الخاتمة
1
أنهيت هذا العمل، الذي استمر لعامين، حين اتفق لي أن سافرت، في 9 أيلول، بالقطار إلى مقاطعتي تولا وريازان اللتين عانى فلاحوها الجوع في العام الماضي، ويعانون المزيد من الجوع هذا العام. في إحدى المحطات التقى القطار الذي كنت على متنه بقطار سريع ينقل، بقيادة المحافظ، جنوداً مسلحين ببنادق وقضبان لتعذيب وقتل هؤلاء الفلاحين الجائعين.
إن تعذيب الناس بالضرب بالقضبان لتطبيق قرارات السلطة، رغم أن القانون قد ألغى التعذيب الجسدي قبل 30 سنة، بات يُستخدم في روسيا في الآونة الأخيرة أكثر فأكثر.
لقد سمعت عن هذا، بل حتى قرأت في الصحف، عن التعذيب المرعب الذي بدأ محافظ مدينة "نيجغورد" بارانوف يفتخر به، وعن التعذيب الذي يجري في تشيرنيغوف وتامبوف وساراتوف وأستراخان وأورل، لكن لم يتفق لي، كما الآن، أن رأيت تنفيذ هذه الأمور. وها قد رأيت بأم عيني روساً طيبين مشبعين بالروح المسيحية، مسلحين بالبنادق والقضبان، يذهبون لقتل وتعذيب إخوانهم الجائعين.
سبب ذهابهم كان التالي:
في ضيعة تعود لمالك غني استنبت الفلاحون غابةً في مرج مجاور لأراضي الملاك (استنبتوها أي رعوها أثناء نموها) ودائماً كانوا يستثمرونها، وبعد ذلك اعتبروا أن الغابة لهم، أو على الأقل ملكية مشتركة، لكن الملاك استولى على الغابة وبدأ يحتطبها. فقدم الفلاحون شكوى. قاضي محكمة الدرجة الابتدائية أصدر حكماً جائراً (أقول: جائراً، بناءً على أقوال المدعي العام والمحافظ، وهم أناس يعرفون القضية جيداً) لصالح الملاك. كل المراجع اللاحقة، بما فيها مجلس "السينات"، رغم أنها رأت أن الحكم جائر، أثبتت القرار، وقضي بالغابة للملاك. بدأ الملاك بقطع أشجار الغابة لكن الفلاحين، الذين لم يستطيعوا تصديق أن السلطة العليا بمقدورها ارتكاب هذا الظلم الجلي في حقهم، لم يذعنوا للقرار وطردوا العمال الذين أُرسلوا لقطع الغابة، معلنين أن الغابة غابتهم، وأنهم سيوصلون القضية إلى القيصر، لكنهم لن يسمحوا بقطع الغابة.
أبلغ الوزير في بطرسبورغ بالقضية. الوزير عرضها على الملك، والملك أمر بتنفيذ قرار المحكمة. الوزير أمر المحافظ بتنفيذ القرار. المحافظ أرسل بطلب القوات، وهاهم الجنود، المسلحون ببنادق لها حراب وبرصاصات حقيقية بالإضافة إلى فائض من القضبان المُعدّة خصيصاً لهذا الغرض، والمحملون في إحدى عربات القطار، يذهبون لتنفيذ قرار السلطة العليا.
وتنفيذ قرار السلطة العليا يتم عن طريق قتل وتعذيب الناس، أو ترهيبهم بهذا أو ذاك، تبعاً لما إذا كانوا سيبدون مقاومة أو لا.
في الحالة الأولى، إذا كان الفلاحون سيبدون المقاومة، سيُفعل في روسيا (الشيء ذاته يُفعل في كل مكان فيه نظام دولة وملكية خاصة) ما يلي: القائد يلقي كلمة ويأمر بالخضوع. الحشد الهائج، الذي يكذب عليه الرؤساء معظم الوقت، لا يفقه شيئاً مما يقوله ممثل السلطة بلغة الموظفين والكتب، ويستمر بالقلق. حينها يعلن القائد أنهم إذا لم يذعنوا ويتفرقوا فسيضطر إلى اللجوء إلى السلاح. إذا لم يذعن الحشد حتى بعد هذا ولم يتفرق، فسيصدر القائد بإطلاق النار على الحشد مباشرةً، كيفما اتفق، وسيطلق الجنود النار، وسيسقط جرحى وقتلى في الشوارع، وعندها عادةً يهرب الحشد في شتى الاتجاهات، والجنود، بموجب أمر القوّاد، يلقون القبض على الذين يُعتبرون المحرضين الرئيسيين، ويُساقون مخفورين.
بعد ذلك يتم التقاط الرجال، وأحياناً النساء والأطفال، المحتضرين والمشوهين والمضرجين بالدماء، القتلى والجرحى؛ فيتم دفن القتلى، وإرسال الجرحى إلى المستشفى. أولئك الذين يعتبرونهم المحرضين يأخذونهم إلى المدينة ويخضعونهم لمحكمة عسكرية خاصة.
وإذا كان هناك عنف من جهتهم فسيُحكم عليهم بالإعدام شنقاً، وحينها تُقام المشانق ويتم خنق عدد من الناس العزل بالحبال، كما حدث كثيراً في روسيا، وكما حدث ولا يمكنه إلا أن يحدث في كل مكان يقوم النظام الاجتماعي فيه على العنف. هذا ما يحدث في حال المقاومة.
أما في الحالة الثانية، في حال استسلام الفلاحين، فسيحدث شيء خاص، روسي بامتياز. سيحدث ما يلي: المحافظ، بعد وصوله إلى موقع الأحداث، يلقي خطاباً للشعب يلومه فيه على عصيانه، وإما يجعل القوات عند مداخل القرية حيث يهين الجنود الفلاحين بتوقعهم هذا طوال شهر، وإما يسامح الجمهور برأفة، مكتفياً بترهيبه، ويغادر، أو يعلن له، وهو ما يحدث غالباً، أن المحرضين على هذا يجب أن يُعاقبوا، وينتقي، عشوائياً ودون محاكمة، عدداً محدداً من الناس، المُعتبرين محرضين، ويتم تعذيبهم في حضوره.
لتقديم تصور عن كيفية تنفيذ هذه الأعمال سأقدم وصفاً لعمل تم تنفيذه في أورل، وتلقى مباركة السلطة العليا.
جرى في أورل ما يلي: تماماً كما حدث هنا في مقاطعة تولا، أراد ملاك انتزاع ملكية الفلاحين منهم، وكذلك تماماً قاوم الفلاحون ذلك. فحوى الأمر أن الملاك أراد، دون موافقة الفلاحين، احتجاز الماء في طاحونته أعلى من مستوى جريانه في بساتينهم. عارض الفلاحون ذلك. قدم الملاك شكوى لمدير الناحية. مدير الناحية حسم القضية لصالح الملاك بصورة غير قانونية (وقد اعترفت حتى المحكمة بذلك فيما بعد) سامحاً له بضخ الماء إلى أعلى. فأرسل الملاك عمالاً لسد القناة التي تنحدر عبرها المياه. امتعض الفلاحون من هذا القرار الجائر، وأرسلوا نساءهم لمنع عمال الملاك من سد القناة. فخرجت النساء إلى السد وقلبن العربات وطردن العمال. قدّم الملاك شكوى ضد النساء على اعتدائهن. فأصدر مدير الناحية أمراً بوضع امرأة من كل بيت من بيوت القرية في السجن. لم يكن القرار قابلاً للتنفيذ لأن في كل بيت كانت هناك عدة نساء، فلم تكن هناك إمكانية لمعرفة أيهن يجب اعتقالها، لذا لم تضع الشرطة القرار قيد التنفيذ. اشتكى الملاك للمحافظ عدم تنفيذ الشرطة القرار. المحافظ، دون أن يفهم قيم الأمر، أصدر أمراً صارماً لرئيس شرطة القضاء بتنفيذ قرار مدير الناحية فوراً. مذعناً لرئيسه الأعلى، رئيس شرطة القضاء، على عادة السلطات الروسية في عدم احترام الناس، سافر إلى القرية، وأمر الشرطة بأخذ امرأة من كل بيت. لكن حيث أن هناك عدة نساء في كل بيت، ولم تكن هناك إمكانية لمعرفة التي يجب اعتقالها، بدأت المجادلات والاعتراضات. لكن بغض النظر عن هذه المجادلات والاعتراضات، أمر رئيس شرطة القضاء بإلقاء القبض على امرأة من كل بيت، كيفما اتفق، وأخذهن إلى السجن. أخذ الرجال يدافعون عن زوجاتهم وأمهاتهم، ولم يسلموهن، وأثناء ذلك قاموا بضرب رئيس شرطة القضاء. ظهرت جريمة جديدة مخيفة: مقاومة السلطات، ونُقل خبر هذه الجريمة الجديدة إلى المدينة. والمحافظ، تماماً مثل محافظ مقاطعة تولا، مصحوباً بكتيبة من الجنود المسلحين بالبنادق والقضبان، مستفيداً من البرق والهاتف وسكة الحديد، على متن قطار سريع، يرافقه طبيب، والذي عليه مراقبة صحية الضرب، محققاً بذلك تماماً نبوءة غيرتسن عن جنكيز خان بهاتف، سافر إلى موقع الأحداث.
أمام مبنى مديرية الناحية، وقف جنود، صف من رجال الشرطة بأحزمتهم الحمراء التي عُلقت عليها المسدسات، وجمع من الوجهاء من الفلاحين والمتهمين، يحيط بهم حشد من الناس يبلغ تعداده 1000 شخص أو أكثر. بوصوله إلى مديرية الناحية، خرج المحافظ من العربة، وألقى كلمةً مُعدة سلفاً، وطلب إحضار المتهمين ومقعداً. لم يفهم هذا الطلب في البداية، لكن الشرطي، الذي يرافق المحافظ دائماً والذي عمله تنظيم عمليات التعذيب التي جرت في المقاطعة كثيراً، أوضح أنه يقصد مقعداً للضرب بالقضبان. فأُحضر المقعد، وجلبوا القضبان التي أحضروها معهم، واستدعوا الجلادين. الجلادون كانوا قد أُعدوا مسبقاً، وهم سارقو خيل من تلك القرية ذاتها، لأن العسكر رفضوا تنفيذ هذه المهمة.
حين جُهِّز كل شيء، أمر الرئيس بإخراج أول الأشخاص الاثني عشر الذين أشار إليهم الملاك على أنهم أول المذنبين. أول الخارجين كان رب أسرة، شخصاً محترماً في المجتمع، في الأربعين من العمر، والذي دافع بشجاعة عن حق المجتمع ما جعله يحوز احترام السكان. أحضروه إلى المقعد وجرّدوه من ملابسه وأمروه بأن يستلقي. حاول الفلاح توسل العفو لكنه، حين رأى أن هذا بلا جدوى، رسم علامة الصليب واستلقى. أمسك به اثنان من رجال الشرطة. الطبيب أيضاً وقف مستعداً لتقديم المساعدة الطبية اللازمة. بصق الجلادون في أكفهم، ولوحوا بالقضبان، وبدأوا بالضرب. تبين أن المقعد ضيق جداً، وكان من الصعب الإمساك بالمُعذَّب الذي كان يتلوى من الألم. حينها أمر المحافظ بإحضار مقعد آخر ووضع لوح عليه. نفذ أناس الأمر بسرعة وطاعة وهم يؤدون التحية العسكرية قائلين: "أمر معاليكم". في هذه الأثناء كان الرجل المُعذَّب الشاحب، شبه العاري، ينظر إلى الأرض مقطّب الحاجبين، ينتظر، وأسنانه تصطك وقدماه تحترقان. حين أحضر المقعد الثاني، أضجعوه ثانيةً، وراح الجلادون يضربونه. تغطى ظهر المُعذَّب، وكذلك ردفاه وفخذاه وحتى مؤخرته، أكثر فأكثر بالندوب والجروح، ومع كل ضربة كانت تصدر أنة خافتة من المُعذَّب الذي لم يكن قادراً على كبحها. من الحشد، الواقف في المحيط، كانت تُسمع ولاويل الزوجات والأمهات والأولاد، وأقرباء المُعذَّب، وأقارب كل الذين أحضروا للتعذيب.
المحافظ الشقي، الثمل بالسلطة، الذي بدا له أنه لا يستطيع أن يتصرف بطريقة أخرى، راح يعد الضربات عاقفاً أصابعه، ويدخن دون توقف، الأمر الذي كان يجعل بعض الناس الخدميين يهرعون إليه بعيدان الكبريت لإشعال سيجارته كلما همّ بالتدخين. بعد عدّ خمسين ضربة كفّ الفلاح عن الصراخ والتلوّي، والطبيب، الذي تدرب في مؤسسة للتعذيب ليخدم بمعارفه العلمية ملكه ووطنه، دنا من المُعذَّب، جسّ نبضه واستمع إلى ضربات قلبه، وأخبر ممثل السلطة أن المُعاقب قد غاب عن الوعي، وأن مواصلة العقاب -حسب معطيات العلم- قد يشكّل خطراً على حياته. لكن المحافظ الشقي، الذي أسكرته رؤية الدم كلياً، أمر بمواصلة العقاب، واستمر التعذيب حتى بلغ سبعين ضربة، العدد الذي بدا له ضرورياً الوصول إليه لسبب ما. عند الضربة السبعين، قال المحافظ: "يكفي. التالي!" والشخص المُعذَّب الفاقد الوعي، بظهره المتورم، حُمل وأُبعد وأُحضر آخر. ازداد صراخ وعويل الحشد لكن ممثل سلطة الدولة واصل التعذيب.
كذلك ضُرب الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، سبعين ضربة لكل منهم. جميعهم توسلوا العفو، أنوا، صرخوا. عويل وأنين حشد النساء علا أكثر، ووجوه الرجال تجهمت أكثر فأكثر. لكن الجنود كانوا يحيطون بهم، ولم يتوقف التعذيب إلى أن تم الأمر كما اعتقده ضرورياً ذلك الشخص المهووس، الشقي، شبه الثمل، الضالّ، المدعو بالمحافظ. الموظفون والضباط والجنود لم يكونوا موجودين فقط في هذه الأثناء بل كانوا شركاء في هذا الأمر بوجودهم، ومنعوا الحشد من الإخلال بتطبيق هذا القرار الحكومي.
حين سألتُ أحد المحافظين عن سبب إنزال هذا التعذيب بالناس ما داموا قد أذعنوا، وما دام الجنود يرابطون في القرية، أجابني، بوجه شخص مسؤول عارف بكل تفاصيل حكمة الدولة، إن هذا يُفعل لأن الخبرة أثبتت أنه إذا لم يتم تعذيب الفلاحين فسيعودون إلى مقاومة سلطة السلطات ثانيةً بينما إنزال العقاب ببعض منهم يُعزِّز قرار السلطة إلى الأبد.
وها هو محافظ مقاطعة تولا، يرافقه الموظفون والضباط والجنود، يسافر للقيام بذات الأمر. بالطريقة ذاتها تماماً، أي بوساطة القتل والتعذيب، يجب أن يضع قرار السلطات العليا قيد التنفيذ، القرار الذي فحواه أن يحصل الملاك الشاب، الذي يبلغ مدخوله السنوي مائة ألف، على ثلاثة آلاف روبل إضافية لقاء الغابة التي انتزعها بالقوة من مجتمع كامل من الفلاحين الذين يعانون الجوع والبرد، لكي يبذّر هذا المال، خلال أسبوعين أو ثلاثة، في حانات موسكو وبطرسبورغ أو باريس. للقيام بهذا العمل بالتحديد سافر أولئك الناس الذين التقيتهم.
ساقني القدر، كما لو قصداً، بعد سنتين من حشد تفكيري في ذات الاتجاه، للمرة الأولى في حياتي لكي يريني بمنتهى الوضوح عملياً ما توضح لي منذ زمن بعيد نظرياً، وبالتحديد أن كل نظام حياتنا لا يرتكز على مبادئ حقوقية ما، كما يحب المستفيدون من النظام القائم للأشياء أن يقنعوا أنفسهم، بل على العنف الصريح والفظ، على قتل الناس وتعذيبهم.
الناس، الذين يمتلكون أراضٍ شاسعة ورساميل كبيرة، أو الذين يتلقون رواتب كبيرة محصلة من العمال المحتاجين إلى الحاجات الأولية، وكذلك التجار والأطباء والفنانون وأصحاب الحوانيت والعلماء والحوذية والطباخون والكتاب والفرّاشون والمحامون، الذين يعتاشون على حساب هؤلاء الناس الأغنياء، يحبون أن يصدقوا أن الامتيازات التي يتمتعون بها ليست نتاج العنف بل هي نتاج تبادل حر عادل للخدمات، وأن هذه الامتيازات ليست فقط غير ناتجة عن الضرب والقتل اللذين يُمارسان في حق الناس، كما حدث في أورل وفي أماكن كثيرة من روسيا في الصيف الجاري، وكما يحدث في أوروبا وأمريكا كلها، بل ولا علاقة لها على الإطلاق بهذا العنف. يحبون أن يصدقوا أن الامتيازات التي يتمتعون بها تأتي من تلقاء ذاتها، وبموافقة طوعية من قبل الناس، وأن العنف، المُمارس على الناس، قائم من تلقاء ذاته، ويحدث بموجب قوانين حقوقية وحكومية واقتصادية سامية ما. يحرص هؤلاء الناس على عدم رؤية أنهم إنما يتمتعون بالامتيازات التي يتمتعون بها دائماً وفقط نتيجة لذات الشيء الذي بنتيجته يتم الآن إرغام الفلاحين، الذين استنبتوا الغابة التي هم في حاجة قصوى إليها، على إعطائها للملاك الغني الذي لم يشارك في رعايتها أثناء نموها يوماً، والذي لا حاجة له بها، أي نتيجة أنه سيتم ضربهم أو قتلهم إذا لم يعطوا الغابة.
فإذا كان واضحاً تماماً أن طاحونة أورل أصبحت تقدم إيراداً كبيراً للملاك، وأن الغابة، التي استنبتها الفلاحون، أُعطيت للملاك، فقط نتيجة لضربهم وقتلهم أو ترويعهم، فكذلك تماماً يجب أن يكون واضحاً أن كل الحقوق الاستثنائية للأغنياء، والتي تحرم الفقراء مما هو ضروري، لا بدّ أنها تقوم على الأساس ذاته. إذا كان الفلاحون، المحتاجون إلى الأرض لإطعام أسرهم، لا يفلحون الأرض المحيطة ببيوتهم، وهي كافية لإطعام 1000 عائلة، بل يستثمرها شخص واحد، روسي أو إنكليزي أو نمساوي، أو أي ملاك كبير كان، لا يعمل في هذه الأرض، وإذا كان التاجر، الذي يشتري الحبوب من الفلاحين في وقت الفاقة، يستطيع أن يخزن هذه الحبوب بأمان في عنابره وسط أناس جائعين، وأن يبيعها لنفس الفلاحين الذين اشتراها منهم بثلاثة أضعاف السعر الذي دفعه عند الشراء، فجليّ أن هذا يحدث للأسباب السابقة ذاتها. وإذا كان أحدهم لا يستطيع شراء سلعة بيعت له بسعر أرخص بسبب ما يُسمّى الحدود إذا لم يدفع رسماً جمركياً لأناس لم يشاركوا قط في إنتاج السلعة، وإذا لم يكن الناس قادرين على ألا يعطوا بقرتهم الأخيرة كضريبة تقدمها الحكومة لموظفيها أو تستخدمها لإعالة جنود سيقومون بقتل دافعي الضرائب هؤلاء أنفسهم، فالمفروض أن يكون جلياً أن هذا لا يحدث نتيجة لحقوق مجردة ما بل نتيجة لما حدث في أورل، وما قد يحدث الآن في مقاطعة تولا، ويحدث بصورة دورية، بهذا الشكل أو ذاك، في العالم كله، حيث يوجد نظام الدولة، وحيث يوجد أغنياء وفقراء.
نتيجةً لأنه لا يحدث تعذيب وقتل في كل معاملات الناس القهرية، الناس، الذين يتمتعون بمكاسب الطبقات الحاكمة الاستثنائية، يقنعون أنفسهم والآخرين بأن المكاسب التي يتمتعون بها ليست نتاج التعذيب والقتل، بل هي نتاج أسباب عامة خفية ما، أو حقوق مجردة، الخ. غير أن من الواضح أنه إذا كان الناس، الذين يعتبرون هذا جائزاً (كما يعتبره كل العمال في الوقت الراهن)، يعطون النصيب الأكبر من عملهم للرأسمالي أو الملاك، ويدفعون الضرائب وهم يعلمون أن هذه الضرائب ستُستخدم بشكل سيء، فإنهم لا يفعلون ذلك انطلاقاً من إدراكهم لحقوق مجردة ما لم يسمعوا عنها قط بل لأنهم يعلمون أنهم سيُضربون ويُقتلون إذا لم يفعلوا ذلك. وإذا كان لا يحدث اعتقال وضرب وقتل للناس في كل مرة يجمع فيها الملاك أجرة الأرض، وحين يدفع المحتاجون إلى الخبز ثلاثة أضعاف ثمنه للتاجر المحتال، والعامل يرضى براتب أقل ضعفين من مدخول صاحب المعمل، وحين يدفع الفقير روبلاً يملكه للرسوم والضرائب، فهذا يحدث لأن الناس قد ضُربوا وقتلوا كثيراً بسبب محاولتهم عدم القيام بما يُطلب منهم، ولأنهم يذكرون هذا جيداً. كما أن النمر القابع في القفص لا يلتقط اللحم الموضوع أمامه، ولا يستلقي هادئاً بل يقفز فوق العصا حين يُؤمر بذلك، لا يفعل ذلك لأنه يريد ذلك بل لأنه يتذكر الحديدة المحماة أو الجوع، مما تعرض له في كل مرة رفض الإذعان، كذلك تماماً الناس، الذين يخضعون لما ليس في صالحهم بل والمهلك لهم وما يعتبرونه جائراً، يفعلون ذلك لأنهم يتذكرون ما جرى لهم حين قاوموا ذلك.
أما الذين يتمتعون بالامتيازات التي هي نتاج عنف سحيق القدم، فغالباً ما ينسون، ويحبون أن ينسوا كيفية الحصول على هذه الامتيازات. غير أنه يكفي تذكر التاريخ، ليس تاريخ نجاحات شتى السلالات الملكية الحاكمة بل التاريخ الحقيقي، تاريخ اضطهاد عدد قليل من الناس للأكثرية، لرؤية أن كل امتيازات الأغنياء عن الفقراء لا تقوم على شيء سوى القضبان والسجون والأشغال الشاقة والقتل.
يكفي فقط التفكير في الطموح العنيد للامتوقِّف للناس جميعاً في زيادة رفاهيتهم، الطموح الذي ينقاد له الناس في زماننا، حتى نقتنع بأن الأغنياء لم يستطيعوا، ولا يستطيعون، المحافظة على امتيازاتهم عن الفقراء إلا عبر هذه الممارسات.
قد يكون هناك اضطهاد وضرب وسجون وإعدامات لا تهدف إلى تفوق الطبقات الغنية (رغم أن هذا نادر جداً)، لكن، يمكن القول بجرأة إن في مجتمعنا مقابل كل شخص يعيش كسيد محترم هناك عشرة عمال معذَّبين بالعمل، حاسدين، بخلاء، وغالباً ما يعانون معاناة صريحة مع عائلاتهم. كل امتيازات الأغنياء، كل ترفهم، كل الكماليات التي يتمتع بها الأغنياء مقارنة بالعامل المتوسط الحال، كل هذا مُكتسب ويُحافظ عليه عن طريق التعذيب والاعتقالات والإعدامات.
2
القطار الذي التقيته في التاسع من أيلول، الذي كان ينقل الجنود ببنادقهم ورصاصاتهم الحقيقية وقضبانهم إلى فلاحين جائعين ليثبتوا أحقية الملاك الغني في غابة صغيرة انتزعها من الفلاحين، والتي هو ليس بحاجة إليها في حين أنهم يحتاجونها بشدة، أثبت، بجلاء مذهل، مدى قابلية الناس للقيام بأعمال تناقض قناعاتهم وضمائرهم دون أن يروا ذلك.
القطار السريع، الذي التقيته، كان مؤلفاً من عربة درجة أولى للمحافظ والموظفين والضباط، ومن عدة عربات لشحن البضائع مليئة بالجنود.
الجنود الفتيان الطائشون، في بزاتهم الرسمية الجديدة النظيفة، كانوا يتأرجحون واقفين أو يجلسون في الأبواب الواسعة لعربات الشحن مؤرجحين أرجلهم. بعضهم كان يدخن، وبعضهم كان يتحدث ويلقي النكات ويضحك مكشّراً عن أسنانه، وفريق ثالث كان "يفصفص" البزر باصقاً القشور بوقاحة. بعضهم كانوا يركضون عبر رصيف المحطة إلى برميل ماء ليشربوا، وحين يلتقون بالضباط يضربون بأرجلهم الأرض ويؤدّون تحيتهم الغبية رافعين أيديهم إلى جباههم وبوجوه صارمة، كأنما يقومون بعمل معقول؛ فحسب بل وبالغ الأهمية، كانوا يمرّون بجوارهم مودّعين إياهم بأعينهم، ثمّ يحثّون خطاهم بمرح أكثر راكضين فوق ألواح رصيف المحطة وهم يضحكون ويثرثرون، كما ينبغي لشبان أصحاء طيبين، يسافرون ضمن جماعة مرحة من مكان إلى آخر، أن يفعلوا.
