقة والاحتيال، وأشكالاً معيّنة من الفجور، كالخيانة الزوجية، والقتل والتشويه، سامحاً، نتيجةً لذلك، بكل تجليّات الجشع والفجور والقسوة التي لا تدخل ضمن تحديده الضيق والقابل لتأويلات باطلة.
لكن فضلاً عن أنّ العنف يُفسد الرأي العام، فإنه يخلق كذلك لدى الناس تلك القناعة المميتة بأنّ البشر لا يتطورون بفعل القوة الروحية التي تدفعهم إلى إدراك الحق وتطبيقه عبر تلك القوة الروحية ذاتها، بل بفضل العنف؛ أي أنه لا يقرّب البشر إلى الحق أبداً بل يبعدهم عنه فحسب. هذه الأضلولة مميتة لكونها ترغم البشر على تجنّب القوة الرئيسة لحياتهم -نشاطهم الروحي- وتركيز اهتمامهم وطاقتهم على النشاط السطحي المتبطل الضارّ بمعظمه للعنف.
هذه الأضلولة تشبه ضلال أناس يدفعون بأيديهم عجلات قاطرة بخارية لتحريكها دون أن يخمنوا أنّ البخار هو الذي يحرك القاطرة وليست حركة العجلات. الناس الذين يستخدمون أيديهم وعَتَلات لجعل العجلات تدور سيكونون بالكاد قادرين على تحريكها، وفي الآن ذاته سيعيقون، بهذا، الحركة الفعلية.
وهو ما يفعله الذين يعتقدون أنّ البشر يتطورون عن طريق العنف الخارجي. يقولون إنّ المسيحية لا يمكن أن تُقام من دون العنف لأنّ هناك شعوباً متوحشة في المجتمعات اللامسيحية، في أفريقيا، وفي آسيا (بعضهم يرى أنّ الصينيين يشكلون تهديداً كهذا لحضارتنا) وهناك مجرمون متوحشون طالحون كهؤلاء -حسب النظرية الجديدة في الوراثة- في المجتمعات المسيحية، وإنه لا بدّ من العنف لمنع هؤلاء وأولئك من تدمير حضارتنا.
لكنّ هؤلاء الناس المتوحشين في المجتمعات وخارجها، الذين نخيف أنفسنا والآخرين منهم، لم يُخضعوا قط بالعنف، ولن يُخضعوا الآن أيضاً.
لم تخضع الشعوب للشعوب الأخرى بالعنف وحده قط. إذا كان الشعب، الذي يُخضع شعباً آخر، على درجة متدنية من حيث تطوره، فدائماً يتكرر أنه لا يستطيع فرض نظام حياته بالقوة بل، على العكس، يخضع هو لنظام حياة الشعب الذي أخضعه. إذا كان بالإمكان إخضاع شعب ما، أو جعله أقرب إلى الخضوع لهيمنة شعب آخر، فهذا ممكن بوساطة الرأي العام فقط، وليس، على الإطلاق، عن طريق العنف الذي، على العكس، يثير سخط الشعب أكثر فأكثر.
إذا كانت شعوب بأكملها قد خضعت لعقيدة دينية جديدة، وإذا كانت شعوب بأكملها قد تعمدت أو دخلت الإسلام، فهذه التحولات لم تحدث لأنّ أناساً، يحوزون السلطة، قد أرغموها على ذلك (العنف، على العكس، غالباً عكس وجهة هذه التحولات) بل لأنّ الرأي العام هو الذي أرغمها على ذلك. في حين أنّ الشعوب التي أرغمت على اعتناق دين المنتصرين لم تعتنقها قط.
الأمر ذاته فيما يتعلق بأولئك الأفراد المتوحشين الذين يعيشون وسط المجتمع: لا زيادة ولا إقلال صرامة العقوبات، ولا زيادة الشرطة تقلّل أو تزيد من عدد الجرائم، بل هي تقلّ فقط نتيجةً للرأي العام. لم تقتلع يوماً العقوبات الاقتتال وسفك الدماء من جذورهما في أيّ من البلدان. مهما عذّبوا من الشوركس بسبب السرقة فسوف يواصلون السرقة بسبب تهورهم، لأنّ أيّ فتاة لن تتزوج بشابّ لا يظهر جسارته عبر سرقة حصان أو كبش. إذا كان الناس قد كفّوا عن التبارز، والشركس عن السرقة، فليس من جرّاء خوفهم من التعذيب (خوف التعذيب يزيد المجازفة روعةً) بل لأنّ الرأي العام قد تغيّر. والأمر ذاته مع الجرائم الأخرى كلّها. ليس بمقدور العنف أبداً القضاء على ما يقرّه الرأي العام. على العكس، يكفي فحسب أن ينبذ الرأي العام العنف صراحةً حتى ينتهي العنف، كما حدث ويحدث دائماً مع شتى أشكال التعذيب. ماذا سيحدث إذا لم يُستخدم العنف ضدّ الشعوب المعادية والعناصر الإجرامية في المجتمع؟ لسنا ندري، لكن كون أنّ العنف لا يُخضع لا هؤلاء ولا أولئك، فهذا نعرفه من خلال خبرتنا المديدة.
كيف يمكن بالقوة إخضاع شعب تقوم كلّ تربيته وتقاليده وحتى عقيدته الدينية على أنّ الفضيلة الأسمى تكمن في محاربة المستعبدين وفي التوق إلى الحرية؟ وكيف يمكن بالعنف اجتثاث الجريمة من مجتمعاتنا إذا كان ما تعتبره الحكومات جريمة يعتبره الرأي العام بطولة؟ بالإمكان تدمير شعوب وأناس كهؤلاء بالعنف، كما يحدث الآن، لكن لا يستحيل إخضاعهم. القوة الأساسية التي تحرك البشر والشعوب دائماً كانت، وما زالت، قوة واحدة غير مرئية وغير محسوسة؛ مجموع القوى الروحية لجماعة معيّنة من البشر وللبشرية برمتها، والتي تتجلّى في الرأي العام.
العنف يضعف فحسب هذه القوة، يعيقها، يحرفها، ويستبدل بها نشاطاً آخر، ليس فقط غير مفيد لتقدّم البشرية بل وضارّ به، في حين أنّ الرأي العام يقيم حياة مسيحية فقط، تصرفات مسيحية فقط، قدوات مسيحية فقط. وللهيمنة على الذين لم يخضعوا للمسيحية حتى الآن، مع توفر وسيلة واحدة، واحدة فقط، للقيام بذلك، بشر زماننا يفعلون تماماً عكس ما يمكن أن يوصلهم إلى غايتهم.
من أجل إخضاع الشعوب البدائية، التي لا تمسّ بنا والتي لا مبرّر لدينا لاضطهادها، للمسيحية، نحن، بدلاً من تركهم وشأنهم و، عند الضرورة أو عند الرغبة في التقرب إليهم، التأثير فيهم فقط عبر معاملتهم معاملة مسيحية، عبر التعليم المسيحي، عبر الأعمال المسيحية المؤكّدة بحقّ، كالصبر والوداعة والنزاهة والطهارة والأخوة والمحبة، بدلاً من ذلك، مبتدئين ببناء أسواق جديدة بينهم من أجل تجارتنا التي غايتها منفعتنا فقط، نحتلّ أرضهم، ونبيعهم النبيذ والتبغ والأفيون، أي نفسدهم، ونقيم نظمنا بينهم، فنعلمهم العنف وكافة أساليبه، أي اتباع قانون الصراع البهيمي الذي لا يمكن للإنسان أن ينحطّ أدنى منه، نفعل كلّ ما يحجب عنهم كلّ ما هو مسيحي فينا. وبعد ذلك، نرسل إليهم عشرين مبشراً ليثرثروا بالهراء الكنسي المختَلَق، ونورد خبراتنا هذه في إدخال البدائيين إلى المسيحية كإثباتات لا تُدحض لاستحالة إرفاق الحقائق المسيحية بالحياة.
والأمر ذاته بالنسبة للذين ندعوهم المجرمين، والذين يعيشون في مجتمعاتنا. من أجل إخضاع هؤلاء الناس للمسيحية هناك وسيلة واحدة ووحيدة: الرأي العام المسيحي الذي يمكن تشكيله وسط هؤلاء الناس فقط من خلال التعليم المسيحي الحق، المؤكّد من خلال قدوة حياة مسيحية حقّة.
وها نحن، للتبشير بهذا التعليم المسيحي وتأكيده بقدوة مسيحية، نقيم وسط هؤلاء الناس السجون والمقاصل والمشانق والإعدامات، والتحضيرات للقتل، التي نبذل كلّ قوانا لأجلها، نقيم لأجل الشعب الأسود عبادة الأصنام التي مهمتها تخديرهم، ننظم التجارة الحكومية لبيعهم السموم المخدّرة- النبيذ والتبغ والأفيون، ننشئ حتى الدعارة، نعطي الأرض لمن ليس بحاجة إليها، نبني مناظر مترفة وسط الفقر. نقضي على كلّ إمكانية لتشكّل أيّ رأي عام شبه مسيحي، وندمّر بعناية الرأي العام المسيحي قيد التشكل، وبعد ذلك، هؤلاء أنفسهم الذين أفسدناهم نحن بعناية، عبر سجنهم، كوحوش مفترسة، في أماكن لا يمكنهم الفرار منها، والتي يزدادون توحشاً فيها، أو عبر قتلهم- هؤلاء الناس أنفسهم، الذين أفسدناهم من جميع الجهات، نوردهم براهين على استحالة التأثير في الناس سوى بالعنف الفظ.
يحدث شيء شبيه بما يقوم به الأطباء الجهلة حين يضعون مريضاً، يتماثل للشفاء بفضل قدرة الطبيعة، في أسوأ الشروط الصحية، ويحشونه بالأدوية السميّة، ثم يؤكدون أنّ المريض لم يمت بفضل طبيبهم وعلاجهم، في حين أنّ المريض كان سبيل من مرضه منذ زمن بعيد لوأنهم تركوه وشأنه.
العنف، الذي يقدّم على أنه الوسيلة التي يقوم عليها نظام الحياة المسيحي، ليس فقط لا يخلق هذا التأثير بل، على العكس، يمنع النظام الاجتماعي عن أن يكون ما يمكنه وما يجب أن يكونه.
النظام الاجتماعي هو على النحو الذي عليه ليس بفضل العنف بل رغم العنف. ولهذا ليس صحيحاً تأكيد المدافعين عن النظام القائم بأنه إذا كان العنف بالكاد يمنع العناصر الشريرة اللامسيحية عن مهاجمتنا، فإنّ إلغاء العنف واستبداله بالرأي العام لن يحمي الإنسانية. وهذا غير صحيح لأنّ العنف لا يحمي الإنسانية بل، على العكس، يحرم الإنسانية من الإمكانية الوحيدة لحماية نفسها فعلياً عبر تشكيل وإشاعة رأي عام مسيحي في نظام الحياة القائم. فقط عند إلغاء العنف سيكفّ الرأي العام المسيحي عن الانحراف، وستتوفر له الإمكانية للانتشار دون عوائق، وسيكفّ البشر عن السعي إلى ما ليسوا بحاجة إليه، بل سيسعون إلى تلك القوة الروحية القادرة على تطويرهم.
لكن، ما السبيل للتخلّي عن الحماية، العيانية والمحسوسة، لحارس يحمل مسدساً، والاتكال على شيء غير مرئي وغير محسوس كالرأي العام؟ هل هو موجود حقاً أو لا؟ والأهم هو أننا نعرف نظام الأشياء الذي نعيشه. سواء كان جيداً أم سيئاً، نحن نعرف عيوبه واعتدنا عليه، نعرف كيف نتصرف، وماذا يجب أن نفعل في الظروف الراهنة، لكن ماذا سوف يحدث إذا تخلينا عنه واتكلنا على شيء غير مرئي وغير محسوس ومجهول كلياً؟
يبدو ذلك المجهول، الذي سيدخله البشر إذا ما تخلّوا عن النظم المعروفة للحياة، مخيفاً لهم. لكنّ الخوف من المجهول أمر جيد إذا كان وضعنا، المعروف لنا، وطيداً ومضموناً، لكن وضعنا ليس فقط ليس مضموناً بل نعرف يقيناً أننا نقف على شفير الهلاك. وإذا كان لا بدّ من الخوف فيجب أن نخاف مما هو مخيف فعلاً، وليس مما نظنّه مخيفاً.
بخوفنا من السعي للفكاك من الظروف المهلكة لنا فقط لأنّ المستقبل ليس معروفاً تماماً، نحن نشبه مسافرين على ظهر سفينة تغرق، إذ يخشون صعود القارب الذي سينقلهم إلى الشاطئ يلوذون بممراتهم ويرفضون مغادرتها، أو كأغنام، بسبب خوفها من النار، تلتصق ببعضها في الحظيرة، ولا تخرج من الباب المفتوح.
ترى هل يجوز لنا، نحن الواقفون على أعتاب حرب وثورات داخلية مرعبة من حيث كارثيتها وتدميرها، حرب يقول عنها الذين يتجهزون لها أنّ أحداث عام 1893 ستكون مجرّد لعبة، أن نتحدث عن الخطر الذي يتهددنا من قبائل "الداغوم" و"الزولو" وغيرها من القبائل التي تعيش وراء البحار، ولا نفكّر في مهاجمتنا، ومن بضعة آلاف من المحتالين واللصوص والقتلة الذين خدّرناهم وأفسدناهم نحن، والذين لا ينخفض عددهم رغم محاكمنا وسجوننا وإعداماتنا كلّها.
عدا عن أنّ هذا الخوف من إلغاء حراسة شرطي خفير إنما هو، بمعظمه، خوف أهل المدن، أي الناس الذين يعيشون في شروط مصطنعة وغير طبيعية. الناس، الذين يعيشون في شروط حياة طبيعية، أي ليس في المدن بل وسط الطبيعة، مصارعين إيّاها، يعيشون دون هذه الحراسة، ويعلمون مدى ضآلة قدرة العنف على حمايتهم من المخاطر الحقيقية التي تحيط بهم. في هذا الخوف هناك شيء ما مرضي يتعلق غالباً بالظروف غير الطبيعية التي عاش وترعرع الكثيرون منا فيها.
أخبر طبيب أمراض نفسية أنه، مرّةً في الصيف، حين كان يغادر المشفى، رافقه المرضى النفسيون إلى باب المشفى. "فلتقذهبوا معي إلى المدينة،" عرض عليهم الطبيب. فوافق المرضى، وسار الحشد الصغير وراء الطبيب. لكن، كلما ابتعدوا أكثر، حيث الحركة الحرة للناس الأصحاء، ازداد تهيبهم والتصقوا أكثر بالطبيب معيّقين سيره. وفي نهاية المطاف راح الجميع يتوسلونه العودة إلى المستشفى، إلى نمط حياتهم المجنون والمعتاد، إلى الحرّاس والضرب والأكمام الطويلة والغرف الانفرادية.
كذلك يتلاصق وينجذب إلى الوراء، إلى نظام حياتهم المجنون، إلى مصانعهم ومحاكمهم وسجونهم وإعداماتهم وحروبهم، الناس الذين تدعوهم المسيحية إلى الحرية، إلى حياة العصر القادم الحرة والعقلانية.
يقول الناس: "ما الذي سيضمن حياتنا إذا زال النظام القائم؟ كيف هي تحديداً، وما مضمون، النظم الجديدة التي ستحلّ مكان الحالية؟ لن نسير إلى الأمام ولن نتزحزح من مكاننا إلى أن نعرف كيف ستتركب حياتنا بالضبط." هذا الطلب كطلب شخص يستكشف بلداً جديداً حين يطلب وصفاً تفصيلياً للبلد الذي سيدخله.
إذا كانت حياة الفرد، عند انتقاله من عمر إلى آخر، معروفة له، فلن يعود لديه سبب للعيش. الأمر ذاته مع حياة البشرية: لو كان لديها برنامج للحياة التي تنتظرها عند انتقالها إلى عمر جديد فهذا هو المؤشر الأوثق إلى أنها لا تعيش، لا تتقدّم، بل تراوح مكانها.
لا يمكننا أن نعلم ظروف الحياة الجديدة لأنّ علينا إبداعها. تكمن الحياة فقط في إدراك المجهول وتكييف نشاطنا مع هذا الإدراك الجديد. في هذا تكمن حياة كلّ فرد على حدة، وحياة المجتمعات البشرية، وحياة البشرية ككلّ.
إنّ حال العالم المسيحي، بسجونه وأشغاله الشاقة ومشانقه، بمعامله ومراكمته رؤوس الأموال، بضرائبه، بكنائسه وحاناته وبيوت دعارته، بالتسلّح المتنامي وملايين الناس المخدّرين، الجاهزين، ككلاب برية، للانقضاض على الذين يهيّجهم صاحبهم للانقضاض عليه، لكانت مرعبة لو كانت نتاج العنف. لكنها، قبل أيّ شيء آخر، نتاج الرأي العام. وما يقيمه الرأي العام ليس فقط يمكنه هدمه أيضاً، بل هو يهدمه الآن. ملايين الأموال، عشرات الملايين من المجندين النظاميين، القدرة المذهلة لوسائل التدمير، في ظلّ المؤسسات التي بلغت منتهى الكمال، مع جيش كامل من الذين مهمتهم خداع الشعب وتخديره، وهذا كلّه مُهَيمن عليه بوساطة الكهرباء الذي يختصر المسافات، من قبل أناس لا يعتبرون هذا التنظيم مفيداً للمجتمع مفيداً لهم فحسب بل وأنهم سيهلكون حتماً من دونه، لذا يستخدمون كلّ قدراتهم العقلية للإبقاء عليه- تبدو قوة لا تُقهر.
غير أنه يكفي فحسب تخيل مآل الأمر الذي لا يمكن لشيء إيقافه حين ينشأ بين الناس، بذات القوة والعمومية التي للرأي العام الوثني، رأي عام مسيحي يحلّ محلّ الوثني، بحيث يخجل معظم البشر من المشاركة في العنف واستخدامه كما يخجل الآن من الغش والسرقة والتسول والجبن، حتى يزول، من تلقاء ذاته دون قتال وعنف، نظام الحياة المعقّد الذي يبدو بهذا الجبروت. ولكي يحدث هذا لا يلزم أن يدرك البشر شيئاً جديداً، بل يلزم فقط زوال الضباب الذي يحجب عن الناس معنى بعض أعمال العنف، يلزم أن يحلّ الرأي العام المسيحي المتنامي محلّ الرأي العام الوثني البالي الذي يحلّل ويبرّر العنف. يلزم فقط أن يخجل الناس من القيام بأعمال العنف والمشاركة فيها واستغلالها، كما يخجل المرء الآن من أن يكون غشاشاً أو لصاً أو جباناً أو متسولاً. وهو ما بدأ يحدث الآن. لكننا لا نلاحظ ذلك فحسب، كما أنّ المتحرك لا يلاحظ حركة الذي يتحرك بجواره.
صحيح أنّ نظام الحياة يبقى، بسماته الأساسية، كذلك عنيفاً، كما كان قبل ألف عام، وليس فقط كما كان بل حتى أشدّ عنفاً في بعض النواحي، خاصة في الإعدادات الحربية وفي الحروب ذاتها، لكنّ الرأي العام المسيحي الناشئ، الذي يجب أن يغيّر نظام الحياة الوثني برمته حين يبلغ مستوى معيناً في تطوره، قد بدأ يفعل فعله. الشجرة اليابسة تقف بذات الصلابة التي كانت عليها من قبل بل تبدو أكثر صلابة لأنها أصبحت أقسى- لكنها بدأت تنخر من داخلها، وتتهيأ للسقوط. والأمر ذاته مع نظام الحياة العنيفي الراهن. الحال الظاهرية للناس هي ذاتها: بعضهم قاهرون وبعضهم مقهورون، لكنّ نظرة كليهما، القاهرين والمقهورين، إلى معنى واستحقاق وضع هؤلاء وأولئك لم تعد ذاتها.
القاهرون، أي المشاركون في الإدارة، والمستفيدون من العنف، أي الأغنياء، لم يعودوا يعتبرون أنفسهم، كما في الماضي، زهوة المجتمع وقدوة النجاح الإنساني وعظمته، والتي كان كلّ المقهورين يتطلعون إليها فيما مضى. أما الآن، فغالباً ليس المقهورون هم الذين يتطلعون إلى وضع القاهرين ويحاولون تقليدهم بل، على العكس، كثيراً ما يتخلى القاهرون عن مكاسب وضعهم طوعاً، ويختارون وضع المقهورين، ويحاولون التشبه بهم من حيث بساطة العيش.
ناهيكم عن الوظائف والمناصب التي باتت مُحتقرة بوضوح في الوقت الراهن، كالمخبرين وعملاء الشرطة السرية والمرابين وأصحاب الخمّارات، وعدد كبير من مناصب القاهرين، التي كانت محلّ احترام من قبل، كرجال الشرطة ورجال البلاط والقضاة ورؤساء الدوائر ورجال الدين والضباط وجباة الضرائب والصيارفة، والتي ليس فقط لم يعد الجميع راغبين فيها بل باتت مستنكرة من قبل حلقة الناس الأكثر احتراماً. بات هناك أناس يرفضون طوعاً تسنّم هذه المناصب التي لم تكن تُعتبر مستنكرة من قبل، ويفضلون عليها مناصب مكاسبها أقلّ لكنها غير مرتبطة بالعنف.
بل ليس الناس الحكوميون فقط، فهناك الآن أناس أغنياء يرفضون أن يرثوا عن ذويهم، وليس بناءً على الحسّ الديني، كما كان يحدث فيما سبق، بل فقط نتيجةً لرهافة خاصة تجاه الرأي العام الناشئ، معتبرين أنّ من الإنصاف أن يعيشوا مما يكسبونه بتعبهم فقط.
لم يعد وضع المشارك في الحكم والغني يُعتبر، كما كان من قبل، وكما هو الآن لدى الشعوب اللامسيحية، بصورة مؤكّدة، مبجلاً وجديراً بالاحترام ومباركاً من قبل الله. الناس الخلوقون، الأرهف إحساساً (بات معظمهم من المتعلّمين) يتجنبون هذه المناصب، ويفضلون عليها مناصب متواضعة أكثر لكنها بعيدة عن العنف.
الشبّان الأفضل، الذين بلغوا سنّاً لم تفسدهم الحياة فيه بعد، حين يختارون مهنةً، يفضلون أن يعملوا أطباء وتكنولوجيين ومدرسين وفنانين تشكيليين وكتاباً، بل حتى فلاحين يعتاشون من تعبهم، على المناصب القضائية والإدارية والعسكرية التي تدفع الحكومة رواتبها، أو وضع أناس يعيشون من إيراداتهم.
معظم التماثيل التي تقام الآن ليست تماثيل رجالات الدولة أو الجنرالات، أو الأغنياء طبعاً، بل لأطباء وفنانين ومخترعين، لأناس ليس فقط لا يجمعهم شيء مع الحكومات والسلطات بل وغالباً ما ناضلوا ضدّها. لا تُنشد قصائد، ولا تُنحت تماثيل، ولا يكرّم في الأعياد اليوبيلية رجالات الدولة والأغنياء بقدر العلماء والفنانين...
الناس الأفضل في زماننا يتطلعون إلى هذه المناصب الأكثر احتراماً، لذا فالحلقة التي يتمّ انتقاء الموظفين الحكوميين والأغنياء منها تغدو أضيق وأحطّ، لذا فالناس الذين يترأسون الحكومة والأغنياء، من حيث العقل والتعلّم والمزايا الأخلاقية بشكل خاص، لم يعودوا يشكّلون زهوة المجتمع، كما كانت الحال في القدم، بل، على العكس، هم أدنى من المستوى المتوسط.
سواء في روسيا وتركيا أم في أمريكا وفرنسا، مهما غيّرت الحكومات موظفيها، فإنّ معظمهم جشعون ومرتشون ومنحطّون أخلاقياً إلى درجة أنهم لا يلبون حتى مطلب النزاهة البسيط الذي تطلبه منهم الحكومات. كثيراً ما باتت تُسمع الآن شكاوى ساذجة لرجالات الدولة من أنّ أفضل الناس -لسبب غريب ما، كما يعتقدون- يتواجدون دائماً في المعسكر المعادي. هذا كأن يشتكي الناس من أنّ أغلط الناس وأقلهم طيبة يصبحون "بالمصادفة" جلادين.
كذلك تماماً، معظم الأغنياء في زماننا لا ينتمون إلى أكثر الناس رهافة وتعليماً في المجتمع، كما كانت الحال فيما مضى، وإنما إلى مكتنزي المال الفظّين المنشغلين فقط بالاغتناء بوسائل غير شريفة غالباً، أو إلى ورثة هؤلاء الكانزين الذين ليس فقط ليس لهم أيّ دور بارز في المجتمع بل هم، في معظم الحالات، عُرْضة للاحتقار العام.
لكن، عدا عن أنّ الحلقة، التي يُنتقى منها موظفو الدولة والأغنياء، تضيق أكثر فأكثر، وتغدو منحطة أكثر فأكثر، هؤلاء الناس أنفسهم لم يعودوا ينسبون للمناصب التي يشغلونها القيمة السابقة، وغالباً ما يشعرون بالخزي ويمتنعون عن القيام بما تفرضه عليهم مناصبهم، ملحقين الضرر بالعمل الذي يخدمونه. الملوك والأباطرة لم يعودوا يديرون شيئاً تقريباً، ولا يقومون بأي تغييرات داخلية تقريباً، ولا يحسمون أمرهم للحاق بالظروف السياسية الخارجية الجديدة، ويتركون حلّ معظم هذه المسائل للمؤسسات الحكومية أو للرأي العام. كلّ وظيفتهم تنحصر في أن يمثلوا وحدة الدولة وجبروتها.
وحتى هذه الوظيفة يقومون بها بصورة سيئة. لم يعد معظمهم يتربع على عرش العظمة التي لا تُنال بل، على العكس، تزداد الأمور دمقرطة، وحتى لامركزية، أكثر فأكثر، ليطرحوا عن أنفسهم آخر مظاهر اللياقة، أي يُخلون بما يجب عليهم المحافظة عليه. الأمر ذاته يحدث مع العسكر. الضباط الأعلى رتبة، بدلاً من تشجيع خشونة وقسوة العسكر، الضروريتين لعملهم، هم أنفسهم ينشرون التعليم بين شريحة العسكر، ويدعون إلى الإنسانية، بل حتى يشاطرون الجماهير قناعاتها الاشتراكية ويستنكرون الحرب. وكثيراً ما يحدث، كما حدث منذ أيام، أنّ العسكر المدعوّون لقمع السكان يرفضون إطلاق النار عليهم. البسالة الحربية تُدان صراحةً من قبل العسكر، وكثيراً ما تكون مادةً للسخرية. الأمر ذاته فيما يتعلق بالقضاة والمدّعين العامين: القضاة، الذين واجبهم إدانة المجرمين والحكم عليهم، يديرون الجلسة بحيث يبرئونهم، بحيث أنّ الحكومة الروسية، لكي تدين الأشخاص الذين تحتاج إلى إدانتهم، لم تعد تخضعهم للمحاكم العادية بل تسلّمهم إلى ما يُسمّى القضاء العسكري، الذي هو أبعد ما يكون عن القضاء. الشيء ذاته مع المدّعين العامين الذين كثيراً ما يمتنعون عن إدانة الذين يجب أن يدينوهم، بل حتى أنهم، بدلاً من الإدانة، يتجاوزون القانون ويدافعون عنهم. المحامون، الذين وظيفتهم تبرير عنف السلطة، ينفون أكثر فأكثر حقّ العقاب ويلجأون، بدلاً منه، إلى نظرية الجنون، ويطلبون ليس إصلاح بل معالجة الذين يسمونهم مجرمين. السجانون وآمرو الأشغال الشاقة كثيراً ما يدافعون عن الذين يجب أن يعذّبوهم. الدَّرَك ورجال التحرّي ينقذون باستمرار الذي يجب أن يقتلوه. رجال الدين يدعون إلى التسامح، وأحياناً إلى شجب العنف، والأعلى ثقافةً بينهم يحرصون في خطبهم على تجنّب الأكذوبة التي هي جوهر عملهم، والتي يجب عليهم التبشير بها. الجلادون يرفضون تنفيذ واجباتهم بحيث أنّ أحكام الإعدام، في روسيا، كثيراً ما لا تُنفَّذ لعدم وجود جلادين لأنّ الراغبين في الانضمام إلى الجلادين، رغم كلّ المكاسب التي تُقدّم إلى هؤلاء الناس، الذين يتمّ اختيارهم من بين المحكومين بالأشغال الشاقة، يغدون أقلّ فأقلّ. رؤساء الأقضية، رؤساء شرطة الأقضية، رؤساء المخافر، جباة الضرائب، العشارون، شاعرين بالرثاء لحال الشعب، يجهدون لإيجاد مبرّرات لعدم جباية الضرائب من الناس. لم يعد الأغنياء يحرصون على أن ينتفعوا بثروتهم، بل يوزعونها على الأعمال الاجتماعية.
الملاّكون يُنشئون المشافي والمدارس في أراضيهم، بل البعض منهم يتخلى عن أملاكه ويعطيها للفلاحين أو ينشئ فيها تعاونيات. أصحاب المصانع والمعامل يبنون المستشفيات والمدارس المهنية، وينظمون صناديق الإعانات والتقاعد، ويبنون المساكن للعمال، بعضهم يؤسسون جمعيات تعاونية يغدون فيها مساوين للمشاركين الآخرين. الرأسماليون يعطون جزءاً من رأسمالهم للمؤسسات الاجتماعية والتعليمية والفنية والخيرية. الكثير منهم، ممن يعجزون عن مفارقة ثروتهم في حياتهم، بعد موتهم، في وصاياهم، يتخلون عنها لصالح المؤسسات الاجتماعية.
كان يمكن لهذه الظواهر كلّها أن تبدو عرَضية لو أنّها كلّها لم تكن ترجع إلى سبب واحد مشترك، كما قد يبدو تفتح البراعم على بعض الأشجار في الربيع عرضياً لو لم نكن نعلم أنّ سبب ذلك هو الربيع الشامل، وأنه إذا كانت الأغصان قد بدأت تونع على بعض الأشجار فهذا يعني أنّ الشيء ذاته سيحدث للأشجار الأخرى أيضاً.
الأمر ذاته في ظهور رأي عام مسيحي حول معنى العنف ومعنى ما يقوم عليه. إذا كان هذا الرأي العام قد بدأ يؤثر في بعض الناس الأكثر رهافة ويجبرهم، كلاً في عمله، على رفض الامتيازات التي يمنحهم إيّاها العنف، وعلى عدم الانتفاع بها، فسوف يستمرّ تأثيره، وسيؤثّر إلى أن يغيّر مجمل نشاط البشر، ويصل به ليغدو موافقاً للوعي المسيحي الذي بات يكمن في روّاد البشرية.
وإذا كان قد أصبح هناك حكّام قرّروا الكفّ عن استخدام سلطتهم لأيّ شيء، ويحاولون ألاّ يكونوا شبيهين بالملوك وأن يكونوا أقرب إلى أبسط الفنانين قدر استطاعتهم، ويُعربون عن استعدادهم للتخلي عن صلاحياتهم، ويصبحوا أوّل مواطني جمهورياتهم، وإذا كان قد بات هناك عسكر يدركون كلّ شرّ وإثم الحرب، ولا يريدون إطلاق النار، لا على شعبهم ولا على الشعوب الأخرى، وقضاة ومدّعون عامون لا يريدون إدانة المجرمين والحكم عليهم، ورجال دين يمتنعون عن الكذب، وجباة ضرائب يحاولون قدر استطاعتهم أن ينفذوا أقلّ ما يجب أن يقوموا به، وأغنياء يتخلون عن ثرواتهم، فلا بدّ أن يحدث الشيء ذاته للحكّام الآخرين، والعسكر الآخرين، والقضاة الآخرين، ولرجال الدين وجباة الضرائب والأغنياء الآخرين. وإذا لم يعد هناك أناس يشغلون هذه المناصب فلن يعود هناك وجود لا للمناصب ذاتها ولا للعنف.