كانوا ذاهبين لقتل آبائهم وأجدادهم الجائعين كما لو أنهم ذاهبون للقيام بعمل مسلٍ أو عادي على الأقل. الانطباع ذاته خلفه الموظفون والضباط المتأنقون المنتشرون على الرصيف أو في صالة الدرجة الأولى. إلى طاولة، عليها زجاجات كثيرة، في زيه الرسمي شبه العسكري، كان يجلس المحافظ، قائد هذه الحملة كلها، يأكل شيئاً ما، ويتحدث بهدوء عن الطقس مع صديق التقاه كما لو أن الأمر الذي يسافر لأجله من البساطة والعادية بحيث لا يمكنه أن يخلّ بهدوئه وباهتمامه بتحول الطقس. بعيداً عن الطاولة كان يجلس، دون أن يتناول الطعام، جنرال الجندرمة بمظهر مكتئب لا يدرك كنهه كأنما استثقلاً الرسميات التي سئمها. من جميع الجهات كان يتحرك ويصخب ضباط في أزيائهم الرسمية الجميلة المخاطة بخيوط ذهبية: مَن كان يجلس إلى طاولة كان يحتسي النبيذ، ومن كان يقف قرب "البوفيه" كان يمضغ كعكةً وينفض الفتات الساقطة على سترته، ويلقي بالنقود بحركة وقحة، وبعضهم، ناهضاً قدميه، كان يتنزّه بجوار عربات قطارنا، ناظراً إلى وجوه النساء.
كل هؤلاء الناس، الذاهبين لقتل وتعذيب أناس عُزّل وجائعين، نفس الناس الذين يطعمونهم، كانت لهم سحنات الذين يعرفون بالتأكيد ما يجب أن يفعلوه، بل حتى يفتخرون، (يتعجرفون)، بعض الشيء بقيامهم بهذا العمل.
فما الأمر؟ كل هؤلاء الناس يقيمون على مبعدة نصف ساعة سفر عن المكان الذي قد يُرغمون فيه، من أجل استحضار 3000 روبل لشخص غني ليس بحاجة إليها عبر انتزاعها من مجتمع برمته من الفلاحين الجائعين، على القيام بأشد الأعمال هولاً، مما يمكن تصورها، فقد يبدأون بقتل أو تعذيب إخوانهم العُزّل، كما حدث في أورل، وهم يقتربون إلى مكان وزمان حدوث ذلك.
القول إن هؤلاء الناس، كل هؤلاء الموظفين والضباط والجنود، لا يعلمون ما ينتظرهم وما هم ذاهبون إليه، غير جائز لأنهم قد أُعدّوا لذلك. فقد كان على المحافظ أن يأمر بإحضار القضبان، وكان على الموظفين شراء أغصان شجرة البتولا، ويقرّروا ميزانية لذلك. العسكر أصدروا وتلقوا ونفذوا الأوامر المتعلقة بالرصاصات القتالية. جميعهم يعلمون أنهم ذاهبون لتعذيب وضرب، وربما قتل، إخوانهم الذين يعانون الجوع، وأنهم سيباشرون القيام بذلك بعد ساعة ربما.
القول إنهم يفعلون ذلك لأنهم مقتنعون به، كما يُقال عادةً وكما يكررونه هم أنفسهم، لأنهم مقتنعون بضرورة الحفاظ على نظام الدولة، ليس صحيحاً، أولاً، لأن هؤلاء الناس جميعاً هيهات أن يكونوا قد فكروا يوماً بنظام الدولة وضرورته؛ ثانياً، لا يمكنهم على الإطلاق أن يكونوا مقتنعين بأن ما يشاركون فيه سيخدم نظام الدولة على الدولة، وليس انهيارها؛ ثالثاً، فعلياً، معظم هؤلاء الناس، إن ليس الجميع، ليسوا فقط لن يضحوا أبداً بطمأنينتهم وسعادتهم في سبيل الحفاظ بل لن يتركوا أبداً فرصة استغلال كل ما يمكنهم استغلاله لأجل طمأنينتهم وسعادتهم على حساب الدولة. هم لا يفعلون ذلك، إذاً، انطلاقاً من مبدأ الدولة المجرد.
ففيمَ الأمر إذاً؟ فأنا أعرف هؤلاء الناس جميعاً. إذا كنت لا أعرفهم شخصياً، فإني أعرف تقريباً سلوكياتهم، ماضيهم، نمط حياتهم. جميعهم لديهم أمهات، وبعضهم لديهم زوجات وأبناء. جميعهم أناس طيّبو القلب، ودعاء، لطفاء غالباً، لا يطيقون شتى أشكال القسوة ناهيكم عن قتل الناس، كثيرون منهم لا يستطيعون تعذيب الحيوانات؛ فضلاً عن أن جميعهم يدينون بالمسيحية، ويعتبرون ممارسة العنف ضد أناس عُزّل عملاً شنيعاً ومخزياً. ما من أحد من هؤلاء الناس، في حياته العادية، قادر ليس فقط على القيام، من أجل مصلحته الشخصية، بواحد بالمائة مما فعله محافظ أورل بالناس، بل أي واحد منهم سيشعر بالغضب إذا أعتقد أنه قادر على القيام بعمل كهذا في حياته الخاصة. لكن هاهم على مبعدة نصف ساعة عن المكان الذي قد ينقادون فيه إلى الاضطرار للقيام بهذا.
فيمَ الأمر إذاً؟ وليس فقط هؤلاء الناس المسافرين بالقطار والمستعدين للقتل والتعذيب، بل كيف استطاع الناس الذين بدأ هذا الأمر بهم: الملاك ومدير الناحية والقاضي، وأولئك الذين فرضوا هذا الأمر من بطرسبورغ ويشاركون فيه بسلطاتهم، كيف استطاع هؤلاء الناس: الوزير والملك، الطيبين أيضاً، اللذان يدينان بالمسيحية، كيف استطاعا اتخاذ وفرض أمر كهذا، وهما يعلمان بعواقبه؟ كيف يمكن حتى للمشاهدين غير المشاركين في هذا الأمر، الذين يكدرهم أي عنف منفرد، بما في ذلك تعذيب الخيول، السماح بارتكاب عمل مخيف كهذا؟ كيف يمكنهم ألّا يخنقوا عليه، ألّا يقفوا في عرض الطريق ويصرخوا: "كلا، لن نسمح بقتل وجلد أناس جائعين لأنهم يرفضون التخلي عن آخر ما يملكون والذي انتُزع منهم عن طريق الاحتيال!".
لكن ليس فقط أنَّ أحداً لا يفعل ذلك بل، على العكس، معظم الناس، بمن فيهم أولئك الذين كانوا وراء هذا الأمر، كمدير الناحية والملاك والقاضي، وأولئك الذين كانوا شركاء ومتصرفين فيه، كالمحافظ والوزير والملك، مطمئنون تماماً، بل حتى لا يشعرون بوخز الضمير. كذلك -على ما يبدو- كل هؤلاء الذاهبين لارتكاب هذه الجريمة.
المشاهدون، الذين يبدو أن الأمر لا يعنيهم، كانوا ينظرون، بتعاطف وليس بسخط، إلى كل هؤلاء الناس الذين يتجهزون للقيام بهذا العمل الشنيع. تاجر يشتري الأخشاب من الفلاحين، كان يسافر في العربة التي كنت فيها، أعرب، بصراحة وبصوت عالٍ، عن موافقته على العقوبات التي تُمارس على الفلاحين: "لا يجوز عدم الخضوع للقيادة -قال هو. - لن يمرّ وقت طويل حتى يكبشوا الذباب"؛ فليكفوا عن العصيان. إنهم يستحقون ذلك".
فيمَ الأمر؟ لا يجوز على الإطلاق كذلك اقول إن كل هؤلاء الناس، المحرّضين على، والمشاركين في، والمتغاضين عن، هذا الأمر لئام إلى درجة أنهم، رغم معرفتهم بدناءة ما يقومون به، بعضهم لأجل الراتب والمكاسب وبعضهم خشية العقاب، يقومون بعمل متناقض لقناعاتهم. كل هؤلاء الناس يجدون الذود عن قناعاتهم في مواقف معينة. لن يقوم أحد من هؤلاء الموظفين بسرقة محفظة، أو قراءة رسالة شخص آخر، أو يحتمل إهانة دون أن يطلب من المهين أن يعتذر. لن يوافق أحد من هؤلاء الضباط على الغش في لعب الورق، أو عدم دفع ديون القمار، أو على خيانة رفيقه، أو على الفرار من ساحة القتال وإلقاء العلم. لن يعمد أي من هؤلاء الجنود إلى عدم الصوم وتناول اللحم في الجمعة الحزينة. كل هؤلاء الناس مستعدون لتحمل شتى أنواع الحرمان والمعاناة والمخاطر على أن يقبلوا بالقيام بعمل يعتبرونه سيئاً، لابد إذاً أنَّ لدى هؤلاء الناس توجد قوة ممانعة تعمل حين يتوجّب عليهم القيام بما يتعارض مع قناعاتهم.
القول إن هؤلاء الناس متوحشون إلى درجة أن من طبيعتهم، ولا يُعذّبهم، القيام بهذه الأعمال،- هذا ضعيف الاحتمال. إذ يكفي التحدث إلى هؤلاء الناس حتى يدرك المرء أن جميعهم، الملاك والقاضي والوزير والقيصر والمحافظ والضباط والجنود، ليسوا فقط غير موافقين على هذه الأعمال في أعماقهم بل ويعانون من جراء إدراكهم لها ومشاركتهم فيها حين يتم تذكيرهم بمعنى هذه الأعمال. إنهم يحاولون عدم التفكير في ذلك فحسب.
يكفي وحسب التحدث إليهم، إلى جميع المشاركين في هذا العمل، من الملاك حتى آخر شرطي وجندي، حتى يرى المرء أنهم جميعاً يعلمون في أعماقهم أن هذا العمل سيئ، وأن الأفضل لو أنهم لا يشاركون فيه، وأنهم يعانون من جراء ذلك.
سيدة ليبرالية، كانت راكبة معنا في القطار ذاته، حين رأت المحافظ والضباط في صالة الدرجة الأولى وعرفت الغاية من سفرهم، بدأت، بصوت عالٍ قصداً لكي يسمعوها، تشتم إجراءات زماننا، وتشنّع على الذين يشاركون في هذه الأعمال. شعر الجميع بالإحراج، ولم يعودوا يعرفون أين ينظرون، لكن أحداً لم يرد على كلامها. تظاهر ركاب القطار بأن هذه الأقوال الفارغة ليست جديرة بالرد، لكن كان يُرى من الوجوه والأعين الهاربة أن الجميع قد شعروا بالخزي. وقد لاحظت هذا على الجنود أيضاً، فقد كانوا يعلمون أن العمل الذي يذهبون إليه عمل سيئ لكنهم لم يكونوا يريدون التفكير في ما ينتظرهم.
حين بدأ تاجر الأخشاب بالتحدث -ولم يكن صادقاً باعتقادي بل فقط لكي يُظهر تحضره- عن مدى ضرورة هذه الإجراءات أشاح كل الجنود الذين كانوا يسمعونه عنه، وتظاهروا بأنهم لا يسمعونه، مقطّبين وجوههم. كل الذين ساهموا في حدوث هذا الأمر، كالملاك والمدير والوزير والقيصر، وكذلك ركاب هذا القطار، وحتى الذين ينظرون إلى ما يجري بحياد دون أن يشاركوا فيه، جميعهم يرون أن هذا العمل سيئ، ويشعرون بالخجل من مشاركتهم فيه أو حتى من حضورهم أثناء حدوثه.
فلماذا قاموا ويقومون به، ويحتملونه؟ اسألوا عن ذلك أولئك الذين اختلقوا الأمر، كالملاك، وكذلك الذين، كالقاضي، أصدروا الحكم القانوني رسمياً لكن الجائر بوضوح، والذين أمروا بتنفيذ القرار، والذين سينفذون هذه الأعمال بأيديهم- ضرب وقتل إخوانهم- كالجنود ورجال الشرطة والفلاحين، وكلهم -المحرضين على هذه الجرائم والمُعينين عليها ومنفذيها والمتغاضين عنها- سيقولون الكلام ذاته من حيث الجوهر.
الرؤساء، الذين حرّضوا على هذا العمل وساعدوا عليه وأمروا به، سيقولون إنهم يقومون بما يقومون به لأن هذه الأعمال ضرورية للحفاظ على النظام القائم، والحفاظ على النظام القائم ضروري لمصلحة الوطن والإنسانية ولإمكانية الحياة الاجتماعية وحركة التقدم.
الفلاحون والجنود، الذين من الطبقات الدنيا والذين عليهم ممارسة العنف بأيديهم، سيقولون إنهم يقومون بما يقومون به لأن القيادة العليا قد أمرت بذلك، وإن القيادة العليا تعرف ما تفعل. وكون القيادة تتكون من أناس يجب أن يكونوا القيادة، وإن هذه القيادة تعرف ما تفعل، يُعدُّ بالنسبة إليهم حقيقة لا ريب فيها. حتى إذا افترض هؤلاء المنفذون الفقراء إمكانية الخطأ والضلال؛ ففقط لدى الشخصيات القيادية الأدنى مرتبة، بينما السلطة العليا، التي يصدر عنها كل شيء، فتبدو لهم أن لا شك في عصمتها.
بغض النظر عن أنهم يفسرون دوافع أعمالهم تفسيرات مختلفة؛ فإن هؤلاء وأولئك، الآمرين والمأمورين، متفقون على أنهم يفعلون ما يفعلون لأن النظام القائم هو النظام الذي لا بد من، ويجب، أن يوجد في الوقت الراهن، والذي يُعدُّ الحفاظ عليه واجباً مقدساً للجميع.
على هذا الإقرار بضرورة، وبالتالي ثبات، النظام القائم يقوم دائماً، من قِبل جميع المشاركين في عنف الدولة، الرأي الذي يتم إيراده لتبرير الذات، والذي مفاده أنَّ النظام القائم بما أنه ثابت فإن رفض شخص بمفرده تنفيذ الواجبات الملقاة على عاتقه لن يغير من حقيقة الأمر، ويمكنه فقط جعل شخص آخر يحلّ محلّ الرافض، والذي قد يقوم بالعمل بشكل أسوأ، أي أعنف، وأشد ضرراً بالناس الذين يُمارس عليهم العنف.
إن هذا اليقين من أنَّ النظام القائم لا بدّ منه، وبالتالي لامتغيّر، ومن أنَّ الحفاظ عليه واجب مقدّس لأي شخص، هو الذي يمنح الناس، الخلوقين والطيبين في حياتهم الخاصة، القدرة على المشاركة، بضمير أكثر أو أقل اطمئناناً، في أعمال مماثلة لما حدث في أورل، ولما يستعدّ ركّاب قطار تولا للقيام به.
لكن على ماذا يقوم هذا اليقين؟ مفهومٌ أنَّ الملاك يطيب له أن يُصدّق أنَّ النظام القائم ضروري وثابت لأنَّ هذا النظام القائم بالذات هو الذي يؤمن له إيراد مئات وآلاف هكتاراته، والذي بفضله يعيش حياته المتبطلة والمترفة المعتادة. مفهوم أيضاً أنَّ القاضي أيضاً يطيب له أن يؤمن بضرورة النظام الذي بنتيجته يتلقى أكثر بخمسين مرة مما يتلقاه عامل يعمل في العمل الأسود. وهذا مفهوم أيضاً فيما يتعلق برئيس القضاة الذي يزيد راتبه على ستة آلاف، وبكل موظفي المراتب العليا، إذ فقط في ظل نظام كهذا يمكن لموظف كهذا، سواء كان محافظاً أم نائباً عاماً أم سيناتوراً أم عضواً أي مجلس كان، تلقي راتبه البالغ عدة آلاف، والتي لولاها لهلك هو وعائلته فوراً لأنه، تبعاً لمؤهلاته وقدراته ومعارفه، باستثناء المنصب الذي يشغله الآن، ما كان ليحصل على واحد بالألف مما يحصل عليه الآن، وهذه هي كذلك حال الوزير والملك وأي سلطة عليا أخرى مع فارق واحد فقط هو أنهم كلما علت مكانتهم وازدادت امتيازاتهم كلما ازدادت حاجتهم إلى تصديق أنَّ النظام القائم هو النظام الممكن الوحيد لأنهم في ظل نظام آخر لن يكونوا عاجزين فحسب عن الحصول على مرتبة مساوية لمرتبتهم بل لا بدّ من أن ينحطوا أدنى من الآخرين جميعاً. الشخص، الذي يتطوّع في الشرطة لقاء راتب مقداره عشرة روبلات، يمكنه بسهولة الحصول عليه في أي مكان آخر، قلّما يحتاج إلى النظام القائم لذا يمكنه عدم الإيمان بثباته. لكن الملك، الذي يتلقى الملايين لقاء منصبه، والذي يعلم أنَّ آلاف الناس من حوله يتمنون عزله والحلول مكانه، ويعلم أنه لن يحصل في أي منصب آخر على هذا الدخل والاحترام، ويعلم، في معظم الحالات، في ظل حكم أكثر أو أقل استبداداً، أنه إذا أُسقط فسوف يحاكم على كل ما فعله عبر استخدام سلطته،- ليس بمقدور أي ملك أو إمبراطور إلا أن يؤمن بثبات وقدسية النظام القائم. كلما علا منصب الشخص كلما كان أنفع له، وبالتالي أقل استقراراً، وكلما كان السقوط عنه أرهب وأخطر كلما ازداد إيمان شاغل هذا المنصب برسوخ النظام القائم، ولهذا يستطيع هذا الشخص، وضميره مرتاح جداً، وكأنما ليس لأجله هو بل للحفاظ على هذا النظام، القيام بأعمال سيئة وعنيفة.
هكذا هو الأمر بالنسبة لكل القياديين الذين يشغلون مناصب أنفع لهم من التي كانوا سيشغلونها لولا هذا النظام، بدءاً من أدنى شرطي وصولاً إلى أعلى سلطة. كل هؤلاء الناس يؤمنون، بدرجة أو بأخرى، برسوخ النظام القائم لأنه، بصورة رئيسة، مفيد لهم.
لكن ما الذي يجبر الفلاحين والجنود الواقفين على أدنى درجات السلم، والذين ليست لهم أي مصلحة في النظام القائم، والمتواجدين في أدنى وظائف الخضوع والإذلال، على تصديق أنَّ النظام القائم، الذي بنتيجته يتواجدون في مواقع ليست مفيدة بل مذلة لهم، هو النظام الذي يجب أن يكون، وبالتالي يجب المحافظة عليه، مرتكبين في سبيل ذلك أعمالاً سيئة تناقض ضمائرهم حتى؟ ما الذي يجبر هؤلاء الناس على إجراء تلك المحاكمة الباطلة بأنَّ النظام القائم لامتغيّر وبالتالي يجب الإبقاء عليه، في حين أنه يبدو، على العكس، لامتغيّراً فقط لأنهم يحافظون عليه؟
ما الذي يجبر هؤلاء المجلوبين من القفار بالأمس، والمرتدين هذه الملابس الخشنة وغير اللائقة بياقاتها الزرقاء وأزرارها الذهبية، على حمل البنادق والسيوف والذهاب لقتل آبائهم وإخوانهم الجائعين؟ إذ ما من نفع لهؤلاء، وما من خطر في فقدانهم وظائفهم لأن وضعهم أسوأ من الذي أُخذوا منه.
الشخصيات القيادية من الشرائح العليا، كالملاكّين والتجار والقضاة والسيناتورات والولاة والوزراء والملوك والضباط، تشارك في هذه الأعمال للحفاظ على النظام القائم لأنَّ هذا النظام مفيد لها. فضلاً عن أنَّ هؤلاء الناس -وهم غالباً أناس طيبون وودعاء- يشعرون بأنهم قادرون على القيام بهذه الأعمال لأنَّ مشاركتهم فيها محصورة بالأحكام والقرارات والأوامر. كل هؤلاء القادة لا يقومون بأنفسهم بالأعمال التي يقرّرونها ويأمرون بها، بل حتى غالباً لا يشهدون كيفية القيام بكل الأعمال المرعبة التي يحكمون ويأمرون بها.
لكن الأشقياء من الشرائح الدنيا، الذين ليست لهم أي مصلحة في هذا النظام بل، على العكس، يعانون احتقاراً عظيماً من جراء هذا النظام، هؤلاء أنفسهم، الذين من أجل الحفاظ على نظام ليست لهم أي مصلحة فيه ينتزعون الناس من عائلاتهم بأيديهم ويعتقلونهم ويحبسونهم في السجون أو يرسلونهم إلى الأشغال الشاقة ويحرسونهم ويطلقون النار عليهم،- لماذا يفعلون هذا؟
ما الذي يجبر هؤلاء الناس على تصديق أنَّ النظام القائم لامتغيّر ويجب الإبقاء عليه؟ إذ إنَّ شتى أشكال العنف إنما يرتكز على هؤلاء فقط، على هؤلاء الذين بأيديهم يضربون ويعتقلون ويسجنون ويقتلون. فلولا هؤلاء الناس -الجنود أو رجال الشرطة-، المسلحين عموماً، والمستعدين، حين يؤمرون، لقهر وقتل كل مَن يؤمرون بقهره وقتله، لما تتطوّع أي من الذي يوقعون أحكام الإعدام والسجن المؤبد والأشغال الشاقة لشنق وسجن وتعذيب واحد بألف ممَن يأمر، وهو جالس في مكتبه مرتاح الضمير، بشنقهم وتعذيبهم بشتى الطرق فقط لأنه لا يرى ذلك، ولأنه ليس هو من ينفذ ذلك بل يقوم به منفذون مأمورون في مكان بعيد.
إنَّ كل المظالم والأفعال العنيفة، التي أصبحت عادية في الحياة الراهنة، قد أصبحت كذلك فقط بسبب وجود هؤلاء الناس المستعدين دائماً لمساندة هذه المظالم والأفعال العنيفة. إذ لولا هؤلاء الناس ليس فقط ما كان ليوجد أحد لقهر كل هذه الجماهير الهائلة من المقهورين بل لما قرّر الحكام أبداً ليس إصدار الأحكام فقط بل لما تجرأوا حتى على الحلم بإصدار الأحكام التي يُصدرونها الآن بكل ثقة. لولا وجود هؤلاء الناس، المستعدين -تبعاً لمشيئة الذي يأمرون بأمره- لتعذيب وقتل الذين يُؤمرون بتعذيبهم وقتلهم، لما قام أحد أبداً بتأكيد مسبق بقوة بثقة في الوقت الراهن كل الملاكين المتبطلين، وبالتحديد، أنَّ الأرض، التي تحيط بالفلاحين المحتضرين من الفاقة، ملك لشخص لا يعمل فيها، وأنَّ احتياطي الحبوب، الذي جُمع عن طريق الغش، يجب أن يُخزن بأكمله وسط السكان الذين يموتون من الجوع لأنَّ التجار يحتاجون إلى الأرباح، وهلم جرّا. لولا وجود هؤلاء الناس، المستعدين لتعذيب وقتل كل من تأمر القيادة بتعذيبه وقتله، لما خطر للملاك أن ينتزع من الفلاحين الغابة التي استنبتوها، ولما خطر للموظفين أن يعتبروا تلقيهم رواتبهم المحصّلة من الشعب الجائع لقاء اضطهادهم له مشروعاً، ناهيكم عن إعدام وسجن ونفي الناس لأنهم يدعون إلى الحق ويدحضون الباطل. هذا كله يُؤمر به ويُفعل فقط لأنَّ القياديين جميعهم على يقين من أنَّ هناك تحت تصرفهم دائماً أناساً خاضعون مستعدون لتنفيذ أوامرهم كلها عن طريق التعذيب والقتل.
تُرتكب كل الأعمال المماثلة لما يرتكبه كل الطغاة، بدءاً من نادليون وصولاً إلى آخر قائد سرية يطلق النار على الحشود، فقط لأنَّ هؤلاء الطغاة منتشين بسلطتهم النابعة من أناس خاضعين مستعدين لتنفيذ كل ما يؤمرون به. السلطة كلها، إذاً، تكمن في الذين ينفذون أعمال القهر بأيديهم؛ في الذين يخدمون في الشرطة والجيش، وبخاصة الجيش لأنَّ الشرطة لا يمكنها ارتكاب ما ترتكبه لولا مساندة الجيش لها.
فما الذي أوصل هؤلاء الناس الطيبين، الذي لا مصلحة لهم على الإطلاق في هذا كله، والمرغمين على القيام بكل هذه الأعمال المخيفة بأيديهم، والذين يتوقف الأمر كله عليهم، إلى هذا الضلال المثير للاستغراب الذي أمكن إقناعهم بأنَّ النظام القائم الضارّ والمُهلك والمعذّب للجميع هو النظام الذي يجب أن يكون؟
مَن أوصلهم إلى هذا الضلال المثير للاستغراب؟ إذ ليسوا هم الذين أقنعوا أنفسهم بوجوب قيامهم ليس فقط بما هو مُعذِّب وغير مفيد ومُهلك، لهم ولطبقتهم كلها التي تشكّل تسعين بالمائة من مجمل السكان، فحسب بل وبما يتناقض مع ضمائرهم.
كيف يمكنك قتل الناس إذا كان قانون الله يقول: "لا تقتل"؟ لقد طرحت هذا السؤال مرات كثيرة على مختلف الجنود، ودائماً كنت أضع، بهذا السؤال، المسؤول في وضع مرتبك غير مريح، عبر تذكيري إياه بما لا يريد التفكير فيه. إنه يعلم أنَّ هناك قانوناً إلهياً إلزامياً يأمر بعدم القتل، ويعلم أنَّ هناك خدمة عسكرية إلزامية، لكنه لم يفكر يوماً بأنَّ هناك تعارضاً هنا. إنَّ فحوى الإجابة الوجلة التي كنت أتلقاها دائماً عن هذا السؤال كان دائماً تقريباً هو أنَّ القتل في الحرب وإعدام المجرمين بموجب أمر السلطات لا يدخلان ضمن هذا التحريم الشامل للقتل. لكن حين كنت أقول إنَّ القانون الإلهي لم يقم بتقييد كهذا، وأُذكّر بالتعليم المسيحي، المُلزم للجميع، حول الأخوة وغفران الإساءة والمحبة، والذي لا يمكن على الإطلاق الجمع بينه وبين القتل؛ فإنَّ الذين من عامة الشعب كانوا يوافقونني عادةً لكنهم، من جهتهم، كانوا يطرحون علي السؤال التالي: فكيف إذاً تقوم الحكومة -المعصومة عن الخطأ في رأيهم- بتشكيل الجيوش وإرسالها، عند اللزوم، إلى الحروب ولإعدام المجرمين؟ وحين كنت أردّ على هذا بأنَّ الحكومة، بقيامها بهذه الأعمال، لا تتصرف بشكل صحيح، كان محادثي يزداد حيرةً، وإما يتوقف عن الحديث أو يحنق علي.