لكن ليس بهذه الطريقة وحدها يوصل الرأي العام الناس إلى القضاء على النظام القائم، واستبداله بنظام جديد. كلما قلّت جاذبية مناصب القهر، وكلما قلّ الراغبون في شغلها، تبيّن أكثر عدم لزومها.
ما زال الحكّام، في العالم المسيحي، هم ذاتهم، وكذلك الحكومات والجيوش وقضاة وجباة الضرائب والملاّكون وأصحاب المصانع والمعامل الأغنياء، كما في السابق، لكنّ نظرة الناس إليهم قد تغيّرت كلياً، وكذلك نظرة الناس إلى المنصب ذاته.
ما زال الحكّام ذاتهم يذهبون إلى ذات اللقاءات والمواعيد والولائم وحفلات الرقص، ما زالت الأزياء الرسمية ذاتها، الدبلوماسيون هم ذاتهم، وكذلك الحديث عن التحالفات والحروب، ما زالت البرلمانات هي ذاتها، والتي تُعالج فيها قضايا الشرق وأفريقيا، والنقابات والتفجيرات ويوم العمل ذو الثماني ساعات، وما زال الوزراء يُستبدلون بآخرين، وذات الخطابات وذات الأحداث. لكن، بالنسبة إلى الذين يرون كيف أنّ مقالاً واحداً في جريدة يغيّر الأمور أكثر من عشرات اللقاءات بين الملوك وعشرات جلسات البرلمان يتضح أكثر فأكثر أنّ كلّ هذه اللقاءات والاتفاقات والأحاديث في البرلمانات ليست هي التي تدير شؤون الناس بل شيء مستقلّ عن هذا كلّه، وليس مركزاً في أيّ مكان.
الجنرالات والضباط والجنود هم ذاتهم، وكذلك المدافع والقلاع والاستطلاعات والمناورات، لكن ما من حرب لعام، لعشر سنوات، لعشرين سنة، عدا عن انخفاض إمكانية الاعتماد على العسكر لقمع العصيانات، ويغدو جلياً أكثر فأكثر أنّ الجنرالات والضباط والجنود باتوا مجرّد أعضاء مواكب احتفالية، راقصي باليه كبار، باهظي التكاليف، لتسلية الحكّام.
المدّعون العامون والقضاة هم ذاتهم، والجلسات هي ذاتها، لكن يغدو جلياً، أكثر فأكثر، بما أنّ المحاكمات المدنية تُحلّ تبعاً لموجبات متنوعة جداً، العدالة ليست أحدها، وحيث أنه لا معنى على الإطلاق للمحاكم الجنائية التي لا تحقق أيّاً من الغايات المرجوة حتى من قِبَل القضاة أنفسهم، أنه لا معنى على الإطلاق لهذه المؤسسات سوى أنها وسيلة يعتاش منها أناس لا ينفعون لأيّ شيء آخر.
الأساقفة والمطارنة هم ذاتهم، وذات الكنائس والسينودس، لكن يغدو جلياً أكثر فأكثر للجميع أنّ هؤلاء الناس لم يعودوا، هم أنفسهم، يؤمنون بما يعظون به منذ زمن بعيد، لذا لم يعودوا قادرين على إقناع أحد بضرورة الإيمان بما لم يعودوا هم يؤمنون به.
جباة الضرائب هم ذاتهم لكنهم يصبحون أقلّ فأقلّ قدرةً على انتزاع ممتلكات الناس منهم، ويتجلّى أكثر فأكثر أنّ الناس يستطيعون تحصيل كلّ ما يلزم بموجب تعهد طوعي، ومن دون محصلي ضرائب.
ذات الأغنياء لكن يزداد وضوحاً أكثر فأكثر أنّ بمقدورهم أن يكونوا نافعين فقط بقدر كفهم عن أن يكونوا المتصرفين بثرواتهم، وبقدر إعطائهم كلّ ثرواتهم، أو جزءاً منها، للمجتمع.
حين يغدو هذا كلّه واضحاً كلياً للجميع فسيكون من الطبيعي أن يتساءل الناس: "لماذا يجب علينا إطعام وإعالة كلّ هؤلاء الملوك والأباطرة والرؤساء وأعضاء مختلف المجالس والوزراء إذا كان لا ينتج شيء عن اجتماعاتهم ومباحثاتهم كلّها؟ أليس الأفضل صنع ملكة من الشمع، كما قال أحد الظرفاء؟"
"وما حاجتنا إلى الجيوش بجنرالاتها وموسيقاها وفرسانها وطبولها؟ ما الحاجة إليهم ما دامت ليست هناك حرب، فلا أحد يريد غزو أحد، وحتى إذا كانت هناك حرب فإنّ الشعوب الأخرى لا تسمح بالاستفادة من مغانمها، والجنود يرفضون إطلاق النار على شعبهم؟"
"وما الحاجة إلى هؤلاء القضاة والمدّعين العامين إذا كانوا لا يحلّون القضايا المدنية بموجب القانون، وفي القضايا الجنائية هم أنفسهم يعلمون لاجدوى العقوبات؟"
"وما الحاجة إلى محصلي ضرائب لا رغبة لديهم في تحصيل الضرائب، وما يلزم يُحصّل من دونهم؟"
"وما الحاجة إلى رجال دين لم يعودوا يؤمنون بما يجب أن يبشروا به منذ زمن بعيد؟"
"وما الحاجة إلى رؤوس أموال في أيدي الأفراد إذا لم تكن مفيدة إلا إذا أصبحت ملكية جماعية؟"
وإذا سأل الناس أنفسهم هذه الأسئلة فلا بدّ من أن يقرروا الكفّ عن الإنفاق على كلّ هذه المؤسسات التي أصبحت بلا فائدة.
لكن، عدا عن أنّ الناس، الذين ينفقون على هذه المؤسسات، سيصلون إلى قرار بإلغائها، فإنّ نفس الناس، الذين يشغلون هذه المناصب، في الآن ذاته أو ربما قبل ذلك، سيُساقون إلى ضرورة رفض هذه المناصب.
الرأي العام يُدين ويشجب العنف أكثر فأكثر، لذا فإنّ الناس، مذعنين أكثر فأكثر للرأي العام، ستقلّ رغبتهم أكثر فأكثر في شغل هذه المناصب المرتكزة إلى العنف؛ ذات الأشخاص الذين يشغلون هذه الوظائف ستقلّ قدرتهم على استخدام العنف. والذين يشغلون هذه المناصب، حين يكفون عن استخدام العنف مع بقائهم في وظائفهم التي تشترط العنف، فستقلّ أكثر فأكثر الحاجة إليهم. وعدم اللزوم هذا، إذ يستشعره أكثر فأكثر أولئك الذين يدعمون هذه الوظائف، وكذلك الذين يشغلونها، يغدو، في النهاية، على نحو بحيث لا يُعثر على أناس يدعمون هذه الوظائف، ولا على أناس يشغلونها.
حضرةُ مرّةً في موسكو، مجادلات حول الدين، كانت تجري عادةً في كنيسة "طائفة التوّاقين" في "قومينا". تجمّعت مجموعة من عشرين شخصاً على الرصيف وجرى حديث جادّ عن الدين. في الآن ذاته كانت هناك حفلة موسيقية في مبنى مجلس النبلاء الكائن على مقربة، فأرسل ضابط شرطة، لاحظ جمهرة الناس المتجمعين قرب الكنيسة، دركياً مع أمر بالتفرق. لم تكن هناك حاجة لأن يتفرق الناس؛ فالأشخاص العشرون المتجمعون لم يكونوا يزعجون أحداً، لكنّ الضابط الواقف هنا منذ الصباح كان لا بدّ له من أن يفعل شيئاً. الدركي الفتى، واضعاً يده اليمنى على خاصرته ومقعقعاً بسيفه، جاء إلينا وأمر بصرامة: "تفرقوا! ما هذا التجمّع؟" نظر الجميع إلى الدركي، وأحد المتكلمين، وهو شخص وقور يرتدي معطفاً طويلاً من الجوخ، قال له بهدوء ورقة: "إننا نتحدث عن قضية، وما من سبب لتفرقنا، وأنت -أيها الشاب- الأفضل أن تنزل وتستمع إلى ما يقال، وسيفيدك ذلك." ثمّ أدار ظهره وواصل النقاش. فأدار الدركي فرسه صامتاً، وغادر.
الشيء ذاته يجب أن يحدث في كلّ أعمال الإكراه. الضابط يشعر بالملل، ما من شيء يفعله؛ المسكين موضوع في منصب لا بدّ له فيه من أن يتحكم. إنه محروم من أيّ حياة إنسانية، يمكنه فقط أن يراقب ويتحكم، يراقب ويراقب، رغم أنّ تحكمه ومراقبته لا لزوم لهما إطلاقاً. وكلّ هؤلاء الحكام والوزراء وأعضاء البرلمانات والولاة والجنرالات والضباط والمطارنة والقساوسة وحتى الأغنياء سيجدون أنفسهم في هذا الوضع قريباً جداً، بل إنّ قسماً منهم قد أصبح في هذا الوضع. لم يعودوا قادرين على عمل شيء سوى إصدار الأوامر، وهم يصدرون الأوامر، وإرسال مراسيلهم، كما أُرسل الضابط الدركي، لإزعاج الناس، وحيث أنّ الناس يرجونهم الكفّ عن إزعاجهم، فإنهم يعتقدون أنّ وجودهم ضروري.
لكن، سيأتي وقت يغدو جلياً تماماً فيه للجميع أن لا لزوم لهم على الإطلاق، وأنهم يزعجون الناس فحسب، والناس، الذين يزعجونهم، سيقولون لهم برقة ووداعة، مثل الرجل صاحب معطف الجوخ: "لا تزعجونا من فضلكم." وكلّ هؤلاء المُرسلين والمُرسِلين سيتوجّب عليهم العمل بهذه النصيحة الطيبة، أي أن يكفوا عن التجول، وأيديهم على خواصرهم، بين الناس وإزعاجهم، وأن ينزلوا عن جيادهم، ويخلعوا أزياءهم الرسمية، ويستمعوا إلى ما يقوله الناس، والانضمام إليهم، والإقبال مع الجميع على العمل الإنساني الحقيقي. سيأتي وقت، وسيأتي حتماً، تزول فيه كلّ مؤسسات القهر في زماننا نتيجةً لعدم الحاجة إليها، وسخفها، وحتى عدم لياقتها، الأمر الذي يتجلّى بوضوح للجميع.
لا بدّ أن يأتي وقت يحدث فيه للناس، الذين يشغلون وظائف هي نتاج العنف، ما حدث للملك في حكاية أندرسن "الرداء الجديد للملك" عندما صاح طفل صغير بسذاجة، حين رأى الملك العاري: "انظروا، إنه عار!" كلّ الذين كانوا يرون ذلك دون أن يقولوه لم يعودوا قادرين على إخفائه.
فحوى الحكاية هو أنّ ملكاً، محباً للثياب الجديدة، جاء إليه خيّاطان ووعداه بأن يخيطا له رداءً غير عادي. فاستأجر الملك الخيّاطين، وبدأ الخيّاطان بخياطة الرداء وهما يقولان إنّ رداءهما يتميز بأنّ الذين لا لزوم لهم ولوظائفهم لا يمكنهم رؤية الرداء.
بدأ النبلاء يأتون لمشاهدة عمل الخيّاطين لكنهم لم يكونوا يرون شيئاً لأنّ الخيّاطين كانا يمرّزان الإبر في الفراغ. لكنّ جميع الموظفين، متذكرين الشرط، راحوا يدعون أنهم يرون الرداء، ويثنون عليه. والملك أيضاً يفعل الشيء ذاته. ثمّ يحين أوان الموكب الذي سيسير فيه الملك بردائه الجديد، فيخلع الملك ثيابه ويرتدي الرداء الجديد، أي يبقى عارياً، وعارياً يسير في الطريق. لكنّ أحداً لم يجرؤ، متذكرين الشرط، على قول إنّ الرداء لا وجود له، إلى أن صاح طفل صغير: "انظروا، إنه عار!"
الشيء ذاته لا بدّ أن يحدث لكلّ الذين يشغلون -بمقتضى قوة العطالة- وظائف لم يعد لها لزوم منذ زمن بعيد حين يقوم شخص، غير معني بالمثل القائل: "حكّ لي لأحكّ لك"، بكشف عدم لزوم هذه المؤسسات، ويشير إلى لاجدواها، ويهتف بسذاجة: "لكنّ هؤلاء الناس قد انتقفت الحاجة إليهم منذ زمن بعيد."
إنّ وضع العالم المسيحي، بقلاعه ومدافعه وديناميته وأسلحته وطوربيداته وسجونه ومشانقه وكنائسه ومعامله وجماركه وقصور ملوكه، مرعب فعلاً؛ لكن ليست القلاع والمدافع والأسلحة هي التي تطلق النار؛ ليست السجون هي التي تسجن؛ ليست المشانق هي التي تشنق؛ ليست الكنائس هي التي تكذب؛ ليست الجمارك هي التي تعيق؛ القصور والمصانع لا تبني ولا تسند نفسها بنفسها؛ بل الناس هم الذين يفعلون هذا كلّه، وقد بدأ الناس يدركون ذلك، وإذا لم يكن كلّ الناس قد أدركوا هذا بعد، فإنّ روّاد الناس باتوا يدركون كلّ شيء، وهم الذين يقتدي بهم الآخرون، وما دام الناس الروّاد قد أدركوا ذلك فلم يعد بإمكانهم الكفّ عن إدراكه، وباقي الناس ليسوا قادرين على فهم ما فهمه الروّاد بل لا مناص لهم من ذلك.
وبالتالي، فإنّ النبوءة التي تقول بمجيء وقت يُعلّم الله فيه الناس، وأنهم سيصبحون عاجزين عن القتال "فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل" (إشعياء: 2، 4) أي، بلغتنا، أنّ كلّ السجون والقلاع والثكنات العسكرية والقصور والكنائس ستغدو فارغة، وكلّ المشانق والأسلحة والمدافع سيُكفّ عن استخدامها، لم تعد حلماً بل شكلاً جديداً ومحدداً للحياة، تقترب إليه البشرية بسرعة تزداد باطراد.
لكن متى سوف يحدث ذلك؟
قبل 1800 عام أجاب المسيح عن هذا السؤال بقوله إنّ نهاية العصر الحالي، أي نظام الحياة الوثني، سوف تحين (متى: 24، 3-28) حين تبلغ مصائب البشر أقصاها، وبشّر بقدوم ملكوت الله، أي أنّ نظاماً جديداً لاعنفياً للحياة سيعمّ الأرض كلها.
"وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد.. إلا أبي وحده." (متى: 24، 36) يقول المسيح في الآن ذاته، لأنه قد يحلّ في أيّ وقت، في أيّ لحظة، وحين لا نتوقعه.
رداً على السؤال المتعلق بساعة حلول ذلك يقول المسيح إننا لا نستطيع معرفة ذلك؛ لكن بالذات لكوننا لا نستطيع أن نعلم زمن حلول تلك الساعة، فليس علينا أن نكون دائماً مستعدين لاستقبالها فحسب، كما أنّ ربّ البيت، الذي يحرس بيته، مستعدّ دائماً، وكجاهزية العذراوات مع المصابيح لاستقبال العريس، بل ويجب أن نعمل بكلّ قوانا لكي تحلّ تلك الساعة، كما كان على العمال الذين أعطوا وزنات المال أن يعملوا. (متى: 24، 43 و25، 1-30). رداً على السؤال حول زمن حلول تلك الساعة يُنذر المسيح الناس بأنّ عليهم العمل بكلّ قواهم لتسريع حلولها.
ولا يمكن أن يكون هناك جواب آخر. لا يمكن للبشر إطلاقاً معرفة يوم وساعة حلول ملكوت الله لأنّ حلول تلك الساعة لا تتوقف على أحد بقدر توقفها على البشر أنفسهم.
الجواب هو ذات جواب الحكيم الذي سأله عابر سبيل: هل الطريق بعيدة؟ حين أجاب: "سير". كيف يمكننا معرفة مدى بعد البشرية عن الغاية التي تسعى إليها إن كنّا لا نعلم كيف ستسير نحو هذه الغاية البشرية التي يتوقف عليها: السير أو عدم السير، التوقف، كبح حركتها أو تسريعها.
كلّ ما يمكننا معرفته هو ما يجب علينا -نحن الذين نشكّل البشرية- عمله وما لا يجب لكي يحلّ ملكوت الله. وجميعنا نعرف هذا. ويكفي فحسب أن يبدأ كلّ منا بعمل ما يجب عليه والكفّ عن عمل ما لا يجب عليه؛ يكفي فحسب أن يعيش كلّ منا بالنور الكائن فينا حتى يحلّ، في التوّ واللحظة، ملكوت الله الموعود الذي تتوق إليه قلوب الناس جميعاً.
222
XII
الخاتمة
1
أنهيتُ هذا العمل، الذي استمرّ لعامين، حين اتُّفق لي أن سافرت، في 9 أيلول، بالقطار إلى مقاطعتي تولا وريازان اللتين عانى فلاحوها الجوع في العام الماضي، ويعانون المزيد من الجوع هذا العام. في إحدى المحطات التقى القطار الذي كنت على متنه بقطار سريع ينقل، بقيادة المحافظ، جنوداً مسلّحين ببنادق وقضبان لتعذيب وقتل هؤلاء الفلاحين الجائعين.
إنّ تعذيب الناس بالضرب بالقضبان لتطبيق قرارات السلطة، رغم أنّ القانون قد ألغى التعذيب الجسدي قبل 30 سنة، بات يُستخدم في روسيا في الآونة الأخيرة أكثر فأكثر.
لقد سمعتُ عن هذا، بل حتى قرأتُ في الصحف، عن التعذيب المرعب الذي بدأ محافظ مدينة "تيجفورد" بارانوف يفتخر به، وعن التعذيب الذي يجري في تشيرنيغوف وتامبوف وساراتوف وأستراخان وأورل، لكن لم يتفق لي، كما الآن، أن رأيتُ تنفيذ هذه الأمور. وها قد رأيتُ بأمّ عيني روساً طيبين ومشبعين بالروح المسيحية، مسلّحين بالبنادق والقضبان، يذهبون لقتل وتعذيب إخوانهم الجائعين.
سبب ذهابهم كان التالي:
في ضيعة تعود لملاّك غنيّ استنبت الفلاحون غابةً في مرج مجاور لأراضي الملاّك (استنبتوها أي رعوها أثناء نموّها) ودائماً كانوا يستثمرونها، وبعد ذلك اعتبروا أنّ الغابة لهم، أو على الأقلّ ملكية مشتركة، لكنّ الملاّك استولى على الغابة وبدأ يحتطبها. فقدم الفلاحون شكوى. قاضي محكمة الدرجة الابتدائية أصدر حكماً جائراً (أقول: جائراً، بناءً على أقوال المدّعي العام والمحافظ، وهم أناس يعرفون القضية جيداً) لصالح الملاّك. كلّ المراجع اللاحقة، بما فيها مجلس "السينات"، رغم أنها رأت أنّ الحكم جائر، أثبتت القرار، وقُضي بالغابة للملاّك. بدأ الملاّك بقطع أشجار الغابة لكنّ الفلاحين، الذين لم يستطيعوا تصديق أنّ السلطة العليا بمقدورها ارتكاب هذا الظلم الجلي في حقهم، لم يذعنوا للقرار وطردوا العمال الذين أُرسلوا لقطع الغابة، معلنين أنّ الغابة غابتهم، وأنهم سيوصلون القضية إلى القيصر، لكنهم لن يسمحوا بقطع الغابة.
أُبلغ الوزير في بطرسبورغ بالقضية. الوزير عرضها على الملك، والملك أمر بتنفيذ قرار المحكمة. الوزير أمر المحافظ بتنفيذ القرار. المحافظ أرسل بطلب القوّات، وهاهم الجنود، المسلحون ببنادق لها حراب وبرصاصات حقيقية بالإضافة إلى فائض من القضبان المُعدّة خصيصاً لهذا الغرض، والمحملون في إحدى عربات القطار، يذهبون لتنفيذ قرار السلطة العليا.
وتفنيد قرار السلطة العليا يتمّ عن طريق قتل وتعذيب الناس، أو ترهيبهم بهذا أو ذاك، تبعاً لما إذا كانوا سيبدون مقاومة أو لا.
في الحالة الأولى، إذا كان الفلاحون سيبدون المقاومة، سيفعل في روسيا (الشيء ذاته يُفعل في كلّ مكان فيه نظام دولة وملكية خاصة) ما يلي: القائد يلقي كلمة ويأمر بالخضوع. الحشد الهائج، الذي يكذب عليه الرؤساء معظم الوقت، لا يفقه شيئاً مما يقوله ممثل السلطة بلغة الموظفين والكتب، ويستمرّ بالقلق. حينها يعلن القائد أنهم إذا لم يذعنوا ويتفرقوا فسيضطر إلى اللجوء إلى السلاح. إذا لم يذعن الحشد حتى بعد هذا ولم يتفرق، فسيصدر القائد بإطلاق النار على الحشد مباشرةً، كيفما اتفق، وسيطلق الجنود النار، وسيسقط جرحى وقتلى في الشوارع، وعندها عادةً يهرب الحشد في شتى الاتجاهات، والجنود، بموجب أمر القوّاد، يلقون القبض على الذين يُعتبرون المحرّضين الرئيسيين، ويُساقون مخفورين.
بعد ذلك يتمّ التقاط الرجال، وأحياناً النساء والأطفال، المحتضرين والمشوّهين والمضرّجين بالدماء، القتلى والجرحى؛ فيتمّ دفن القتلى، وإرسال الجرحى إلى المستشفى. أولئك الذين يعتبرونهم المحرّضين يأخذونهم إلى المدينة ويخضعونهم لمحكمة عسكرية خاصة.
وإذا كان هناك عنف من جهتهم فسيُحكم عليهم بالإعدام شنقاً، وحينها تُقام المشانق ويتمّ خنق عدد من الناس العزل بالحبال، كما حدث كثيراً في روسيا، وكما حدث ولا يمكنه إلا أن يحدث في كلّ مكان يقوم فيه النظام الاجتماعي فيه على العنف. هذا ما يحدث في حال المقاومة.
أما في الحالة الثانية، في حال استسلام الفلاحين، فسيحدث شيء خاص، روسي بامتياز. سيحدث ما يلي: المحافظ، بعد وصوله إلى موقع الأحداث، يلقي خطاباً للشعب يلومه فيه على عصيانه، وإما يجعل القوّات تتموقع عند مداخل القرية حيث يهين الجند الفلاحين بتموقعهم هذا طوال شهر، وإما يسامح الجمهور برأفة، مكتفياً بترهيبه، ويغادر، أو يعلن له، وهو ما يحدث غالباً، أنّ المحرّضين على هذا يجب أن يُعاقبوا، وينتقي، عشوائياً ودون محاكمة، عدداً محدداً من الناس، المُعتبرين محرّضين، ويتمّ تعذيبهم في حضوره.
لتقديم تصوّر عن كيفية تنفيذ هذه الأعمال سأقدّم وصفاً لعمل تمّ تنفيذه في أورل، وتلقّى مباركة السلطة العليا.
جرى في أورل ما يلي: تماماً كما حدث هنا في مقاطعة تولا، أراد ملاّك انتزاع ملكية الفلاحين منهم، وكذلك تماماً قاوم الفلاحون ذلك. فحوى الأمر أنّ الملاّك أراد، دون موافقة الفلاحين، احتجاز الماء في طاحونته أعلى من مستوى جريانه في بساتينهم. عارض الفلاحون ذلك. قدّم الملاّك شكوى لمدير الناحية. مدير الناحية حسم القضية لصالح الملاّك بصورة غير قانونية (وقد اعترفت حتى المحكمة بذلك فيما بعد) سامحاً له بضخّ الماء إلى أعلى. فأرسل الملاّك عمالاً لسدّ القناة التي تنحدر عبرها المياه. امتعض الفلاحون من هذا القرار الجائر، وأرسلوا نساءهم لمنع عمال الملاّك من سدّ القناة. فخرجت النساء إلى السدّ وقلبن العربات وطردن العمال. قدّم الملاّك شكوى ضدّ النساء على اعتدائهن. فأصدر مدير الناحية أمراً بوضع امرأة من كلّ بيت من بيوت القرية في السجن. لم يكن القرار قابلاً للتنفيذ لأنّ في كلّ بيت كانت هناك عدّة نساء، فلم تكن هناك إمكانية لمعرفة أيّهنّ يجب اعتقالها، لذا لم تضع الشرطة القرار قيد التنفيذ. اشتكى الملاّك للمحافظ عدم تنفيذ الشرطة القرار. المحافظ، دون أن يفهم في الأمر، أصدر أمراً صارماً لرئيس شرطة القضاء بتنفيذ قرار مدير الناحية فوراً. مُذعناً لرئيسه الأعلى، رئيس شرطة القضاء، على عادة السلطات الروسية في عدم احترام الناس، سافر إلى القرية، وأمر الشرطة بأخذ امرأة من كلّ بيت. لكن حيث أنّ هناك عدّة نساء في كلّ بيت، ولم تكن هناك إمكانية لمعرفة التي يجب اعتقالها، بدأت المجادلات والاعتراضات. لكن بغضّ النظر عن هذه المجادلات والاعتراضات، أمر رئيس شرطة القضاء بإلقاء القبض على امرأة من كلّ بيت، كيفما اتفق، وأخذهنّ إلى السجن. أخذ الرجال يدافعون عن زوجاتهم وأمهاتهم، ولم يسلّموهن، وأثناء ذلك قاموا بضرب رئيس شرطة القضاء والنشطاء. ظهرت جريمة جديدة مخيفة: مقاومة السلطات، ونُقل خبر هذه الجريمة الجديدة إلى المدينة. والمحافظ، تماماً مثل محافظ مقاطعة تولا، مصحوباً بكتيبة من الجنود المسلّحين بالبنادق والقضبان، مستفيداً من البرق والهاتف وسكّة الحديد، على متن قطار سريع، يرافقه طبيب، والذي عليه مراقبة صحية الضرب، محققاً بذلك تماماً نبوءة غيرتسن عن جنكيزخان بهاتف، سافر إلى موقع الأحداث.
أمام مبنى مديرية الناحية، وقف جنودٌ، صفٌّ من رجال الشرطة بأحزمتهم الحمراء التي عُلّقت عليها المسدسات، وجمعٌ من الوجهاء من الفلاحين والمتهمين، يحيط بهم حشدٌ من الناس يبلغ تعداده 1000 شخص أو أكثر. بوصوله إلى مديرية الناحية، خرج المحافظ من العربة، وألقى كلمةً مُعدة سلفاً، وطلب إحضار المتهمين ومقعداً. لم يُفهم هذا الطلب في البداية، لكنّ الشرطي، الذي يرافق المحافظ دائماً والذي عمله تنظيم عمليات التعذيب التي جرت في المقاطعة كثيراً، أوضح أنه يقصد مقعداً للضرب بالقضبان. فأُحضر المقعد، وجلبوا القضبان التي أحضروها معهم، واستدعوا الجلادين. الجلادون كانوا قد أُعدّوا مسبقاً، وهم سارقو خيل من تلك القرية ذاتها، لأنّ العسكر رفضوا تنفيذ هذه المهمة.
حين جُهّز كلّ شيء، أمر الرئيس بإخراج أول الأشخاص الاثني عشر الذين أشار إليهم الملاّك على أنهم أوّل المذنبين. أوّل الخارجين كان ربّ أسرة، شخصاً محترماً في المجتمع، في الأربعين من العمر، والذي دافع بشجاعة عن حقّ المجتمع ما جعله يحوز احترام السكان. أحضروه إلى المقعد وجرّدوه من ملابسه وأمروه بأن يستلقي. حاول الفلاح توسل العفو لكنه، حين رأى أنّ هذا بلا جدوى، رسم علامة الصليب واستلقى. أمسك به اثنان من رجال الشرطة. الطبيب أيضاً وقف مستعداً لتقديم المساعدة الطبية اللازمة. بصق الجلادون في أكفهم، ولوّحوا بالقضبان، وبدأوا بالضرب. تبين أنّ المقعد ضيق جداً، وكان من الصعب الإمساك بالمُعذَّب الذي كان يتلوّى من الألم. حينها أمر المحافظ بإحضار مقعد آخر ووضع لوح عليه. نفّذ أناسٌ الأمر بسرعة وطاعة وهم يؤدّون التحية العسكرية قائلين: "أمر معاليكم." في هذه الأثناء كان الرجل المُعذَّب الشاحب، شبه العاري، ينظر إلى الأرض مقطّب الحاجبين، ينتظر، وأسنانه تصطكّ وقدماه تحترقان. حين أحضر المقعد الثاني، أضجعوه ثانية، وراح الجلادون يضربونه. تغطى ظهر المُعذَّب، وكذلك ردفاه وفخذاه وحتى مؤخرته، أكثر فأكثر بالندوب والجروح، ومع كلّ ضربة كانت تصدر أنّة خافتة من المُعذَّب الذي لم يكن قادراً على كبحها. من الحشد، الواقف في المحيط، كانت تُسمع ولاويل الزوجات والأمهات والأولاد، وأقرباء المُعذَّب، وأقارب كلّ الذين أحضروا للتعذيب.
المحافظ الشقي، الثمل بالسلطة، الذي بدا له أنه لا يستطيع أن يتصرف بطريقة أخرى، راح يعدّ الضربات عاقفاً أصابعه، ويدخّن دون توقف، الأمر الذي كان يجعل بعض الناس الخدمويين يهرعون إليه بعيدان الكبريت لإشعال سيجارته كلما همّ بالتدخين. بعد عدّ خمسين ضربة كفّ الفلاح عن الصراخ والتلوّي، والطبيب، الذي تدرب في مؤسسة للتعذيب ليخدم بمعارفه العلمية ملكه ووطنه، دنا من المُعذَّب، جسّ نبضه واستمع إلى ضربات قلبه، وأخبر ممثل السلطة أنّ المُعاقب قد غاب عن الوعي، وأنّ مواصلة العقاب -حسب معطيات العلم- قد يشكّل خطراً على حياته. لكنّ المحافظ الشقي، الذي أسكرته رؤية الدم كلياً، أمر بمواصلة العقاب، واستمرّ التعذيب حتى بلغ سبعين ضربة، العدد الذي بدا له ضرورياً للوصول إليه لسبب ما. عند الضربة السبعين، قال المحافظ: "يكفي. التالي!" والشخص المُعذَّب الفاقد الوعي، بظهره المتورّم، حُمل وأُبعد وأُحضر آخر. ازداد صراخ وعويل الحشد لكنّ ممثل سلطة الدولة واصل التعذيب.
كذلك ضُرب الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، سبعين ضربة لكلّ منهم. جميعهم توسلوا العفو، أنّوا، صرخوا. عويل وأنين حشد النساء علا أكثر، ووجوه الرجال تجهمت أكثر فأكثر. لكنّ الجنود كانوا يحيطون بهم، ولم يتوقف التعذيب إلى أن تمّ الأمر كما اعتقده ضرورياً ذلك الشخص المهووس، الشقي، شبه الثمل، الضالّ، المدعو بالمحافظ. الموظفون والضباط والجنود لم يكونوا موجودين فقط في هذه الأثناء بل كانوا شركاء في هذا الأمر بوجودهم، ومنعوا الحشد من الإخلال بتطبيق هذا القرار الحكومي.