"يبدو أنهم قد وجدوا قانوناً. نحن لا نعرف أفضل من رجال الدين"- قال لي هذا الكلام جندي روسي. وبقوله هذا جليّ أنَّ الجندي يشعر الراحة، وكان متأكداً تماماً من أنَّ رؤساءه قد وجدوا قانوناً خَدَمَ أسلافه بموجبه، والملوك كذلك، وورثة الملوك وملايين الناس، وهو نفسه، وأنَّ ما قلته له كان خدعة أو طرفة من قبيل الأحجية.
كل الناس في عالمنا المسيحي يعلمون، يقيناً يعلمون بموجب قانون المنقول أو الوحي أو صوت الضمير الذي لا جدال فيه، أنَّ القتل هو أحد أشد الجرائم هولاً، والتي يمكن لإنسان ارتكابها، كما يرد في الإنجيل، ولا يمكن لخطيئة القتل هذه أن تُحصر في بعض الناس، أي أنَّ القتل خطيئة لبعض الناس وليس كذلك للآخرين. يعلم الجميع أنَّ القتل إذا كان خطيئة فإنه دائماً خطيئة، بغض النظر عن الذين يُرتكب في حقهم، كخطيئة الزنى والسرقة وأي خطيئة أخرى، لكن الناس يرون، منذ الطفولة، أنَّ القتل لا يُقرُّ به فحسب بل ويُبارك من قِبل كل أولئك الذين اعتادوا على تبجيل قوادهم الروحيين، الذين نصبهم الله، ويرون أنَّ قوادهم الدنيويين، بثقة مطمئنة، يُنظمون المذابح، ويحملون على عاتقهم الإعداد للقتل، مفتخرين بذلك، ويطلبون من الجميع، باسم القانون المدني أو حتى الإلهي، المشاركة في المذبحة. يرى الناس أنَّ هناك تناقضاً هنا، وحيث أنهم عاجزون عن حلّه، لا شعورياً يفترضون أنَّ هذا التناقض يحدث فقط من جراء جهلهم. إنَّ فظاظة وجلاء التناقض هما اللذان يبقيانهم على هذه القناعة. إنهم لا يستطيعون تصور أنَّ مُنوِّريهم، الناس العلماء، يمكنهم التبشير، بهذه الثقة، بمبدأين يبدوان بهذا التعارض: إلزامية الشرع المسيحي للناس والقتل. لا يستطيع الطفل البسيط غير المفسد بعد، الشاب فيما بعد، أن يتصور أنَّ أولئك الناس الذين يقفون عالياً في رأيه، الذين يعتبرهم مقدسين أو علماء، من أجل أي غايات كانت، يمكنهم الكذب عليه دون خجل. وهذا هو بالتحديد ما فُعل، ويُفعل دائماً، بهم. يُفعل أولاً أنَّ كل الكادحين، الذين لا وقت لديهم لمعالجة المسائل الأخلاقية أو الدينية بأنفسهم، يتم تلقينهم، من المهد إلى اللحد، عبر القدوة أو التعليم المباشر، أنَّ التعذيب والقتل يجتمعان مع المسيحية، وأنهما، من أجل غايات دولية معينة، لا يمكن فقط السماح بهما بل ويجب استخدامهما؛ ثانياً، يتم تلقين بعضهم، ممَن يؤخذون معاً بموجب الخدمة العسكرية أو الاستئجار، أنَّ قيامهم بالتعذيب والقتل بأيديهم يُعدُّ واجباً مقدساً بل هو حتى عمل شجاع جدير بالثناء والمكافأة.
الكذبة العامة، المنتشرة بين الناس جميعاً، تكمن في أنه، في كل كتب الشريعة أو التي حلّت محلها، والتي تُعدُّ في الوقت الراهن تعليماً إلزامياً للأطفال، يرد أنَّ العنف، أي التعذيب والسجن والإعدام، وكذلك القتل في الحروب الأهلية والخارجية للحفاظ على النظام الدولي القائم والدفاع عنه (أيّاً كان هذا النظام: استبدادياً أم ملكياً أم توافقياً أم استشارياً أم إمبراطورياً، سواء إمبراطورية نابليون أم بولانجيه، أم ملكياً دستورياً أم كومونياً أم جمهورياً) أمر مشروع تماماً ولا يتعارض مع الأخلاق ولا مع المسيحية.
في كل كتب الشريعة أو الكتب المستخدمة في المدارس يرد هذا. ويتم إقناع الناس بذلك إلى درجة أنهم يترعرعون ويعيشون ويموتون وهم على هذه القناعة، ولا يشكون فيها أبداً.
هذه إحدى الكذبات- الكذبة العامة، التي تُكذب على الناس جميعاً، الكذبة الأخرى هي الكذبة الخاصة التي تُكذب، بطريقة أو بأخرى، على أناس مختارين، الجنود ورجال الشرطة الذين ينفذون عمليات التعذيب والقتل اللازمة للحفاظ على النظام القائم والدفاع عنه.
في نُظم الخدمة العسكرية كلها يرد، بكلمات أو بأخرى، ما يرد في نظام الخدمة العسكرية الروسي بالكلمات التالية (78): تنفيذ أوامر القيادة بدقة ودون تردد يعني: يجب تنفيذ الأمر المتلقى من القيادة بدقة، ودون مناقشة ما إن كان جيداً أم لا، وما إن كان تنفيذه ممكناً أم لا. القائد هو الذي يتحمل المسؤولية عن الأمر الذي يصدره. (88): يجب على المرؤوس عدم تنفيذ أمر رئيسه فقط حين يرى بوضوح -لاشعورياً يعرف المرء ما سيُقال- أنه، عبر تنفيذه الأمر، يخرق قانون الله.
لا يرد أبداً: إذا كان يرى بوضوح أنه ينكث بقسمه وإخلاصه للملك.
يرد أنَّ الشخص، حين يصبح جندياً، يجب عليه تنفيذ كافة أوامر القائد، دون استثناء، والتي تكمن معظمها، بالنسبة للجندي، في القتل، وبالتالي خرق كافة التشريعات الإلهية والإنسانية، لكن فقط ليس إخلاصه وخدمته للذي يحوز السلطة، بالصدفة في اللحظة المعطاة.
هذا ما يرد في نظام الخدمة العسكرية الروسي، وهو ما يرد بالضبط، وإن بكلمات أخرى، في كافة نظم الخدمة العسكرية، كما ينبغي أن يكون الأمر، لأنَّ كل جبروت الجيش والدولة إنما يقوم، في الواقع، على هذه الكذبة التي فحواها تحلل الناس من طاعة الله أو الإذعان لضمائرهم واستبدال هذه الطاعة بالخضوع لقائد عرضي ما.
هاكم علامَ يقوم اليقين الغريب للطبقات المعدمة بأنَّ النظام القائم، المُهلك لهم، هو النظام الذي يجب أن يكون، وبالتالي عليهم الحفاظ عليه من خلال التعذيب والقتل.
هذا اليقين قائم على كذبة متعمدة تمارسها عليهم الطبقات العليا.
ولا يمكن للأمر إلا أن يكون على هذا النحو. فمن أجل إرغام الناس، من الطبقات الدنيا الكثيرة العدد، على اضطهاد وتعذيب أنفسهم بأنفسهم، عبر ارتكابهم أعمالاً تناقض ضمائرهم في أثناء ذلك، كان لا بد من خداع هؤلاء الناس الفقراء الغفيرين. وهو ما صُنِع.
قبل أيام، مرة أخرى، شاهدت ممارسة مكشوفة لهذه الكذبة المخزية، ومرة أخرى أذهلني كيف أنها تُمارس بوقاحة وحرية.
في مطلع تشرين الأول، أثناء سفري عبر مقاطعة تولا، رأيت، عند مدخل مديرية الناحية، حشد الناس الكئيب المعروف لي، والذي كان يصدر عنه، عدا صيحات السكارى، عويل الأمهات والزوجات. كان يجري اختيار المجندين.
كعادتي، لم أستطع المرور بهذا المشهد مرور الكرام: إنه يجذبني إليه بغوايات شريرة ما. دخلت وسط الحشد ثانيةً، وقفت، نظرت، طرحت الأسئلة، وأذهلتني الحرية التي يتم بها ارتكاب هذه الجريمة المروعة في وضح النهار، ووسط حشد كبير.
كما في الأعوام السابقة، في كافة قرى وضيع روسيا، البالغ تعداد سكانها 100 مليون نسمة، في الأول من تشرين الأول، كان مخاتير القرى ينتقون، بموجب قوائم، شباناً محددين، أبناءهم غالباً، ويسوقونهم إلى المدينة.
كان يجري سُكْرٌ منفلت العقال في الشارع، لكن كبار السن لم يزعجوا المجندين، شاعرين أنَّ تطوعهم لهذا العمل المجنون، متخلين عن زوجاتهم وأمهاتهم، وممتكرين لكل ما هو مقدس فقط لكي يصبحوا أدوات سخيفة، في يد أحدهم، للقتل، مؤلم جداً إذا لم يخدر المرء نفسه بالنبيذ.
وهاهم يتجولون ويثملون ويغنون ويتشاجرون ويمسحون أنفسهم.
لقد أمضوا ليلتهم في الخانات. وفي الصباح، مرة أخرى شربوا وتجمعوا عند مدخل مديرية الناحية.
قسم منهم، يرتدي معاطف جديدة والأوشحة معقودة حول أعناقهم، بأعينهم الثملة الدامعة، يشجعون أنفسهم بصرخات وحشية، أو يتحدثون بهدوء وشجن قرب المدخل بين الأمهات والزوجات النائحات، في انتظار دورهم (لقد وصلت في اليوم الذي كانت تجري فيه المقابلات، أي فحص المعينين للخدمة العسكرية)؛ والقسم الآخر كان متجمهراً، في هذه الأثناء، في ممر المديرية.
أما في الدائرة فكان يجري عمل محموم. يُفتح الباب، وينادي الحارس على بيوتر سيدروف. بيوتر سيدروف يجفل، يرسم علامة الصليب، ويدخل غرفة صغيرة لها باب زجاجي. في هذه الغرفة يخلع المستدعون ملابسهم.
رفيق سيدروف، المجند الذي قُبل للتوّ والخارج من الدائرة عارياً، يرتدي ثيابه بسرعة وفكاه تصطكان. سمع بيوتر سيدروف أنَّ ذاك قد قُبل، ويرى ذلك في وجهه. يريد بيوتر سيدروف أن يسأله لكنهم يستعجلونه ويأمرونه بالإسراع في خلع ملابسه؛ فيلقي عنه معطفه، ويخلع جزمته بقدميه، وصديريته، ويرمي بقميصه من فوق رأسه دون أن يفك أزراره، ويدخل الدائرة عارياً، بأضلاعه البارزة، مرتعشاً، وتفوح منه رائحة النبيذ والتبغ والعرق، بقدمين حافيتين، محتاراً ماذا يفعل بيديه المعروقتين العاريتين.
في الدائرة، في الواجهة مباشرةً، في إطار ذهبي كبير، كانت معلقة صورة للملك في زيّه الرسمي ذي الوشاح، وفي الركن صورة صغيرة للمسيح يرتدي قميصاً وتاج الشوك على رأسه. في وسط الغرفة تنتصب طاولة مغطاة بجوخ أخضر اللون، وقد توضعت عليها أوراق وقطعة مثلثة الشكل رُسم عليها نسر. حول الطاولة يجلس الرؤساء بهيئة واثقة مطمئنة. أحدهم يدخن، والآخر يُقلِّب الأوراق. ما إن دخل سيدروف حتى دنا منه حارس ووضعه تحت المقياس، وراح ينقره من أسفل ذقنه ويصحح وضعية قدميه. ثم اقترب شخص في فمه لفافة تبغ- إنه الطبيب، ودون أن ينظر إلى وجه المجند، لمس جسده باشمئزاز وقاس طوله، وأمر الحارس بفتح فمه، أمره أن يأخذ شهيقاً، يقول شيئاً ما. وأحدهم يدون شيئاً ما. في نهاية المطاف، ودون أن ينظر إلى عينيه ولو لمرة واحدة، قال الطبيب: "يصلُح! التالي!" وبمظهر متعب جلس إلى الطاولة ثانيةً. مرة أخرى يدفع الجنود الشاب، ويستعجلونه. وهو يرتدي قميصه بسرعة تائهاً عن الأكمام، وبطريقة ما يرتدي بنطاله وجوربيه وجزمته، يبحث عن وشاحه وقبعته، يلتقط معطفه بعجالة، ويتم إخراجه إلى القاعة، حاجزين إياه خلف مقعد. خلف هذا المقعد ينتظر المجندون. شاب فتّي، قروي مثله، من مقاطعة بعيدة، قد صار جندياً مجهزاً ببندقية لها حربة حادة، يحرسه، وهو مستعدٌ لطعنه إذا ما فكر بالهرب.
في هذه الأثناء، يدفع رجال الدرك حشد الآباء والأمهات والزوجات، ويلتصق بالمدخل لمعرفة الذين قُبلوا والذين لم يتم قبولهم. يخرج أحد المرفوضين ويُعلن أنَّ بيتروخا قد قُبل، فينطلق عويل حبيبة بيتروخا التي بالنسبة إليها كلمة "مقبول" تعني فراقاً لمدة أربع أو خمس سنين، وتعني العمل طباخةً بالنسبة إليها، وحياة الفجور بالنسبة إليه.
وها هو شخص طويل الشعر، يرتدي ملابس تختلف عن ملابس الآخرين جميعاً، يعبر الشارع، ثم ينزل من العربة، ويتجه نحو مبنى مديرية الناحية. يفسح رجال الشرطة له الطريق عبر الحشد. "وصل "أبونا" لإجراء القسم". و"أبونا" هذا، الذي أقنعوه أنه خادم متميز واستثنائي للمسيح، والذي غالباً ما لا يلاحظ الكذبة التي يخضع لتأثيرها، يدخل الغرفة التي ينتظر فيها المقبولون، ويرتدي عباءة من الخيش مُدخلاً شعره الطويل عبر فتحتها، ويفتح ذلك الإنجيل ذاته الذي يُحرّم القسم، ويتناول الصليب، ذلك الصليب الذي صُلب عليه المسيح لأنه رفض القيام بما يقوم به الآن خادمه الوفي، فيضعهما على المنصب، وكل هؤلاء الفتيان العُزّل المخدوعين البؤساء يكرّرون وراءه الكذبة التي يلفظها بجرأة واعتيادية. هو يقرأ وهم يرددون: "أقسم بالله القدير، أمام إنجيله المقدّس... الخ، بأن أدافع، أي أقتل كل الذين يأمرونني بقتلهم، وأُنفذ كل ما يأمرني به هؤلاء الناس الذين أعرفهم، والذين يحتاجونني فقط لارتكاب الجرائم التي بفضلها يبقون في مناصبهم التي يضطهدون إخواني عن طريقها. كل الفتيان المقبولين يكرّرون هذه الكلمات الوحشية دون أن يفهموها، والمدعو "أبونا" سيغادر معتقداً أنه قد قام بواجبه بشكل صحيح وبراحة ضمير، وكل هؤلاء الفتيان المخدوعين سيعتقدون أنَّ تلك الكلمات السخيفة وغير المفهومة، التي نطقوها للتوّ، قد حرّرتهم، طوال مدة خدمتهم العسكرية، من واجباتهم الإنسانية وربطتهم إلى واجبات الجندية الجديدة الأكثر إلزامية.
وهذا الأمر يتم علناً، ولا أحد يصرخ بالخادعين والمخدوعين: ثوبوا إلى رشدكم وتفرقوا؛ فهذه الكذبة هي الأشد قبحاً وخبثاً، وهي لا تهلك أجسادكم فقط بل ونفوسكم أيضاً.
لا أحد يفعل هذا، على العكس، بعد أن قُبل الجميع ويجب إخلاء سبيلهم، كما لو سخرية منهم، يخرج القائد العسكري، بقة وتعظم، إلى الصالة التي حُبس فيها الفتيان المخدوعون المنتشون، ويهتف بطريقة عسكرية "تحية يا شباب! أهنئكم بـ"خدمة القيصر". والمساكين (سبق أن علّمهم أحدهم) يبرطمون بلغة شبه منتشية وغير معتادة، شيئاً من قبيل أنهم سعداء بهذا.
في هذه الأثناء يكون حشد الآباء والأمهات واقفاً قرب المدخل ينتظر. النساء ينظرن إلى الباب بأعين باكية محققة. وها هو الباب يُفتح، ويخرج المجندون المقبولون دائحين مترنحين: وبيتروخا وفانيوكا [فانيا] وماكار يحرصون على عدم النظر إلى ذويهم وعدم رؤيتهم. يتعالى عويل الأمهات والزوجات. بعضهم يتعانق ويبكي، وبعضهم يتظاهر بالشجاعة، وبعضهم يتنهد. الأمهات والزوجات، اللواتي يعلمن أنهن قد أصبحن يتيمات، وأنهن سيبقين دون معيل لثلاث أو أربع أو خمس سنوات، يولولن ويندبن بصوت واحد. الآباء نادراً ما يتحدثون، وفقط يبلعون ريقهم ويتنهدون بأسف، عارفين أنهم لن يروا ثانيةً مساعديهم الذي ربوهم وعلموهم، والذين لن يعودوا إليهم فلاحين كادحين متواضعين، كما كانوا من قبل، بل سيعودون معظمهم مفسداً، يُفضل دلال الجندية على الحياة البسيطة.
وها هو الحشد يركب الزلاجّات وينحدر إلى الأسفل عبر الشارع إلى الخانات والحانات، وبصوتٍ أعلى تدوي معاً، مقاطعةً بعضها بعضاً، الأغاني والعواء وصرخات السكارى ونواح الأمهات والزوجات وأصوات الهارمونيكا والشتائم. جميعهم يتوجهون إلى الخمارات والحانات، التي تذهب إيراداتها إلى الحكومة، ويبدأ السكر الذي يُخمد لديهم الشعور بعدم شرعية ما يُفعل بهم.
يبقون لأسبوعين أو ثلاثة في بيوتهم، ومعظم هذا الوقت يتسكعون، أي يثملون. وفي اليوم الموعود يتم تجميعهم وسوقهم، كالبهائم، إلى مكان ما، ويبدأون بتدريبهم وتعليمهم أساليب القتال. والذين يُدرّبونهم على ذلك مخدوعون ومتوحشون مثلهم لكنهم أقدم منهم فحسب بأسبوعين أو ثلاثة. وسائل التدريب هي: الأكاذيب، التخدير، الركل، الفودكا. ولن يمرّ عام واحد حتى يغدو هؤلاء الفتيان الطيبون الأذكياء الأصحاء نفسياً كائنات متوحشة كمدربيهم.
- فإذا كان أباك سجيناً وهرب؟ - سألتُ جندياً شاباً.
- قد أطعنه بالحربة. - أجاب بصوت الجنود المتميز السخيف،- وإذا ابتعد هارباً فيجب إطلاق النار عليه،- أضاف مفتخراً بجلاء لكونه يعرف ماذا عليه أن يفعل إذا ما هرب والده.
وحين يتم إيصال هذا الشاب الطيب إلى أدنى من مستوى الوحوش على النحو الذي يحتاج إليه أولئك الذين يستخدمونه أداةً للعنف يغدو جاهزاً: لقد أهلك إنسان وصُنعت أداة جديدة للعنف.
وهذا كله يحدث كل عام، كل خريف، في كل مكان، في روسيا كلها، في وضح النهار، في مدينة كبيرة، على مرأى من الجميع، والخدعة من الحذاقة والدهاء بحيث أنَّ الجميع يرونها، ويعلمون في أعماقهم مدى شناعتها، ويعلمون تبعاتها المرعبة كلها، ويعجزون عن التحرر منها.
3
حين تنفتح عيناك وتُبصر هذا الكذب المخيف الذي يُمارس على الناس، فسيُدهشك كيف يستطيع وعاظ الدين المسيحي ووعاظ الأخلاق ومربو الشبيبة والآباء العقلاء الطيبون ببساطة، الموجودين دائماً في المجتمعات كافة، التبشير بأي تعليم أخلاقي كان وسط مجتمع تقرُّ فيه كل الكنائس والسلطات بأنَّ التعذيب والقتل يُعدّان شرطان ضروريان لحياة البشر أجمعين، وأنه لا بدّ دائماً من وجود أناس خاصّين، مستعدين لقتل إخوانهم، قد يكون أي منّا واحداً من هؤلاء؟
كيف يمكن تعليم الأطفال والفتيان، وتنوير الناس عموماً، ناهيكم عن التنوير بروح المسيحية، أي عقيدة أخلاقية كانت جنباً إلى جنب التعليم الذي يقول إنَّ القتل ضروري للحفاظ على الرفاه العام، وبالتالي رفاهنا، وبالتالي مشروع، وإنَّ هناك أناساً، قد يكون أيّ منّا واحداً منهم، من واجبهم تعذيب وقتل أقربائهم، وارتكاب شتى أنواع الجرائم تبعاً لإرادة الذين يهيمنون على السلطة. وإذا كان التعذيب والقتل وارتكاب شتى أنواع الجرائم، تبعاً لإرادة المسكين بالسلطة، ممكناً وواجباً، فهذا ليس تعليماً أخلاقياً، ولا يمكنه أن يكون كذلك، بل هو حقّ القوي فحسب. وهكذا هي الحال. في الحقيقة، هذه العقيدة هي السائدة بالنسبة للذين يبررون نظرياً نظرية "الصراع من أجل البقاء".
وبالفعل، ما هذه العقيدة الأخلاقية التي يمكن بموجبها تبرير القتل مهما كانت الغاية؟ هذا مستحيل باستحالة الرياضيات التي قد تبيح أنَّ (2=3).
قد تبيح رياضيات مزيفة قاعدة أنَّ (2=3) لكن أيّ رياضيات حقيقية لن تفعل ذلك. يمكن فقط لعقيدة أخلاقية مزيفة أن تحلّل القتل على شكل إعدامات وحروب ودفاع عن النفس، لكن أيّ عقيدة أخلاقية حقيقية لن تفعل ذلك. إنَّ الإقرار بقدسية حياة الناس جميعاً هو الأساس الأول والوحيد لأي عقيدة أخلاقية.
لقد أبطلت المسيحية تعليم "عين بعين، وسنّ بسنّ، وحياةً بحياة" لأنَّ هذا التعليم ليس سوى تبرير للأخلاق، وليس سوى تعليم أخلاقي مزيف لا معنى له على الإطلاق. الحياة قيمة لا توزن ولا تُقاس، ولا يمكن لأي حياة أخرى قطعها، لذا ليس هناك معنى للقضاء على حياة لقاء حياة. فضلاً عن أنَّ أي قانون اجتماعي إنما يهدف إلى تحسين حياة الناس. فكيف يمكن تحسين حياة الناس عبر القضاء على حياة بعض الناس؟ القضاء على حياة لا يُحسّن الحياة، بل هو انتحار. القضاء على حياة شخص آخر لتحقيق العدالة يشبه أن يقوم شخص، فقد ذراعاً، بقطع ذراعه الأخرى لكي يحقق العدالة.
لكن، ناهيكم عن خطيئة الكذب التي بموجبها تتمثل أشد الجرائم هولاً للناس على أنها واجب، ناهيكم عن الخطيئة المخيفة المتمثلة في استخدام اسم المسيح وصورته لشرعنة أكثر عمل حرّمه المسيح، كما يحدث في القسم، ناهيكم عن الإغواء الذي لا يُهلك فقط أجساد بل ونفوس "هؤلاء الصغار"، ناهيكم عن هذا كله، كيف يستطيع الناس، حتى ولو لأجل أمنهم الشخصي، السماح بأن تتشكل بينهم، بين أناس يحرصون على نمط حياتهم وتقتهم، تلك القوة المخيفة العنيفة المميتة التي لا معنى لها، والتي تشكّلها أي سلطة مخيفة مرتكزة على الجيش؟ إنَّ أشد عصابة طرق قطاع طرق قسوةً وهولاً ليست مخيفة بقدر مؤسسة الدولة هذه. أي زعيم عصابة قطاع طرق مقيد، رغم كل شيء، بأنَّ الناس الذين تشكّل عصابته منهم يبقى لديهم نصيب من الحرية الإنسانية، ويمكنهم الاعتراض على الأعمال التي تناقض ضمائرهم. لكن الناس الذين يشكلون جزءاً من سلطة منظمة تنظيماً جيداً، تملك جيشاً منضبطاً الانضباط الذي بلغه في الوقت الراهن، بالنسبة لأناس كهؤلاء لا توجد أي حدود. ما من جرائم أشدّ هولاً من التي قد يرتكبها أناس يشكلون جزءاً من السلطة والجيش، تبعاً لمشيئة من قد يرأسهم بالصدفة (من أمثال بولانجيه أو بوغاتشوف أو نابليون).