حين سألتُ أحد المحافظين عن سبب إنزال هذا التعذيب بالناس ما داموا قد أذعنوا، وما دام الجنود يرابطون في القرية، أجابني، بوجه شخص مسؤول عارفٍ بكلّ تفاصيل حكمة الدولة، إنّ هذا يُفعل لأنّ الخبرة أثبتت أنه إذا لم يتمّ تعذيب الفلاحين فسيعودون إلى مقاومة سلطة السلطات ثانية بينما إنزال العقاب ببعض منهم يُعزّز قرار السلطة إلى الأبد.
وها هو محافظ مقاطعة تولا، يرافقه الموظفون والضباط والجنود، يسافر للقيام بذات الأمر. بالطريقة ذاتها تماماً، أي بوساطة القتل والتعذيب، يجب أن يضع قرار السلطات العليا قيد التنفيذ، القرار الذي فحواه أن يحصل الملاّك الشاب، الذي يبلغ مدخوله السنوي مائة ألف، على ثلاثة آلاف روبل إضافية لقاء الغابة التي انتزعها بالقوة من مجتمع كامل من الفلاحين الذين يعانون الجوع والبرد، لكي يبذّر هذا المال، خلال أسبوعين أو ثلاثة، في حانات موسكو وبطرسبورغ أو باريس. للقيام بهذا العمل بالتحديد سافر أولئك الناس الذين التقيتهم.
ساقتي القدر، كما لو قصداً، بعد سنتين من حشد تفكيري في ذات الاتجاه، للمرّة الأولى في حياتي لكي يريني بمنتهى الوضوح عملياً ما توضح لي منذ زمن بعيد نظرياً، وبالتحديد أنّ كلّ نظام حياتنا لا يرتكز على مبادئ حقوقية ما، كما يحب المستفيدون من النظام القائم للأشياء أن يقنعوا أنفسهم، بل على العنف الصريح والفظّ، على قتل الناس وتعذيبهم.
الناس، الذين يمتلكون أراضٍ شاسعة ورساميل كبيرة، أو الذين يتلقّون رواتب كبيرة محصلة من العمال المحتاجين إلى الحاجات الأولية، وكذلك التجار والأطباء والفنانون وأصحاب الحوانيت والعلماء والحوذية والطباخون والكتاب والفراشون والمحامون، الذين يعتاشون على حساب هؤلاء الناس الأغنياء، يحبون أن يصدقوا أنّ الامتيازات التي يتمتعون بها ليست نتاج العنف بل هي نتاج تبادل حرّ عادل للخدمات، وأنّ هذه الامتيازات ليست فقط غير ناتجة عن الضرب والقتل اللذين يُمارسان في حقّ الناس، كما حدث في أورل وفي أماكن كثيرة من روسيا في الصيف الجاري، وكما يحدث في أوروبا وأمريكا كلّها، بل ولا علاقة لها على الإطلاق بهذا العنف. يحبون أن يصدقوا أنّ الامتيازات التي يتمتعون بها تلقاء ذاتها، وبموافقة طوعية من قبل الناس، وأنّ العنف، المُمارَس على الناس، قائم من تلقاء ذاته، ويحدث بموجب قوانين حقوقية وحكومية واقتصادية سامية ما. يحرص هؤلاء الناس على عدم رؤية أنّهم إنما يتمتعون بالامتيازات التي يتمتعون بها فقط نتيجةً لذات الشيء الذي بنتيجته يتمّ الآن إرغام الفلاحين، الذين استنبتوا الغابة التي هم في حاجة إليها، على إعطائها للملاّك الغني الذي لم يشارك في رعايتها أثناء نموّها يوماً، والذي لا حاجة له بها، أي نتيجة أنه سيتمّ ضربهم أو قتلهم إذا لم يعطوا الغابة.
فإذا كان واضحاً تماماً أنّ طاحونة أورل أصبحت تقدّم إيراداً كبيراً للملاّك، وأنّ الغابة، التي استنبتها الفلاحون، أُعطيت للملاّك، فقط نتيجة لضربهم وقتلهم أو ترويعهم، فكذلك تماماً يجب أن يكون واضحاً أنّ كلّ الحقوق الاستثنائية للأغنياء، والتي تحرم الفقراء مما هو ضروري، لا بدّ أنها تقوم على الأساس ذاته. إذا كان الفلاحون، المحتاجون إلى الأرض لإطعام أسرهم، لا يفلحون الأرض المحيطة ببيوتهم، وهي كافية لإطعام 1000 عائلة، بل يستثمرها شخص واحد، روسي أو إنكليزي أو نمساوي، أو أيّ ملاّك كبير كان، لا يعمل في هذه الأرض، وإذا كان التاجر، الذي يشتري الحبوب من الفلاحين في وقت الفاقة، يستطيع أن يخزّن هذه الحبوب بأمان في عنابره وسط أناس جائعين، وأن يبيعها لنفس الفلاحين الذين اشتراها منهم بثلاثة أضعاف السعر الذي دفعه عند الشراء، فجليّ أنّ هذا يحدث للأسباب ذاتها. وإذا كان أحدهم لا يستطيع شراء سلعة بيعت له بسعر أرخص بسبب ما يُسمّى الحدود إذا لم يدفع رسماً جمركياً لأناس لم يشاركوا قط في إنتاج السلعة، وإذا لم يكن الناس قادرين على ألاّ يعطوا بقرتهم الأخيرة كضريبة تقدمها الحكومة لموظفيها أو تستخدمها لإعالة جنود سيقومون بقتل دافعي الضرائب هؤلاء أنفسهم، فالمفروض أن يكون جلياً أنّ هذا لا يحدث نتيجةً لحقوق مجرّدة ما بل نتيجة لما حدث في أورل، وما قد يحدث الآن في مقاطعة تولا، ويحدث بصورة دورية، بهذا الشكل أو ذاك، في العالم كلّه، حيث يوجد نظام الدولة، وحيث يوجد أغنياء وفقراء.
نتيجةً لأنه لا يحدث تعذيب وقتل في كلّ معاملات الناس القهرية، الناس، الذين يتمتعون بمكاسب الطبقات الحاكمة الاستثنائية، يقنعون أنفسهم والآخرين بأنّ المكاسب التي يتمتعون بها ليست نتاج التعذيب والقتل، بل هي نتاج أسباب عامة خفية ما، أو حقوق مجرّدة، الخ. غير أنّ من الواضح أنه إذا كان الناس، الذين يعتبرون هذا جائراً (كما يعتبره كلّ العمال في الوقت الراهن)، يعطون النصيب الأكبر من عملهم للرأسمالي أو الملاّك، ويدفعون الضرائب وهم يعلمون أنّ هذه الضرائب ستُستخدم بشكل سيء، فإنهم لا يفعلون ذلك انطلاقاً من إدراكهم لحقوق مجرّدة ما لم يسمعوا عنها قط بل لأنهم يعلمون أنهم سيُضربون ويُقتلون إذا لم يفعلوا ذلك. وإذا كان لا يحدث اعتقال وضرب وقتل للناس في كلّ مرّة يجمع فيها الملاّك أجرة الأرض، وحين يدفع المحتاجون إلى الخبز ثلاثة أضعاف ثمنه للتاجر المحتال، والعامل يرضى براتب أقلّ ضعفين من مدخول صاحب المعمل، وحين يدفع الفقير روبل يملكه للرسوم والضرائب، فهذا يحدث لأنّ الناس قد ضُربوا وقُتلوا كثيراً بسبب محاولتهم عدم القيام بما يُطلب منهم، ولأنهم يتذكرون هذا جيداً. كما أنّ النمر القابع في القفص لا يلتقط اللحم الموضوع أمامه، ولا يستلقي هادئاً بل يقفز فوق العصا حين يُؤمر بذلك، لا يفعل ذلك لأنه يريد ذلك بل لأنه يتذكر الحديدة المحماة أو الجوع، مما تعرّض له في كلّ مرّة رفض الإذعان، كذلك تماماً الناس، الذين يخضعون لما ليس في صالحهم بل والمهلك لهم وما يعتبرونه جائراً، يفعلون ذلك لأنهم يتذكرون ما جرى لهم حين قاوموا ذلك.
أما الذين يتمتعون بالامتيازات التي هي نتاج عنف سحيق القدم، فغالباً ما ينسون، ويحبّون أن ينسوا كيفية الحصول على هذه الامتيازات. غير أنه يكفي تذكر التاريخ، ليس تاريخ نجاحات شتى السلالات الملكية الحاكمة بل التاريخ الحقيقي، تاريخ اضطهاد عدد قليل من الناس للأكثرية، لرؤية أنّ كلّ امتيازات الأغنياء عن الفقراء لا تقوم على شيء سوى القضبان والسجون والأشغال الشاقة والقتل.
يكفي فقط التفكير في الطموح العنيد للناس جميعاً في زيادة رفاهيتهم، الطموح الذي ينقاد له الناس في زماننا، حتى نقتنع بأنّ الأغنياء لم يستطيعوا، ولا يستطيعون، المحافظة على امتيازاتهم عن الفقراء إلا عبر هذه الممارسات.
قد يكون هناك اضطهاد وضرب وسجون وإعدامات لا تهدف إلى تفوّق الطبقات الغنية (رغم أنّ هذا نادر جداً، لكن، يمكن القول بجرأة إنّ في مجتمعنا مقابل كلّ شخص يعيش كسيد محترم هناك عشرة عمال مُعذّبين بالعمل، حاسدين، بخلاء، وغالباً ما يعانون معاناة صريحة مع عائلاتهم. كلّ امتيازات الأغنياء، كلّ الكماليات التي يتمتع بها الأغنياء مقارنةً بالعامل المتوسط الحال، كلّ هذا مكتسب ويُحافظ عليه عن طريق التعذيب والاعتقالات والإعدامات.
2
القطار الذي التقيتُه في التاسع من أيلول، الذي كان ينقل الجنود ببنادقهم ورصاصاتهم الحقيقية وقضبانهم إلى فلاحين جائعين ليبتزوا أحذية الملاّك الغني في غابة صغيرة انتزعها من الفلاحين، والتي هو ليس بحاجة إليها في حين أنهم يحتاجونها بشدة، أثبت، بجلاء مذهل، مدى قابلية الناس للقيام بأعمال تناقض قناعاتهم وضمائرهم دون أن يروا ذلك.
القطار السريع، الذي التقيتُه، كان مؤلفاً من عربة درجة أولى للمحافظ والموظفين والضباط، ومن عدّة عربات لشحن البضائع مليئة بالجنود.
الجنود الفتيان الطائشون، في بزّاتهم الرسمية الجديدة النظيفة، كانوا يتأرجحون واقفين أو يجلسون في الأبواب الواسعة المفتوحة لعربات الشحن مؤرجحين أرجلهم. بعضهم كان يدخن، وبعضهم كان يتحدث ويلقي النكات ويضحك مكشّراً عن أسنانه، وفريق ثالث كان "يفصفص" البزر باصقاً القشور بوقاحة. بعضهم كانوا يركضون عبر رصيف المحطة إلى برميل ماء ليشربوا، وحين يلتقون بالضباط يضربون بأرجلهم الأرض ويؤدّون تحيتهم الغبية رافعين أيديهم إلى جباههم وبوجوه صارمة، كأنما يقومون بعمل ليس معقولاً فحسب بل وبالغ الأهمية، كانوا يمرّون بجوارهم مودّعين إيّاهم بأعينهم، ثمّ يحثّون خطاهم بمرح أكثر راكضين فوق ألواح رصيف المحطة وهم يضحكون ويثرثرون، كما ينبغي لشبّان أصحاء طيبين، يسافرون ضمن جماعة مرحة من مكان إلى آخر، أن يفعلوا.
كانوا ذاهبين لقتل آبائهم وأجدادهم الجائعين كما لو أنهم ذاهبون للقيام بعمل مسلّ أو عادي على الأقلّ. الانطباع ذاته خلقه الموظفون والضباط المتأنقون المنتشرون على الرصيف أو في صالة الدرجة الأولى. إلى طاولة، عليها زجاجات كثيرة، في زيّه الرسمي شبه العسكري، كان يجلس المحافظ، قائد هذه الحملة كلّها، يأكل شيئاً ما، ويتحدث بهدوء عن الطقس مع صديق التقاه كما لو أنّ الأمر الذي يسافر لأجله من البساطة والعادية بحيث لا يمكنه أن يخلّ بهدوئه وباهتمامه بتحول الطقس. بعيداً عن الطاولة كان يجلس، دون أن يتناول الطعام، جنرال الجندرمة بمظهر مكتئب لا يدرك كنهه كأنما استثقلاً الرسميات التي سئمها. من جميع الجهات كان يتحرك ويصخب ضباطٌ في أزيائهم الرسمية الجميلة المخاطة بخيوط ذهبية: مَن كان يجلس إلى طاولة كان يحتسي النبيذ، ومن كان يقف قرب "البوفيه" كان يمضغ كعكةً وينفض الفتات الساقطة على سترته، ويلقي بالنقود بحركة وقحة، وبعضهم، ناهضاً قدميه، كان يتنزّه بجوار عربات قطارنا، ناظراً إلى وجوه النساء.
كلّ هؤلاء الناس، الذاهبين لقتل وتعذيب أناس عُزّل وجائعين، نفس الناس الذين يطعمونهم، كانت لهم سحنات الذين يعرفون بالتأكيد ما يجب أن يفعلوه، بل حتى يفتخرون، (يتعجرفون)، بعض الشيء بقيامهم بهذا العمل.
فما الأمر؟ كلّ هؤلاء الناس يقيمون على مبعدة نصف ساعة سفر عن المكان الذي قد يُرغمون فيه، من أجل استحصال 3000 روبل لشخص غني ليس بحاجة إليها عبر انتزاعها من مجتمع برمته من الفلاحين الجائعين، على القيام بأشدّ الأعمال هولاً، مما يمكن تصوّرها، فقد يبدأون بقتل أو تعذيب إخوانهم العُزّل، كما حدث في أورل، وهم يقتربون إلى مكان وزمان حدوث ذلك.
القول إنّ هؤلاء الناس، كلّ هؤلاء الموظفين والضباط والجنود، لا يعلمون ما ينتظرهم وما هم ذاهبون إليه، غير جائز لأنهم قد أُعدّوا لذلك. فقد كان على المحافظ أن يأمر بإحضار القضبان، وكان على الموظفين شراء أغصان شجرة البتولا، ويقرّروا ميزانية لذلك. العسكر أصدروا وتلقّوا الأوامر المتعلقة بالرصاصات القتالية. جميعهم يعلمون أنهم ذاهبون لتعذيب وضرب، وربما قتل، إخوانهم الذين يعانون الجوع، وأنهم سيباشرون القيام بذلك بعد ساعة ربما.
القول إنهم يفعلون ذلك لأنهم مقتنعون به، كما يُقال عادةً وكما يكررونه هم أنفسهم، -لأنهم مقتنعون بضرورة الحفاظ على نظام الدولة، ليس صحيحاً، أولاً، لأنّ هؤلاء الناس جميعاً هيهات أن يكونوا قد فكروا يوماً بنظام الدولة وضرورته؛ ثانياً، لا يمكنهم على الإطلاق أن يكونوا مقتنعين بأنّ ما يشاركون فيه سيخدم الحفاظ على الدولة، وليس انهيارها؛ ثالثاً، فعلياً، معظم هؤلاء الناس، إن ليس الجميع، ليسوا فقط لن يضحّوا أبداً بطمأنينتهم وسعادتهم في سبيل الحفاظ بل لن يتركوا أبداً فرصة استغلال كلّ ما يمكنهم استغلاله لأجل طمأنينتهم وسعادتهم على حساب الدولة. هم لا يفعلون ذلك، إذاً، انطلاقاً من مبدأ الدولة المجرّد.