غالباً، ليس حين ترى "سوق" المجندين وتدريبات الجنود والمناورات العسكرية بل كذلك حين ترى رجال الشرطة بمسدساتهم المحشوة والخفراء ببنادقهم المثبت عليها الحراب، وحين تسمع (كما أسمع في "خاموفنيكي"، حيث أقيم) لأيام بأكملها صفير وأزيز طلقات الرصاص حين تصيب الدرايا، وترى وسط المدينة، حيث تُمنع أي محاولة للثأر أو العنف، حيث لا يُسمح ببيع البارود والعقاقير، وبالسرعة الزائدة، وبممارسة الطب دون شهادة طبية،...الخ، وترى في هذه المدينة ذاتها آلاف الناس من الجيش النظامي، المدربين على القتل، والخاضعين لشخص واحد،- فإنك تتساءل: كيف يمكن للناس، الحريصين على أمنهم، السماح بهذا وتدوي وتتحمله بهدوء؟ إذ، بغض النظر عن ضرره ولأخلاقيته، ما من شيء يمكنه أن يكون أشدّ خطراً من هذا. فماذا ينتظر -دع عنك المسيحيين- كل القساوسة ومحبو الإنسانية والأخلاقيون والمسيحيون، ماذا ينتظر كل الحريصين، على الأقل، على حياتهم وأمنهم ورفاهيتهم؟ فهذه المنظمة سوف تتصرف دائماً على هذا النحو، أيّاً كان الذين يقف على رأسها؛ لنفترض أنَّ السلطة الآن في أيدي حاكم مقبول، لكن غداً قد يستولي عليها نيرون أو إليزابيث أو كاترين أو بوغاتشوف أو نابليون الأول أو الثالث. بل حتى ذلك الشخص، الذي السلطة في يده، المقبول حالياً، قد يتحول إلى وحش غداً، أو قد يجلس مكانه وريث مجنون أو شبه مجنون، كالملك البافاري أو بافل [يولس].
وليست القيادات العليا فقط: كل هؤلاء الطغاة الصغار المنتشرين في كل مكان، كمختلف البارونات ورؤساء الشرطة وحتى رؤساء المخافر وقوّاد السرايا، قد يرتكبون جرائم مروّعة قبل أن يتسنّ استبدالهم، كما يحدث غالباً.
لاإرادياً يتساءل المرء: كيف يسمح هؤلاء الناس بهذا، إن لم يكن لاعتبارات حكومية عليا فمن أجل أمنهم الشخصي؟
الجواب عن هذا السؤال هو أنَّ ليس كلّ الناس يسمحون بهذا (بعضهم -القسم الأكبر-، مخدوع وخانع، وليس بمقدوره عدم السماح بأي شيء كان)، بل يسمح بهذا الناس الذين يشغلون، فقط في ظلّ مؤسسة كهذه، مواقع مربحة في المجتمع. وهم يسمحون به لأنَّ خطر المعاناة، بالنسبة إلى هؤلاء الناس، من جرّاء هيمنة شخص مجنون أو عنيف على الحكومة والجيش، هو دائماً أقلّ من المكاسب، مقارنةً بما قد يتعرّضون له في حال القضاء على المؤسسة ذاتها.
القاضي أو الشرطي أو المحافظ أو الضابط سيبقى دائماً في منصبه في ظلّ حكم بولانجيه أو الجمهورية، بوغاتشوف أو كاترين، لكنه قد يفقد منصبه إذا انهار النظام القائم الذي يضمن له منصبه المربح. لذا لا يخشى هؤلاء الناس جميعاً مَن الذي سيصبح رئيس مؤسسة القهر؛ فهم سيتكيفون مع أيّ كان لكنهم يخشون القضاء على المؤسسة ذاتها لذا يدعمونها دائماً، ولاشعورياً غالباً.
كثيراً ما يُدهش المرء من سبب التحاق هؤلاء الناس الأحرار، المُسمّون زهوة المجتمع، بالخدمة العسكرية، دون أن يكونوا مضطرين إلى ذلك على الإطلاق، في روسيا وإنكلترا وألمانيا والنمسا وحتى فرنسا، ويبحثون عن فرصة ليصبحوا قتلة! لماذا يُلحق الآباء الأخلاقيون أبناءهم بالمؤسسات التي تُعدّهم للعمل الحربي؟ لماذا تشتري الأمهات لأبنائهن الخوذ والبنادق والرماح، كألعاب محببة؟ (أبناء الفلاحين لا يلعبون ألعاب الحرب أبداً). لماذا يفتتن الرجال الطيبون والنساء كذلك، الذين لا علاقة لهم أبداً بالشأن العسكري، ببطولات "سكوبيليف" وغيره، ويثنون عليها بعناية؛ لماذا يكرّس أناس شهوراً بأكملها من العمل الدؤوب، دون أن يكونوا مجبرين على ذلك، ودون أن يتلقوا رواتب لقاء ذلك غالباً، كالمخاتير في روسيا، للقيام بعمل مضنٍ بدنياً ومؤلم أخلاقياً: مقابلة المجندين الجدد؟ لماذا يتجول كلّ هؤلاء الأباطرة والملوك بالأزياء العسكرية، لماذا يجرون المناورات والاستعراضات الحربية، ويقدمون الأوسمة للضباط، ويقيمون النُصب التذكارية للجنرالات والفاتحين؟ لماذا يعتبر أناس أحرار أغنياء شرفاً أن يلتحقوا بخدمة كائنات ذوي تيجان، فيتذللون لهم ويتملقونهم ويدّعون أنهم يصدقون العظمة الاستثنائية لهؤلاء الأشخاص؟ لماذا لا يعودون يؤمنون منذ زمن بعيد بالخرافات الكنسية القروسطية التي ليس بمقدورهم الإيمان بها، يتظاهرون بالإيمان بها بجدية، ودون تردد يساندون المؤسسات الدينية والمجدِّفة؟ لماذا يُحرس جهل الشعب بهذا الحرص من قِبل أناس مستقلين عن المجتمع "الراقي"، وليس من قِبل السلطات فقط؟ لماذا ينقضّون بهذا الاحتدام على أيّ محاولة لتحطيم الخرافات الدينية وعلى التنوير الحقيقي للشعب؟ لماذا يقوم المؤرخون والروائيون والشعراء، دون أن يتلقوا شيئاً لقاء تملقهم، بوصف الأباطرة والملوك والقوّاد، الموتى منذ زمن بعيد، بأنهم أبطال؟ لماذا يكرّس أناس، يدعون أنفسهم العلماء، حياتهم برمتها لوضع نظريات ينتج بموجبها أنَّ العنف الذي تمارسه السلطة ضد الشعب ليس عنفاً بل حق استثنائي؟
غالباً ما يُدهش المرء من أن تقوم امرأة من علية القوم، أو رسّام، ممَن لا يهتمون لا بالقضايا الاجتماعية ولا بالمسائل الحربية، بإدانة إضراب للعمال والدعوة إلى الحرب، ومهاجمة أحد الأطراف بالذات دائماً، والدفاع عن الطرف الآخر؟
لكنَّ هذا كله سيظلّ يثير دهشة المرء إلى أن يفهم أنَّ سبب ذلك هو أنَّ كلّ الناس من الطبقات الحاكمة دائماً يشعرون غريزياً بما يهدم وما يسند المؤسسة التي يتمتعون بفضلها بالامتيازات التي يتمتعون بها.
المرأة، التي من علية القوم، لم تجرِ محاكمة عقلية بأسفه إذ لم يكن هناك رأسماليون والقوات التي تحميهم فلن يكون لدى زوجها مال، ولن يكون لديها صالونها وثيابها؛ والرسّام أيضاً لم يجرِ محاكمة كهذه بأنَّ الرأسماليين، الذين تحميهم الجيوش، لازمين له ليكون هناك من يشتري لوحاته، لكنَّ الغريزة، التي تحلّ محلّ الإدراك في هذه الحالة، تقودهما دونما خطأ. وهذه الغريزة بالذات هي التي تقود، مع استثناءات قليلة، كلّ الذين يدعمون كلّ تلك المؤسسات السياسية والدينية والاقتصادية المفيدة لهم.
لكن هل يُعقل أنَّ أناس الطبقات العليا قادرون على الإبقاء على هذا النظام فقط لأنه مفيد لهم؟ لا يمكن لهؤلاء الناس عدم رؤية أنَّ هذا النظام إنما هو نظام سيئ بذاته، وأنه لم يعد متناسباً مع مستوى وعي البشر، ولا حتى مع الرأي العام، وأنه مليء بالأخطار. ليس بمقدور الناس من الطبقات الحاكمة،- الشرفاء والأخيار والأذكياء منهم،- ألا يعانوا من جرّاء هذه التناقضات الداخلية، وألّا يروا مخاطر هذا النظام عليهم. وهل يُعقل أنَّ أبناء الطبقات الدنيا، ملايين هؤلاء، يمكنهم، بنفس مطمئنة، ارتكاب كلّ هذه الأعمال الشريرة بوضوح، أعمال التعذيب والقتل التي يُرغمون عليها، فقط لأنهم يخشون العقاب؟ هذا لا يُعقل بالفعل، فلا هؤلاء ولا أولئك لا يمكنهم عدم رؤية حماقة أعمالهم لو لم تحجب خصوصية نظام الدولة عن هؤلاء وأولئك مجمل لاطبيعية وحماقة الأعمال التي يقومون بها.
هذه الحماقة تحتجب من خلال فقط المحرّضين والمعينين عليها، والمتغاضين عنها، يكونون موجودين عند القيام بأي من هذه الأعمال بحيث أنَّ أحداً من المشاركين في الأمر لا يشعر أنه مسؤول عنه أخلاقياً.
القتلة يُجبرون جميع المتواجدين أثناء عملية القتل بضرب الضحية التي سبق لها أن ماتت بحيث تتوزع المسؤولية على أكبر عدد من الناس. وهو ما يحدث في النظام الدولتي، بأشكال أكثر دقة، عند ارتكاب هذه الجرائم كلها، والتي يستحيل قيام أي نظام دولتي دون ارتكابها باستمرار. السلطات الحكومية دائماً تتطلع إلى جرّ أكبر عدد من المواطنين إلى المزيد من المشاركة في جميع الجرائم التي ترتكبها، والضرورية بالنسبة إليها.
في الآونة الأخيرة يتجلّى هذا بسطوع خاصّ من خلال اجتذاب المواطنين إلى المحاكم كمحلّفين، وإلى الجيش كجنود، وإلى الإدارة المحلية والمجلس التشريعي كناخبين ونوّاب.
من خلال نظام الدولة الذي النهايات كلها مخفية فيه، كضفائر سلة مصنوعة من الخيزران، بحيث يستحيل إيجادها، يتم إخفاء المسؤولية عن الجرائم المرتكبة عن الناس بطريقة بحيث أنَّ الناس، حين يرتكبون أشدّ الأعمال هولاً، لا يرون مسؤوليتهم عنها.
في الأزمنة القديمة كان يتم اتهام الطغاة على الجرائم التي تحدث لكن في زماننا يتم ارتكاب أفظع الجرائم التي لا مثيل لها، في ظلّ حكم "النيرونات"، وما من أحد لاتهامه. أحدهم يأمر بها، وآخر يصدر الحكم، وثالث يصادق عليها، ورابع يقترح، وخامس يقدّم التقارير، وسادس يوقع عليها، وسابع ينفذها. يُقتل ويُشنق ويُجلد النساء والشيوخ الأبرياء، كما حدث لدينا في روسيا منذ عهد قريب في مصنع يوزفسكي، وكما يحدث في كلّ مكان من أوروبا وأمريكا- في محاربة الأناركيين وكلّ الذين يخرقون النظام القائم: يتم قتل وشنق، وإطلاق النار على، مئات بل آلاف الأشخاص، أو، كما يحدث في الحروب، يُقتل ويُهلك ملايين الناس، أو، كما يحدث باستمرار، يتم إهلاك نفوس الناس في السجون الانفرادية، وفي تشكيلات الجيش المفسدة، وما من أحد لإدانته.
على أدنى درجات السلم الاجتماعي يقوم الجنود، ببنادقهم ومسدساتهم وسيوفهم، بتعذيب الناس وقتلهم، وعن طريق هذا التعذيب والقتل بالذات يرغمون الناس على الالتحاق بالجيش، وهم واثقون تماماً من أنَّ المسؤولية عن أعمالهم منزوعة عنهم من قِبل القيادة التي تأمرهم بهذه الأفعال.
على أعلى الدرجات يأمر الملوك والرؤساء والوزراء والقوّاد بعمليات التعذيب والقتل هذه، ويستدعون الناس إلى الخدمة العسكرية، وهم واثقون تماماً من أنهم لا يتحملون المسؤولية لكون الأوامر تأتيهم من جهة، ومن جهة أخرى لأنَّ هذه الأوامر ذاتها يطالبهم بها كلّ الذين يقفون على الدرجات الأدنى.
السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، المتموضعتان عند نهايتي نظام الدولة، تلتقيان كنهايتي حلقة، إحداهما تشترط الأخرى وتسندها وتسند الحلقات الوسيطة كلها. لولا قناعتهم بأنَّ هناك شخص، أو أشخاص، يأخذ على عاتقه مسؤولية هذه الأعمال لما رفع جندي واحد يده للتعذيب أو القتل. لولا الاعتقاد بأنَّ الشعب كله يريد ذلك لما كان بمقدور أي إمبراطور أو ملك أو رئيس أو مجلس أن يأمر بأي من عمليات التعذيب والقتل هذه. لولا قناعتهم بأنَّ هناك أشخاصاً أعلى منهم مرتبة يأخذون على عاتقهم المسؤولية عن أعمالهم، وبوجود أناس أدنى منهم مرتبة يطالبون بالقيام بهذه الأعمال لأجل مصلحتهم، لما كان بمقدور أيّ من الناس، ممَن يقفون على الدرجات الوسيطة بين الحكّام والجنود، القيام بالأعمال التي يقوم بها.
إنَّ نظام الدولة على نحو بحيث أنَّ مستوى عدم شعور الإنسان بالمسؤولية، أيّاً كانت درجة السلّم الاجتماعي التي يتواجد عليها، هو دائماً على حاله: كلّما علت مكانته على السلّم الاجتماعي كلما كان معرّضاً أكثر لتأثير مطلب التصرف من الأسفل، وكلما كان معرّضاً أقلّ لتأثير الأوامر من الأعلى، وبالعكس.
لكن فضلاً عن أنَّ كلّ الناس، المرتبطين بنظام الدولة، يحملون بعضهم بعضاً مسؤولية الأعمال التي يقومون بها: الفلاح، المأخوذ إلى الجندية، يُحمّل المسؤولية النبيل أو التاجر الذي يلتحق بالضباط، والضباط يُحملها النبيل الذي يشغل منصب المحافظ، والمحافظ يحملها ابن الموظف أو النبيل الذي يشغل منصب الوزير، والوزير يحملها عضو العائلة المالكة الذي يشغل منصب الملك، والملك يحملها ثانيةً كلّ هؤلاء النبلاء والتجار والفلاحين، وفضلاً عن أنَّ الناس يتخلصون، بهذه الطريقة، من إدراك مسؤوليتهم عن الأعمال التي يرتكبونها، فإنهم يفقدون إدراكهم الأخلاقي لمسؤوليتهم أيضاً من جرّاء أنهم، إذ ينتمون إلى نظام الدولة، يقنعون أنفسهم والآخرين، دائماً وباستمرار ودأب، بأنهم ليسوا متشابهين بل مختلفون عن بعضهم بعضاً "كما يختلف نجم عن نجم"، بحيث يبدأون بتصديق ذلك حقاً. فبعضهم يؤكد أنهم ببساطة ليسوا كالآخرين ولا يشبهونهم، وأنهم أناس متميزون يجب أن يكونوا موضع احترام خاص، ويوهمون الآخرين، بشتى السبل، بأنهم أدنى من الآخرين، وبالتالي يجب أن يخضعوا لكل ما يأمر به الذين أعلى منهم دونما اعتراض.
بالذات على عدم المساواة هذه، وعلى تعظيم بعض الناس والحطّ من قيمة آخرين، تقوم، بشكل رئيس، قدرة الناس على عدم رؤية نظام الحياة القائم وقسوته وإجراميته، وعدم رؤية الكذبة التي يمارسها بعضهم على بعضهم الآخر.
بعضهم، ممن أوهموا بأنهم يتميزون بقيمة وعظمة غير عادية، ينتشي بهذه العظمة الموهومة بحيث يكفّ عن رؤية مسؤوليته عن الأعمال التي يقوم بها؛ وآخرون، ممّن يتم إيهامهم، بالعكس، بأنهم كائنات تافهة، ويجب عليهم الإذعان للذين أعلى منهم في كلّ شيء، نتيجةً لحالة الإذلال المستمرّ هذه، ينحطّون إلى حالة نشوة غريبة من الخنوع، ونتيجةً لهذه النشوة هم أيضاً لا يرون معنى أفعالهم، ولا يعودون يدركون مسؤوليتهم عنها. أما الناس الذين في الوسط، الخاضعين للذين في الأعلى من جهة، والمعتبرين أنفسهم أعلى من جهة أخرى، فيخضعون للتأثير المُسكر للسلطة والخنوع في الآن ذاته، ويفقدون من جرّاء ذلك إدراكهم لمسؤوليتهم.
يكفي وحسب النظر إلى قائد أعلى منتشٍ بعظمته، يرافقه نوّابه -جميعهم يعتلون صهوات جياد أصيلة رائعة، بأزيائهم الرسمية المتميزة وبعلامات تميزهم- حين يجول، على أصوات الأبواق المظفرة، أمام جنود الحراسة المتجمدين من الخنوع،- يكفي النظر إلى هذا حتى يفهم المرء أنَّ القائد الأعلى والجنود وكلّ الذين في الوسط، المتواجدين في هذه الدرجة العالية من الانتشاء، قادرون، في هذه اللحظة، على القيام بأعمال ما كانوا ليفكروا بالقيام بها أبداً في ظروف أخرى.
لكنَّ النشوة التي يشعر بها الناس عند ظواهر كالاستعراضات والحملات العسكرية والاحتفالات الكنسية ومراسم التتويج، هي مجرد حالة مؤقتة وذروية، لكن هناك حالات أخرى، حالات نشوة دائمة ومستمرة يختبرها، بصورة متماثلة، الناس الذين يتمتعون بالسلطة، أيّاً كانت، بدءاً من سلطة الملك وصولاً إلى سلطة الشرطي الواقف في الشارع، وكذلك الناس الخاضعون للسلطة الذين هم في حالة نشوة الخنوع، والذين، لتبرير وضعهم، دائماً ينسبون، كما تجلّى ويتجلّى لدى كلّ العبيد، أعلى قيمة وجدارة للذي يخضعون له.
على كذبة عدم تساوي الناس هذه، وعلى النشوة من السلطة والخنوع الناتج عنها، تقوم، بصورة رئيسة، قابلية الناس، المتحدين في النظام الدولتي، للقيام بأعمال تناقض ضمائرهم دون أن يشعروا بتأنيبها.
تحت تأثير هذه النشوة -نشوة السلطة ونشوة الخنوع، سواءً بسواء- يتمثل الناس لأنفسهم وللآخرين ليسوا ما هم عليه بالفعل،- بشراً، بل كائنات خاصة متميزة: نبلاء، تجّار، محافظون، قضاة، ضباط، ملوك، وزراء، جنود، لا يجدر بهم القيام بالواجبات الإنسانية العادية بل بواجبات أفضل من الواجبات الإنسانية، أي واجبات النبلاء والتجار والمحافظين والقضاة والضباط والملوك والوزراء والجنود.
بالتالي؛ فالملاك، الذي رفع دعوى قضائية للاستيلاء على الغابة، قد فعل ما فعل فقط لأنه لا يتصور نفسه شخصاً عادياً له ذات الحقّ في الحياة الذي لجميع الفلاحين الذين يعيشون بجواره، بل يتصور نفسه ملاكاً كبيراً وفرداً من طبقة النبلاء، ونتيجةً لذلك، تحت تأثير نشوة السلطة، شعر بالإهانة من جرّاء دعاوى الفلاحين. فقط بسبب هذا، دون أن يأخذ بالحسبان العواقب التي قد تنتج عن طلبه، أرسل التماساً يطالب فيه بحقّه المزعوم.
كذلك تماماً القضاة، الذين قضوا بالغابة للملاك، إنما فعلوا ما فعلوا فقط لأنهم لا يتصورون أنفسهم مجرد أناس ككلّ الآخرين، وبالتالي من واجبهم، في كلّ ما يفعلون، الانقياد فقط لما يعتبرون أنه الحقّ، وإنما يتصورون أنفسهم، ثملين بالسلطة، حُماة الحقّ الذين لا يمكنهم أن يخطئوا، في حين أنهم تحت تأثير نشوة الخنوع يتصورون أنفسهم مُلزمين بتطبيق أقوال مكتوبة في كتاب معين، تدعى القانون. على هذا النحو تماماً يتصور أنفسهم أشخاصاً استثنائيين، نتيجةً للتأثير المُسكر للسلطة أو الخنوع، وليس كما هم على حقيقتهم، كلّ المشاركين في هذا الأمر، بدءاً من القيصر، الذي وقّع على تقرير الوزير، والمختار الذي ينتقي المجندين للجيش، والقسّ الذي يكذب عليهم، وصولاً إلى آخر جندي يستعدّ الآن لإطلاق النار على إخوانه. جميعهم يفعلون ما يفعلون، وهم مستعدون للقيام بما يجب عليهم، فقط لأنهم يتصورون أنفسهم، ويتصورهم الآخرون كذلك، ليسوا كما هم بالفعل،- بشراً يواجهون السؤال المتعلق بمشاركتهم أو عدم مشاركتهم في العمل السيئ الذي يدينه ضميرهم، وإنما يتمثلون لأنفسهم وللآخرين أشخاصاً استثنائيين مختلفين: أحدهم يتصور نفسه ملكاً- مقدساً، كائناً استثنائياً، من واجبه الاهتمام بمصالح 100 مليون شخص، وآخر يتصور نفسه ممثلاً للنبلاء، وثالث قساً يتمتع بفضيلة متميزة بفضل تكرّسه، ورابع جندياً يُلزمه قسمه بتنفيذ كلّ ما يُؤمر به دون جدال.
فقط تحت تأثير نشوة السلطة والخنوع، الناتجة عن مواقعهم المتخيلة، استطاع ويستطيع كلّ هؤلاء الناس أن يفعلوا ما يفعلون. لو لم تكن لدى كلّ هؤلاء الناس قناعة راسخة بأنَّ لقب الملك أو الوزير أو المحافظ أو القاضي أو النبيل أو الملاك أو المختار أو الضابط أو الجندي شيء حقيقي وبالغ الأهمية لما استطاع أيّ من هؤلاء الناس التفكير، دون الشعور بالخوف والاشمئزاز، بالمشاركة في الأعمال التي يقوم بها الآن.
المناصب الاستثنائية، الناشئة منذ مئات السنين، التي أقرّها لقرون ويقرّها الآن الجميع، والتي تُطلق عليها مسمّيات خاصة، عدا عن أنها ترسّخ عبر شتى أنواع الاحتفالات، يُوهم الناس بها، عبر التأثير في أحاسيسهم ومشاعرهم، إلى درجة أنهم ينسون الشروط العادية والعامة للحياة، ويبدأون بالنظر إلى أنفسهم وإلى الآخرين فقط من وجهة النظر المشروطة هذه، وفقط من خلال وجهة النظر المشروطة هذه يقيّمون أفعالهم وأفعال الآخرين.
وهكذا، فإنَّ شخصاً سليم العقل تماماً، طاعناً في السنّ، فقط لأنه يرتدي زيّاً سخيفاً أو مضحكاً، لأنَّ هناك مفاتيح على مؤخرته أو شريطاً أزرق يليق بفتاة مغناج، ولأنهم يوهمونه بأنه جنرال أو فارس أندرييفسكي أو عبيط ما من هذا القبيل، فجأةً يغدو من جرّاء ذلك مغروراً أو فخوراً أو حتى سعيداً، أو، على العكس، لأنه حُرِم من، أو لم يحصل على، الرتبة الموعودة أو اللقب الموعود يغدو كئيباً وحزيناً إلى حدّ أنه قد يمرض. والمثير للدهشة أكثر هو أنَّ شاباً حرّاً، سليم العقل، بل حتى غنياً، فقط لأنه سُمِّي، وأصبح، محققاً قضائياً أو مدير ناحية، يأخذ أرملةً بائسةً من أطفالها الصغار ويلقي بها في السجن، تاركاً أطفالها دون أمّ، فقط لأنَّ هذه المرأة المسكينة تتاجر بالنبيذ سرّاً وتحرم الخزينة من إيراد مقداره 25 روبلاً، دون أن يشعر بأدنى ندم من جرّاء ذلك. أو، ما هو أكثر إثارةً للدهشة بعد، أنَّ شخصاً عاقلاً ووديعاً، فقط لأنه يرتدي نوطاً أو زيّاً رسمياً، ولأنه قيل له إنه خفير أو جمركي، يبدأ بإطلاق الرصاص على الناس، ولا هو ولا الذين من حوله ليس فقط لا يعتبرونه مذنباً في هذا بل سيعتبرونه مذنباً إذا لم يطلق النار؛ ناهيكم الحديث عن القضاة والمحلفين الذين يُصدرون أحكام الإعدام، وعن القوّاد العسكريين الذين يقتلون الآلاف دون أدنى شعور بالذنب فقط لأنهم يعتقدون أنهم ليسوا مجرد بشر بل محلّفون وقضاة وجنرالات وجنود.
حال الناس هذه، الدائمة وغير الطبيعية والغريبة، في الحياة الدولية يُعبَّر عنه بالكلمات على النحو التالي عادةً: "كإنسان، أشفق عليه، لكن كخفير أو قاضٍ أو جنرال أو محافظ أو ملك أو جندي، يجب عليّ قتله أو تعذيبه"، تماماً كأنما هناك موقع معين أو مُعترف به من قبل الناس يمكن منه إلغاء الواجب الإنساني الموضوع على عاتق كلّ منا.