ففيمَ الأمر إذاً؟ فأنا أعرف هؤلاء الناس جميعاً. إذا كنت لا أعرفهم شخصياً، فإني أعرف تقريباً سلوكياتهم، ماضيهم، نمط حياتهم. جميعهم لديهم أمهات، وبعضهم لديهم زوجات وأبناء. جميعهم أناسٌ طيّبو القلب، ودعاء، لطفاء غالباً، لا يطيقون شتى أشكال القسوة ناهيكم عن قتل الناس، كثيرون منهم لا يستطيعون تعذيب الحيوانات؛ فضلاً عن أنّ جميعهم يدينون بالمسيحية، ويعتبرون ممارسة العنف ضدّ أناس عُزّل عملاً شنيعاً ومخزياً. ما من أحدٍ من هؤلاء الناس، في حياته العادية، قادر ليس فقط على القيام، من أجل مصلحته الشخصية، بواحد بالمائة مما فعله محافظ أورل بالناس، بل أيّ واحد منهم سيشعر بالغضب إذا اعتقد أنه قادر على القيام بعمل كهذا في حياته الخاصة. لكن هاهم على مبعدة نصف ساعة عن المكان الذي قد ينقادون فيه إلى الاضطرار للقيام بهذا.
فيمَ الأمر إذاً؟ وليس فقط هؤلاء الناس المسافرين بالقطار والمستعدين للقتل والتعذيب، بل كيف استطاع الناس الذين بدأ هذا الأمر بهم: الملاّك ومدير الناحية والقاضي، وأولئك الذين فرضوا هذا الأمر من بطرسبورغ ويشاركون فيه بسلطاتهم، كيف استطاع هؤلاء الناس: الوزير والملك، الطيبين أيضاً، اللذان يدينان بالمسيحية، كيف استطاعا اتخاذ وفرض أمر كهذا، وهما يعلمان بعواقبه؟ كيف يمكن حتى للمشاهدين غير المشاركين في هذا الأمر، الذين يكترهم أيّ عنف منفرد، بما في ذلك تعذيب الخيول، السماح بارتكاب عمل مخيف كهذا؟ كيف يمكنهم ألاّ يخنوا عليه، ألاّ يقفوا في عرض الطريق ويصرخوا: "كلا، لن نسمح بقتل وجلد أناس جائعين لأنهم يرفضون التخلّي عن آخر ما يملكون والذي انتُزع منهم عن طريق الاحتيال!"
لكن ليس فقط أنّ أحداً لا يفعل ذلك بل، على العكس، معظم الناس، بمن فيهم أولئك الذين كانوا وراء هذا الأمر، كمدير الناحية والملاّك والقاضي، وأولئك الذين كانوا شركاء ومتصرفين فيه، كالمحافظ والوزير والملك، مطمئنون تماماً، بل حتى لا يشعرون بوخز الضمير. كذلك -على ما يبدو- كلّ هؤلاء الذاهبين لارتكاب هذه الجريمة.
المشاهدون، الذين يبدو أنّ الأمر لا يعنيهم، كانوا ينظرون، بتعاطف وليس بسخط، إلى كلّ هؤلاء الناس الذين يتجهزون للقيام بهذا العمل الشنيع. تاجر يشتري الأخشاب من الفلاحين، كان يسافر في العربة التي كنت فيها، أعرب، بصراحة وبصوتٍ عالٍ، عن موافقته على العقوبات التي تمارس على الفلاحين: "لا يجوز عدم الخضوع للقيادة -قال هو.- لن يمرّ وقت طويل حتى "يكشّوا الذباب"؛ فليكفوا عن العصيان. إنهم يستحقون ذلك."
فيمَ الأمر؟ لا يجوز على الإطلاق كذلك اقول إنّ كلّ هؤلاء الناس، المحرّضين على، والمشاركين في، والمتغاضين عن، هذا الأمر لئام إلى درجة أنهم، رغم معرفتهم بدناءة ما يقومون به، بعضهم لأجل الراتب والمكاسب وبعضهم خشية العقاب، يقومون بعمل متناقض لقناعاتهم. كلّ هؤلاء الناس يجيدون الذود عن قناعاتهم في مواقف معيّنة. لن يقوم أحدٌ من هؤلاء الموظفين بسرقة محفظة، أو قراءة رسالة شخص آخر، أو يحتمل إهانة دون أن يطلب من المهين أن يعتذر. لن يوافق أحدٌ من هؤلاء الضباط على الغش في لعب الورق، أو عدم دفع ديون القمار، أو على خيانة رفيقه، أو على الفرار من ساحة القتال وإلقاء العلم. لن يعمد أيّ من هؤلاء الجنود إلى عدم الصوم وتناول اللحم في الجمعة الحزينة. كلّ هؤلاء الناس مستعدون لتحمل شتى أنواع الحرمان والمعاناة والمخاطر على أن يقبلوا بالقيام بعمل يعتبرونه سيئاً، لابدّ إذاً أنّ لدى هؤلاء الناس توجد قوة ممانعة تعمل حين يتوجّب عليهم القيام بما يتعارض مع قناعاتهم.
القول إنّ هؤلاء الناس متوحشون إلى درجة أنّ من طبيعتهم، ولا يُعبئهم، القيام بهذه الأعمال، - هذا ضعيف الاحتمال. إذ يكفي التحدث إلى هؤلاء الناس حتى يدرك المرء أنّ جميعهم، الملاّك والقاضي والوزير والقيصر والمحافظ والضباط والجنود، ليسوا فقط غير موافقين على هذه الأعمال في أعماقهم بل ويعانون من جرّاء إدراكهم لها مشاركتهم فيها حين يتمّ تذكيرهم بمعنى هذه الأعمال. إنهم يحاولون عدم التفكير في ذلك فحسب.
يكفي وحسب التحدث إليهم، إلى جميع المشاركين في هذا العمل، من الملاّك حتى آخر شرطي وجندي، حتى يرى المرء أنّ جميعاً يعلمون في أعماقهم أنّ هذا العمل سيئ، وأنّ الأفضل لو أنهم لا يشاركون فيه، وأنهم يعانون من جرّاء ذلك.
سيّدة ليبيرالية، كانت راكبة معنا في القطار ذاته، حين رأت المحافظ والضباط في صالة الدرجة الأولى وعرفت الغاية من سفرهم، بدأت، بصوتٍ عالٍ قصداً لكي يسمعوها، تشتم إجراءات زماننا، وتشنّع على الذين يشاركون في هذه الأعمال. شعر الجميع بالإحراج، ولم يعودوا يعرفون أين ينظرون، لكنّ أحداً لم يردّ على كلامها. تظاهر ركاب القطار بأنّ هذه الأقوال الفارغة ليست جديرة بالردّ، لكن كان يُرى من الوجوه والأعين الهاربة أنّ الجميع قد شعروا بالخزي. وقد لاحظتُ هذا على الجنود أيضاً، فقد كانوا يعلمون أنّ العمل الذي يذهبون إليه عمل سيئ لكنهم لم يكونوا يريدون التفكير في ما ينتظرهم.
حين بدأ تاجر الأخشاب بالتحدث -ولم يكن صادقاً باعتقادي بل فقط لكي يُظهر تحضره- عن مدى ضرورة هذه الإجراءات أشاح كلّ الجنود الذين كانوا يسمعونه عنه، وتظاهروا بأنهم لا يسمعونه، مقطّبين وجوههم. كلّ الذين ساهموا في حدوث هذا الأمر، كالملاّك والمدير والوزير والقيصر، وكذلك ركاب هذا القطار، وحتى الذين ينظرون إلى ما يجري بحياد دون أن يشاركوا فيه، جميعهم يرون أنّ هذا العمل سيئ، ويشعرون بالخجل من مشاركتهم فيه أو حتى من حضورهم أثناء حدوثه.
فلماذا قاموا ويقومون به، ويحتملونه؟ اسألوا عن ذلك أولئك الذين اختلقوا الأمر، كالملاّك، وكذلك الذين، كالقاضي، أصدروا الحكم القانوني رسمياً لكن الجائر بوضوح، والذين أمروا بتنفيذ القرار، والذين سينفّذون هذه الأعمال بأيديهم- ضرب وقتل إخوانهم- كالجنود ورجال الشرطة والفلاحين، وكلهم -المحرّضين على هذه الجرائم والمُعينين عليها ومنفذيها والمتغاضين عنها- سيقولون الكلام ذاته من حيث الجوهر.
الرؤساء، الذين حرّضوا على هذا العمل وساعدوا عليه وأمروا به، سيقولون إنهم يقومون بما يقومون به لأنّ هذه الأعمال ضرورية للحفاظ على النظام القائم، والحفاظ على النظام القائم ضروري لمصلحة الوطن والإنسانية ولإمكانية الحياة الاجتماعية وحركة التقدم.
الفلاحون والجنود، الذين هم الطبقات الدنيا والذين عليهم ممارسة العنف بأيديهم، سيقولون إنهم يقومون بما يقومون به لأنّ القيادة قد أمرت بذلك، وإنّ القيادة العليا تعرف ما تفعل. وكون القيادة تتكون من أناس يجب أن يكونوا القيادة، وأنّ هذه القيادة تعرف ما تفعل، يُعدّ بالنسبة إليهم حقيقة لا ريب فيها. حتى إذا افترض هؤلاء المنفذون الفقراء إمكانية الخطأ والضلال؛ ففقط لدى الشخصيات القيادية الأدنى مرتبةً، بينما السلطة العليا، التي يصدر عنها كلّ شيء، فتبدو لهم أن لا شكّ في عصمتها.
بغضّ النظر عن أنّهم يفسرون دوافع أعمالهم تفسيرات مختلفة؛ فإنّ هؤلاء وأولئك، الآمرين والمأمورين، متفقون على أنهم يفعلون ما يفعلون لأنّ النظام القائم هو النظام الذي لا بدّ من، ويجب، أن يوجد في الوقت الراهن، والذي يُعدّ الحفاظ عليه واجباً مقدساً للجميع.
على هذا الإقرار بضرورة، وبالتالي ثبات، النظام القائم يقوم دائماً، من قِبل جميع المشاركين في عنف الدولة، الرأي الذي يتمّ إيراده لتبرير الذات، والذي مفاده أنّ النظام القائم بما أنه ثابت فإنّ رفض شخص بمفرده تنفيذ الواجبات الملقاة على عاتقه لن يغيّر من حقيقة الأمر، ويمكنه فقط جعل شخص آخر يحلّ محلّ الرافض، والذي قد يقوم بالعمل بشكل أسوأ، أي أعنف، وأشدّ ضرراً بالناس الذين يُمارَس عليهم العنف.
إنّ هذا اليقين من أنّ النظام القائم لا بدّ منه، وبالتالي لامتغيّر، ومن أنّ الحفاظ عليه واجب مقدّس لأيّ شخص، هو الذي يمنح الناس، الخلوقين والطيبين في حياتهم الخاصة، القدرة على المشاركة، بضمير أكثر أو أقلّ اطمئناناً، في أعمال مماثلة لما حدث في أورل، ولما يستعدّ ركاب قطار تولا للقيام به.
لكن على ماذا يقوم هذا اليقين؟ مفهومٌ أنّ الملاّك يطيب له أن يُصدّق أنّ النظام القائم ضروري وثابت لأنّ هذا النظام القائم بالذات هو الذي يؤمّن له إيراد مئات وآلاف هكتاراته، والذي بفضله يعيش حياته المتبطلة والمترفة المعتادة. مفهومٌ أيضاً أنّ القاضي أيضاً يطيب له أن يؤمن بضرورة النظام الذي بنتيجته يتلقى أكثر بخمسين مرة مما يتلقاه عامل يعمل في العمل الأسود. وهذا مفهوم أيضاً فيما يتعلق برئيس القضاة الذي يزيد راتبه على ستة آلاف، وبكلّ موظفي المراتب العليا، إذ فقط في ظلّ نظام كهذا يمكن لموظف كهذا، سواء كان محافظاً أم نائباً عاماً أم سيناتوراً أم عضواً في مجلس كان، تلقّي راتبه البالغ عدة آلاف، والتي لولاها لهلك هو وعائلته فوراً لأنه، تبعاً لمؤهلاته وقدراته ومعارفه، باستثناء المنصب الذي يشغله الآن، ما كان ليحصل على واحد بالألف مما يحصل عليه الآن، وهذه هي كذلك حال الوزير والملك وأيّ سلطة عليا أخرى مع فارق واحد فقط هو أنه كلما علمت مكانتهم وازدادت امتيازاتهم كلما ازدادت حاجتهم إلى تصديق أنّ النظام القائم هو النظام الممكن الوحيد لأنهم في ظلّ نظام آخر لن يكونوا عاجزين فحسب عن الحصول على مرتبة مساوية لمرتبتهم بل لا بدّ من أن ينحطوا أدنى من الآخرين جميعاً. الشخص، الذي يتطوّع في الشرطة لقاء راتب مقداره عشرة روبلات، يمكنه بسهولة الحصول عليه في أيّ مكان آخر، قلّما يحتاج إلى النظام القائم لذا يمكنه عدم الإيمان بثباته. لكن الملك أو الإمبراطور، الذي يتلقى الملايين لقاء منصبه، والذي يعلم أنّ آلاف الناس من حوله يتمنون عزله والحلول مكانه، ويعلم أنه لن يحصل في أيّ منصب آخر على هذا الدخل والاحترام، ويعلم، في معظم الحالات، في ظلّ حكم أكثر أو أقلّ استبداداً، أنه إذا أُسقط فسوف يحاكم على كلّ ما فعله عبر استخدام سلطته،- ليس بمقدور أيّ ملك أو إمبراطور إلاّ أن يؤمن بثبات وقدسية النظام القائم. كلما علا منصب الشخص كلما كان أنفع له، وبالتالي أقلّ استقراراً، وكلما كان السقوط عنه أرهب وأخطر كلما ازداد إيمان شاغل هذا المنصب برسوخ النظام القائم، ولهذا يستطيع هذا الشخص، وضميره مرتاح جداً، وكأنما ليس لأجله هو بل للحفاظ على هذا النظام، القيام بأعمال سيئة وعنيفة.
هكذا هو الأمر بالنسبة لكلّ القياديين الذين يشغلون مناصب أنفع لهم من التي كانوا سيشغلونها لولا هذا النظام، بدءاً من أدنى شرطي وصولاً إلى أعلى سلطة. كلّ هؤلاء الناس يؤمنون، بدرجة أو بأخرى، برسوخ النظام القائم لأنه، بصورة رئيسة، مفيد لهم. لكن ما الذي يجبر الفلاحين والجنود الواقفين على أدنى درجات السلّم، والذين ليست لهم أيّ مصلحة في النظام القائم، والمتواجدين في أدنى وظائف الخضوع والإذلال، على تصديق أنّ النظام القائم، الذي بنتيجته يتواجدون في مواقع ليست مفيدة بل مذلة لهم، هو النظام الذي يجب أن يكون، وبالتالي يجب المحافظة عليه، مرتكبين في سبيل ذلك أعمالاً سيئة تناقض ضمائرهم حتى؟ ما الذي يجبر هؤلاء الناس على إجراء تلك المحاكمة الباطلة بأنّ النظام القائم لامتغير وبالتالي يجب الإبقاء عليه، في حين أنه يبدو، على العكس، لامتغيراً فقط لأنهم يحافظون عليه؟
ما الذي يجبر هؤلاء المجلوبين من القفار بالأمس، والمرتدين هذه الملابس الخشنة وغير اللائقة بياقاتها الزرقاء وأزرارها الذهبية، على حمل البنادق والسيوف والذهاب لقتل آبائهم وإخوانهم الجائعين؟ إذ ما من نفع لهؤلاء، وما من خطر في فقدانهم وظائفهم لأنّ وضعهم أسوأ من الذي أُخذوا منه.
الشخصيات القيادية من الشرائح العليا، كالملاّكين والتجار والقضاة والسيناتورات والولاة والوزراء والملوك والضباط، تشارك في هذه الأعمال للحفاظ على النظام القائم لأنّ هذا النظام مفيد لها. فضلاً عن أنّ هؤلاء الناس -وهم غالباً أناس طيبون وودعاء- يشعرون بأنهم قادرون على القيام بهذه الأعمال لأنّ مشاركتهم فيها محصورة بالأحكام والقرارات والأوامر. كلّ هؤلاء القادة لا يقومون بأنفسهم بالأعمال التي يقرّرونها ويأمرون بها، بل حتى غالباً لا يشهدون كيفية القيام بكلّ الأعمال المرعبة التي يحكمون ويأمرون بها.
لكنّ الأشقياء من الشرائح الدنيا، الذين ليست لهم أيّ مصلحة في هذا النظام بل، على العكس، يعانون احتقاراً عظيماً من جرّاء هذا النظام، هؤلاء أنفسهم، الذين من أجل الحفاظ على نظام ليست لهم أيّ مصلحة فيه ينتزعون الناس من عائلاتهم بأيديهم ويعتقلونهم ويحبسونهم في السجون أو يرسلونهم إلى الأشغال الشاقة ويحرصونهم ويطلقون النار عليهم،- لماذا يفعلون هذا؟
ما الذي يجبر هؤلاء الناس على تصديق أنّ النظام القائم لامتغير ويجب الإبقاء عليه؟ إذ إنّ شتى أشكال العنف إنما يرتكز على هؤلاء فقط، على هؤلاء الذين بأيديهم يضربون ويعتقلون ويسجنون ويقتلون. فلولا هؤلاء الناس -الجنود أو رجال الشرطة-، المسلحين عموماً، والمستعدين، حين يؤمرون، لقهر وقتل كلّ من يؤمرون بقهره وقتله، لما تتنّع أيّ من الذي يوقعون أحكام الإعدام والسجن المؤبد والأشغال الشاقة لشنق وسجن وتعذيب واحد بألف ممن يأمر، وهو جالس في مكتبه مرتاح الضمير، بشنقهم وتعذيبهم بشتى الطرق فقط لأنه لا يرى ذلك، ولأنه ليس هو من ينفّذ ذلك بل يقوم به منفذون مأمورون في مكان بعيد.
إنّ كلّ المظالم والأفعال العنيفة، التي أصبحت عادية في الحياة الراهنة، قد أصبحت كذلك فقط بسبب وجود هؤلاء الناس المستعدين دائماً لمساندة هذه المظالم والأفعال العنيفة. إذ لولا هؤلاء الناس ليس فقط ما كان ليوجد أحد لقهر كلّ هذه الجماهير الهائلة من المقهورين بل لما قرّر الحكّام أبداً إصدار الأحكام فقط بل لما تجرأوا حتى على الحلم بإصدار الأحكام التي يُصدرونها الآن بكلّ ثقة. لولا وجود هؤلاء الناس، المستعدين -تبعاً لمشيئة الذي يأمرون بأمره- لتعذيب وقتل الذين يؤمرون بتعذيبهم وقتلهم، لما قام أحدٌ أبداً بتأكيد ما يؤكده بثقة في الوقت الراهن كلّ الملاّكين المتبطلين، وبالتحديد، أنّ الأرض، التي تحيط بالفلاحين المحتضرين من الفاقة، ملك لشخص لا يعمل فيها، وأنّ احتياطي الحبوب، الذي جُمع عن طريق الغش، يجب أن يُخزن بأكمله وسط السكان الذين يموتون من الجوع لأنّ التجار يحتاجون إلى الأرباح، وهلمّ جرّا. لولا وجود هؤلاء الناس، المستعدين لتعذيب وقتل كل من تأمر القيادة بتعذيبه وقتله، لما خطر للملاّك أن ينتزع من الفلاحين الغابة التي استنبتوها، ولما خطر للموظفين أن يعتبروا تلقيهم رواتبهم المحصلة من الشعب الجائع لقاء اضطهادهم له مشروعاً، ناهيكم عن إعدام وسجن ونفي الناس لأنهم يدعون إلى الحق ويدحضون الباطل. هذا كله يؤمر به ويُفعل فقط لأنّ القياديين جميعهم على يقين من أنّ هناك تحت تصرفهم دائماً أناساً خاضعون مستعدون لتنفيذ أوامرهم كلها عن طريق التعذيب والقتل.
تُرتكب كلّ الأعمال المماثلة لما يرتكبه كلّ الطغاة، بدءاً من نابليون وصولاً إلى آخر قائد سرية يطلق النار على الحشود، فقط لأنّ هؤلاء الطغاة منتشين بسلطتهم النابعة من أناس خاضعين مستعدين لتنفيذ كلّ ما يؤمرون به. السلطة كلها، إذاً، تكمن في الذين ينفذون أعمال القهر بأيديهم؛ في الذين يخدمون في الشرطة والجيش، وخاصة الجيش لأنّ الشرطة لا يمكنها ارتكاب ما ترتكبه لولا مساندة الجيش لها.
فما الذي أوصل هؤلاء الناس الطيبين، الذي لا مصلحة لهم على الإطلاق في هذا كله، والمرغمين على القيام بكلّ هذه الأعمال المخيفة بأيديهم، والذين يتوقف الأمر كله عليهم، إلى هذا الضلال المثير للاستغراب الذي أمكن إقناعهم بأنّ النظام القائم الضارّ والمُهلك والمعذّب للجميع هو النظام الذي يجب أن يكون؟
من أوصلهم إلى هذا الضلال المثير للاستغراب؟ إذ ليسوا هم الذين أقنعوا أنفسهم بوجوب قيامهم بليس فقط بما هو مُعذّب وغير مفيد ومُهلك، لهم ولطبقتهم كلّها التي تشكّل تسعين بالمائة من مجمل السكان، فحسب بل وبما يتناقض مع ضمائرهم.
كيف يمكنك قتل الناس إذا كان قانون الله يقول: "لا تقتل"؟ لقد طرحت هذا السؤال مرات كثيرة على مختلف الجنود، ودائماً كنت أضع، بهذا السؤال، المسؤول في وضع مرتبك غير مريح، عبر تذكيري إياه بما لا يريد التفكير فيه. إنه يعلم أنّ هناك قانوناً إلهياً إلزامياً يأمر بعدم القتل، ويعلم أنّ هناك خدمة عسكرية إلزامية، لكنه لم يفكر يوماً بأنّ هناك تعارضاً هنا. إنّ فحوى الإجابة الوجلة التي كنت أتلقاها دائماً عن هذا السؤال كان دائماً تقريباً هو أنّ القتل في الحرب وإعدام المجرمين بموجب أمر السلطات لا يدخلان ضمن هذا التحريم الشامل للقتل. لكن حين كنت أقول إنّ القانون الإلهي لم يقم بتقييد كهذا، وأُذكّر بالتعليم المسيحي، المُلزم للجميع، حول الأخوة وغفران الإساءة والمحبة، والذي لا يمكن على الإطلاق الجمع بينه وبين القتل؛ فإنّ الذين من عامة الشعب كانوا يوافقونني عادةً لكنهم، من جهتهم، كانوا يطرحون عليّ السؤال التالي: فكيف إذاً تقوم الحكومة -المعصومة عن الخطأ في رأيهم- بتشكيل الجيوش وإرسالها، عند اللزوم، إلى الحروب ولإعدام المجرمين؟ وحين كنت أردّ على هذا بأنّ الحكومة، بقيامها بهذه الأعمال، لا تتصرّف بشكل صحيح، كان محادثي يزداد حيرةً، وإما يتوقف عن الحديث أو يحنق عليّ.
"يبدو أنهم قد وجدوا قانوناً. نحن لا نعرف أفضل من رجال الدين"- قال لي هذا الكلام جندي روسي. وبقوله هذا جليّ أنّ الجندي شعر بالراحة، وكان متأكداً تماماً من أنّ رؤساءه قد وجدوا قانوناً خَدَمَ أسلافه بموجبه، والملوك كذلك، وورثة الملوك وملايين الناس، وهو نفسه، وأنّ ما قلته له كان خدعة أو طرفة من قبيل الأحجية.
كلّ الناس في عالمنا المسيحي يعلمون، يقيناً يعلمون بموجب قانون المنقول أو الوحي أو صوت الضمير الذي لا جدال فيه، أنّ القتل هو أحد أشدّ الجرائم هولاً، والتي يمكن لإنسان ارتكابها، كما يرد في الإنجيل، ولا يمكن لخطيئة القتل هذه أن تُحصر في بعض الناس، أي أنّ القتل خطيئة لبعض الناس وليس كذلك للآخرين. يعلم الجميع أنّ القتل إذا كان خطيئة فإنه دائماً خطيئة، بغضّ النظر عن الذين يُرتكب في حقهم، كخطيئة الزنى والسرقة وأي خطيئة أخرى، لكنّ الناس يرون، منذ الطفولة، أنّ القتل لا يُقرّ به فحسب بل ويُبارك من قبل كلّ أولئك الذين اعتادوا على تبجيل قوّادهم الروحيين، الذين نصبهم الله، ويرون أنّ قوّادهم الدنيويين، بثقة مطمئنة، يُنظمون المذابح، ويحملون على عاتقهم الإعداد للقتل، مفتخرين بذلك، ويطلبون من الجميع، باسم القانون المدني أو حتى الإلهي، المشاركة في المذبحة. يرى الناس أنّ هنالك تناقضاً هنا، وحيث أنهم عاجزون عن حلّه، لا شعورياً يفترضون أنّ هذا التناقض يحدث فقط من جرّاء جهلهم. إنّ فظاظة وجلاء التناقض هما اللذان يبقيانهم على هذه القناعة. إنهم لا يستطيعون تصور أنّ مُنوريهم، الناس العلماء، يمكنهم التبشير، بهذه الثقة، بمبدأين يبدوان بهذا التعارض: إلزامية الشرع المسيحي للناس والقتل. لا يستطيع الطفل البسيط غير المفسد بعد، الشاب فيما بعد، أن يتصور أنّ أولئك الناس الذين يقفون عالياً في رأيه، الذين يعتبرهم مقدسين أو علماء، من أجل أيّ غايات كانت، يمكنهم الكذب عليه دون خجل. وهذا هو بالتحديد ما فُعل، ويُفعل دائماً، بهم. يُفعل أولاً أنّ كلّ الكادحين، الذين لا وقت لديهم لمعالجة المسائل الأخلاقية أو الدينية بأنفسهم، يتمّ تلقينهم، من المهد إلى اللحد، عبر القدوة أو التعليم المباشر، أنّ التعذيب والقتل يجتمعان مع المسيحية، وأنهما، من أجل غايات دولية معيّنة، لا يمكن فقط السماح بهما بل ويجب استخدامهما؛ ثانياً، يتمّ تلقين بعضهم، ممن يؤخذون معاً بموجب الخدمة العسكرية أو الاستئجار، أنّ قيامهم بالتعذيب والقتل بأيديهم يُعدّ واجباً مقدساً بل هو حتى عملٌ شجاع جدير بالثناء والمكافأة.
الكذبة العامة، المنتشرة بين الناس جميعاً، تكمن في أنّ، في كلّ كتب الشريعة أو التي حلّت محلها، والتي تُعدّ في الوقت الراهن تعليماً إلزامياً للأطفال، يرد أنّ العنف، أي التعذيب والسجن والإعدام، وكذلك القتل في الحروب الأهلية والخارجية للحفاظ على النظام الدولي القائم والدفاع عنه (أيّاً كان هذا النظام: استبدادياً أم ملكياً أم توافقياً أم استشارياً أم إمبراطورياً، سواء إمبراطورية نابليون أم بولانجيه، أم ملكياً دستورياً أم كومونياً أم جمهورياً) أمر مشروع تماماً ولا يتعارض مع الأخلاق ولا مع المسيحية.
في كلّ كتب الشريعة أو الكتب المستخدمة في المدارس يرد هذا. ويتمّ إقناع الناس بذلك إلى درجة أنهم يترعرعون ويعيشون ويموتون وهم على هذه القناعة، ولا يشكّون فيها أبداً.
هذه إحدى الكذبات- الكذبة العامة، التي تُكذب على الناس جميعاً، الكذبة الأخرى هي الكذبة الخاصة التي تُكذب، بطريقة أو بأخرى، على أناس مختارين، الجنود ورجال الشرطة الذين ينفذون عمليات التعذيب والقتل اللازمة للحفاظ على النظام القائم والدفاع عنه.
في نُظم الخدمة العسكرية كلّها يرد، بكلمات أو بأخرى، ما يرد في نظام الخدمة العسكرية الروسي بالكلمات التالية (78): تنفيذ أوامر القيادة بدقة ودون تردد يعني: يجب تنفيذ الأمر المتلقى من القيادة بدقة، ودون مناقشة ما إن كان جيداً أم لا، وما إن كان تنفيذه ممكناً أم لا. القائد هو الذي يتحمل المسؤولية عن الأمر الذي يصدره. (88): يجب على المرؤوس عدم تنفيذ أمر رئيسه فقط حين يرى بوضوح -لاشعورياً يعرف المرء ما سيُقال- أنه، عبر تنفيذه الأمر، يخرق قانون الله.
لا يرد أبداً: إذا كان يرى بوضوح أنه ينكث بقسمه وإخلاصه وخدمته للملك.
يرد أنّ الشخص، حين يصبح جندياً، يجب عليه تنفيذ كافة أوامر القائد، دون استثناء، والتي تكمن معظمها، بالنسبة للجندي، في القتل، وبالتالي خرق كافة التشريعات الإلهية والإنسانية، لكن فقط ليس إخلاصه وخدمته للذي يحوز السلطة، بالصدفة في اللحظة المعطاة.
هذا ما يرد في نظام الخدمة العسكرية الروسي، وهو ما يرد بالضبط، وإن بكلمات أخرى، في كافة نظم الخدمة العسكرية، كما ينبغي أن يكون الأمر، لأنّ كلّ جبروت الجيش والدولة إنما يقوم، في الواقع، على هذه الكذبة التي فحواها تحلّل الناس من طاعة الله أو الإذعان لضمائرهم واستبدال هذه الطاعة بالخضوع لقائد عرضيّ ما.
هاكم علامَ يقوم اليقين الغريب للطبقات المعدمة بأنّ النظام القائم، المُهلك لهم، هو النظام الذي يجب أن يكون، وبالتالي عليهم الحفاظ عليه من خلال التعذيب والقتل.
هذا اليقين قائم على كذبة متعمدة تمارسها عليهم الطبقات العليا.
ولا يمكن للأمر إلا أن يكون على هذا النحو. فمن أجل إرغام الناس، من الطبقات الدنيا الكثيرة العدد، على اضطهاد وتعذيب أنفسهم، عبر ارتكابهم أعمالاً تناقض ضمائرهم في أثناء ذلك، كان لا بدّ من خداع هؤلاء الناس الفقراء الغفيرين. وهو ما صُنع.
قبل أيام، مرة أخرى، شاهدت ممارسة مكشوفة لهذه الكذبة المخزية، ومرة أخرى أذهلني كيف أنها تُمارَس بوقاحة وحرية.
في مطلع تشرين الأول، أثناء سفري عبر مقاطعة تولا، رأيت، عند مدخل مديرية الناحية، حشد الناس الكئيب المعروف لي، والذي كان يصدر عنه، عدا صيحات السُّكارى، عويل الأمهات والزوجات. كان يجري اختيار المجندين.
كعادتي، لم أستطع المرور بهذا المشهد مرور الكرام: إنه يجذبني إليه بغوايات شريرة ما. دخلت وسط الحشد ثانيةً، وقفت، نظرت، طرحت الأسئلة، وأذهلتني الحرية التي يتمّ بها ارتكاب هذه الجريمة المروعة في وضح النهار، ووسط حشد كبير.
كما في الأعوام السابقة، في كافة قرى وضِيَع روسيا، البالغ تعداد سكانها 100 مليون نسمة، في الأول من تشرين الأول، كان مخاتير القرى ينتقون، بموجب قوائم، شباناً محددين، أبناءهم غالباً، ويسوقونهم إلى المدينة.
كان يجري سُكْرٌ منفلت العقال في الشارع، لكنّ كبار السنّ لم يزعجوا المجندين، شاعرين أنّ تلطعهم لهذا العمل المجنون، متخلين عن زوجاتهم وأمهاتهم، ومتنكرين لكلّ ما هو مقدس فقط لكي يصبحوا أدوات سخيفة، في يد أحدهم، للقتل، مؤلمٌ جداً إذا لم يخدر المرء نفسه بالنبيذ.