فعلى سبيل المثال، في الحالة الراهنة يذهب أناس لقتل وتعذيب أناس جائعين، رغم معرفتهم بأنَّ، في الخلاف بين الفلاحين والملاك، الفلاحين على حقّ (القوّاد جميعاً قالوا لي هذا الكلام)، وأنَّ الفلاحين بؤساء وفقراء وجائعون، وأنَّ الملاك غنيٌّ ولا يستدرّ التعاطف، وكلّ هؤلاء الناس -رغم ذلك- ذاهبون لقتل الفلاحين لكي يحصل الملاك على 3000 روبل، فقط لأنَّ هؤلاء الناس لا يتصورون أنفسهم في هذه اللحظة بشراً بل يتصور أحدهم نفسه محافظاً، وآخر موظفاً، وآخر جنرال درك، وآخر ضابطاً، وآخر جندياً، ولا يعتبرون مطالب ضمير الإنسان الأبدية إلزامية لهم بل هم ملزمون بالمطالب العرضية المؤقتة لمواقعهم كضباط أو جنود. والتفسير الوحيد لهذه الظاهرة المثيرة للدهشة هو أنَّ هؤلاء الناس يتواجدون في حالة أناس منومين، والذين، كما يُقال، يؤمرون بتصور أنفسهم أو الشعور بأنفسهم في أوضاع استثنائية معينة، والتصرف كما قد تتصرف الكائنات التي يُشخّصونها، كأن يتم إيهام الشخص المنوَّم، على سبيل المثال، بأنه أعرج فيبدأ بالعرج، أو أنه أعمى فلا يعود يبصر، أو أنه حيوان مفترس فيروح يعضّ. وهذه ليست حال ركّاب هذا القطار فقط بل هي حال كلّ الذين يُفضلون أداء واجباتهم الاجتماعية والحكومية على حساب واجبهم الإنساني.
تكمن حقيقة هذا الوضع في أنَّ الناس، بتأثير من الفكرة الوحيدة المُلَقّنة لهم، يعجزون عن معاينة أفعالهم وبالتالي، دونما نقاش، يقومون بكلّ ما يؤمرون به وكلّ ما يُدفعون إليه عبر القدوة أو النصيحة أو الإيماءة، تبعاً للفكرة التي لُقّنوها.
الفرق بين المنومين بطريقة اصطناعية وبين الخاضعين لإيهام الدولة يكمن في أنَّ المنومين صناعياً يتم إيهامهم من قِبل شخص واحد ولفترة زمنية قصيرة جداً لذا يتمثل لنا هذا الوهم بشكل حاد يثير دهشتنا، في حين أنَّ الناس، الذين يتصرفون بتأثير من إيهام الدولة، وضعهم المتخيّل يوحي إليهم بالتدريج، شيئاً فشيئاً، بشكل غير ملحوظ، منذ الطفولة، وليس لسنوات فحسب بل لأجيال أحياناً، عدا عن أنه لا يوحي إليهم من قِبل شخص واحد بل من قِبل كلّ الذين من حولهم.
"لكن،- سيقولون رداً على ذلك،- دائماً، في كل المجتمعات، معظم الناس: كلّ الأطفال، كلّ النساء المنهمكات بالحمل والولادة والرضاع، الجماهير الهائلة من العمال المضطرين إلى العمل العضلي الدؤوب والمستمر، كلّ ضعاف العقول بالطبيعة، كلّ الناس غير الطبيعيين نتيجة تسممهم بالنيكوتين والكحول والأفيون أو لأسباب أخرى،- كلّ هؤلاء الناس يتواجدون دائماً في وضع بحيث، لعجزهم عن التفكير المستقل، يطيعون أناساً أعلى منهم درجةً من حيث الإدراك العقلي، أو يذعنون للتقاليد الأسرية والدولية المُسماة بالرأي العام، وفي هذا الخضوع لا يوجد ما هو غير طبيعي ومتناقض".
وبالفعل، لا يوجد ما هو غير طبيعي في ذلك، وقابلية ضعاف العقول للإذعان لأوامر الناس الأعلى إدراكاً هي صفة دائمة للبشر، الصفة التي بنتيجتها يمكن للناس، عبر خضوعهم لذات المبادئ العقلانية، أن يعيشوا كمجتمعات: بعضهم -الأقلية- يخضع لذات المبادئ العقلانية بسبب توافقها مع متطلبات عقله؛ وآخرون -الأكثرية- يخضعون لذات المبادئ لاشعورياً فقط لأنَّ هذه المطالب أصبحت رأياً عاماً. إنَّ خضوع ضعاف التفكير لا يعدّ غير طبيعي إلى أن ينقسم الرأي العام إلى قسمين.
لكن تكون هناك أوقات تستولي فيها الحقيقة، المناقضة لمستوى الإدراك السابق، والتي يكتشفها عدد من الناس في البداية، عن طريق انتقالها من بعضهم إلى بعضهم الآخر بانتظام، على عدد كبير من الناس بحيث أنَّ الرأي العام السابق، القائم على مستوى أدنى للإدراك، يبدأ بالترنح، والرأي العام الجديد مستعد للتشكل لكنه لم يتشكل بعد. هناك أوقات، كالربيع، لم ينهرْ فيها بعد الرأي العام القديم ولم يتشكل الجديد بعد، وذلك حين يبدأ الناس بمحاكمة أفعالهم وأفعال الآخرين بناءً على إدراك جديد، في حين أنَّ الحياة تستمر، بقوة العطالة وبسبب التقليد، بالخضوع للمبادئ التي فقط في الأزمنة القديمة كانت تُعتبر أعلى مستويات الإدراك الحصيف، والتي الآن تتعارض معه بشكل واضح. وحينها الناس، من جهة، يشعرون بضرورة الانصياع للرأي العام الجديد، ومن جهة أخرى، لا يحسمون أمرهم للتخلي عن القديم، ويتواجدون في حالة متأرجحة غير طبيعية. وفيما يتعلق بالحقائق المسيحية، هذه هي حال البشر جميعاً في زماننا وليس فقط المتواجدين في هذا القطار.
في هذا الوضع يتواجد، بصورة متماثلة، أناس الطبقات العليا الذين يتمتعون بمكانة استثنائية مفيدة لهم، وكذلك أناس الطبقات الدنيا الذين يذعنون لما يؤمرون به دونما اعتراض.
بعضهم -أناس الطبقات الحاكمة-، والذين لم يعد لديهم تفسير معقول للمكانة المربحة التي يشغلونها، مضطرون، للحفاظ على مكانتهم، إلى قمع قدراتهم العقلانية السامية، وإيهام أنفسهم بضرورة مكانتهم الاستثنائية، بينما الآخرون -الطبقات الدنيا-، المسحوقون بالعمل والمخدّرون بصورة متعمدة، يتواجدون في حالة دائمة من الإيهام المُمارس عليهم، بدأب واستمرار، من قِبل أناس الطبقات العليا.
فقط بهذا يمكن تفسير تلك الظواهر المدهشة التي تمتلئ بها حياتنا، والتي نماذجها المذهلة تمثلت في أولئك الناس الودعاء الطيبين، الذين أعرفهم، والذين صادفتهم في التاسع من أيلول، وكانوا ذاهبين، بأنفس مطمئنة، لارتكاب أشدّ الجرائم وحشيةً وعبثيةً وشناعةً. لو لم تكن ضمائر هؤلاء الناس مخدّرة بطريقة ما لما استطاع أيّ منهم القيام بجزء من مائة مما ينوون القيام به، والذي يُحتمل كثيراً أن يقوموا به.
ليس أنَّ لا ضمير لهم يمنعهم عن القيام بما ينوون القيام به، كما كانت حال البشر الذين كانوا -حتى منذ 400، 300، 200، 100 سنة- يحرقون الناس بالنار ويُعذّبونهم ويجلدونهم، بل كلّ هؤلاء الناس لديهم ضمائر، لكنها منوَّمة. لدى بعضهم، القوّاد الذين يتواجدون في مواقع مربحة لهم، عن طريق الإيحاء الذاتي، كما يدعوه المحللون النفسيون؛ ولدى آخرين، المنفذين والجنود، عن طريق التنويم المباشر والإيهام المقصود من قِبل الطبقات العليا.
الضمير منوَّم لدى هؤلاء الناس لكنه موجود، وهو يتكلم فيهم جنباً إلى جانب الإيهام الذاتي والإيهام اللذين يستحوذان عليهم، وسرعان ما سيوقظهم.
حال هؤلاء الناس جميعاً كحال شخص منوَّم يُلقَّن ويُؤمر بالقيام بعمل يتناقض مع كل ما يعتبره عقلانياً وخيراً: قتل والدته أو طفله. الشخص المنوَّم يشعر أنه مقيّد إلى الإيحاء الذي يُمارس عليه، ويعتقد أنه عاجز عن التوقّف، لكنه كلما اقترب أكثر إلى زمان ومكان ارتكاب الفعل كلما دوّى أعلى صوت الضمير المُصمّ في داخله، وكلما بدأ يتلوّى ويعاند أكثر، ويرغب في الاستيقاظ. ويستحيل التكهن بما إن كان سيقدم على التصرف الذي لُقِّنه أم لا،- ما الذي سيغلب: الإدراك العقلاني أم الإيهام اللاعقلاني. كلّ شيء يتوقف على القوة النسبية لهذا أو ذاك.
الأمر ذاته يجري الآن لركّاب هذا القطار، وعموماً لكلّ الذين يمارسون عنف الدولة ويستخدمونه في وقتنا الراهن.
في وقتٍ من الأوقات كان الناس، الذين يذهبون لممارسة التعذيب والقتل وتلقين الدروس، يرجعون كما كانوا قبل أن يذهبوا للقيام بما ذهبوا لأجله، وبعد قيامهم بعمل كهذا لم تكن تُعذِّبهم مشاعر الذنب والشك بل كانوا يعودون، بعد تعذيبهم الناس، بهدوء إلى أسرهم ليلاطفوا أبناءهم، فيمزحون ويضحكون ويستسلمون للسعادة الزوجية الهانئة. آنئذٍ لم يكن حتى يخطر للمستفيدين من هذا العنف، كالملاكين والأغنياء، أنَّ المكاسب التي يتمتعون بها لها علاقة مباشرة بكل أعمال القسوة هذه. لكن لم يعد الأمر كذلك الآن؛ فقد بات الناس يعلمون، أو على وشك أن يعلموا، ماذا يفعلون، ولماذا يفعلون ما يفعلون. يمكنهم إغماض أعينهم، وإرغام ضمائرهم على الهجوع، لكن دون أن يغمضوا أعينهم ويسكتوا ضمائرهم لم يعودوا قادرين -سواء الذين يقومون بها أم الذين يستفيدون منها- على عدم رؤية معنى هذه الأعمال. يحدث أن يدرك الناس معنى ما قاموا بهم فقط بعد قيامهم به، ويحدث أن يدركوا هذا قبل القيام به مباشرةً. على هذا النحو أدرك الناس، الذين أمروا بالتعذيب في نيجني-نوفغرد وساراتوف وأورل ومصنع يوزفسكي، معنى ما قاموا به فقط بعد قيامهم بالأمر، وهم الآن يعانون الخزي أمام الرأي العام وأمام ضمائرهم. يعاني كلا الآمرين والمنفذين. وقد تحدثتُ إلى الجنود الذين قاموا بهذه الأعمال، وجميعهم كانوا دائماً يتحدثون عن الأمر، لكن حين كانوا يتحدثون بعدم تصديق وهلع. كما أنَّ هناك حالات يثوب فيها الناس إلى رشدهم بعد ارتكابهم مباشرةً أعمالاً مشينة. كما أنَّ هناك حالات يثوب فيها الناس إلى رشدهم قبل القيام بالعمل مباشرةً. أعلم بحادثة جرت لضابط صفٍّ تعرّض للضرب من قبل اثنين من الفلاحين، أثناء عملية قمع تمرد، فقدم تقريراً بذلك، لكن في اليوم التالي، حين رأى التعذيب الذي يتعرض له الفلاحون الآخرون، طلب من قائد السرية تمزيق التقرير وإخلاء سبيل الفلاحين اللذين ضرباه. وأعلم بحادثة رفض فيها الجنود إطلاق النار حين أُمروا بذلك، ولي علم بحالات كثيرة رفض فيها القوّاد إجراء أوامر بالتعذيب أو القتل. وبالتالي فالناس، الذين يأمرون بالعنف والذين يمارسونه، يثوبون أحياناً قبل رشدهم قبل الإقدام على العمل الذي لُقّنوه بوقتٍ طويل، وأحياناً قبل ذلك مباشرةً، وأحياناً بعد قيامهم به.
ركّاب هذا القطار ذاهبون لتعذيب وقتل إخوانهم لكن أحداً لا يعلم ما إن كانوا سيقومون بالعمل الذي هم ذاهبون للقيام به أم لا. مهما كانت مسؤولية كلّ واحد منهم عن العمل محجوبة عنه، ومهما بلغت قوة إيهام هؤلاء الناس بأنهم ليسوا بشراً وبأنهم محافظون ورؤساء شرطة وضباط وجنود، وأنهم -ككائنات كهذه- يستطيعون الإخلال بواجباتهم الإنسانية؛ فإنهم كلما اقتربوا أكثر إلى موقع مهمتهم كلما ازداد الشك لديهم حول وجوب قيامهم بالعمل الذي هم ذاهبون إليه، وهذا الشك سيبلغ أقصى مداه حين يقتربون من لحظة التنفيذ.
ليس بمقدور المحافظ، رغم كل تخدير الوسط المحيط، عدم التفكير في اللحظة التي سيتوجب عليه فيها إعطاء الأمر الأخير والأخطر والحاسم بالقتل أو التعذيب. إنه يعلم أنَّ تصرف محافظ أورل قد أثار سخط أفضل الناس في المجتمع، وهو نفسه، بتأثير من رأي عام الأوساط التي يتواجد فيها، أعرب عن استنكاره له أكثر من مرة، ويعلم أنَّ النائب العام، الذي كان يجب أن يرافقه، رفض صراحة المشاركة في هذا الأمر لأنه يعتبره شنيعاً، ويعلم أيضاً أنه قد تحدث تغييرات في الحكومة غداً، والتي بنتيجتها قد يصبح عمله الجدير بالاستحقاق اليوم سبباً لفقدانه الحظوة غداً، ويعلم أنَّ هناك وسائل إعلام، إن ليست روسية فأجنبية، قد تكتب عن هذا الأمر وتشنّع عليه إلى الأبد. لقد بات يشعر بالرأي العام الجديد الذي سيبطل ما كان يُطالب به من قبل. فضلاً عن أنه لا يستطيع أن يكون واثقاً تماماً من طاعة المنفذين في اللحظة الأخيرة. إنه متردد، ويستحيل التكهن بما سيفعله.
وهذا ما يشعر به، بدرجة أو بأخرى، كلّ الموظفين والضباط الذين يرافقونه. جميعهم يعلمون في أعماقهم أنَّ ما يحدث مخزٍ، وأنَّ المشاركة فيه يلوّث سمعة المرء ويحطّ من قدره أمام بعض الناس الذين تعنيه آراؤهم. إنهم يعلمون أنَّ الذهاب إلى الخطيبة أو الزوجة، التي يتغنّج المرء أمامها، بعد قتل وتعذيب أناس عُزّل أمرٌ مخجل. فضلاً عن أنهم كذلك، كالمحافظ، يشكّون في احتمال عدم طاعة الجنود لأوامرهم. ومهما كان هذا بعيداً عن المظهر الواثق الذي يتحرك به كلّ هؤلاء القوّاد في المحطة وعلى الرصيف؛ فجميعهم في أعماقهم لا يعانون فحسب بل هم مترددون كذلك، بل حتى يتصنّعون هذا المظهر الواثق لكي يخفوا ترددهم الداخلي. وهذا الشعور يتنامى كلما اقتربوا أكثر إلى موقع العملية.
مهما بدا هذا غير ملحوظ، ومهما بدا هذا الكلام غريباً؛ فهذه هي حال هذا الحشد من الفتيان، الجنود الذين يبدون بهذه الاستكانة. فهم جميعاً لم يعودوا كالجنود السابقين الذين كانوا يرفضون الحياة الطبيعية ويكرّسون حياتهم كلها للنهب والقتل، كما كان الجنود الرومان أو مقاتلو حرب الثلاثين عاماً أو حتى جنود الآونة الأخيرة؛ إذ إنَّ معظم هؤلاء الناس قد أُخذوا من عائلاتهم منذ فترة قريبة، ومازالوا ممتلئين بالذكريات عن الحياة الطيبة والرشيدة التي أُخذوا منها.
كل هؤلاء الناس -معظمهم من الفلاحين الشباب- يعلمون بالعمل الذي يذهبون إليه، يعلمون أنَّ الملاكين يسيئون دائماً إلى إخوانهم الفلاحين، وأنَّ هذا ما حدث في هذه الحالة أيضاً. عدا عن أنَّ النصف الأكبر من هؤلاء الناس باتوا يقرأون الكتب، وليست كلّ الكتب يُثنى فيها على العمل العسكري بل هناك أيضاً كتبٌ تبرهن فيها لأخلاقيته. يخدم بينهم غالباً رفاقٌ أحرار الفكر، أحرار الإرادة، وكذلك ضباط ليبراليون، كما غُرست بينهم بذور الشك بشرعية وجلال عملهم. صحيح أنهم جميعاً قد اجتازوا التدريب المخيف، المبتكر ببراعة منذ قرون، الذي يقضي على أيّ إرادة فردية لدى الإنسان، وأنهم دُرّبوا على الطاعة الآلية بحيث أنهم حين تُلفظ الكلمات الآمرة: لقُمْ سلا... حك!... ترا... صف!... أطلق!... الخ، ترتفع بنادقهم تلقائياً، ويُنفذون الحركات المعتادة. لكن "أطلق!" لن تعني الآن إطلاق النار على دريئة بل تعني قتل آبائهم وإخوانهم المُعذَّبين والمُساء إليهم، الذين يقفون الآن في الشارع جمعاً مع النساء، ويصرخون بشيء ما للفتيان. إنَّ أدنى إشارة إلى أنه لا ينبغي القيام بذلك، والأهم، إلى إمكانية عدم القيام بذلك، كلمة واحدة، إيماءة واحدة ستكون كافية لإيقافهم.
كلّ ركّاب هذا القطار، عند مباشرتهم الأمر الذي هم ذاهبون إليه سيكونون في وضع شخص منوَّم أُوحي إليه بقطع قرمة شجرة، وحين لوّح بالفأس رأى أو قيل له إنَّ هذه ليست قرمة شجرة بل أخوه نائماً. قد يُقدم على العمل الذي أُوحي إليه وقد يستيقظ قبل إقدامه عليه. وهذه هي حال هؤلاء الناس جميعاً: قد يستيقظون وقد لا يستيقظون. إذا لم يستيقظوا فسيتمّ هذا العمل المرعب، كما حدث في أورل، وسيتعزز لدى الناس الآخرين ذلك الإيهام والإيحاء الذاتي الذي يتصرفون تحت تأثيره، أما إذا استيقظوا؛ فليس فقط لن يحدث الأمر بل أيضاً الكثيرون ممن سيعلمون بالتحول الذي جرى سيتحررون من الوهم الذي يعيشونه أو، على الأقل، سيقتربون من هذا التحرر. لكن ليس فقط إذا استيقظ كلّ ركّاب هذا القطار، ورفضوا القيام بالأمر الذي يكادون يقومون به، بل إذا استيقظ ورفض ولو عدد قليل منهم وأخبر الآخرين بشجاعة عن إجرامية هذا العمل؛ فحينذاك قد يوقظ تأثير هذا العدد القليل من الناس الآخرين أيضاً من الإيهام الذي هم تحت تأثيره، ولا تحدث الجريمة المتوقعة.
بل حتى بضعة أفراد، من غير المشاركين في هذا العمل بل فقط كانوا موجودين عند الإعداد له، إذا لم يقفوا على الحياد وعبروا، بصراحة وجرأة، عن اشمئزازهم تجاه المشاركين في أعمال كهذه، وأظهروا لهم مدى حماقتها وقسوتها وإجراميتها،- حتى هذا لن يمرّ دون أن يترك أثراً.
يمكن لهذا أن يحدث في الحالة الراهنة أيضاً. يكفي أن يُعرب بضعة عدد من الناس، من المشاركين وغير المشاركين في الأمر، الذين تحرروا من تأثير الإيهام، حين كان هذا الأمر لا يزال قيد الإعداد له، عن استيائهم من التعذيب الذي يتم في أماكن أخرى، وعن اشمئزازهم واحتقارهم للمشاركين فيها؛ فيما يتعلق بالأمر الذي يحدث في تولا الآن، أن يُعرب بضعة أشخاص عن عدم رغبتهم في المشاركة فيه، يكفي أن تقوم هذه السيدة الإقطاعية المسافرة، ويقوم بعض الأشخاص الآخرين بالإعراب، هنا في المحطة مباشرةً، لركّاب هذا القطار، عن استيائهم من الأمر الذي هم مقدمون عليه؛ يكفي أن يُعرب أحد رؤساء الأفواج، التي طُلب منها إرسال قسم من قواتها لعملية القمع، عن رأيه بأنَّ الجنود لا يمكنهم أن يكونوا جلادين حتى يأخذ الأمر منحىً آخر تماماً بفضل هذه التأثيرات الخاصة وغيرها، والتي لا تبدو ذات أهمية، وحتى لا يقوم الجنود، الذاهبون إلى المكان، بالتعذيب بل فقط سيقومون بقطع أشجار الغابة وإعطائها للملاك.
إذا لم يتوفر لدى بعض الناس إدراكٌ واضح بأنَّ العمل الذي يقومون به عمل سيئ، وإذا لم يؤثر الناس، نتيجةً لذلك، في بعضهم بعضاً في هذا المنحى؛ فسيحدث ما حدث في أورل. أما إذا كان هذا الإدراك أقوى، وبالتالي عدد هذه التأثيرات أكبر مما كان، فمن المحتمل جداً أن لا يقوم المحافظ حتى بقطع الغابة وإعطائها للملاك. أما إذا كان هذا الإدراك أقوى بكثير، وكان عدد التأثيرات أكثر بكثير، فمن المحتمل جداً أن يقرّر المحافظ حتى عدم الذهاب إلى موقع العملية. إذا كان هذا الإدراك أقوى، وكان عدد التأثيرات أكثر، فمن المحتمل جداً أنَّ الوزير ما كان سيتخذ القرار، ولما صادق عليه الملك. بالتالي، كل شيء يتوقف على إدراك كل فرد على حدة للحقيقة المسيحية.
لذا، المفروض أنَّ كلّ الذين يؤكدون أنهم يتمنون العمل لخير الإنسانية يجب أن يوجّهوا نشاطهم نحو تعزيز ومتطلبات الحقيقة المسيحية في أنفسهم وفي الآخرين.
4
لكنَّ المثير للاستغراب هو أنَّ بالتحديد أولئك الناس، الذين يقولون إنهم يهتمون أكثر من الآخرين جميعاً بتحسين حياة الناس، والذين يُعدّون قوّاد الرأي العام، يؤكدون أنَّ هذا بالذات لا حاجة للقيام به، وأنَّ هناك وسائل أخرى، أكثر فعالية، لتحسين أوضاع الناس. يؤكد هؤلاء الناس أنَّ تحسين حياة البشر لا يحدث نتيجة للجهود الداخلية للأفراد لإدراك واستجلاء واعتناق الحقّ بل نتيجةً للتبدل التدريجي لظروف الحياة الخارجية العامة في منحىً مفيد للإنسانية، أما أيّ اعتناق فردي للحقّ المخالف للنظام القائم؛ فليس فقط غير مفيد بل هو ضارّ لأنه يحرّض السلطات على القمع الذي يعيق هؤلاء الأفراد عن مواصلة نشاطهم المفيد لخدمة المجتمع. بموجب هذه العقيدة، كلّ التغييرات في الحياة الإنسانية تجري وفق القوانين التي تجري بها في حياة الحيوانات كذلك.
بالتالي، تبعاً لهذه العقيدة، كلّ مؤسسي الأديان، مثل موسى والأنبياء وكونفوشيوس ولاوتسه وبوذا والمسيح وغيرهم، لم يبشّروا بتعاليمهم، ولم يعتنقها أتباعهم، لأنهم أحبّوا الحقّ وقاموا باستجلائه وبيانه لأتباعهم بل لأنَّ الظروف السياسية والاجتماعية، والاقتصادية خاصةً، لدى الشعوب التي نشأت وانتشرت هذه التعاليم بينها، كانت ملائمة لنشوئها وانتشارها.
لذا؛ فالنشاط الرئيس للإنسان، الراغب في خدمة المجتمع وتحسين حال الإنسانية، لا يجب توجيهه، حسب هذه العقيدة، لاستجلاء الحقّ واعتناقه بل لتحسين الظروف السياسية والاجتماعية، والخاصة الاقتصادية، الخارجية. وتغيير هذه الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية يتم، من جهة، عبر خدمة الحكومة وإدخال المبادئ الليبرالية والتقدمية إليها، ومن جهة أخرى، من خلال العمل على تطوير الصناعة ونشر الأفكار الاشتراكية، ونشر التعليم بشكل خاص. بموجب هذه العقيدة، الأهم هو ليس الالتزام، في الحياة، بالحقيقة التي كُشفت لك، وأن يكون واجبك نتيجةً لذلك- تحقيقها في الحياة أو، على الأقل، عدم القيام بأفعال تناقض الحقّ الذي تدين به: عدم خدمة الحكومة وعدم تعزيز سلطتها إذا كنت ترى أنَّ هذه السلطة مؤذية، عدم الاستفادة من النظام الرأسمالي إذا كنت تعتبر هذا النظام خاطئاً، عدم الإعراب عن الاحترام تجاه مختلف الطقوس الدينية إذا كنت تعتبرها خرافات ضارّة، عدم المشاركة في المحاكم إذا كنت تعتبرها باطلة، عدم الخدمة في الجندية، عدم القسم، وعموماً عدم الكذب، عدم المبالغة، بل الأهم هو، دون تغيير أنماط العيش القائمة، والخضوع لها على النقيض من قناعاتك، إدخال الليبرالية إلى المؤسسات القائمة: العمل على تطوير الصناعة، والدعاية للاشتراكية ولمنجزات ما يسمى العلم، والعمل على نشر التعليم. وفق هذه النظرية لا يمكن للمرء، مع بقائه إقطاعياً أو تاجراً أو صناعياً أو قاضياً أو موظفاً، يتلقى راتبه من الحكومة، أو جندياً أو ضابطاً، أن يكون شخصاً إنسانياً المذهب فحسب بل وحتى اشتراكياً وثورياً.
النفاق، الذي كان له فقط أساس ديني، وذلك في التعليم المتعلق بسقوط الجنس البشري وتكفير الذنوب والكنيسة، حصل في زماننا، على هذه العقيدة، على أساس علمي جديد، ونتيجةً لذلك أسرّ في شباكه كلّ الذين لم يعودوا قادرين، من حيث مستوى تطورهم، على الاعتماد على النفاق الديني. بالتالي، إذا كان فيما مضى فقط الشخص، الذي يدين بالعقيدة الدينية الكنسية، قادراً، مع عدّه نفسه طاهراً من أي خطيئة في أثناء ذلك، على المشاركة في كلّ الجرائم التي ترتكبها الدولة، والاستفادة منها، شريطة أن ينفذ المتطلبات الظاهرية لعقيدته وحسب؛ ففي الوقت الراهن بات لدى كلّ الناس، غير المؤمنين بالمسيحية الكنسية، أساس علمي راسخ لكي يعتبروا أنفسهم أناساً أطهاراً ويتمتعون بحسّ أخلاقي عالٍ، بغض النظر عن مشاركتهم في جرائم الدولة واستفادتهم منها.
يعيش، ليس في روسيا وحدها بل أينما كان -في فرنسا وإنكلترا وألمانيا وأمريكا- ملّاك غنيّ ينتزع من الناس، الذين يعيشون على أرضه ويعتاشون منها، والذين يعاني معظمهم الجوع، كلّ ما يمكنه أن ينتزع منهم لقاء سماحه لهم بذلك. إنَّ حقَّ هذا الشخص في ملكية الأرض يقوم على أنَّ، عند أيّ محاولة يقوم بها هؤلاء الناس المضطهدين لاستثمار الأرض التي يعتبرها الملاك أرضه، يأتي الجنود ويقومون بتعذيب وقتل الناس الذين استولوا على الأرض. المفروض أن يكون واضحاً أنَّ شخصاً يعيش على هذا النحو إنما هو كائن شرير وأناني، ولا يمكنه على الإطلاق اعتبار نفسه شخصاً مسيحياً أو ليبرالياً. المفروض أن يكون واضحاً أنَّ أوّل ما يجب أن يفعله إنسان كهذا، إذا كان يريد الاقتراب إلى المسيحية أو الليبرالية ولو قليلاً، هو الكفّ عن نهب وإهلاك الناس عن طريق حقّه في الأرض، المدعوم بالقتل والتعذيب من قِبَل الدولة. لكن لكان الأمر هكذا لولا وجود ميتافيزيقا النفاق التي تقول إنَّ امتلاك أو عدم امتلاك الأرض متساويان بالنسبة إلى الخلاص من وجهة النظر الدينية، وتقول، من وجهة النظر العلمية، إنَّ التخلّي عن ملكية الأرض إنما هو جهد فردي لا جدوى منه، وإنَّ العمل لخير الناس لا يتم بهذه الطريقة بل عبر التغيير التدريجي لأنماط الحياة الخارجية. وها هو هذا الشخص، دون أن يحتار أو يشكّ أبداً بما يقنعونه به، يقيم معرضاً زراعياً، وينشئ جمعية لمكافحة الإدمان على الكحول، ويرسل عبر زوجته وأولاده صديريات وحساء لثلاث نساء طاعنات في السنّ، ثم يجرؤ على التبشير، وسط أسرته وفي المضافات والمجالس والصحف، بالمحبة الإنجيلية أو الإنسانية تجاه القريب عموماً، وخصوصاً تجاه العمال الزراعيين الذين يُعذّبهم ويضطهدهم باستمرار. والناس، الذين وضعهم كوضعه، يُصدقونه ويثنون عليه، وبجدية يناقشون معه المسائل المتعلقة بكيفية تحسين أوضاع العمال الذين تقوم حياتهم على نهبهم، مبتكرين لأجل ذلك كلّ الوسائل الممكنة باستثناء الوسيلة الوحيدة التي من دونها يستحيل أيّ تحسين لأوضاع الشعب، وبالتحديد الكفّ عن انتزاع الأرض من الشعب، والضرورية لقوته.
المثال الأكثر إثارةً للاستقرار لهذا النفاق هو انشغال الملاكين الروس، في السنة الأخيرة، بمكافحة الجوع الذي هم سببه، والذي عمدوا إلى استغلاله فوراً عبر بيعهم بأعلى سعر ليست الحبوب فقط بل وقشور البطاطا بخمسة روبلات للهكتار كوقود للتدفئة للفلاحين المتجمدين من البرد.
أو يعيش تاجر، تقوم كل تجارته، كشتى أشكال التجارة، على سلسلة من عمليات الغش التي من خلالها، مستغلاً جهل وحاجة الناس، يشتري منهم البضائع بأسعار أدنى من قيمتها، ويبيعهم إياها، كذلك مستغلاً جهلهم وحاجتهم والإغراء، بأسعار أعلى من قيمتها. المفروض أن يكون واضحاً أنَّ شخصاً يقوم عمله كله على ما يسمّى لسانه غشاً، فيما لو أنَّ هذه الأعمال تتمّ في ظروف أخرى، يجب أن يخجل من وضعه بحيث لا يعود بإمكانه تقديم نفسه كشخص مسيحي أو تاجر مع بقائه تاجراً. لكنَّ ميتافيزيقا النفاق تقول له إنَّ بالإمكان أن يذيع صيته كإنسان فاضل، مع استمراره بعمله الضارّ: الشخص المتدين يكفيه أن يؤمن مؤمناً فقط، والليبرالي يكفي فقط أن يعمل على تغيير الظروف الخارجية، أي يقدم الصناعة. وها هو هذا التاجر (الذي، عدا عن ذلك، يرتكب أيضاً سلسلة من عمليات الاحتيال المباشر، بائعاً السيئ على أنه جيد، يزن ويقيس ويبيع السلع التي تهلك حياة الشعب بشكل خاص، كالنبيذ والأفيون) بوقاحة يعتبر نفسه ويعتبره الآخرون، إذا فقط لم يخدع صراحةً رفاقه في الخداع، أي إخوانه التجار، مثالاً للنزاهة والإخلاص. أما إذا أنفق واحداً بالألف من الأموال التي سرقها على مؤسسة اجتماعية ما: مستشفى أو متحف أو مؤسسة تعليمية، فإنه يُعدُّ محسناً إلى الشعب الذي تقوم رفاهيته كلها على خداعه وتسميمه؛ وإذا ضحى بقسم من المال المسروق على الكنيسة والفقراء؛ فيُعدُّ مسيحياً قدوة.
أو يعيش صناعي، يأتي مدخوله كله ممّا ينتزعه من العمال، ويقوم نشاطه كله على العمل الاضطراري وغير الطبيعي الذي يهلك أجيالاً بأكملها من الناس؛ المفروض أن يكون واضحاً، قبل أي شيء آخر، إذا كان هذا الإنسان يعتنق أي مبادئ مسيحية أو ليبرالية، أنَّ عليه الكفّ عن إهلاك الحيوانات الإنسانية من أجل أرباحه الفائضة. لكنه، بموجب النظرية القائمة، يساعد على تطوير الصناعة، ولا يجب عليه، بل حتى سيكون ضاراً للبشر والمجتمع، أن يوقف نشاطه. وهذا الإنسان القاسي الذي يستعبد آلاف الناس، بسبب بنائه للناس الذين ينهكهم بالعمل بيوتاً لها حدائق تبلغ مساحتها 140 سنتيمتراً، وإنشائه صندوقاً خيرياً وكنيسةً ومستشفى، متأكد تماماً من أنه بهذه الأعمال الضئيلة قد دفع ثمن كل الحيوات الإنسانية التي أهلكها بدنياً وروحياً، ويواصل عمله باطمئنان، مفتخراً به.
أو يعيش حاكم أو موظف دولة مدني أو ديني أو عسكري، يقوم بوظيفته لكي يشبع حبه للرفعة أو حبه للسلطة أو، وهذا هو الغالب، فقط لكي يحصل على الراتب الذي يُحصّل من عمل الشعب المضني والمهلك (أيّاً كان مصدر الضرائب فهي تأتي دائماً من عمل العمال)، إذا هو، وهو أمر نادر جداً، لم يسرق أموال الدولة على غير العادة، فإنه يعتبر نفسه ويعتبره الآخرون عضو المجتمع الأسمى فضلاً.
يعيش قاضٍ أو مدّعٍ عام أو حاكم ما، ويعلم أنَّ مئات وآلاف الناس البؤساء، المأخوذين من عائلاتهم، يقبعون، بموجب حكمه أو قراره، في سجون انفرادية، وفي الأشغال الشاقة، ويفقدون عقولهم ويقتلون أنفسهم بقطع الزجاج أو من الجوع؛ يعلم أنَّ لدى آلاف الناس هؤلاء هناك كذلك آلاف الأمهات والزوجات والأبناء الذين يعانون الفراق، والمحرومين من الزيارات، ويذلّون أنفسهم طالبين العفو أو على الأقل تخفيف أحكام آبائهم وأبنائهم وأزواجهم وأخوتهم، وهذا القاضي أو الحاكم غارق في نفاقه إلى درجة أنه وأمثاله وزوجاتهم وعائلاتهم متأكدون تماماً أنَّ بإمكانه، رغم ذلك كله، أن يكون شخصاً طيباً وحساساً. بموجب ميتافيزيقا النفاق ينتج أنه يقوم بعمل مفيد للمجتمع. وهذا الشخص، الذي يهلك مئات، بل آلاف، الناس الذين يلعنونه واليائسين من جرّاء إيمانه بالخير والله، بابتسامة متألقة بادية على وجهه الأملس، يذهب إلى الصلاة، ويستمع إلى الإنجيل، ويلقي الخطابات الليبرالية، ويلاطف أبناءه، ويعلّمهم الأخلاق، ويُبدي تعاطفه مع آلام متخيلة.
يعيش كلّ هؤلاء الناس، والذين يعتاشون من حولهم وزوجاتهم ومدرّسوهم وأبناؤهم وفنانوهم وطباخوهم وغيرهم، بالدماء التي يمصونها، بطريقة أو بأخرى، بهذه العلقات أو تلك، من الشعب الكادح، يعيشون مبتلعين يومياً، كلٌّ من أجل رغباته، مئات وآلاف أيام عمل العمال المنهكين، مجبرين إياهم على العمل عبر التهديد بالقتل، ويرون حرمانات وآلام هؤلاء العمال وأبنائهم وزوجاتهم والعجائز والمرضى، ويعلمون بتلك الإعدامات التي تجري بحقّ الذين يخلّون بهذا النهب المنظّم، وليس فقط لا يقللون من ترفهم، لا يخفونه، بل بوقاحة يعرضون، أمام هؤلاء العمال المضطهدين الذين معظمهم يكرهونهم، مثيرين غيظهم كما لو قصداً، حدائقهم وقصورهم ومسارحهم وحملات صيدهم وسباقات خيلهم، وإضافةً إلى ذلك، يقنعون أنفسهم وبعضهم بعضاً، باستمرار، بأنهم جميعاً مهتمون جداً بمصلحة الشعب الذي يدوسونه بأقدامهم باستمرار، وفي أيام الأحد، بملابس فاخرة، وفي عربات فاخرة، يذهبون إلى بيوت مبنية كما لو للتهكّم عمداً على المسيحية، وهناك يستمعون إلى أناس مدرّبين على هذه الكذبة بشكل مقصود من كافة الأشكال، بحبريات ودون حبريات، بربطات عنق بيضاء، يعظون بعضهم بعضاً بمحبة البشر التي يكفر بها جميعهم طوال حياتهم. وهؤلاء الناس، بقيامهم بهذا كله، يتقمّصون أدوارهم إلى درجة أنهم يُصدّقون فعلاً أنهم فعلاً ما يدعون.
النفاق العام، الداخل في أجساد ودماء كل شرائح عصرنا، بلغ حدوداً بحيث أنَّه لم يعد يثير استياء أحد. ليس عبثاً أنَّ "الهيبوقريطية" تعني التمثل، التصنع- القدرة على لعب أي دور. إنَّ ظواهر مثل قيام خلفاء المسيح بمباركة القتلة الواقفين صفاً، الممسكين ببنادق موجهة إلى إخوانهم، في الصلاة؛ وأنَّ القساوسة ورعاة الكنائس من شتى الطوائف المسيحية يشاركون دائماً، تماماً كالجلادين، في الإعدامات مُقرّين، عبر حضورهم، بأنَّ القتل يجتمع مع المسيحية (كان راعي أبرشية حاضراً أثناء اختبار الإعدام بالكهرباء في أمريكا)،- كلّ هذه الظواهر لم تعد تثير دهشة أحد.
منذ فترة قريبة كان هناك معرض دولي للسجون في بطرسبورغ عُرضت فيه أدوات التعذيب: الأصفاد، نماذج عن الزنزانات الانفرادية، أي أدوات تعذيب أسوأ من السياط والقضبان، والسادة والسيدات الحساسون ذهبوا لمشاهدته واستمتعوا بذلك.
كذلك لا يُدهش أحداً أنَّ العلم الليبرالي يبرهن، إلى جانب اعترافه بتساوي وإخوة وحرية البشر، على ضرورة الجيش والإعدام والجمارك والرقابة وتنظيم البغاء وطرد العمال رخيي الأجر ومنع الهجرة، وضرورة وعدالة الاستعمار القائم على تدمير ونهب والقضاء على أقوام بأكملها، تدعى أقواماً همجية، الخ.
يتحدثون عن ما سيحدث عندما يعتنق جميع الناس ما يسمّى المسيحية (أي مختلف العقائد المعادية لبعضها بعضاً)، عندما يغدو الجميع شباعاً ومكتسين، عندما يرتبط الجميع من شتى أطراف الدنيا فيما بينهم عن طريق البرق والهاتف، ويتواصلون عن طريق المناطيد، عندما يعتنق كل العمال العقائد الاشتراكية، وحين تجمع نقابات العمال ملايين الأعضاء والروبلات ويغدو الجميع متعلمين، الجميع سيقرأون الصحف، ويعرفون العلوم.
لكن ما الشيء المفيد والخير الذي قد ينتج عن هذه المنجزات كلها إذا لم يقل ويفعل الناس ما يعتبرونه الحقّ في أثناء ذلك؟
إذ إنَّ مصائب البشر تنتج عن انقسامهم. والانقسام ينتج عن أنهم لا يتبعون الحقّ الوحيد، بل يتبعون الأكاذيب الكثيرة.
الوسيلة الوحيدة لتوحيد البشر هي الحقّ. لذا كلما تطلع البشر بعزم أكبر إلى الحقّ كلما اقتربوا أكثر إلى هذه الوحدة.
لكن كيف يمكن للبشر أن يتوحدوا في الحقّ أو يقتربوا منه على الأقل إذا كانوا ليس فقط لا يقولون الحقّ الذي يعرفونه بل يعتبرون أنَّ لا حاجة للقيام بهذا، ويتصنعون أنهم يعتبرون الحقّ ما لا يعتبرونه الحقّ.
لذا لا يمكن أن يحدث أيّ تحسن لحال البشر ما دام الناس يتصنعون، أي يحجبون الحقّ عن أنفسهم، ما داموا لا يعترفون بأنَّ وحدتهم، وبالتالي خيرهم، ممكنة فقط في الحقّ، وبالتالي لا يسمون بالحقيقة التي كُشفت لهم فوق أيّ حقيقة أخرى يعترفون أو يدينون بها.
حتى لو تحققت كل المنجزات التي يمكن للناس المتدينين والعلمانيين أن يحلموا بها فحسب؛ حتى لو أنَّ البشر جميعاً اعتنقوا المسيحية، وحتى لو تحققت كل التحسينات التي يتمنونها مع كل الإضافات والتصحيحات الممكنة، لكن إذا ظلّ، في أثناء ذلك، النفاق الموجود الآن قائماً، وإذا لم يُعتنق البشر الحقّ الذي يعرفونه وواصلوا الادّعاء بأنهم يؤمنون بما لا يؤمنون به، وأنهم يحترمون ما لا يحترمون، فإنَّ وضع البشر ليس فقط لن يبقى على حاله بل سيزداد سوءاً أكثر فأكثر. كلما شبع الناس أكثر، وكلما ازدادت أجهزة البرق والهاتف والكتب والجرائد والمجلات، كلما ازدادت وسائل انتشار الأباطيل والأكاذيب المختلفة فيما بينها، وكلما ازداد انقسام البشر، وبالتالي مصائب البشر، كما هي الحال الآن. حتى لو تحققت هذه التغييرات الخارجية كلها فإنَّ وضع الإنسانية لن يتحسن. لكن فليقم كلّ شخص، الآن فوراً في حياته وقدر استطاعته، باعتناق الحقّ الذي يعرفه، أو على الأقل كفّ عن الدفاع عن الباطل الذي يفعله، مقدِّماً إياه على أنه الحقّ، ولسوف تتمّ فوراً، في عام 1893 هذا، كلّ تلك التحولات نحو تحرر البشر وإقامة الحقّ على الأرض، والتي لا يمكننا أن نحلم بها حتى بعد قرون.
ليس عبثاً أنَّ الخطبة الوحيدة غير الوديعة بل الفاضحة والعنيفة للمسيح كانت موجّهة إلى المنافقين وضدّ النفاق. ما يفسد الناس ويجعلهم أشراراً ووحوشاً، وبالتالي يقسّمهم، ليس النهب أو القتل، ليست الزنى، ليس الغش، بل الكذب، ذلك الكذب المميز للنفاق الذي يقضي في إدراك الناس على الفرق بين الخير والشر، ويُفقدهم بذلك إمكانية تجنب الشرّ والبحث عن الخير، يحرمهم مما يُشكل جوهر الحقيقة الإنسانية، لذا يقف في طريق أيّ تكامل للبشر.
الذين لا يعرفون الحقّ ويعملون الشرّ، محرّضين لدى الآخرين التعاطف مع تضحياتهم والاشمئزاز من تصرفاتهم، يسيئون فقط إلى من يسيئون إليه، لكنَّ الذين يعرفون الحقّ ويعملون الشرّ، المغلَّف بالنفاق، يسيئون إلى أنفسهم وإلى من يسيئون إليه وكذلك إلى آلاف مؤلفة من الناس المفتونين بالخديعة التي يحاولون إخفاءها من خلال الشرّ الذي يرتكبونه.
اللصوص والنهابون والقتلة والكذّابون، الذين يرتكبون أفعالاً تُعتبر شريرة من قبلهم هم أنفسهم ومن قبل الناس جميعاً، يُعدّون قدوة لما يجب عدم القيام به، ويحرفون الناس عن الشرّ. أما الذين يقومون بذات أعمال اللصوصية والنهب والتعذيب والقتل، مغلفين إياها بتبريرات دينية وعلمية وليبرالية، كما يفعل جميع الملاكين والتجار والصناعيين وشتى أنواع موظفي الحكومة في زماننا، فإنهم يدعون الآخرين إلى تقليد أفعالهم، ولا يسيئون فقط إلى الذين يعانون من جراء شرهم بل كذلك إلى آلاف وملايين البشر الذين يُفسدونهم عبر قضائهم على التمييز بين الخير والشرّ بالنسبة إلى هؤلاء الناس.
فقط المال المكتسب عن طريق تجارة السلع الضرورية للشعب أو المفسدة للشعب، أو عبر العمليات المصرفية، أو عبر اكتساب أراضٍ رخيصة والتي يتم رفع أسعارها فيما بعد بسبب احتياج الناس إليها، أو عبر بناء المصانع التي تهلك صحة وحياة الناس، أو عبر الخدمة المدنية أو العسكرية للدولة، أو بأية طريقة أخرى كإغراء الناس- المال، المكتسب عن طريق هذه الأعمال ليس فقط بموافقة بل بمباركة قوّاد المجتمع الذي يتمّ تجميله بأعمال الإحسان في أثناء ذلك، أكثر إفساداً للناس بما لا يُقاس من ملايين السرقات وأعمال الاحتيال والنهب التي تُعدّ خارجة عن القانون والمعرضة للملاحقة الجنائية. عملية إعدام واحدة يقوم بها، دون أن يكونوا تحت تأثير الغضب، أناسٌ مثقفون محترمون بمباركة ومشاركة رؤساء كنائس مسيحيين، والتي يتمّ إظهارها كشيء ضروري بل حتى عادل، تُفسد وتُوحش الناس أكثر من مئات وآلاف جرائم القتل التي يرتكبها عُمّالٌ أُمّيون، وحتى تحت تأثير الغضب، وإن إعداماً كالذي اقترحه جوكفسكي، والذي يشعر الناس أثناءه برأفة دينية، سيكون أشدّ الأعمال إفساداً مما يمكن تصوره.
أيّ حرب، أقصر الحروب، مع النفقات التي ترافق الحروب عادةً، وتدمير الحقول، مع السرقات التي تُعد استرجاعاً للمسروقات، وعمليات النهب والقتل، مع مبررات ضرورتها وعدالتها المختلقة، مع إكبار ومدح البطولات الحربية، مع حبّ العلم والوطن وادّعاء الاهتمام بالجرحى... الخ- تُفسد في سنة واحدة من الناس أكثر من ملايين السرقات والحرائق وجرائم القتل المرتكبة على امتداد مئات السنين من قِبَل أفراد تحت تأثير الغضب.
حياة مترفة، ضمن حدود اللياقة، لأسرةٍ غنيةٍ، تُدعى فاضلة، تنفق على ذاتها من أيام العمل ما يكفي لإطعام آلاف الناس الذين يعيشون في الفقر بجوار هذه الأسرة- تُفسد الناس أكثر من آلاف الحفلات الجنونية التي يقيمها التجّار والضباط والعمال الذين يستسلمون للسُكر والتقتير، ويُكسّرون المرايا والأواني وغيرها للتسلية واللهو.
موكب احتفالي واحد، أو صلاة أو موعظة تقوم بها كليّة الكذبة التي لا يؤمن بها الواعظون، تخلق من الشرّ أكثر بما لا يُقاس من آلاف الأطعمة المغشوشة والمزيفة، وهلم جرّا.
إنهم يتحدثون عن نفاق الفرنسيين. لكنَّ نفاق الناس في زماننا يتفوق بما لا يقاس على نفاق الفريسيين البريء. فلدي أولئك كان هناك على الأقل تشريع ديني ظاهري كان بإمكانهم، من جراء التزامهم الصارم به، عدم رؤية واجباتهم تجاه أقربائهم، ناهيك عن أنَّ تلك الواجبات لم تكن واضحة آنذاك؛ لكن في زماننا لا يوجد تشريع ديني يُحرّر الناس من واجباتهم تجاه أقربائهم جميعاً دون تمييز (لا أخذ بالحسبان أولئك الناس الفظّين والأغبياء الذين ما زالوا يعتقدون أنَّ الأسرار ومغفرة البابا يمكنها أن تغفر خطاياهم) بل، على العكس، التشريع الإنجيلي، الذي جميعنا ندين به بطريقة أو بأخرى، يشير صراحةً إلى هذه الواجبات، فضلاً عن أنَّ هذه الواجبات ذاتها، التي عبّر عنها آنذاك بعبارات مبهمة فقط، بات مُعبَّراً عنها بمنتهى الوضوح بحيث أصبحت شعارات يردّدها طلاب المدارس الثانوية وكتاب المقالات النقدية. وبالتالي المفروض أنَّ بشر زماننا لا يمكنهم على الإطلاق الادّعاء بأنهم لا يعرفون واجباتهم هذه.
بشر زماننا، المستفيدون من النظام الحالي القائم على العنف والواثقون، إضافةً إلى ذلك، من أنهم يحبون أقرباءهم جداً دون أن يلاحظوا على الإطلاق أنهم طوال حياتهم يسيئون إلى أقربائهم، مثلهم كمثل شخص ينهب الناس باستمرار، والذي أُلقي القبض عليه، أخيراً، رافعاً سكيناً على ضحية يطلب النجدة بصرخات مذعورة، فيؤكد أنه لم يكن يعلم أنَّ ما يفعله لم يكن مقبولاً للذي نهبه فقرر ذبحه. فكما أنَّه يستحيل على هذا اللص والقاتل إنكار ما هو على مرأى من الجميع، كذلك تماماً المفروض أن يكون مستحيلاً في الوقت الراهن على بشر زماننا، الذين يعيشون على حساب عمل الناس المضطهدين، أن يقنعوا أنفسهم والآخرين بأنهم يتمنون الخير لأولئك الذين الناس الذين لا يكفّون عن نهبهم، وأنهم لم يكونوا يعلمون كيفية اكتساب ما يستفيدون منه.