وهاهم يتجولون ويثملون ويشتمون ويغنون ويتشاجرون ويمسخون أنفسهم.
لقد أمضوا ليلتهم في الخانات. وفي الصباح، مرة أخرى شربوا وتجمّعوا عند مدخل مديرية الناحية.
قسمٌ منهم، يرتدي معاطف جديدة والأوشحة معقودة حول أعناقهم، بأعينهم الثملة الدامعة، يشجعون أنفسهم بصرخات وحشية، أو يتحدثون بهدوء وشجن قرب المدخل بين الأمهات والزوجات النائحات، في انتظار دورهم (لقد وصلتُ في اليوم الذي كانت تجري فيه المقابلات، أي فحص المعينين للخدمة العسكرية)؛ والقسم الآخر كان متجمهراً، في هذه الأثناء، في ممر المديرية.
أما في الدائرة فكان يجري عمل محموم. يُفتح الباب، وينادي الحارس على بيوتر سيدروف. بيوتر سيدروف يجفل، يرسم علامة الصليب، ويدخل غرفة صغيرة لها باب زجاجي. في هذه الغرفة يخلع المستدعون ملابسهم.
رفيق سيدروف، المجند الذي قُبل للتّوّ والخارج من الدائرة عارياً، يرتدي ثيابه بسرعة وفكّاه تصطكّان. سمع بيوتر سيدروف أنّ ذاك قد قُبل، ويرى ذلك في وجهه. يريد بيوتر سيدروف أن يسأله لكنهم يستعجلونه ويأمرونه بالإسراع في خلع ملابسه؛ فيلقي عنه معطفه، ويخلع جزمته بقدميه، وصديريته، ويرمي بقميصه من فوق رأسه دون أن يفكّ أزراره، ويدخل الدائرة عارياً، بأضلاعه البارزة، مرتعشاً، وتفوح منه رائحة النبيذ والتبغ والعرق، بقدمين حافيتين، محتاراً ماذا يفعل بيديه المعروفقتين العاريتين.
في الدائرة، في الواجهة مباشرةً، في إطار ذهبي كبير، كانت معلّقة صورة للملك في زيّه الرسمي ذي الوشاح، وفي الركن صورة صغيرة للمسيح يرتدي قميصاً وتاج الشوك على رأسه. في وسط الغرفة تنتصب طاولة مغطاة بجوخ أخضر اللون، وقد توضعت عليها أوراق وقطعة مثلثة الشكل رُسم عليها نسر. حول الطاولة يجلس الرؤساء بهيئة واثقة مطمئنة. أحدهم يدخن، والآخر يقلّب الأوراق. ما إن دخل سيدروف حتى دنا منه حارس ووضعه تحت المقياس، وراح ينقره من أسفل ذقنه ويصحّح وضعية قدميه. ثم اقترب شخص في فمه لفافة تبغ- إنه الطبيب، ودون أن ينظر إلى وجه المجند، لمس جسده باشمئزاز وقاس طوله، وأمر الحارس بفتح فمه، أمره أن يأخذ شهيقاً، يقول شيئاً ما. وأحدهم يدون شيئاً ما. في نهاية المطاف، ودون أن ينظر إلى عينيه ولو لمرة واحدة، قال الطبيب: "يصلح! التالي!" وبمظهر متعب جلس إلى الطاولة ثانية. مرة أخرى يدفع الجنود الشاب، ويستعجلونه. وهو يرتدي قميصه بسرعة تائهاً عن الأكمام، وبطريقة ما يرتدي بنطاله وجوربيه وجزمته، يبحث عن وشاحه وقبعته، يلتقط معطفه بعجالة، ويتمّ إخراجه إلى القاعة، حاجزين إياه خلف مقعد. خلف هذا المقعد ينتظر المقبولون. شابٌ فتيٌّ، قرويٌّ مثله، لكن من مقاطعة بعيدة، قد صار جندياً مجهزاً ببندقية لها حربة حادة، يحرسه، وهو مستعدّ لطعنه إذا ما فكر بالهرب.
في هذه الأثناء، يدفع رجال الدرك حشد الآباء والأمهات والزوجات، ويلتصق بالمدخل لمعرفة الذين قُبلوا والذين لم يتمّ قبولهم. يخرج أحد المرفوضين ويُعلن أنّ بيتروخا2 قد قُبل، فينطلق عويل حبيبة بيتروخا التي بالنسبة إليها كلمة "مقبول" تعني فراقاً لمدة أربع أو خمس سنين، وتعني العمل طباخةً بالنسبة إليها، وحياة الفجور بالنسبة إليه.
وها هو شخص طويل الشعر، يرتدي ملابس تختلف عن ملابس الآخرين جميعاً، يعبر الشارع، ثمّ ينزل من العربة، ويتجه نحو مبنى مديرية الناحية. يفسح رجال الشرطة له الطريق عبر الحشد. "وصل "أبونا" لإجراء القسم." و"أبونا" هذا، الذي أقنعوه أنه خادم متميز واستثنائي للمسيح، والذي غالباً ما لا يلاحظ الكذبة التي يخضع لتأثيرها، يدخل الغرفة التي ينتظر فيها المقبولون، ويرتدي عباءةً من الخيش مُدخلاً شعره الطويل عبر فتحتها، ويفتح ذلك الإنجيل ذاته الذي يُحرّم القسَم، ويتناول الصليب، ذلك الصليب الذي صُلب عليه المسيح لأنه رفض القيام بما يقوم به الآن خادمه الوفي، فيضعهما على المنصب، وكلّ هؤلاء الفتيان العُزّل المخدوعين البؤساء يكرّرون وراءه الكذبة التي يلفظها بجرأة واعتيادية. هو يقرأ وهم يرددون: "أقسم بالله القدير، أمام إنجيله المقدس... الخ، بأن أدافع، أي أقتل كلّ الذين يأمرونني بقتلهم، وأُنفذ كلّ ما يأمرني به هؤلاء الناس الذين أعرفهم، والذين يحتاجونني فقط لارتكاب الجرائم التي بفضلها يبقون في مناصبهم التي يضطهدون إخواني عن طريقها. كلّ الفتيان المقبولين يكرّرون هذه الكلمات الوحشية دون أن يفهموها، والمدعو "أبونا" سيغادر معتقداً أنه قد قام بواجبه بشكل صحيح وبراحة ضمير، وكلّ هؤلاء الفتيان المخدوعين سيعتبرون أنّ تلك الكلمات السخيفة وغير المفهومة، التي نطقوها للتّوّ، قد حرّرتهم، طوال مدة خدمتهم العسكرية، من واجباتهم الإنسانية وربطتهم إلى واجبات الجندية الجديدة الأكثر إلزامية.
وهذا الأمر يتمّ علناً، ولا أحد يصرخ بالخادعين والمخدوعين: ثوبوا إلى رشدكم وتفرقوا؛ فهذه الكذبة هي الأشدّ قبحاً وخبثاً، وهي لا تهلك أجسادكم فقط بل ونفوسكم أيضاً.
لا أحد يفعل هذا، على العكس، بعد أن قُبل الجميع ويجب إخلاء سبيلهم، كما لو سخريةً منهم، يخرج القائد العسكري، بثقة وتعاظم، إلى الصالة التي حُبس فيها الفتيان المخدوعون المنتشون، ويهتف بطريقة عسكرية "تحية يا شباب! أهنئكم بـ"خدمة القيصر". والمساكين (سبق أن علّمهم أحدهم) يبرطمون بلغة شبه منشية وغير معتادة، شيئاً من قبيل أنهم سعداء بهذا.
في هذه الأثناء يكون حشد الآباء والأمهات واقفاً قرب المدخل ينتظر. النساء ينظرن إلى الباب بأعين باكية محتقة. وها هو الباب يُفتح، ويخرج المجندون المقبولون دائحين مترنحين: وبيتروخا وفانيوكا [فانيا] وماكار يحرصون على عدم النظر إلى ذويهم وعدم رؤيتهم. يتعالى عويل الأمهات والزوجات. بعضهم يتعانق ويبكي، وبعضهم يتظاهر بالشجاعة، وبعضهم يتنهد. الأمهات والزوجات، اللواتي يعلمن أنهنّ قد أصبحن يتيمات، وأنهنّ سيبقين دون معيل لثلاث أو أربع أو خمس سنوات، يولولن ويندبن بصوتٍ واحد. الآباء نادراً ما يتحدثون، وفقط يبلعون ريقهم ويتنهدون بأسف، عارفين أنهم لن يروا ثانيةً مساعديهم الذي ربّوهم وعلموهم، والذين لن يعودوا إليهم فلاحين كادحين متواضعين، كما كانوا من قبل، بل سيعودون معظمهم مفسداً، يُفضّل دلال الجندية على الحياة البسيطة.
وها هو الحشد يركب الزلاّجات وينحدر إلى الأسفل عبر الشارع إلى الخانات والحانات، وبصوتٍ أعلى تدوي معاً، مقاطعةً بعضها بعضاً، الأغاني والعواء وصرخات السكارى ونواح الأمهات والزوجات وأصوات الهارمونيكا والشتائم. جميعهم يتوجهون إلى الخمّارات والحانات، التي تذهب إيراداتها إلى الحكومة، ويبدأ السكر الذي يُخمد لديهم الشعور بعدم شرعية ما يُفعل بهم.
يبقون لأسبوعين أو ثلاثة في بيوتهم، ومعظم هذا الوقت يتسكعون، أي يثملون. وفي اليوم الموعود يتمّ تجميعهم وسوقهم، كالبهائم، إلى مكان ما، ويبدأون بتدريبهم وتعليمهم أساليب القتال. والذين يُدربونهم على ذلك مخدوعون ومتوحشون مثلهم لكنهم أقدم منهم فحسب بأسبوعين أو ثلاثة. وسائل التدريب هي: الأكاذيب، التخدير، الركل، الفودكا. ولن يمرّ عام واحد حتى يغدو هؤلاء الفتيان الطيبون الأذكياء الأصحاء نفسياً كائنات متوحشة كمدربيهم.
- فإذا كان أباك سجيناً وهرب؟ - سألتُ جندياً شاباً.
- قد أطعنه بالحربة. - أجاب بصوت الجنود المتميز السخيف،- وإذا ابتعد هارباً فيجب إطلاق النار عليه،- أضاف مفتخراً بجلاء لكونه يعرف ماذا عليه أن يفعل إذا ما هرب والده.
وحين يتمّ إيصال هذا الشاب الطيب إلى أدنى مستوى الوحوش على النحو الذي يحتاج إليه أولئك الذين يستخدمونه أداةً للعنف يغدو جاهزاً: لقد أهلك إنسان وصُنعت أداة جديدة للعنف.
وهذا كلّه يحدث كلّ عام، كلّ خريف، في كلّ مكان، في روسيا كلها، في وضح النهار، في مدينة كبيرة، على مرأى من الجميع، والخدعة من الحذاقة والدهاء بحيث أنّ الجميع يرونها، ويعلمون في أعماقهم مدى شناعتها، ويعلمون تبعاتها المرعبة كلّها، ويعجزون عن التحرر منها.
3
حين تفتح عيناك وتبصر هذا الكذب المخيف الذي يمارس على الناس، فسيدهشك كيف يستطيع وعاظ الدين المسيحي ووعاظ الأخلاق ومربو الشبيبة والآباء العقلاء الطيبون ببساطة، الموجودون دائماً في المجتمعات كافة، التبشير بأي تعليم أخلاقي كان وسط مجتمع تقرّ فيه كلّ الكنائس والسلطات بأنّ التعذيب والقتل يُعدّان شرطان ضروريان لحياة البشر أجمعين، وأنه لا بدّ دائماً من وجود أناس خاصين، مستعدين لقتل إخوانهم، قد يكون أيّ منا واحداً من هؤلاء؟
كيف يمكن تعليم الأطفال والفتيان، وتنوير الناس عموماً، ناهيكم عن التنوير بروح المسيحية، أيّ عقيدة أخلاقية كانت جنباً إلى جنب الذي يقول إنّ القتل ضروري للحفاظ على الرفاه العام، وبالتالي رفاهنا، وبالتالي مشروع، وإنّ هناك أناساً، قد يكون أيّ منا واحداً منهم، من واجبهم تعذيب وقتل أقربائهم، وارتكاب شتى أنواع الجرائم تبعاً لإرادة الذين يهيمنون على السلطة. وإذا كان التعذيب والقتل وارتكاب شتى أنواع الجرائم، تبعاً لإرادة الممسكين بالسلطة، ممكناً وواجباً، فهذا ليس تعليماً أخلاقياً، ولا يمكنه أن يكون كذلك، بل هو حق القوي فحسب. وهكذا هي الحال. في الحقيقة، هذه العقيدة هي السائدة بالنسبة للذين يبررون نظرياً "الصراع من أجل البقاء".
وبالفعل، ما هذه العقيدة الأخلاقية التي يمكن بموجبها تبرير القتل مهما كانت الغاية؟ هذا مستحيل باستحالة الرياضيات التي قد تبيح أن (2+3=2).
قد تبيح رياضيات مزيفة قاعدة أنّ (2+3=2) لكنّ أيّ رياضيات حقيقية لن تفعل ذلك. يمكن فقط لعقيدة أخلاقية مزيفة أن تحلل القتل على شكل إعدامات وحروب ودفاع عن النفس، لكن أيّ عقيدة أخلاقية حقيقية لن تفعل ذلك. إنّ الإقرار بقدسية حياة الناس جميعاً هو الأساس الأول والوحيد لأي عقيدة أخلاقية.
لقد أبطلت المسيحية تعليم "عين بعين، وسنّ بسنّ، وحياة بحياة" لأنّ هذا التعليم ليس سوى تبرير للأخلاق، وليس سوى تعليم أخلاقي مزيف لا معنى له على الإطلاق. الحياة قيمة لا توزن ولا تُقاس، ولا يمكن لأي حياة أخرى قطعها، لذا ليس هناك معنى للقضاء على حياة لقاء حياة. فضلاً عن أنّ أيّ قانون اجتماعي إنما يهدف إلى تحسين حياة الناس. فكيف يمكن تحسين حياة الناس عبر القضاء على حياة بعض الناس؟ القضاء على حياة لا يُحسّن الحياة، بل هو انتحار. القضاء على حياة شخص آخر لتحقيق العدالة يشبه أن يقوم شخص، فقد ذراعاً، بقطع ذراعه الأخرى لكي يحقق العدالة.
لكن، ناهيكم عن خطيئة الكذب التي بموجبها تتمثل أشد الجرائم هولاً للناس على أنها واجب، ناهيكم عن الخطيئة المخيفة المتمثلة في استخدام اسم المسيح وصورته لشرعنة أكثر عمل حرّمه المسيح، كما يحدث في القسَم، ناهيكم عن الإغواء الذي لا يُهلك فقط أجساد بل ونفوس "هؤلاء الصغار"، ناهيكم عن هذا كله، كيف يستطيع الناس، حتى ولو لأجل أمنهم الشخصي، السماح بأن تتشكّل بينهم، بين أناس يحرصون على نمط حياتهم وتأقلمهم، تلك القوة المخيفة العنيفة المميتة التي لا معنى لها، والتي تشكّلها أي سلطة مخيفة مرتكزة على الجيش؟ إنّ أشد عصابة طرق قسوة وهولاً ليست مخيفة بقدر مؤسسة الدولة هذه. أي زعيم عصابة قطاع طرق مقيد، رغم كلّ شيء، بأنّ مخيفة بقدر مؤسسة الدولة هذه. أيّ زعيم عصابة قطاع طرق مقيد، رغم كلّ شيء، بأنّ الرأي العام في عصابته يمنع بعض أنواع العنف التي قد تُرتكب من قبل بعض الأفراد، ويمنع القتل العمد للأبرياء من الناس. وهذا يفسر سبب عدم توفر الرغبة في الاستفادة من حكومة كهذه.