بات مستحيلاً علينا تأكيد أننا لم نكن نعلم عن المائة ألف إنسان الذين يقبعون في السجون والأشغال الشاقة، في روسيا وحدها، لضمان أملاكنا وأماننا، وأننا لا نعلم عن تلك المحاكم التي نحن أنفسنا نشارك فيها، والتي يتم فيها، بإذن منا، الحكم على الذين يهددون أملاكنا وأمننا بالسجن والنفي والأشغال الشاقة التي يهلك ويفسد فيها أناس ليسوا أسوأ من الذين يحاكمونهم؛ وأننا لم نكن نعلم أنَّ كل ما نملك إنما يتم تحصيله ونهبه لأجلنا عن طريق القتل والتعذيب. يستحيل علينا الإدعاء بأننا لا نرى ذلك الخفير الذي يتجول أمام نوافذنا، بمسدسه المحشو، لكي يحمينا أثناء تناولنا غذاءً شهياً أو مشاهدتنا مسرحيةً جديدة، وعن أولئك الجنود الذين سيهرعون فوراً، ببنادقهم ورصاصاتهم القتالية، إلى حيث يتمّ الاعتداء على ممتلكاتنا. إذ أننا نعلم أننا إذا كنا ننهي تناول الغداء أو مشاهدة المسرحية أو نستمتع بمشاهدة الباليه أو التزلج أو سباق الخيل أو الصيد، ففقط بفضل الرصاصة في مسدس الخفير وبندقية الجندي التي ستصيب البطن الجائع لذلك المخدوع في حصته الذي، متسللاً من خلف الزاوية، ينظر إلى متعنا، والذي سيخرقها ما إن يغادر الخفير مع مسدسه أو لا يكون هناك جندي في الثكنة مستعداً للحضور ما إن نستدعيه.
وبالتالي، كما أنَّ الشخص الذي يُلقى عليه القبض متلبساً بالسرقة في وضح النهار يستحيل عليه تماماً إقناع الجميع بأنه لم يهاجم الشخص المتعرّض للنهب لكي يستولي على محفظته أو ليذبحه، كذلك بات مستحيلاً علينا إقناع أنفسنا والآخرين بأنَّ الجنود والحراس بمسدساتهم ليسوا موجودين من حولنا لكي يحمونا أبداً بل للدفاع عنّا ضدّ أعداء الخارج، أو من أجل تنظيم الأمور، أو للتجميل و التسلية والمواكب، وأننا لم نكن حتى نعلم أنَّ الناس لا يحبون الموت جوعاً لأنهم لا يحقّ لهم استثمار الأرض التي يعيشون فيها ليقتاتوا عليها، وأنهم لا يحبون العمل تحت الأرض، تحت المطر، في القيظ، 10-14 ساعة في اليوم، وليلاً في مختلف المعامل والمصانع لصناعة سلع متعتنا. المفروض أن يكون إنكار ما هو بهذا الجلاء مستحيلاً. لكن هذا بالذات ما يحدث.
ورغم وجود أناس أحياء بين الأغنياء، ألتقيهم -لحسن الحظ- أكثر فأكثر، خاصةً من النساء والشباب، عند تذكيرهم بثمن هنائهم، دون محاولة إخفاء الحقيقة، يمسكون برؤوسهم ويقولون: "آخ، هل هذا معقول. إذا كان الأمر هكذا فيستحيل العيش"؛ ورغم وجود أناس صادقين يرون خطيئتهم، مع أنهم لا يستطيعون التخلص منها، فإنَّ معظم الناس في زماننا قد تقمصوا أدوارهم المنافقة إلى درجة أنهم ينكرون ما يسفع أعين أيّ مبصر.
"هذا كله غير صحيح،- يقولون- فلا أحد يرغم الشعب على العمل لدى الملاكين وفي المعامل. إنه اتفاق حرّ. الملكية الكبيرة والرساميل ضرورية لأنها تنظم العمل وتعطيه للطبقة العاملة، والعمل في المعامل والمصانع ليس بهذا الهول الذي تتحدث عنه. إذا كان هناك شيء من سوء الاستخدام في المعامل فإنَّ الدولة والمجتمع يتخذان الإجراءات لإزالتها ولجعل عمل العمال أسهل بل حتى مستساغاً. لقد اعتاد العمال على العمل العضلي وهم ليسوا مؤهلين لأي شيء آخر في الوقت الراهن. أما بؤس الشعب فليس ناتجاً على الإطلاق عن الإقطاع؛ وليس عن اضطهاد الرأسماليين له بل عن أسباب أخرى: إنه ناتج عن أمية وفظاظة وسُكر الشعب. ونحن الموظفون الحكوميون نعمل على مكافحة ذلك بالإدارة الحكيمة، ونحن الرأسماليون نعمل على مكافحة ذلك عبر نشر المنتجات الصناعية، ونحن رجال الدين، عبر التعليم الديني، ونحن الليبراليون، عبر إنشاء نقابات العمال، وعبر رفع مستوى التعليم ونشره، بهذه الطرق سوف نزيد من رفاهية الشعب دون تغيير مواقعنا. لا نريد أن يكون الناس جميعاً فقراء بل نريدهم أن يكونوا أغنياء. وأيضاً كون الناس يتمّ تعذيبهم وقتلهم لإرغامهم على العمل لدى الأغنياء، إنما هي سفسطة: يتم إرسال الجنود لقتال الشعب فقط حين يقوم الشعب، الذي لا يفهم مصلحته، بالتمرد ويخلّ بالاستقرار اللازم للصالح العام. كذلك لابد من قمع المجرمين الذين لأجلهم أُنشئت السجون والمشانق والأشغال الشاقة. نحن أيضاً نتمنى إلغاءها ونعمل في هذا المنحى".
النفاق في زماننا مدعوم من طرفين:
كذبة الدين وكذبة العلم بلغتا حدوداً لو لم نكن نعيشها لما صدقنا أنَّ بإمكان الناس بلوغ هذه الدرجة من خداع الذات. وصل الناس في زماننا إلى حالة غريبة من قسوة القلب بحيث أنهم ينظرون ولا يبصرون، يصغون ولا يسمعون ولا يفقهون.
يعيش البشر حياة متناقضة لوعيهم منذ زمن بعيد. ولولا وجود النفاق لما استطاعوا عيش هذه الحياة. نظام الحياة المتناقض هذا مستمر فقط لأنه مغلّف بالنفاق. وكلما ازدادت المسافة بين الواقع ووعي الناس كلما امتدّ النفاق أكثر. لكن حتى النفاق له حدود. وأعتقد أننا قد وصلنا في زماننا إلى ذلك الحدّ.
كل إنسان في زماننا، بإدراكه المسيحي اللاشعوري، حاله تماماً كحال شخص نائم يرى في المنام أنه يجب أن يفعل ما يعلم أنَّ ليس عليه أن يفعله، حتى في المنام. إنه يعلم ذلك في أعماق وعيه، ورغم ذلك، كما لو أنه عاجز عن تغيير وضعه، لا يمكنه التوقف والكفّ عن القيام بما يعلم أنَّ ليس عليه القيام به. وكما يحدث في المنام، تغدو حاله مضنية أكثر فأكثر، ويبلغ أخيراً، أقصى درجات التوتر، وحينها يبدأ بالشك في واقعية ما يتمثل له، ويبذل جهداً واعياً للاستيقاظ من الكابوس الذي يمسك بتلابيبه.
هذه أيضاً حال الإنسان في عالمنا المسيحي. إنه يعلم أنَّ ما يقوم به وما يحدث من حوله كريه وشنيع وغير ممكن ويناقض إدراكه، ويشعر أنَّ هذا الوضع يصبح مضنياً أكثر فأكثر، وأنه قد بلغ أقصى مستويات التوتر.
هذا غير ممكن: غير ممكن أننا، بشر زماننا، بإدراكنا المسيحي، الممتزج بدمائنا وأجسادنا، لكرامة الإنسان وتساوي البشر، بمطلبنا بتعايش الشعوب السلمي واتحادها، أن نعيش فعلاً بحيث أنَّ شتى أفراحنا، شتى أشكال راحتنا، يكون ثمنها آلام وأرواح إخواننا، وبحيث أنَّ نكون في هذه الأثناء، على قيد شعرة للانقضاض، في أي لحظة، كوحوش ضارية، على بعضنا بعضاً، شعباً على شعب، مدمرين دون رحمة أعمال وحيوات الناس فقط لأنَّ دبلوماسياً أو حاكماً ضالاً ما كتب حماقةً ما إلى دبلوماسي أو حاكم ضال مثله.
هذا مستحيل. لكنَّ أيّ إنسان في زماننا يرى أنَّ هذا بالتحديد ما يحدث وأنَّ هذا بالتحديد ما ينتظره. والوضع يغدو مضنياً أكثر فأكثر. وكما أنَّ الشخص النائم لا يصدق أنَّ يكون واقعاً ما يتمثل له واقعاً، ويريد الاستيقاظ منه إلى الواقع الفعلي، كذلك تماماً الإنسان العادي لا يمكنه أن يصدق من أعماقه أنَّ الوضع المخيف الذي يعيشه، والذي يغدو أسوأ فأسوأ، واقع، ويريد الاستيقاظ إلى الواقع الحقيقي، إلى الواقع الذي يعيش في وعيه.
وكما أنه يكفي أن يقوم النائم ببذل جهد واعٍ ويتساءل: أليس هذا حلماً؟ حتى ينهار فوراً ما بدا له وضعاً ميئوساً منه ويستيقظ إلى الواقع المريح والمفرح، كذلك تماماً الإنسان المعاصر يكفيه أن يبذل جهداً واعياً، وأن يشكّ في ما يصوره له نفاقه الخاص ونفاق المحيط، ويتساءل: أليست هذه كذبة؟ حتى يشعر فوراً أنّه قد انتقل، مثل الشخص المستيقظ، من العالم المخيف المتخيّل إلى الواقع الحقيقي المريح والمفرح. ومن أجل هذا لا يحتاج الإنسان للقيام بأي بطولات أو أفعال بل يلزم فقط أن يبذل جهداً داخلياً واعياً.
5
لكن هل يستطيع الإنسان القيام بهذا المسعى؟ وفقاً للنظرية القائمة والضرورية للنفاق الإنسان ليس حراً ولا يمكنه تغيير حياته.
"ليس بمقدور الإنسان تغيير حياته لأنه ليس حراً؛ وهو ليس حراً لأنَّ كل أفعاله مقيدة إلى أسباب سابقة. ومهما فعل الإنسان هناك دائماً أسباب ما قام الإنسان بموجبها بأفعال ما، لذا لا يمكن للإنسان أن يكون حراً وأن يغير حياته"،- يقول المدافعون عن ميتافيزيقا النفاق. ولكانوا محقين تماماً لو أنَّ الإنسان كان كائناً لا واعياً وجامداً فيما يتعلق بالحقيقة، أي لو بقي مستوى إدراكه للحقيقة ذات المستوى الذي أدركها منه أول مرة. لكن الإنسان كائن واعٍ ويرتقي باستمرار في إدراكه للحقيقة، وبالتالي حتى لو لم يكن الإنسان حراً في هذا التصرف أو ذاك لأنَّ لكلّ تصرف سبب، فإنَّ أسباب هذه التصرفات ذاتها، التي تنحصر بالنسبة للإنسان الواعي في أنَّه يقرّ بهذه الحقيقة أو تلك دافعاً لتصرفه، يتحكم بها الإنسان. وبالتالي فالإنسان غير الحرّ بالقيام بهذا التصرف أو ذاك، هو حرّ من حيث دوافع هذه التصرفات. كما أنَّ سائق الشاحنة ليس حراً في تغيير حركة الشاحنة التي تمت أو التي تتم، لكنه حرّ من حيث تحديد حركتها اللاحقة مسبقاً.
مهما فعل الإنسان الواعي فإنه يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، فقط لأنه إما الآن يقرّ بأنَّ الحقيقة تكمن في أنَّ يتصرف على هذا النحو، وإما لأنه كان يقرّ في وقتٍ ما بذلك، لكنه يتصرف الآن، بسبب قوة العطالة أو العادة، كما كان يعتبره واجباً من قبل.
في كلتي الحالتين سبب تصرفه لم يكن معروفاً بينما إقراره بشكل معين للحقيقة، وبالتالي إدراكه لهذه الظاهرة أو تلك، هو سبب كافٍ للتصرف.
إذا امتنع الإنسان عن تناول الطعام، إذا كان يعمل أو يرتاح، إذا كان يتجنب الخطر أو يتعرّض له، إذا كان شخصاً واعياً فإنه يتصرف على هذا النحو فقط لأنه يعتبر ذلك الآن واجباً وحصيفاً؛ يعتبر أنَّ الحقّ يكمن في أن يتصرف على هذا النحو، وليس على نحو آخر، أو أنه يرى هذا منذ زمن بعيد.
أما الإقرار بحقيقة معينة أو عدم الإقرار بها فلا يتوقف على أسباب خارجية بل على أسباب أخرى كامنة في الإنسان ذاته. بالتالي، أحياناً، في ظلّ كلّ الظروف الخارجية التي تبدو مربحة للاعتراف بالحقيقة شخصٌ ما لا يعترف بها بل، على العكس، يعترف بأخرى رغم كلّ الظروف غير المربحة دون أسباب ملحوظة. شيء من هذا القبيل يرد في إنجيل يوحنا (44:6): "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني"، أي أنَّ معرفة الحقّ، الذي هو سبب كل تجليات الحياة الإنسانية، لا تتوقف على الظواهر الخارجية بل على صفات داخلية ما للإنسان لا يمكنه ملاحظتها.
وبالتالي فالإنسان، غير الحرّ في تصرفاته، يشعر بنفسه حراً فيما يتعلق بسبب تصرفاته، في معرفة أو عدم معرفة الحقّ. ويشعر بنفسه حراً ليس فقط فيما يتعلق بالأحداث الخارجية التي لا تحدث في داخله بل كذلك فيما يتعلق بتصرفاته.
كذلك الإنسان الذي يرتكب، بفعل الغضب، عملاً مناقضاً للحقيقة التي يقرّها، يبقى -رغم ذلك- حراً في إقراره أو عدم إقراره بها؛ أي يستطيع، دون أن يقرّ بالحقيقة، اعتبار تصرفه ضرورياً، وتبرير ارتكابه إياه لنفسه، ويمكنه، مع إقراره بالحقيقة، اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه.
كذلك المقامر أو السكيّر، الذي لا يمكنه مقاومة الإغراء ويستسلم لإدمانه، يبقى -رغم ذلك- حراً في اعتبار أنَّ القمار أو السُكر شراً أو تسليةً بريئةً. في الحالة الأولى، حتى إذا لم يتخلص من إدمانه فوراً فإنه اعترف بالحقيقة بصدق أكبر كلما تحرر منه أكثر؛ في الحالة الثانية، سيقوم بتعزيز إدمانه أكثر ويحرم نفسه أيّ إمكانية للتخلص منه.
كذلك تماماً الشخص الذي لم يحتمل الحريق، وفرّ من منزل يحترق دون أن ينقذ صديقه، يبقى حراً (مع اعترافه بحقيقة أنَّ على الإنسان تعريض حياته للخطر لإنقاذ حياة الآخرين) في اعتبار تصرفه سيئاً وإدانة نفسه عليه أو (دون أن يعترف بهذه الحقيقة) اعتبار تصرفه طبيعياً وضرورياً وتبرير نفسه. في الحالة الأولى، التي يعترف فيها بالحقيقة بغضّ النظر عن تراجعه عنها، هو يمهد السبيل أمام سلسلة كاملة من النتائج الناتجة حتماً عن إقراره بتصرفات نكران ذات كهذه؛ في الحالة الثانية يمهد السبيل لسلسلة كاملة من التصرفات الأنانية بامتياز.
هذا لا يعني أنَّ الإنسان حرّ دائماً في اعترافه أو عدم اعترافه بشتى الحقائق. هناك حقائق معترف بها منذ زمن بعيد، إما من قِبَل المرء ذاته وإما منقولة إليه عبر التربية أو التقاليد، ويعتبرها عقيدته التي اتّباعها أصبح عادةً، طبيعةً ثانيةً، وهناك حقائق تبدو له غير واضحة فحسب. الإنسان ليس حراً في عدم الاعتراف بالحقائق الأولى وفي الاعتراف بالحقائق الثانية، بصورة متماثلة. لكن هناك نوع ثالث من الحقائق، كالتي لم تصبح بعد دوافع لا واعية للعمل بالنسبة للإنسان لكنها، بدلاً من ذلك، كُشفت له بمنتهى الوضوح بحيث لا يمكنه تجاوزها ولابدّ له، بطريقة ما، من التعامل معها، والاعتراف أو عدم الاعتراف بها. في تعامله مع هذه الحقائق تتجلّى حرية الإنسان.
كلّ إنسان في حياته يجد نفسه، فيما يتعلق بالحقيقة، في وضع عابر سبيل يسير في العتمة على ضوء القنديل المتحرك إلى الأمام: إنه لا يرى ما لم يُنره القنديل بعد، لا يرى ولا يمكنه تغيير علاقته، لا بهذا ولا بذاك؛ إنه يرى، أيّاً كان الموضع الذي يقف فيه في الطريق، فقط ما ينيره القنديل، ويستطيع دائماً اختيار هذه الجهة أو تلك من الطريق التي يسير فيها.
بالنسبة لأيّ إنسان هناك دائماً حقائق غير مرئية له، ولا تُكشف له بالبحث العقلي، وهناك حقائق سبق له أن عاشها ونسيها أو استوعبها، وهناك حقائق معينة تنهض أمامه عندما يستنير عقله، وتتطلب الاعتراف بها. وفي هذا الاعتراف أو عدم الاعتراف بهذه الحقائق تتجلّى ما نعتبره جميعاً حريتنا.
كلّ صعوبة المسألة، التي تبدو غير قابلة للحلّ، المتعلقة بحرية الإنسان ناتجة عن أنَّ الذين يحاولون حلّ المسألة يتصورون الإنسان جامداً في تعامله مع الحقيقة.
الإنسان ليس حراً دون شك إذا كنا نعتبره جامداً، إذا نسينا أنَّ حياة الإنسان والإنسانية ليست سوى حركة دائمة من الظلام إلى النور، من مستوى أدنى للحقيقة إلى مستوى أعلى، من حقيقة أكثر امتزاجاً مع الضلالات إلى حقيقة أكثر تحرراً منها. لما كان الإنسان حراً لو أنه لم يكن يعرف أيّ حقيقة كانت، وكذلك تماماً ما كان ليكون حراً بل حتى ما كان ليكون لديه أيّ مفهوم عن الحرية لو أنَّ كلّ الحقيقة، التي يجب أن تقود حياته، لم تكشف له مرةً وإلى الأبد، بعذريتها دون أيّ ضلالات.
لكنَّ الإنسان ليس جامداً في علاقته مع الحقيقة بل يدرك باستمرار، تبعاً لتطوره في الحياة، كلّ إنسان على حدة وكذلك الإنسانية جمعاء، مستوى أعلى فأعلى للحقيقة ويتحرر أكثر فأكثر من الضلالات. لذا فالبشر يتواجدون دائماً في علاقة ثلاثية مع الحقيقة: بعض الحقائق باتت مستوعاة من قبله وأصبحت دوافع لا شعورية لأفعاله، وبعضها بدأ يكتشفها للتوّ، وثالثة، رغم أنه لم يستوعبها بعد، مكشوفة له بدرجة من الوضوح ولا بدّ له من التعامل معها بطريقة ما، لابد له من الاعتراف أو عدم الاعتراف بها. وهذه الحقائق بالذات الإنسان حرّ في اعترافه أو عدم اعترافه بها.
لا تكمن حرية الإنسان في أنه، بغضّ النظر عن مجرى الحياة وعن الدوافع الموجودة والمؤثرة فيه، قادر على التصرف على هواه، بل في أنه قادر، باعترافه بالحقيقة المكشوفة له واعتناقه إياها، على أن يصبح حراً وفاعلاً سعيداً للعمل الأزلي والأبدي الذي يقوم به الله وتقوم به الحياة، ويمكنه ألّا يعترف بهذه الحقيقة، ويغدو عبداً لها ويُدفع، مُكرهاً ومُعذباً، إلى حيث لا يريد.
الحقيقة لا تهدي فقط إلى درب الحياة الإنسانية بل تفتح الدرب الوحيد الذي يمكن للحياة الإنسانية السير فيه. لذا لابدّ للبشر كافةً، طوعاً أم كرهاً، من السير في طريق الحقيقة: بعضهم من تلقاء ذاتهم عبر قيامهم بما قدّرته لهم الحياة، وآخرون عبر خضوعهم مكرهين لقانون الحياة. وحرية الإنسان تكمن في هذا الاختيار.
حرية كهذه، ضمن هذه الحدود الضيقة، تبدو للناس ضئيلة إلى درجة أنهم لا يلاحظونها. بعضهم (أصحاب نظرية الحتمية) يعتبرون أنَّ نصيب الفرد من الحرية ضئيل بحيث لا يعترفون بها على الإطلاق؛ آخرون (المدافعون عن الحرية المنطلقة)، آخذين بالحسبان حريتهم المتخيّلة، يرفضون هذه الحرية التي تبدو لهم تافهة. الحرية، المحصورة بين حدّ جهل الحقيقة وحدّ معرفتها بدرجة معينة، لا تبدو للناس حرية لكن، شاء الإنسان أم أبى الاعتراف بالحقيقة المكشوفة له، فإنه سيُرغم حتماً على تحقيقها في الحياة.
الفرَس، المربوطة مع أفراسٍ أخرى إلى عربة، ليست حرّة في عدم جرّ العربة. وإذا لم تجرّ العربة فستضربها العربة في أرجلها، وستذهب إلى حيث تذهب العربة، وستجرّها رغماً عنها. لكن بغضّ النظر عن هذه الحرية المحدودة فهي حرّة في أن تجرّ العربة طوعاً أو أن تدفعها العربة دفعاً. والأمر ذاته يتعلق بالإنسان.
سواء كانت هذه الحرية كبيرة أم لا مقارنةً بتلك الحرية الفنتازية التي نرغب في امتلاكها، فإنَّ هذه الحرية لا شكَّ في وجودها، وهذه الحرية حرية حقاً، وفي هذه الحرية يكمن خيرٌ يمكن للإنسان بلوغه.
وعدا عن أنَّ هذه الحرية تمنح الإنسان الخير، فإنها أيضاً الوسيلة الوحيدة للقيام بالعمل الذي يمنح العالم حياةً.
حسب تعليم المسيح، الإنسان الذي يرى معنى الحياة في المجال الذي هي ليست حرّة فيه، في عالم النتائج، أي الأفعال، ليست له حياة حقّة. يمتلك حياة حقّة -وفق التعليم المسيحي- فقط مَن ينقل حياته إلى المجال الذي هي حرّة فيه، إلى عالم الأسباب، أي إدراك وإقرار الحقيقة الموحاة واتباعها، وبالتالي لابدّ من تطبيقها لاحقاً، كما تتبع العربة الفرَس.
بتكريسه حياته للأعمال الحسيّة يعمل الإنسان الأعمال التي تتوقف دائماً على أسباب مؤقتة زائلة ليست في داخله. هو ذاته لا يفعل شيئاً مما يبدو له أنه يقوم به، لأن، في الواقع، كلّ الأعمال التي يعتقد أنه هو الذي يقوم بها إنما تُفعل من خلاله من قِبَل قوة عليا، وهو ليس خالق الأشياء بل عبدٌ لها؛ وبتكريسه حياته لإقرار واعتناق الحقيقة المكشوفة له، متحداً بمنبع الحياة ككل، فإنه لا يعود يقوم بأعمال شخصية خاصة، متوقفة على ظروف المكان والزمان، بل يقوم بأعمال لا أسباب لها بل هي ذاتها أسباب كلّ شيء آخر، ولها قيمة لا متناهية ولا حدود لها.
عبر استخفافهم بجوهر الحياة الحقّة الكامن في الاعتراف بالحقّ واتباعه، وعبر تكريس جهودهم لتحسين حياتهم من خلال أفعال خارجية، أصحاب الفهم الحياتي الوثني مِثلهم كمِثل أناس على متن باخرة، والذين لكي يبلغوا غايتهم قاموا بإطفاء المرجل البخاري الذي يعيقهم عن توزيع المجدِّفين، وراحوا يحاولون، بدلاً من أن يسافروا مجهزّين بالبخار والمروحة لعبور العاصفة، التجديف بمجاديف لا تبلغ المياه. ملكوت الله يؤخذ بالمجاهدة وفقط المجاهدون يغتبطون به، وهذا الجهد للتخلّي عن تغيير الظروف الخارجية، وللاعتراف بالحقّ واتباعه هو الجهاد الذي يؤخذ ملكوت الله بوساطته، والذي يمكن ويجب أن يُبذل في زماننا.
يكفي أن يفهم البشر ما يلي: الكفّ عن الانشغال بالأعمال الخارجية والعامة التي هم ليسوا أحراراً فيها، واستخدام واحد بالمائة فقط من الطاقة، التي يستخدمونها في الأعمال الخارجية، على ما هم أحرار فيه، على إقرار واعتناق الحقيقة التي تَمْثُلُ أمامهم، على تخليص الناس من الكذب والنفاق اللذين يحجبان الحقيقة، حتى ينهار فوراً، دون جهد أو قتال، نظام الحياة الباطل الذي يُعذِّب البشر ويُهدّد بويلات أسوأ، وحتى يتحقق ملكوت الله أو على الأقل درجته الأولى التي بات البشر جاهزين لها من حيث مستوى وعيهم.
كما أنه تكفي دفعة واحدة لكي يتحول فوراً السائل المشبع بالملح إلى بلورات، كذلك قد يكون أدنى جهد كافياً في الوقت الراهن لكي تأسر الحقيقة، التي سبق أن كُشفت للناس مئات، بل آلاف وملايين، الناس، ولكي ينشأ رأي عام يتناسب مع الوعي الحالي، ولكي يتغير، نتيجةً لنشوئه، مجمل نظام الحياة القائم. والقيام بهذا الجهد متوقف علينا.
فقط لو أنَّ كلّاً منّا حاول أن يفهم ويعي تلك الحقيقة السامية التي تحيط بنا من جميع الجهات، بشتى الأشكال، وتتوسلنا في داخل نفوسنا؛ فقط لو أننا كففنا عن الكذب وعن التظاهر بأننا لا نرى هذه الحقيقة أو بأننا نتمنى تحقيقها ليس فقط في ما تطلبه منّا قبل أيّ شيء آخر، فقط لو أننا اعترفنا بهذه الحقيقة التي تنادينا واعتنقناها بشجاعة، لكنا رأينا فوراً أنَّ مئات، بل آلاف وملايين، الناس حالهم كحالنا، ويرون مثلنا الحقيقة، وينتظرون مثلنا اعتراف الآخرين بها. فقط لو كفّ الناس عن المراءاة لكانوا رأوا فوراً أنَّ نظام الحياة العنيف، الوحيد الذي يقيدهم ويبدو لهم راسخاً وضرورياً ومقدساً ومُلهماً من قِبل الله، قد بدأ يترنح ويرتكز فقط على كذبة النفاق التي نحن مع أمثالنا نُبقي عليها.
"لكن إذا كان هذا صحيحاً، إذا كان صحيحاً أنَّ تدمير نظام الحياة القائم يتوقف علينا؛ فهل يحقّ لنا تدميره دون أن نعلم بوضوح ما الذي سنضعه مكانه؟ ما الذي سيحدث للعالم إذا تمّ القضاء على نظام الحياة القائم؟"
"ماذا سيحدث هناك، خلف جدران العالم التي نبقي عليها؟"
"غيرتسن"
الخوف يهيمن- الفراغ، الاتّساع، الإرادة... كيف يمكن السير دون معرفة الوجهة، كيف يمكن الفقد دون رؤية المكسب؟
"لو أنَّ كولومبس فكّر على هذا النحو لما رفع المرساة. من الجنون مخر عُباب المحيط دون معرفة الطريق، المحيط الذي لم يمخر عبابه أحد، الإبحار إلى بلاد وجودها سؤال. بهذا الجنون اكتشف عالماً جديداً. بالطبع، لو أنَّ الشعوب انتقلت من hotel garni إلى آخر، أفضل، لكان الأمر أسهل، لكنَّ المصيبة أنَّ ما من أحد هناك ليقوم بتحضير شقق جديدة. الأمور أسوأ في المستقبل -أين منه المحيط- إذ ليس فيه شيء، وسيكون على النحو الذي ستصنعه فيه الظروف، والناس".
"إذا كنتم قانعين بالعالم القديم فحاولوا الحفاظ عليه، فهو هشّ ولن يصمد طويلاً؛ لكن إذا كنتم لا تطيقون العيش في التناقض الأبدي بين قناعاتكم وحياتكم بحيث تفكرون في شيء وتعملون شيئاً آخر، فاخرجوا من تحت قبابكم الكلسية القروسطية إلى خوفكم. أعلم جيداً أنَّ هذا ليس سهلاً. ليس هيناً على الإنسان مفارقة ما اعتاد عليه منذ ولادته، ما كبر معه وترعرع عليه. البشر مستعدون لتضحيات مخيفة لكن ليست تلك التي تتطلبها منهم الحياة الجديدة. هل هم مستعدون للتضحية بالحضارة الحديثة وبنمط حياتهم وأديانهم وأخلاقيتهم المشروطة؟ هل هم مستعدون لفقدان كلّ الثمار التي أنتجوها بهذه الجهود، الثمار التي نفتخر بها منذ ثلاثة قرون، لفقدان كلّ أسباب راحة كينونتنا ومفاتنها، وتفضيل فتوّة متوحشة على شيخوخة مثقفة، تحطيم قلعتنا الموروثة فقط للابتهاج بوضع حجر الأساس للعالم الجديد الذي سيُبنى أفضل، دون شك، من بعدنا؟" (غيرتسن: مج5، ص55)
هذا ما قاله قبل نصف قرن تقريباً كاتب روسي رأى، بعقله النفاذ، بوضوح آنذاك ما بات يراه أيّ شخص ضعيف العقل في زماننا: استحالة استمرار الحياة على الأسس القديمة وحتمية إقامة أشكال جديدة للحياة.
من أبسط وجهة نظر دنيوية بات واضحاً أنَّ من الحماقة البقاء تحت قبّة بناء لم تعد تحتمل ثقلها، وأنه يجب الخروج من تحتها. وبالفعل، يصعب تصور وضع أكثر كارثية من وضع العالم المسيحي في الوقت الراهن، بشعوبه المُسلّحة ضدّ بعضها بعضاً، بضرائبه التي تزداد باستمرار للإنفاق على هذا التسلّح المتنامي، بكراهية الطبقة العاملة للغنية التي تزداد اضطراماً، بسيف حرب داموقلس المعلق فوق رؤوس الجميع، والمستعد والواجب حتماً أن ينقطع في أيّ لحظة، عاجلاً أم آجلاً.
هيهات أن تكون أيّ ثورة أكثر كارثية بالنسبة لمعظم الشعب من النظام القائم باستمرار لحياتنا، بالحري من فوضاها، بضحايا العمل اللاإنساني المعتادين، بفقرها وسُكرها وفجورها، وبكلّ أهوال الحرب القادمة القادرة على ابتلاع ضحايا أكثر من جميع ثورات القرن الحالي في سنة واحدة.
ماذا سيحدث لنا، للبشرية جمعاء، إذا قام كلٌّ منّا بتنفيذ ما يطلبه منه الله من خلال الضمير الكامن فيه؟ ألن تحدث مصيبة من جرّاء أنني، مهيمناً عليّ كلياً من قِبل مالك السلطة، أُنفذ، في المؤسسة التي أنشأها ويقودها هو، ما يأمرني بالقيام به، والذي يبدو لي، أنا الجاهل بغايات السيد النهائية، غريباً؟
لكن حتى ليس سؤال "ماذا سيحدث؟" هو الذي يثير قلق الناس عندما يُبطئون في تنفيذ إرادة السيّد بل تقلقهم مسألة كيفية العيش دون شروط حياتنا المعتادة التي نسميها: العلم، الفن، الحضارة، الثقافة. إننا نشعر شخصياً بعبء حياتنا الراهنة كله، بل نرى أنَّ حتى نظام الحياة هذا إذا كان سيستمر فسوف يُهلكنا حتماً، لكننا، إضافاً إلى ذلك، نريد لشروط حياتنا، الناتجة عنها: علومنا، فنوننا، حضاراتنا، ثقافاتنا، عند تغيّر حياتنا، أن تبقى سليمةً. مَثل هذا كمثل شخص يعيش في منزل قديم، ويعاني من برد وعدم راحة هذا المنزل، ويعلم، عدا عن ذلك، أنَّ المنزل يكاد ينهار، فيوافق على إعادة بنائه شريطة عدم خروجه منه: هذا الشرط يعادل رفض إعادة بناء المنزل. "لكني ما إن أخرج من المنزل فسأفقد لبعض الوقت كلّ أسباب الراحة، وقد لا يُبنى المنزل الجديد أو قد يُبنى بطريقة مختلفة بحيث لا يتوفر فيه ما اعتدت عليه!" لكن، ما دامت المواد متوفرة والبناؤون موجودين، فعلى الأغلب سيُبنى المنزل الجديد أفضل من السابق، فضلاً عن أنه ليس هناك احتمال فقط بل يقين بأنَّ المنزل القديم سوف ينهار ويسحق الذين يبقون فيه. سواء كانت الشروط السابقة والمعتادة للحياة ستبقى أم تزول، سواء كانت ستنشأ شروط جديدة كلياً وأفضل أم لا، يجب حتماً الخروج من الشروط القديمة التي باتت مستحيلة ومهلكة لحياتنا، والتوجه لملاقاة المستقبل.
"سوف تزول العلوم والفنون والحضارات والثقافات!" لكنَّ هذا كله ليس سوى تجليات مختلفة للحقيقة، والتغيير القادم سيتمّ فقط من أجل الاقتراب إلى الحقيقة وإحيائها. فكيف يمكن لتجليات الحقيقة أن تزول نتيجةً لإحيائها؟ سوف تكون مختلفة، أفضل وأسمى، لكنها لن تزول على الإطلاق. سيزول منها ما كان باطلاً؛ أما ما كان من الحقّ فقط سيزدهر ويتعزز أكثر.
6
توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل، بالتعليم المتعلّق بالصلاح. إذا لم تتوبوا فستهلكون كما هلك الذين قتلهم بيلاطس، وكما هلك الذين سحقهم برج "سيلوام" وكما هلك ملايين وملايين الناس، القاتلين والمقتولين، العادمين والمعدومين، المعذِّبين والمعذَّبين، وكما هلك بحماقة ذلك الإنسان الذي بذر البذار وكان ينوي العيش طويلاً فمات في الليلة التي أراد فيها بدء الحياة.
"توبوا أيها الناس، وآمنوا بالإنجيل." قال المسيح قبل 1800 سنة، وتقول هذا بمزيد من الإقناع الآن كارثية ولامعقولية حياتنا -مما تنبّأ به المسيح الآن- التي بلغت أقصى حدود الكارثية واللامعقولية.
فالآن، بعد كلّ هذه القرون من المحاولات الدؤوبة للنظام العنيف الوثني لضمان حياتنا، المفروض أن يكون واضحاً للجميع أنَّ كلّ المساعي الموجّهة نحو هذه الغاية تحمل فقط مخاطر جديدة إلى الحياة الشخصية والاجتماعية كذلك، لكنها لا تضمنها على الإطلاق. إذ أيّاً كانت ألقابنا، وأيّاً كانت الملابس التي نرتديها، أيّاً كان الزيت الذي نمسح به أنفسنا وعند أيّ قسيس كان، مهما بلغت الملايين التي نملكها، مهما بلغ عدد الحراس الذين يحرسون طريقنا، مهما بلغ عدد رجال الشرطة الذين يحمون ثرواتنا، مهما أعدمنا من الثوريين والأناركيين، أيّاً كانت مآثرنا، كيفما كانت مآثرنا، كيفما كانت الدول التي أنشأناها والقلاع والأبراج التي بنيناها، من برج بابل إلى برج إيفل، يَمثل أمامنا دائماً شرطان لا مفرّ منهما لحياتنا، يقضيان على معناها كله: 1) الموت القادر في أيّ لحظة على إدراك أيّ منّا، 2) عدم رسوخ جميع الأعمال التي قمنا بها، الزائلة بسرعة دونما أثر. مهما فعلنا: سواء أنشأنا الدول أم بنينا القصور والنصب التذكارية أم ألفنا القصائد والأغنيات، هذا كله قصير الأجل، وسيمضي كله دون أن يترك أثراً. ولهذا، مهما أخفينا هذا عن أنفسنا، لا يمكننا عدم رؤية أنَّ معنى حياتنا لا يمكن أن يكون لا في وجودنا الجسدي الشخصي المعرّض لآلام لا مفرّ منها وللموت المحقق، ولا في أيّ مؤسسة دنيوية أو نظام دنيوي.
أيّاً كنت -يا قارئ هذه السطور- فكّر في مكانتك وواجباتك، ليس في مكانة الملاكّ أو التاجر أو القاضي أو الإمبراطور أو الرئيس أو الوزير أو القسيس أو الجندي، الذي يصفك به الناس مؤقتاً، وليس في الواجبات المتخيّلة التي تضعها على عاتقك هذه المواقع، بل في موقعك الحقيقي والأبدي ككائن خرج، بمشيئة أحدهم بعد أبدية بأكملها، من العدم، من المجهول، والذي قد يعود، بمشيئة أحدهم، إلى المكان الذي خرج منه في أيّ لحظة. فكر في واجباتك، ليس في واجباتك المتخيّلة: واجبات الإقطاعي تجاه إقطاعته، والتاجر تجاه رأسماله، والإمبراطور والوزير والموظف تجاه الدولة، بل في واجباتك الحقيقية النابعة من مكانتك الحقيقية ككائن استُدعي إلى الحياة ووهب عقلاً وقلباً. فهل ستفعل ما يطلبه منك الذي أرسلك إلى هذا العالم، والذي سرعان ما ترجع إليه؟ هل ستفعل ما يريده منك أم ستفعل ما يفعله الإقطاعي أو الصناعي الذي يستولي على نتاج عمل الفقراء بانياً حياته على هذا النهب، أو ما يفعله الحاكم أو القاضي الذي يقهر الناس ويحكم عليهم بالإعدام، أو ما يفعله العسكري الذي يتجهز للحروب ويقاتل وينهب ويقتل؟
تقول إنَّ العالم قد بُني على هذا النحو، إنَّ هذا لا مناص منه، إنك لا تفعل ذلك بإرادتك بل أنت مضطر إلى ذلك. لكن، قد يكون مغروساً فيك بمنتهى القوة الاشمئزاز من آلام الناس ومن تعذيبهم وقتلهم، قد يكون مغروسة فيك الحاجة إلى محبة الناس، وحاجة أقوى إلى محبة الناس لك، لكي ترى بوضوح أنَّ فقط عند الاعتراف بتساوي البشر جميعاً، عند خدمتهم بعضهم بعضاً، يمكن تحقيق أكبر خير يمكن للبشر بلوغه، لكي يقول لك الكلام ذاته قلبك وعقلك والدين الذي تدين به، لكي يقول لك العلم الشيء ذاته، ولكي تكون، رغم ذلك، من جراء أفكار مبهمة ومعقدة جداً، مضطراً إلى القيام بكلّ شيء على النقيض من هذا صراحةً، بحيث تكون مضطراً، إذا كنت إقطاعياً أو رأسمالياً، إلى بناء حياتك كلها على اضطهاد الشعب، لو إذا كنت موظفاً حكومياً تكون مضطراً إلى أن تنتزع بالقوة من الفقراء أموالهم بدمائهم بدمائهم لكي تنتفع منهم لكي تنتفع بها وتعطيها للأغنياء، أو إذا كنت قاضياً أو محلّفاً تكون مضطراً إلى الحكم على الناس الضالين بالتعذيب أو الموت لأنَّ لهم لم تُكشف لهم الحقيقة، أو أهم ما يرتكز عليه شرّ العالم -أن يتوجب عليك أيها الشاب الالتحاق بالجندية وتتعهد، متخلياً عن إرادتك وعن مشاعرك الإنسانية، بقتل، تبعاً لإرادة أناس غرباء عنك، كلّ الذين يأمرونك بقتلهم؟
هذا مستحيل. حتى لو قال لك الناس إنَّ هذا كله ضروري للحفاظ على نظام الحياة القائم، وإنَّ النظام القائم، بفقره وجوعه وسجونه وإعداماته وجيوشه وحروبه، ضروري للمجتمع، وإنَّ هذا النظام إذا انهار فستحلّ أسوأ الكوارث، فإنَّ هذا يقوله فقط الذين نظام الحياة هذا مفيد لهم، أما كلّ أولئك الذين يفوقونهم عدداً بعشرة أضعاف، والذين يعانون من جرّاء نظام الحياة هذا، فجميعهم يفكرون ويقولون العكس. وأنت ذاتك تعلم في أعماقك أنَّ هذا غير صحيح، وأنَّ نظام الحياة الراهن قد ولّى زمانه ولا بدّ من إعادة بنائه على أسس جديدة، وأنه، لهذا السبب، لا حاجة أبداً للحفاظ عليه، عبر التضحية بالمشاعر الإنسانية.
الأكثر أهمية هو أنه حتى لو افترضنا أنَّ النظام الراهن ضروري؛ فلماذا تشعر أنت بالذات بأنك مُلزم، منهكاً أفضل المشاعر الإنسانية لديك، بالحفاظ عليه؟ مَن جعلك حاضنة هذا النظام المنهار؟ لا المجتمع، ولا الدولة، ولا الناس جميعاً لم يطلبوا منك الحفاظ على هذا النظام، شاغلاً موقع الإقطاعي أو التاجر أو الإمبراطور أو القسّ أو الجندي الذي تشغله؛ وإنك تعلم جيداً أنك لم تشغل وتتقبل منصبك على الإطلاق للحفاظ، بنكران ذات، على نظام الحياة الضروري لخير البشر، بل لأجل ذاتك: لأجل جشعك وحبك للمجد وحبك للرفعة، لأجل كسلك وجبنك. لو لم تكن راغباً في هذا الموقع لما فعلت كلّ ما ينبغي القيام به باستمرار للحفاظ على موقعك. حاول فقط الكفّ عن القيام بتلك الأعمال القاسية والعنيفة والمخيفة والدنيئة التي لا تكفّ عن القيام بها للحفاظ على موقعك، وستفقده فوراً. فقط حاول، إذا كنت حاكماً أو موظفاً، الكفّ عن الكذب والدناءة، وعن المشاركة في أعمال العنف والإعدام؛ أو إذا كنت قساً، عن الكذب؛ أو إذا كنت عسكرياً، فعن القتل؛ أو إذا كنت إقطاعياً أو صناعياً، فعن الدفاع عن ملكيتك عن طريق المحاكم وأعمال العنف، ولسوف تفقد فوراً الموقع الذي تقول إنك مُقسّر عليه، والذي تدّعي أنه يُثقل عليك.
يستحيل وضع إنسان رغماً عنه في موقع يتعارض مع وعيه.
إذا كنت موجوداً في هذا الموقع فليس لأنَّ هذا ضروري لأحدهم بل فقط لأنك تريد ذلك. ولهذا، عارفاً أنَّ هذا الموقع يتعارض صراحةً مع قلبك وعقلك وعقيدتك وحتى مع العلم الذي تؤمن به، يستحيل عليك عدم التفكير بالسؤال: هل ستفعل ما يجب أن تفعل إذا بقيت في هذا الموقع، خاصةً وأنك تحاول تبريره؟
إذ يمكن المجازفة بارتكاب الخطأ لو لم يكن لديك وقت لرؤية خطئك، ولو كان لما تجازف في سبيله أيّ أهمية. لكن ما دمت تعلم، ربما، أنك قد تفنى في أيّ لحظة دون أدنى إمكانية، لا لك ولا للذين تجتذبهم إلى خطئك، لتصحيحه، فضلاً عن أنك تعلم أنَّ مهما فعلت في النظام الخارجي للعالم، فإنَّ هذا كله سيزول مثلك أنت، بسرعة جداً، ربما، دون أن يترك أثراً، فجليّ أنه ما من شيء يدعوك إلى المجازفة بارتكاب هذا الخطأ المخيف.
إنَّ هذا بمنتهى البساطة والوضوح فقط لو لم نُعتّم على الحقيقة المكشوفة لنا دون شك بالنفاق.
"تقاسم ما لديك مع الآخرين. لا تكنز الثروة. لا تتكبّر. لا تسرق. لا تعذِّب. لا تقتل أحداً. لا تفعل بأحد ما لا تريد أن يُفعل بك." قيل هذا قبل 5000 سنة، وليس قبل 1800 سنة، ولم يكن بالإمكان الشكّ في حقانية هذا القانون لولا النفاق: إذا كان يستحيل القيام بذلك، فعلى الأقل عدم الاعتراف بأنَّ هذا يجب القيام به دائماً، وأنَّ من لا يفعل ذلك يعمل سوءاً.
لكنك تقول إنَّ هناك أيضاً الصالح العام الذي من أجله يمكن ويجب التراجع عن هذه القواعد: من أجل الصالح العام يمكن القتل والتعذيب والنهب. "خيرٌ أن يموت إنسانٌ واحد عن الشعب،" تقول ما قاله قيافا، وتحكم بالإعدام على أحدهم، فثانٍ، فثالث، تسدد البندقية إلى هذا الشخص الذي يجب أن يموت عن الشعب، تودعه السجن، تنتزع منه أملاكه. تقول إنك تقوم بهذه الأعمال العنيفة لأنك تعتبر ابن المجتمع، أو الدولة، وتشعر أنَّ من واجبك أن تخدمه وتتبع قوانينه. لكن عدا عن انتمائك إلى دولة معينة، وإلى الواجبات النابعة من ذلك، لديك انتماء آخر إلى حياة العالم الأبدية، وإلى الله، وإلى الواجبات النابعة من هذا الانتماء.
وكما أنَّ واجباتك النابعة من انتمائك إلى عائلة معينة أو مجتمع معين تخضع دائماً لواجباتك الأعلى النابعة من انتمائك إلى الدولة، كذلك واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة لا بدّ لها من أن تخضع للواجبات النابعة من انتمائك إلى حياة العالم، إلى الله.
وكما أنَّه ليس من الحصافة تحطيم أعمدة الاتصال البرقي لتأمين حطب الوقود للأسرة أو المجتمع وزيادة رفاهيته لأنَّ هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة الدولة، كذلك تماماً ليس من الحصافة، من أجل صيانة الدولة وزيادة رفاهيتها، تعذيب أو إعدام أو قتل إنسان لأنَّ هذا يخرق القوانين التي ترعى مصلحة العالم.
واجباتك النابعة من انتمائك إلى الدولة ليس بإمكانها عدم الخضوع للواجب الأبدي الأسمى النابع من انتمائك إلى حياة العالم اللامتناهية أو إلى الله، ولا يمكنها مناقضتها، كما قال تلاميذ المسيح قبل 1800 سنة: "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا." (أعمال الرسل: 4، 19) وأيضاً: "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس." (29، 5)
يؤكدون لك إنَّه لكي لا ينهار النظام، الذي أُقيم البارحة من قِبَل بضعة أشخاص في ركن معين من العالم والمتغيّر باستمرار، يجب عليك القيام بإعدام وتعذيب وقتل الأفراد الذين يُخلّون بنظام العالم الموثوق والثابت الذي أقامه الله أو العقل، فهل هذا جائز؟ ولهذا لا يمكنك عدم التفكير بموقعك، كإقطاعي أو تاجر أو قاضٍ أو إمبراطور أو رئيس أو وزير أو قسيس أو جندي، المرتبط بأعمال الاضطهاد والقهر والكذب والتعذيب والقتل، وعدم الاعتراف بعدم شرعيتها.
لستُ أقول إنَّ عليك فوراً إعطاء أرضك للفقراء، إذا كنت إقطاعياً، أو إعطاء أموالك ومعملك للعمّال، إذا كنت رأسمالياً، أو إذا كنت ملكاً أو وزيراً أو موظفاً أو قاضياً أو جنرالاً، أن تتخلّى فوراً عن منصبك، وإذا كنت جندياً (أي تشغل الموقع الذي يرتكز عليه كلّ العنف) أن تتخلّى فوراً عن موقعك، بغضّ النظر عن مخاطر رفض أداء الخدمة العسكرية.
إذا فعلت ذلك فإنك تفعل الأفضل لكنك -وهو الاحتمال الأكبر- قد لا تكون قادراً على القيام بذلك، فلديك علاقات وأسرة ومرؤوسون ورؤساء، وقد تقع تحت تأثير بمنتهى القوة للغوايات بحيث لا يكون بمقدورك القيام بذلك، لكن يمكنك دائماً الاعتراف بحقيقة الحقائق وعدم الكذب. عدم التأكيد بأنك تظلّ إقطاعياً أو صناعياً أو تاجراً أو رسّاماً أو كاتباً لأنَّ هذا مفيد للناس، بأنك لا تعمل محافظاً أو نائباً عاماً أو ملكاً لأنَّ هذا مستساغ ومعتاد لك بل لأجل خير الناس، بأنك لا تستمرّ بالبقاء جندياً لأنك تخشى العقاب بل لأنك تعتبر الجيش ضرورياً لضمان حياة الناس، يمكنك دائماً عدم الكذب على هذا النحو على نفسك وعلى الناس، وليس يمكنك فحسب بل يجب عليك ذلك لأنَّ في هذا وحد، في تحرّرك من الباطل واعتناقك الحقّ، يكمن خير حياتك الوحيد.
ويكفي أن تفعل هذا فقط حتى يتغير وضعك تلقائياً لا مناص.
أعطي لك أمر واحد، واحد فقط، أنت فيه حرٌّ ومهيمن، في الحياة، والأمور الأخرى كلّها خارجة عن سلطانك. يكمن هذا الأمر في معرفة الحقّ واعتناقه.
وإذا بك -لأنَّ أناساً ضالّين مثيرين للشفقة، مثلك، قد أقنعوك بأنك جندي أو إمبراطور أو إقطاعي أو غني أو قسّ أو جنرال- تبدأ بالقيام بالشرّ الذي يناقض، بوضوح ودون شك، عقلك وقلبك: تبدأ بتعذيب ونهب وقتل الناس، تبني حياتك على معاناتهم، والأهم، بدلاً من القيام بعمل حياتك الوحيد، أي الاعتراف بالحقيقة المعروفة لك واعتناقها، تقوم، متظاهراً بعناية بأنك لا تعرفها، بحجبها عن ذاتك وعن الآخرين، مناقضاً بذلك صراحةً واجبك الوحيد.
وفي أيّ شروط تفعل هذا؟ أنت، الذي قد تموت في أيّة لحظة، تُصدر حكم الإعدام، تعلن الحرب، تذهب إلى الحرب، تحاكم، تعذّب، تنهب العمال، تتنزه وسط الفقراء وتُعلّم الضعفاء الذين يصدقونك أنَّ هذا ما يجب وأنَّ هذا هو واجب الناس، غافلاً عن أنك في اللحظة التي تفعل فيها هذا قد تصيبك بكتيريا أو رصاصة فتحشرج وتموت، وتُحرَم إلى الأبد من إمكانية تصحيح أو تغيير الشرّ الذي صنعته بالآخرين، وبنفسك خاصةً، مُهلكاً عبثاً، مرة وإلى الأبد، الحياة التي مُنحتها، دون أن تعمل فيها الشيء الذي كان عليك عمله حتماً.
إذ مهما كان هذا بسيطاً وقديماً، ومهما خدّرنا أنفسنا بالنفاق وبأوهام الذات النابع منه، ما من شيء قادر على تقويض يقينية تلك الحقيقة البسيطة والواضحة، بأنه لا يمكن لأي جهود خارجية ضمان حياتنا المرتبطة، لا مناص، بآلام لا مفر منها، والمنتهية بالموت الذي يستحيل أكثر رده، والذي قد يحل بالنسبة لأي منا في أي لحظة، وأن حياتنا –لهذا السبب- لا يمكن أن يكون لها معنى سوى القيام، في كل لحظة، بما تريده منا القوة التي أرسلتنا إلى الحياة ومنحتنا في هذه الحياة قائداً لا شك فيه: وعينا الرشيد.